المثقف - أقلام حرة

دستور الدساتير

ibrahim aboetaylaفي الوقت الذي أختلف فيه مع كافة حركات الإسلام السياسي التي تسيدت الموقف في عدد من دولنا العربية كون تلك الحركات تستخدم الدين وسيلة للوصول إلى السلطة وتوظفه لخدمة مصالحها وأعضاءها غير آبهة بحقوق ومصالح الآخرين، فهي حركات تعشق التسلط وتتمسك بالسلطة والتفرد بها ولا مكان عندها لرأي غير رأيها ولقول غير قولها، فمرشدها ومرجعياتها أشبه ما يكونون بالمعصومين عن الخطأ، علاوة على ان هذه الحركات قد ساهمت بشكل كبير بتشويه وجه الدين الحنيف أمام الآخرين وارتبط اسمها وفعلها بالتكفير حيناً وبالارهاب أحياناً، ومن خلال متابعة ما جرى ويجري من أحداث في عالمنا العربي نرى فشل تلك الحركات الذريع في الحكم والقيادة في بعض البلدان ويرى مدى عشقها للدم والتدمير في بلدان أخرى، فبعد ان فشلت في حكم مصر وقيام الشعب المصري برفضها من خلال التظاهر في ظاهرة ثورية واضحة استلم على إثرها العسكر قيادة البلاد بواجهة مدنية ممثلة برئيس المحكمة الدستورية، معلنين عزمهم على تحقيق مسار واضح للوصول الى الأمن والاستقرار من خلال خارطة طريق تم إعلانها منذ أول يوم لتسلم العسكر الفعلي للسلطة، وقد كانت أولى خطوات تلك الخريطة العمل على تعديل للدستور بما يشبه اعداد دستور جديد وعرضه على الشعب ليقول قولته بشأنه، حيث شكلت اللجنة لجنة مصغرة تبعتها لجنة الخمسين التي راجعت ما وصلت إليه اللجنة المصغرة وتوصلت لإعداد وثيقة للدستور تم عرضها على الاستفتاء العام من قبل الشعب المصري، وبعد إعلان نتائج الاستفتاء بالموافقة على الدستور بنسبة تفوق خيال كافة المتابعين وربما خيال من شارك بصياغة تلك الوثيقة، وبعد أن افرزت صناديق الاستفتاء في مصر وكما كان متوقعاً "نعم" وبنسبة وصلت إلى 98.1 % من الأصوات أي بنسبة تقل قليلاً عن ال 99 % وأخواتها التي كانت سائدة في بلادنا العربية خلال العقود الماضية، ولكأن الربيع العربي قد خفض نسب الموافقة ولو قليلاً، مما يستدعي التوقف ولو قليلاً عند هذا الاستفتاء نتائجه من خلال الملاحظات التي تراودني وربما تراود الكثيرين وأهمها :-

• بلغت نسبة الذين صوتوا على الدستور 38.6 % وهي نسبة تقل كثيراً عن النسبة التي طالب بها منظرو المعارضة المصرية وإعلامييها عندما تم التصويت على دستور مرسي سنة 2012، حيث طالبوا حينذاك بضرورة أن لاتقل نسبة التصويت في الاستفتاء على الدستور عن الخمسين بالمائة متذرعين بأهمية الدستور وضرورة مشاركة أكبر عدد من أفراد الشعب في هذه العملية، وهاهم هنا يقبلون ويتقبلون بأن تنخفض نسبة المصوتين إلى أقل من ذلك بل ويدافعون عن هذه النسبة قائلين بأن نسبة المشاركة هي الأعلى بين كافة الاستفتاءات السابقة بالرغم من كون الفارق بين نسبة المشاركين في هذا الاستفتاء وبين الاستفتاء على دستور مرسي لم تتجاوز بنسبة 2% فقط .

• وبالرجوع إلى الخلف ولو قليلاً واستذكار ما تحدث به الاعلام المصري متفاخراً عن عدد الذين شاركو بمظاهرات 30 يونيو / حزيران حين صوروا عدد المشاركين بأنه قد وصل إلى ثلاثين بل الى ثلاث وثلاثين مليوناً مستشهدين بما بثته وكالات إخبارية عالمية – أمريكية – بهذا الشأن، فلو صح هذا الرقم ... فلماذا احتجب ثلاثة عشر مليوناً عن المشاركة في عملية الاستفتاء أم أن هناك شيء ما قد تغير .. وهل لمنح الثقة للفريق السيسي كرئيس قادم لمصر علاقة بذلك، وهل الذين لم يشاركوا لا يوافقون على ذلك، وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة هذا إن كان رقم الثلاثين أو الثلاث وثلاثين مليونا المشار اليهما صحيحاً .

• ليس من المستغرب ان تصل نسبة من قالوا نعم للدستور إلى ما وصلت إليه في الوقت الذي قررت فيه جماعة الإخوان المسلمين وبعض القوى الاسلامية المعارضة مقاطعة عملية الاستفتاء في الوقت الذي كانت به المشاركة أشبه بالحصر على ما يمكن تسميتهم بالموالين للنظام القائم وكافة ما يصدر عنه بما في ذلك طلبه التصويت بنعم .

• لم يكن هناك حرية في التعبير عن الرأي أثناء الاستعداد لعملية الاستفتاء فقد كان متاحاً للترويج لكلمة " نعم " في كافة شوارع وميادين مصر في الوقت الذي لم يكن به أي ثغرة للمعارضة للنفاذ منها للتعبير عن موقفها وهذه الصورة تخالف ما كان قائماً عند التصويت على دستور الإخوان سنة 2012.

• كان هناك حث وتحفيز واضح من الفريق السيسي والمجلس العسكري للمواطنين للمشاركة بعملية الاستفتاء بل وتجاوز الأمر ذلك حين طالب الفريق السيسي موافقة الشعب على ترشحه لموقع رئيس الجمهورية حتى قبل أن يترشح لذلك المنصب وهذا بحد ذاته أمر مستغرب فكيف لشعب أن يوافق على ترشيح شخص ما ويؤيده قبل ان يفتح المجال للترشيح أم ان الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون أقرب للمبايعة منها إلى الانتخابات في ظل دعوة واضحة للسيسي من قبل العديد من ابناء الشعب المصري لتكملة جميله والترشح للانتخابات .

• ماهي نسبة من اطلعوا على الدستور ممن صوتوا بنعم أم انهم قالوا النعم فقط كرفض لتيار الاسلام السياسي وعلى راس ذلك الأخوان المسلمين ومن والاهم .

وفي كافة الأحوال فقد قال المصريون " نعم " للدستور الجديد وفق قواعد اللعبة الديمقراطية ووفق ما ورد من نصوص قانونية ودستورية سارية المفعول في مصر بما في ذلك الإعلانات الدستورية وبنسبة فاقت كل الاستفتاءات على الدساتير في العالم ولكأننا أمام دستور يصلح لأن يكون أساساً لكافة الدساتير الأمر الذي يجعله أقرب للقدسية فبهذه النسبة التي تشبه الاجماع يتفوق دستور مصر الجديد على أغلب الدساتير والكتب التي وضعها البشر مهما كانت قدسية وأهمية تلك الكتب، ولعل السؤال الأهم بعد هذا الاستفتاء، هل ستستقر الأوضاع في مصر وهل سترجع لأخذ دورها الطبيعي في قيادة العالم العربي والاسلامي .

 

ابراهيم ابوعتيله

عمان – الأردن

20/1/2014

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2014-01-22 10:26:55.