المثقف - أقلام ثقافية

قراءة في رواية: مريوم للدكتور عمر عبد العزيز

balkis alrobaieوأنا في طريقي الى استراليا، توقفت في الشارقة وسنحت لي الفرصة أن التقي الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والاعلام في الشارقة ورئيس تحرير مجلة (الرافد) الثقافية ورئيس مجلس الادارة في النادي ."الثقافي العربي في الشارقة . ووقتها أهداني مجموعة كتب من ضمنها رواية مريوم يُقال " أن الروائي الحقيقي هو الذي يأخذ القارئ باسلوب سردي مشوق ومتين حتى "آخر عبارة في روايته.” وهذا ما لمسته عند قراءتي لرواية " مريوم  الصادرة عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة.

ورغم أن الرواية لايتجاوز عدد صفحاتها عن التسعين صفحة، لكنها تتميز بالفكر والفلسفة واللغة، ويجد القاريء أن الروائي والمفكرعمر عبد العزيز موسوعة في المعارف الأدبية والعلمية ولديه قدرات لغوية فائقة وامكانيات كبيرة في ترويض اللغة العربية ليرسم بالكلمات مشاهد كاريكاتيرية أو تراجيدية. ففي هذه . الرواية رسم لنا مشهدا تراجيديا حول موت ومراسم دفن مريوم كانت الأستعدادات على اشدها، والخرق البيضاء الناصعة تخرج من ابواب ..) المنازل، والأبخرة تتناوب معارج تشكيلاتها السديمية، والأطفال في حيرة مما يجري والطيور تهرب من اوكارها كما لو أن بها مسا من جنون مريوم، والبحر يتحول الى (.مرايا زجاجية تومض بصواعق من ضياء فاقع رغم معرفتي السابقة بالدكتور عمر منذ أن كان مديرا عاما لتلفزيون عدن، لكني من خلال قراءتي للرواية وجدته مفكرا وسياسيا ضليعا بالتاريخ السياسي العربي والعالمي. ففي "رواية" مريوم " كشف للقاريء المفارقات في القانون الدولي العام .ومعنى الظلم والتدخلات السافرة في شؤون الغير والاعمال العدوانية ضدر الدول ان القانون الدولي الخاص ينحسر في حضوره الافقي العالمي يوما بعد آخر …) وتنتظم مرئياته في اطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية حمًالة الاوجه في تفسيرها وتطويعها، كما أن لغة تلك المعاهدات والاتفاقيات تتسم بقدر كبير من التجريد، وهي صفة عامة في لغة القوانين المكتوبة، حتى أن التعريف التقليدي للقانون يُختصر في (."قول القائل" القانون هو فن استخدام اللغة.

قبل أن أقرأ الرواية لم اكن اعرف أن هناك بجعة سوداء موطنها استراليا ففي " مريوم " قدًم لنا الروائي ثقافة معرفية عن البجعة السوداء . (. . تلك المعجزة التي ارهقت كاهل المستكشفين الاوربيين لقارة استراليا.. يوم شاهدوا بجعاً بلون اسود لم يروه ولم يعرفوه من ذي قبل، فكان التفسير المباشر للذهن الاستيهامي الميتافيزيقي أن تلك البجعات ليست سوى سحر أسود من صنع السكان الأصليين، وربما كانت.طاقة شيطانية تُجبر رائيها على التعوذ منها).

وقادني فضولي وأنا في سدني أن أرى هذا الطائر، ووجدته جميلا ورشيقا وناصع .السواد، له منقار أحمر وعيون حمراء وبعض الريش الابيض تحت الجناحين وهنا استنتجت أن الروائي وبطريقة ذكية ودون أن يشتت تفكير القاريء، قرن .جمال البجع الأسود بجمال مريوم ورشاقتها .

الرواية ثرية بالمفردات التعبيرية وبسحر اللغة العربية التي استخدمها المؤلف في وصف مريوم (.. في حالة تماه ساحر مع جمالها الظاهرفي استقامة عودها الخيزراني، و ضفائرها المعقودة وراء مستودع الخفاء الملهم، وأناملها المنسكبة بليونة أنامل الجوكندا، والتجسيم الهيليني واضح الملامح، واستوائها المنظوم على درب سيرها المتعرج بتهاديات جسدها النحيل، وابتسامتها الذكية النابعة من اسنان (.مرصوفة حد البهاء المشع برحيق عذوبة من ماء زلال.

في رواية "مريوم" رصد لنا المؤلف التحولات التي حصلت لدبي وما وصلت اليه الآن بعد أن كانت (.. دبي مدينة ساحلية تنتظم في مساراتها انساق من منازل خشبية تنتمي لأنماط العمارة الانجليزية الفيكتورية، واخرى هندية البناء، وبعض من البراجيل " المحلية المنتصبة امام الشموس والضياء، وكثرة كاثرة من المنازل ” المشيدة من الخوص وسعف النخيل).

ودبي الآن ليس كما كانت في زمن الاربعينيات من القرن الماضي بعد أن كانت بيوت ساحلية متهالكة وخيما رثة. فهي الآن تزخر بأبراجها العالية وحدائقها الغناء ونوافير المياه المشعة بالأنوار الجميلة.

وفي الختام أقول أن للدكتور عمر عبد العزيز قدرة كبيرة في بناء عناصر رواية مريوم” . فقد تدرج في بناء شخصية مريوم التي يقول عنها اهل الحارة بأنها مصابة بمس من الجنون، حتى اوصلها لحالة الأسوياء كما للدكتور عمر المام بالشعر والشعراء واختياره لبعض الأبيات الشعرية أضاف متعة للسرد المشوق والمتين للرواية . ففي الصفحة 46 من الرواية ذكر أبياتا من الشعر للحسين ابن منصور وكأني بها اناجي زوجي الشهيد ابا ظفر

والله ما طلعت شمس ولا غربت"

ألا وحبك مقرون بأنفاسي

ولاجلست الى قوم أحدثهم

"ألا وانت حديثي بين جلاسي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-18 03:35:27.