المثقف - نصوص أدبية

أقولُ أحبُكِ / يوسف السامرائي

yousif alsamaraiأقولُ أحبُكِ

أغمضُ عيني...

تنفثُ في وجهي امرأةٌ عجوزٌ رذاذَ لعابِها الممزوجُ بملحٍ وماءٍ

وتقرأُ ليَّ تعويذاتها حتى لا يُصيبَني المسُ والضررُ

أنطلقُ بجناحيّ طفلٍ نحو الأصدقاءِ وتحتَ ابُطي حكايات وقصصاً قرأتها لي أمي عن عروسِ الجنِ وسليمان ...

أتوقُ لرؤيةِ تلكَ الجنيةُ ..

تقولُ أمي: تستطيعُ رؤيتها على هيئةِ حمامةٍ بيضاءٍ ..

تعويذةُ العجوزُ الخرفةُ ستلقي بها في أحضانِي

ما زلتٌ طفلاً لا أفهمُ شيئاً في الحبِ!

لا أريدُ أن يتجمدُ حبنا بقبلٍ وأحضانٍ باردةٍ..

كيفَ لها أن تحبُني وتميّزني بين كلَّ تلكَ الوجوهِ والملامحُ المزدحمةُ

كلّما أصفُ نفسي بأنني لستُ كباقي الرجالِ.

تصفعني شقيقتي بجملةٍ وتقولُ : هل تظنُ نفسُكَ براد بيت !

تتكسرُ القصصُ من تحتِ ابطي وتعلقُ طائرتي الورقية خلفَ الضبابِ

أمدُ لساني لألعق الرذاذاتِ النديةِ!

هذه الرذاذاتُ أرواحٌ تتساقطُ من السماءِ

تمسكُ حبيبي كفي و تركضُ بي عندَ حافةِ المدى

تقولُ لي: هناكَ خلفَ الضبابِ تعيشُ أمي... سأسكنُ بجوارها قريباً..

الأرضُ دفءٌ يا يوسف ... أم تلّمنا عندما تهزلُ أجسادنا ..

كلمًا تقولُ ليَّ أحبكِ... أرتجفُ

أجيبها : ها أنتِ ترتجفين!

تجيبني: أرتجفُ بسبب البرد يا مجنون!..

نافذة أحلامنا كبيرة .. تدخلها رياح باردة ..

لا أريد أن أتجمد وأجمّدكَ معي...

 

لا أعرفٌ الحب.

كلُ ما أعرفهُ: هو أضمُها بقوةٍ ونسقط ُمطراً ندياً

نهطلُ من علٍ في حضنِ الأرضِ..

نتسللُ في فجوجِها ونختبئُ من أعينِ المتلصصّينَ

 

لا أعرفُ الحب..

كلُّ ما أتمناهُ أن أكون ملاذها الأخير..

قبرٌ أضمُها بدفءٍ وألمُها بينَ أضلعي

تبتسمُ وتقولُ :لدي كلماتٌ لقيسٍ أبلغُ من كلماتِك...

 

"ألا ليْتَنَا كُنَّا غَزاليْنِ نرْتَعي

رياضاً الحوزان في بلد قفر

 

ألا ليتنا كَنَّا حَمامَيْ مَفازَة

نطِيرُ ونَأوِي بِالعَشيِّ إلى وكْرِ

 

إلا ليتنا حُوتاَنِ في البَحْرِ نَرتَمِي

إذا نَحْنُ أمْسَيْنَا نُلَجِّجُ فِي الْبَحْرِ

 

ويا ليتنا نَحْيا جَمِيعاً وليتنا

نصير إذا مُتنا ضجيعين في قبر

 

ضَجيعين في قبرٍ عَن الناسِ مُعزل

ونقرنُ يومَ البعثِ والحشرِ والنشرِ"

 

أبتسمُ وأجيبها : لدي حبيبةٌ أجملُ من عروسِ الجنِ

تقولُ: قلبي مُتعَبٌ يا يوسف...

لا أريدُكَ أن تتجرع الموت في كلِ لفظةِ ذكرى!

يوماً ما سأتركُكَ مٌجبرةً..

لن أعيشَ طويلاً...

 

كنت غبياً بقدرِ ما أدخرتُ لها من حبٍ..

طفلٌ طائشٌ كرياحٍ نَزِقةٍ

أهوي بنفسي في مزالق وعرة

وكليَّ يقينٌ أن من أنجبتني حبيباً لها ستمسكُ بي ولن تَدعْني أغورُ في تلكَ الأراضي الموحلةِ...

كبرنا مثلَ حبةِ الاماني

علقنا في صنارةِ الاحلامِ

اصطادنا مكرُ القدرِ

حبيبتي في أرضٍ بعيدةٍ قرب أمها خلفَ الضبابِ في أرضِ الضبابِ

وأنا أزفرُ الروحَ مع الأنفاسِ وأشهقها في كلِ لحظٍ خاطرٍ

وأن سألتني كيفَ حالُكَ ؟

أجيبُكَ : أتنفسُ !

طفلٌ يغمرهُ الفرح يقفزُ ويطيّرُ بالونهُ في الهواءِ

لكن في لحظةٍ تسبقُ رفةَ عينِ...

ينفقعُ البالون!

يبكى ويلملم بقايا بالونهِ الممزقُ..

طالباً من عيونِ المارةِ ترقيعهُ له...!

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2040 الجمعة 24 / 02 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1998 المصادف: 2012-02-24 11:48:38