المثقف - نصوص أدبية

حلم امرأة / كريم كطافة

karim_ghtaffaلم أعد أدري أين هو الحد الفاصل بين حلم وكابوس. أخذت حدود كثير من المسميات تتداخل في رأسي. أعرف أني كنت في نزهة حلم برفقة أبني الكبير حين عثرت على عربة طفل جميلة في الشارع.

تمنيت في حلمي لو كانت تلك العربة عندي حين كان ابني الصغير لم يزل رضيعاً.. ثم تحول إلى كابوس.. إنما هذا وذاك ظلا يتبادلان الأدوار والإيهام. منذ وهلة دخولي وزوجته البيت، وعيونه ما انفكت تساءل عيوني. عشقت البيت، ولا أريد الانفكاك من لحظات تتطاول بفحيح ملتبس يطلقه الرجل واتحايده. ليس الرجل فقط من اتحايده، رخاوة اللحظات وتمددها، شياطيني التي عادت تنخر في صدري وتجوف رأسي.. وهذه الشبكة العنكبوتية ذات الخيوط الحديدية الناعمة، التي تطلقها عيون الرجل، تتشابك نهاياتها مشحونة بما قدر الله لها من شبق وفحيح. لِمَ لا يكون الرجل مشتهى؟ كيف لي أن أعرف.. دهر مضى منذ نظفت رأسي وصدري من وساوس تلك الشياطين.. درجت على قطع دابرها في كل ليلة تدهمني فيها، ببقايا زوجي الغائب، رائحة جسده المعتقة في ملابس حرصت على أن ترافقني في رحلة تيه طويلة تقاذفتني فيها الحدود. صور صغيرة وكبيرة ملئت بها فضاءات البيت.. ثم هذا المَعلم الشائك.. أولادي.. كل يوم تنحفر على أجسادهم ملامح أخرى من أبيهم. أحرص أن أتخذ من تلك البقايا درعاً أتحصن به ضد تلك الشياطين اللعينة، وهذا الرجل يحاول النخر بعيداً.

كانت زوجته تعد لنا القهوة، هكذا أخبرتنا حين غادرت الصالون. لا أدري الآن، هل هي حقيقة تعد القهوة أم هي تستكمل حلقة أخرى من فخ أرادت إيقاعي به. لم أزل مخدرة بعطر مدوخ تبثه الجدران، الأثاث، الهواء، حتى الهواء بدا لي لا يشبه هواء الخارج. دعاني لرؤية بقية غرف البيت وتبعت. دار بي مثل مرشد سياحي.

- سأريك الآن غرفة الأطفال.

ما زلت منومة بخدر العطر الذي يبثه الهواء. كانت الغرفة هي الأخرى جميلة. جذبني فيها تناسق الألوان بين أثاثها وجدرانها.  واضح أنها قد أُعدت لطفلين. يا لها من كاذبة تلك المرأة، زعمت لي أن لهم طفل واحد حين توسلتني أن أعطيها العربة. أجد الغرفة كأنها أُعدت لولديّ أنا، كأنها فُصلت لحلمي، ليس لها شكل معروف، أخذت شكلها من الحلم، من نوايا وهواجس وأماني وخطط استهلكت مني علب دخان، فناجين قهوة، أطنان من حسرات وآهات تكون أحياناً ساخرة من ولوجي كل هذا الانحدار في التمني اليائس.

أدور خلفه في البيت الكبير الكائن هو الآخر بلا شكل هندسي معروف ويدور السؤال في رأسي؛ هل خرجت من الكابوس إلى الحلم أم العكس.. كيف وصلت إلى هذا البيت، ما الذي دعاني لتلبية دعوة زوجته التي لا أعرفها. هل يكفي اختلافنا حول عربة طفل وجدتها أنا في الشارع، وأرادتها هي..؟ لكنني تنازلت عن العربة، مع أني من وجدها، قلت لها: خذيها، أن ابني قد كبر عليها، هي لك. بغتة تحولت سحنة المرأة من العداوة إلى الصداقة، بدت سعيدة بلقيتها، وهي لقيتي. ثم دعتني لشرب القهوة عندها. لم تكتف بالدعوة الشفوية، بل سحبتني من يدي، لتمنع أية محاولة رفض. لم أرفض صراحة تلك الدعوة. لكن كيف لي أن أرفض، وهي في سحبها لي من يدي وجدتها قد نقلتني من عالم إلى عالم، أخذتني إلى حدود أخرى، ليست حدودي، إلى بلد ليس البلد الذي لجئت إليه بعد فقدان زوجي في تلك الحرب الغامضة، أنا اعرف منطقتي وحدودها، هنا الجيران ليسوا جيراني، ليس هذا فقط ما أدهشني وأربكني وعقد لساني عن التعبير صراحة عن رفض دعوتها ، إنما وجدت الناس هنا يتكلمون لغة أخرى، ليست لغتي، كذلك هي ليست لغة بلد لجوئي. لكن الأغرب من هذا وذاك، كنت أفهم حديث الناس!! سمعت أثناء مرورنا أنا وزوجته، من تلك الجادة الرفيعة المحفوفة بالأشجار والحدائق والقنوات، حديث اثنتين من جاراتها، سمعت إحداهن تقول لصاحبتها من على شرفة البيت الكائن فوق رؤوسنا:

- انظري إلى فستانها.. ألا يسع 12 شهر حمل..!!

كانت المرأة تقصدني. لقد كنت ارتدي فستان حمل، مع أنى لست بحامل، هكذا، أجده الأقرب إلى مزاجي من بين فساتيني. كان في غرفة الأطفال سريرين كبيرين، عليهما ملاءات وأغطية حريرية، تتناغم ألوانها مع ألوان الجدران والأرضية والستائر، وعلى الجانبين المقابلين للسريرين مكتبي أطفال، عليهما كتب وملفات ودفاتر، هي الأخرى منسقة بشكل جميل. كل شيء في الغرفة مُعَد لطفلين سعيدين، تحتل صورتيهما ركني المكتبين. يا إلهي أين أنا؟ ما الذي جلب صورتي ولديّ إلى هنا!؟ هاتان الصورتان لولديٌ أنا.. هذه صورة الكبير وهذا الصغير. أدرت رأسي مصعوقة إلى الرجل وعيوني تساءله، لم يجب، بل اكتفى بتحريك رأسه من الأعلى إلى الأسفل. أدرت رأسي ثانية كأني أبحث عن معالم أخرى، اصطدمت عيناي في الركن البعيد، كانت هناك زاوية من الأرائك الجلدية الملونة برسوم الأطفال، وهي تحاكي ألوان الجدران.. ألوان زاهية، هادئة، تشيع الدفء، الهدوء، السكينة في نفسيّ الطفلين. كيف أصف الغرفة؟ أنها ليست مستطيلة، ليست مربعة، ليست دائرية، ليس لها غير شكل معروف في حلمي أنا، حلمي الذي اجتره مع علب الدخان وفناجين القهوة. حتى سمعتني أردد مع نفسي:

- كم هي جميلة هذه الغرفة..!!

أجابني الرجل وكأنه سمع قلته لنفسي:

- هل لكِ.

ـ لكني لم أطلبها.

- صدقيني هي لكِ.. أنا من زمان فكرت أن أهديها لكِ

- من زمان؟

- من اليوم الذي أهديت فيه عربة الطفل لزوجتي

بماذا يهذي هذا الرجل..

- لكن هذا قد حصل منذ ساعة

ـ تستطيعين القول مرت سنين على تلك الحادثة الصغيرة.. لكن المؤثرة.

- سنين..!!؟

ـ كان نبلاً منك.. هل تعرفين ذلك؟

- أنا لا أدري عن ماذا أنت تتحدث. إن كان على العربة التي لقيتها في الطريق قبل ساعة..

- هل رأيت مقدار تواضعك.. هكذا تدعين أنها لم تكن تخصك، لكي لا تشعرينا إننا مدينون لك.

منذ قليل أدعيت أني أفهم لغتهم، لكن كيف لي أن أفهم مثل هذه الطلاسم، ما قاله قد التبس علي فهمي تماماً وزوجته ما زالت في المطبخ، كأنها قد حرنت ولا تريد الخروج من هناك. حين عاد بي إلى غرفة الجلوس وجدتها قد اختفت، لم تعد كما رأيتها قبل قليل، حلت محلها غرفة أخرى، أجد أمامي سرير يتسع لشخصين والعطر الأخاذ ذاته يضوع وكأنه يخرج من السرير، شيء يدخل مع التنفس ويزيل البرد الذي أحسسته يجوس ضلوعي منذ غياب زوجي.. لكن.. ما هذا...؟ سألت بما يشبه الصراخ:

- ماذا تفعل البامية هنا؟

كانت على ركن السرير كمية من البامية اليابسة.. لقد فهمت الآن.. نعم.. لقد عدت إلى الكابوس من جديد.. لكن كيف لي أن أخرج منه.. سألني بتوسل واضح:

ـ هل تطبخيها لنا.. زوجتي تقول أنك أفضل من يطبخ البامية.

لقد نفذ معين الصبر، صرت أصرخ:

- مرة أخرى زوجتك!! لقد تعرفت عليها منذ أقل من ساعة..

- لكنها تعرفك من سنين بعيدة..

- أرجوك لا تكمل.. لا تقل لي منذ اليوم الذي أهديتها تلك العربة.. أن رأسي لم يعد يحتمل.

تكلم وكأنه يهمس لنفسه:

ـ نعم.. أنها الحقيقة. والآن تستطيعين أن تغيري ملابسك. سأنسحب أنا.

ما زلت أصرخ:

ـ نعم !!؟

وبذات الهدوء الذي يشبه من يحدث نفسه:

ـ فستانك هذا أعرض بكثير مما يجب. ثم لا يصح أن ترتديه وهو مليء بكل هذه الثقوب.

- ثقوب !!؟

صرت أفتش كالملدوغة بين ثنايا الفستان عن تلك الثقوب. يا إلهي ماذا حصل لي.. وجدت ثقوباً كثيرة، صغيرة وكبيرة. الثقوب في فستاني تكاد تفضح عرييّ أكثر مما تستره.. من أين أتتني كل هذه الثقوب؟

أجابني وكأنه مرة أخرى يسمع همسي لنفسي:

ـ هدئي نفسك أرجوك.. كان طريقك صعباً.. وعراً.. عبرت حدوداً كثيرة.. عبرت الكثير من أسلاك العالم الشائكة.

لم يعد يهمني كل هذا اللغو الذي يتفوه به الرجل.. أريد فقط  أن أعرف ماذا تفعل زوجته كل هذا الوقت في المطبخ.. لماذا هي أتت بي أصلاً إلى بيتها وتركتني مع زوجها... وهل أنا في حلم أم كابوس.. أخيراً شرّفت الخاتون عائدة من مطبخها وكأنها عائدة من آخر الدنيا... عادت وهي تحمل صينية من البلور عليها صحون بلورية صغيرة بألوان وأشكال مختلفة، لكنها لا تحوي غير المربى. صارت تنظر لي بذهول وحيرة وكأنها تراني لأول مرة ولسان حالي كأنه يشمت بها (صح النوم يا مدام) حتى سقطت الصينية من يديها وتكسرت على البلاط تلك الصحون البلورية. ساح نثار المربى على الأرض بقعاً ومدورات تتلجلج وتعكس خيوط أشعة الأضوية المعلقة في السقف.. صرت أردد بصوت مسموع: راح الشر.. راح الشر... كما يردد الناس في بلدي إذ ينكسر الصحن أمامهم. لم تفعل المرأة شيئاً، كأنها أكتفت بهذا الفعل أو رد الفعل، أنكفأت عائدة إلى مطبخها من جديد والرجل قد اختفى.. بل كل الأشياء المحيطة بي قد اختفت، البيت، السرير، الصحون المكسورة.. أحسست فقط أن تحت قدمي جسر صاعد. صرت أجوس ألواحه النابضية بخوف واحتراس.. أرى حشداً من الناس من حولي يحثوني على السير ويدّعون أن لا خوف من هذا الجسر والجسر صاعد لا أعرف إلى أين.. يا ربي كل الجسور تنحني في نقطة ما، ما بال هذا الجسر يصعد بخطواتي المحترسة الوجلة ولا ينحني.. يصعد فقط.. وجدت إلى جانبي الآن أبني الكبير الذي كان برفقتي في الحلم... أخذ بيدي وأنا خائفة عليه.. هو الآخر صار يحثني على الصعود.. وأنا أريد العودة.. حاولت العودة.. لكن أبني تقدمني راكضاً إلى الأمام وهو يصيح: ماما.. ماما.. لا تخافي... انظري حين تصلين إلى النهاية اقفزي مثلي.. هكذا.. قفز ابني لا أدري إلى أين.. وقفزت أنا الأخرى لكن من الكابوس.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1980 السبت 24 / 12 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1936 المصادف: 2011-12-24 11:31:29