المثقف - أقلام ثقافية

طقوس الماء في المتخيل الشعبي المغربي

لا يمكن للإنسان أن يعيش في عالم فسيح دون نسق ثقافي يشمل الرموز والقيم. فالرمز هو الذي يربط الإنسان بعالم الموجودات المحسوس، وعالم الماهيات والماورائيات، فدور الإنسان في الحياة لا يقتصر فقط على إنتاج الغداء لضمان البقاء، أو التناسل من أجل التكاثر والعيش في حياة جماعية تركن إلى نظام يحمي الأفراد. إنه يتوقف أيضا على تقديم أجوبة وتفاسير للألغاز الكثيرة في هذه العوالم.

وبما أن الماء مادة الحياة، ومورد الخصوبة، وأصل الكون، فقد اعتبر من بين الرموز الثقافية التي يستعملها الإنسان في التواصل مع أفراد الجماعة، ومع العالم غير المنظور. على ضوء ما تقدم، يتبين أن الماء عنصر طبيعي، يحظى بوضع رمزي وحيوي جعله في أصل الطبيعة والرمزية؛ وتبعا لذلك، يمكن أن نتساءل عن أهم التمثلات الرمزية للماء داخل أنساق الثقافة الشعبية المغربية اليهودية. لكن، وقبل الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، لا بأس أن نضيء جوانبه بفرش تاريخي؛ انطلاقا من فكرة فحواها أن أي دراسة تروم استقصاء خبايا ثقافة معينة، ينبغي لها أن تطرق باب ثقافات وحضارات أخرى، حتى يكون مستوى رؤيتها أرحب وأفسح.

بيد أن اهتمامنا الآن، ليس البحث عن الجذور التاريخية للماء، أو كيفية بدايته بقدر ما يهمنا طريقة تعبيره عن تعدد الروافد الثقافية والحضارية، داخل نسق ثقافي اسمه: "الثقافة الشعبية المغربية".

1. تيمة الماء في الديانات الثلاث

عرفت بلاد المغرب منذ القدم تنوعا ثقافيا كبيرا، نتيجة تلاقحها بثقافات الشعوب التي استوطنتها، الأمر الذي عكس تنوعا مهما في الرؤى والتمثلات حول تيمة الماء عند المغاربة؛ ما يؤكد في الآن نفسه أن أي حضارة أو ثقافة كيفما كانت لا تخرج فجأة، بلا منبت أو جذور، فقيامها رهين بما ترسب فيها عبر الزمن من خبرات قديمة في طبعها وطبيعتها.

1.1. الماء في اليهودية

يحظى الماء في الديانة اليهودية بتقديس كبير، من منطلق أنه أصل الوجود وأساس الطهارة، وهذا يتضح بجلاء في قصة الخلق التوراتية التي تقول (سفر التكوين): "في البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه (...)، وقال الله ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين المياه والمياه". وبالموازاة مع ذلك، فالماء هو رمز الحياة والخلاص لبني إسرائيل: من قبيل: "وكلم الرب موسى قائلا: "خذ العصا واجمع الجماعة، أنت وهارون أخوك وكلما الصخرة، أمام أعينهم أن تعطي ماءها".

وعلاوة على ذلك، فقد ارتبط الماء في الديانة اليهودية وباقي الديانات الأخرى بالطهارة، وغسل الخطايا، وهذا ما عبرت عنه قصة نوح عليه السلام في سفر التكوين:

"أن الله أرسل المطر أربعين يوما وليلة ليغسل الأرض من خطايا البشر"[5]؛ ما يعني أن الشريعة اليهودية قد استخدمت الماء في طقوس التنظيف، حتى يبقى اليهودي دائم الارتباط بالله القدوس، وبالتالي يكون منفصلا بشكل كامل عن النجاسة؛ فالنجاسة في اعتقادهم هي السبب في الإنفصال عن الله.

ولا غرو أن تمتد هذه الطقوس التطهيرية إلى مختلف مناحي الحياة عند اليهود، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن اليهودي المتدين يمارس "الميكفاه"[6] كل نهار جمعة، وقبل الدخول إلى أماكن العبادة؛ وقبل الاحتفالات الدينية المهمة. كما أن المرأة اليهودية تغتسل قبل الزواج، وبعد الإنجاب، وبعد انتهاء دورتها الشهرية.

إذن، طقوس التطهير بالماء في اليهودية بمثابة تبرئة وحفظ لليهودي المؤمن من الذنوب، مما يعني، أن للماء في المعتقد اليهودي نظرة مزدوجة، بمعنى أنه موت وعقاب واندثار للمذنبين، وحياة وسكينة بالنسبة للمطيعين؛ وبهذا المعنى يكون الماء رمزا للمتناقضات. ويعود السبب لما للماء من أهمية كبيرة في الكون، وماله من ارتباط وثيق بحياة الإنسان.

2.1.الماء في المسيحية

أما الماء في المسيحية فله مؤشرات ثلاثة: أصل الحياة؛ وسيلة للتنقية والتطهير؛ وبناء الجسم. وهذه المؤشرات تشترك فيها تقريبا مختلف الحضارات والثقافات. والحال أن هناك ارتباطا وثيقا في المسيحية بين الماء والطهارة، ويبرز هذا للعيان في طقوسي تكريس المعمودية، والتي تعطي لموضوعه الماء بعدا رمزيا للتنظيف والتطهير وغسل الذنوب عند بني البشر، فمعمودية المسيح مذكورة في الأناجيل الأربعة: (متى 13:3-17)؛ (مرقس1؛ 9-11)؛ (لوقا: 3؛ 21-22)؛ (يوحنا 1، 32-34)، ولها معان متعددة. هذه المعاني قد ظهرت خلال معمودية السيد المسيح. أهمها:

• قبل الشروع في عملية التعميد يتم رسم إشارة الصليب فوق حوض المياه ثلاث مرات.

• النفخ فوق سطح الماء بشكل صليب، كعلامة على حلول الروح المقدسة.

• الدعاء ثلاث مرات، والصلاة على المياه لكي تنقى وتطهر.

وبعد إتمام هذه التحضيرات الطقسية المرفقة بتلاوة التراتيل، تتم عملية المعمودية على النحو التالي:

• التغطيس في الماء: ويرمز ذلك إلى الإماتة/الاندحار؛ فهذه العملية لها مغزى كبير في فكر الإنسان المسيحي وتأملاته.

• الصعود من الماء: يعتبر رمزا من رموز: البعث؛ التحول؛ الخلق؛ الولادة؛ الازدهار.

فمن خلال ما مر من طقوس، يتبين أن الجوهر الأساسي للتعميد هو التطهير، واكتساب منحة الحياة، والتقرب أكثر من الذات الإلهية العليا.

3.1.الماء في الإسلام

يحمل الماء في الإسلام دلالات ورمزيات خلقية وإبداعية. هذا ما أشار إليه ربنا عز وجل في كتابه الحكيم: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ". وقوله أيضا: "وَاللَّـهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ".

فالماء إذن، هو سر الحياة في بداية الخلق ويوم البعث، لقوله تعالى: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ". إضافة إلى ما سبق، للماء كذلك قوة تطهيرية في الإسلام، على اعتبار أن شرط الدخول في الإسلام الوضوء الأكبر، ووضوء الصلاة؛ وهو بمثابة ميثاق مبرم مع الله للابتعاد عن الخطايا والشرك.

وبعد هذه النظرة الموجزة عن الماء في هذه الثقافات والحضارات، سننتقل مباشرة إلى رمزية الماء في المتخيل الشعبي المغربي .

2. الماء في المتخيل الشعبي المغربي

شكل الماء في المتخيل الشعبي المغربي خزانا طبيعيا لمجموعة من المعتقدات التي تمزج بين العالم المرئي واللامرئي، وبين التاريخي والأسطوري، وبين المعقول والخرافي. مما أعطى للماء طابعا رمزيا وطقسيا متميزا داخل سلوكيات الإنسان اليهودي المغربي .

لا شك أن حديثنا عن أهمية الماء في الثقافة الشعبية المغربية اليهودية سيقودنا لا محالة للحديث عن الطهارة، والاغتسال، وطقوس أخرى، مرتبطة بها في هذه الثقافة، وذلك لما لهذه الأخيرة من حضور وازن في هذا المتخيل: "فالطهارة في حقيقتها رمزية شعائرية، وطقس ديني يحمل مغزى ودلالة معنوية للإقبال على الله، مما يتوجب تطهير الجسد من القذارة والنجاسة".

ولعل ما يؤكد هذا الارتباط الكبير بموضوع الطهارة المائية، ما روي في الميثولوجية اليهودية من قبيل: "أن من فرط اهتمام "يهوه" بالنظافة جعل الاقتراب من خيمة الهيكل أو المذبح بغير اغتسال يعاقب مرتكبه بالموت؛ مما يعني أن موضوعة الطهارة، أو التطهر يشيران إلى مفهوم القيام بإزالة الخطايا والأمراض عن طريق استخدام الماء.

وحتى تتوضح الرؤية أكثر ونفهم معنى، ورمزية الماء في طقوس مثل الطهارة، والزواج، والموت، حري بنا، أن نعمد إلى ربط هذه الطقوس مع مختلف السياقات التي توظف بها، على حد قول راد كليف براون، وذلك حتى تتاح لنا إمكانية فهم الكثير من المسلكيات، والطقوس المؤداة خاصة منها ما تعلق بالفكر الشعبي المغربي اليهودي؛ ففي احتفالات الأعراس اليهودية مثلا تبدأ مراسيم الزواج الطقسي عند اليهود في بلاد المغرب بذهاب العروس إلى الحمام الطقسي قبل الزواج، حيث يمثل ذلك شريعة رئيسية للطهارة.

وهذا ما تبيناه من خلال قراءتنا المتأنية لهذا الطقس، إذ يتضح بأن فعل الغمر والغطس في الماء عند اليهود يفيد رد النحس، والأرواح الشريرة عن العروس، وجلب الخصوبة والبركة. وهذا لا يعد استثناء في الثقافة الشعبية المغربية اليهودية، بل حتى الثقافة الشعبية المغربية الأمازيغية تتبع نفس الطريقة في طقوسها المتعلقة بالزواج: "إذ ترش العروس بما العيون أو تستحم في النهر"، ويعرف هذا الطقس في حفلات الزواج بالجنوب بـ"أس ن تارك، أي يوم الساقية، في حين أن في الأطلس يطلقون عليه يوم اغتراف الماء ويوم اغترف الماء أو يوم الارتواء.

بيد أن هذه الطقوس المرتبطة بالتطهر من الأرواح الشريرة، وحصول الخصوبة والنماء، لم تكن بالضرورة حكرا فقط على مراسم الزواج عند اليهود المغاربة، بل امتدت لطقوس الموت، ففي حالة الموت، تغطى جميع المرايا التي في البيت، وتندب اليهوديات وجوههن، كما يتم سكب جميع الأواني التي تحتوي على الماء في البيت ولدى الجيران على الأرض، ليعوض بما آخر عذب، لأن المعتقد اليهودي يقول إن هذا الماء سيغسل فيه عزرائيل سيفه إذ تم الاحتفاظ به. كما يقدم من رافق الجنازة على غسل الأيدي دون مسحها قبل مغادرة المقبرة، وذلك بغية طرد الأرواح الشريرة التي قد تحاول جاهدة التشبث بأيديهم.

فالماء إذن في الثقافة الشعبية المغربية اليهودية عنصر طبيعي يضمن قوته وغناه الرمزي انطلاقا من حاجة الإنسان وضرورة العيش، مما يحيطه بوضع رمزي وحيوي غاية في الأهمية. ولا نبدي أي استغراب إذا علمنا أن المغاربة اليهود قد خصصوا عيدا ارتبط بسقوط الأمطار، وإخراج أعشار الأرض، ويسمى بعيد "طاو بشباط" أي عيد الأشجار الجديدة، وهو عيد يخص المغاربة اليهود دون سواهم. وجاء ذكره في الفصول الأولى من المشنا والتلمود. أضف إلى ذلك، احتفال اليهود بيوم "زمزم" أو "عاشور" من منطلق أن هناك علاقة وطيدة بين طقس رش الماء، وذكرى نجاة نبي الله موسى من بطش فرعون.

ويعتقد المغاربة اليهود بأن في هذا اليوم بالذات يتحول الماء إلى رمز للنماء والخير؛ لهذا نراهم يتراشقون بالماء طيلة هذا اليوم. كما يرش الكبار منهم جميع ممتلكاتهم بالماء، فهم يؤمنون بأن كل ما مسه الماء في هذا اليوم، ينمو ويبارك فيه، وما لم يمسسه قد يضيع خلال نفس العام.

ما يسترعى الانتباه حقا، أن الماء في المخيال المغربي اليهودي، ماء له صفتان: سماوي؛ ودنيوي تمثله الأرض؛ ماء ذكر وماء أنثى؛ فماء السماء مذكر لأنه ينبث الأرض، وماء الأرض مؤنث يكمل ويزيد في إخصاب ما أنبتته مياه الأرض؛ وبهذا تلتقي مجددا الثقافة اليهودية المغربية، بالأمازيغية، من خلال طقس (taslet:unzar)، والذي يتصل فيه أنزار السماوي (المطر unzar)، والفتاة الأرضية (تاسليت taslet )، مما ينجم عنه فعل الخصوبة والاخضرار، فهطول المطر إذن، ينجم عنه زواج كوني بين (unzar) الماء المطري (السيد) وعروسة الأرض، تاسليت.

ومما لا شك، فيه أن اللاوعي الجمعي هو الذي خلق هذا العالم اللامرئي، الذي يتماهي فيه الديني بالاجتماعي، والمعقول بالخرافي، وذلك من خلال مجموعة من الممارسات الرمزية، التي يتم إحياؤها لطلب الغيث، وإخصاب الأرض وتحقيق الارتواء.

أما فيما يتعلق بالمعتقدات والتصورات التي تتمثل وجود الخارق والعجيب في المياه، فقدت تعددت مظاهرها في الثقافة الشعبية المغربية بشكل عام، واليهودية بوجه خاص؛ إذ يسود الاعتقاد لدى المغاربة اليهود بوجود كائنات غير طبيعة تطرق أماكن معينه بالذات، وهي أماكن مظلمة وموحشة وقذرة. على سبيل المثال لا الحصر: مخارج الدور، وبرك المياه الراكدة، والمغارات، ومنابع المياه.

وفي هذا السياق قال الكاتب جواء علي: "إنهم كانوا يرون في أعماق الآبار والينابيع والأنهار العذبة قوى خفية مؤثرة"؛ وربما هذا يفسر حرص المغربي اليهودي على الاغتسال بمياه بعض العيون، والوديان التي تكون محيطة ببعض المزارات تبركا ودرءا لشر هذه الكائنات. وهذا التصور الذي تبنته الثقافة الشعبية اليهودية المغربية، يماثل إلى حد بعيد التصور الأمازيغي؛ وهذا ما نلمسه من خلال النقوش والرسوم الحجرية الموجودة بجانب مثل هذه الأماكن، مما يبين قدسيتها لدى الأمازيغ، خاصة منهم سكان الواحات بالجنوب الشرقي المغربي؛ فهذه الأرواح التي تسكن المياه، حسب الاعتقاد الأمازيغي، لا تطيق الاعتداء، فصب الماء الساخن على مكان سكناها مثلا معناه الهجوم عليها، وبالتالي لا تفتأ تعتدي بمثل ما اعتدي عليها، أو ترد الصاع صاعين، فيصاب المعتدي بالشلل النصفي أو الكلى أو الجنون. وعليه، فالماء في الثقافتين هو رابطه رمزية، توظف كأداة للتواصل بين العالم المنظور والعالم الغير المنظور.

النتيجة التي يخرج بها الباحث من بحثه أن الثقافة المحلية المغربية هي مزيح متداخل بين مجموعة من الروافد الثقافية، التي امتزجت فيما بينها لتكون معطى ثقافيا وأنتربولوجيا، اسمه الثقافة الشعبية المغربية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-18 05:19:13.