المثقف - نصوص ادبية

مقامات

samar mahfodكل الأصوات ضجيج والروح

إناء الدمع الأزرق تهدر كبحر بعيد ..

 

 


مقامات / سمر محفوض

 

يا أبتِ: ولست أغادرني إلى أي مكان،

فلتأت الأمكنة إلي.

ولا إلى أي زمان

فلتأت الأزمنة إلي.

أنا الامتداد،

وأنا المصلوبة

الأولى والأخيرة،

في الأسفار جميعها.

ما الذي يجيده عاشقان

في بئر فكرة خاوية..؟

واللحظة تنفلت مثل أفعى

تنفخ النسيان بأذنيهما

و تنتحب

 

يا أبتِ:

لا أنا مشغوفة بالظفر،

ولا الحداد.

هذا الضجيج يغري

بالصمت

وما لست أدرك من

هاوية ترتب براكينها وتضيء

حافة الريح..

وأنا أتشقق في عدم أزرق

آخر الحطام

 

يا أبتِ:

رأيت في يقظتي

نبعا يخرج من الكف المثقوبة،

وينتشر في الفضاء،

وكنا نرتدي الظلال

لونا .. لونا

ثم نلتجئ إلى طفولة،

رخوة تتفتت

ذات فضاء، وكأن هاتفا صاح بي.

الطيور محلقة بندوبها العميقة

وأنا أخفق

كما في الأزمنة الأولى.

الصوت الرخيم

ينادي (عمّن تبحثين)

من أرض الروح

خاطبني.

حولي الورد

كان يضطرب والعشب انحنى

 

يا أبتِ:

رعد تفجر في الكلمات.

وانزلقت قطرة ندى بألف نهار من غياب

يرسِّخ ضياعنا المزمع

وأنا المنتظرة على بابك

يخرج منه طيف أحاذيه

إلى نبع الشمس.

والشمس أنثى مزهوة بفتنتها

يجتاحها عشق الظل فتنتشي

 

يا أبتِ

ولأن الغيم ما عاد كثيفاً

أو محدد المعالم نحكي لأوقاتنا حكايات حزينة

..مضحكة،، ماجنة .. نضحك حتى تبتل

جفوننا ونبكي بحرقة فراشة ليلية

تهوي على لسان ضفدع،

يلعق الغبار.

كل الأصوات ضجيج والروح

إناء الدمع الأزرق تهدر كبحر بعيد ..

والروح تفتح أحمر كشقائق نعيم أخصر

كصرخة خصب

صفراء بلون مروج عباد شمس

بيضاء كحقول قطن

تيمم وجهها شطر

الأغنية شطر الوجع

شطر الحنين لحضن دافئ

لأم تبكي على سجادة صوتها ..

 

يا أبتِ

المشهد مفتوحٌ على احتمالات تتصاعد

كمن يخلع روحه قطعة، قطعة.

وأنا الراحلة دوما نحو مداراتك

لا أستطيع أن أقف

فأذوب في الفراغ المشبع

بهذيان الألوان

ولا أن أبقى فأترمّد

عند خطوط الأفق.

أنا المترقبة لحريق

يتأهب لاغتصاب

عذوبة منعشة

تلمها الأرض وتتمسك بالندى.

كأن قوى خفية

تجذبني نحو عدم التوازن والثبات

وكأن المعاني خلقت لتحلق

إلى أمكنة بعيدة،

وبانتظار

غير قابل للترابط

كي لا تكتمل الحكاية،

فتسقط المسرة الحافظة

لحرارة الأنفاس.

 

يا أبت:

أدخل الهذيان عاشقة تحلق فوق أمواجك.

والحكاية أليفة ومنعشة لا تريد إنهاء الأسئلة المهملة..

عوالم تنسرب .. من همستنا

لنكتشف بعدها أن المكان

وهم يمارسه زمن أعمى

يمضي بالمكان إلى حتفه

 

يا أبتِ:

من سيأتي بعدنا

سيعيش الخديعة كاملة

كصحراء الصدى

تلد القصيدة تلو القصيدة

إلى جهات لم يفسدها ملح الدمع الأخرق

مضيفا

غموضا يغري بمتابعة الحكاية حتى آخرها

بنشاط الماء المنسرب

على عجل من غيمة مسرعة

الكلمات تتساقط مني

لا أستطيع الوقوف على حافة الصبر.

ولا أملك أمري، فأرحل.

 

يا أبتِ:

الوقت منذورا لترميم الخراب

ووجهك

يرتسم جليا في المخيلة

الخصبة محدقا بالفراغ.

يمد لي صوتا

لأصعد إلى آخر سماوات

ضلالاتي وأوهامي

التي لاتحد ولا تنكمش

أحاول لملمة المجهول

الذي ينسج لي أشواقه الغبارية

كي يستمتع بدهشتي،

إلى آخر الحب، و

آخر المساءات المتناسلة

زنبقا لجسدك الذي أتعبته المسافات

أي إله أنت وأي أب...؟

 

يا أبتِ الذي استخف بالبكاء

كيف سأجرؤ على الانسحاب

من فصول لم تكتمل بعد،

و أنا كم لا أعرف كم.

اكتنز ببضعة فصول

التي تنزاح

حتى حدود الصرخة،

فأسمع الريح التي تخبر

أنك لم تغير صفاتك حسب المكان

بل تتجزأ بالتفاصيل التي ساورتنا،

فخلقنا أسفارنا الزاهيات

وأن الكون مؤقت والحكاية وحدها طاغية

كما ينبغي في تفاصيلها المحرضة

على الرحيل العميق ..العميق

 

يا أبتِ:

كنت سأقول، هبني قليلاً من الأمل لأموت

ثم اكتشفت أني ميتة

أخاف المجاهرة بموتي

خشية

أن يشيّعني أحياء

غير لائقين

أخجل منهم

في حضرة

الموت ..........

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

يا أبتِ:
كنت سأقول، هبني قليلاً من الأمل لأموت
ثم اكتشفت أني ميتة
أخاف المجاهرة بموتي
خشية
أن يشيّعني أحياء
غير لائقين
أخجل منهم
في حضرة
الموت ..........
---------------------- مليون سؤال وسؤال يجيس في النفس لماذا اريد لنا الوجع لا غير ....ألا نستحق أن نشم عطر الياسمين بدل ان نلتمس العذر للموت ؟ صديقتنا العزيزة سمر محفوض حياك الله وتمنياتي لك بدوام الصحة والعافية والتألق

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

فأسمع الريح التي تخبر
أنك لم تغير صفاتك حسب المكان...
------------
والرّيح أصدقَ إنباءً من الكتبِ...

الخاتمة ميتافيزيقية فيها من الفلسفة الكثير .........
نص رائع
الشاعرة المبدعة : سمر محفوض
مودتي
وتقديري

بوعبدالله فلاح
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الصديق الجميل حمودي الكناني..هو زمن الخيبات الكبيرة فلا تسأل ايها الجميل عما جنينا لا الارض حنونة ولا السماء رحيمة ..الجمهور اللي رفض حضور امسية شعرية او محاضرة ادبية هو الجمهور الذي انتظر داعش على ابواب الازمات.

سمر محفوض
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ:بوعبدالله فلاح
حجم تراكمات هائل ادى الى انهيار القطع المفككة المتراكبة بالضرورة فوق بعضها..الخطا بنيوي بامتياز..نعم بنية التحطيم التي سبق ان مارسها الادب دون ان يضع حلولا مقنعة لمابعدها. الغرفة الفارغة لا بد من احد يملأها...كل ذلك جعلنا نعيش الفلسفة ابداعيا لننتج الميتافيزيك ..شكرا لمرورك الجميل استاذي دمت بالق

سمر محفوض
This comment was minimized by the moderator on the site

لكِ الشِّعْرُ والإبداعُ ما أشْرْقََ الضُّحى
وما دامَـتِ الأقمـارُ والوَرْدُ فَرْفََحــــــا

ومـــــا كانتِ الأشْعـارُ إلاّ لِرَوْضِهـــا
ومــا كانَ زَهْــــرُ الرّوْضِ إلاّ لينفحـا

وأمّــا أنا قالشِّعْـــرُ زلــزلَ مُهْجَتــــي
ودمعِــيَ مـــا قد كان إلاّ لِيُسْفَحـــــــا

وكأسي وإنْ جَـفَّ الرّحيقُ وَجَدْتُهــا
تــكاد لَــدى الشِّعْــرِ المُمَيَّـزِ تَطْفَحـا


باحترام ومودّة
سعود الأســدي

سغود الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ والمربي الفاضل سعود الاسدس شكرا لمرورك النبيل على النص

سمر محفوض
This comment was minimized by the moderator on the site

سمر محفوظ
رسم سوريالي لواقع منقلب و متقلب.
يبدو لي ان المكان اصبح لا يتسع الاشياء الجميلة بل و يرفضها عبر تكرار الخديعة.
صدقت نحن موتى و لكن نخجل من المشيعين امام الموت؟؟؟ الله كم كان تعبير جميل و اخاذ و معبر.
سلمت
و اليك بعض ما قاله جبران:
اعطني الناي و غن وانس داء و دواء
انما الناس سطور و لكن كتبت بماء
ليت شعري اي نفع في اجتماع و زحام
و جدال و ضجيج و احتجاج و خصام
كلها انفاق خلد و خيوط العنكبوت
فالذي يحيا بعجز فهو في بطء يموت
...........
ما نعيشه اكثر من تحملنا و صبرنا.
شكلرا على سعة قلبك
مودتي

زاحم جهاد مطر
This comment was minimized by the moderator on the site

عذرا ان كتبت الاسم محفوض بالظاء و ليس بالضاد.
ارجو التصحيح مع الشكر

زاحم جهاد مطر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ :زاحم جهاد مطر... نحن في اغلب الوقت لا نبحث عن الاجابات الممكنة ولكننا ايضا لا نطرح الأسئلة الكبيرة الحقيقية..اتعلم صديقي الطيب ما هي مشكلتنا على امتداد هذه الجغرافيا المتعبة ..؟أتعلم ما هي مشكلتنا ؟ ...
أننا نلحث طوال الوقت عن الفروقات الطفيفة بين صورتنا وبين صورة الضحايا ...وان وجدناها فهي ليست اكثر من تسالي لجموع الدم ..الاهمية القصوى لما نحياه جميعنا ان ننحاز للحياة كتلا رهيفة من ضوء ، عصية على الإزاحة إلا للجواهر المفضيي إلى فعل البقاء ، أو لذلك المحارب الأزلي المسمى أملا ، وفي كلا الحالين يقبل كل منهما الإزاحة في عملية إمحاء وإظهار ، وحوار خلاق من اجل البقاء لا ان نتعود الموت..الموت سيموت من تلقاء نفسه حينها..مودتي وشكر لمرورك على النص ودمت بحياة وأمل ..سمر محفوض...

سمر محفوض
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2734 المصادف: 2014-03-01 05:52:36