المثقف - نصوص أدبية

خيال المآتى/ يوسف السامرائي

yousif alsamaraiلهذا الجسدُ موطنٌ
حقلٌ وسنابلٌ وربوعٌ

الطيورُ تلمحُني من بعيدٍ فتهربُ مني بعيداً .. بعيداً..
أقفُ شاخصاً على جريدٍ مِن السعفِ
مصلوبٌ كالمسيحِ ومقطعُ الأطرافِ كالحلاج !!!
أنزفُ قشاً !
أبكي دون صوتٍ
أسيرُ بلا خطواتٍ
الدهرُ يسبقُني إلى الأحبةِ ويقضمُ ساعاتَ أعمارهم قبلَ وصوليًّ إليهم
أرى نفسي واقفاً والفُلكُ يدورُ حولي .. فلا تتغيرُ ساعة الزمنِ
لا أرى المستقبلُ ولا يمكنُ العودةَ بيَّ إلى الماضي الشحيح
فتاةُ الحقلِ كانت تزورني كلَّ يومٍ
تبوحُ ليَّ بأسرارِها
خبّرتني عن أنسانٍ تعشقُهُ ويعشقُها
جسدهُ ناحلُ كجسدي
تقولُ ليَّ : كلّما أضمُه اليَّ يستاقطُ مطراً
فترتوي الأرضُ من قطراتهِ النديةِ
ويطلعُ العشبُ بلونٍ زهريٍ كفستانيَّ هذا
وتتفتحُ زهورٌ خضراء
أمرحُ في فلكهِ أتوقُ اليهِ فارساً يسرقُني إلى غيبوبتهِ المستديمةِ
أسمعُ صوتهُ يقولُ ليَّ: هذهِ الورودُ المتفتحةُ أنتِ !!!
أستيقظُ من حُلمي ...
لا أجدُ سِواكَ أمامي
صرتَ ليَّ رفيقَ مشاويرٍ دونما دروبٍ
وحبيباً غابَ عنهُ النبض
حتى أغانيكَ الرياحُ تعزفُها وتشدوها السنابلُ
هذه الأنثى منحتني قلباً يرقصُ الفلكُ على دقاتهِ ..
منحتني الطمأنينة ..
جاءت إليَّ كسنبلةٍ بثمارٍ حانيةٍ
وقالت ليَّ:
كن من تكُن فأنتَ حبيبي
كُن طيراً مغروراً وأسرقني من رحمِ الأرضِ
أو منجلاً يحصدُني
ليس مهماً من تكون , وليسَ مهما أن تحبُني, فأنا أحبكَ !
قد لا تُدرِك أنثاي بأنني فارسٌ معوّقٌ
لا نبض لقلبي/ دفنه الحزن
مكتوبٌ عليَّ أن لا أستطيع لمسها ومداعبة طيات شعرها/ قطعوا مني يداي
مكتوبٌ عليَّ أن لا أستطيع ضمها إلي وأستنشق عطرها الأنثوي/ سلبوا مني أنفي وذارعي
مكتوبٌ عليَّ أن لا أراها / فرسموا لي عينين غائرتين
مكتوبٌ عليَّ أن لا تغريها أحضاني/ لذلك تجدني هزيلا بلا كتفين
مكتوبٌ عليَّ أن لا يمكنني النطق/ هشموا ليَّ حنجرتي
مكتوبٌ عليَّ أن اكون بلا شفاه / حتى لا تزورٌ شفاهي جبينُها وتقبلُ جبهتها وعينيها كُلَّ صباحِ ومساءِ
كنتُ أنتظرها تنفخُ في وجهي كي أنمو وأصيرَ جسداً وحواساً...
لكنها أغمضت عينيها وغارت بها الأرضُ
فطلعت زهرةُ خضراءُ لا تعرف الذبول
أما أنا :
فسقطتُ ذابلاً ممزقُ الأحشاءِ
القشُ يتطايرُ من جسدي
لا أسمعُ سوى قهقهة الرياح على أشلائيَّ المبعثرة
وأقولُ:
لابأس !!!
ركعتان في العشقِ لا يصحُ وضوؤهما إلا بالقش !

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2124 الجمعة  18 / 05 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2082 المصادف: 2012-05-18 10:45:12