المثقف - نصوص أدبية

يوسف الهادي: قلبي بشير

MM80إلى بشير الجزائريّ

والذين آمنوا معه

 


 

قلبي بشير / يوسف الهادي

 1100-basheer

صلَّيتُ ليلتَكَ الغريبةَ رَكعتين من الدموع وغُصَّتينْ

كانت صلاةَ الوحشتينْ

صلَّيتُ بالأخرى لقلبي وهو يلبس يوم فقدِك غُربتينْ

أبشيرُ كنَّا شمعتينْ

ها قد خَبَتْ إحداهما خلفَ الغيوبِ وشمعتي

تذوي احتراقَ أسىً رهينةَ خفقةٍ أو خفقتينْ

* * * *

خمسون عاماً! كيف مرَّت؟

بين (الخصيمة) و(الجديدة) حيث نعدو يافعينْ

نتناشد الأشعار ننظمها بأحلام الشباب لدى ضفاف نهر القادسية

زعماً بأنَّا سوف نغدو شاعرين مبرَّزينْ

كان القريض سميرَ قريحتينا الغضَّتينْ

لم أدرِ أنِّي بعدَ خمسينٍ سأنظم في رثائكَ أدمعاً هيَ بعضُ دَينْ

* * * *

قلبي بشير!

يا رهينَ المحبِسينْ

(المحبِس العصريّ) أو (قصر النهاية)(1).

قد كان قلبُك ـ والقيودُ بمعصميكَ ـ بَيْنَ ذَيْنْ

* * * *

هذا ترابُك مثلما ولدتك أمُّك

هذا التراب يعود ربِّي مثلما أعطيتَه

ما زِيدَ فيه سوى نقوش الكابلات (2) الداميات تخطّ فوق الأخمَصينْ

في (المحبِس العصريّ) حين يعود حزبُ البعث نصفَ الليلِ سكراناً من الماخور

جاء (الرفاق) لرقصة التعذيب فوق جراحنا

والكابلُ الناريُّ في القدمين يمضي لاهباً حتى تخوم الركبتينْ

يا ضربةَ القدمينِ كيف غَدَوتِ في أقصى الدماغ كصعقتينْ؟(3)

* * * *

قلبي بشير!

يا عاشقَ الكتب القديمة، يا متأبِّطاً خيراً إذا ما قيل أين؟

ماذا ستأخذ للقيامةِ تحت إبطكَ من كتاب؟

أسوى كتابِ الباقياتِ الصالحاتِ الضَّخْمِ أيامَ العذابْ

جمَّعتَه في دفَّتينْ؟

لتقول هاؤم اِقرأوهُ كتابيَهْ

هذا ليوم حسابِيَهْ

ومن الصِّراط على مسافة خُطوتينْ

سيهُبُّ حشدُ ملائكٍ كي يفتحوا للقاكَ بابَيْ جَنَّتينْ

 

.......................

(1) وكانت السلطات البعثية عند تسلّقها السلطة بتخطيط وإشراف من المخابرات المركزية الأميركية في انقلاب 8 شباط سنة 1963، وانقلاب 17 تموز سنة 1968، قد اتَّخذت من موقف الحي العصري في الديوانية، ومن قصر النهاية في بغداد سجنين يودَع فيهما المعارضون السياسيون للحكومة الغاشمة وتعذيبهم بأصناف العذاب.

(2) جمع كابل (cable)، وهو حزمة أسلاك معزول بعضها عن بعض توضع ضمن غلافٍ واق، وقد شاع استعمالها في مديريات الأمن العامة والمخابرات لجلد المعتقلين من المعارضين السياسيين خلال حكم حزب البعث أيام احمد حسن البكر وصدام حسين.

(3) من أقوال المرحوم بشير الجزائري المأثورة وهو يصف ضربة كابل الفلقة على راحتي القدمين فيشعر المعذَّب بصعقة ألم فظيعة في جمجمته.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الباحث و الشاعر يوسف الهادي
لم أكن اعرف أنك شاعر بهذا المستوى من القدرة و الابداع يا صديق الزمن الدمشقي الجميل...عرفتك باحثا متعمقا في تفاصيل تاريخنا المليئ بالكذب و الغش و الفضائح...و بالثورات و العنفوان أيضا...!!! جزاك الله خيرا على رثائك لصديق عمرك بشير الجزائري ، و وفائك العظيم لذلك المجاهد بالكلمة و الصوت و بالعمر المثخن بجراح السجون و الغربة و المنفى...تحية مودة لقلمك و قلبك،حفظك الله و رعاك يا صديقي.

مصطفى المهاجر
This comment was minimized by the moderator on the site

إلى شقيق غربتي الشاعر المبدع مصطفى المهاجر. رثائي لرفيق عمري العالِم والأديب بشير الجزائري هو دَين كان ينبغي لي أداؤه، ألمْ يقل شاعرنا القديم:
عقرتُ على قبر النجاشيِّ ناقتي بأبيضَ عَضْبٍ قد جَلَتْهُ صياقِلُهْ
على قبر مَن لو أنني مِتُّ قبلَهُ لهانَتْ عليهِ عند قبري رواحلُهْ
ما يزال شعرك الذي صنّفتَ فيه رفاقنا:
((وحدي أعانقُ طيف أصحابي وذكراهم وحزني
صعدَ المشانقَ بعضهُهم والبعضُ ما زالوا بسجنِ
والآخرون تفرّقوا في الأرض بحثاً عن تَمَنِّ)).
واليوم يمكن أن نزيد فيه بيتاً:
وآخرون
ذهبوا بصمتٍ مثلما يذوي الصدى في خافقِ الوترِ المُرِنِّ.
مع أحلى أمانيَّ لك بدوام الإبداع والعافية.

يوسف الهادي
This comment was minimized by the moderator on the site

إلى شقيق غربتي الشاعر المبدع مصطفى المهاجر. رثائي لرفيق عمري العالِم والأديب بشير الجزائري هو دَين كان ينبغي لي أداؤه، ألمْ يقل شاعرنا القديم:
عقرتُ على قبر النجاشيِّ ناقتي بأبيضَ عَضْبٍ قد جَلَتْهُ صياقِلُهْ
على قبر مَن لو أنني مِتُّ قبلَهُ لهانَتْ عليهِ عند قبري رواحلُهْ
ما يزال شعرك الذي صنّفتَ فيه رفاقنا:
((وحدي أعانقُ طيف أصحابي وذكراهم وحزني
صعدَ المشانقَ بعضهُهم والبعضُ ما زالوا بسجنِ
والآخرون تفرّقوا في الأرض بحثاً عن تَمَنِّ)).
واليوم يمكن أن نزيد فيه بيتاً:
وآخرون
ذهبوا بصمتٍ مثلما يذوي الصدى في خافقِ الوترِ المُرِنِّ.
مع أحلى أمانيَّ لك بدوام الإبداع والعافية.

يوسف الهادي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3710 المصادف: 2016-11-01 13:47:22