المثقف - أقلام حرة

ربيعنا المنسي

naeem yasinفي الاول من اذار عام 1991 ميلادية انطلقت رصاصة من رشاش بكف جندي عراقي نحو جدارية لصدام في البصرة معلنة ربيعا عراقيا قبل هذا الربيع العربي الذي نشهد فصوله. الرصاصة تبعتها ملايين الرصاصات في محافظات العراق جنوبا ووسطا وشمالا، ولاذ الرفاق البعثيون بجحورهم، فيما فضل بعضهم ارتداء ملابس النساء من زوجاتهم وامهاتهم واخواتهم من اجل الافلات من غضب الجماهير المنتفضة. كان العراقيون يعيشون ايام شهر شعبان الفضيل وقت انتفاضتهم، فهم اعدوها ليستقبلوا عيد الفطر بسقوط الدكتاتور لكن جرتى الرياح بما لاتشتهي السفن اذ غدرت بهم دول اقليمية ذاقت مرارة النظام البعثي ودول كبرى طالما شكت منه، فقد سارع ملك السعودية انذاك فهد بن عبد العزيز للاتصال بالرئيس بوش الاب من اجل عدم ترك صدام ونظامه يسقطان بايدي العراقيين المنتفضين مبررا ذلك بانهم شيعة تربطهم بايران روابط الدين والمذهب الامر الذي يجعل من العراق واحة للايرانيين اعداء اميركا والغرب، ومع ان الحلفاء بقيادة اميركا فرضوا حظرا على اي حركة عسكرية لقوات صدام في البر، واي تحليق لطيرانه في الاجواء العراقية لكنهم اشاروا لصدام بانه حر باستخدام طيرانه ذي الجناح المتحرك وصواريخه ونقل قطعاته العسكرية لاي مكان يريد فكانت المجازر .

استخدم صدام كل ماتبقى له من قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص في الزحف نحو مدن العراق في الفرات الاوسط والجنوب فلم تراعى حرمة للعتبات المقدسة في النجف وكربلاء، اذ قصف المرقدان الطاهران بالمدفعية ودنس جنود الحرس الجمهوري والحرس الخاص مرقد الامام الحسين (ع) في كربلاء فقتلت النساء وكبار السن والاطفال وهم متعلقون بالضريح المقدس باوامر من قبل المجرم حسين كامل . ومن جرائم البعث وصدام انذاك والتي يريد اليوم معممو الانبار والموصل اعادتها من جديد ان حسين كامل عرض مجموعة من الشباب في كربلاء في احدى الساحات وطالبهم بالبراءة من الامام الحسين (ع) وشتمه ليتركهم احياء فأبى هؤلاء الشباب وهم في مقتبل العمر فذبحهم بحربته كما تذبح الغنم .

اعتقل من شباب الانتفاضة بعد اخفاقها في تحقيق النصر اكثر من ثلاثين الفا القي بهم في سجن الرضوانية الرهيب، وكان يشرف على التحقيق معهم قصي صدام وصدام كامل، وهو ليس تحقيقا بقدر ما هو تعذيب ممنهج ثم يعدم المعتقل او يلقى به في حفرة ليصير من سكان المقابر الجماعية . لم يسلم من الاعتقالات الجماعية وحفلات الاعدام الصدامية كبار علماء الشيعة، فاعتقل المرجع الاعلى السيد ابوالقاسم الخوئي في القصر الجمهوري ببغداد، وكان سماحته اصدر امرا خلال الانتفاضة بتشكيل لجنة من كبار العلماء في الحوزة العلمية لادارة المحافظات التي سقطت بيد الثوار ضمت ابنه السيد محمد تقي الخوئي والسيد عز الدين بحر العلوم والسيد الخلخالي وغيرهم وفوضها بصلاحيات شرعية كاملة، وطلب من جميع المؤمنين الرجوع اليها لضبط الاوضاع وسد الفراغ الذي نشأ عن سقوط النظام، ومن بين من اعتقل في الرضوانية سماحة السيد السيستاني وسماحة السيد الشهيد الصدر الثاني وغيرهما، واقتيد من الاقسام الخاصة في سجن "ابوغريب" السيد محمد سعيد الحكيم وعدد من اخوته الى سجن الرضوانية، وقد تعرض هؤلاء العلماء لابشع صور التعذيب والتنكيل من اجل ان يخرجوا على شاشة التلفاز ويدينوا الثوار ويمجدوا " القائد الضرورة " لكن شيئا من هذا لم يحصل . لقد كشفت الانتفاضة فيما كشفته ان هناك انقساما بنيويا في المجتمع العراقي فلم تنتفض المحافظات الغربية كما هو الحال في محافظات العراق، وانما قامت هذه المحافظات من خلال ابنائها ضباط الحرس الجمهوري والامن الخاص في قمع المنتفضين واعتقالهم وتعذيبهم، وبسبب الموقف المساند للنظام اطلق عليها الدكتاتور لقب المحافظات البيضاء فيما اعتبر كل محافظات الانتفاضة محافظات سوداء، واشدها سوادا مثلث البصرة ميسان ذي قار. كما كشفت الانتفاضة ان المعارضة العراقية لم تكن مستعدة لهذا الحدث فظهرت مرتبكة ترتجل قراراتها ارتجالا، بل لم تتناسَ خلافاتها ازاء الحدث الكبير، وقد حدثني بهذا الارتجال في معتقل الفضيلية احد العراقيين تسلل من ايران ليرى اهله فالقي عليه القبض واودع المعتقل لترحيله من جديد . لقد ارتكبت قيادة المعارضة اخطاء قاتلة في ادارة ملف الانتفاضة الذي لم يكن كله بيدها، فلم تكن لها صلات واضحة بدول الاقليم للتنسيق معها وتبديد صورة الطائفية المرتكزة في الذهنيات الحاكمة، وبنفس القدر لم تفتح قناة للعلاقات العامة مع واشنطن ولندن وغيرهما من الدول الغربية المؤثرة في مسار الحدث على الرغم من ان هذه الدول دخلت في صراع وحشد عسكري في المنطقة قبل انطلاق عمليات عاصفة الصحراء بستة اشهر، في المقابل نجد الكرد الذين انتفضوا في محافظاتهم بعد انطلاق الانتفاضة في الجنوب بثلاثة ايام قد استفادوا من انتفاضتهم وحققوا لهم مناطق آمنة كانت شبه دولة مستقلة ومازالت حتى اليوم .

لم تذهب دماء الشهداء سدى بل تحولت الى تيار هادر يقض مضجع الدكتاتور، فلم يستقر النظام ولم يخلوا له الجو، بل ظل يعيش هاجس الثورة المضادة في اية لحظة، وظل يعيش خوف الانقلاب من اقرب المقربين اليه حتى اخذ يبطش باولئك المقربين وفي مقدمتهم الطاغية الذليل حسين كامل واخوه صدام، فقد جاء بهما القدر من خارج العراق وهما يعرفان من هو صدام ليقتلا شر قتلة في بغداد ويسحلان في شوارعها كاي كلبين ماتا ويريد الناس ان يتخلصوا من جيفتهما، اما صدام فقد انتهت به الدنيا الغرور الى حفرة كحفرة الجرذ فيُستخرَج منها ذليلا وليُعرَض مهانا على العالم وقد التف عليه حبل المشنقة ليذوق وبال امره وما ربك بظلام للعبيد .

 

نعيم ياسين

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2371 الاحد 03 / 03 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-03-03 12:52:14.