لقد صدرت مجموعة تعليقات مسيئة جدا تنتحل اسم الباحث القدير صالح الطائي، يرجى تجاهلها وعدم نشرها.

د. صادق السامرائي
حسن حاتم المذكور
أمجد الدهامات
د. ميثاق بيات الضيفي
د. صادق السامرائي

أنا أحتج.. إذن أنا آدمي / نذير الماجد

nadeer_almajed"هنا ينبغي القفز" في هذه اللحظة تحديدا، حيث تنعدم الرؤية فتقل القدرة على التنبؤ.. وحين لا يعود الزمن متصلا، يبدو التجاوز فعلا حكيما متعاليا على الرتابة وموغلا في ذاتٍ ليست هي دائما وأبدا:

تعود الذات هي الذات وقد تمددت. وهذا هو المعنى الوجودي لتحقيق الذات:فعل يحمل كل دلالات التجاوز والتوثب والقفز وأخيرا المخاطرة، وبالمخاطرة والجسارة تتولد الذات، أي تصبح حرة.

المخاطر الأكبر هو الحر الأكبر، يقول نيتشة: "لقد تغنوا أمامي بشيء عن النعيم الساجي للمعرفة، ولكني لم أجده. أجل، إني لأحتقره الآن وأزدريه. فأنا لا أريد معرفة بغير خطر"..

الخطر، الاحتجاج، التمرد، اللعب مع الموت هي أبجديات نيتشوية في المعرفة، وهي أخلاق البطولة التي يتشربها الثائر والمشاغب، إنها روحية الإنسان الأعلى التي تتجسد اليوم هناك وتترقب الميلاد هنا، وهذا المفهوم النيتشوي الذي يحيل المعرفة إلى مخاطرة يكاد يلتصق بأشد اللحظات السياسية سخونة: الثورة، أو الحدث المكثف الذي يكشف عن تلك الانقطاعات اللامرئية أو المحتجبة في غير أزمنتها، إنها فعل مفاجئ يرمي إلى كشف الغطاء عن حقيقة وجوهر الزمن السياسي.

تعمدت هذا التمهيد الفلسفي متبعا المذهب الوجودي في تحقيق الذات، لأن المخاطرة والانفصال يعززان ذاتية التحليل في المعرفة كما في السياسة، وهو مبدأ حاسم في هذا التصور الوجودي للعالم، دعوني أتوقف هنا أكثر، فإذا كانت الموضوعية تجميدا أو تثبيتا لما من شأنه السيولة والحركة، فإن الذاتية ستتسم بقيمة وتموضع معرفي لكشف التوتر الكامن في الطبيعة السياسية، وكما أن اللغة هي جنة الذاتية، حيث نرى تمجيدا اعتباطيا لهذه الكلمة أو تلك، كذلك في السياسة تنتعش الأهواء ويسود منطق الاحتمال، إنه عالم يكره التوكيد والحسابات المنطقية الثابتة، السياسة إذن جنة الذاتية وعالم الاحتمال أكثر من أي نشاط إنساني آخر، وحتى الدعوة لمراعاة الهدوء والعقلنة في تعاطي الشأن السياسي هي في جوهرها حيلة سياسية تؤكد المنظور الذاتي، بل إن التعقل السياسي ذاته يقتضي قدرا من الجنون.

في كتابه "الزمن والسياسة- ملاحظات في السجن" يقدم المفكر اليساري الفرنسي "ريجيس دوربي" تحليلا مركزا للطبيعة الهلامية لهذا المنطق الذاتي الذي يحكم عالم السياسة خاصة في أزمنته المتسارعة والمكثفة في انقطاعات زمنية نسميها أزمات أو لحظات مفصلية لا تنكشف ملامحها إلا بعد فوات الأوان: "اللحظة الحاسمة تقدم نفسها كترسب كيميائي محير، سريع، لعدد من الأحداث غير المتوقعة، المعاشة في الريبية والغموض وتبدو نتيجتها صدفوية.. إن الأزمات لحظات حاسمة لكنها غير قابلة للتقرير المسبق.. من هنا كل أزمة تبعث على الدوار ففي لحظة ما، اللحظة الحرجة في الأزمة، يدوي التاريخ عميقا كأنه الهاوية، ثانية خاطقة، طرف من الليل، نظل في الهواء معلقين بانتظار لا شيء، إشارة، نقطة ارتكاز الواقع أن البنية الجدلية للتاريخ تتعرض للناس دائما كمصادفة، يعني أننا في التحليل الأخير، لا نواجه الضرورة إلا في شكل ملموس من أشكال الاحتمال"  يؤكد دوربي هذا المعنى ليشير إلى حتمية الأزمة التي لا تنتج بالضرورة نتائج حتمية، من هنا يقرر الطبيعة اللامتسقة للسياسة، فيقول: "من العقل في السياسة أن تتجاوز المعقول أحيانا: خطوة إلى الأمام.. قرار خطر".

ما يريد أن يقوله دوربي وهو ما سنؤكد عليه يعري المحاولات التهريجية للمتفيقهين في السياسة، فالدعوة إلى الهدوء والعقلنة في زمن يعصف بالثورات هي دعوات يتبرأ منها العقل السياسي وفقا لهذا التحليل، أي أنها دعوات لا عقلانية بخلاف ما تدعي، وإذا ما كانت دعوة لوقف الاحتجاجات والتخلي عن ممارسة الحق الذي يكفله العقل السياسي بوصفه حزمة من القواعد والمبادئ الموضوعة فإنها ستبدو "حيلة سياسية" مترشحة عن موقف سلطوي لإبطاء الزمن المتسارع، ولئن كانت هذه الدعوات تصدر عن أطراف لا تمارس السلطة فإنها تنم عن حالة سيكولوجية معروفة جدا: تماهي الضحية مع الجلاد.

هذه الشرعنة للاغتصاب هي التي تفسر لنا كيف يتبنى المهمش خطاب السلطة، وكيف يتنازل عن حقه بثمن بخس إن لم يكن بالمجان، إن احتيال السلطة يأتي في سياق التدجين الكامل للوعي، وصولا لاستلابه بالكامل، فالدعوة إلى وقف التظاهرات ونحن نرى التاريخ يتجاوزنا تفصح عن عماء مستحكم في الرؤية والتحليل والوعي السياسي، وإذا كنا سنحسن النية فإننا سنكون أمام حالة انفصامية بين الرغبة والخطاب، بين رغبة في التغيير وخطاب سياسي يؤول في أحسن حالته إلى زمن تغييري يكاد أن يتوقف.

 ولكن التغيير في السياسة –بل كل تغيير- مخاطرة بامتياز، أو نتيجة لحس مغامر، ولذلك سأتجرأ على القول : أن فعل التغيير فعل ثوري لا يقوم به إلا المغامرون والذين صقلتهم التجربة وعلمهم التاريخ أن السياسة ما هي إلا منطق قوة..

والقوة لا تفهم إلا لغة القوة، حتى كلمة الحوار لن تعود كما لو كانت كلمة ناعمة بقدر ما تنبئ عن متكأ لغوي لفعل القوة ذاته، وهذا ما يجعلني أقفز على التسلسل الطبيعي للأفكار لأجري محاكمة جريئة للاتجاهات السياسية التي يحلو لها دائما أن تستبدل وسائل القوة التي يملكها الشعب بوسائل التهدئة كالحوار مع السلطة وطرق أبوابها، فما الذي سيعنيه الحوار إن لم يكن توطئة لإخماد النزوع المتأجج للاحتجاج والصوت الرفيع؟

الحوار في لغة السياسة وتبعا لمنطق القوة وصراع الإرادات هو المرحلة التي تأتي عقب مرحلة تتسم باختلال في ميزان القوة، الحوار إذن ترجمة لصعود قوة جديدة، إنها مرحلة تأتي بعد فرض القوة وليس قبلها، إنها تعبير عن ندية وتقاسم المصالح ومجالات النفوذ، وليست تعزيزا أو تأبيدا لقوة متسيدة ومتسلطة تستحوذ على المناخ السياسي وتمارس على مستوى الخطاب والممارسة كل أصناف الحيل والألاعيب السياسية، وهكذا فالحوار ليس أكثر من تأطير سياسي لإرادات متصارعة تسعى لحفر كوة في جدار الجمود الاجتماعي والسياسي.

إذا كانت الندية هي الخاصة الأولى للحوار إذ لا حوار بين تابع ومتبوع، فإن في اللغة بما هي أداة تواصل تكمن الخاصية الثانية، فلا يمكن أن ينجح أي حوار مزمع في حالة انعدام القدرة على الاتصال التي تكفله مرجعية موحدة للمفهوم السياسي، فالمواطنة والفعل السياسي والحقوق والإصلاح وغيرها من مفردات تتسم بمرجعيات متفاوتة بين الأطراف التي تفترض في ذاتها أهلية الحوار، فلكي يثمر الحوار لابد من شرطين أساسيين: توحيد المفاهيم واستنهاض القوة.

في الدول الديمقراطية تتبدى هذه القوى في الأحزاب، وتمتحن ذاتها في صناديق الاقتراع، ولكن كيف للقوة أن تتبلور في دولة أتوقراطية وشمولية؟ إذا كانت الأحزاب في دولة تبيح التعددية السياسية هي تعبير سياسي ومدني عن قوى تتوالد باستمرار، فإن القوة في دولة شمولية ومتسلطة "تنتزع انتزاعا" ولا تستجدى بحوار، ولعل من أبجديات السياسة أن الطرف الذي يرغب في الحوار لابد له أن يؤسس مرتكزا جديدا من الشرعية والنفوذ الاجتماعي هذا إذا كانت هنالك شرعية في دولة تسلطية، فهو يوحي بتغاير واختلاف في الرؤية السياسية، أن تحاور يعني أن تختلف وتتمايز وإلا فهو حوار طرشان، وهذه هي الخاصية الثالثة: كل حوار ينبئ عن بروز قوة سياسية وخطاب سياسي مختلفين عن الخطاب الرسمي، والتظاهر والاحتجاجات السلمية بوصفها شكلا من أشكال الاستفتاء هو التعبير العفوي عن رفض الواقع السياسي، ولذلك وهذا ما غاب عن المتحذلقين بالتعقل والواقعية السياسية تصبح "المظاهرات" بوصفها سلوكا سياسيا وسيلة وغاية في ذات الوقت. الشارع هو الذي يصنع القوة، والقوة هي التي تجعل الحوار متكافئا وناجعا، هذا هو التسلسل الطبيعي الذي يجب أن يتبع لا أن يكون الحوار بديلا عن الشارع "القوة" ولا الشارع بديلا عن الحوار، أي أن التزامن بينهما هو تعطيل لفعالية الحوار والاحتجاجات السلمية في آن معا.

ولذلك سأقول متجاسرا وعيني على الشارع بأن المطلب الأساسي الأول في كل دولة متسلطة هو ترسيخ ثقافة التظاهر، وإشاعة ثقافة "المخاطرة" في اللحظات الخاطفة التي نسميها أزمات، وكل أزمة هي لحظة ضبابية، لحظة منعشة لحس المغامرة، لحظة مواتية لكسر الرتابة السياسية والولوج في المجهول، لحظة غامضة لا تنبئنا بما بعدها، لحظة ستمر وستكنس معها آمال أو جرائم، من يدري، علينا فقط أن ندع التعقل ونصغي لوحي اللحظة، على الأقل لكي لا ننس أننا ننسى: "كن واقعيا واطلب المستحيل".

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1715 السبت 02/04 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1670 المصادف: 2011-04-02 12:05:31