المثقف - نصوص أدبية

مطرُ المساء الأخير

MM80أشتهِي مساء خالٍ من الأنفاسِ... مساء يَحملُني إلى أبعادٍ مختلفة من الحياة أجهلها ولن أرغب في اكتشافها...

غريبينِ نقفُ على طرفيْ خط الفضول ونحافظ على تلك المسافة الفاصلة التي لو قطعناها لقَتَلْناَ ذلك الغموض المُلهم الذي يشُدّنا إلى بعض...

متقابلين نقفُ مسكونين برغبة في التّلاقي لن تخفُت نبضاتها.. طالما نحن على مسافة بُعد...

على عتبة بيتٍ مهجور وأنا أتأبطُ مسائي، أجلسُ بلا ضجرٍ، أرقُبُ الأفق البعيد المتلاشي بلا هدفٍ...

أمرّغُ نظراتي في الاخضرار الشاسع...

أقوم بآخر محاولات مقاومة التّلوّث... أتنفّس عميقا لأنقّي الدم في رئتاي، وأتقيأُ بعض النفايات.

أسكُب كل دروس التاريخ هناك كما هي بأخطائها، على عتبة البيت المهجور...

أُفْرِغُ مُخيّلتي من كل تلك الأحلام السّخيفة ، الغارقة في السّذاجة...

أمحو كل تلك الذكريات الحلوة وأترك المرّة منها، أغتالُ كل الصّباحات التي كنت فيها طفلة...

أدسُّ يدي في جيبي، أُخرجُ تلك الورقة الصغيرة التي دوّنت فيها آخر التفاهات التي خنقتني، أُطالعها لأتأكّد أنّي حفظتها عن ظهر قلب، من باب الاحتياط أُعيدها لمكانها ليكون بحوزتي نسختين من بلادة قَلَّ تواجُدها...

أقف... وأمشي بلا وجهة محددة.

أمشي بنسق ثابت، المساء بدأ يتبخر... لكن ما زال فيه رمق أخير...لا أنظر إلى الوراء... السّماء تُحيّيني... ويتساقط المطر مدرارا يغسلني من وحل الطريق، وأظل أمشي لا اسرع ولا ابطىء الخطى حتى نهاية المساحة التي تلامسها قدماي...

أقف هناك للحظات او لساعات أو أكثر أو أقل، على حافة الهاوية، أمارسُ قدسيّة الفراغ، خاوية الذهن بلا تراكمات مغسولة بدموع السماء ولا أثار خلفي، ثم أخطو الخطوة الأخيرة...

ويسدلُ اللّيل ستاره على مساء كان مختلفا. وعلى رداءة خنقتني فأجهضتُها.

 

هدى الشابي - تونس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3555 المصادف: 2016-05-30 07:59:54