المثقف - نصوص أدبية

الغثيان / يوسف هداي ميس

yousif hadayسيجارة المارلبورو بين شفتيها المتيبستين، تمجها بهدوء، تلتهب الجذوة مخلفة إثرها طفوا رقيقا،

لا يلبث حتى يتناثر لأدنى حركة فوق الطاولة الصاجية. المنفضة أمامها ملأى بأعقاب السجائر، يحاذيها كوب بوشالة النسكافيه، لتكتكة ساعة الحائط وقع رتيب يوحي  برتابة الزمن وخطوه الثقيل. تخطت الثانية ، ثمة ساعتان أخرتان ليبزغ الفجر معلنا ولوج صباح جديد، أو لعله ملل جديد . وكأن ميل الساعة يلتف حول عنقها، جعلت من أصابعها حائلا دونه، قطعته بقوة، نظرت لكفها المضمومة، سلسال قلادتها يتدلى، فيما تساقطت خرزاته في حجرها على دانتيلا روب النوم،لتكمل مسيرها المنحدر  نحو الأرض، متفرقة حول قوائم الكرسي والطاولة .

صوبت نظراتها نحو النافذة. اعتادت الوقوف عليها، تطل من عل على الشارع الغاص بالمارة والسيارات. أشاحت بوجهها لخاطر مزعج ما برح يقرع معاقل فكرها. كثرما تخيلت نفسها تشق الهواء الطلق في سقوط متوهم، يهشم هيكلها العظمي ويفلق جمجمة رأسها.

ثمة رسوم متحركة تظهر في التلفاز الذي  نقبت بقنواته حتى كلت أصابعها . لم تعثر على ما يسليها أو يذهب عنها غمامة حزن تدلهم في فضاء الشقة. تركته على (السبيس تون) ثم أخرسته، ليظل (توم) يلاحق (جيري) في مطاردة أبدية لا تنتهي ، طالما أزعجت بها أباها إبان طفولة لم يبق منها سوى طيف رجل ، يحتضنها ويحملها على كتفه دائرا بها أنحاء البيت.

عبت نفسا من الهواء إثر شعور بالاختناق كتم عليها. رغبة جامحة للصراخ تصطخب بجوانحها. جبل دهني يطبق على صدرها. كآبة تستبيح سعادة موهومة استرقتها في غفلة من الزمن . منذ أيام والغثيان يغمرها .

_ حتى النت لا يجدي نفعا .

عقارب الساعة تحملها نحو يوم جديد، لا يختلف عن سابقه شيئا، عدا استقبالها يوم غد وهي وحيدة ،  بلا صديقها الأثير الذي اعتادت على محادثته كل ليلة.

مذ تخرجت وهي تدور بين مواقع الشبكة العنكبوتية، لا تكاد تنتهي من منتدى حتى تعلق بغيره .

_ ها هو النت الذي أردتيه حتى قبل أن تتخرجي .

 صداقات ، أزياء، مطابخ عالمية، اكسسوارات،كل شيء، كل شيء. 

لاحت لها صورة حبيبين رأتهما قبيل قليل في المطعم. نظرات دافئة يرنوان بها لبعضهما البعض. همسات لطيفة. ضحكات بريئة. ثمة طاولة أخرى تحلقت حولها أسرة صغيرة من أب وأم مع ابنتهما التي طفقت تدور بين الموائد حتى وصلت إليها. تجهمت بوجهها، فهربت الصغيرة في وجل .

هاتفها الخليوي يرن في غرفة نومها. لعله صديقها. سئمته، بل كرهته .   

غب مغادرتها المطعم، انطلقت بها السيارة في تجوال غير محدد. لفت الشوارع كأنها ملاح تائه، ضل طريقه في عرض البحر، وشرع يبحث له عن مرسى . آبت لبيتها مصدوعة الرأس، من بعد دوران في دوامات الطرق المزدحمة بالسيارات ذات الأبواق التي لا تكف عن الزعيق .

 

ما إن دلفت الصالون حتى ولجت غرفتها، واندست تحت غطاء ناعم . لم يزدها تدثرها في الفراش سوى أرق على أرق. تقلبت، أخذت تعد من الواحد إلى المائة، ملت من العد.  عقارب ساعة الغرفة تدك رأسها. تناولت قارورة عطر من فوق الكوميدينة ، رشقتها بها، فتكسر زجاجها ثم ترجرجت قليلا على الحائط لتهوي متهشمة على الأرض .

النوم يجفوها. انسلت من السرير. خرجت . دخلت الحمام. تملت نفسها في المرآة. قوامها الرشيق وجسدها الغض الطري، بياضها اللبني، عيناها الواسعات اللتان تمتاز بها كل نساء عائلتها. استلقت بحضن البانيو، تدفق الماء الساخن من تحتها، غمرها، تفتحت مسامات خلاياها، حمي الدم في أوردتها، أغمضت عينيها، سرحت في عالم آخر، تمنت لو تسمر الكون وتوقف الزمن، لبقيت هكذا في انتشائها العجيب. ملت من الجلوس، فتململت في مكانها. نهضت كدولفين يقطر ماء، ارتدت ملابسها الشفافة فوق جسدها المبتل، جلست على كرسيها، بعد أن صنعت لنفسها النسكافيه. ها هي منذ ساعات في مكانها، تحرق السيجارة تلو الأخرى بعد أن سرى الغثيان لكل مفاصل جسمها. أين تجري بها الأيام، عمرها يذهب سدى، لا تريد زواجا يقيدها، ولا رغبة لها في حرية تشتتها، أو شتات يمزقها. تود لو أنها تطلق صرخة تتصدع لها كل هذه الجدران المزخرفة، رفعت ذراعيها عن الطاولة، أحست بالتصاقهما، كل ما يحيطها دبق، اللزوجة تعم كل الأشياء، نظرت إلى الساعة، ليس لها معنى، وكأنها تتموع، تذوب، تسيح على الحائط، اغرورقت عيناها بالدموع، ثم أجهشت بالبكاء. .

مسحت خديها الخضلين براحتي كفيها، ثم نهضت عن كرسيها. خطواتها ثقال وهي تتهادى نحو النافذة، نفحتها نسمة باردة، تخللت أصابعها شعرها الناعم،فرغ الشارع من المارة، وأقفلت المحلات. 

دهمها نفس الخاطر المزعج. أغمضت عينيها. ثمة ساعة بمنبه تبزغ وسط عتمة متناهية الظلمة  تحت جفنيها المطبقين، ساعة أخرى، ثالثة ورابعة، مئات الساعات الجدارية واليدوية تملأ سرمديتها. كلها تتحرك، تتراقص، تدور فيدور رأسها بدوار دارت بفعله حول نفسها، فاستندت بيدها على الحائط .

تمتمت في سرها :

_ أما آن للزمن أن يتوقف؟

عبت نفسا عميقا وزفرته بغيض لاهب. قدمت يسراها وأتبعتها بقدمها اليمني،ثم تسورت الحاجز النحاسي للنافذة . .  

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2088 الخميس 12 / 04 / 2012)

يوسف هداي ميس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2046 المصادف: 2012-04-12 03:13:17