المثقف - أقلام حرة

طارق طارق: الكائن الهجيــن

tarik alrobaieعجبــاً لهؤلاء الناس، يستبــدلون ملابسهم بحسب ما ينزل في الأسواق من موديلات، ويسـتقـلون سيارات حديثـة بدلا من القديــمة، ويسارعــون إلى شراء كل جديــد من الأجهزة الكهربائيــة، والأدوات المنزليــة، ويستـخدمون بشغف بالغ ما يبـتـكره الغرب من تقنيــات ووسائل إتصال .. لكنهم مع ذلك اعتادوا على الذهاب دائما إلى دكــان قديــم، تتراكض بيــن أركانه المظلمة الصراصر والفئران، فيــه بضاعة مكدســة مضـى عليها أكثر من 1400 سنــة، ليأخذوا منه أفكارهم وآرائهم التي تشكل شخصيــاتهم وتحدد توجهاتهم دون أن يشعروا بأن تلك البضاعة لـم تعد صالحة للاستعمال، وان صلاحيتها منتهيــة .

 من هذا التناقض العجيب يــخرج كائن هجيــن، تراه فتحسبه للوهلة الأولى من أبناء هذا العصــر، لكن ما أن تتحدث معه حتــى ينتابــك إحساس قوي بأنك واقــف بالقرب من مسجد قباء، ترى بلال الحبشي يرتــقي جدار عتيــق ويصرخ : حيــا على الجهاد، وتسمع اضطراب السيوف في أغمادها، وتغطيــك كتلة من الغبار الكثيف الناجم من حوافــر الخيــل تكتم أنفاسك، فتتسائل بحيــرة ماذا يجــري ؟ ليــرد عليك الكائن الهجيــن : بأن المسلمين يتأهبون لقتال قريش بالقرب من آبــار بــدر . عند ذلك يتملكك الاضطراب والدهشــة، وتظل تضرب أخماس بأسداس، ويختلط لديك مفهوم الزمان والمكـان، وتهمس لنفسك : ألم يــتقاتـــلوا بــعد؟! .

في قونيــة عاصمة السلاجقة الروم وفي القرن السابع الهجري بالتحديد، جلس بعض الفقهاء يتحدثــون عن مسائل الفقه والعبادات، وعن الحلال والحرام، وكل واحد فيهم يدلي بدلــوه، مستندا إلى ما قاله فلان وعلان من الأسلاف الذيــن ماتوا واندرست قبــورهم . وكان المتصوف شمس التبريزي جالس في ناحيــة ينصت لهم دون أن يتفوه بكلــمة، وفجأة انتفض واقفا، صائحا بهم بغضب (إلى متى ستسيرون متكئيــن على عكاز شخص آخر؟، فالأمور التي تتحدثون عنها عن أقوال وأفعال النبي والتفاسير والفقه كتبها أشخاص من زمن آخر، إنكم رجال اليــوم، فأين أسراركــم؟ أيــن كلماتكم انتــم؟) . دفع شمس التبريزي حياته ثمنا لهذا الكلام، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا متعلقون بالدكان القديم وبضاعته العتيقة لا يريدون استبداله بدكان جديد رغم إنهم استبدلــوا كل شيء .

 

طارق طارق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-01-11 06:32:09.