المثقف - نصوص أدبية

ترنح على حافة الكبرياء.. / عبد الحافظ الصمدي

لزم الرحيل إليك قبل أن تتجندل مدني من صهوة الثورة في ساحة اللاوطن لنتفادى لحظة تتغرر بنا القيم وتلفظنا قبل أن نلفظ مصطلحاتها وتهدينا مبادئ الأحرار نفسها الأخير..

عسانا نتمكن من تحنيط الذكرى الأخيرة لروحها فنودعها متحفاً يديره مستعمر.. فقد أطلق التأمر صفارته وتجمعنا ساحة التصفيات الأخيرة للرحيل والتنافس على حسم بوابة الوداع وقنوات المغادرة في زمن انعدمت التصحيحات..

 

ها نحن نعيش لنتعلم فن التطبيع على الغرغرة وأن حشرجة الساعة لشيء قريب.. هانذا أرحل لأنهل من مزن تاريخك بلقيس وأجني سنابل حقولك في الرمق الأخير، من آخر زمن أضعنا فيه جناتك والخيرات.. أستعذب التعب والبحث عن رواية أسطورية تمتد جذورها عبر التاريخ كالخرافة لتستقر أخيراً في جزيرة مجهولة وسطور جدي محشوة بالأساطير.. فريشته تذكرت سيرتك في السنوات الإضافية لحياة عجوز يبدو أصابه الخرف بعد تصفير عداد العمر.

 

أكتب تقريراً عنك وعن صهيل لازال يدفع الحوافر نحو التقدم.. أقرأ عيونك بلقيس وأفشل في وضع عنواناً لحكمتك وعظمتك دون اكتراث ما دمت يا مدينة الضياء في توسع لما تدركه الأقلام وامتداد أكبر من أن تشغره الأوطان أو توقف نهم العظمة حدودها.. أرحل إلى عرشك المكابر وليس لدي عفريت من الجن يأتي بك قبل قيامي وأن كان لدي علم من كتاب فريشة جدي لا تحبذ التسرع وتنبذ العجل وتحثني بما خطته من أعراف أن آتيك سعيا..

 

فأنت فن الكبرياء نظامك؛ أعجزت المؤرخين من ان يدركوا ارقاما لامتداد تاريخك وثغر الحياة لو ينقش خارطة الكون سروراً لإرضائك وفشل كل الطامعون في إيقاف عجلة التاريخ ،كنت قد أمرتيها بالانطلاق إلى الأمام فأخذها الدوران بهوس عنيد ينشد تطلعاتك بإصرار لا يفنى .

أرحل إليك محموماً بتاريخك ومتسلحاً بولائي لك وحبك مازال عهداً يفترش السعيدة كلها، نقتات من الأساطير لنروي الظمأ إليك حين تبدو لنا ينابيع الحقيقة المدفونة في زيف حاضر نتوهم أننا نعيشه فندعي الحياة فيه وحاضرنا لازال معتقلاً لدى أباطرة الروم وحلفاء كسرى، لذا عزمت السفر لعينيك فرداً لأجدك رفيقتي بعد البداية بكيلو مترات في دهاليز المرحوم جدي نحو صرحك.

فلولا التهيب من ركوب البحر ما ظل حلماً بجحيم البلاد جزيرة مجهولة يحرقها السفر وقد فرضت مشقته بهيبة غابات مهولة ، شرطاً مسترخياً كجبل يمتد مثل صدر حليم يتكئ بعظمة راسخة لتفترش جنباته ودياناً اختزلت الحياة بزخم متناقضاتها وتدافعها وتدثرت شعوبها بظلام سرمدي ليس له نقيض فيمحو عنها عتمة لياليه.

بحماقة ثائر فشل في ري صحاري العصر من ولائك وببراءة الأطفال، في العاشرة قبل أن يجثم اليأس كصخرة سقطت من منحدر يجرفني الشوق إزاءها وعيون الوطن تضرب مشاعري بشوفينية محمومة كما تضرب الأمطار الجزر، وما أن أكاد أجن حتى يؤكد لي جدي بأنها لا تحن لي بقدر حنينها لهويتي وإنتمائي فهي ربي ورب كل من شاركوني في الهوية والانتماء.

 

لا أدري كيف تخترقين كلمات جدي فأبدو مقتنعاً شيئاً ما لخيال خرف في مسودة ذكرى أجاد صيغته عجوز كان مثقفاً فشاخ بخيال أديب تشوبه الخرافة وتصبغ أسلوبه الأساطير.. مات جدي ولم يترك لتفسير بلقيس حلاً أو حداً لسيرتها، بيد أنه ترك كتاباً مبعثرة أوراقه؛ خانها الترتيب، مليئاً بأهوال الصور الخيالية وأن كان يجزم مراراً أن بلقيس إدراكها بغير حواسنا، ربما بحاسة الولاء وغيرة الانتماء وأن لوجودها معنا وفينا دلائل فمن آياتها التوحد والأمان وصلاتنا لها التضحية والإيمان.. "هي أجمل مدينة أشعر فيها بالأمان ووطن يمنحني الحياة وروداً وجناناً..".

 

يا أنت يا بلقيس يا أغلى وطن ومدينة مآذنها لم تسقط قروناً ولن ينهار فيها زمن.. هي أكبر من تفسير مشركي عصرها أكبر من أن تكون وثناً ، هي برفعة شأن المساجد وبقداسة الكنائس ، وفي أساطير الأولين هي جملة مبهمة أدفع لسراب إدراكها أسراب من عمري ثمن، تزداد في كل عصر لمعان معانيها مبادئ وقيم .. فهل يهديني اليك قبس يحتضر في سطور السالفين تزعم أن بلقيس برقة اللطف تربطنا بها علاقة إنتماء موجودة لا ندركها إلا

 

بالولاء.. الرواية محشوة بجدي وبحكاياته الأسطورية أسفرت عن شخابيط تينع كالورود، وطلاسمها حركت أعاصيري وجمدتها على شفرات التأويل كألغاز لا ترحم.. تبدو بألف حل لمتحديها وتطبيق إحدى الحلول منها محال ..

 

"عظمى، لكن..!"..

 

هكذا يبدو العنوان مبتوراً وفي الفراغ الممتد من ذكرى حية في ماض سحيق إلى حاضر مصيره ضحية جرم الحداثة؛ إذ تغتال أفكارنا كل صباح بكف مجرم يتبختر بزي الوطنية خارج أسوار مدننا.. هذا الفراغ المفتوح كوادٍ من الويل يحمل فحوى تعابير مجازية صرفة وبليغة حد الأساطير وإدمان شهوة الوقوف على حافة التفكير لقرون..

الرواية.. عنوانها يهدر زمناً في التأويل فما بالي بقراءة كل فصولها وقد أصبحت في دوامة فصل واحد منها مرشحا للجنون..

 

لا أدري ما الذي دفع جدي للجزم أنك لغز وتفسير سرك مودع في جزيرة مجهولة، ما جعلني أركب حماقاتي بتطرق فلسفي، إذ يعتبر العجوز الانتحار حياة، فالمنتحر بمفهومة يموت حقاً ، لكن المجازفة نحو الموت توقظ في الشعوب المقتولة ، عملية التنفس بعد سكون.. قبلت الرهان وما أصعب التحدي بين اثنين أحدهما فوق الأرض والآخر تحتها ، ولا سيما في البحث عن حقيقة في جهة مهملة في الولاء، محذوفة من قاموس الحقائق، مجهولة تماما في سراديب المجاز.

 

فإلى الجزيرة المجهولة أسعى ، كما تنشدها مدينتي الشامخة مآذنها كأنف الكبرياء..

"انتحار، غزو أحمق ، أبحار نحو متاهات الرحيل".. مهما كان نوع الإقدام فأنا بلا عتاد غير ما بحوزتي من شخابيط أخيلة ممزوجة بهلوسات تقيأتها أنامل مرتعشة لعجوز فشل في السيطرة على ريشة محمومة.. كان جدي قد منحها المراهقة بأصابع الشباب.. شاخ جدي.. وريشته لا تجهدها ثقافة أو أسلوب أبداع لأديب محترف ألم بجوامع الكلم.

أيتها المملكة التي غطت في سبات التاريخ سنيناً تبحث عن حقيقتها، وحين عزمت الرحيل ـ أنا ـ لتفسير ذات اللغز، استيقظت مدنها لتجد نفسها حبلى بالحقيقة ـ "نبحث معاً عن حقيقة نجهلها حتى اكتشفت أنك الجزيرة المجهولة في

 

بحيرة الخذلان أخيراً جواري" تفرحني النتيجة وأن فاقت شواطئك وأنف الشموخ تتدلى كخصية مجهدة.. أصلي لعينيك وأنت ترتلين آياتك التاريخية لتؤكد أن ولادة الأحداث كثيراً ما تكون كأي مخاض طبيعي معمدة بالدم، هي هكذا المنجزات إنجابها في زخم المتناقضات بين الرهبة والابتهال وصراخ الألم ودموع الفرح، فغالباًً ولادة الأحداث تذيلها أمضاء الآلام والنزف المقدس عدا حدث بشرت به المدينة المتربعة كعروس في البحر حين أضاء ثغر بلقيس بسمة عيد لا تذبل وتهلل وجه ابن ذي يزن بولادة بيضاء لا تعمدها الدماء كون الحدث كان طبيعياً حتى شاء التنازع أن يصبغ مخاضها بأحمر الوطنية والولاء، لذا جاء مايو في آياتك طبيعياً كإفراز الحليب ومثل إنتاج النحل العسل، فهل يملك النهر تغييراً لمجراه وهل ساد قوم بلا لغة في زمن ما.

 

غني لي أيتها العظيمة من تاريخ آياتك فإني أشعر بالضياع ودوار التقيؤ بما فيني من تراث ماضيك.. رددي: " أنا رتق لا ينفتق، بانسجام تاريخي على فطرة التاريخ كما أراد الإله كان الالتئام.. ذويزن يحيا في كل جيل ما دامت الأوطان تحيا بالشعوب.

ردديها.. أيتها الشامخة كأصل فروعه بالسماء تسري فيه سرمدية الاخضرار والحياة..

 

ردديها أغنية لأجيال لم ولن تخذلك، حتى يتردد صدى لحن ماضيك ليتلو علينا حين يأخذنا الخشوع:" ولادة حدث لازال عظيماً منذ الوهلة الأولى معمد بإرادة شعب تذيله بصمات جماهير أجيالك توقيعاً بحلم وطن وبحجم مدائن لا تعرف الانحناء نخيلها، متى ما عشقت الأجيال ترابها وردد النشيد الفداء صاخباً كأنهار أرض كريمة تأبى الانتحار على شفرات التمزق.. يا بلاد الشموخ أتطلع فيك طمعاً في السمو البعيد المنال وهذا التردد يلوح في وجهي بورقة الانهيار، وبدا الترنح يرعش بسذاجة اتزاني، يهددني بالسقوط..

 

أتخذ من عرشك مصلى أقف على حافة الشموخ أستجدي عبثاً الكبرياء فيخذلني الحاضر الضحية، يعتصرني الحنين، وعويل صرحك يدمر العزيمة ويموت إصراري خوف المكابرة والعناد .. وقبل ضياعي في متاهات التخاذل، دعيني التمس من جنباتك الضياء وأبادل الدامر والمعمور فيك نشيد الولاء:

بلقيس يا وجعي ويا وجع المسافات البعيدة..

ياشوقاً تضمخ بالفداء..

ويا حباً يسري بنفسي كلحن في قصيدة..

ياسراً يتوقني كخارطة تفترش السعيدة..

بلقيس في آخر السكرات تشعلنا دماً

وتزرع فينا الحياة بذور جديدة..

 

* كاتب يمني

سكرتير تحرير صحيفة أخبار اليوم اليمنية

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1941 الثلاثاء 15 / 11 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1897 المصادف: 2011-11-15 07:04:27