المثقف - نصوص أدبية

هدى الشابي: المساءات الممطرة

huda alshabiرَفَعتْ ساقَ البِنطال تُطالعُ كدمة أصابتها إثرَ سُقُوطِها وهي تَنزل من الحافلة .. كان الوقتُ عصرًا والكلُّ عائد من الدَّوام .. اكتضاض وتدافُع كبير .. وكانت هي محمّلة بالأغراض، ملفّات من العمل وبقالة للبيت ..

وقَعتْ وأوقعت كل أغراضها وداستها الأقدام، كرهت نفسها وهي على تلك الحالة .. كرهت ان تبدوَ خرقاء .. لا تريد أن تتذكر ما حدثَ، حُنقها أشدُّ من ألمها ..

- إنّها بشعة وتبدو كبيرة ..

ستأخذُ أياما كثيرة لتختفي ...

قال مقطّبا جبينهُ وضامًّا شفتيه، مفتعلا بعض التأثُّر ... 

- بشاعتكَ أكبر وأفضع ولن يكفيني العمر كله  لأتخلّص من مخلفاتها على روحي

ردّدت في نفسها دون أن تنظر إليه

تُحاول أن تتحمّل صوتا يصدره وهو يأكل ...

- يا إلاهي !  متى ينتهي .... ؟

- أوووووووف ! إنّه لا يكفّ!

أحدث ضجَّة كبيرة معلنا إكتفاءه من الطعام، زئيرٌ غادر حنجرته، قدِم من بطنه المُنتفخة تصرخُ " إمتلأتُ!“، صوت ملعقة تُلقى في الطّبق وكرسي يُدفعُ بعنف ... وغادر

أخيرا ..... !!!

تشعر بالدوار والغثيان ... ما عادت تَحتمِلُ ... 

تكدَّست ثقيلةً على الأرض، أسندت رأسها إلى الجدار، ارتخت كل أطرافها مستجيبة لنداء التّعب والاستسلام في نفسها ..

نسيت الكدمة وألامها وأغمضت عينيها وسافرت في دنيا الصمت ..

قالت في نفسها إن كان اليقين أن العودة للبدايات وإصلاح الاخطاء من المستحيلات .. فماذا عن استعجال المسيرة وبلوغ النهاية؟ ..

ألا يكفي ما تجرَّعَتْهُ من المرّ؟

انقضى أكثر من ثلثي العمر في تجرُّعِ الخيبات حتى باتت اكداس .. ألا يكفي؟

الدقائق المريرة استحالت ساعات والساعات استحالت أياما والأيام شهورا والشهور سنينا والسنين عمرا ..

يكفي !!! .. يكفي !!!

صرخات تمرّد خرساء تجوب صدرها .. تصارع لتغادره، تبحث عن منفذ للولوج إلى العلن وإفزاع الكون ..

تَمَلمَلَتْ في محاولة هروب من غوغاء روحها التي تحاكي جلسة تنويم مغناطيسيّ، تنويم تريد الإستفاقة منه، تنويم يُعرّي ما تريده أن يظلّ مخفيًّا .. يمدّ يده في الظلام وبأصابع خشنة يُحرّك الركود في داخلها .. ويدنو من حوافِ أوجاعها وبلؤمٍ شديد يَدُسُّ إصبعه في عمق جراحها ...

لَوَتْ شفتيها كتعبير عن ضجرها من نفسها ومن أفكارها ...

فتحت عينيها وأنهت المسألة ..

عاودت النظر الى الكدمة مرة أخرى، أنزلت ساق البنطال .. تحاملت على نفسها وانتصبت واقفة وبخطى ثقيلة جرّت نفسها الى الحمام ..

وقفت تحت الماء البارد علّه يطفىء لهيب أوجاعها ويغسل شيئا من الأدران العالقة بروحها ... 

الماء ينسكب بغزارة فوق رأسها محدثا صوتا يشغلها قليلا عن سماع الصراخ الآتي من داخلها ...

ملأ صوت الماء المتساقط أذنيها وأسكت أزيز رأسها الذي تسكنه خلية نحل نشِطَة، لا تهدأ ...

و استرسلت في بكاء صامت مؤلم

بكاء في الظلام، خفيّ، تحت ستار ماء الدشّ، بكاء محرَّم الإفصاح عنه، كأوجاعها التي تسكن كهوف روحها المهجورة  .... 

 

غادرت الحمَّام ...

و انكبّت على اوراقها تُفني ما تبقى من جهد فيها ....

توقَّفت قليلا، تناولت ورقة بيضاء وفي أعلى الصفحة كتبت ...

التعاسة ... قدر ...

الحزن .. متاهة بلا منفذ ...

الجُبن .. سجن بلا جدران ..

وفي أسفل الصفحة كتبت ...

آخر إشتهاءاتي الخرساء ... أحتاج ليدٍ غير يدي  التي كبَّلتها أغلال الكآبة والحزن وشلّت حركتها، يد تسحبني إلى الحياة  ...

طَوت الورقة جيدا، وضعتها في درج المكتب  وأقفلت عليها ... وعادت لأورا ها تتفحَّصُها.

 

... هدى الشابي - تونس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3653 المصادف: 2016-09-05 13:02:00