د. كاظم الموسوي
د. كاترين ميخائيل
وداد فرحان
د. جميل حمداوي
حسن حاتم المذكور

تناشدني عليك الناس وأتحيَّر شجاوبها !!

falih hasunaldarajiقبل ستة أشهر تقريباً، كنت مع مجموعة من الأصدقاء في سهرة غنائية شعرية، قدم فيها أحد المطربين الشباب أغنية (معاتبين)، التي كان الفنان الجميل كمال محمد قد قدمها بصوته الدافئ في سبعينيات القرن الماضي، فسألني أحد الأصدقاء بعد استماعنا لهذه الأغنية الرائعة عن مؤلفها وملحنها فقلت له أنها من تأليف الشاعر القدير عبد الرضا اللامي، ومن تلحين الفنان الكبير عبد الحسين السماوي..

وهنا سألني صديقي قائلاً: بالمناسبة، شخبار الملحن عبد الحسين السماوي، يگولون مريض جداً؟

فقلت له: والله ما أعرف .. أنا ما حاچي وياه صار ثلاث سنوات تقريباً !!

فأستغرب صديقي، وقال: شعجب؟ عاد أنتم أصدقاء!!

فشعرت بالحرج، والخجل ايضاً.. فنهضت مسرعاً الى خارج الصالة، واتصلت بالملحن الكبير عبد الحسين السماوي الذي يقيم منذ عدة سنوات في استراليا، فرنَّ هاتفه مرات عدة دون جواب، وهنا تذكرت فرق الوقت بين العراق واستراليا.. وأدركت أن الوقت لديهم فجر، وهو نائم الآن حتماً.

أغلقت هاتفي، وقررت في نفسي أن اتصل به صبيحة اليوم التالي.. لكني انشغلت بعملي في الجريدة ثانية، ونسيت الاٌتصال مع صاحبي السماوي، مثلما أنسى في زحمة العمل، الاتصال بالأحبة والأصدقاء، الذين أبعدتني، والهتني عنهم ظروف عملي الصعبة.

مرت الأيام وأنا منغمر تماماً في بحر النسيان، وقد زاد في نسياني الفظيع، وانشغالاتي اللعينة، ما تعرضت له من أوجاع في العين، فجاءت كما يقول المثل الشعبي: (چمَّل الغرگان غطه)!!

لكن مشهداً تلفزيونياً صعقني يوم أمس الأول عبر شاشة القناة الفضائية العراقية، حين عرض الإعلامي القدير، والزميل العزيز فائق العقابي، تقريراً في برنامجه الناجح (دفتر ملاحظات)، يظهر فيه الفنان الكبير عبد الحسين السماوي على فراش المرض مشلولاً، وعاجزاً عن النطق. غير أنه نطق بصعوبة بالغة كلمتين، قالهما، وقد شعرت بأن روحه قد خرجت من صندوقها، حين لفظ: (س ل ا م ا ت .. ع ر ا ق)!!

فبكيت، وصرخت بأعلى صوتي: يا الهي.. أي وطنية عظيمة تجعل هذا الرجل العجوز، المشلول، يصارع نفسه حد الموت، من أجل أن ينطق أعز كلمتين على قلبه.. فيتهجى حرفاً حرفاً كلمة (سلامات)، التي هي اسم أغنيته التي لحنها للفنان حميد منصور، وباتت جواز سفره لعالم النجومية.. وكلمة (عراق)، الذي ضحى له السماوي بالمال والبنين والعافية، وأهدى اليه ايضاً أروع الألحان العراقية؟

عبد الحسين السماوي، بوجعه هذا، ومعاناته، وغربته القاتلة، وبصرخته التي لم تخرج منها سوى كلمتين: (سلامات عراق)، عندي والله أشرف من كل السياسيين والمسؤولين الفاسدين والمرائين، والطائفيين، والبعثيين، وكل أصحاب الوجوه المصبوغة، والألسن الطويلة، الذين (ينطقون) عبارات (الوطنية) بسبب، وبغير سبب، وأشرف من أصحاب (النطق المسموم)، والصوت الطائفي العالي، الذي يؤذي القلب، قبل أن يؤذي الأذن..

عبد الحسين السماوي (شيخ الملحنين)، الذي هرب من العراق مكرهاً، قبل أن (تشنق السلطة البعثية ولديه)، وتمزق كبده بقتل فلذتيه.. والذي يرقد الآن (مجلوطاً) على فراش المرض، والغربة..

عبد الحسين السماوي الذي لم يتمنَّ السلامة لنفسه، وهو (المريض)، إنما تمناها لبلده (العراق).. !!

أقول له من أعماق قلبي: شكراً لك.. لأنك صديقي.

فأنا لم أفاجأ بما رأيته من روعة لدى هذا الرجل.. إذ ماذا يخرج من رجل طيب، غير القول الطيب، والفعل الأطيب..؟

وأنتم احبتي القراء، تعالوا معي الى بستان السماوي الجميل، لترون بأنفسكم ورود الحب اللحنية التي أزهرت فوق أوتار هذا الملحن (البستاني) الجميل، مثل: رائعة سعدي الحلي الشهيرة: تناشدني عليك الناس وأتحيرَّ شجاوبها.. وأغنية سلامات.. سلامات، لحميد منصور .. ومعاتبين، وردي بينه، لكمال محمد، وضوه خدك مدري ضوه الگمرة لفاضل عواد.. ورائعة عبد الزهرة مناتي (سنين العمر): التي تقول: خليني أبات ويه الرمش، وأحرس سواد عيونچ، ورائعة رعد ميسان: يا ريحانة، وأغنية (على مهلك يا أبو گذيلة وشعر سارح، لا مرة ولا مرتين تزعل واحنه لنصالح) لياس خضر، وسمفونية الحب العذري التي قدمها فؤاد سالم من الحان السماوي: (ردتك تمر ضيف).. ومئات الألحان العذبة التي قدمها الملحن العراقي الموجوع بحب بلاده، عبد الحسين السماوي..

ختاماً لا أقول لصديقي العزيز أبي علي مثلما قالها حميد منصور مغنياً:

(أعذرني ولا تزعل)..

ولا أقول له (سلامات)، لأن السماوي قالها للعراق بقلبه ولسانه العاجز.

لكني سأقول له:

تناشدني عليك الناس.. وأتحير شجاوبها..

أي والله.. أتحير شجاوبها يا أبا علي.. وأنت أخي، وصديقي !!

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3481 المصادف: 2016-03-17 00:16:26