المثقف - نصوص أدبية

بركة الدم

ibrahemdawood_aljanabyتلك هي ساحة الخراب وقد تمددت بقميصها الذي داهمته عزلة الألوان وألقت بظلال خيبتها على سفوح غادرت الخضرة فضاءها، منذ أن اجتاحتها أسراب الخفافيش فتدثرت بعباءة تمطر غيوما مثل رصاص الأزقة الذي يهرول في كل ضاحية كي يملأ خرطومه بسائل الحياة. و يدشن غيبوبة أضحت لا تفارق سنام الأسئلة لتدجن أهازيج نحو ترهات لم يطالها العقل منذ أن غادرت تعاويذ أمهاتنا خرقة الأمل وركض البعير بأرجله الأسفنجية على بلاط الملك كي يدلي بآخر نبؤه خائبة

 

الوقت مثقوب، الجهات أزعجتها رتابة البوصلة، الجراد تحشد في كل الطرقات، وعلى جسد النهار صفعة من رياح اسنه، الليل كاس فارغ يملؤه العويل، النوارس باتت تبيض على شرفات الطرق المعبدة بالصراخ كي تؤمن للراحلين عجالة خائبة، الغيم بات يبيض قطراته على ارض محشوة بكذب الصهاريج المغادرة والتي ملأتها جثث من تسنموا رايات الإخفاق وما عادت رياح الشمال يشمها انف الحياة لذلك اقترح إن آخر جوق يعزف ترانيم بائسة لا بد أن يشرب من عيون المفارقين لآهاتهم وان يكون مأواهم جنة وسعها العزف والبكاء

 

ذات سواد بدا يجلجل و يجثم على طرقات قريته التي ابتلعت طرقاتها ومآذنها وسياراتها أرواحا مجهولة الهوية وتحشدن كي يكونن إقليما يعزف سيمفونية الحزن البارد التي تلطخت أوراقها ببردي السعال حينها أناخت كل الخيول عند مفترق الجهالة ونامت لتؤكد إنها بلا أوراق تؤهلها للخروج من طائلة ترنحت وسكرت بأبجدية الأزمة التي سال لعاب كذبتها وصدّق الآخرون

 

خرج بوسامته وقوامه الأنيق وقد تدلى من كفيه طفلان بعمر الورد لا يفارقانه إلا في أوقات العمل والتي يندر حصولها، وان حصلت فلا مؤهل امني كي تمارس طقوسها وكي يدام ابتلاع لقمة سائغه، فعادة لم يستطع احد أن يبرح داره لممارسة طقس العمل اليومي إلا إذا كان من شريحة تعتبر الحياة عمرها يوم واحد والتي باتت من أكثر المجازفات، أب كانوا أولاده يحلّقون بين كفيه ولم يغادر رفيف أحلامهم مساحة التجديد، كانوا برفقة الطمأنينة رغم صعقات الطائرات والمدافع والرصاص المهلل من فوهات الجهلة في كل زاوية لم يسجل في حضرة أفكارهم الطفولية ولو للحظة أي خدوش خطره، لم يعوا حجم كارثة ربما ستلحق بهم أو بأي شي حولهم، كان قد تجاوز عتبة الدار برفقتهم إلى الدكان المجاور كي يشتري لهم بعض الحلوى ربما الخروج بهكذا أوقات يشبه أيام العيد الطفو لي، عادوا يحملونها بكف والكف الآخر لم يفارق كف والدهما حينها انتابهم شعورا بنشوة الانتصار كون رفاقهم الذين كانوا يحدقون بهم من ثقوب الأبواب يتحسرون على دفقات شعورهم ويحسدونهم على خروجهم الذي رافقه انتصار الإرادة والفضول و فجأة انطلقت صيحات رصاصات نزعت أرديتها بجنبيهما واستقرت إحداهما في عنق ذلك الشاب الأب لتصيب شريانه ليشكل شلالا من الدم رسم لوحه سريالية على وجه وملابس احد الطفلين الذي كان من جهة الإصابة خر والدهم صريعا وتدلى ذلك الجسد ليستقر بين طفليه على الأرض، بينما ذهل الآخر وهو يمسح الدماء من الحلوى التي تمسّك بها، وبين ذهول طفولي، وغيبة تشبه موت لعبة كانت تموء بالحياة وحلوى لمّا تزل تداعب ألسنتهم، كان ذلك المشهد الخرافي

 

صرخات وعويل، وذهول رافقه خوف من إعادة الكرة التي اعتاد عليها أبناء القرية والتي لطالما راح ضحيتها أبرياء آخرين، هنا قد تشتت الجمع وترك ذلك القوام ممدا، لكن المجازفين في مثل هكذا حالات قلائل، نقل إلى المستشفى برفقة زوجته وطفليه بمعية الحلوى الملطخة بسخام المعضلة ووالده المسن، ادخل إلى غرفة الطوارئ وقلبه مازال ينبض والدم يتدفق من ذلك الشريان الذي لا احد يستطيع أن يغلق الفتحة التي أحدثتها تلك الرصاصة اللعينة، كان الوقت ليلا، دخل أشخاص يرتدون بزاة لطالما كانت سمة الموت تعلن عن محياهم وعن وجوه كالحة ودم لعين يتدفق من عيون ترى في الموت لعبة يمارسها الأشقياء، ضنهم معاوني الطبيب بخبرتهم اليومية، إنهم يريدون التأكد من ذبيحتهم، همسوا في إذن الطبيب دعنا نرسله إلى مستشفى المحافظة في الإسعاف الفوري عسى أن يفعلوا شيئا لا نستطيع فعله نحن، قالوها ويرتاد أنفسهم قلق مملوء بصخب الخوف، قال الطبيب هو على بعد شهقتين من الموت فلماذا...؟

 

استمرت حوارية صامته – جل كلماتهم تخرج عرجاء وهمسهم ابتلته رعشات الموت الذي قد يصيبهم كونهم يعرفون دفقات الموت التي تلامس اكف القادمين - كانت الأسئلة تتنقل عبر مسارات رؤيوية دون أن تحدث ضجيجا كانت التساؤلات مبهمة، حينها كانت أيديهم قد حطت على جسد النقالة التي تقل الجسد المسجى وقد تدلى من إحدى زواياها رأسه وهو يهطل أمطارا دمويه هي آخر حصيلة نزف لتشكل بركة دموية تحت النقالة التي حملت جثمان ذلك الشاب، كان والده الذي تسمر على إحدى الممرات الكونكريتية واجم النظرات مذهولا من هول الصاعقة فلا حول ولا قوة له، يربت على أكتاف الموت ويغني همسا كنت أقولها أنت الذي ستواري جسدي المعبأ بالتجاعيد الزمنية إلى مثواي الأثير وتؤثث أوراقي بحفنة من الحنان وها إنا ادلق إبريق روحي على قافلة عطشى وسأرقن قيد الجمال واقود حملة الموت بقافلة خربه.

 

 كانت الزوجة حينها – وعمها يحاكي خذلانه - تركض بأرجل مبتورة العقل تلاحقها صرخات طفليها اللذان تعلقا بأذيال عباءتها، حينها نطق الطبيب خذوه إلى ثلاجة الموتى، صرخت إلى أين؟، قالوا لا اله إلا الله هرولت نحوهم، انزلقت قدميها ببركة الدم ..... سقطت على مؤخرتها، الاطفال ابتلوا بماء الحياة، حينها غادرها الصراخ وصمتها أذهل المكان.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1722 السبت 09/04 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1677 المصادف: 2011-04-09 10:56:53