THANK YOU AND GOODBYE...!!! / مصطفى الأدهم

بهذه العبارة، عنونت صحيفة ´نيوز أوف ذا ورلد´ News of the World)) الأسبوعية اللندنية، عددها الأخير في هذا ال- (Weekend) والذي له سوابق من الإعداد، ولن يكون له لواحق.

 لأن الصحيفة الفضائحية، قد قبرت اليوم بعد أن نعيت على يد ´الأسرة المالكة´ لها، وهي آل ميردوخ، الملياردير الأسترالي/الأمريكي، وامبراطور الإعلام المعروف (Rupert Murdoch)، روبيرت ميردوخ.

بعد 168 سنة، من الحياة العملية، في حاشية صاحبة الجلالة ´السلطة الرابعة´، ودعت ´نيوز أوف ذا ورلد´ بحزن، قرائها البالغ عددهم 7.5 ميلون. تجر أذيال الفضيحة المهنية. القانونية. والأخلاقية، التي اقترفتها في ما سمي ب´فضيحة التجسس أو التنصت´، وهي الفضيحة التي كشف عنها مؤخرا في عاصمة الضباب، لندن، ومن قبل زميلات محترمات لصحيفة ´نيوز أوف ذا ورلد´، أي صحف بريطانية أخرى.

وملخص الفضيحة، كان في التجسس والتنصت، على أفراد من العائلة المالكة البريطانية، وأهل السياسة، وضحايا الإرهاب والجرائم، وبالطبع المشاهير. وكان للصحفية تعاون مع أفراد من الشرطة البريطانية، في اختراق خصوصية المتجسس عليهم، من قبل اختراق هواتفهم الخاصة. وهو الأمر الذي شكل صدمة في بريطانيا. حيث واجب الصحافة كسلطة رابعة، حرة ومستقلة وغير رسمية، هو العمل على مراقبة السلطات الرسمية الثلاث وهي: السلطة القضائية، السلطة التنفيذية (الرئاسة والوزارة)، والسلطة التشريعية (البرلمان). ومن خلال هذه المراقبة، تسلط الصحافة الضوء على الجوانب المعتمة في عمل هذه السلطات المشار اليها، وتفضح (بكل ما للكلمة من معنى) للقراء/ الشعب-الناخب، كل ما هو غير قانوني وفاسد في عمل أي من هذه السلطات وافرادها.

 ومن هذا الواجب المهني للصحفي في نقل الخبر أولا والإضاءة على جوانبه وابعاده ثانيا، أخذت الصحافة دورها، كسلطة رابعة غير رسمية، تراقب الجميع ويفترض أن تراقب نفسها. لكن ´النيوز أوف ذا ورلد´ رسبت، بعد أكثر من قرن ونصف، من مراقبة الفساد، في أجتياز أمتحان الفساد. حيث وقعت الصحفية في مستنقع الفساد، ونحرت المباديء الصحفية واخلاقيات المهنة. والكارثة هنا، تتمثل في كون الصحيفة نفسها، قد فقدت المصداقية، والأخيرة، تمثل ´غشاء البكارة´ للعمل الصحفي.

وبعد هذا، رحلت ´ نيوز أوف ذا ورلد´ الى غير رجعة وغير مأسوف عليها. بعد أن أعلن مالكها مردوخ، وعلى لسان نجله و وريثه، قراره بايقافها عن العمل، فكانت نهاية المشوار.

أن من جوانب القلق في هذه الفضيحة، هو، سوء استغلال ما يمكن تسميته ب´مساحة النفوذ´ التي تتمتع بها الصحافة والعمل الصحفي في العالم الديمقراطي. حيث لاوجود:

 أولا، لوزارة أعلام، تمثل رأي السلطة الحاكمة، وتكمم وتراقب أفواه واقلام اهل الصحافة.

 وثانيا، حرية الطباعة والنشر، وممارسة العمل الصحفي بما لا يتعارض مع القانون الذي هو بدوره ديمقراطي.

 وثالثا، ألحق في الوصول إلى المعلومة، وعدم أحتكارها من قبل مراكز صنع القرار. فالشعب أحق بالمعلومة من الساسة، كونه مصدر كل من السلطات والشرعية. وهذا ما لم يفهمه أو يستوعبه ساسة الشرق بعد.

والصحفي، هو، عين، واذن، وقلم، الشعب. يسمع، ويرى. فينقل كاتبا. محللا. ومصورا. ما يحدث فوق الطاولة، وما حدث ويحدث تحتها. فوجود الحرية، مع سلطة القانون، ”يخيف” السياسي من الصحفي (وهذه مهمة، عكس الشرق الذي تقوم فيه حمايات الساسة بالإعتداء ضربا على الصحفي، ناهيك عن الشتم، ولا يخاف السياسي من هذا أن لم يعتدي هو أيضا، كون ثقافة الناخب والمنتخب، لم يجري هضمها بشكل صحيح وكامل من قبل الطرفين)، لأن الصحفي هو المراقب لزلات السياسي، واخطائه، كي ينشرها إلى الرأي العام. مما يعني اضعافا وتضعضعا في موقع السياسي شعبيا. وهذا يؤثر على مدة بقائه في عمله الرسمي أي منصبه.

وتلعب الصحافة دورا كبيرا في زيادة ونقصان فرص صعود وافول نجم الساسة في الديمقراطيات. حيث يحتاج السياسي إلى الصحافة، من أجل الترويج والدعاية لحلمته الإنتخابية. فأن كانت الصحافة (الأمر نسبي، من سياسي إلى أخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، ومن بلد إلى أخر) مؤيدة له، عزز ذلك من فرص نجاحه وتقبل الجمهور له، لما للصحف من تأثير على الناخب.

وفي الجهة الأخرى، فأن وقوع سياسي ما تحت مدى مدفعية الصحافة، فأنها سكتون نهايته، أو قل تكبيده خسائر فادحة، تظهر اثارها في معسكر السياسي بشكل واضح وجلي. فالخصم السياسي، سيكون في المرصاد، لتلقف القصف الصحفي، كي يسجل نقاط عند الناخب على حساب خصمه.

فالمسألة عبار عن دائرة Circle، تدور في فضائها، العلاقة الجدلية بين السياسة والصحافة، ويراقب الشعب: الناخب للسياسي، والممول للحصافة، هذه العلاقة الجدلية بين الطرفين، ويصدر حكمه النهائي وفقا لقناعاته، فالموضوع أقرب إلى جدلية ´توم وجيري´ أي لعبة القط والفأر، التي لا تكون نتائجها متشابهة دائمة.

من هذه الخلفية، لهذه العلاقة الجدلية بين السياسة والصحافة، التي اسميتها بالدائرة، تنشأ ´مساحة النفوذ´ التي تتمتع بها الصحافة (واكرر، أنها في العالم الديمقراطي)، وبالتالي الصحفي، وفوقه المالك للمؤسسة الصحفية. فالعلاقة طردية، كلما زادت حاجة السياسي للصحافة (أي الصحفي، المؤسسة، المالك) كلما زادت قوة ونفوذ الصحافة (الثالوث نفسه). وموسم حاجة السياسي، يكون في مواسم المعارك الأنتخابية، حيث يخطب الساسة ود الصحافة، الذي يعني كما قلنا، دعاية، وترويج، واعلان مدفوع أو مجاني، وتحليل مؤيد. وبما أن لكل مؤسسة صحفية متابعين فأن تأثيرها على متابيعها، هو من أهداف السياسي، لكسب أكبر عدد ممكن من الأصوات.

ومن مواسم ضعف الساسة، وحاجتهم للإعلام، هي الأزمات، فعندما يقع السياسي في أزمة ما، يهرع إلى شبكة علاقاته الإعلامية، محاولا الإستعانة بها أو تحييدها جهد الإمكان، كي يتجنب كثافة النيران التي ستسلط عليه اعلاميا وصحافيا على خلفية الفضيحة المفترضة. وبما أن لكل شيء ثمنه، فأن للتعاون (أن وجد، ووفق نسبته) بين السياسي والصحافة (مؤسسات. مالكين. أعضاء) ثمنه أيضا. ومن أوجه الأخير، غض الطرف عن شبهات تحوم حول عمل بعض المؤسسات الأعلامية، أو ´مساعدتها´ في الإستحواذ على صفقات ما، مما يوسع من دائرة النفوذ للمؤسسة، ومالكها والعاملين فيها، على حساب السياسي، الذي يخشاها، أو يتبادل المصالح والمنافع معها. ومن خير الأمثلة على لعبة تبادل المصالح، وغض الطرف، هو امبراطور الإعلام روبيرت ميرودخ الذي يحظى بنفوذ قوي جدا، لما يملكه من أسطول أعلامي وصحافي عملاق منتشر في أكثر من مكان في العالم، بل في أكثر اماكن العالم أهمية وتأثريا في صناعة الأحداث العالمية، كالولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة واستراليا. وما فضيحة صحيفته ´نيوز أوف ذا ورلد´ التي تشكل ذراعا من عدة أذرع أخرى يملكها، ألا مثالا صارخا، على سوء استخدام مساحة النفوذ التي تأطر العمل الصحفي،على الرقعة الديمقراطية. فخوف الساسة من قوة الردع الميردوخية، الناتجة من ضخامة وقوة تأثير جيشه الإعلامي والصحفي في المملكة المتحدة، جعل بعض الساسة من ´الكبار´، يغضون الطرف عن ما يثار حوله من دخان، لحاجتهم له، أي لأدواته وجنوده الإعلامية، أو تجنبا لنيرانها، وان كانت في بعض الأحيان صديقة.

أن العمل الصحفي، لا يمكن أن يزرع إلا في أرض ديمقراطية. ولا يمكن أن ينمو إلا بوجود فصل تام وحقيقي للسلطات الثالث. كي يثمر العمل الصحفي عن سلطة رابعة مراقبة لعمل السلطات الأخرى. وتراقب نفسها. مع مراقبة القانون لها. ومراقبة الشعب/الناخب والممول والقاريء، للجميع. وان كان للصحافة من أخطاء، فهي تندرج ضمن امكانية الخطأ التي يقع فيها كل فرد وكل مؤسسة، وكل سلطة في أي مكان وزمان. وعليه يجب تصحيح الأخطاء، مع الحفاض على قدسية حرية الحصافة، والعمل الصحفي. فلا تكبل الصحافة بقوانين خانقة لحرية العمل الصحفي، بحجة أعادة تعريف، أو تأطير العلاقة الجدلية بين السياسة والصحافة، ورسم حدود كل فريق. فالسياسة مجبولة بشكل جيني، على الربية أو أن شئت القول، كره، الحرية الصحفية، ومساحة نفوذها، التي تعني مرة أخرى وبشكل طردي، تقليص نفوذ، أو ارباك مساحة النفوذ، التي تتمتع بها السياسة، وبالتالي السياسي. وجوهر العمل الصحفي، هو، اختراق أسوار عالم السياسة. لنقل ما يدور في كواليسه لعموم الناس. والحكم في النهاية هو الشعب، فيعز من يشاء ويذل من يشاء من أهل السياسة والصحافة.

رحلت ال´نيوز أوف ذا ورلد´ غير مأسوف عليها. مكفنة بثوب العار الأخلاقي. وملطخة بدماء المهنية، التي نحرتها بيدها، في فضيحة التجسس ´المثيرة للإشمئزاز´، كما عبر عنها رئيس وزراء بريطانيا، رئيس حزب المحافظين، ديفيد كاميرون. لكن يجب التنويه إلى ´المهارة´ التجارية لميروخ. المتمثلة في نعيه صحيفته، وقبرها، رغم تاريخها الطويل، ومردودها الجيد، وحجم قرائها المليوني. فالرجل اطفاء بيده النار التي شبت في بيته، و التي اشعلتها أحدى أذرعه. وفي هذا انحناءة برغماتية واضحة للعاصفة التي خلفتها فضيحة ال´نيوز أوف ذا ورلد´. لكن هذه الإنحناءة البرغماتية، ما هي إلا ´حنكة´ اقتصادية. لعبها ميروخ الأب. والتنفيذ على ميروخ الإبن. من أجل اتمام العمل المستمر من قبل آل ميردخ للفوز بعيون محطة ´سكاي´ للبث التليفزيوني في بريطانيا. حيث يملك ميردخ الأب، أكثر من 40 بالمئة من أسهمها. ويسعى جاهدا منذ عام للإستحواذ على 60 بالمئة المتبقية من الأسهم، كي يكون المحتكر للبث التليفزيوني في بريطانيا، وهو لأمر الذي دار حوله وما يزال جدال واسع، وشبهات، حول تداخل المصالح بين السياسة والاعلام.

وعليه، فأني أعتقد أن ميردوخ الأب، سيحيي ´نيوز أوف ذا ورلد´ من جديد. لكن بوجه واسم جديد. خصوصا بعد تردد الأنباء عن ابلاغ فريق عملها ببقائهم في وظائفهم وحتى أشعار أخر.

 فمتى سنرى المولد الميردوخي الجديد?

 سؤال قد تطول أو تقصر الإجابة عليه، بقدر طول وقصر مدة الإنتهاء من معركة الإستحواذ على صفقة ´سكاي´ التي ستعيد في حال اتمامها أو فشلها، ستعيد، رسم خارطة امبراطورية ميردوخ الإعلامية، وبالتالي مساحة نفوذه!

 

مصطفى الأدهم

صحفي وكاتب

11.07.2011

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1814 الاثنين: 11 / 07 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-07-11 20:40:27.