المثقف - نصوص أدبية

متابعات في الدائرة الجنونية / اشرف الخريبي

asharf_akwraybiوأنا أيضا أريد أن أكون ..

ولأنني أفعل فعلتهم.. فلماذا كان كل شيء ثقيلا..خطوتي، يدي، جسدي المنهك، قدمايّ لا تقويان علي السير،

كان المساء يمر علي السحابات التي تعبر بحار الدنيا، فأمشي غارقا في قاع المدينة، ألوك حزني ويلوكني الحزن ساعات طويلة لم يكن في الشوارع ضي، كانت الأزقة مليئة بالفراغ وقشعريرة البيوت التي انتصبت لتلقاني ،مشيت أنا والوقت والعمر الذي غير أوقاته في لحظة، كنت عائدا دون تحقيق نصف حلم أو حتى خُمس حلم، شددت نفسا عميقا واندفع هواء بارد إلي انفي وسألت لماذا ؟

لماذا يأتلف مع جسدي وتسلم عليه أعضائي وتغمرني فرحة، يلتصق التراب بي ويدور حول ملابسي المستوردة ولا يهم إن كنت أخاف عليها أم لا.. لماذا حين سقط علي درجات سلم بيتنا القديم الذي أعرف لم أستطع القيام،استرحت لوقوعي عليه، حينها جلست هادئا لا أقوى على الحركة، مدت يدها الطيبة التحمت أصابعي الجافة بأصابعها الطرية،نظرت في عينها الدامعة،الفرحانة. كادت تهم أن تحتضنني.. وأن .. تراجعنا وابتسمت لها وعرفت كلامها ودخلت إلي صوتها ونظرتها، لم يبق غير الاستسلام. فصمت طويلا

كان في حكاويها أسي عن البعاد، لاحظت نبرة صوتها الحنون وتابعت بخجل ورجاء دفقات دعائها، وهم جالسون في الصالة الواسعة، كانت العيون الأخرى تتابعنا بنهم وتتنمر علي طرح الأسئلة والأجوبة في آن واحد . ..

وأنا أيضا أريد أن أكون ..

أتأمل الروح والبدن وأشق الماء أخرق الصخر،أقف عاريا في مواجهة الليل مع الدولار في تلك المساحات بين الكفيل والليل الذي في غربة المسافر وذاكرة الذي يمشي علي الغيم.أي ليل تقصد وأي مساء مر عليك.وزمان قلت الهجرة، هجرة الدنيا إلي دنيا،عبرت بحار الدنيا وقلت أمريكا أو استراليا. لا بعدها رجوع ولا بعدها هجرة. وسألتني عن الوطن والأحباب والصحاب وأمك التي ماتت ولم يعد لك أحد يسأل عنك أو تسأل عنه وتعرف أخباره، كيف يمر النهار عليك كل ليل.

لم أكن أقصد الليل، كنت أقصدك في الليل الذي يعني زوال النهار/ الليل الذي يعني ابتعاد الشمس لأرض أخري وناس آخرون يحبونها مثل حبي لها.الليل هناك نسر يفرش جناحيه علي عصفور، هو نفسه الليل الذي واجهني ووقفت وواجهته وسألته .. لماذا ؟

أسأل السؤال ألف مرة ..

لماذا لما ذهبت إليها في أخر مساء مر علينا معا كانت عيونها تتسربل بدمعات لا حد لها. كنت أتأملها والبحر يسدد نظرة بيننا ويسقط أمامنا، واحتضنتني بقوة ولهفة غريبة،لكنها ودعتني بلا كلام أعرفه .

ومشيت في الليل وحدي

 كنت والإسفلت يسحب أقدامي المتعبة وشاب في سيارة مرسيدس يقبل فتاته قبلة عارمة وأعد نفسي بما أفعل الآن . ذهبت إلي أرض لا أعرفها وهاجرت إلي بلاد لا بلاد فيها.

علي جناح طائرة من التي كانت تقتل الأعداء زمان. ركبت إلي سفر لا سفر فيه غير رائحة الصمت وتكشيرة الوجه وإجراءات لا تنتهي وأظل متعبا طوال الوقت، همدانا، مهدود الجسد، أصعد سلم الطائرة وحيدا/ وحيدا. بلا وداع ولا أحبة أودعهم ،وفتحت علي جناحين من العذاب المر، والذين يعرفون السفر كانوا يبتسمون/ يتهامسون بالنكات الساذجة يقولون أشياء أخري عن الكفيل والريال والدولار وعدد ساعات العمل والآخرون في الغربة .

عند الصالة الواسعة المضاءة أنهينا الإجراءات المعقدة الطويلة وخرجنا  هذا كل ما كان في ذاكرتي وما تبقي غير النجوم بقع مفروشة لا تضيء في مساحة واسعة من السماء ولا نجاة من الليل الوحيد الموحش الذي استمر بعد ذلك سنين.

كان الألم خطوة \ خطوتين \ خمسين ألف خطوة . بعدها صوت كارها للذي هو أنا هاربا مني ومن كل من حولي تصير الألوان رمادية والخضار مساحة ضيقة في سراب بعيد تهتز حين الرؤى والظل في نهار الصيف نار. والفحم جبل معبأ في الوجدان مشاعل لا تضيء أخر هزة في الوجد الذي أضناني وبعدها جاهزة عيوني لموت معد واستقبال رسمي لكل ما هو جاف وقاسي.

ابتلعت حزني رشفة/ رشفة ودقيقة دقيقة  مر ما مر من الوقت ولا تزال لهذه العيون قدرتها علي الوثوب والصعود في أحشائي دون مقدمات . الحزن أكثر الألعاب تفهما للمواقف كنت أنظر للوراء بلا ملل وأمي التي كانت هناك في منزل عفن في حارة ضيقة في شارع مميت في بلاد كانت هنا أخذت منها سمرتها ونحافتها وخدها الآسيان أخذت حزنها المليء بها وهي تقعد أخر الليل تنتظر مجيء كل وقت .وتسأل سؤالا واحدا بلا إجابة غير صمت مطبق أردت أن أقول لها انه لا داعي لانتظارها كل الليل وأنه لا داعي لأرغفة الخبز التي كانت تتركها لي علي المنضدة الخشبية القديمة ... فأنا أيضا أريد أن أكون ..والدنيا علي هذا وذاك  مر ما مر وإنا أيضا في بلاد لا أعرفها .لفت رأسها فطوح الهواء البارد شعرها وأصبحنا في مواجهة شارع الكورنيش العريض.لو كانت المحطات التي نقلت خطوتي إلي الشارع المميت الذي أتحفني وجوده في بلاد لا بلاد فيها حين مشي الخوف داخلي كذئب جائع أستعيد اللحظات ثانية وأبعثرها ثانية.تلعثمت من أي نقطة انطلق والذي لم أقله لم استطع أن أقله  رفعت رأسي ناحيتها وتأملت بصدق ملامحها استجمعت شجاعتي  وابتسامتها دفعة واحدة  كل ما تعلمته مرة واحدة  وحين هممت . كانت الفوانيس لا تزال معلقة في مساحة فارغة لا يدركها أحد .... وأنا أيضا أريد أن أكون .. فلماذا

لماذا لم أكن أستطيع المضي أكثر من امتداد قدمي خطوة واحدة  خطوتان قصيرتان وبعدها وقوف وانتظار فوق تراب مشحون  بالألوان المتداخلة المختلطة تصب في اللون الرمادي الداكن  حين ركزت نظرتها علي انفلتُ . تململت في مكاني قليلا أسندت كوعي فوق المنضدة  أنقذني حين جاء يحمل الصينية علي كف وانحني ووضع الأكواب ببرود شديد تمضي السنوات وتزداد عيني اتساعا ويزداد الليل تمددا ويزداد صمتي كثافة وحزني عمقا ويظل الانكسار مستحيلا ودائما, تسقط كل اللحظات الخاصة الجميلة وأتعود الهزيمة شيئا فشيئا .

 لم يكن هناك مفر من مواجهة الأشياء التي تخصنا والتراب في وجهي يعرفني الوطن ويضربني بحوافره وأتذكر أني قرأت كلمات الوطن ووطني في كتب كثيرة.  أتذكر أوراق في جيبي وبطاقات الغربة الكثيرة وفي يدي  بعض ريالات جديدة .. لا أعرف معني العودة ذات نهار، لم انتبه في أية لحظة لفقداني أو للذي فقدت كانت قد أدارت وجهها باتجاه هاء بارد وهفي شعرها للخلف  وفي نهاية الإطراف اهتز ببطيء . وفرصتي علي اختزان القلق تقل والدقائق التي تمر . تمر ونحن علي هذا الوضع قرون يبقرني الصمت  ويفجعني فيّ . يدهشني أني لم أستطع أن أقول شيئا أخرجت المنديل بسرعة ومسحت دموعها الثقيلة التي لا تقوي علي السير كقدمي. طلبت إلي أن تنصرف وأن اذهب لوالدها  لإنهاء الموضوع

كنت في الليل وحدي في شارع طويل وحدي كنت وحدي مع وحدي التحف  بي من صمتي  بجسد مهدود اجر قدمين متعبتين .وعلي جسدي تسكن يدين هامدتين .. تمر لجواري سيارة الكفيل مسرعة في بلاد لا بلاد فيها ..

أنت فين يخوى الله يرضى عليك تعالى

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1941 الثلاثاء 15 / 11 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1897 المصادف: 2011-11-15 06:54:08