المثقف - نصوص أدبية

شارع القدور / كريم كطافة

أنا في مكان يشبه ملعباً لكرة القدم. المدرجات غاصة بحشود المتفرجين، وهؤلاء لا يتفرجون على شيء، باستثناء تلك الجريدة السمراء التي تارة يبحثون في زواياها عن خبر ضائع،

وتارة يظللون بها رؤوسهم من وهج الشمس، كأن الجريدة قد أُعطيت لهم مع بطاقة الدخول.

منذ وجدت في هذا المكان، وأنا أعاني من التصاق هذا الشاب الذي لاحقني كظلي. لا أدري كيف أنبثق فجأة وألتصق بيَ. أنا غير خائف منه، لكني سأشعر بالتخفف لو غادرني واختفى تماما مثلما ظهر. هو يحادثني بعفوية، وبطلاقة تشبه الصداقة. لعله يتحدث بأشياء بعيدة كانت تربطنا، وأنا منصرف عن الحديث بتمعن ملامحه. حتى سمعته يقول لي:

- حضّر نفسك لمقابلة تلفزيونية، لكن بالإنكليزي!

- بالإنكليزي!؟

وجدت أن الأمر قد تعدى حدود الالتباس، هذا الشاب يعرفني. وإذ أمعنت النظر في ملامحه، وجدتني أحيل شكله إلى وجه أطل عليّ من أيام الدراسة المتوسطة. مع أن سلوكه الالتصاقي الحالي، وجرأته في الحديث هما أبعد ما يكونا عن انطوائية صديقي ذاك وتلعثمه في الحديث، حتى أنا لا أتذكر أسمه الآن. لكن كيف؟ لو صح أن ذاكرتي بهذه الحيوية، التي تستعيد بها وجهاً تراكم عليه غبار عشرين سنة مضت، يظل في الأمر ما يُذهِل؛ لان حدود معرفتنا لبعضنا لم تتعد ثلاث سنين دراسية، بعدها ذهب كلّ في طريقه. لم نلتق، لم نتراسل أبدا! بدأت مشاعري نحوه في التحول من مجرد التضايق من التصاقه بي، إلى الخوف منه. أو الخوف من ذلك الرجل الذي أوصلني إلى تخوم المدينة، لعله فعلها ووشى بي:

- بعد تلك التلة ستشاهد قباب الإمام الذهبية، هي النجف. زر وأدع لي.

نظرت إلى حيث أشار ولم أر غير تلة تشبه غيرها من تلال كثيرة خلفناها وراءنا. أردف:

- من الآن ستتحمل مسؤولية نفسك.

مد يده لي. تذكرت اتفاقنا. سلمته ورقة صغيرة، كتبت عليها كلمة السر التي اتفقت عليها مع أصدقائي خلف الحدود، ليدفعوا له المبلغ المتفق عليه، وهو بدوره  بحث في ذلك الشيء الذي كان معلقاً على كتفه. أخرج منه قدراً ملفوفاً بورق جرائد انكليزية وسلمني إياه، قائلاً:

- خذ أمانتك.

أخذت القدر منه، ثم ودعته وعاد إلى الصحراء من جديد.. تابعته وهو يمشي مثل "سلبوح" حتى ابتلعته الرمال.. واصلت سيري عبر التلال الرملية المتشابهة ومعي القدر الذي لا أدري ما فيه، حتى شاهدت القباب الذهبية تعكس وهج شمس الغروب. لأدع الالتباس الآن. أجد أن الشاب يكتب شيئا ما في كراسته، وهو يواصل حديثه معي بذات العفوية التي تشبه الصداقة. أفكر الآن في أمر التخلص من التصاقه، ومن اختياري للمقابلة التلفزيونية المزعومة. مع أني في دخيلتي لم أنزعج كثيرا من أمر هذا الاختيار، لم أجد في نفسي ذلك التردد المعتاد في هكذا مواقف، بالعكس، وجدت ما يشبه القبول، لعل الاختيار أشعرني بأهميتي، ربما لأول مرة بعد تلك السنين، أشعر أني ضروري لعمل ما، ليكن ما يكون، هو عمل وكفى، عمل لم يجد غيري قادراً عليه، وإلا لماذا اختارني أنا بالذات من بين هذه الجموع المحتشدة هنا، هل يعقل انه اختارني لأني فقط أحمل بيدي قدرا ملفوفا بأوراق عليها حروف إنكليزية؟ بالطبع لا.

أخيرا تركني ذلك الصديق المزعوم، وانصرف، ولعلني أود القول: انه أطلق سراحي. شعرت بانصرافه أني قد تخففت من ثقل كان جاثما على صدري، ثقل يشبه الحيرة أمام عمل عليك فعله الآن، وأنت لا تعرف كيف. خرجت من الملعب وواصلت سيري في شوارع المدينة المقدسة، كان في ذهني زيارة ضريح الإمام، الذي لم أعد أرى الآن قبابه الذهبية كما رأيتها من ذلك البعد خارج المدينة. هي رغبة تلبستني منذ قررت الرجوع إلى البلد: أن أطوف في أروقته، ألمس شبابيكه، أستنشق عبير المسك، أغسل روحي، وأنظف رأسي من كل ما علق به طيلة سنيني التي قضيتها هناك، المبلولة ضبابا، مطرا، بردا، ضجرا، عزلة، سنيني المتجمدة، المتوحد فيها.. سأفعل كل ما تفرضه طقوس الزيارة، وقبل أن أخرج سأشتري "علقا" أخضراً أربط به ذراعي، تماما كما كانت أمي تفعل، أيام كنت صغيرا.

 لم يزل الأمر مقلقا؛ حقا ماذا أراد مني ذلك الشاب؟ مقابلة تلفزيونية! معي أنا!؟

تلبسني الخوف ثانية. نعم، أنا الآن خائف لغياب ذلك الشاب، أكثر من خوفي حين كان ملتصقا بيّ.. عليّ الاحتراس وأنا أتجول في الشوارع. دخلت شارعا طويلا لا أرى نهاية له، ومن بدايته إلى تلك النهاية غير المعروفة، رأيت قدور الهريسة من الجانبين، حتى أنبثق في ذهني فجأة أسم "شارع القدور". المنظر الباذخ لكثرة القدور جعلني أتساءل؛ عن أي مجاعة يتحدثون؟ أرى قدورا يسع الواحد منها بعيرا كاملا.. قدور متراتبة بامتداد لانهائي، تهسهس تحتها نار الحطب الجاف، وعليها مغاريف تشبه مجاديف الزوارق. لكني دهشت حين اقتربت من أول القدور ولم أجد فيه الهريسة وتكرر الأمر مع الثاني والثالث... قدور كثيرة لم أجد فيها الهريسة، بل شيئاً آخر.. يا إلهي.. كيف يحدث هذا؟ لعلني توهمته.. نعم أنا متوهم، بالطبع أنا متوهم، أمن المعقول أنهم يضعون أطفالا بدل الهريسة؟ بالطبع لا.. من يفعل هذا.. من يرضى أن يرمي ابنه في قدر هريسة؟ صحيح أنهم محاصرون منذ سنين طويلة، جائعون، يائسون... لكن كيف يرمون أطفالهم في قدور الهريسة؟ كيف لي أن أصدق هذا..؟ قد تكون تلك الدشاديش الملونة والرؤوس الصغيرة التي شاهدتها في القدور محظ خيال.. حتى تلك الابتسامة التي لمحتها خطفا من أحد الرؤوس، كانت وهما من أوهامي.. أنا كثيرا ما أتوهم أشياءاً غير موجودة، كثيرا ما أعيش مع الأخيلة حتى أظنها حقيقة.. صحيح لم تكن في القدور هريسة، لأني رغم كل شيء، ما زلت أتذكر شكل ورائحة الهريسة الحسينية.. لم أشاهد هريسة، هذا مؤكد.. لعلها كانت تغلي بشيء.. لنسميه بديلاً عن الهريسة.. شيء اهتدوا إليه بفعل الحصار، شيء لا أدري ما هو.. لِمَ العجب؟ كثيرة هي الأشياء التي يتناولها الناس هنا ولا يدرون عنها شيئا.. ألم يخبرني أخي في واحدة من رسائله: أنهم للآن وبعد ثمان سنين من الحصار، لا يعرفون محتويات رغيفهم.. مع انهم ما زالوا يسمونه خبزا، ويأكلونه على أنه خبز.. مع أنه ليس بالخبز.

هربت من "شارع القدور" إلى أول زقاق جانبي اعترضني، وأنا مازلت احمل قدري ملفوفا بورق الجرائد الإنكليزية.. أقول هربت، لأني حقا كنت أركض.. هربت من ذلك الوهم الذي تلبسني وأقنعني أن الناس بدأوا يطبخون أطفالهم. حتى وصلت إلى بيوت متهدمة، كل شيء فيها وحولها يوحي أني في خرائب متروكة منذ زمن لا يعلمه إلا الله. شعرت هناك بالتخفف من وهمي أولا، ومن عدم قدرة ذلك الشاب الملتصق على العثور عليّ مجددا. لكن، ويا للمصيبة.. هنا أيضا وجدت قدور الهريسة، كانت قليلة، هما قدران كبيران لا غير في باحة بيت متهدم، التي لا ادري هل هي باحة كانت لبيت أم مجرد فضاء خارجي. رأيت شيئا من حشيش وبضعة نخيلات عجفاوات. شعرت بالتعب وبالحاجة إلى النوم وبإلحاح سؤال جديد، سؤال أخذ ينقر في رأسي بوخز يشبه وخز الدبابيس: ماذا أفعل في هذه المدينة التي تأكل أطفالها..؟ مع أني ما زلت على يقيني الذي يزعم لي؛ أن ما شاهدته في القدور ليسوا أطفالاً بل هريسة من نوع ما، لكنه يقين مشوش، مرتاب، يتداعى حالما استعيد ابتسامة ذلك الرأس الصغير في القدر الذي كان يغلي به. كذلك تلاشت من ذاكرتي تلك الرغبة التي كانت ملحاحة بزيارة ضريح الإمام والتطهر في حظرته.. ماذا تبقى للإمام من حظوه والناس يطبخون أطفالهم.. لِمَ لا أواصل سيري إلى بيتي أو الذي كان بيتي قبل عشرين سنة... هناك سأحتضن أمي، وأحقق حلمي القديم، بالنوم في حضنها، ملتفا بعباءتها كما كنت افعل أيام زمان، بهذه الطريقة سأرتوي من رائحة أمي، الرائحة التي افتقدتها على مدى سنيني الموحشة. نعم هذا ما قصدته بعودتي، لكني مشوش الآن وخائف من احتمال اصطدامي بقدور أخرى هناك.. ثم كيف سأعثر على بيتي وسط هذا الخراب الذي محا ملامح الأشياء والمكان..؟ ها هو الصديق المدّعي يزيد تشوشي بظهوره المفاجئ أمامي.. لا أريد من أين خرج ونط بوجهي.. أراه يحمل بيده الآن آلة تسجيل صغيرة كتلك التي يحملها الصحفيون، وهم يطاردون فرائسهم. عاد إلى محادثتي بذات العفوية التي تشي أحيانا انه يعرفني ليس من أيام الدراسة فحسب، بل من أيام المهد. سألني:

- هل أنت مستعد للمقابلة؟

ولم يدعني أُجيب على سؤاله، راح يواصل حديثه وكأني قلت له: نعم.

- دعنا نتفق إذن.

- لكن..

- بلا لكن. سأقوم أنا بتقديمك، سأقول أنك دكتور باختصاص ما!

مع هذه الـ(دكتور) اختنقت باعتراضي. كيف لهذا أن يفهم أن لي عقدة مستعصية مع صفة الدكترة هذه، عقدة زرعتها في نفسي إبرة الطبيب أو المضمد ذلك الشيء المخيف الذي يستعرضه الطبيب أمام عينيك أولاً وكأنه يهددك.. حتى انسحبت عقدتي إلى مقاطعة كل صديق يحصل على شهادة الدكتوراه رغم أن بعضهم لم يكن طبيباً أصلاً ـ.. هكذا أنا أكره هذه الصفة.. وهذا يريد أن يلبسني إياها.. لكنه اسكتني بأشارة آمرة:

- ولا يهمك، لا أحد يسأل.. وأنت كصحفي تعرف هذه الأمور، أليس كذلك؟

كذلك لم يدعني أجيب، راح يواصل وكأني قلت له: طبعا. أنا دكتور وصحفي وأعرف كل هذه الأمور.

- بعد التقديم، سنعرج على عملك الفكري.. وعن المؤلفات التي ألفتها..

مَنْ يظنني هذا (اللزكة)..؟ مؤكد أن ما يحصل معي الآن هو التباس خطير، التباس سيقذف بي إلى السجن، إن لم يطوح برأسي. أنا لست دكتورا من أي نوع، كذلك لست صحفيا.. ولم أؤلف بحياتي شيئاً.. ما أردته من دخولي البلد هو زيارة أهلي بعد كل تلك السنين. لكن كيف سأتخلص منه؟ هو لم يدعني أتكلم، دائما يسكتني بتلك الإشارة الآمرة من يده، ويعود ليواصل لعبته معي:

- قل: انك كنت تكتب للصحف الأجنبية والعربية، هكذا بالجمع، لا تحدد أي صحف، لتتجنب المشاكل، فيما لو ذكرت بعض الصحف المعادية التي كنت تكتب لها.. ثم ادخل مباشرة في الموضوع..

- أي موضوع؟

- موضوعنا.

- موضوعنا!؟

- قل موقفك من فرق التفتيش، ومن الحصار الظالم. أنت تعرف كل شيء بالطبع، وعندك موقف من الحصار، أليس كذلك!! أو تريدني أن أعلمك عليه؟

- لا، لا، بالطبع عندي موقف..

- إذن أنت جاهز. لأنك بعد هذه المقابلة فقط، تستطيع أن تلتقي بالشخص الذي أتيت من أجله، ستدخل إلى تلك الغرفة.. هل تراها في مؤخرة البيت، هناك سيأتي الشخص الذي ستجري معه مقابلتك.. إلا أن هذه فيما بعد، بعد إنجاز مقابلتنا أولا.

من يكون هذا الذي أتيت من اجله؟ أنا دخلت البلد خلسة، هكذا (تهريب)، فقط لرؤية أبي وأمي، خوفا من توديعهما الحياة دون توديعي، قلت لأريحهما من عناء تلك الحسرة التي يحملانها في قلبيهما لرؤيتي.. هذا كل ما في الأمر، وهذا (اللزكة) يريد أن يعمل معي مقابلة تلفزيونية، واضح أنها كذلك، من آلة التسجيل التي يحملها والكاميرات التي أرى من يعدها قرب البيت المتهدم. أيقصد أن أبي وأمي سيشاهدانني تلفزيونيا؟ وبالتالي أكون بمعونته قد حققت تلك الرغبة التي أتيت من اجلها.. لقد لخبطني هذا (اللزكة)، وزرع في رأسي التشتت بين المكوث عند جدران هذا البيت المتهدم، أو النفاذ بجلدي والعودة من جديد إلى الصحراء..

- لماذا أنت حائر؟

لقد فاجأني، كأنه مسكني وأنا أداور الأمر في رأسي.

- نعم، أنا حائر، لأني لا اعرف ماذا أقول في المقابلة..

- طيب سأساعدك، لكن دعنا الآن ننتهي من شبيه السيد الرئيس.. انظر انه يأتي.

نظرت إلى حيث أشار، حقاً، لقد شاهدت باصاً أنيقا يشبه تلك الباصات التي كنت أشاهدها في أوروبا وهي تناقل السياح والزائرين بين البلاد الأوروبية. لقد دهمنا الباص، وأقول دهمنا، لأني لم أشاهده وهو يسير باتجاهنا، منذ لمحته من زاوية الانعطافة البعيدة التي أشار لها صديقي (اللزكة) حتى وقوفه أمامنا، لا اعتقد أن عقارب الساعة قد تحركت غير ثوان قليلة. شيء ما غير عادي حقا يحمله هذا الباص، أرى لخبطة الناس هنا، مع انهم قليلون، شكلوا ما يشبه الطابور، وجدت نفسي في مؤخرته، قرب باب البيت المتهدم، صرت اصفق مثلهم، أصفق فقط دون أن اردد تلك اللازمة التي يرددونها، حتى غزاني الخوف من أن يشاهدني أحدهم لا اردد ما يرددون، قلت لأحرك شفتي مثلهم، وجدتني لا أستطيع، شيء يمنعني، شيء يشبه الغصة في البلعوم، عائق يسد مجرى تدفق المفردات لو حاولت القول مثلهم.. لكن من يكون هذا القادم في الباص ليستقبل بهذه الحفاوة والخوف معا؟ ألم يقل لي صديقي المزعوم انه شبيه السيد الرئيس.. إذن لِمَ هم خائفون كذلك من شبيهه..؟ لكن لِمَ لا يكون هو نفسه.. من أين لهؤلاء ولي التفريق بينه وبين شبيهه؟ صرت أتمعن في ملامح النازل من الباص. كان هو. يرتدي طقما من قطعتين، جاكيت أرضيته رمادية منقطة بالسواد، وبنطالاً اسوداً، طقم شيك. حمل على ذراعه طفلة صغيرة، جميلة بثوبها الزهري وجدائلها المشدودة بشرائط حمراء. بدا لي أنه وسيم بوجهه الأسمر الصافي من الجدري القديم ومسالم بلاإباليته للحشد الصغير المحتفل به. خفت من أن يفعلها ويسألني. كان في ذلك الزمن يفعلها خلال زياراته المختلفة كما كنت أراه في التلفزيون، يسأل أحدهم، أو يكلمه هكذا لمجرد الكلام. المشكلة الآن؛ لا يوجد عندي ما أقوله، حتى أنى نسيت ما كنت أحضره مع نفسي عن فرق التفتيش لتلك المقابلة المزعومة، لقد نسيت كل شيء بعد أن رأيته يشق طريقه خلال الحشد الصغير وهو يحمل الطفلة الجميلة على ذراعه، لم يطرح ذهني في تلك الثواني غير  سؤال بدا لي مرعباً: هل يفعلها ويرمي الطفلة في أحد القدرين؟ ولما تجاوزني دون أن يفعل أي من الهاجسين اللذين تشبثا برأسي.. وجدتني أحاول شق طريقي بين المتجمعين لأتبعه.. حتى استوقفتني امرأتان عجيبتان، كانتا واقفتين عند باب البيت المتهدم كأنهما الحرس الشخصي له. أقول عجيبتان، لان شكلهما لم يكن محلياً ولا حتى عربيا، أكاد أقول إنكليزيا، أوروبيا، كانتا ترتديان ملابس الطباخين، قميص ابيض شفاف تشف منه حلمتي النهدين نقطتين سمراوين في البياض الناصع وتنورة بيضاء قصيرة، كانتا جميلتين، ممشوقتين، بسيقان ملبّسة بالجوارب الشفافة التي توهمك أن ما تراه هو اللحم الحي.. حتى جاء صديقي (اللزكة) وسحبني من ذراعي:

- الآن سنبدأ مقابلتنا. قلت له وأردتها للسخرية ليس إلا:

- أخشى أن تجعلني أقابل السيد الرئيس؟

ضحك، أو هو لم يضحك، فقط بدا لي كذلك، وأجابني بسؤال:

- أنت لماذا أتيت أصلاً!؟

لقد وخزني السؤال، لكنه بدل أن يبلبلني هذه المرة، جعلني أتذكر أمراً كدت أنساه طيلة هذا الوقت. تذكرت القدر الذي احمله منذ وصولي إلى هذه المدينة، وأنا لم أزل أجهل ما في داخله. فتحت غطاء القدر، يا للرعب.. يا للمصيبة.. هل أنا أتوهم ثانية.. ما هي حكاية الرؤوس في هذه المدينة..؟ لقد وجدت رأساً صغيرا في قدري. رأس متورد الخدين بعيون طفلية لعوب.. رأس أعرفه.. قريب مني.. قريب.. قريب.. قريب إلى حد.. إلى حد ماذا؟ أنه رأس أبني..

حزيران- 1998

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1968 الأثنين 12 / 12 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1924 المصادف: 2011-12-12 16:12:32