المثقف - أقلام ثقافية

نجوى.. أربعون يوماً مضت على رحيلك

abeer shaheenأربعون يوماً مضت على رحيلك يا خالي، أربعون يوماً بليلها ونهارها، أربعون يوماً بساعاتها ودقائقها وثوانيها، أربعون يوماً والجرح ينزف، أربعون يوماً وطعنة الغدر لاتزال تحرق في الصميم. أربعون يوماً وليت بإمكاني تحميل الكلمات مقدار حزني على فراقك، لكنها تبقى حبراً على ورق فلو كان باستطاعتها احتمال حزني لذابت وتحولت لدمعٍ ودم.

لقد رحلت يا خالي ولك من العمر خمسون عاماً كان فيها عطاؤك، كرمك، حنانك قوياً متدفقاً كالأعداد الغفيرة التي تدفقت لتشييعك. كان الجميع هناك يا خالي، جميع أحبابك هناك.

كانوا يبكون لفراقك، لكنه لم يكن بكاءً عادياً كانت الوجنات تحترق من حرارة تلك الدموع، ولكن يا لروعة ألم الحرق أمام ألم فراقك.

وهناك من عليائك ألم تكن ترقب الجميع بصمت، ألم ترى تلك النوبة الجنونية التي اعترت أمي وجدتي وخالتي وزوجتك عفاف، فكل واحدة منهن ذهبت في إغماءة قصيرة لعدة مرات، يا إلهي ما أشد حزنهن!

واستمر موكبك بالتقدم، نعشك الملفوف بعلم الوطن والمرفوع على الأكتاف يتقدم ونحن وراءه، أدخلوك بيت جدي أولاً وطافوا بك في أنحائه. نعم! جاؤوا بك لتودع دارك الأولى ثم ذهبوا بك نحو دارك الأخيرة.

كانت العيون ترقبك بصمت ولوعة وأسى، ثم .... ثم ...أنزلوك عن الأكتاف ووضعوك في القبر وأهالوا عليك التراب، ولست أدري ما حصل بعدها، هبط ظلام كثيف أمام عيني ثم أحسست بقطرات من الماء البارد على وجهي وسمعت أمي تقول: لقد انتهى كل شيء لقد ذهب.  ولكن لا.... أليست كلماتك ضحكاتك نظراتك معششةً في الذاكرة؟  فأنت موجود إذاً، أنت باقٍ، أنت حي، أنت خالد... نعم أنت باقٍ في قلبي كل من يحبك، أنت لم تمت.... رصاصات الغدر الثلاث التي اخترقت صدرك، وأدمت فؤادك أخذت منا جسدك فقط لكن روحك باقية معنا باقية حتى عندما يجمع الثرى أجسادنا ستبقى أرواحنا الحرة تحلق معاً.

ولكن ما عساي أفعل وأنا أرى عينيك السوداوين في كل مكان، عيناك السوداوان ببريقهما الغريب ذاك البريق الذي طالما ودعتني واستقبلتني به، كان بريق عينيك مميزاً. نعم!  لقد حباك الله بتلك الهبة لتعكس بريق المعدن الذي صنعك منه.

يا إلهي كم أفتقد تلك النظرات التي كنت تسكبها عليَ .... كانت تشيع في نفسي ذاك الشعور الذي كان ينتابني عندما يحملني أبي وأنا صغيرة..... أنه نفس الشعور ولكني عدت أحس به وأنا في السابعة والعشرين....

وأخيراً...

إن حزني على فراقك يا خالي بمقداري حقدي على أولئك الكفرة أولئك المجرمين أولئك اللذين يدعون الإسلام لكنهم لا يمتون له بصلة حتى بالاسم.

ألست من رفض كل تلك الأموال لأنها مال حرام؟ ألست من تعب وشقي ليل نهار لتكون كل لقمة طعام لك ولأولادك طعاماً حلال؟ ذاك الخبز ألم يكن مجبول بالدم والعرق؟ ألم تكن تطعم منه الفقير والجائع؟ ألم تكن أميناً في عملك؟ ألم تكن معلماً في دينك؟ ألم.... ألم.... ألم....

أليس هذا جوهر الإسلام؟!!

أليس هذا ما خلق لأجله محمد النبي العظيم؟!

أليس هذا ما قُتِل لأجله أولياء الله الصالحين؟!

لكني أتساءل؟

أي إسلامٍ يقاتلون من أجله؟!

أي إسلامٍ يحل لهم قتل الأبرياء؟!

أي إسلامٍ يحل لهم تقطيع الأعضاء؟!

أي إسلامٍ يحل لهم ثكل الأمهات، وتيتيم الأبناء؟!

استغفر الله فالإسلام براء من كل تلك الأفعال، الإسلام براء من كل أولئك الأنذال.

فهذا ليس ديننا السماوي العظيم، إنه دين الشيطان وأعوانه، دين أبي جهلٍ وأبي لهب نعم ذاك هو الدين الذي يخدمه أولئك وأمثالهم.

فأيديهم التي تلطخت بدمائك ودماء رفاقك الثلاثة.

ووجوههم التي قدّستها تلك القطرات المتناثرة، وأنوفهم التي أزكِمت برائحة الدم والبارود، ألن تشهد ضدهم يوم القيامة؟! فكيف سيقابلون الله تعالى إذن؟ ماذا سيقولون لنبيه محمَد (ص) عندما يسألهم أهذا ما علمتكم إياه أهذا ما فنيت حياتي من أجله؟!

والله ستبقى دماؤك ودماء أمثالك أمانة في اعناقنا حتى ننتقم لها لترقد جثامينكم الطاهرة بأمن وسلام وتنعم أرواحكم النورانية بالهدوء والسكينة.

 

 

تعليقات (4)

  1. ذكرى لعيبي

صباح الخير عزيزتي د. عبير
عظم الله أجركم بفقد " خالكم" غفر الله له وأسكنه واسع جنانه، وألهمكم عزيزتي الصبر على فراقه
أواسيكِ وأشاطركِ الحزن، هي محنة لابد أن تمّر، وغصّة موجعة ، لكن ماذا عسانا نفعل؟
ثلاث رصاصات غدر أودت بحياة خالكِ -رحمه الله-
وتسع رصاصات غدر أودت بحياة والدي - رحمه الله-
هكذا هم الشهداء، أنقياء القلوب والأرواح ، يغادرون ويتركون اللوعة تعتصرنا كل حين .
أواسيكِ عزيزتي
محبتي

 
  1. د. عبير علي شاهين    ذكرى لعيبي

رحم الله والدك....وأسكنه فسيح جناته....
إنها الحرب....ولابد من ثمن...
تحياتي لك...وشكرا على مشاعرك الصادقة الرقيقة

 
  1. ماجد الغرباوي

رحمه الله برحمته الواسعة، واسكنه فسيح جناته، له الرحمة والرضوان ولكم الصبر والسلوان، الاستاذة الدكتورة عبير علي شاهين، انها مؤامرة لئيمة ضد شعوب المنطقة لتحطيم بنيتها وتمزيق نسيجها الاجتماعي. ولا حول ولاقوة الا بالله
تحياتي

 

رحم الله جميع الشهداء...أستاذ ماجد...
نعم إنها مؤامرة لئيمة....
شكرا لمشاعرك الرقيقة....تحياتي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-19 05:38:55.