faroq mawasiسبحان الله! .. كم تفصح العيون عن علاقتها أو موقفها من أمر، نراها وهي ترانا، تروي وتحكي، فدعني أنظر إلى عينيك، لأقول لك شيئًا عنك.

 العين تخبر عن صدق الشخص سذاجته، أو ذكائه، مكره، خداعه أو حميميته، من منا لم يستعمل عبارة "حط عينك بعيني" ليتأكد من صدق النوايا؟

فالعين ترجمان القلب.

لن أتحدث عن العيون وجمالها، فما أكثر ما رواه الشعراء غزلاً وهيامًا، ولكني هنا أنظر إلى العينين لأستكشف ما تخفيان أو ما تخبئان أو تفصحان، وحتى إذا عشق العاشق، فهو يُعرَف، فالأخطل الصغير يقول:

والصبُّ تفضحه عيونه ***  وتنمُّ عن وجدٍ شُئونه

...

ما زلت أذكر نصًا قرأته في كتاب دراسي- لميّ زيادة، تقول فيه:

"العيون التي تشعر،

والعيون التي تفكر،

والعيون التي تتمتع،

والعيون التي تترنم،

وتلك التي عسكرت فيها الأحقاد والحفائظ،

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار،

جميع العيون وجميع أسرار العيون،

تلك التي يظل فيها الوحي طُلّعة خبأة،

وتلك التي تكاثفت عليها أغشية الخمول،

وتلك التي يتسع سوادها أمام من تحب وينكمش لدى من تكره،

وتلك التي لا تفتأ سائلة: من أنت، وكلما أجبتها زادت استفهامًا،

وتلك التي تصرخ: بي احتياج إلى الألم، أليس بين الناس من يتقن تعذيبي؟

وتلك التي تقول: بي حاجة إلى الاستبداد، فأين ضحيتي؟

وتلك التي تبتسم وتتوسل،

وتلك التي تظل مستطلعة خفايات وهي تقول: ألا تعرفني؟

وتلك التي يتعاقب في مياهها كل استخبار، وكل انجذاب وكل نفي وكل إثبات.

العيون جميع العيون- ألا تدهشك العيون؟

..

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار"

"في عمق أعماقها ترى كل مشهد، وكل وجه وكل شيء".

(مي زيادة- ظلمات وأشعة، وقد نشر النص أولاً في عدد الهلال- ديسمبر 1920).

..

اقتبست لكم جزءًا من نصها (أسرار العيون)، وهو نص رائع فيه هذا العرض للعيون بكل ما يمر عليها من عواطف وحركة، ولون ورؤى.

...

في الشعر يقول الإمام علي –كرّم الله وجهه-:

والعين تعلم في عينَيْ محدِّثها *** إن كان من حزبها أو من أعاديها

عيناك دلّتا عينيَّ منك على *** أشياءَ لولاهما ما كنت تُبديها

(الديوان، ص 172)، بل وجدت له معنى قريبًا هو:

وفي العين غنًى للعين *** أن تنطقَ أفواه

(ص 168)

وهذا المعنى ورد في الشعر الجاهلي، فزهير بن أبي سُلمى يقول لنا:

فإن تكُ في صديق أو عدو *** تُخبِّرْك العيون عن القلوبِ

والمثل العربي القديم يوافق ذلك:

"رب لحظ أنمّ من لفظ".

ثم نقرأ للحَيْص بَيْص الشاعر العباسي:

العين تبدي الذي في قلب صاحبها *** من الشناءة أو حب الذي كانا

إن البغيضَ له عين تكشّفه *** لا تستطيع لما في القلب كتمانا

فالعين تنطق والأفواه صامتة *** حتى ترى من ضمير القلب تِبيانا

وهذا كقول المتنبي:

يُخْفِي العَدَاوَةَ وَهيَ غَيْر خَفِيَّةٍ *** نَظَرُ العَدُو بِمَا أَسَرَّ يَبُوحُ

..

حقًا فالبغض والحب يظهران في مرآة العينين، وخاصة الكراهية، والغضب، وأنتم تعرفون الكناية "عينه تقدح شرر".

لا بد إلا أن تنكشف البغضاء مهما حاول صاحبها أن يخادع، يقول الشاعر صَرَّ دُرّ:

إن العيون لتبدي في نواظرها *** ما في القلوب من البغضاء والإحنِ

..

فهكذا ينطق الطرف عن مترجَم الخاطر، وفي العينين لغة أية لغة، ولها قراؤها!

واسمحوا لي أن أذكر لكم  جزءًا من قصيدة لي (عينان) قلت فيها:

..

قال لها:

العينانِ حَنانْ

وغِناءٌ وَعبيرٌ وأمانْ

وعَصافيرُ الرَّغْبَةِ تَشْدو

شَدْوًا يَجْعلُ قلبي بُسْتانْ

والبستانُ على شَطٍّ يَجْعَلُ ريقَكِ شَهْدا

فمتى ألْقى العيْنَينِ أنا وَحدي

حَتَّى أُتْلُوَ آياتي في صَوْتٍ أندى؟

..

قالت:

آمَنْتُ بِأنَّ عَلى عَيْنَيْكَ وَميضًا، تاريخًا، ذِكْرى

وبِأَنَّ اللَّونَ المَحزونَ سماءٌ وَصَلاهْ

أرْحَلُ فيها أقرأُها سِرًّا جَهْرا

أَنْهَلُ فيها حَتَّى تصبح مِرْساتي نَهْرا

فَأَقولُ لِوَجْدٍ يهَبُ الحُبَّ فيوُجِدُني:

العينانِ جِنان

ونِداءٌ وغِناءٌ وحَياهْ

وَهزارُ الشَّوْقِ يُغَرِّدُ أُغْنِيَةً

تَرْجَمَها قَلْبي

أَحْفَظُها حَرْفًا حَرفا...إلخ

..

كم توفر العينان طاقة هائلة للتواصل والتعبير، خاصة فيما يتعلق بالأحاسيس والعواطف والمشاعر.

العيون  لغة، فيها ترجمة، حركاتها حافلة بالصور- تدل على المحبة وعلى الكره، على الغضب والرضا، على الجاذبية والقوة، على  المكر والدّهاء، والصفاء والرّخاء، واليقظة والحلم، الفتور والإصرار...إلخ

العيون كتاب نتصفحه، فاقرءوا عيون بعضكم بعضًا!

 

ب. فاروق مواسي.

 

faroq mawasiأن يكون بين أبي فراس الحمْداني والمتنبي قطيعة أو جفاء فأمر طبيعي، خاصة وأن أبا فراس شاعر له جولته وصولته في الدولة الحمْدانية، فهو ابن عم سيف الدولة أمير حلب،  وها قد وفد إليها شاعرغريب حظي برضا الأمير سيف الدولة وإعجابه، فيستأثر بحبه، بل هو يجيزه بما لا يجيز غيره، مما جعل أبا فراس يخاطب ابن عمه، فيقول:

" إن هذا المتشدّق كثيرالإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينارعن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره."

(انظر: البديعي: الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي ، ص 88- 92)

..

غمر المتنبي شعراء عصره وحجبهم إلا أبا فراس، فهو صاحب ملَكة شعرية ترفِدها مكانته فارسًا في الدولة الحمْدانية.

لكن الغريب، بل المدهش أن نرى في أبي فراس هذه الحافظة التي ذُكرت عنه، فالمتنبي ينشد قصيدته في عتاب سيف الدولة، وأبو فراس يتصدّى له بعد كل بيت ليثبت له وللمجلس أنه لم يأت بجديد، وكأنه قد أعد الردود مسبقًا.

اعترض  أبو فراس المتنبي عدة مرات، واستوقفه وهو يلقي قصيدته التي مطلعها:

واحرَّ قلباهُ ممَّن قلبُه شبِمُ ***ومَن بجسمي وحالي عنده سقمُ

 الشاعر الحمْداني يذكر المآخذ على هذا البيت أو ذاك، بل يتهمه بأنه طرق معنى تلو المعنى مما قاله غيره من الشعراء الأوائل.

يقرأ المتنبي قصيدته التي أعدّها، فيوقفه أبو فراس ليردّ عليه مما اختزنه في محفوظه، حتى البيت الذي أضافه المتنبي بعد أن أهين في مجلس الأمير:

إن كان سركم ما قال حاسدنا *** فما لجرح إذا أرضاكم ألم

يجد هذا "الحاسد" الرد عليه، بأنك "سرقت" المعنى من شاعر قبلك، ولم يكتف بشاعر واحد بل أتى بشاعر ثان، وقد سبقا في المعنى نفسه.

لنقرأ هذه المسرحية الأدبية النادرة وقد أوردها البديعي (م.س):

"وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:

وأحرَّ قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُ *** ومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ

وجاء وأنشدها، وجعل يتظلّم فيها من التقصير في حقّه كقوله:

مالي أكتَّمُ حُبًّا قد برى جَسدي *** وتدَّعى حبَّ سيف الدّولة الأممُ

إن كان يجمعُنا حُبٌّ لغُرَّته ***  فليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ

قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةٌ *** وقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ

فهمّ جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:

يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتي *** فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصْمُ والحَكمُ

فقال أبو فراس: مسخت قول دِعْبِل وادّعيته وهو:

ولست أرجو انتصافًا منك ما ذَرَفَتْ ***  عيني دموعًا وأنتَ الخصمُ والحكمُ

فقال المتنبي:

أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً *** أن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ

فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال:

 ومن أنت يا دعيَّ كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟

فاستمر المتنبي في إنشاده، ولم يردّ إلى أن قال:

سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ***  بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ

أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ

فزاد ذلك غيظًا في أبي فراس، وقال:

 سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ *** دهرًا وأظهرتُ إغرابًا وإبداعا

حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ به ***  للعُمْي والصَّمّ أبْصارًا وأسْماعا

ولما وصل إلى قوله:

والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفني *** والحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ

(في الديوان: الخيل والليل والبيداء تعرفني *** والسيف والرمح والقرطاس والقلم)

قال أبو فراس:

 وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقتَه من كلام غيرك، وتأخذ جوائز الأمير؟

أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسوَد النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو:

أعاذلتي كم مَهمهٍ قد قطعتُهُ ***  أليفَ وُحوش ساكنًا غيرَ هائبِ

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَى *** وجُرْدِ المَذاكِي والقَنا والقواضَبِ

حليمٌ وَقورٌ في البوادي وهيبتي ***  لها في قلوب الناس بطشُ الكتائبِ

فقال المتنبي:

وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظره *** إذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ

قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقِل العِجْلي، وهو:

إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمة *** بعينيَّ فالعيَنان زُورٌ وباطِلُ

ولمحمد بن أحمد بن أبي مُرّة المكّي مثله، وهو:

إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَى ***  فما الفرق بين العُمْيِ والبُصَرَاء

فغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:

إن كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا ***  فما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ

فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار:

إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَى وسَرَّكُمُ  ***  قَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر

ومثله لابن الرومي وهو:

إذا ما الفجائُع أكسبني *** رضاك فما الدهرُ بالفاجع

فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى.

...

كل ذلك لم يفتّ من عضد المتنبي، فالبيت الذي يقوله- حتى لو كان هناك ما سُبق فيه - بالمعنى نفسه، فإنه تظل له مكانته واشتهاره، فمثلاً في بيت أبي العتاهية:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** رب امرئ حتفُه فيما تمنّاه

فقد أورده المتنبي باختلاف العجز، وبتشبيه تمثيلي مبدع بارع:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

..

 هذه مسألة تناولها النقاد بآراء متباينة، لكني هنا أتوقف عند أبي فراس متسائلاً:

هل حقًا كان بهذه الموسوعية؟

يرتجل الإجابة والأدباء في مجلس سيف الدولة ينصتون، وكأن المسرحية  لعبة (بنغ بونغ)، يقول المتنبي، فيصده أبو فراس ويتحداه، وكأنك لم تقل جديدًا.

لقد بدا أبو فراس دارسًا خطيرًا للشعر، بل عارفًا بما يعنيه المتنبي، يردّ ردّه باندفاع، وكأنه على انتظار لما سيقال.

مسرحية جميلة،  ولا ننس استمرار المتنبي في إلقائه، ومن جهة أخرى يقرأ أبو فراس في حماسة معينة الأبيات التي يراها أنها الأصل. وأمامنا مشهد الأمير المتقلب في التعامل مع المتنبي، ولنتخيل بعد ذلك الشعراء في المجلس وهم يستمعون إلى الشاعر وإلى أبي فراس!

...

هل نجد ذلك اليوم؟

 

سيناريو مفترض لملحمة تاريخية فريدة للبطولة الفلسطينية القيادية...

* في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجل من عامة الناس رحلته، نحو اكبر هدف يمكن ان يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال واقامة الدولة العربية في فلسطين، متحديا بذلك حكمة أكبر دولة في العالم آنذاك (الدولة العثمانية) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارات: اوروبا وآسيا وأفريقيا...كان اسمه  "ظاهر العمر الزيداني" (1689 – 1775).

* أنا اخاف من الموت، لكن انطفاء قنديلي قبل انطفاء قناديلكم، لا يمكن أن يخيفني، سأدفع الموت ما استطعت الى خارج طبرية، ولعلي استطيع أن ادفعه أبعد من ذلك في يوم ما!

* مذهولا كان يسير، كما لو أنه يسير في حلم، الى أن ايقظته واحدة منهن بيد تربت على كتفه: ما دمت اشتريت قنديلا أبها الجميل، فان عليك أن تضيئه لتتمكن من رؤية حسنك وتتمكن من رؤية حسننا أكثر!

* في الخيل عزة لا يستطيع الانسان أن يفهمها، انها تحزن ولا تبوح، وتتألم ولا تنكسر يا ظاهر. كأن ما تسرب من الفرس البيضاء الى داخلك، لم يكن حليبها وحدها، ولكن عليك أن تتذكر انك انسان اولا واخيرا. قالت له نجمة.

* اريد شعبا كاملا من الأبطال، لا شعبا من الخائفين بين هذين البحرين: بحر الجليل وبحر عكا. البطولة الحقيقية في ان تكونوا آمنين الى ذلك الحد الذي لا تحتاجون فيه لأية بطولة اخرى..

* هذه البلاد بلادك وبلادي يا سعد مثلما هي بلادهم. هذه بلاد كل من يجرؤ على الدفاع عنها، اما الجبناء فلا بلاد لهم، لأن جبنهم هو بلادهم الوحيدة الاي باستطاعتهم ان يرحلو ا اليها الآن، دون أسف عليهم!

* أصبحت كرامة الناس فوق أي اعتبار، وحقوقهم خطا احمر لا يجرؤ احد على الاقتراب منه.

* كان القنديل الأول قنديله والثاني قنديل يوسف والثالث قنديل ظاهر: حدق في الشعلات الثلاث، الشعل المضيئة غير العابئة بشيء سوى فرصها بقدرتها على تبديد بحر الظلام!

* باشر ظاهر استعداده، شكل قوة من الف وخمسمائة رجل، من طبرية وما حولها، من حلفائه عرب الصقر، وبدا بتدريبهم بما يكفل دخول القلعة ورد برسالة...

* لم نأت الى هنا الا لننتصر..خاطب الظاهر عسكره بصوت مجلجل.

* العهد وخطوات الريح: لم تكن الناصرة بحاجة الى حرب كي يدخلها ظاهر، اذا انطلق بهدؤ من عرابة ودير حنا وطبرية وصفد، ليضم اطرافها اليه، ويبسط نفوذه وحمايته عليها، وعلى مرج بني عامر.

* كان جبل نابلس ملكا خاصا لسلاطين آل عثمان، وكان المال المقرر عليه خمسمائة كيس في السنة، يدفعها شيوخ الجبل لوزير دمشق، ليرسلها بدوره الى اسطنبول مباشرة، ولذا كانت تلك اول معركة يخوضها ظاهر ضد الدولة العثمانية، لانها الحرب الاولى التي يواجه فيها أشد حلفاء الدولة اخلاصا لها ودفاعا عن مصالحها.

* لكن ما آراده ظاهر قد حدث: أن تكون كل أراضيهم الساحلية تحت سيطرته. ولم يكن هناك أكثر فرحا من أهالي المرج والناصرة، الذين رأوا قوة الجرار تلك تعود الى قفصها، وتحكم بنفسها اغلاق الباب على نفسها.

* على بوابة الكنيسة البشارة، سجد وصلى، رفع يديه وشكر مريم العذراء، واستدار امام العيون المحدقة به، التي امتلأت، تأثرا بالدمع: كل ما يلزم الكنيسة من قناطير الزيت يتم احضاره لها في الموسم...

* لم يصل ظاهر شيئا حول رسالة وزير صيد، بقي صامتا. دار في الشوارع يساعد الناس، ويرفع الحجارة التي اغلقت ويصلح ابوابا تكسرت، ويعيد البضائع ويوزع الحلوى على الصغار...

* حق الدولة أن تأخذ الميري، اما اذلال الناس وتمريغ كراماتهم في الوحل فليس من حق الدولة، لأن الكرامة التي وهبنا اياها ربنا ليست ملكا للدولة..

* فتحت أبواب المدينة لتجار روسيا وايطاليا وفرنسا ومالطا والبندقية، وامتلأت بالمنسوجات القطنية والصوفية والسكر والأسلحة والورق والأواني الزجاجية، وعادت السفن التي جاءت محملة بهذا كله ممتلئة بالقطن والكتان والصوف والصابون والقمح والزيت والسمسم.

* ...وانت تعرف، أن ظاهر الذي يبسط نفوذه اليوم على معظم بلاد فلسطين، استطاع أن ينشىء جيشا كبيرا، واستطاع ان يكسب دول كبرى بعلاقاته التجارية والسياسية معها، ولم تعد هناك دولة واحدة لها قنصل في بيروت او صيدا او دمشق...الا ولها قنصل في عكا يسير امور رعايا بلاده وعلاقات بلاده مع ظاهر.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، واجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها، في حين كانت صور في يد حلفاءه المتاولة، وبيروت في يد حلفاءه الشهابيين..ولم يبق للدولة سوى ميناء طرابلس في الشمال..

* في فترة حكم ظاهر، تقاسم أهالي شفاعمرو بترتيب من ظاهر، اراضي المشاع فيما بينهم: الدروز والمسيحيون...وكانت عشرات العائلات السورية المسيحية وصلت الى شفا عمرو ايضا، بسبب انتشار الأمن والاستقرار والتسامح.

* رفض ظاهر، وأصر: لا اعطيهم اكثر مما اعطيتهم، وكتب لهما: وكي يكون لهم حقهم في الأمان في الآمان وتربية اولادهم دون خوف، حاربت اعدائي. كي تكون للناس كرامة حاربت اعدائي. وكي املأ هذه الطرقات بالامان حاربت أعدائي.

* في ظهيرة السابع والعشرين من شهر آب من عام 1770، وصل ذلك المركب الذي انتظره ظاهر اخيرا، حاملا تلك الجارية "الكرجية" (من جبال القفقاس)، التي لم ترى العين أجمل منها.

* ولي طلب أخير قبل ان انام، اريدك أن ترفع طرف غطاء العربة، لأني أظن أننا وصلنا الى تلك المنطقة التي كلما مررت عبرها، وقفت طويلا اتاملها...كانت واحدة من اجمل المناطق بين الناصرة وعكا.

* ها أنت تعود وتتذكر القناديل! هل انطفأ قنديلك في ذلك اليوم البعيد ام انه كان يخبىء ضوءه، يدخره لكي ترى كل ما رأيته، وتعيش كل ما عشته يا ظاهر حتى هذا اليوم؟!

* مقيدا بقي ظاهر في عكا، منتظرا وصول اخبار تبدد مخاوفه، فهو يدرك أن معركة دمشق هي اكبر معركة يخوضها، وان تحقيق النصر فيها، سيكون ذروة استقلال البلاد ما بين البحرين، دون ان تغيب القدس عن باله، لكنه ادرك ان ستنتهي ما ان تسقط دمشق.

* يوم ظاهر: كان النصر ساحقا، ومهيأ لاحتضان نصر آخر سريع وخاطف، حيث واصل جيش ظاهر مطاردة الجيش المهزوم حتى صيدا، وقبل ان يصلها، وصلت اخبار هزيمة الأمير يوسف، واخبار المطاردة، ففر العساكر تاركين المدينة، فأدرك ظاهر أن عليه أن بقص أجنحة دمشق كلها، بعد معركتين فاصلتين استطاع بهما القضاء تماما على هيبة الدولة وهيبة ونفوذ حلفائها، ولم يكن هناك افضل من حصار دمشق نفسها بالسيطرة على اربد وعجلون...

* هز ظاهر رأسه مستعيدا زمنا كاملا:

-ذات يوم بعيد قالت القناديل لاخوتي ما قاله الرمل لوكيلك!

* تلك الانجازات كلها، كانت كافية ليحلق ولو كان جبلا!

* تعرفين يا امي! لم تزل ليلة القناديل تلح علي بين حين وآخر. لقد اصبحت بعيدة، وظل قنديلي الذي انطفأ مشتعلا! ولكن منذ ذلك اليوم احسه يخبو اكثر فاكثر، كلما رأيت قنديلا احبه يطفأ، لقد انطفأ قنديل أبي ليكون لي قنديل.

* ابنائي! والله منذ أن كبرو لم ارهم يفعلون شيئا سوى ارسال الريح تلو الريح لاطفاء ما تبقى من ضؤ في هذا القنديل! كم يتمنون لي العتمة.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، وأجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها (لم ينتبه الكاتب ولا الناشر لتكرار هذا النص في فقرة اخرى)!

* حين دخل الى يافا، في الأول من نيسان،لم يكن جيش محمد ابو الذهب بحاجة ملحة لخوض معركة! كان بحاجة لأخذ قسط من الراحة بين اشجار البرتقال والتوت والرمان، وبالقرب من نواعير مياه يافا العذبة، وعلى شاطىء بحرها الأكثر صفاء من اي بحر رآه ابو الذهب من قبل.

* ارسل علي الى ابيه أن يغادر المدينة، لأنه لا يريد أن يرى رأسه مقطوعا تحت قدمي ابو الذهب! ففي النهاية هو ابوه! ولن يرضيه أن يحدث له هذا!

* ارجوك ايها الأمير، هذا مقام مقدس عند المسيحيين وقريب الى قلوب المسلمين وهذا المزار ملجأ للفقراء والمساكين، والمقام كنيسة قديمة، ونحن لم نسمع من قبل ان احدا قام بهدم بناء بناه الأولون، فبالله عليك لا تفعل ذلك.

* صوب "الدنكلزي" واطلق رصاصته القاتلة، التي اصابت قلب ظاهر. لكنه لم يسقط، ظل واقفا والدم يتدفق من صدره، وعيناه مثبتتان الى وجه "الدنكزلي"، العينان نفسهما القويتان الثاقبتان. عند ذلك سحب الدنكزلي سيفه، واغار على ظاهر، وبكل قوته قطع عنقه، ففار الدم من جسده، متحولا الى اكبر شعلة قنديل يمكن أن يراها احد تحت الشمس وراحت تتقد وتعلو، وتعلو.

* خطا الدنكزلي الخطوة الأخيرة، ودفعه بقدمه، فسقط، وقربه كان هناك رأسه ملقى بعينين لم يفارقهما البريق.

هكذا انهي تلخيصي "المميز" لهذه الرواية الطويلة البالغة الاسهاب والتفاصيل (أكثر من 550 صفحة)، والتي تحفل بالتعبيرات الشكسبيرية "القدرية" والسرد التفصيلي السينمائي الدرامي المدهش، وكأن الروائي يكتب بقصد سيناريو سينمائي ملحمي لقصة منسية من قصص البطولات الفلسطينية التي حدثت قبل حوالي ثلاثة قرون، ولا يوجد مجال حقا للمقارنة مع الواقع الفلسطيني الحالي البائس، المتخم بالخلافات والانقسامات والزعامات والولاءآت وربما "الخيانات"، حيث ربما الحاجة ماسة لوجود عصري لزعيم فلسطيني فذ وتاريخي وقوي ومسلح بارادة حديدية مثل "ظاهر العمر الزيداني"!

 

مهند النابلسي

...................

*  الخص عادة الروايات بهذه الطريقة الموجزة التي تستند لسرد اهم الفقرات والجمل (من وجهة نظري النقدية)، ثم أذهب لتلخيص منهجية واسلوب الكاتب بشكل لافت، وباعتقادي ان هذا ملائم للكثير من القراء المثقفين المستعجلين (في عصر الانترنت الرقمي)  واللذين لا يرغبون ربما بقضاء الساعات الطويلة لقراءة رواية ما، ولكنهم يهتمون بالالمام بالخطوط الرئيسية وتصفح احداثها الجوهرية.

   

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها جلال (كڤود) بن يوسف صدقة (١٩٢٢-٢٠٠٢) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٧-٢٩. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/ الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

قربان الفسح

”تعال وانظر ما فعلوا بساحة قربان الفسح هذه السنة! صبّوا قسمًا كبيرًا منها بالإسمنت، كيما يكون الوقوف هناك أكثر راحة، غرسوا النباتات والزهور ليتمتّع الجميع بمنظر جميل، أضافوا ثلاثة أفران لشيّ الخراف جيّدًا بدون بقايا ماء، كما كان يحدث في السنوات الماضية. تغيّر منظر الساحة كليًّا، لدرجة أنّه لا يمكن التعرّف عليها. المزيد من الراحة، على حساب منظر الساحة الطبيعي.

ما زلتُ أسأل نفسي: لماذا ينبغي أن تكون هناك راحة أكثر في قربان الفسح؟ إذ أن آبائنا خرجوا من مصر على عجل، حتّى أنّ العجين لم يختمر، ومن لم يسرع بإرادته، دفعه المصريون الذين هرعوا لطرد الشعب. أين هي الراحة هنا إذن؟ دعنا نترك قربان الفسح، ونتركّز في خبز مصّة الفسح. أتستطيع أنت أصلًا، أن تقارن طريقة خبز المصّة في الماضي بما يجري في أيّامنا هذه؟ لا، لا أقصد المصّة ذاتها، إنّا هي هي، ولكن وسائل الراحة مختلفة. في الماضي كان ذلك مقرونًا بالمشقّة، إلا أنّ الفرح كان أعظم. في أيّامنا هذه، وسائل الراحة متوفّرة لحدّ كبير بخصوص خبز المصّة، إلا أنّ ذلك أصبح أمرًا مفروغًا منه، ولا يحمل في طيّاته فرحًا ملحوظا. شيء ما من فرحة الخروج من مصر، آخذٌ بالتناقص بمرور السنين. ألا تشاركني هذا الشعور؟

في الماضي كانت عملية خبز المصّة شيئًا آخرَ. وجب أوّلًا بالطبع، تجميع الحطب للموقدة، جذع شجرة مقطوع يابس جدّا، وبجانبه بعض الأغصان الجافّة لتسريع اشتعال الجذع البطيء. بعد ذلك، كنّا نصفّ اللبنات في صفّين، ونضع عليهما غطاء مقعّرًا من الحديد المسمّى بلغة العرب [بني إسماعيل] بالصاج. كنّا، بعد بعض المحاولات الفاشلة والعجقة والجلبة، نتمكّن من إشعال النار تحت الصاج. عملية الخبز كانت تبدأ بعد تسخين الصاج جيّدا. هذا ليس كلّ شيء. لا حطب مشتعلًا، بدون دخان كثيف، يدخل الأعين والخياشيم، والأفواه وماذا أيضًا، إنّه يجعل أعين العاملين في الخبز تذرف الدموع والأفواه تلهج وتلغط؛ هنا امرأة تقرّص العجين [بِتْكوبِج]، وهنا الخابز وهنا من يلتقط المصّة المخبوزة من على الصاج، وهنا من يُلقّم النار المشتعلة بالمزيد من الخطب الجافّ. بالرغم من كل الشكاوى والصيحات، كان يخيّم جوّ من الإثارة والفرح الكبير؛ تبارى الخبّازون فيما بينهم حول عدد ساعات الخبز، والعدد القياسي لما خبز من المصّة.

اليوم، في المقابل، كلّ شيء ميكانيكي تقريبًا، فرن الغاز حلّ محلّ الحطب، فرن غاز بقالب مسطّح وعليه الصاج، لا دخان ولا حاجة للمزيد من الحطب، كلّ شيء يتمّ بسرعة فائقة، بالكاد ننتهي من احتساء الشاي اللذيذ الذي تقدّمه ربّة البيت للمشتركين في العمل المقدّس.

لا شكّ يوجد بيننا استفزازيون ومتشائمون شتّى، يتوقّعون شيّ الخراف في المستقبل في أفران كهربائية، ولكن لا تُشغلوا بالكم، فهذا لن يحصل أبدًا، ليس بسبب السوّاح ولا الخوف ممّا سيقولون، ولكن بسبب السبب الأهمّ، المذاق. لا  مأكلَ ألذَّ طعمًا من لحم الخروف المشويّ في فرن أرضي وفق الطرق الأصلية. والحقيقة أنّ كثيرين يشوون بنفس الطريقة في الأيّام الواقعة بين ثاني يوم العيد والسابق لآخره (عيد الفسح الممتدّ على أسبوع) لخير دليل على ما أقول، وإن أضفت لوسائل الراحة التي ذكرتها، وانعدام الضغط من حولنا، الذي نعرفه للمرّة الرابعة والعشرين [١٩٩٢]، منذ حرب ١٩٦٧، عندها أمامك الصورة كاملة.

وكي ּأعرِض لك صورة متوازنة، عليّ أن أقصّ عليك عن خبز المصّة في فترة أخرى صعبة، حيث عشنا في ضغط وجهل بما سيولِده الغد. تلك الأيّام التي كان فيها كلّ يوم جديد أسوأَ من سابقه، إنّها أيام حرب ١٩٤٨، أذكر أنّه في السنين الثلاث أو الأربع، ١٩٤٧-١٩٥٠، مُنع السامريون من خارج نابلس من الوصول إلى جبل جريزيم للمشاركة في تأدية فريضة قربان الفسح. ما دار من أحداث بين اليهود والعرب، الاعتداءات المتبادلة، إغلاق الحدود السياسية بوجهنا، كل هذه الأمور أَضْفت علينا جوًّا من الضغط الشديد والهلع، شمل كل مكان تواجدنا فيه، في تل أبيب ويافا. كلّ من أخرج رأسه خارج بيته ليُلقي نظرة على ما يجري في الخارج، كان يعرّض حياته للخطر.

أخذ عيد الفسح يقترب، ولا أحد منّا، سكان يافا وتل أبيب، خدع نفسه بأنّه يستطيع أن يصل إلى جبل جريزيم. كنّا بحاجة لتأمين طحين المصّة من المحيط القريب منّا. في الخارج كانت مجموعات هائجة من مُثيري الشغب، تطلق النار على كل ذاهب وآيب تقريبا. سُمع إطلاق الرصاص من كل جهة، أطلق اليهود والعرب الرصاص على بعضهم البعض، وكنّا نحن بينهم في وَسَط نار الجحيم.

قلنا لأنفسنا لا خبز، كالمعلوم، في الفسح. مُنعنا من تقريب القربان، كلّنا كنّا بعيدين، أمّا خبز المصِّة فكان في متناول اليد. ما زلت أتذكّر أفراد الشلّة، الذين كانوا في يافا، مثل الأشقّاء، إسحق ويعقوب وسرور (ساسون)، أبناء فارس (پيرتص) صدقة،خليل (أبراهام) بن شاكر (يِسّخار) مفرج (مرحيڤ)، إبراهيم بن نور، شقيقي كمال (تميم) وأنا وآخرين. لا تسألني كيف حصلنا على المصّة، تمّ ذلك بطريقة ما، إذ لا بدّ من المجازفة حتّى، من أجل القيام بفريضة ما. في آخر المطاف، قعد خليل بن شاكر، رحمه الله،  ليخبز المصّة على الصاج. جلسنا كلّنا في رِواق مدخل بيتنا. كنتُ أقلّب المصّة وإحدى النساء كانت تقرّص العجين  [بِتْكوبِج] وخليل بن شاكر يبسّطه [يرقّه] ويقذفه إلى الأعلى ليستدير أكثر على وجه الصاج الملتهب بالنار التي تحته. شقيقي كمال كان يضيف الحطب بمعاونة سرور صدقة، رحمة الله عليه، الذي كان متحمّسًا لمدّ يد العون في العمل المقدّس؛ كأنّ كل شيء كان منسّقًا. كلّ تقليب مصّة على الصاج كان يرافقه سيل من إطلاق الرصاص خارج البيت، بعد ذلك سُمع صوت طائرات محلّقة وبعدها سُمع دويّ انفجارات بالقرب من البيت. تابعنا عملنا وكأنّ شيئًا لم يحدث. ألقى علينا الجيران نظراتِهم بخوف شديد وهم متراصّون على درابزينات الدرج في مداخل البيوت. حثّونا على ترك كلّ شيء والاختباء في البيت: ”كيف تجرؤون على عمل هذا والرصاص يدوّي في الخارج“؟ إنّهم سيروْن الدخان يتصاعد من بيتنا، ويبدأون بإطلاق الرصاص علينا“، زعق الجيران علينا.

لم نأبه لصيحاتهم. تأدية فريضة خبز المصّة كانت في نظرنا أهمَّ من أيّ اعتبار آخر. إبراهيم بن مفرج، إنسان ورع جدًّا في إيمانه، يُضفي من ּثقته القوية بالنفس علينا جميعًا، ابتسم وقال لجيراننا: ”لا تهتمّوا، نحن السامريون، يحمينا الله من أيّ شرّ“. عند سماعنا لكلماته اغرورقت أعيننا ولم ندر لماذا، هل بسبب الدخان الكثيف الذي انطلق من تحت الصاج، أم بسبب تذكّرنا أنّ في تلك اللحظات، يُنهي إخواننا على جبل جريزيم استعدادتِهم الأخيرة لقربان فسح العام ١٩٤٨“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

عندما يطلب "جان-بيار مارييل" اناء من المياه الساخنة، يتجاهله النادل اللئيم بأحد مطاعم الشانزليزيه، فينتظر بلا جدوى...فهل يعود السبب الى مؤامرة ضد الممثلين "المتقاعدين" ام لأن نجمه قد أفل ولميعد جذابا وشخصية هامة؟ هذا هو المشهد اللافت الذي يستهل به فيلم "الممثلون" للمخرج الفرنسي "برتران بلييه":

ثم تشتعل الخلافات وتنشأ المشاكل، ويختفي الوئام والانسجام بمثل هذه الأجواء "النكدية" الطاغية: فيتشاجر جان كلود بريالي مع بيار أرديتي، كما يكن سامي فراي وأندريه دوسوليه الكراهية لبعضهما البعض، ولا تتردد جوزيان بالاسكو بالانضمام لجوقة الكراهية احيانا، في حين يفرط "ميشال بيكولي" بتناول الكحول بادمان، كما يزعج "كلود ريش" الجميع بمزاجه النكد المتقلب، كما انضم للفريق النجم الفرنسي الشهير "جون بول بلموندو" بكاريزميته وطاقته المعهودة... هكذا تتعرى الشخصيات الحقيقية للممثلين (بقصد) وكأنهم يقفون امام "مرآة" كاشفة، ونصل لحالة متدحرجة متضخمة من الازعاج والنكد، حيث تبدو "الحالة النكدية" وكانها وباء معدي لا علاج لها!

يعود المخرج الفرنسي المبدع "برتران بلييه" ليقدم بعد غياب طويل هذا الفيلم الغريب، الذي يجذبك لمشاهدته لأنه يعكس طبائع البشر وخيباتهم واحباطاتهم ونكدهم المعدي، وينجح بالغوص بحيوات الفنانين المليئة بالجروح والندوب والمعاناة، مقدما ممارسات ومهارات اخراجية فذة، ومتلاعبا بالمشاهد "المنجذب" عبر مواجهة ما يعرفة الناس عن الممثلين وما يعرفه هو عنهم وما يعرفونه هم عن أنفسهم وطبيعة مزاجهم...فيلم تجريبي لافت وممتع!

أفضل ما في هذا الفيلم الغريب نجاح "بلييه" في دمج المشاهد بالأحداث، ودفعه للتفاعل والقلق تجاه مصائر هؤلاء الممثلين (نخبة من النجوم المشهورين سابقا) اللذين بدأوا يعانون من الفراغ والتهميش والاقصاء مع دخولهم القسري لمرحلة التقاعد او اقترابهم التدريجي من الشيخوخة والموت،  فهو يدفع الامور بعيدا بشريطه المميز، وينجح باعطاء "ممثليه" الموهوبين مرآة صافية تعكس لهم صورهم ووجوههم وسلوكياتهم ،وتكاد تبدو كمرآة او "كشمس" كاشفة تعكس للجميع المخاوف والهواجس بلا تنميق وتجميل وبجراة مطلقة

...وقد وجدت تشابها لحد ما مع التحفة السينمائية  الحديثة "بيردمان"، الذي يتعرض لحياة وهواجس ممثل مسرحي "قديم" يستبسل لاسترجاع مجده الاستعراضي (وكذلك عائلته وكيانه الشخصي)، بعد أن أفل نجمه او كاد، حيث يغوص بنا المخرج المكسيكي الفذ "اليخاندرو انياريتو" في "منولوج طويل صادم"  مستعرضا احباطات وهواجس "الممثل العجوز" الذي بدا وكأنه يتفوق على ذاته (مع باقي الممثلين وخصوصا ابنته والممثل اللامع ادوارد نورتون، الذي ظهر بشخصية جديدة وتم التعاقد معه خصيصا لانجاح المسرحية)...هذا الفيلم الغريب الذي يتناول قصة ممثل سابق (أبدع بتقمص الشخصية مايكل كيتون) كان يؤدي دور بطل خارق، وهو يحاول هنا جاهدا استعادة شهرته وكاريزميته النجومية كممثل مسرحي، وقد صور بطريقة "مسرحية" عبر "مونولوج" ايقاعي متصاعد طويل مستعرضا بشكل مشوق ومبتكر خيبات وهواجس واستعدادات الممثل "المتقاعد" والمنسي، والذي يسعى ثانية بحماس لاعادة اطلاق مجده "المطفي" عبر مسرحية جديدة، مستخدما ممثلا شابا مشهورا جذابا للنساء وعابث ولامبالي، وعبر اجواء سينمائية فريدة مدمجة مع لقطات فنتازية وموسيقى معبرة لاهثة وحوارات "غير مسبوقة" ذكية ومعبرة وساخرة، حيث  نرقب بالتدريج خفايا المشاعر وتطورات حالة الممثل والمحيطين به وانطباعات الجمهور بتلقائية معبرة، كما بحالة مغادرته للمسرح "شبه عاري" بعد ان انغلق الباب فجأة من الداخل، او كما بتصوره لهلوسات والكائنات "الخرافية الروبوتية" لأفلام الخيال العلمي السائدة حاليا، او كما بطيرانه "الفانتازي" المفاجىء بانحاء الحي،حت ىتصل الامور لذروة متوقعة وصادمة عندما يطلق الرصاص على أنفه قاصدا الانتحار (بالمشاهد قبل الأخيرة) وهو يتقمص دور الزوج المغدور والبطل الخائب، اوعندما يختفي من شرفة غرفته بالمستشفى وكأنه قذف بنفسه من النافذة، فيما تشير ايماءآت ابنته المذهولة "ايما ستون" لكونه  طار من النافذة "كرجل طير خارق" وكأنه تحررأخيرا من كل الضغوطات والهواجس والخيبات والاحباطات بعد تأكده من النجاح الساحق الذي حققته مسرحيته اخيرا...ولكن أليس الموت بحد ذاته يعد (فلسفيا) تحررا من عبء الحياة وخيباتها، وخاصة بعد وصول المبدع لذروة مجده ونجاحه، وربما يختلف هذا الشريط (المتفاءل نسبيا) عن فيلم المخرج الفرنسي بهذه النقطة تحديدا التي تزرع الأمل في النفوس، وان كان التركيز "النرجسي" هائلا وغير مسبوق بهذا الفيلم، كما بدا لبطل وكأنه يتوهم بتمتعه ببعض القدرات الخاصة الخارقة!

وجدت نفسي منساقا بشكل عفوي للمقارنة بين هذين الفيلمين الغريبين الشيقين بالرغم من قدم الأول الذي انتج بالعام 2000 وحداثة الثاني (المرشح لعدة اوسكارات) والمنتج بالعام 2014، ولو أن "الكوميديا السوداء" هي السمة العامة لهذين العملين الرائعين، الا أن الفيلم الفرنسي يغوص بحالات متدحرجة من التشاؤم والنكد وربما الواقعية "المحتملة الحدوث"، فيما يميل شريط المخرج المكسيكي للابهار والطرافة والفانتازيا، وهنا يكمن الفرق.

التقييم *** و **** حسب التسلسل

 

مهند النابلسي

................

الرجل الطائر أو هو فيلم كوميديا سوداء أمريكي 2014 من إخراج أليخاندرو غونزالس إناريتو الذي قام بالمشاركة في كتابته وإنتاجه. الفيلم من بطولة مايكل كيتون وإيما ستون وإدوارد نورتون وأندريا ريسبوروج وأيمي رايان وزاك غاليفياناكيس ونعومي واتس.

   

  

moamar habarراسلني الزميل ياسر يكن، فقال: "السلام عليكم، أستاذ معمر، أرغب في تعلم طريقتك في تلخيص كتاب تقرأه واستخراج زبدته. شكرا لك".

أجبته قائلا: وعليكم السلام، بعد الشكر والثناء، أضع تحت تصرفك بعض المقالات التي كتبتها في ذات الشأن، وحين تنتهي من قراءتها ننتقل لنقاط أخرى تعترضك وتريد التوسع فيها بالشرح والأمثلة.

وكان المقال الأول بعنوان " قصتي مع عرض الكتب"، والثاني بعنوان "كيف تستفيد من قراءة كتاب"، ثم شرع صاحب الأسطر في تقديم بعض الخطوات لعرض الكتاب وتلخيصه، والمستمدة من القراءة والتجربة، وهي:

القراءة الكثيرة، والمتعددة، والمتضاربة حتى يجمع المرء أكبر قدر ممكن من المعلومات.

هناك قراءة عابرة وقراءة متعمدة، وعلى قدر كل واحدة يكون العرض والاختصار.

لابد من القارىء أن يكون مستقلا عن الكاتب والكتاب حتى يستطيع أن يعرض بحرية.

القارىء مطالب أن لا يبغض الكاتب أو الكتاب حتى يستطيع أن يختصر ويستفيد منه دون أن يعميه الحقد والبغض.

التركيز على النقاط التي حاول الكاتب التركيز عليها، بغض النظر عن كونك تؤيده أو تعارضه.

التركيز أيضا على النقاط التي تحاشى الكاتب عرضها، لأسباب ذكرها أو تعمد عدم ذكرها، لأنه ربما أهم نقطة في الكتاب هي التي تعمد الكاتب عدم ذكرها.

وأنت تلخص الكتاب حاول أن تستحضر ما قرأته عن الكاتب أو الكتاب، ووظف بقدر ذاكرتك بقدر ما يخدم عرض الكتاب وتلخيصه.

تطرق للموضوع الذي تتقنه وتحسنه ولك فيه رأي و كلمة،  وحدث عن المصطلح المطروح إذا كنت تتقنه وتحسنه.

بعض الأسئلة التي تحيرك ولم تجد لها إجابة، أعد طرحها وأنت تعرض للكتاب، فإن طرحها سينبهك ويدفع القارىء إلى الإجابة عنها.

تعامل مع الكاتب باحترام شديد حتى لو عارضته، لأن الاحترام ينير الصدر ويساعدك على العرض والاختصار.

وأنت تعرض الكتاب، حاول أن تفرق بين مصطلحاتك ومصطلحات الكاتب، كأن تقول ويسميهم الكاتب بـ "الأهالي"، ليعرف القارىء أن لك مصطلح خاص بك، ومخالف لصاحب الكتاب.

حاول أن تعرض لأمتك من الكتب ما يرفع الهمم، ويبعد عنها اليأس.

الكتابة رسالة، فانقل رسالة طاهرة نقية وأنت تعرض الكتاب.

إذا كنت تبغض شخصا أو فكرة ولا تستطيع التخلص من هذا الحقد، أنصحك أن تبتعد عن عرض كتابه، فإنك ستسىء لصاحبه، ولن تبتدع في العرض أبدا، فالحقد والبغض يعمي.

ركز في البداية على الكاتب الذي تقرأ له والكتاب الذي تتأثر به، لأنه سيكون سهلا على العرض والتلخيص، ولن يكلفك مجهودا، وستكون في غنى عن الصراع، لأنه سيدفعك إلى القراءة ومواصلة العرض لا حقا.

وأنت تعرض الكتاب، دوّن رأيك وبيّن أنه رأيك حتى لا يختلط برأي الكاتب.

راجع باستمرار ما قرأته وما دونته، فكل قراءة تختلف عن القراءة السابقة، وأحسن من السابقة وأفضل، فقد حدث لي أن قرأت كتابا 3 مرات، وكانت القراءة الثالثة مخالفة تماما للقراءة الأولى.

لو كنت متعدد اللغات لكان أفضل وقرأت للكثير بلغات متعددة، ولأن تعرض فكرة بلغات أفضل من أن تعرضها بلغة واحدة.

إبدأ بالكتب ذات الحجم الصغير 100-200 صفحة.

وأنت تقرأ قم باستخراج الأهم وضعه جانبا، وإذا كان الكتاب من الحجم الكبير يستحسن عرضه بالفصل، وإذا صادفتك فكرة هامة قم بعرضها دون انتظار أن تنتهي من الكتاب. فهناك بعض النقاط تلفت النظر، فلا تنتظر أن تنهي قراءة الكتاب، فقد تضيع النقطة التي لفتت الانتباه، فقم بعرض الفكرة، وحين تنتهي واصل القراءة، وتوقف عند كل نقطة تثير الانتباه، فهناك عنوان يثير،  صورة تلفت الانتباه، واسم يستوجب التوقف عنده، وتعبير مثير، ومقارنه غريبة عجيبة، وغيرها من الأمور التي تلفت القارىء المتتبع.

أكتب وأنت في كامل تفاعلك مع الفكرة، وإذا خشيت من الانفعال أكتبها واتركها جانبا وعد إليها، لأنه إذا طال عليها الأمد أصابتها البرودة والخمول.

لا أنصح باستعمال الورقة إطلاقا لسهولة ضياعها، وصعوبة مراجعتها، وأنصح بشدة وبقوة بتسويد الكتاب، وتسجيل الملاحظات عبر الكتاب لسهولة الرجوع عليه، وسهولة الاستفادة منه لأن الكلمة المعنية أو الملاحظة المطروحة تكون ضمن الكتاب، ويكفي حينها القراءة الخفيفة لاسترجاع المعنى وتنشيط الذاكرة.

حين تعرض الكتاب وتقوم بتلخيصه وتتلقى في المقابل ردودا قاسية، أو مشينة، أو مؤيدة أو موضحة، وترد عليها بعلم وأدب، إحتفظ بأقوالك والردود و ضفها لعرضك للكتاب، فتثري بذلك وتفيد.

 وعن سؤال حول الكتاب العصري عبر شاشة الحاسوب، يجيب صاحب الأسطر وباستمرار، حين يؤكد قائلا: لا يوجد أفضل من شراء كتاب ومعانقة كتاب.

هذه ملاحظات نابعة عن تجربة في قراءة، وتصفح، وعرض، وتلخيص الكتب على مدار سنوات، راجيا أن يستفيد منها قارئ هذه الأسطر، ويوجه صاحبها لما هو أفضل للقارئ والناقد معا.

 

معمر حبار

 

رواية شعرية تتحدث عن هواجس الحب والثورة والأبطال والوجع والحزن و"الجاهلية الجزائرية"!

* لا شيء يسمع الحماقات الأكثر في العالم... مثل لوحة في متحف.

*أتدري.. ان أصعب شيء على الاطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها.

* ان الناس اللذين يلهموننا هم اناس توقفنا امامهم ذات يوم لسبب او لآخر.

* فقسنطينة مدينة مناقضة، لا تعترف بالشهوة ولا تجيز الشوق، انما تاخذ خلسة كل شيء.

*هناك عظمة ما، في ان نغادر المكان ونحن في قمة نجاحنا.. انه الفرق بين عامة الناس والرجال الاستثنائيين.

* لقد اراد ان يذهب الى الموت مكابرا وليس مهزوما ومكرها.

* فكيف يمكن لانسان بائس فارغ، وغارق في مشكلات يومية تافهة، ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين، ان يبني وطنا، ان يقوم بأية ثورة صناعية او زراعية، او اية ثورة اخرى.

*...لأن الموظف في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسيا!

*الجبال لا تلتقي الا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى... وعندها لا تتصافح، بل تتحول الى تراب واحد.

* أما الذين يبدو عليهم فائض من الايمان، فهم غالبا ما يكونون أفرغو انفسهم من الداخل او عرضوا كل ايمانهم في الواجهة، لأسباب لا علاقة لها بالله!

* العبادة درعنا السرية.

* ليس من حق وزير ان يشكو... فلا أحد اجبره على ان يكون وزيرا!

* الآن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الأشياء.

*انه جنون أن لا تاخذ حقك من هذا الوطن...أنت تحمل شهادتك على جسدك.

* لو تدري لذة ان تمشي في شارع مرفوع الرأس، أن تقابل أي شخص بسيط اوهام جدا، دون ان تشعر بالخجل.

* بدأت اتصالح مع الأشياء، اقمت علاقات طبيعية جدا مع نهر السين.. مع جسر ميرابو.. مع كل المعالم التي كانت تقابلني في تلك النافذة.

* نحن لا نغفر يسهولة لمن يجعلنا بسعادة عابرة، ونغفر أقل، لمن يقتل احلامنا امامنا دون أدنى شعور بالجريمة.

* لا تطرق الباب كل هذا الطرق...فلم اعد هنا!

 

مهند النابلسي 

 

faroq mawasiالعقل هو ضد الجهل وضد الحُمق، وهو التثبّت في الأمور، والتمييز والفهم.

الفعل (عقل) معناه حبس، ويبدو أن معنى العقل مأخوذ منها، فالعقل يحبس النفس عن الهوى، ويقيدها بما هو نافع للإنسان.

يقول (لسان العرب) سمي العقل عقلاً، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك.

...

ما أكثر ما ذكر المعري (العقل) في شعره، وكثيرًا ما استشهد هذا الأديب أو ذاك بقول المعري:

كذَب الظنُّ لا إمامَ سوى العقـــ *** لِ مشيرًا في صبحه والمساءِ

فإذا ما أطعته جلَب الرحـ  *** ـمةَ عند المسير والإرساء

 قال المعرّي هذا النص مخالفًا أولئك الداعين في عصره لإمام منتظر، فعنده أن صاحب العقل لا يضلّ، وهو يميز الصدق من سواه:

أما العقول فآلت أنه كذِبٌ ***  والعقل غرسٌ له بالصدق أثمار

..

العقل كلمة لها علاقة بـ (العِقال) – التقييد بالحجة والمنطق، والمعري اللغوي يربط بينهما:

والعقل في معنى العقال ولفظه *** فالخير يعقِد، والسَّفاه يحلّهُ

هكذا إذن فأصحاب الترّهات  الدينية كما وصفهم:

تستّروا بأمور في ديانتهم *** وإنما دينهمْ دينُ الزناديق

نكذّب العقلَ في تصديق كاذبهم *** والعقلُ أولى بتكذيب وتصديق

..

إذن، فما عليك أيها الإنسان إلا بهذا النصح الذي يُسديه الشاعر:

تفكّر فقد حار هذا الدليلُ *** وما يكشفُ النهجَ إلا الفِكرْ

وقال ما هو في معناه:

فليس يُظلم قلب *** وفيه للّبِّ جذوه

..

يقول:

"والعقل أنفس ما حُبيت..."

فكل ما لا يقرّه عقلك فهو قبيح لا تعمل به:

فشاور العقل واترك غيره هَدَرًا *** فالعقل خير مشير ضمّه النادي

فتحكيم العقل في كل مسألة من أهم ما دعا إليه المعري، ومع الأسف، فإن تغييب العقل هو الذي يسود في كثير من المسائل، وخاصة الدينية منها:

فلا تقبلن ْ ما يخبرونك ضِلّةً *** إذا لم يؤيد ما أتَوك به العقل

فاللب أي العقل هو قطب الرحى:

اللب قطب، والأمور له رحى ***  فيه تُديَّر كلها وتُدار

أي أن مرجع الأمور كلها إلى العقل، فالرحى هي حجر الطحن، والقطب هو ملتقى الأمور وهو الوتد الذي يدار عليه الحجر.

يمضي المعري ويقول:

والحديث المسموع يوزن بالعقـ   *** ـل، فيضوى إليه عُرف ونكر

أي إننا بالعقل نرفض ونقبل، "فاقبل إذا ما نهاك العقل أو أمرا"، و"عليك العقلُ فافعل ما رآه جميلا..."

يقول المعري ملخصًا سلوكه في حياته:

نهانيَ عقلي عن أمور كثيرة *** وطبعي إليها بالغريزة جاذبي

ويقول:

سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدًا *** وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي

..

ما علينا إذن إلا التفكير:

"وما يكشف النهجَ غير الفِكر"، كما ذكرنا أعلاه،  فالله وهبنا العقل لنعمل وفقه، ولكن ثمة من يغفل عنه:

تركتِ مصباح عقلٍ ما اهتديتِ به *** والله أعطاكِ من نور الحجى قبسا

فالمسترشد بالعقل يرى الطريق القويم،

 "وكم أمرَ العقل السليم بصالح".

 

مع ب. فاروق مواسي

 

kamal alhardiالعشق تجربة إنسانية فيها من المرارات بقدر ما فيها من المسكرات. وقد صوره الشعراء بغزليات وصاغه المثالون بمنحوتات وعزفه الموسيقيون بمقطوعات ورسمه الفنانون على لوحات وسرده الرواة على صفحات وصار أفلاما ومسلسلات ، لدرجة أن أضحى هو الظاهرة الإنسانية الأكثر رواجا في كوكب الأرض بلا منافس!

ولكن ما الذي يجعل العشق لدى الإنسان هو العاطفة الأقوى إذا ما قورن بالمشاعر الأخرى كالكره والحقد والغضب ..؟ الجواب ببساطة: لأن الحب هو ما يجعل من الإنسان إنسان.

ذات يوم شاتي رآها للمرة الأولى في إحدى مدرجات الجامعة فأدمنت عيناه رؤياها فقرر أن يصارحها بحبه آملا في أن يكون له مكان في قلبها إن كان شاغرا. تردد كثيرا مخافة أن يصدمه جوابها فيعدمه، لكنه تجاسر وقرر أن يمض فيما كان قد عقد العزم على إمضائه. وبعد أن استجمع كافة قواها ذهب قاصدا إياها، ولما كان على مقربة منها تحولت نبضات قلبه إلى ضربات شتتت أفكاره وبعثرت ما كان قد أعده في ذهنه ليقوله. لم يبق على لسانه سوى التحية الصباحية التي ألقاها عليها وهو على غير ثقة من أنه سيلقيها بصيغتها الصحيحة. ولحظة أن ردت تحيته بتحية أحسن منها أشعلت جذوة عشقه والتي غدت فيما بعد نارا ربما ليس للشمس أن تكون قبس منها!

مرت سنوات الدراسة الأربع والعشق بينهما في ازدياد مطرد لا تفتر حرارته ولا تخبو جذوته، فما كان منهما سوى أن قررا الارتباط برباط الزوجية المقدس. تكلل الحب بالزواج وأوتي بها إليه في ليلة البناء (الدخلة). بنى بها وبنت به فكأنما كانا يتذوقان نكهة العشق على مرافئ القمر ! وبعد مرور ستة عشر عاما من زواجهما لم يغادرا تلك المرافئ بل لا يزالان يتفيئان تلك المرافئ ليقولا بذلك لكل عاشق أن الزواج يذكي العشق ويجعله أكمل وأجمل.

 

كمال الهردي: كاتب وروائي يمني

 

 

faroq mawasiسألني سائل: قالت الضفدع قولاً *** فسّرته الحكماء

لماذا نقول (فسرته) والحكماء- جمع لعاقل؟

..

من خلال مراجعة في كتب اللغة نجد أنه  يصح التذكير والتأنيث، في الجموع التالية:

•  جمع التكسير للعقلاء سواء أكان المفرد مذكّرًا أم مؤنّثًا، نحو أنشد (وأنشدت) الشعراء، فسّر الحكماء أو فسرت، وبكى (بكت)  الثواكل، وحضر (حضرت) الأوانس.

 وأرى أن الأفضل في لغتنا المعيارية اليوم-  التذكير مع المذكّر، فنقول: قال الخطباء، والتأنيث مع المؤنث: قالت الشواعر.

فنحن وإن جاز لنا لغة أن نقول: الرجال جاءوا، والرجال جاءت، فإننا نفضل الصيغة الأولى في لغتنا المعاصرة.

اجتمع التذكير والتأنيث في الجمع التالي- العصاة، وذلك في قول ليلى الأخيلية:

أحَجاجُ لا تعطي العصاةَ مناهمُ ***  ولا الله يُعطي للعصاة مناها

•  اسم الجنس الجمعي- وهو ما يُفرَّق بينه وبين واحده بالهاء، كالتمر، والبقر والنخل:

رعى البقر أو رعت.

وفي القرآن وردت (النخل) في التذكير: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} القمر، 20- وفي التأنيث: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} ق، 10-

* - جمع المذكر المنتهي بـ (ات) كطلَحات وحمَزات، أو ملحقًا بجمع المذكر السالم كبنين- جاز فيه الوجهان تذكيره وتأنيثه، والتذكير أشيع.

*- اسم الجمع، نحو الرهط، الإبل، القوم، العرب، فنقول: قال العرب، وقالت العرب، وانتصر (انتصرت) الروم في حروبهم (في حروبها). فإذا استخدمنا صيغة فعلينا أن نتابعها في الضمير بعدها، فنقول:

 "انتصر الروم في حروبهم"، ولا نقول هنا-  (في حروبها).

• متى يَجب تذكير الجمع؟

يجب التذكير إذا كان الجمع جمعًا مذكرًا سالمًا: صام المسلمون. ألقى المحاضرون محاضراتهم.

...

متى يَجِبُ تأنيث الجمع؟

يجب تأنيث الجمع إذا:

* كان الجمع جمعًا مؤنثًا سالمًا حقيقيًا ظاهرًا، نحو "جاءت الفاطماتُ".

وكذلك مع جمع المذكر غير العاقل إذا جمع جمعًا مؤنثًا سالمًا، فنقول:

اتسعت المجلّدات، وبُنيت الحمّامات، وفي الإصطبلات حيواناتها.

* أن يكون جمع التكسير لغير العاقل، فنقول: أشرقت الوجوه، وبكت العيون، وتلألأت الجواهر في إشعاعها...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

hamid taoulostليست هذه المرة الأولى التي أصاب فيها بعسر الكتابة، وأتوقف، لأيام وربما لأسابيع، أمام المواضيع والأحداث الدسمة المثيرة، مغلول اليد، لا أسود بياضا، معقوف القلم لا أنقش رسما، معقود الحرف لا أخط حرفاً، مشلول التفكير لا استطيع التسلل لمخابئ الحرف المتراكمة في ذهني، ولا أقوى، لا أقهرا ولا طواعية، استدارج ما يعج بخاطري من أفكار وتعابير، لترميزها على شكل كلمات مكتوبة، وكأن تلك الحروف، التي كانت إلى حين منسكبة بغزارة، قد تكلست بدواخلي وتحجر جويانها، أو أن الحبر الذي كان منسابا سيله، قد جف وتيبست مساراته، وضن علي البوح، وتعصلج معي التعبير، البسيط منه والمعقد، بالرغم من توافر مكونات الإبداع، وظروف التفكير والتصور والتعبير، واستفزاز شهوة الكتابة، شبقية التحدي والحماس العارمة، وبالرغم من توفر والمحرضات الذاتية و المحفزات الموضوعية واستفزازيتها، من رفاهية الأجواء، وصفاء اللحظة الإبداعية، وجمالية الأمكنة، وتوافر الأقلام والحواسب، وكل ما لا يبقي ولا يدر الورق على بياضه، وبالرغم من اتساع دوائر ومجالات التأمل والتفكير، فقد اعتراني هذه الأيام ضعف في الإنتاج، والدي يمكن أن نسميه تجاوزا "عسر الكتابة" على غرار عسر الهضم الذي يصيب البَطين المَبْطُون، فأرعبني الأمر، وارتعشت له جوانحي، وخشيت أن تكون تلك بداية النهاية، وإني انزلقت في دوامة الملل والتكرار والرتابة، أخطر أعداء فعل الكتابة، وأكثر ما يرعب هواتها و جميع من يهيم بها، وان موهبة رصف الكلام ستهجرني، ولا أعود لتسطير المنثور منه والمنظوم، ولا أتمكن من تنسيق الحرف والوصف بسلاسة وجمال وبموضوعية واثقان.

فهل يا تري سيستمر معي هذا الذي اعتراني، وأتوقف نهائيا عن التواصل والاتصال بالآخرين، بالكتابة التي قبل أن تكون أي فعل، فهي وسيلة ووسيط يوظّف لنقل الرؤيا والأفكار والمشاعر للمحيط الاجتماعي الذي نتفاعل معه؟

لا وألف لا، إنها حالة عابرة و"بلوكاج" خفيف - ليس كـ"بلوكاج" تشكيل الحكومة -سيزول بزوال أسبابه النفسية الظرفية، كما توزول أوجاع البطنة بزوال مسبباتها، فما يدريني فلعل الفرج يأتي بعد حين، وأعود لهوايتي التي وجدت فيها نفسي التي قضيت العمر أبحث عنها، فهجرت من أجلها كل شيء، حتى لذة النوم، وكل أملي معقود على من أقسم بـ" ن والقلم وما يسطرون"، وبالمناسبة لقد ذكرني القلم بإحدى عادات المرحوم والدي، والتي ما كنت أعرف الحكمة منها، وهي تعوده،رحمة الله عليه، وضع القلم على أذنه اليمنى، وتحسسه لها من حين لآخر، بنشوة وسرور، للتأكد مما إذا كان القلم باق في موضعه، ربما لإهتمام "ناس زمان بالقلم وقدسيته، أو لسهولة الوصول إليه عند اللزوم، أو لتجنب إضاعة الوقت في البحث عنه في الجيوب عند الحاجة إليه، وبفس المناسبة أحالتني عادة المرحوم والدي إلى عادة أخرى، وهي تباهي المتعلمين وعلى الأخص المعلمين من بينهم، بوضع عدد من الأقلام في الجيب الخارجي لستراتهم.

وفي الختام أتعتذر لقرائي الأجلاء إن أخلفت وعدا أو تخلفت عن موعدا، وتحيتي ومحبتي واحترامي لكل من يقرأ مكتباتي رافضا أو مؤيدا.

حميد طولست

 

balkis alrobaieوأنا في طريقي الى استراليا، توقفت في الشارقة وسنحت لي الفرصة أن التقي الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والاعلام في الشارقة ورئيس تحرير مجلة (الرافد) الثقافية ورئيس مجلس الادارة في النادي ."الثقافي العربي في الشارقة . ووقتها أهداني مجموعة كتب من ضمنها رواية مريوم يُقال " أن الروائي الحقيقي هو الذي يأخذ القارئ باسلوب سردي مشوق ومتين حتى "آخر عبارة في روايته.” وهذا ما لمسته عند قراءتي لرواية " مريوم  الصادرة عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة.

ورغم أن الرواية لايتجاوز عدد صفحاتها عن التسعين صفحة، لكنها تتميز بالفكر والفلسفة واللغة، ويجد القاريء أن الروائي والمفكرعمر عبد العزيز موسوعة في المعارف الأدبية والعلمية ولديه قدرات لغوية فائقة وامكانيات كبيرة في ترويض اللغة العربية ليرسم بالكلمات مشاهد كاريكاتيرية أو تراجيدية. ففي هذه . الرواية رسم لنا مشهدا تراجيديا حول موت ومراسم دفن مريوم كانت الأستعدادات على اشدها، والخرق البيضاء الناصعة تخرج من ابواب ..) المنازل، والأبخرة تتناوب معارج تشكيلاتها السديمية، والأطفال في حيرة مما يجري والطيور تهرب من اوكارها كما لو أن بها مسا من جنون مريوم، والبحر يتحول الى (.مرايا زجاجية تومض بصواعق من ضياء فاقع رغم معرفتي السابقة بالدكتور عمر منذ أن كان مديرا عاما لتلفزيون عدن، لكني من خلال قراءتي للرواية وجدته مفكرا وسياسيا ضليعا بالتاريخ السياسي العربي والعالمي. ففي "رواية" مريوم " كشف للقاريء المفارقات في القانون الدولي العام .ومعنى الظلم والتدخلات السافرة في شؤون الغير والاعمال العدوانية ضدر الدول ان القانون الدولي الخاص ينحسر في حضوره الافقي العالمي يوما بعد آخر …) وتنتظم مرئياته في اطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية حمًالة الاوجه في تفسيرها وتطويعها، كما أن لغة تلك المعاهدات والاتفاقيات تتسم بقدر كبير من التجريد، وهي صفة عامة في لغة القوانين المكتوبة، حتى أن التعريف التقليدي للقانون يُختصر في (."قول القائل" القانون هو فن استخدام اللغة.

قبل أن أقرأ الرواية لم اكن اعرف أن هناك بجعة سوداء موطنها استراليا ففي " مريوم " قدًم لنا الروائي ثقافة معرفية عن البجعة السوداء . (. . تلك المعجزة التي ارهقت كاهل المستكشفين الاوربيين لقارة استراليا.. يوم شاهدوا بجعاً بلون اسود لم يروه ولم يعرفوه من ذي قبل، فكان التفسير المباشر للذهن الاستيهامي الميتافيزيقي أن تلك البجعات ليست سوى سحر أسود من صنع السكان الأصليين، وربما كانت.طاقة شيطانية تُجبر رائيها على التعوذ منها).

وقادني فضولي وأنا في سدني أن أرى هذا الطائر، ووجدته جميلا ورشيقا وناصع .السواد، له منقار أحمر وعيون حمراء وبعض الريش الابيض تحت الجناحين وهنا استنتجت أن الروائي وبطريقة ذكية ودون أن يشتت تفكير القاريء، قرن .جمال البجع الأسود بجمال مريوم ورشاقتها .

الرواية ثرية بالمفردات التعبيرية وبسحر اللغة العربية التي استخدمها المؤلف في وصف مريوم (.. في حالة تماه ساحر مع جمالها الظاهرفي استقامة عودها الخيزراني، و ضفائرها المعقودة وراء مستودع الخفاء الملهم، وأناملها المنسكبة بليونة أنامل الجوكندا، والتجسيم الهيليني واضح الملامح، واستوائها المنظوم على درب سيرها المتعرج بتهاديات جسدها النحيل، وابتسامتها الذكية النابعة من اسنان (.مرصوفة حد البهاء المشع برحيق عذوبة من ماء زلال.

في رواية "مريوم" رصد لنا المؤلف التحولات التي حصلت لدبي وما وصلت اليه الآن بعد أن كانت (.. دبي مدينة ساحلية تنتظم في مساراتها انساق من منازل خشبية تنتمي لأنماط العمارة الانجليزية الفيكتورية، واخرى هندية البناء، وبعض من البراجيل " المحلية المنتصبة امام الشموس والضياء، وكثرة كاثرة من المنازل ” المشيدة من الخوص وسعف النخيل).

ودبي الآن ليس كما كانت في زمن الاربعينيات من القرن الماضي بعد أن كانت بيوت ساحلية متهالكة وخيما رثة. فهي الآن تزخر بأبراجها العالية وحدائقها الغناء ونوافير المياه المشعة بالأنوار الجميلة.

وفي الختام أقول أن للدكتور عمر عبد العزيز قدرة كبيرة في بناء عناصر رواية مريوم” . فقد تدرج في بناء شخصية مريوم التي يقول عنها اهل الحارة بأنها مصابة بمس من الجنون، حتى اوصلها لحالة الأسوياء كما للدكتور عمر المام بالشعر والشعراء واختياره لبعض الأبيات الشعرية أضاف متعة للسرد المشوق والمتين للرواية . ففي الصفحة 46 من الرواية ذكر أبياتا من الشعر للحسين ابن منصور وكأني بها اناجي زوجي الشهيد ابا ظفر

والله ما طلعت شمس ولا غربت"

ألا وحبك مقرون بأنفاسي

ولاجلست الى قوم أحدثهم

"ألا وانت حديثي بين جلاسي

 

يبدو أن واجهتنا الثقافية المتمثلة بالإعلام العربي لم تعد تقتصر بمعظمها على النقل فقط من المحطات والمواقع الغربية؛ وإنما تعداه إلى نقل العبارات والاصطلاحات الإنجليزية وترجمتها ترجمة حرفية بشكل لا يندرج ضمن قالب ثقافتنا وفكرنا العربي، ومعظم الترجمات جاءت غير مستساغة الفهم لمن هو على غير اطلاع بالمصطلح الإنجليزي.

سأسرد إليكم هنا بعضاً من تلك العبارات والاصطلاحات المنقولة من الإنجليزية، والتي هي أصلاً موجودة في لغتنا العربية، والتي تم مؤخراً استخدامها وتداولها بشكل كبير، حتى في المقابلات التلفزيونية:

1. "التفكير خارج الصندوق"، نقلاً عن الإنجليزية thinking out of the box

والعبارة المرادفة في لغتنا العربية هي ببساطة " التفكير الخلاّق"

2. "العودة إلى المربع الأول"، نقلاً أيضاً عن الإنجليزية Back to square one

والمرادف السلس الموجود في لغتنا العربية هو "العودة إلى نقطة الصفر أو نقطة البداية"

3. "سياسة العصا والجزرة"، نقلا أيضاً عن المصطلح الإنجليزي Carrot and stick policy

ومرة أخرى، لغتنا العربية لديها المرادف الجميل "سياسة الترغيب والترهيب"

4. "يضحك في أكمامه"، ترجمة لــ Laugh in his sleeves

لدينا في لغتنا العربية وحتى المستخدمة في حياتنا اليومية "يضحك في سرّه"، فمصطلح "يضحك في أكمامه" والذي سمعته غير مرّة متعجباً لا ينفع – يا مثقفينا - في فصل الصيف الحارّ!

هل كانت اللغة العربية يوماً فقيرة لهذه الدرجة كي تخلو من هكذا عبارات أو اصطلاحات أو تشبيهات بسيطة، أم بات من يتعامل معها يومياً ويتحدثها لا يقرأ إلا ما قرأه أيام المدرسة؟! كيف يتقبّل المحررون الإخباريون هذه اللغة إلا إن كان كانوا يعتقدون أنها اصطلاحات حداثية أتت بها اللغات الأخرى، ولم يواكبها المجمع العربي بعد؟!

هناك طبعاً عشرات الأسئلة فيما يتعلق بالإعلام العربي الهزيل لغة ومضموناً وانتقاصا لمقام اللغة العربية، التي لن يجيب عليها تطبيقاً من خلال شاشاته، إلا إذا وُضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح، وأُزيحت المحسوبيات من على منصاته! 

 

محمــد عرّوب

أكاديمي وكاتب سوري

 

ali mohamadalyousifاذكر اني ارسلت رسالة لصديق اديب قلت: ان اردأ انواع العاطفة هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه. وقتها لم اكن قرأت عبارة المتصوف (النفري) التي اصبحت على كل لسان: ( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) واول من عالجها الشاعر المفكر ادونيس، ليتلقفها بعده العديدين من الادباء والشعراء والنقاد بالشرح والتأويل والاضافة، حتى ان شاعرا عراقيا ضاق ذرعا ولم يعد يحتمل فما كان منه الا ان وضع كتابا يقع في ستين صفحة فقط حجم متوسط رد فيه  فهم ادونيس لعبارة النفري التصوفية .

وقد اعجبتني العبارة، فهي مكتنزة بمدلولها، محملة بعمق رؤوي ودلالة تأويل فلسفي تصوفي استبطاني وجداني، مما حدا بي عنونة مخطوطة  مجموعة شعرية لي مستوحيا الدلالة اللغوية المباشرة في عبارة النفري فكان عنوان مجموعتي (توهج العشق ... احتضار الكلمات) .

بعيدا عن المحايثة الفلسفية، والاستبطان الكشفي التصوفي فأن عنوان مجموعتي الشعرية، النصوص النثرية (قصيدة نثر) تحمل تضادا جدليا واضحا فالكلمتان اللتان تتصدران العنوان (توهج العشق) والاخريتان اللتان تقعان في عجز العبارة (احتضار الكلمات) توضحان التناقض الجدلي بين بداية العنوان ونهايته.

يذهب الشعراء ونقاد الشعر في دراساتهم وارائهم ان العمل الابداعي المكتوب يكون فيه العنوان (ثريا النص) يمثل الاضاءة الاولية لمحمول النص لدى المتلقي . وتحت عنوان ثريا النص جاء كتاب القاص والروائي الراحل محمود عبد الوهاب في جمعه اراء (استبيان) مجموعة من الادباء والكتاب والفنانين في سؤالهم ماذا يعني عندهم عنوان النص او عنوان الكتاب . وكان حصيلة اجاباتهم تلك كتابه المذكور .

المهم ان الجدل التصوفي العميق في عبارة النفري بحسب فهمنا لها تنم عن خلاصة تجربة انفرادية اغترابية ذاتية تدخل في غمار الحدس الاستكشافي بما يحمله من السمو والرفعة الى ما فوق المدرك المحسوس عن طريق مسالك الحلول التصوفي الوجدي العارفاني .

من السهل ملاحظة في عنوان (توهج العشق ... احتضار الكلمات) النبرة الحّسية العاطفية الوجدانية العالية، فنجد (توهج العشق) عبارة ممتلئة بايحاء دلالي قاطع، يقابلها ويكملها في علاقة تضاد جدلي كلمتي (احتضار الكلمات) فهي على النقيض مع ما سبقها وتوحي بانحدار بارد يصل قمة العجز الكلامي والوصول الى احتضار المفردة الشعرية وانعدام قدرة امتلاك وسيلة التعبير التي تشاكل وتماهي حالة توهج العشق.

المتداول العادي في الفعالية اللغوية المنطوقة والمكتوبة هي التي يتطابق فيها اللفظ او المفردة اللغوية في الدلالة مع المدرك المحسوس احادي الجانب الذي لا يتقبل بسهولة- هذا خارج مقاييس النقد ومعيار خصوصية الفن-، لغة التأويل والحفر في خلفيات النص ومدلولاته الاستقبالية . في حال التنميط وتماثل اللغة الشعرية مع المدرك المحسوس نجد ان اللغة هنا تؤكد فاعلية المنطق اللغوي العقلي، وتعدم فاعلية واهمية المخيال اللاشعوري التصويري الانفعالي في استخدام اللغة جماليا الذي يمثل جوهر فاعلية المنجز الشعري .

في تأكيد العرب القدامى فاعلية المخيال المخصب للشاعرية اوجزوها باقل المفردات قائلين : (اعذب الشعر اكذبه) وفي هذا تأكيد على اهمية الصورة الشعرية والمخيال المخصب للفعالية الشعرية، وفي اجتراح الشاعر لصور ابداعية شعرية غير مسبوقة وتشكيل اللغة جماليا بما يخرجها عن السياق العام في المتداول العادي بين الناس والتخاطب اللغوي الكلامي .

وفي تأكيدنا صوابية هذا المنحى نجد في موروثنا الشعري القديم لدى فحول الشعراء ما اطلقوا عليه (الارتجال) في قول الشعر وفي المناظرة الخطابية النثرية ايضا،فارتجال الشاعر قصيدة تقوم على تحفيز حسي انفعالي لقريحة وموهبة الشاعر المتنامية في مرحلة لاحقة،يستلمها المخيال الشعري المخصب في القاء القصيدة  التي نجد انعدام المدرك المحسوس فيها،على سبيل المثال قصائد تصف وقائع حربية ومعارك عرفها الشاعر والاخرون سماعا شفاهيا، ولم يشاهدها الشاعر او شارك بها،ويطلب منه النظم الشعري فيها . بعض قصائد ابي الطيب المتنبي في (السيفيات) في تغطية انتصارات حروب سيف الدولة الحمداني تدخل في هذا الباب، كذلك فعل الشاعر ابو تمام حبيب ابن اوس الطائي في مدحه الخليفة المعتصم في قصيدته التي مطلعها :

السيف اصدق انباءا من الكتب ...  في حده الحد بين الجد واللعب

ويوجد الكثير من الشعر العربي القديم والحديث يندرج في هذا المنحى، منحى اللا تجربة الحسية الواقعية في تعويض توظيف المخيال والموهبة الشعرية في نظم الشعر.

 

علي محمد اليوسف

 

faroq mawasiيخطّي الحريري في (درّة الغواص، ص 56) وعباس أبو السعود في (أزاهير الفصحى)، ص 135، وأمين آل نصر الدين (دقائق العربية)، ص 124 من يضيف (كافّة) إلى ما بعدها، أو من يستعملها معرفة (الكافّة) كأن يقول القائل: حضر كافّة الضيوف، أو حضرت الكافّة، بدعوى أنها لم تستعمل إلا حالاً استنادًا إلى طريقة ورودها في القرآن الكريم، نحو:

 {وما أرسلناك إلا كافّة للناس بشيرًا ونذيرًا}- سبأ، 28

{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة}- البقرة، 208.

{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة – التوبة 36.

وغيرها.

ولكن،

وردت (كافّة) في رسالة نُسبت إلى الخليفة عمر، واطلع عليها إمام الفصاحة علي -كرم الله وجهه-، وأجازها، حيث ورد فيها:

"قد جعلت لآل بني كاكلة على كافّة المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبًا إبريزًا..".

نص الرسالة تجده في:

عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص 379، وهو يقتبس من حاشية الصبّان على شرح الأشموني ج2، فيقول "إن الصبّان عرض لتفصيلات أخرى تختص بهذه الكلمة وباستعمالها، وعلى هامش (القاموس المحيط) مادة (كفّ) نص منقول عن شرح القاموس يجيز استعمال هذه الكلمة مقرونة بـ (ال) أو مضافة وأن رفض هذين الاستعمالين لا مسوّغ له".

انظر كذلك: محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص 218.

...

إذا كان الحريري يشدد علينا ألا نقول (كافة) مضافة، فلماذا كتب هو في كتابه نفسه:

"وتشهد الآية باتفاق كافة أهل الملل"- درة الغواص- ص 239.

ويُلاحظ أن الزَّبيدي في (تاج العروس) تحفّظ من إدخال لام التعريف على (كافّة) في مادة "كف"، لكنه يقع فيما تحفظ منه، ففي مادة (ن د ي) يقول: "كما ذهبت إليه الكافّة".

على هذا يصح لنا أن نقول:

 حضر كافة الضيوف، كما نقول: حضر الضيوف كافة.

ونقول كما قال الزبيدي: "ذهبت إليه الكافّة".

..

إضافة:

ثم إن التعبير (كافتهم) يتردد في لغة الأدب والتفسير، نحو ما ورد في مقدمة كتاب (تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل):

"فشكر الله سعيهم ورحم كافّتهم"، ونحو ما ورد في (المنقذ من الضلال) للغزالي، وقد جعل ذلك عنوانًا:

"أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم"....إلخ

ومثل (كافتهم) قرأت نماذج أخرى فيها (كافّتنا)، و (كافّتكم)، (كافّتها)، فلماذا التشديد على (كافّة) ووجوب أن تكون حالاً، وهي تستجيب في اللغة لحالات إعرابية مختلفة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

الشعر.. بحر القصيدة، حذاري ان تقارنوا فيه، بين قصيدة وأخرى، لشعراء قطعوا مراحل بعيدة في شوطه المتلاطم؛ لأنكم ستقعون في لوم أسراره الأخرى، وتتفاجؤون بأنه لايخضع ابدا للمقارنات السطحية العابرة، او المعمقة ببلادة نظر!، فكفوا عن ادب المسابقات الأبتر؛ لأنه سيقطع أذناب القصائد العملاقة، ويضيفها إلى (بتراوات) القصائد الأخرى!

الشعر..في درسي هذا: يحتوي على خلاصات متراكمة، وأعاجيب، وظاهر، وباطن، وآني، وبعد حيني، وغمز ولمز، وهمز ولكز، (وهش ونش)، وأصيل ومزيف، وغث وسمين، وعليل وسقيم، ومحتضر وشاب، كلاهما في صورة شاب!، وقبيح وحسن كلاهما في صورة ظاهر الحسن، فإذا لم تكن باطنيا، فلا تصف الدواء، لتقتل المريض بدل الداء!

الشعر.. أمير محترم مادام وحيه بعيد عن مكيدة المسابقات، فإذا دخل في غمارها، سلبت إمارته، وبطل سحره، وفُضِح الجاني عليه، وزجه في هكذا مسابقات سيحجم من دافعيته، ويؤثر على تناسل القصائد من القصائد لقرون وقرون!.

الشعر.. يعاني من داء التذوق المريض عند معظم المحكمين، أكثر مما يعاني من داء الفصاحة والإجادة، والابتكار والصورة والتحديث، عند المزاولين.لذلك أسيء له من حيث غُلّقت أبوابه، وأخفيت محاسنه، وألقيت عليه مساوئ الغير.

الشعر.. جبل، وليس من العدل أن تأتي بقمة الجبل فتساويها بقاع المنحدر، ثم تطلق عليه طلقة الرحمة، بعقلك النقدي الصنمي الخرف!

ومن فكرة هذا الدرس اقول نصيحة ورحمة بهذا الكم الهائل من الناعقين: إذا أردت أن تقارن بين قصيدة وأخرى، فعليك ان تتردد ألف مرة ومرة؛ لأنك اما ستشتري حسنات ظاهرة، او تدحض سيئات ظاهرة، ويظل الباطن يلعنك كثيرا!

الشعر.. يريدك ان تقرأه من محيطه إلى خليجه، قراءة إيقاعية تتناسب وجوقة موكبه الرسمي، لاان تجره الى تدني هامشيتك العارضة وتطفلك على مائدة النقد، فتلبسه مساوئك، وتخلع عنه محاسنه، لترميها في شدة تلاطمك الصنمي البهيج!

الشعر.. كرامة الكرامات، فمن الجور ان نمتحنه امتحانين في رَحلة واحدة: امتحان الحكم الجاهل، وامتحان المنافس الجاهل: فيضج فينا بصوت المتنبي قائلا:

يااعدل الناس الا في معاملتي:

                  فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ

والصواب:

يا اظلم الناس حتى في معاملتي

                  فيك الخصام وأنت الخصم لاالحكمُ!

ولو علم جدي المتنبي رحمه الله تعالى!، أني عارضتُ بيته الشهير هذا بهكذا تداخل عرضي بديهي، لقال: خلّفتك في آخر زماني لتملأ أول مكاني، فطوبى لما تقول!

 

بقلم- رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

sameh owdaعلى بعد همسة من الشوق، وبالقرب من لهفة الحنين، كانوا هنا، وغادروا كما غيم الربيع، لكن الفرق أن هاماتهم تركت آثارها، فنما الشوقُ على جدار اللغة، هذه هي تجليات القلب حين يعانق القلب، تصمت الشفاه عن الهمس، تاركةً بحراً مائجاً من الظلال الوارفة في سمائنا الملبدة بكل ما هو جميل .. وحزين.

بالأمس حط رحال وفد من الروائيين العرب من المشاركين في ملتقى الرواية العربية الأول، في ربوع قلقيلية، وهم قامات وأقلام لها صولاتها، تؤنس السطور كلما فاضت أحبارها، الوفد الذي صهر الحدود الفاصلة فأتى إلينا عربياً (خالصاً) ..!! زار محافظة قلقيلية، وعايش هموم حياة الموطن الفلسطيني الذي يتجذر في أرضه فيسقيها من فؤاده عرقاً باذخاً، عرقاً رقراقاً .. فتأبى ذرات التراب الحبلى بالحنين .. الا أن تطرح الليمون والجوافا .. وما اشتهت الأنفس .. وألفت الروح.

هنا حيثُ الحدود الفاصلة، قبلةٌ على جذع شجرة المشمش في أرض عبد السلام غرب المدينة..

 وهناك لمسة أنيقة على غصن زيتونة غرسها طفلٌ في مدرسة الصمود بعزون عتمة الباقية..

 أما في خيمة الأسرى، فقد تركوا دمعة حارقة، نعم هي دمعة الروائي السودني "حمور زيادة".

كل هذه الأيقونات الفريدة .. معلقة في سماء قلقيلية على بعد قُبلة تحت الشمس بقليل، أو ما بعد الفضاء اللغوي الذي نعرفه، ربما تكون لغتنا ركيكة إذا ما حاولنا إعادة صياغة مدلولات تلك الزيارة بأبعادها المختلفة، وبتجلياتها الرقيقة، لأنها أكدت أن الملح والماء يصنعان نصراً حتى لو كان بأمعاء خاوية.

المثقف العربي عندما يعايش الحالة بعيدً عن جوهرها، ويلقي بذاته المبدعة بعيداً عن الشعارات الزائفة التي يتداولها الإعلام العربي في السجال الدائر بين (الإسناد، والتطبيع). هنا تسقط كلُ جمل الإنشاء، أمام حقيقة ساطعة، لأنه عندما تكون المواجهة حقيقية بين المحتل والشعب الفلسطيني تتجلى حقائق الوحدة بدلاً من زيف الانقسام.

في الحالة الفلسطينية .. هناك ثابتٌ وحيدٌ هو الوطن الممتد من عهد كنعان إلى عهد هذا الإنسان الصامد منذ ذلك التاريخ وحتى تسع وستين عاماً من الموت.

تسعٌ وستون عاماً من اللجوء لم تغيب الذاكرة الجمعية للشعب الذي أريد له أن يكون خارج المكان مشرداً خلف الحدود الفاصلة.

هذا المكان الممتلئ بقدسية التاريخ وحتمية الانتصار المؤجل .. الكتاب العرب رأوا حقائق شاسعة انتابها بعض الضبابية عندما كانوا هناك، لأنهم لامسوا الحقيقة عن قرب، وأنا على يقين بأن ما عاينوه ولامسوه من حقائق .. سيكون الرد الأمثل على أولئك الذين أبحروا  بعيداً عن مينائنا الأزلي، وذلك من خلال قلائد أدبية أبديه خالدة ، لأن حتمية الحقيقة أبقى من هوائية الشعارات.

ولأننا متيقنون من عدالة ما نصبوا إليه فإن مقولات التطبيع التي ستخرُ واقعة في ساحات السجال اليومي بين الإرادة الشعبية الجامعة، وبين مفردات السياسة التي تأتي بين قوسين (ربح، وخسارة).  وسط هذا السجال هناك حق راسخ وتسع وستون موتاً من النكبة، وأمعاء اقتربت من يومها الثلاثين من الجوع .. تنتظرُ من يمسح حزنها، ويطبب جرحاً أوغل المحتل فيها.

على بعد قبلة .. فاصلة رواية .. ليست رواية الفلسطيني وحده، وإنما هي رواية الكل العربي ضمن المسؤولية الجمعية وما يتبعها من مسؤوليات أخرى إنسانية.

على بعد قبلة .. فاصلة، دهاء يريد للشفاه إلا تلتحم مع الوردة، أنتم هناك في فضاءاتكم ضمن واقع لا يمكن تجاهله، لكنني على ثقة حتمية أن النصر نصنعه معاً رغم الحدود والأسلاك الفاصلة.

في هذه العجالة المستظلة بشذى أزهار الليمون في بيارات قلقيلية، والممزوجة مع مشاعر الأصالة للزائرين (الأهل)، لست أحاول استدرار عطف أحد... إنما هي الكلمات وحدها تنطلق من إحساس لا نعاينه كل يوم. زيارتكم تركت أثرا لا يمحى، وقبلتكم تركت أثارا أعظم من أن تنسى. فإلى اللقاء.

قبلة، وفاصلة ..

 

بقلم : سامح عوده – فلسطين

 

faroq mawasiسألني صديق: البيت التالي (لعله للفرزدق؟) يحيّرني أمره:

ما قالَ (لا) قطّ إلاّ في تشهّدِهِ ***  لولا التشهّدُ كانت لاءَهُ نعمُ

فلربما كان من الواجب أن يُكتَبَ هكذا:

ما قالَ لا قطّ إلاّ في تشهّدِهِ *** لولا التشهّد كانت لاؤهُ نعم

لعلّ ذلك يخفّف من وطأة ما فيهِ من خطأ نحوي.

 وإلاّ فهل لديكم تفسير لهذا اللحن؟

عزيزي، ولك تحية!

 أولاً- البيت للفرزدق، ومنهم من يرويه للحَزين الكِناني أو لداود بن سَلْم، لذلك فإن علامة استفهامك على حق، مع أن الشائع أن القصيدة للفرزدق.

ولكنك لست على حق إذ كتبت (لاؤه نعم ُ) والصواب (لاءَه نعم). لأن (لاء) خبر مقدم منصوب.

وهذا من باب "القلب" في اللغة، فكان المعنى:

لولا الشهادة الأولى ونقول فيها: لا إله إلا الله - لكانت هذه الـ (لا) نعم، وذلك لكثرة كرمه وإيجابه وقبوله وباستمرارية قول (نعم) المتردد عنده، فهو مضطر اضطرارًا لاستخدام (لا) في صلاته.

أما "القلب" فهو تبديل الكلمات واحدة بدل الأخرى، فقد ورد في القرآن الكريم:

{وأولئك الأغلال في أعناقهم}- الرعد، 5،  فالأعناق هي التي تكون في الأغلال ولكنه قَلب هنا.

ومنه قول رؤبة:

ومهمهٍ مغبرّة أرجاؤه ***   كأن لونَ أرضه سماؤه

أي كأن لون سمائه لونُ أرضه، فعكس التشبيه، وحذف المضاف.

ويدخل "القلب" في باب المبالغة.

اسمح لي أن أذكر من شعري ما قلته في هذا الباب:

إذ قام ينزع جسمَه المدفونَ في ثوبِ العذاب

وأتى بعريٍ وانتباه

ينزع (جسمه) بدل (ثوبه)، وهذا من كثرة القهر، والمعاناة.

أرجو أن أكون واضحًا، فقد كان من حق المتلقي أن يسمع الـ (لا) نعمًا لكثرة ما يستجيب هذا الممدوح، فيقول: كانت لاؤه نعمًا - إذا اعتبرناهما اسمين، لكنه قلب مبالغة، فجعل كلمة الـ (نعم) لاءَه (خبر كان).

 القلب في البلاغة هو للمبالغة، و الباحث يجد الكثير منه.

أحب أن أضيف لك أن القصيدة بما فيها البيت- إذا صحت أنها لداود بن سلم، فالمخاطب فيها هو قُثَم بن عباس، وإذا صحت أنها للحزين فالمخاطَب هو عبد الله بن عبد الملك، بل ثمة من رواها لخالد بن يزيد مولى قثم وقد قالها فيه (انظر الأغاني ج 15، ص 263).

جدير بالذكر أن اللغويين لاحظوا الخروج عن الأصل النحوي (الذي سميته أنت لحنًا)، فروى بعضهم البيت هكذا:

لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وبعد،

 أراك يا صديقي ما زلت مصرًا على رأيك، فأين طالعت (كانت لاؤه نعمُ)؟ في أي مصدر جدي؟  اذكر لي اسم كتاب واحد رجاء!

ثم إن (القلب) ليس مصطلحًا معروفًا في كتب البلاغة التي درسناها أو نعرفها، وهو لا يسمى (قلب المعاني) لأن هذا مصطلح آخر في سياق آخر، فقد تعرفت إلى القلب من كتاب (إعراب القرآن الكريم وبيانه، ج6، ص 309) لمحيي الدين الدرويش..

ثم إن الرواية الأخرى (لم ينطق بذاك فم) لا تقلل من شأن، ولا من سيرورة الرواية التي نعرفها، فإذا أنكرها بعض النحويين فلا يعني أنها خطأ أو لحن.

 

ب. فاروق مواسي

aziz alhafedفي العراق اليوم مليون كلمة مكتوبة على الجدران منمقة.. ومسمارية وسريالية وسريانية وهادفة وبضائعية كلها تحمل فكرة من سطرّها فليس اليوم هناك خوف من الرفاق الذين كانت يراقبون كل لحظة..الكتابة على الجدران لإنها.. تؤدي حتى بالهزل والنكتة، الى حبل المشنقة ومجهولية مقر الجثة...

اليوم هناك تيارات هوائية ونسيمات من الحرية النسبية وليعذرني صاحب النظرية النسبية عن قنصي اللغوي... فحتى الحب المكنون والمكتوب يسطره بعض العشاق على الجدران  بكتابة الحروف المسمارية... فلان يحب فلانة... إسمين فقط... مزروعة بلا سقي ولا ري على جدار كونكريتي لمدرسة إبتدائية او على جدار بائس

متهالك.. منحني كتلافيف الاغصان...

 يضحك حتى الجدار على نية وصفاء العاشق... وعندما تركب اي سيارة تجد هذه الكتابات مع اللافتات والاعلانات العشوائية سمة كل محافظات العراق تعبيرا عن مكنونات وخلجات كاتبيها علما كذلك تجد كتابات التهويل والتفزيع من  العذاب والتلويح بالنار والتخويف القاسي بوصايا تحذيرية،مصادرها مجهولة في مكتوبات  منظمة تقريبا في المناطق الشعبية تقرأها وتشعر ببعض الريبة ان ذاك الاسلام السمح والنقي يُستخدم هنا للقصاص مقدما حتى لو لم تبتلٍ بمعصية ما!!

التقطت عيناي من هذا الكمّ الملياري من الكتابات عبارة غريبة الاطوار لم يكن كاتبها يحمل ريشة بارعة وأصباغ متأنية اليراعات..بل مكتوبة على عجل ويالهول مامكتوب!!!

مكتوب إبتسم ياصديقي.... فنحن شهداء المستقبل!!

اي المٍ صياغي.. وإي حزن مجاني... تهبك هذه العبارة وانت تعرف ان الشباب في كل وطن...هم ألق المستقبل وضيائه ونوره الساطع وهم الامل جيلا بعد جيلا للبناء والتطور والتقدم والاحلام ولديمومة الحياة .. ولكن هنا شبابنا العراقي يتعامل بواقعية عظمى مع المستقبل فهو يعي ان مستقبله الشهادة!!

ويطلب من قوافل تنتظر الشهادة ان تبتسم اليوم!!

اي علياء وشهوق وإين هي الكلمات التي أنتقيها لتصف هذا المشهد الصادم المرسوم بلغة الشباب العراقي!!

كل العالم شبابها يعيش اجمل اللحظات في الرياضة يتعلق منهم بالريال والاخر ببرشلونة والاخر يبحث عن علوم وإبداع والاخر يبحث عن فرصة في شركة وووو

ونحن شبابنا مثلهم يحبون الملابس والصرعات والرياضة والتنافس الريالي ـ البرشلوني وصرعات رونالدو وميسي ولكنهم يعرفون ان هذه لحيظات من عمر بائس فداءا للوطن.. يعرفون ان الوطن يحتاجهم كل يوم حتى يتوقف يوما ما... الموت الباسق لشبابنا وهم يقارعون الارهاب....

شباب العراق محطتهم... الرحيل....كيف ترسم الاحزان طريقهم؟ وتفرش لهم نسيم العيش وامل اللحظات الهانئة أقل

تعال ياوطني...

لقد أرتديت  لك لامة حربك.... تعال عانقني قبل ان أودع هيبتك...

تعال هب لي من فيض عليائك... قبضة من شذى نسيم فراقك...

تعال تبسّم لي....فقد أنستنا سحنات قوافل المغادرين... بإرواحهم

رونق   تأطير..البسمة....

تعال أيها الوطن!!!

إحتضنا!!! فإنك لاتبكي كما تفعل أمهاتنا عند اللقاء وعند الوداع!!

 وإنك لاتشهق بنحيب ونشيج.....وشهقات شاهقة باسقة...

كما يجهشن وينتحبن!

 ويصوغ اللؤلؤ من قطرات دموعهن عذابا يكحل مآقينا....

أيها الوطن العزيز......

لايتكلم التراب.... ولا تبتسم الشواهد على القبور...

كم منها أحتواه التراب.. ملتحفا برحيق عشقك ياوطن؟

تعال ياوطني ..أفرش لي  سجادة طريق الشهادة....

 دلني على أرض رحيلي....

 فقد تركت لي الايام...توقيت  رنين الرحيل..

 وتمنى لي بقعة أدفن بها بعض شظايا جسدي...

عل الاحياء منهم يذرف دمعة من جفنه المتقّرح ....

تبسموا....نحن شهداء المستقبل....

شعار حتى الفلسطيني .... وأده ونساه....

وها نحن العراقيون... وهبناه عشق الحياة من جديد

اليست الشهادة هي الحياة؟

 

عزيز الحافظ

 

 

mulehim almalaekaتبدأ أصابعك بالنقر على الطاولة حال سماعك إيقاعاً محبباً، وقد يزداد انسجامك ستنقر بقدمك أيضا، ثم تحرّك كتفك أو يديك في الهواء، إنه رقص بشكله البسيط، ويفعله الناس بمنطقة مشاعر مجهولة، بين العقل والروح، منطقة تتسامى فيها الروح في العشق وفي الشهوة وفي الفرح أو الحزن، فيكون طرباً أو نشوة أو ضحكاً بكاء. وحين يتلو عبد الباسط الآيات المقدسة يخاطب أرواحنا، فتطرب الروح ويقول الجسد أشياء غامضة.

ومن عجب أنّ كل المؤمنين يطربهم صوت قرّاء القرآن المهرة وهم يترنمون بالآيات، فنرى الحشود تتمايل لصوت عبد الباسط وهو يرتل قصار السور أو سورة يوسف، وتتعالى عبارات الاستحسان وتنهال عليه تعبيرا عن نوعٍ من طرب ينتاب الحشود وهم يتمثلون الآيات والسور، بصوت عبد الباسط الرخيم، وهو صوت من طبقة استثنائية يردد " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "، فيسرح خيالهم الى تمثّل الصور خلف الأبواب المغلّقة، وامرأة العزيز ساحرة الحسن وهي تراود يوسف الجميل عن نفسها، وهو يأبى ويتمنع.

هذا الطرب هو لغة الروح، ورجال الدين المتشددون الجدد يرون في الترنم بالقرآن إساءة له، فيما يراه ذوو النوايا الطيبة محاكاة للغة الروح تقرّب نصوص السماء الى طقوس التعبد والوحدانية مع الخالق، وحين يصدح عبد الباسط " قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ" فهو إعلان نسوي أنّ اغراء يوسف لا يقاوم. ما نحن فيه هنا هو هذا الإيقاع الساحر الذي يجعلنا نهز رؤوسنا ، هو ليس خشوعا كما يفسره المتدينون، بل طرباً لحسن سبك لغة الآيات، وطربا لحسن صوت وأداء عبد الباسط.

لغة السماء تخاطب القلب أم تخاطب الروح؟

لغة القرآن عصيّة على أغلب الناس، لكن ترنّم الصوت الجميل ينّسل الى الجسد وهو معدن الروح، ويغزل مع النفس قصيدة غامضة بلغة تطربنا لكننا لا نفقه تفاصيلها، إنّه شعور يقترب من اللذة بأنواعها، فهو لذّة الروح الغريبة وهي تبحث عن طرب لا يريم، وترنّم لا تحدّه تفاسير الظلاميين.

هذا التداخل في السماوي والأرضي هو نفسه سبب رقص الناس، لو جردّنا أي مشهد راقص من الموسيقى ونظرنا بحياد الى حركة الراقصين فلن نملك الا أن نسأل ، لماذا خرج هؤلاء عن وقارهم، وماذا يقولون بهذه الحركات؟

الحركات الايقاعية المنظمة تخاطب مناطق الاستحسان في عقولنا، وهو ما يدفعنا الى التفاعل مع مشاهد الرياضة السويدية الاستعراضية المنظمة، ومشاهد التزلج على الجليد داخل القاعات، وعروض الجمناستك التي ينفذها اليافعون فيتفوقون فيها بشكل مطلق، وهي نفس مناطق الحس الدماغي التي تجعلنا نتذوق عدو الخيول في السباقات، وسير السيارات والدراجات النارية  في سباقات السرعة وهي تنساب حول المنعطفات.

ولا يملك العلماء و المتخصصون أدلة تفسر اعجابنا بتلك الحركات، لكنّ كثيراً من المتخصصين في علم النفس يرون أن عجزنا عن الاتيان بتلك الحركات والتناغم يدفعنا للإعجاب، وهو تفسير يعيدنا الى المربع الأول، فهو يزيد الغموض ولا يسلط الضوء.

فهل الرقص جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

دراسة أمريكية نشرت مؤخراً كشفت أنّ الموسيقى المرافقة للرقص هي سبب الطرب، لأنها تنشّط المنطقة المسماة      the cerebellum في أسفل الفص المخي الخلفي وهو المسؤول عن تنسيق التوقيت بين الحركات، وبالتالي فإن الرقص هو عبارة عن تنسيق عالٍ للحركات حفزته الموسيقى . لكنّ هذا التفسير لا يقدم جوابا عن سبب الطرب وإحساس السعادة الذي يدفع الناس الى الدبكة مثلا أو البريك دانس أو التانغو أو التوست دانس...في الصحراء وفي الجبل يتزاحم الرجال والنسوة على المشاركة في الدبكة واتقان حركاتها وضبط توقيتها، ليظهروا براعة تطرب النفوس، فهل هذا جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

لماذا يرقص الناس؟ سؤال حاولت البروفسورة الأمريكية كيميرر لاموته الأخصائية في الفلسفة الإجابة عنه في كتاب من سبعة فصول حمل نفس الاسم، فذهبت من جملة ما قالت الى أنّ " الرقص تعبير خالٍ من المضمون، تعبيرٌ أجوف، فهو ليس سيئا ولا جيداً، ليس مفيدا ولا ضار، هو وصف يفتقر الى باراديام يصنفه ويصفه، لا روح في الرقص، فالرقص هو الروح، ولا توجد طريقة محددة واحدة تقنّونه"، وتجعله نمطا يقبله الجميع كجزء من حياتهم، لكنّ الجميع يعرفون أنه" رقص" حال أن تبدأ الأجساد بالتمايل تجاوبا مع أيقاع أو نغم أو وتر يخاطب القلب... هل هو القلب أم الروح أم العقل؟  

 

ملهم الملائكة

 

... حوّاء سيدة نصف انهت العقد الرابح من عمرها إلّا أنّها تبدو شديدة الذكاء حادّة الدّهاء... جلست بالقرب من منزلها الصغير وصوّبت نظرها حول الغدير تُحدّقُ بعينيها الزرقاوين إلى الآفاق البعيدة وكأنها تريد أن تستخلص من وراء هذا الوجود جوهر الحياة وتفاصيلها منذ أمدٍ بعيد وكيف انتشرت الأُمم والخلائق في رحاب هذا الكون الجليل...

انحنيتُ حول هذه السيدة وتأمّلتُ فيها مليّا وإذا بها لغز مبهم في هذا العالم المترامي الأطراف... وبادرتُها رغبة في الاطّلاع عما يكنّه فؤادها المهموم ثم همستُ في أُذنيها وكأنّي أريد أن أوقف هذا الزورق المتمرّد الذي خاض بأعماق الوجود فذهِلت وراحت تغور بأعماقه وحيدة نائية.

هكذا اقتربتُ من السيّدة حوّاء وبادرتُها قائلة ً: "ما أجمل الحياة يا أُختاه... أرى الرّخاء قد أسدل عواطفهُ فعمّتنا بهجة ٌ... انظري الى الدنيا وقد أصبح فيها كلّ شيء ممكنا... ألا تريّنَ هذا التقدّم والازدهار الذي جعل منها أجمل كوكب في الوُجود... أرأيتِ هذه الاجهزة التي جعلت لنا من أبعد الآفاق مخطوطة تتناولُها أيدينا في أقلّ من دقيقة أو ثانية... فهذا جهاز فاكس وذاك كمبيوتر وناهيك عن تلك الرحلات الناقلة المُسمّاة بالأنترنات وهي سيّدة أجهزة العصر والحداثة... فهي تُغنيك عن الموسوعة والكتاب وتفصل لك أعسر الأمور في أدقّ اللّحظات... انظري يا حوّاء ما أسعد حظّنا في الحياة وما أجمل هذه الدنيا التي باتت بأغوارها وبحارها ومحيطاتها وسُهولها وجبالها وجميع قياساتها وأبعادها وما تحملُه من أثقال ومخلوقات وأسرار هذه الأثقال والمخلوقات... انظري كيف غدى كلّ هذا ينحصرُ بين جوانب هذا الجهاز الصغير... وكيف تسنّى لنا تصفّح هذه الحياة بجميع ما فيها منذ أمدٍ بعيد... هلمّي معي يا أختاه فليس بقاؤكِ على طرف هذا الوادي بالأمر الهيّن فإنّ وجودك هنا يُعبّرُ عن قصص الغابرين والأسلاف... أما الآن فيحقّ لكِ الجلوس على الكرسيّ لتضعي اناملكِ على أزرار صغيرة فتخرج أمامك مذاهب العلوم والفنون والتاريخ والآداب والفلسفة والطّبّ والرياضيات على جميع موازينها وأبعادها... هيّا غادري هذا المكان الخالي وهذه المروج الخضراء وهلمّي الى حياة أفضل... لنقطع هذا الجسر العسير وندخل مهرجان الدنيا من باب فسيح..." هكذا كنتُ أقضي معها الساعات يوما بعد يوم رغبة ً في فكّ العقيدة التي رسخت بأفكارها ولمّت بمشاعرها... وكنتُ اجتهدُ قـُصارى جهدي علّني أٌفلحُ استقلاليّة صديقتي الغالية والابتعاد بها عن هذا السكون الحادّ والوحدة القاطعة والمملّة... إلّا أنها اجمعت ما في وسعها من مقدرة ثمّ أومأت لي بالجلوس والإصغاء اليها وبادرتني قائلة ً: "أما راعك هذا الزمان ونحن نودّع أوفى صديق وأعزّ رفيق... إنّ ما أشرتِ إليه منذ سُويعات قد ملأ قلبي حزنا وجعل الأسف يتسلّل الى جوارحي فبتُّ أرى ما تصفينه من حضارة وازدهار كأنما هو حميم بركان فاض ليمحق كلّ جميل ورائع من ذخائر وكنوز علميّة كان قد ذخرها لنا الأوّلون من أمجاد العرب والفرس وغيرهم... أتدري ونحن نستقبل هذا التيار الجارف لمعنويّات جدّ عالية فملأ فراغ حياتنا بوجوده... وحلّ ليملأ بيوتنا ويستولي على قلوبنا وعقولنا وتسبّب في رحيل الرفيق الأمين والصديق الوفيّ... أتدري من هو...؟ إنه الكتاب... الصديق الذي لا يخون ولا يعرف الخيانة والغدر أبدًا...

_تمت_                 

 

نصيرة بحورة

 

 

oday albaldawiأبا قلمي ..

أبا آمالي ..

أبتي ..

يا صديق عمرٍ بكامله..

جئت أبتهلُ الى حلمكَ وصبركَ وعفة كلماتكَ وطهر الحبر في شرايين قلمك وانت تبلغ السبعين، في زمنٍ تلوثت أنفاسه ومسَّه (طائفٌ من الشيطان) (1) فهوى ولم يتعظ من كل سنواته التي خلت، فتعثرت حياتنا فيه وعثّرنا بوطنٍ (يبقى الأديب به) (2) غريباً يلازمه الإحساس النابض بالمسؤولية تجاه مجتمعه وبلده وأدبه، فكان منه أن حدّثتك النفس قائلة ــــ وقد غزاك المشيب : كيف أعددت للجهاد الكفائي ــــ فأجبتها: إن (بين الضلوع نبض شبابٍ في سويدائه ربيع إبائي) (3)..

في صباي وانا أتنقل بين رفوف مكتبتك وأستمع الى مقالاتك، كنتُ أتساءل عن معنى الطود، حتى كبرتُ ورأيتك تنأى عن عمودٍ أعدّوه لك في صحف النظام بعدما قرأوا لك في جريدة العراق، ولكن المبدئية شخصت فيك فاعتزلت النشر والتزمت الصمت وفيك ينبوع أدب كاد يُبدي بك لولا مجالس بغداد الثقافية التي تهيأت لتسكب فيها فيضك محاضراً ومناقشاً، وآليت إن لا تفرط بلقبك (البلداوي) في أجواء كانوا يبغضونه فيها، فما راعك ذلك، وبقيت تكتب بلقبك هذا في مجلة (الكوثر) التي كانت محط أنظار أجهزة الأمن ..

 ولما بدأ عهدٌ جديد كنت لا تزال فيه غريباً، حتى الحَّ عليك أرقكَ المقفى (4) فاستنهضت الحرف وكتبت للوطن قوافيك مجاهداً بيراعك تحملُ بأس الشباب في عامك السبعين، فاسمح لي يا سيدي أن أقول فيك ما قاله عبد الرزاق عبد الواحد في الجواهري :

علمتني مذ شراييني برت قلمي

كيف الأديب يلاقي موته حرِبا

وكيف يجعل من أعصابه نذرا حينا

وحـينا نـذورا كـلما وجـبا..

 

عدي عدنان البلداوي

.................................

1- آية (201) سورة الأعراف

2-  من قصيدة (شيخ شعري) للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

3-  من قصيدة (سألتني) للشاعر عدنان عبد النبي البلداوي

4-  إشارة الى المجموعة الشعرية (الأرق المقفى)

 

nabil ahmadalamirتوجد في كل مجتمع شريحة اجتماعية متمييزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وايجاباً وقد تأخذ بعضها مواقع ريادية في رسم هوية وشخصية ذلك المجتمع بشكل جماعي .

وفي المقابل تتحمل هذه الشريحة مسؤلية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بث الوعي داخل صفوفه وممارسة النقد البناء والايجابي للافكار والثقافات الاجتماعية والسياسية وغيرها، وتبني قضاياه وتحديد اولوياته .

وهؤلاء النخبة هم من يُعرفون في اوساط مجتمعاتهم بــ (المثقفين) .

وفي اغلب مجتمعاتنا العربية والاسلامية تعيش هذه النخب حالة من الانعزال والانكماش والتقوقع من خلال شعورها بالتهميش والتغييب والالغاء، وعدم الاهتمام والتفاعل من باقي شرائح المجتمع، مما يعطلها ولا يفسح لها المجال للقيام بمهامها الملقات على عاتقها .

وفي المقابل تكثر الشكوى من ابناء مجتمعاتها من غيابها وعدم تفاعلها واللامبالاة التي تعيشها هذه النخب بانكفافها على ذاتها واهتمامها بشأنها الداخلي وتخليها وتماسكها ونظرتها الفوقية التي تفوت عليها دورها الحقيقي في الوسط الاجتماعي . بل ان الكثير من ابناء المجتمع يتهم هذه النخب بالانحراف (الفكري) وتبني افكار وعقائد فاسدة .

ونحن ما بين شكوى المثقف وما يقابلها لدينا حقيقة ثابتة على ارض الواقع وهي قيام أغلب الحكومات العربية والإسلامية بتعطيل هذه الشريحة المهمة عن القيام بمهامها وتبوء موقعها الريادي في داخل مجتمعاتها سواء كان ذلك ناتج عن غيابها خوفاً او تغييبها قصراً .

ولكن بقدر ما تمثله هذه النتيجة من حقيقة في الواقع العملي الا انها وفي بعض جوانبها تحتاج الى بيان وتوضيح لكشف بعض الملابسات غير الواقعية التي احاطت بها سواء كانت من جانب المثقف او المجتمع او الحكومات وأصحاب القرار .

غير ان العنصر الاهم في غربة المثقف هو المكونات الثقافية التي تغير ثقافة الافراد، فما يحمله المثقف من ثقافة عالية تجعله يشعر بالغربة الحقيقية لانها تتعارض في أغلب الاحيان مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه، فللمثقف رؤية وقراءة مجتمعية لايستطيع الجميع قرائتها مثله، وعندما نغوص في عمق الازمة نجد ان غربة المثقف هي تجليات لمرجعية ثقافية مهزوزة قد يتبعها البعض، فالمثقف العربي الإسلامي لم يفرغ لحد الان من تشكيل مرجعيته الثقافية بصورة واضحة وصريحة والتي في ضوئها ينبغي له ان يمارس نشاطه في دائرة الواقع، فالمرجعية الثقافية ينبغي ان تُبنى على اساس صحيح، وتتكون من مقولات وأفعال تعكس رؤية حقيقية للقيم والمبادئ المجتمعية والدينية، وتشخيص حدود الهوية الثقافية .

اما الجانب الاخر من المعادلة وهو المجتمع فلابد له من فسح المجال للمثقف من القيام بدوره المطلوب من خلال التخلّي بقدر الامكان عن ثقافة الرفض التي توجد حياته الثقافية، حيث لازال المجتمع ينظر ان سعي المثقف في طرح أفكاره في كتاباته ولقائاته للوصول لحالة الكمال النموذجية، ماهي إلاّ خطوات مدفوعة الثمن من ذاك السياسي او تلك الحكومة .. خصوصاً أننا نجد إن أغلب المجتمعات العربية والإسلامية تعتبر ان سلطاتها الحاكمة هي سلطات غير سرعية لانها لاتمثل العدالة الاجتماعية في مجتمعاتها، لكن تبقى الثقافة الحقيقية ثقافة لا تُباع ولا تُشترى، رغم وجود بعض المتملقين من أشباه المثقفين للتربّح من إمكاناتهم لصالح آخرين .

وهنا اود أن اُسجّل ان المثقف ليس بالضرورة ان يكون اكاديمي، كما ينظر المجتمع لهذه الثنائية اليوم .. رغم انه يمكن ان نقترب اكثر من هذه الفكرة عندما نقول ان حملت الشهادات الاكاديمية هم اكثر من غيرهم مؤهلين (لما يحملون من مستوى علمي في مجال اختصاصاتهم) لان ينتموا لهذه الشريحة الاجتماعية المميزة، ولكن المثقف وكما يصفه احد الباحثين هو من توفرت لديه ثلاث عناصر رئيسية وهي (المعرفة) و (الوعي) و(الموقف)، في منظومته الثقافية والإجتماعية .

كما ان الثقافة لا ترتبط بتخصص معين يجب عليك دراسته ومعرفته لتصبح مثقفا .

ولتصبح مثقفا عليك أن تكون قادرا على التناقش والتحاور في كل جوانب الحياة المختلفة، كما يجب أن تكون مرناً واسع الصدر والعقل لتستطيع التواصل مع الناس باختلاف أنواعهم وطباعهم، وقدرة التحاور سعة الصدر والعقل لايرتبط بمستوى تعليمي معين ودرجة جامعية محددة، فالكثير ممن يحملون الدرجات لايستطيعون التواصل والتحاور مع الآخرين والعكس صحيح أيضاً .

فالإنسان المثقف هو الانسان الذي خضع لعملية ما ساهمت في تعزيز قدرته العقلية على العمل بفعالية في حالات مألوفة وجديدة في الحياة الشخصية والفكرية . ومن أجل العمل بفعالية في مثل هذه الحالات يحتاج المرء للحصول على معلومات عامة (المعرفة)، وقدرات تفكير عامة، خصوصاً المعلومات المعنية ببناء المعرفة ونقد المعرفة، وقدرات لغوية عامة لازمة للاتصال بشكل واضح ودقيق، وفعال للأغراض المعرفية، والقدرة على التعلم المستقل، بما في ذلك القدرة على الانخراط في وسائل عقلانية للتحقيق، وقبل كل شيء الارادة العقلية التي تحقق كل ماذكر من قبل .

فكلمة الثقافة كثيراً ما تتطرق على أذهاننا ولكن لم نحدد معناها الأصلي، فهي كلمة لاتينية تعني زراعة الأرض، وفي اللغة العربية تعني التمكن من إدراك كافة العلوم المختلفة في مختلف جوانب الحياة . وبعد استعراض مفهوم الثقافة ومفهوم الشخص المثقف ربما نجد أن الأمر صعبا ليكون الانسان مثقفاً، لكن متابعة أحداث العالم وثقافاته وتحليلات المختصين في كل الإختصاصات، تجعل عقلك أكثر مرونة واتساعا لما يحدث وتصبح أكثر قدرة على التواصل والتحاور مع الآخرين في الكثير من الأمور، كما ان حضور الندوات والمؤتمرات المختلفة يزيد من ثقافة الفرد، ويفضل أن تنوّع من الندوات وأن تتضمن الندوات مختلف أمور الحياة لكي تكتسب معلومات مختلفة بشكل سهل وبسيط، كما ان استخدام التكنولوجيا الحديثة (الانترنت) بشكل مفيد يمكن ان يعطي الباحث معلومات كثيرة وكبيرة وقيّمة دون تعب كبير، حيث  البحث عن مواقع مفيدة في مختلف الأمور .

لكن يبقى التواصل مع الناس والدخول الى عقولهم ومناقشة أفكارهم ومساعدتهم على تطوريها هو المحك الحقيقي للمثقف الذي يسعى لرقي مجتمعه، فالسؤال عن كل شيئ ومحاولة فهم كل شيئ هو المفتاح الحقيقي لفتح باب الثقافة بالمجتمع، لمعرفه قيمة المعلومة وتصنيفها بين التافه والمهم .

وللموضوع بقية . . .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

ali mohamadalyousifيقال والعهدة على القائل حين عين طه حسين عميد الادب العربي وزيرا للمعارف في مصر عن حزب الوفد خرجت تظاهرة تضم غوغاء من الطلبة والمتزمتين يهتفون للجهل والتخلف بعد اعلان مبدئه الشهير الذي لم يفارق كرسي الوزارة الا بعد ان اصبح قانونا تشريعيا في مصر بان التعليم حاجة اساسية للانسان كمثل حاجته للهواء والماء. كانوا يهتفون وهو جالس في مكتبه بالوزارة يسمعهم: (اخرجوا الاعمى من الوزارة.. اطردوا الزنديق!!) فقال لسكرتيره الخاص فريد شحاته خذ يدي إلى الشرفة (البلكونة) المطلة على جمع المتظاهرين... خرج اليهم فسكتوا وانصتوا لما سيقول الوزير الاعمي، فبادرهم بهدوء: (ليس لدي ما اناقش به جهلة متخلفين لكني احمد الله الذي جعلني اعمى كي لا ارى وجوهكم القبيحة) وعاد وجلس وراء مكتبه. ولم ير طه حسين وهو البصير في شعر المتنبي عبقرية، ومن كتابه (مع المتنبي) نختار هذه النتف اذ يقول: اما المتنبي فقد نشأ شعره في العراق وحاول ان ينهج في الشام فأدركه البطء، ودب اليه كثير من الفساد، وظهر فيه تكلف يمقته الذوق العربي الفصيح، وكذلك كان استقباله المتنبي شبابه في الشام مصدرا لكثير من الضعف الذي ألّم بشعره هو، ثم بشعر الذين قلدوه، ان البيئة المصرية تالدة لا طارفة، ولم تكن عارضة ولا طارئة، وانها لاتزال بزوال امير، كما حدث في الشام_ يقصد الامير سيف الدولة الحمداني في حلب _ ولست اغلو ان قلت ان شعر المتنبي في مصر اقل سقطا من شعره في حلب_ الحقيقة ان شعر المتنبي في مدح كافور الاخشيدي سلطان مصر انذاك هو شعر متكلف لايرقى ولا افضل من شعر التنبي في (السيفيات) التي نظمها وقالها في مدح سيف الدولة الحمداني . وذهبت ادراج الريح صيحة المتنبي الخالدة :

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي       واسمعت كلماتي من به صمم

من نافل القول ان اخر زلة لسان تلفظ بها شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري في مذكراته بجزئين بمنفاه الاختياري بدمشق اواخر حياته قائلا ان شعري افضل من شعر المتنبي!؟

وفي مقابلة مع طه حسين اجرتها معه (المجلة الجديدة) عام 1938 قال مجيبا سائله: اذا كنت ترمي الى ان مصر مستعدة للمساهمة في الوحدة العربية او القومية فانت على خطأ، فالمصري مصري قبل كل شيء، وهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف .الوحدة العربية كما يفهمها ذووها يجب ان تتحقق بشكل امبراطورية جامعة او اتحاد مشابه للاتحاد الامريكي او السويسري ونحن لانرضى بهذا او ذاك، ولا نصدق ما يقوله بعض المصريين من انهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم .ومصر اليوم هي مصر الامس لم تغير فرعونيتها، مصر لا تدخل في وحدة عربية. (1)

 

...................

هامش:

(1) نقلا عن محمد علي الكبسي، تقلا عن كتاب غالي شكري، سلامة موسى ص 217-218 -1967 .

 

ibrahim ohseenقد نقبل - تجاوزا وبحذر شديد - أن يكون في حقل الإبداع الإنساني عموما، والأدبي خصوصا، كبير وصغير؛ أو بتوصيف آخر، محترف ومبتدئ. لكننا على العكس تماما، نرفض رفضا باتا وصاية هذا "المحترف" أو ذاك "الكبير" على أي مبتدئ، كما نرفض استتباعه بأي شكل من أشكال الطاعة والولاء، كيفما كانت سرعة هذا المبتدئ وقوة بداياته وانطلاقته في مضمار الإبداع الإنساني بأنواعه.

من بداهة القول التأكيد على حقيقة تشعب وتفرع وتنوع طرق الإبداع في شقه الأدبي، نثرا كان أو شعرا؛ فيكون من الطبيعي إذن أن يشق كل ذي قلم الطريق المناسب لميولاته الذاتية، ويختطَّ لنفسه الصيغة والنهج اللذين يناسبانه ثقافيا واجتماعيا وأيديولوجيا، بما يضمن له تأطير كتابته ضمن سياقات محددة ومفهومة أمام القارئ. لكن، لا يسع الكاتب أن يبلغ مرحلة "النضج" الأدبي، واحتراف لغة "الكبار" _ إن صح التعبير إلا بعد قطعه بلا شك مرحلة "الطفولة" و"المراهقة" الفكريتين، حيث لايزال الكاتب في مراحله الأولى من استكشاف عالم القلم والأوراق البيضاء، والاستعلام عما يمكن للقلم أن يخُطَّه من شعر ونثر. مازال في بدايات قراءاته الطفولية لشعر «نزار قباني» و«نازك الملائكة»، وروايات « أغاثا كريستي» و« نجيب الكيلاني »؛ ولم يبرح بعدُ ساحَ بدايات ترصيف الكلام وتنضيد المعاني وشطب الفكرة وتعويضها بأخرى؛ أما تمزيق الأوراق فظاهرة لم يسلم منها أي كاتب مهما بلغ حجمه وذاع صيته. يمكننا الدمغ إذن بأصابعنا العشرة على مجمل ما قيل، وتشبيه الإبداع بكرة ثلج، تزداد سرعةً وحجماً كلما مضى زمن على تدحرجها في منحدر ما، لتبلغ أقصى ما يمكنها بلوغه نهاية السفح المائل، حيث ترتطم بالسطح المستوي، هنا فقط تبلغ كمالها الأقصى ويتوقف كل شيء. فعلامَ هذا الكلام كله؟

وأنا أطالع بعض ما يُكتب على صفحات الإنترنت من تقارير لجان التحكيم في العديد من المسابقات الأدبية، يسوؤني حقيقة ما يقدمه بعض الذين يحسبون أنفسهم من كبار الأدباء والشعراء من ملاحظات عامة على إنتاجية بعض المبتدئين في ميدان الكتابة، معتبرين إياهم عالة على الإبداع، بل ووصمة عار على جبينه ، وهنا أتذكر موقف أحد المشاركين في مسابقة "أمير الشعراء" الإماراتية، حين انتهره الناقد المصري « صلاح فضل» بقوله: "من قال لك أنك شاعر؟!"؛ ومثل هذا الحكم يقترب كثيرا من سابقه المتوغل في الماضي، حيث أوردت بعض كتب الأخبار أن النحوي البصري « أبو عثمان المازني » سمع مقاطع من أحد المبتدئين في تقريض الشعر، فرد عليه « المازني» قائلا: " الحمد لله أن أخرجته من جوفك، فلو تركته لقتلك!!" . فما عساه يا تُرى يكون إحساس من يُقصف بهذه اللغة وبمثلها أمام الملأ؟ وما عساه يكون مستقبل هذا الذي يتلقى من الشحنات السلبية ومن العبارات الهدَامة ما يجعل الجبال الراسيات تستحيل غبارا متطايرا؟

لست الآن طبعا في مقام تقديم إجابات، فالأجوبة تبدو واضحة ولا تحتاج لكثير تفصيل، ولست أرى ناجيا من عقابيل تلك التساؤلات ومن تداعياتها إلا مُستثنىً تولاه الله بعناية خاصة؛ ولقد صدق « شوقي» حين قال:

قُـــــــوّةُ الله إِنْ تَوَلَّتْ ضعيفـــــــــــــًـــــــا /// تَعِبَـــــــــــــــــتْ في مِراسِهِ الأقويـــَــــــــــــاءُ                  

في مستهل القرن العشرين، عزم شاعر ألماني شاب لم يبلغ ربيعه العشرين بعد، يُدعى « فرانتز كابوس»، على إرسال شعره إلى الشاعر المعروف وقتئذ « راينر ماريا ريلكه»، سائلا إياه النصح والرأي في قصائده، وهل بإمكانه مواصلة الكتابة أو التوقف تماما عن حمل القلم. فكانت المفاجأة أن يتلقى الشاعر المبتدئ ردا من العظيم «ريلكه» قال فيه: " ( ...) لقد أعدت – مثلما تلاحظ – كتابة  رباعيتك، لأنني وجدتها جميلة وبسيطة، ووليدة شكل تنامت فيه بانضباط أخلاقي هادئ. إنها أفضل أبيات لك، تمكنت من قراءتها، وإني أسلمك الآن هذه النسخة، لأني أعرف جيدا أنه أمر مهم وتجربة جديدة، أن يجد المرء عمله الخاص مكتوبا بيد غريبة. اقرأ هذه الأبيات كما لو إنها ليست لك، وستشعر من أعماقك كم أنها أبياتك أنت. لقد كانت قراءة هذه الرباعية ورسالتك سعادة لي، فشكرا على هذه وعلى تلك."؛ ولنا أن نتأمل هذا الرد مقارنة بسابقيه، ومدى الأثر النفسي الإيجابي الذي سينبعث في نفس « كابوس» الصغير، خاصة إذا تمت إعادة كتابة مقطع من قصيدته بقلم شاعر بحجم «ريلكه» !!. وغير بعيد عن هذا النهج والمستوى الرفيع من الخطاب والتواصل، ساهم العديد من "كبار" الأدب في إسداء النصح للمبتدئين وفي تشجيع الجيل الناشئ على الاحتكاك بالكتابة؛ أمثال « تولستوي» و« تشيخوف» و«غوركي» و« والت وايتمان» و« طه حسين» و«ميخائيل نعيمة» .. وآخرون بلغوا من الكبر الأدبي عتيا- بمعيار جائزة نوبل _  البيروفي « ماريو فارغاس يوسا» في رسائله الشهيرة إلى روائي شاب، حيث كان يردد عبارته :" كونوا وحيدين ولا تصدقوا الإطراء !"، بعيدا عن كل خطاب تقزيمي وأحكام تبخيسية قاتلة وعبارات الاحتقار والاستهزاء.

لاشك أن الكتابة الإبداعية الرصينة مرتهنة باستيفاء شروط عامة، تجعلها مقبولة التصنيف في حقول الأدب المختلفة؛ ولا شك أن الرداءة والركاكة و"الشخبطة" سرطانات بدأت تنخر جسد الإبداع الأدبي من أعلاه إلى أسفله، وذلك مردُّهُ لعوامل شتى يحتاج بسطها لمقام آخر؛ ومن المؤكد أن كل أديب بدأ يخطو خطواته الأولى في درب الكتابة الطويل والشاق، يحتاج لمن يدله على ما استُغلق أمامه من أبواب تستدعي أقفالها مفاتيح خاصة. فلكل لعبة قواعد خاصة وخارطة ينبغي اتباعها، وما الأدب بمعزل عن تلك القواعد، بالرغم مما يتيحه من فسحة منداحة من الحرية والاستقلالية. لكننا نؤكد على ضرورة مخاطبة الأجيال الناشئة بلغة محقونة بجرعات كبيرة من التشجيع ومن التفاؤل ومن تذليل الصعاب، كي لا نخسر المبدع بقتله مرتين _ كما كان « بيسمارك» يدعو جنوده الألمان بشأن الجنود الرُّوس _، أولا بإلقاء مسودات حروفه في أقرب قمامة على أنها لا تستحق القراءة ؛ ثانيا بدعوة هذا الناشئ باحتراف شيء آخر غير الكتابة . هنا يتناسى أديبنا "العظيم" أنه ذات يوم كان يقضي الساعات الطوال جالسا على أعتاب بيوت "الكبار" يستجدي قراءة عمله وتلقي ما يرضيه من ملاحظات!!

قد يغتر بعض الكتاب بإصدار مؤلف أو مؤلفين، وبتداول أسمائهم على إعلانات بعض الأماسي الأدبية هنا وهناك. كما يمكن للعُجْبِ أن يُساوره بلقاء إذاعي أو تلفزي، معتبرا نفسه قد ملأ الدنيا وشغل الناس، لكنه ومع ذلك، يفترض به النأي عن لغة الأبراج العاجية المتعالية، خصوصا إزاء مبتدئ يتلمس حظوظه الأولى مع الكتابة ؛ ومهما بلغ امرؤٌ منا درجة من درجات الكمال،فالتمام لا يعقبه سوى النقصان، والكمال نفسه - بتعبير الفرنسي «بليز باسكال» - لا يخلو من عيوب .

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 .

faroq mawasiنَجْد-  معنى اللفظة مرتفع، وسميت بها تلك البلاد التي  ترتفع عن تِهامة في الجزيرة العربية.

ما أكثر الشعر الذي قيل في نجد وربوعها، من محبّ لها أو محب فيها،  وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان، ج 5، ص 262):

"ولم يذكر الشعراء موضعًا أكثر مما ذكروا نجدًا وتشوّقوا إليها..."

فمن الشعر  الجميل أذكر ما قاله الصِّمَّة بن عبد الله القُشَيري، وقد رأى التبريزي بذوقه أن "هذه الأبيات أشهر ما يُحفظ من النسيب الجزل الفخم المعنى البديع ديباجة وحسنًا"- الحماسة (شرح التبريزي، ص 54).

يقول الشاعر في قصيدته العينية:

قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحمَى *** وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا

 الشاعر يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه، وتوديع كل من ينزل بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتًا: ويقل لنجد وساكنه التوديع منا، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لا نقدرعلى غيره.

صحيح أن هذا الشرح أورده المرزوقي وكذلك التبريزي في شرح القصيدة الواردة في الحماسة (ج2، ص 54)، إلا أنني أرى المعنى -مع تقديري للعالِمين العلَمين- بصورة أخرى:

ففي قوله "قل لنجد عندنا أن يودع"، يعني قليلاً ما يودّع،  قلّ التوديع لنجد لأن الساكن فيه يحبه ويبقى فيه لجماله وخصبه وأسباب الحياة فيه، ولكنه يودعه اليوم بعد أن حال أبو حبيبته ريا بينها وبين الشاعر وحبه لها، حيث يخاطب نفسه في مطلع القصيدة:

حننتَ إلى ريّا ونفسُك باعدت ***  مزارَك من ريا وشَعباكما معا

إنه يعترف بأنه يحنّ إلى ريا، ويندم لأنه اختار الفراق والبُعد بعد أن كان حيّه وحيُّها مجتمعين.

فهل تُودّع نجد- هذه الربوع الجميلة التي يصفها الشاعر ويقول:

بنفسيَ تلك الأرض ما أطيبَ الربا *** وما أحسنَ المصطافَ والمتربعا

فثمة الربا الطيبة وأمكنة لقضاء الصيف والربيع فهو يفديها بنفسه لحسنها.

..

مما استوقفني من الشعر الحسّي هذا البيت من القصيدة:

بكتْ عينيَ اليُسرَى فلمَّا زجرتُها *** عن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا

كان بكاء العين الأولى قد جرى عندما هاجت مسبّبات الشوق، وعندما رأى مشارف نجد وجبل البِشر، فحاول أن يمنع عينه من البكاء، ولكن بدلاً من انقطاع بكائها نرى العين الثانية تستجيب لبكاء أختها، فيكون البكاء والندم.

...

ولا يستطيع القارئ إلا أن يتخيل هذا المشهد التالي:

تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني ***  وجِعت من الإصغاءِ لِيتًا وأخْدَعا

ها هو عند الفراق صار يلتفت نحو المحبوبة وجِهتها حتى وجد نفسه وقد وجع لِـيتُه (صفحة العنق) والأخدع – عرق في العنق، وذلك بسبب دوام التفاته تحسرًا في أثر الحبيبة وديارها.

...

من الشعراء الذي كلِفوا بنجد عبد الله بن أحمد الخازن:

حُثَّ المَطِيَّ فهذه نجد ***  بلغ المدى وتزايد الوجدُ

يا حبذا نجدٌ وساكنُها ***  لو كان ينفع حبذا نجد

وهذا التركيب جديد فيه إبداع – "لو كان ينفع حبذا نجد".

..

لكن عبد الله بن الدُّمَينَة اشتهر بقصيدته الرائعة:

 ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجد ***  لقد زادني مَسراكِ وجدًا على وجدِ

أأن هتفت ورقاءُ في رونق الضحى *** على فَنن غضِّ النبات من الرَّند

بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم تكن *** جليدًا وأبديتَ الذي لم تكن تُبدي

وقد زعموا أن المحب إذا دنا ***  يَملُّ وَأنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الْوَجْدِ

بَكُلٍّ تدَاوَيْنَا فلمْ يُشْفَ ما بِنَا *** على أنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ

على أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ ليسَ بِنافِعٍ ***  إذا كان مَنْ تَهْواهُ ليس بِذي وُدِّ

وهذه القصيدة نُسبت أيضًا إلى مجنون ليلى (ديوان مجنون ليلى، ص 112)، وفي البيت الثاني في الديوان (أأن)- الهمزة الأولى استفهامية والثانية بداية حرف مصدري= أن، والتقدير (ألِهتاف ورقاء بكيت)، فالجملة هنا ليست شرطية، بل هي استفهامية إنكارية، وهذا رأيي، وقد كان خلاف بيني وبين أستاذ للغة فيها.

بينما النص ورد  في مصادر كثيرة على أنه لابن الدمينة – مثلاً في (الأغاني، ج17، ص 109- دار الفكر، وفيه النص:

أإن هتفت...(بالشرطية)، وإملاؤها كما أرى: أئن، مثل لئن، فالكسرة أقوى الحركات.

من الطريف أن الأصفهاني يحدثنا عن العباس بن الأحنف،:

"قال يحيى... كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئًا يستحسنه أطرفني به، وأفعل مثله، فجاءني يومًا، وأنشد لابن الدمينة الأبيات، ثم ترنّح ساعة، وترجّح أخرى، ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا!

فقلت: لا، ارفق بنفسك" ن.م

إذا كان ثمة اختلاف هنا في نسبة القصيدة إلى المجنون فإن له  قصائد أخرى ذكر فيها نجدًا، فقد ورد في الأغاني (ج2، ص 24)

"يقول قيس أخرجوني لعلني أتنسّم صَبا نجد، فيخرجونه، فيتوجهون به نحو نجد، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئتَ الأجر دنوتَ منه فأخبرته أنك أقبلتَ من نجد، فدنوتُ منه، وأقبلوا عليه، فقالوا له: يا أبا المَهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفُّسة ظننت أن كبِده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد وموضع موضع، وأنا أخبره، وهو يبكي أحرَّ بكاء وأوجعَه للقلب، ثم أنشأ يقول:

 ألا ليت شعري عن عُوارَضَتَيْ قَنًا *** لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي

وعن عُلُوِيّات الرياح أذا جرت *** بريح الخُزامى هل تهبّ على نجد

ومن شعر المجنون كذلك نجد هذا الشوق العارم:

باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ *** وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ

فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها *** ودُموعُ عَيْني أَقْرحتْ خَدِّي

وبساكني نجد كلِفتُ وما *** يُغني لهم كَلَفي ولا وجدي

..

نختم القول عن نجد بما قاله أعرابي:

أكرر طرفي نحو نجد وإنني *** إليه وإن لم يدرك الطرفُ أنظرُ

حنينًا إلى أرض كأن ترابَها *** إذا مُطِرت عودٌ ومِسك وعنبر

بلاد كأن الأقحُوان بروضة *** ونَور الأقاحي وشيُ بُرد مُحبّـرُ

 أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي *** خيامٌ بنجد دونها الطرفُ يقصر

 وما نظري من نحو نجد بنافعي *** أجل لا ، ولكني إلى ذاك أنظر

وهناك مقطوعات أخرى أثبتها ياقوت في مادة "نجد"- في (معجم البلدان)، كما قرأت في ختام جولتي  البحثية هذه أن هناك كتابًا صدر في ثلاثة مجلدات، هو:

خالد بن محمد الخنين: (نجد وأصداء مفاتنها في الشعر)- ذكر فيه كل شعر فصيح ورد فيه اسم نجد، ويؤسفني أنه ليس في متناول يدي.

 

ب. فاروق مواسي

 

asmaa mohamadmustafaـ لاتظن نفسك مثقفا او أنّ لشهادتك العلمية قيمة إن لم تكن يقظا حساسا الى درجة مراعاتك أمورا دقيقة في التعامل او الكلام او الكتابة قد لاينتبه اليها غيرك . الرُقي طريقة تفكير لايمتلكها بعض من يحسبون أنفسهم مثقفين او أصحاب شهادات علمية .. الرُقي أسلوب حياة وكلام يؤثر في الآخر كي يغيره نحو الافضل وليس لزيادة مساحة الجهل والكراهية والسخرية من الغير .. الرُقي شهادة تمنحها جامعة الحياة لمستحقيها فقط .

***

ـ موجعٌ  أن تتحول قلوبنا بين أقدام الأقدار والمصادفات الى كرات يجري تقاذفها بين مرمى اللقاءات المفاجئة ومرمى الفراقات المريرة .. وأرواحنا المنفصمة عنا على المدارج تراقب وتأمل الفوز بأشواط الحياة، لكنها حين تعجز عن تسديد الأهداف، تظل تئن في انتظار لانهائي، حيث لاصفارة تعلن النهاية كما أعلنت البداية .

***

ـ لا تتمنَ العودة الى الماضي، لتصححَ أخطاءك الكبيرة، إذا كانت تلك الأخطاء قد أوصلتك الى جمال روحك الآن .

***

ـ في تقاويم العاشقين .. العمر ليس إلاّ مجموع لقاءات العشق، والزمن ليس إلاّ مجموع أحايين الشوق .

***

ـ إذا ماافتقدت في حياتك أشياء يحصل عليها آخرون، لاتشعر بالنقص، فقد لايكون النقص فيك بل في الواقع غير العادل، وقد يكون لديك أشياء لايملكها الآخرون، لكنك لاتدرك ذلك .

 

 أسماء محمد مصطفى

 

 

faroq mawasiكتب كتَبة الوحي القرآن الكريم (إذًا) بالألف في كل الآيات التي استخدمت فيها اللفظة، ومنها:

{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}- النساء، 53.

{وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلاً}- الإسراء، 76.

{وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}- الأحزاب، 16.

والمشكلة هنا في تنوينها، فهل التنوين على الذال أم على الألف؟

بعض النحويين يرونه على الألف بدعوى أن جملة (إذن أكرمك) مثلاً-  أصلها إذا جئتني أكرمك، ثم حذفت الجملة (جئتني)، وعوض التنوين عنها.

الرسم القرآني يضعه على الذال.

لكن الرسم العثماني للمصحف هو رسم وقفي، أي لا يصلح للاعتداد أو الاحتجاج به، ونحن لا نكتب الصلوٰة والزكوٰة وجائ، وسْئَل، رحمت...إلخ.

جاء علماء العربيَّة فقرروا قواعد الهجاء والإملاء؛ واختلفوا في كتابتها بالنُّون، أو بالألف. وحُكِي عن علي بن سليمان، عن المبرِّد أنَّه قال:

 لا يجوز أن تُكتب (إذَنْ) إلاَّ بالنُّون، وقال: إنِّي لأشتهي أن أقطع يد من يكتبُها بألف.

( انظر: الجنى الداني في حروف المعاني للحسن بن القاسم المرادي، ص 11.)

....

أما أسباب رسمها بالنون فهي:

 أن رسمها بالنون يفرّق بينها وبين (إذا) الشرطية غير المنونة.

وثانيًا: (إذا) حرف، والحرف لا يدخله التنوين؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء.

عارض المبرِّد بشدة كتابتها بالألف، لأنه رأى أنها مثل "أن ولن“، وهذا المذهب يستند إلى أنه يوقف عليها بالنون لا بالألف.

أخلص إلى الرأي أنه  يُفضَّل أن تكتب دائمًا (إذن) بالنون، وهكذا أكتبها شخصيًا في كل الحالات.

 ولكني لا أرى غضاضة في بعض الاستعمالات التي لا ينصب المضارع بعدها كالرياضيات أن تكتب (إذاً)، فلا بأس!

...

إذن- حرف جواب وجزاء، وهو نصب ينصب المضارع، وذلك بشروط.

شروط نصب المضارع:

1-  تَصْدِيرُها أي تكون رأس جملة، نحو:

سأزورك.

- إذن أكرمَك.

(تكتب إذن بالنون بسبب عملها، وعلى ذلك شبه إجماع في قواعد الإملاء)

2- اسْتِقْبَالُ المضارع، أي لا يجوز أن يكون في الحال مثلاً، نحو: إذن أكرمُك الآن (لاحظ رفع المضارع!)

3- اتِّصَالُها به، (أو انْفِصَالُهَا بِالقَسَمِ أوْ بِلا النافية)، يقال: أزورك، الجواب: "إذن أُكرِمَكَ".

 فلو قلتَ: "أَنا إذن..." لقلت "أكْرِمُك" بالرفع لفَوات التَّصْدِير.

إذا كان الجواب مسبوقًا بلا النافية، نحو: إذن لا أقصّرَ في واجبك، فيبقى الفعل منصوبًا.

وكذلك في القسم: إذن واللهِ أكرمَك.

..

أما إذا سُبقت (إذن) بالواو أو الفاء فلك الخيار في الرفع أو النصب (إعمالها أو إهمالها)، نحو:

إذن وأكرمًك، وإذن فأكرمَُك.

 

ب. فاروق مواسي

 

mustafa maroufiعتقد جازما أن ليس كل كلام موزون مقفى هوشعر حتى ولو دل على معنى، فمن أبرز خصائص الشعر التصوير الذييلعب فيه الخيال دورا رائدا لا يخفى، كما أعتقد أن العروض لا يجعل من المرء شاعرا، فالقصيدة إن لم تتوفر على المواصفات التي تجعل من الكلام شعرا فهي تكون نظما في أحسن الأحوال، ولا صلة لها بالشعر إطلاقا، وإلا لاعتبرنا ابن مالك وابن الجزري – الأول في النحو والثاني في علم التجويد – شاعرين كبيرين، وهما لا علاقة لهما بالشعر في منظومتيهما لا من قريب ولا من بعيد.

وكما نعلم فهناك آيات في القرآن الكريم جاءت موزونة عروضيا، ولا يمكن أن نقول عنها بأنها شعر أبدا، كهذه الآية الكريمة: [إنا أعطيناك الكوثر] – بحر المتدارك –،وهذه الآية الكريمة: [لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون].- بحر الرمل.

.بل إنني أزعم أن المرء قد يكون شاعرا في غياب العروض كما نرى في القصائد النثرية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج مثلا. فالشعر تصوير وإيحاء وتلميح وتكثيف حتى تأتي الصورة الشعرية على أحسن وجه. وكثير من الكلام الموزون لا نجد فيه هذه المواصفات، فهو ليس شعرا حتى وإن زعم أصحابه أنه شعر.

إذا، فالكلام قد يكون شعرا حتى وإن خلا من الوزن، ويكون كلاما تقريريا لا صلة له بالشعر حتى ولو كان موزونا ومقفى. وقد يكون مقال صحفي أو صورة فوتوغرافية أفضل بكثير من قصيدة تتحدث لنا عن واقع كما هو مشاهد بالعين وتستشعره الحواس، إذ أن القارئ يعرف الواقع ويدركه ولكنه يريد أن يسمو بمعرفته تلك إلى الإدراك الجمالي للأشياء. وهو أمر لا يتحقق إلا في القصيدة المتوفرة على مقومات الشعر وخصوصياته.

ليس لي أي موقف من قصيدة النثر، فهذه القصيدة هي أول ماكتبت في مسيرتي الشعرية، وقد نشرتها في منابر ثقافية متعددة، صحف ومجلات، وسرت فيها شوطا لا بأس به، ثم بدا لي أن الحابل اختلط بالنابل فيها، وأن كل من استطاع أن يفك رموز الأبجدية بإمكانه الدخول إليها دون مراعاة لما يتطلبه الشعر من عناصر أساسية لوجوده، فاتجهت إلى القصيدة الموزونة، مع العلم أنني درست العروض قبل أن أكتب قصيدة النثر نفسها.

إن قصيدة النثر في نظري أصعب من القصيدة الموزونة – الشعر صعب كان قصيدة موزونة أم قصيدة نثرية – لأن ما ينقصها من موسيقى خارجية ينبغي أن يعوض عنه بعناصر أخرى كالإيقاع في المعنى والموسيقى الداخلية المتمثلة في تركيب الحروف داخل الكلمة، والكلمة داخل الجملة. وبطبيعة الحال فهذا العمل يتطلب مهارة من صاحبه، إذ المقصود في الشعر ليس هو تبليغ المعنى والمضمون للقارئ فقط، بل الشكل الذي حمل فيه المعنى أيضا. فكم من بيت أو قصيدة أعجبنا بها لا لما قالته بل للكيفية التي قالت بها .

حقيقة أنني أجد أحيانا في قصيدة النثر من الشاعرية والشعر ما لا أجده في القصيدة الموزونة، وللأسف فالقصيدة النثرية الحاملة للشعر نادرة جدا.

 

مصطفى معروفي

 

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها الكاهن الأكبر سلوم بن عمران ( شالوم بن عمرام، ١٩٢٢-٢٠٠٤، كاهن أعظم في السنوات ٢٠٠١-٢٠٠٤، عضو في البرلمان الفلسطيني ١٩٩٦-٢٠٠٤، معلّم، جزّار الطائفة، شمّاس) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٥-٢٦. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”الآن، بينما أجلس هنا على جبل جريزيم، في بيت المرحوم راضي صدقة، رحمة الله عليه، لا أصدّق أنّه أُخذ منّا، وها قد مرّت سنة على موته المبكّر، ولا نستطيع التمتّع بجلساته، جلسات الإخوة، حيث استمتعنا كثيرًا بقصصه الرائعة عن شيوخنا وآبائنا. منهم من عاصرناهم وعاشرناهم، إلا أنّ القصص من فم راضي ذات رونق خاصّ. لا نستطيع أن نستعيد ونتذكّر تلك الأيّام البعيدة، التي فيها انتمينا كلانا إلى تلك المجموعة من الفتية، التي كانت تعكّر صفو راحة سبوت وأعياد آبائنا.

.............

يحسّ القلب بالألم الشديد وبخاصّة عند اقتراب عيد الفسح، الذي كنّا ننتظره كلّ عام على أمل الجلوس يوميًّا، مع راضي والاستماع منه لما في جعبته من تجارب وحكايات. عيد الفسح يقترب حقًّا، وعمّا قريب سنسمع رنين الأجراس الصغيرة المعلّقة على رقاب الخراف المعدّة لقربان الفسح. إنّها تسير الهويْنا هنا وهناك، وتلحس عشبًا في اجترار لا نهاية له. هذا ينقلني إلى أيّام بعيدة، سنوات الأحداث وأعمال الشغب في كل أرجاء فلسطين في أواخر ثلاثينات القرن العشرين؛ حينها كان الاحتفال بعيد القربان في خانة شكّ كبير.

عاش السامريون في خوف شديد، نصبوا كلّهم خيامهم على الجبل، استعدادًا لعيد الفسح الذي كان على الأبواب، إلا أنّه لا أحد كان متأكّدًا من إمكانية الاحتفال بعيد القربان. خفنا كثيرًا، خفنا من إشعال المَشْعلات لئلا يفسّر كعلامة تأييد لأحد الأطراف المنخرطة في الأحداث وأعمال الشعب، ولكن كما هي الحال دائمًا، وضعنا ثقتنا بالله، تبارك اسمه.

أحد وجهاء المدينة، أكرم زعيتر، كان رئيس البلدية سنوات طويلة [١٩٠٩-١٩٩٦، أديب وسياسي قومي ومعلم]، وأذكر أنّه توجّه ذات يوم لأبي عمران وقال له بقلق متعاطفًا معه: ”ماذا سيحلّ بكم هذه السنة، أيّها السامريون؟ ألا تظنّ أنّه ربّما لن يسمح لكم هذه السنة بالاحتفال بعيد قربانكم؟“ هزّ والدي رأسه بحزم قائلًا: ”ليكن ما يكون، على كلّ حال، سنقوم بفريضة الفسح“.

بخوفي الشديد تعجّبت من جواب أبي. لم أدر من أين استمدّ ثقته الجمّة، كنت آونتها فتى، ولم أُعر الأمر أهمية كما فعل البالغون. بدا الأمر يسيرًا في عينيّ كفتى، ومع هذا، تسلّلت الخشية إلى القلب.

”ما مشكلتكم؟“ سأل أكرمُ أبي. شغل أبي، عمران، آنذاك سكرتير الطائفة، وأجاب ”لا نملك نورًا كافيًا لإقامة القربان، يبدو أنّ الشتاء لم ينته بعد، وما زالت الأمطار تنهمر بغزارة، ولذلك هناك خشية  في أنّنا سنقيم قربان الفسح  في ظلام دامس“.

تعجّب أكرم زعيتر أيّما تعجّب من إجابة والدي، العالم كلّه كان مشغولًا بالأحداث [ثورة ١٩٣٦]، أمّا السامريون فشغلهم الشاغل كان: ّهل سيكون النور متوفّرًا في عيد قربانهم أم لا؟ ابتسم وقال لأبي: ”أيّها الكاهن، لا عليك، كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّي أعرفكم يا سامريون، حتّى ولو هطل الثلج، فإنّكم ستقيمون قربان الفسح كما ينبغي بالكامل“. أنتم خاصّون في إيمانكم، لا نظيرَ لكم في العالم كلّه، أنتم شعب قوي جدّا.

بدأ أبي يشكّ في أقوال أكرم زعيتر، هل حقًّا نحن أقوياء لهذا الحدّ، يا ليت صدق، فلماذا إذن نشعر بأنّنا ضعاف لهذا الحدّ؟ حان يوم القربان، أنهى السامريون آخر تحضيراتهم وخبزوا المصّة؛ كان الجوّ عاصفًا، السماء متلبّدة بالغيوم السوداء الكثيفة، والظلام أخذ يرخي سدوله.

قُبيل حلول المساء بساعة، بينما كنّا ماشين نحو خيمة الكاهن الأكبر، توفيق بن خضر (متصليح بن فنحاس)، لدعوته إلى مكان القربان، توقّفت فجأةً سيّارة أمام خيامنا، وفيها كان الوجيه رضوان النابلسي من بلدية نابلس. كانت سيّارة شحن كبيرة، أمر رضوان سائقها بالتوجّه بها إلى الوادي، [العُرضي] حيث مكان القربان. وقفت الشاحنة على الشارع من على مكان القربان وعليها رافعة كبيرة. ثبّت على الرافعة بأمر رضوان مصباح ضخم جدّا أضاء كلّ باحة مكان القربان.

وعندما سأله والدي: من الذي أرسلك؟ أجاب رضوان: لا أعرف شيئًا، إنّي لستُ مسؤولًا، إنّي أنفّذ فقط تعاليم رئيس البلدية، أكرم زعيتر [هنا وقبل ذلك كتب الاسم خطأ بالطاء وبدون الياء، زعطر] لا أكثر ولا أقلّ. نور ساطع كبير أضاء مكان قربان فسح العام ١٩٣٦. والدي، الكاهن عمران بن إسحق، رحمه الله، علم أنّه حتى بدون هذا الضوء، لا بدّ من القيام بقربان الفسح“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

أما طمحت نفسك يوما للكشف عن هذا العالم الفسيح ... أما خطر ببالك ان تدخل هذا الميدان الواسع وتغور بمخابئه .. اما انا فاني اقف بين الحيرة والإبهام فتارة تلالا ثناياه في خاطري وطورا يخاصمني الحظ فيزيغ صوابي لهذه الزعزعة .

ولقد انست في نفسي نفحة الفطرة التي ايقظت شعوري وأنعشته فأتيح لي شرح هذا العنصر الهام في حياة هذا المجتمع المتفاني في تمجيد السعادة وسرها العظيم واثرت ان الخص هذا المفهوم العميق فيمفردات قصيرة الا وهي ...المراة شجرة ذات جذع وفروع وثمار ولانها ذات وسام شريف قلدها اياه رب الخليقة فالاحرى بها ان تتخذ مملكة النبوة لتمنحنا النماء وتهدي ظالتنا .

... انها المراة ... تلك الواحة العظمى وهاانا لو خيرت من أي الابواب ادخل هذه الواحة لاخترت باب الامومة ... هذا المعبد المشيد باهات هذه الاجيال ولنقل هذه المركبة الوديعة التي امتطاها البشر وابحر بها حياته فما ركنت لشاق الدهر ولا لزعزعة الاحداث وما توقفت قط عند ميناء منذ دبت الحياة على هذه البسيطة ...بل منذ نفخ الله الروح في جسد حواء ... فهي التي انطقت الجماد بقلب يسيل بالعضات وهي الابية التي تعلو الى سماء الانسانية لتنسق في كل يوم اكليلا يانعا وتجعله بمزهرية الحياة وهي التي تتولى حراسة طفلها وتمده بلطفها وعنايتها فاذا ما انضجته وهذبته قدمته للحياة انسانا .

... انها الامومة ...وانك لو فتشت بكيانها الغامض لاتضح لك بانها ذاك الجندي الباسل الوقور ... وتلك الوسيلة النفاذة لمدارك الحياة والممهدة لسبل المعيشة ...فهي الام والمربية والزوجة والمعلمة الطبيبة والصديقة الاديبة والشاعرة .انك لو تصفحت حياتك تمعنت بها النظر لجدت نفسك ذاك الديوان المدون بمهجة الامومة ..ذاك القصيد المنظم الذي سكبته روح الامومة فاحبرته على صفحة الزمان هي تناجيك عندما كنت غضا غريرا عندما كان جهلك مراحك عذبا جميلا تضاهيه حلاوة الفولة ونعومتها .

لوانك ازمعت الرحيل لاي اتجاه من الحياة لكانت لك هي البوصلة التي تتجه بها ..بل يتجه باتجاهها الالاف والملايين..ولو شعرت بحاجة الى الفرار لمواطن نائية فاي صدر يتسع لمحنتك سواها ...اليس هي البسمة الباكية والدمعة الضاحكة والامل الوردي الذي ملا افاق الوجود واختلجت له نبضات القلوب.

فما احرانا لمجتمع ترعاه الامومة بدورها التربوي فنستمد من ينبوعها رحيقا للنفوس المتعطشة .ونواة القول ان هذه الواحة المتعددة الابواب والتي امتطى جسرها الحكماء وتغنى بها الشعراء فقالوا عنها الام مدرسة فمن هنا نستوحي مغزى شديد العمق حيث نهتف بالامومة لانها تحتضن في ذاتها اسمى المعاني وتجمع بين طياتها جل الادوار وانبل المساعي وارقى المبتغيات . 

        

نصيرة بحورة

 

faroq mawasiاعتاد الشعراء العرب أن يصفوا الممدوح: فهذا شجاع كالأسد، وذاك كريم كالبحر، وهو في مضائه كالسيف، وظل هذا مألوفًا لدى الشعراء والمتلقين، ولنسُق بعض النماذج من ذلك:

بشار بن بُرد:

يُغادي الوغى كالليث في حَومة الوغى *** وفي الخَفضِ كالبازيِّ راح على اليد

أبو فراس:

كان ابن عمّي إن عرا حادث *** كالليث أو كالصارم الصاقلِ

البحتري:

إلى متى تُتبع النُّعمى نظائرها *** كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج

ابن الرومي:

هو البحر حدِّثِ الناس عنه ولا حرج

ابن الرومي:

فطلعتَ كالسيف الحسام مجرَّدًا *** للحق أو مثل الهلال مجَددا

..

لكن هناك من خرج عن هذا المألوف، ورأى في مثل هذه  الأوصاف إساءة للممدوح.

هنا سأذكر ذلك بسبب جدّة الطرح في نقد الفِطرة:

..

"حضر أعرابي مجلس الأصمعي.

 فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال الأصمعي: أنا ذاك،

 فقال: أتأذنون بالجلوس؟

 فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.

قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟

 قال الأصمعي: فيهم من هو أعلم مني، ومن هُو دوني.

 قال: هل تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَه على شعر أصحابنا؟

 فأنشده الأصمعي شعرًا لرجل امتدح به مَسْلمة بن عبد الملك:

أمَسلمَ أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ ***  وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها

وأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت ***  حوادثُ من حربٍ يعبّ عُبابها

وما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له ***   ولا غاية إلاّ إليك مَآَبُها

كأنك ديَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ   ***  بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها

إليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها *** أخا ثقة يرجَى لديه ثوابُهَا

..

قال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر.

 ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهَل خَلَق النسج، خطَؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم (كريه) المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا.

 ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه.

 وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة".

(الحصري: زهر الآداب، ج1، ص 400)

..

نحو ذلك ما ورد في كتاب أبي هلال العسكري (ديوان المعاني) ج1، ص4:

"أخبرنا أبو أحمد قال: سمعت أبا بكر - يعني ابن دُرَيد - يحكى عن أبي حاتم قال:

 قال الأصمعي سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى، إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟

...

من نقد الفطرة كذلك ما رواه الأصمعي:

حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ: {والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسَبا نكالاً من الله والله غفور رحيم}، وبجانبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟

فقلت كلام الله.

 قال: أعد!

 فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: والله عزيز حكيم.

 فقال: أصبت، هذا كلام الله.

 فقلت: أتقرأ القرآن؟

 قال: لا.

 فقلت: فمن أين علمت؟

 فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، فلو غفر ورحم لما قطع.

(العاملي، الكشكول، ج1، ص 233)

...

من الأعراب وردت لقطات جميلة دوّنتها كتب الأدب، وهي ذات موقف نقدي يعلله صاحبه، وقد يكون الموقف إشاحة أو عدم رضا، فمن ذلك ما ساقه لنا التوحيدي:

"وقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟

 قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا."

(أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج2 ص 139.)

فما أبدع الفِطرة!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

أحاور بعض الأخوة الناشرين أحيانا حول الترجمة لكبار الأدباء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في زمانهم لكنّ النسيان طواهم وتقادم الزمن على إنتاجهم، أو بالأحرى لأنّ الفرصة والصدفة لم تتهيأ لقارئنا العزيز ليطلع على ما كتبوا وليعجب بما بهروا به مواطنيهم والأوربيين على مدى عقود وقرون.

ما ذنب أيّ علم من أعلام الرومانسية الإسبانية أو الواقعية أو الانطباعية الذين شغلوا الأدب الأوربي على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين؟ لم يسمع الكثيرون منّا إلا بالروائي بلاسكو إيبانيث الذي حالفه الحظ حين عرضت السينما الأمريكية واحدة من رواياته الرائعة (دم ورمال Blood and Sand) التي مثّل بطولتها (تيرون باور) و (رينا هيوارث) فمنحا مؤلفها الشهرة والحياة.

وماذا عن أونامونو؟ وماذا عن كلارين؟ وماذا عن بيو باروخا؟ وآثورين؟ وغالدوس؟ وباردو باثان؟ وعن خوان باليرا؟ وعن أورتيغا أي غاسيت؟ وماذا عن جيل الـ 98 الذين لا يذكر أحدهم إلا وذكرنا بأدباء النهضة العربية الثقافية والفكرية والأدبية؟

ونأتي على جيل شعراء الـ 27 فلا نعرف منهم إلا لوركا وألبيرتي وهما اثنان بين أكثر من دزينة لكلّ منهم طعمه ومذاقه وعبقريته وأسلوبه المتفرد.

ونعبر إلى أدب الحرب الأهلية وما بعدها. والمسرحيين، كبار المسرحيين، ممن يعرفهم العالم كلّه ولا يعرفهم قرّاؤنا، لمجرد أنّ متطلبات السوق لا تسمح بالمغامرة. فمتى يتعرف قراؤنا على هؤلاء؟

لن يعرفوهم.

وما يقال عن الأدباء الإسبان يقال عن أدباء أمريكا اللاتينية: فإمّا إيزابيل أيندي أو بارغاس يوسا أو غارثيا ماركث أو بورخس أو لا!

لا أرى ما يجري في عالم النشر منصفا لأنّ الأضواء تتحول مدفوعة بالسوق عن عظماء "مجهولين". ليس لأنّهم كذلك بل لأن توجهات النشر عندنا لا تريد المغامرة.

لن يعرف قارئنا هؤلاء والحال هذه وسيبقى أسير أسماء مكررة، رنّانة، طنانة، وإن كتبت تفاهات بعد روائع. وسيقى الآخرون مطمورين لا يغامر أحد بانتشالهم من أضرحتهم التي رقدوا فيها.

أرى أن الأوان قد آن لرسم سياسة جديدة في النشر تعيد لهؤلاء الكبار حقوقهم واعتبارهم وتضع ثقتها لا في الأسماء والصرعات وفي سياسة " الجمهور عايز كده" بل في معايير الجودة الحقيقية التي تجعلنا ننشر لأحلام مستغانمي وكوليت خوري وعلاء الأسواني من دون أن نغفل ما كتب سلامة موسى وتوفيق الحكيم والرافعي والعقاد وجبران. 

 

د. بسّام البزّاز

    

kamal alhardiمشاعر الحب العاطفي بين الذكر والأنثى ظاهرة إنسانية لا تختلف في جوهرها لدى الإنسان الأبيض القاطن في القارة البيضاء أو البني القادم من الهند والسند أو الأحمر المطل علينا من أرض المكسيك أو الأصفر ذي العينين اللوزيتين الصينيتين أو الأسود الوافد من أحراش أفريقيا جنوبا".

كل تلك التباينات في لون البشرة أو في سلالة العرق أو في طبيعة الجغرافيا لا ترتبط بعلاقة عضوية مع وجود مشاعر الحب وميل الإنسان نحو محبوبه، إلا أن تلك العوامل تؤثر نسبيا في كيفية بلورة مشاعر الحب. فالمثال يترجم حبه بمنحوتة، والموسيقار بمقطوعة موسيقية، والرسام بلوحة، والشاعر بقصيدة، والسياسي ب...!! بلا شيء. كل تلك الترجمات قد تتباين في الكيفيات والهيئات وفقا لطبيعة المكان والإنسان، لكنها لا تختلف في الجوهريات (مشاعر الحب).

ولنأخذ على ذلك مثلا في قوالب اللغة وخصوصا الشعرية منها أو النثرية، وكيف أن البيئة تلعب دورا محوريا في بلورة أحاسيس العشق والغرام؛ ففي أجزاء من الريف الفرنسي أو الإنجليزي تتساقط الثلوج في فصلي الخريف والشتاء فتختفي أشعة الشمس وتتناقص درجات الحرارة، فتجد العاشق في تلك البيئة الثلجية ينظم شعرا بتفعيلتهم الخاصة قائلا:

في إحدى ليال الشتاء

عبرت الطريق متدثرا بمعطفي ووقبعتي

لكنني ما فتئت أشعر ببرد الشتاء

وثلج الشتاء

فتمنيت رشفة ساخنة من كوب قهوة

لكن طيف من خيالك لاح لي!

فتذكرت دفء حبي لك وحبك لي

فصار بساط الثلج على الشارع

حديقة مشمسة غناء

وما عدت بحاجة لمعطفي وقبعتي

فقد غدوت عصفورا يغرد في السماء !

بينما العربي في صحرائه لا يعرف المعطف وبساط الثلج، بل يعرف قيض الصحراء وأوار حرها، ولذلك ستجد العاشق منهم يتغزل في محبوبته مقارنا إياها مثلا بجداول الماء وظلال الشجر حيث لا عطش ولا شمس:

وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت♡♡  

  وردا وعضت على العناب بالبرد

ولن يقتصر العاشق العربي على ذلك، بل لربما انعكست بيئته الصحراوية النزاعة إلى القتال في شعره الغزلي ليقول:

دع عنك ذا السيف الذي جردته

عيناك أمضا من مقاطع حده

كل السيوف قواطع إن جردت

وحسام لحظك قاطع في غمده

وهكذا فإن حرارة الحب جذوة لا تخبو ولا تنطفئ في قلوب البشر بمختلف أشكالهم وسلالاتهم وأعراقهم ، وستظل تلك الجذوة متوهجة بألوان بيئات مشاعرهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

 

كمال الهردي - كاتب وروائي يمني

 

 

khahtan alseadiحين تتصفح كتابها ."أحببتك فصرت الرسولة"، تستحضر روحها فتجدها القديسة المتبتلّة في عالم اللاهوت تتلاقح افكارها مع العشق الالهي ومكنونات القيم الانسانية، وهي تتجلى في عالم التصوف حتى تمازج افكارها الانسانية مع عشق الرب بنبرة صوفية كأنها من تلامذة محيي الدين بن عربي او جلال الدين الرومي.

تكتب حتى ينساب من قلمها أدب حر وابداع ثرّ ...ترى نعم الحياة ومتعة العارف بمكنونات صفاء الروح، حتى وسط ركام الدمار وتحت أزيز الرصاص، تصف الحرب حتى تقول انها محطة زائلة وستنبت كل قطرة دم سنبلة ووردة.

تتعاشق مع الصليب رمزا ابويا للتضحية والفداء من اجل غد أفضل مؤمنة باللاهوت والأقدار حتى تعانق الآلهة لتنجب الامل والعطاء.

أنثى لا ككل النساء "إلا حبيبتي"، تعشق روح القبلة وترقب اللقاء بدقات قلب لموعد لم يكتمل، او تمارس قداسة العبث الطفولي والعتب الصبياني في رحاب الآلهة وبين أركان القصيدة حين تقول:

"يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:

فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات

ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة

ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة

ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين

ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد

ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار

ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح

ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم

ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم

ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة

إلى جوف الجحيم

فيركلها الشيطان إلى نار حقده

تحت أنظار إلهٍ ندم

لأنّه استراح في اليوم السابع

ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!"

شاعرة وكاتبة، ناسكة متمردة، وحرة مقيّدة كأنها تجمع المتضادات تكتب للموت والميلاد والظلام والضياء كأنها على خطى السياب حين يكتب التضاد في أنشودة المطر:

"والموت والميلاد والظلام والضياء

فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء

كنشوة الطفل اذا خاف من القمر

كان اقواس السحاب تشرب الغيوم"

وها هي اقواس ماري القصيفي مشرئبة تبتلع الحزن وتعزف للحياة لحنا خالدا، يتماهى مع لونها الفينقيّ وقدرها اللبناني، بروح إنسانية وثبات فكري يدندن في ربى لبنان معزوفة الخلود.

ماري القصيفي أيقونة خجلى لامرأة ثكلى بنواح العارفة العابثة والعاشقة المتمردة والروح المرتدة السابحة في بحور العشق الالهي المغمس بعطايا الرب.

إنه لمن الغرابة ان تقوم مدرسة في زوايا لبنان وتلامذة أفاضل بطقوس الفرح لمعلمة جليلة في اروقة المدرسة، ولم نجد تلك الاحتفالية بتجمع جماهيري يضم النخبة الفكرية والأدبية  في شارع الحمرا وسط بيروت لتكريم كاتبة تناغمت مع الكلمة حتى صارت بيرقا وتراقصت مع القصيدة حتى صارت لحنا خالدا.

 

قحطان السعيدي

 

faroq mawasiكنت أستمع إلى محاضر ذكر كلمة (أُنموذَج) في محاضرته، وأصرّ على لفظها مع الهمزة، منبّهًا – بدون ضرورة- إلى أن كلمة (نموذّج) خطأ.

عجبت لإصرار صاحبنا، فعدت إلى المراجع لأتفحص دعواه، فإذا بالقاموس المحيط للفيروز آبادي  يرى أن (أُنموذَج) هي لحن، والصواب نَموذَج، بدون الهمزة، ويقول: "هو مثال الشيء معرَّب نَموده"...

لكن الباحث يوسف البقاعي الذي حقق القاموس (في طبعة دار الفكر) علق في الحاشية بقوله "ما زالت العلماء قديمًا وحديثًا يستعملون أنموذج من غير نكير، حتى أن الزَّمَخْشري وهو من أئمة اللغة سمّى كتابه في النحو (الأُنْموذَج)، والنووي في (المنهاج) عبر به في قوله "أنموذج متماثل"، ولم يتعقّبه أحد من الشرّاح".

من جهة أخرى أنكر الصاغاني صاحب التكملة والذيل والصلة (أنموذج)، لأن المعرَّب لا يُزاد فيه، وقال عن الزيادة "وليس بشيء".

..

نحن في لغتنا نأخذ من السلف ما استخدموه وأجازوه، ولا تهمنا خلافاتهم، بقدر ما تهمنا إمكانات استخدام اللغة وجوازاتها، فاختلاف المذاهب رحمة هنا أيضًا.

إذن يصحّ اللفظان، فلا بأس في أيٍّ!

نَموذَج وأُنموذَج،

ولا مسوّغ لإصرار صاحبنا.

..

إليكم  استخدام الكلمتين من مصادر جمعتها-

نَموذج:

قال البحتري:

وأبلقٍ يلقى العيون إذا بدا *** من كل شيءٍ مُعجبٍ بنموذجِ

الثعالبي:

......... *** يطَّلِعْ في نموذج الفردوسِ

وفي كتابه (التمثيل والمحاضرة) يقسم فصولًا عديدة منه إلى عناوين، وكل واحد منها أنموذج من .....(الأمثال، التوراة....إلخ).

وفي النثر تجد في (معجم الأدباء) لياقوت الحموي جملة- "وهذا نموذج من نثره" – انظر مثلاً مادة: عطاء بن يعقوب.

أنموذج:

ابن رشيق القيرواني:

رغبت في الجنّة لما بدا *** أنموذجُ الجَنّة في شكله

الشريف المرتَضَى:

وأرى من حال أحبابيَ أنموذجَ حالي

وغير ذلك كثير.

أما المعاجم الحديثة كالمنجد والوسيط فقد أدخلت الكلمتين وبحق، بل أرى أن  جمع نموذج (نماذج) سهل، ومقبول، وهو أسهل من استخدام نموذجات كما يجمع (المنجد)، أو أنموذجات جمعًا لأنموذج.

لو كانت لي صلة مع معدّي المعاجم لطالبت بإضافة الفعل (نمذَج- ينمذج) ومصدره (نمذجة)-  بمعنى تقديم نماذج أو وضع المثال في نموذج، فاللغة تتطور، ومن الضرورة قبولها.

ملاحظة:

زادت العرب في بعض الكلمات الفارسية المعرَّبَة حرف الجيم:

نموذج (المثال)- أصل الكلمة نمودَه

فالوذَج (نوع من الحلوى) – أصل الكلمة: فالوذه

لوزينج (شبه القطائف)- أصل الكلمة لَوزينه

فيروزَج (التي لفظت فيما بعد بغير الجيم، وهي حجر كريم)- أصلها فيروز.

وبالطبع فالكلمات الثلاث الأخيرة لا تُستخدم اليوم بالجيم، فأين من يقول اليوم لوزينج وفالوذج؟

 

ب. فاروق مواسي

 

mohamad aldamiعندما نتفق على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع الى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر “مرآة الآخر”، كما هي، بلا تزويق ولا تلوين، فانه غالباً ما ينجح في أن يحقق ذلك، ليس فقط عبر قراءة الذات وإعادة قراءتها بسلوكياتها، ولكن كذلك عبر جهد فكري معقد يتطلب الحاد من الذكاء، اعتماداً على المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته عبر العالم العربي وراء الاهتمام الجارف الذي نرصده اليوم عبر العواصم العربية فيما نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خصوصاً في المؤسسات الأكاديمية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فانه لابد وأن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة ودراسات الأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وحيث أن هذه هي من السجايا الإيجابية للذهنية العربية، فان للمرء أن يذهب بكل ثقة إلى أن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” إنما هو ليس ظاهرة جديدة، بدليل عناية الثقافة العربية الوسيطة بالترجمة والتعريب من مختلف لغات وثقافات العالم الحية عبر ما سمي العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. لكن رغم اختلاف الآراء وتناقضها حول هذا الموضوع، إلا أن هذا النزوع قد اعتمد آليات وأنشطة التعريب أولاً، بهدف الاطلاع على ما قدم “الآخر”. وإذا ما اندرجت في منافع هذا النزوع الفوائد المعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فان للمتابع أن يفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس، أن العقل العربي قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافته القومية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الصين والهند وبلاد فارس، الى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وحيث لم يكن ذلك الأمر من الميزات الحيوية لثقافتنا فقط، فانه قد شكل صورة دقيقة تؤشر الوعي الوسواسي بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، من دون أن يقارنها مع الآخر، لاسيما الآخر المختلف او المتفوق.

أما ما خلفه هذا النزوع الوسيط لنا اليوم، فانه أبقى جذوة حب الاطلاع عبر المقارنات والمقاربات متوقدة، لمعرفة الذات ولتبيان سجاياها ومثالبها كذلك بهدف التصحيح والتصويب، بلا ريب. أما ما تركه هذا النزوع العربي القوي لأوروبا وللعالم، فانه قد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده إليها عبر الأندلس وصقليا.

وبالارتجاع الى جوهر هذه المناقشة، لا يمكن للمرء استغراب التيار الجارف الذي تحياه الثقافة المقارنة في العالم العربي اليوم، بكل الحقول الثقافية والفنية والعلمية عموماً بتركيز خاص على العناية بالدراسات المقارنة، خصوصاً على مستوى الدراسات الأكاديمية الرفيعة.

هذا اتجاه فكري وذوقي يستحق الرصد والاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد العقل العربي الفطن لمعرفة نفسه، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية للنفس: صورة دقيقة المعالم تستحق الاعتزاز والإشاعة والعكس محلياً وإقليمياً وعالمياً.

لذا فأن “الثقافة المقارنة” مهمة للغاية، ليس لمعرفة وتشخيص الذات فقط، وإنما كذلك لرسم صورة ذاتية دقيقة المعالم على سبيل تقديمها لــ”الآخر”، بناءً على تتبع التوازيات والتقاطعات، رغم وجود الكثير من اللغط والمفاهيم الخاطئة والمنظورات الجاهزة المسبقة التي شوهت “الدراسات المقارنة” واختطفتها من حقل عملها الصحيح، لاسيما عبر الأكاديميات العربية، درجة إجهاضها وإحالتها الى حقول بحثية مثقلة بالنرجسية وباطراء الذات وبالخيلاء المفرط، دع عنك ذلك الميل القوي لحرفها عن أهدافها الأساس الى التفضيلات واعتماد درجات المقارنة المعيارية الجارفة، على سبيل إطراء الذات.

من هنا جاءت بواعث العارفين بهذا الحقل الحيوي من النشاط الذهني بالعمل على إزالة بعض الأخطاء وتصحيح البعض الآخر ليمنعوا التمادي بما جاء أعلاه حتى حدود الانحياز وضياع الحيادية، بل وفقدان رؤيا الدراسات المقارنة الجوهرية.

 

أ.د. محمد الدعمي - كاتب واكاديمي عراقي

 

 

wedad farhanمر علينا يوم 23 نيسان صامتا دون أن نلتفت اليه رغم أهميته لأنه يشكل عيدا احتفاليا منذ أن قررت اليونسكو في العام 1995اعتماده يوما عالميا للكتاب.

تأتي أهمية الكتاب منذ القدم من خلال تشييد المكتبات التي تعكس حضارات الشعوب وثقافاتهم.

وأولت الحكومات الوطنية عبر التاريخ اهتماما بالغا بنقل معرفة الحضارات الأخرى من خلال الترجمة وتأسيس مجمعات علمية ترعى فيها الجوانب الفلسفية لمصادر التدوين الحضاري بمختلف مناحي المعرفة والعلوم والثقافة.

فبالإضافة الى أهميته كمحور في التربية والتعليم، يعتبر الكتاب أداة ترفيهية مهمة وشريك لسد الفراغ، ماعدا أهميته في تقدّم الإنسان ورقيّه حتى أن نهل المعرفة منه تنعكس على شخصية المتلقي.

وكان لمكتبة بغداد في العصر العباسي الدور العظيم في تعريف العالم بثقافة وادي الرافدين من خلال ازدهارها إذ احتوت الملايين من المجلدات في زمن لم يكن للطباعة يد في انتاجها حيث ترجمت الكتب من اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها الى اللغة العربية.

مثلهم كالمغول، الذين ألقوا بكتب بغداد جميعا في نهر دجله، قام الداعشيون بإتلاف كل ما يمت للعلم والمعرفة والتاريخ، لا لشيء سوى أنهم لا يقرأون ولا يريدون التعلم... هدفهم الوحيد التخريب وحجب كل ما له صلة في فتح منافذ النور في عقل الانسان.

وفي الوقت الذي يجتهد البعض في خلق مناسبات للكتاب في العراق مثل "أنا أقرأ"، نتمنى أن يعود الكتاب الى حياته شريكا لكل عراقي وخير جليس، في الوقت الذي ننحني لمن يشعل في طريق المعرفة شمعة من خلال التبرع بالكتب الى الجامعات المنهوبة كي يعاد لها النور، فالعلم نور نحتاج اضاءاته في حياتنا الراهنة.

 

وداد فرحان - سيدني

 

faroq mawasiأثار الصديق ب. عز الدين المناصرة قصة وفاء السموءل بن عادياء "اليهودي" ، وشكك فيها في كتابه الذي صدر حديثًا: (امرؤ القيس الكندي- شاعر العربية الأول) والعنوان الفرعي: "امرؤ القيس ليس امرأ القيس"، حيث يقول فيه:

"أما القصة فهي أن امرأ القيس في تجواله بين قبائل العرب لمساندته لاسترداد مُلك آبائه وأجداده، زار حصن تيماء، وَرَهنَ دروعَه  لدى المرابي اليهودي (صموئيل أو السموأل) في حصن تيماء، بعد أن اقترح عليه السموأل أن يزور إمبراطور الروم في القُسطنطينية – (جستنيان)، لعلَّه يسانده بجيش لاسترداد ملكه في نجد. وكتب له رسالة توصية إلى (الحارث الغسّاني) حليف الروم، لكي يصل إلى القيصر.

والحقيقة هي أن السموأل تواطأ مع الحارث الغسّاني، على الغدر بـ (امرئ القيس)، وكان الوسيط هو (الربيع الفزاري)، الصديق المشترك بينهما. والدليل القاطع هو أن ورثة امرئ القيس بعد موته، طالبوا السموأل بتسليمهم الدُروع، لكن السموأل أنكر أنها عنده.

أما قصة مقتل ابن السموأل، لأن الأب رفض تسليم الدروع، فهي كذبة كُبرى، مؤلفها هو دارم بن عقال. والفكرة الأساسية في هذه القصة ليست الدروع، بل هي أن السموأل هو صاحب فكرة اقتراح زيارة الإمبراطور جستنيان".

...

طبعًا هناك آراء خطيرة ومثيرة في كلام د. عز الدين- شاعر الكنعانية أبي كرمل، فلندعها للمتخصصين، وللمتقصّين في التاريخ.

نعود إلى اللامية الرائعة وبحق، وهي التي نسبت إلى السموءل، ومطلعها:

إذا المرء لم يدنسْ من اللؤم عِرضه***   فكـل رداء يرتديــــه جميل

وإن هو لم يحمِل على النفس ضَيمها***  فليس له إلى حسن الثناء سبيل

تعيّرنا أنا قليـــــل عديدُنا  *** فقلت لهــــــا إن الكـرام قليل

وما ضرنا أنا قليـــل وجارنا *** عزيز وجـــار الأكثرين ذليـــل

..

فهل السموءل هو في الأصل شْموئِيل (שְׁמוּאֵל)؟

أولاً، من هو؟

عاش  السموءل في النصف الأول من القرن السادس الميلادي (ت. 65 قبل الهجرة)، وهو من سكان خيبر، ولكنه كان يتنقل بينها وبين حصن له هو (الأبْلق) في تَيماء، وكان الأبلق قد بناه والده عادياء، بدليل قوله:

بنى لي عاديا حصنًا حصينًا *** وعينًا كلما شئت استقيت

وفيت بأدرع الكندي إني *** إذا ما خان أقوام وفيت

..

تنسب اٍليه في معظم كتب الأدب قصة الوفاء مع امرئ القيس، حيث قدم إليه امرؤ القيس بن حُجْر الكندي، وكان قد عجز عن الأخذ بثأر أبيه. فلما عزم الذهاب إلى قيصر الروم ليستنجد به توجه أولا إلى السموءل وأمّنه دروعًا ثمينة، وترك أهله في حماه.

بعد حين طوّق حصنَ السموءل أحدُ الملوك ممن له ثأر على امرئ القيس، طالبًا تسليمه دروع امرئ القيس وأهله، فرفض السموءل ذلك رفضًا قاطعًا، وقال: ما كنت لأخفرَ ذمّتي وأخون أمانتي. فظل الملك محاصرًا حتى إذا حضر أحد أبناء السموءل من رحلة صيد قبض عليه الملك ونادى السموءل: هذا ابنك معي، فإما أن تسلمني ما لديك، وإما أن أقتله!

رفض السموءل تسليم الأمانة فذُبح ابنه (حُوط)  أمام الحصن.

 ثم عاد  الملك بجيشه من حيث أتى من غير أن يحصل على بغيته.

...

سجل الأعشى هذه الحكاية  كاملة (21 بيتًا) في مدحه لأحد أحفاد السموءل، وهو شُرَيح بن حِصن، ويُذكر في (ديوان الأعشى) أن الملك هو الحارث بن ظالم أو ابن شمر الغساني، وذلك  بقوله:

شُرَيح لا تتركنّي بعد ما علِقتْ *** حبالَك اليوم بعد القِـدِّ أظفاري

كن كالسموءل إذ طاف الهُمام به ***  في جحفل كسواد الليل جرار

بالأبلق الفرد من تيماءَ منزلُه *** حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدّار

..

فقال غدرٌ وثكلٌ أنت بينهما *** فاختر وما فيهما حظٌّ لمختار

فشكّ غير قليل ثم قال له *** اقتلْ أسيرَكَ إني مانع جاري

وقال لا أشتري عاراً بمكرُمة *** فاختارَ مكرمة الدنيا على العار

فضُرب به المثل: أوفى من السموءل.

(انظر قصة القصيدة في  ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج1، ص 261، وفي معجم البلدان لياقوت الحموي- مادة أبلق، وفي مجمع الأمثال للميداني- رقم 4432).

...

من اللامية ما يُعزى إلى شعراء آخرين، منهم عبد الملك بن عبد الرحيم الأزدي، وهو شاعر إسلامي (انظر: الأغاني، ج 3، ص 109- دار الفكر).

بل من العجيب أن الأصفهاني يقول عن "غَريض اليهودي وهو السموءل بن عادياء"-

(م.س).

..

ينسب بعض الرواة بيتين من القصيدة المذكورة إلى شاعر إسلامي آخر يسمى "دُكَين" الراجز.

 (الأغاني ج 9، ص 300 – طبعة دار الفكر، والبيت الثاني صدره: "وإن هو لم يرفع عن اللؤم نفسه"، كما يذكر البيتين ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"- ج2، ص 612، أنهما لدُكين بن جابر، فيروي صدر البيت الثاني:

"وإن هو لم يضرعْ عن اللؤم نفسه".)

..

ولا يستبعد بعض المستشرقين احتمال كون السموءل من أصل عربي،  فقيل هو من غسان،  تهود في جملة من تهود من العرب، لا سيما أن في منطقة يثرب أحياء نص على أصلها العربي، دخلت في هذا الدين.

ويظل السؤال عن (بني الدّيّان) المذكورين في القصيدة وهو يفخر بهم، هل هم يهود أم لا.

(للتوسع انظر: جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص 374 وما بعدها، وكذلك ج6، ص 574).

..

ثم إن الأعشى ذكر السموءل ثانية في قصيدة أخرى، ويذكر أن باني الحصن هو سليمان الحكيم:

ولا عاديا لم يمنع الموت ما له *** وحصن بتيماء اليهودي أبلق

بناه سليمان بن داود حِقبةً *** له أزَجٌ عالٍ وطَيٌّ موثَّق

يوازي كُبيداء السماء ودونَه *** بلاط ودارات وكلس وخندق

وهذا ما يشير إلى يهودية السموءل، وهو يشير أيضًا إلى غنى عادياء وكثرة ماله، ولكنه كما ذكرت يرى أن سليمان هو الذي بناه، وليس عاديا أباه، وقد  فخر به في قصيدته:

بنى لي عاديا حصنا حصينًا...

عُرف حصن السموءل بالأبلق، وبالأبلق الفرد، وهو حصن مشرف على تيماء، وقد ذكر الإخباريون أنه دُعي بالأبلق، لأنه كان في بنائه بياض وحمرة.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

ali mohamadalyousifهل يستطيع المثقف العربي العيش وسط مجتمع متخلف؟! سؤال قرأته للمفكر العربي د. عبد الله عبد الدايم قبل اكثر من ربع قرن مضى، وصادفتني مقولة للكاتب والروائي الانكليزي كولن ويلسون في ذات المنحى حينما تساءل: هل يصنع الحياة اولئك الذين يحبون صنع الكلمات، ام الذين يحبون صنع الحياة؟! واضاف ان المجتمع يموت برأسه وليس من قدميه.

ولكي لا تذهب بنا التفاصيل من وضع اجابة محددة سطحية لاتتعدى كلمة او كلمتين، نظلم بها الاستاذ المتسائل عبدالله الدايم كما نظلم عن قصد وقصور فهم انفسنا في تساؤله العميق وتاشيره آفة مجتمعية رجعية تاكل حاضر ومستقبل الوطن العربي .وبصرف النظر عن اي نوع من المثقف او المثقفين يقصدهم الاستاذ عبدالله الدايم في تساؤله، وبغض النظر ايضا عن درجة ومستوى ايا من المجتمعات العربية المتخلفة يقصد .فالمجتمعات العربية وان كان يجمعها التخلف كافة، لكن يفرقها درجة ومستوى التخلف، وفي اي الجوانب من اساليب حياتها نجده .فتخلف المجتمع الصومالي هو قطعا غيره ولا يشبهه تخلف مجتمعات عربية اخرى، كالسعودية، مصر، العراق، ليبيا، اليمن، وهكذا.

وفي تحاشي الانزلاق في تفاصيل لا حصر لها من التباينات والاختلافات في دراسة التخلف في الوطن العربي، سناخذ نموذجين جاهزين من مثقفي التخلف، تاركين تقصي اسباب تخلف المجتمعات العربية لذوي الاختصاص والدراية .

في النموذج الاول من مثقفي التخلف، نجد انه لا يستلزم اصلا الحاجة له مجتمعيا، وتنتفي حاجة بقائه وسط مجتمع متخلف يحتاجه، لان ثقافة هذا المثقف غاطسة مفهوما، معرفة، ممارسة، سلوكا، تطبيقا، وتعاملا مع الاخرين والحياة،  هي واقعة في دائرة الجدل والشد والجذب بين اصالة ثقافية قد يحملها او يدعيها، اوضحالة ثقافية انتفاعية متسلقة غير مسؤولة  ولا ملتزمة، يتباهى بحملها في المناسبات الاستعراضية الاعلامية او الثقافية، ويباهي استغفال الناس بها .

فهو بدءا لايعرف وطنه في محنه ومآسيه وكوارثه، تاركا اياه اما مهاجرا عنه، او منعزلا عنه لايهمه امره في قضية او مصير .واذا ما هيئت له هالة من الاضواء المنافقة في التسويق، عندها يشهر استاذيته الثقافية، وتنحصر مسؤوليته المجتمعية، بمواعظه الانشائية، ونصائحه الكتابية او تحليلاته الاستراتيجية الفضائية اما من احدى عواصم العالم الذي استجدى موافقة الاقامة فيها .او من وراء جدران الجامعات والمؤسسات الثقافية والاعلامية رسمية كانت او غير رسمية

التي تمنح الرواتب والامتيازات بما يليق به كاحد النخب الاكاديمية الاجتماعية وبذلك ياتي بالمرتبة الثانية بعد اعضاء حاشية السلطة وازلامها من المرتزقة السياسين. الذين يتاجرون بمصائر شعوبهم.

اما النوع الثقافي الثاني المستنسخ عن الحالة الاولى التي مررنا بها ويستبطنها فهم التساؤل في المراد  تحقيقه  نجد ايضا لاجدوى من مثقف يحمل افكارا (اسفارا) او موهبة في جنس ادبي واحد او اكثر ويجد في هذا التمايز المجتمعي الثقافي حقيقيا ام زائفا تبعا لما يمتلكه طريقا سالكا نحو الشهرة والحصول على الامتيازات بالمتاح امامه من وسائل تسويق  تلميع خادعة مخاتلة على حساب توظيف الموهبة الحقيقية في محاربة التخلف 0  فنجده في ازدواجيته انفصام الثقافة عن السلوك والممارسة والعلاقات مع غيره اجتماعيا بما يماشي التخلف والمخطوء في الحياة ويانس التراجع المجتمعي العام  لينأى بنفسه عن دوخة الراس وتجنب المتاعب وقد يجد او لايجد في موقفه المتخاذل هذا انه مشارك اساسي في  صناعة وادامة التخلف  الاجتماعي على انه من طبائع الامور التي لا يمتلك الانسان وسيلة تغييره .فيصبح مفهوم الثقافة عند كلا النموذجين الثقافيين يحتاج الى تساؤلات ادانة عديدة، واشارات استياء لان الثقافة تحولت عندهما من ثقافة الاسهام في بناء مصير ومستقبل بلد يعيش الكوارث والمآسي يوميا، الى ثقافة هامش استعراضي رخيص في لفت الانظار والظهور الاعلامي التسويقي في ابشع صورة امتهان للثقافة الجادة واستغفال المجموع الشعبي من شرائح الامية الثقافية او شرائح الامية الابجدية المتخلفة.

هنا نصل لتساؤل مفصلي اين يكمن الخطأ ؟ بالمثقف المزيف ام بالمجتمع المتخلف؟ ام بكليهما معا المثقف والمجتمع،  وكيف تكون المعالجة؟ وهل تلازمهما العضوي المتماسك في اعتياش احدهما على تخلف الاخر يكمل بعضه بعضا، وبالتالي يكون مطمح مجاوزة التخلف اكذوبة يتقبلها المثقف كممارسة انتهازية انتفاعية، كما يتقبلها المجتمع المتخلف كنوع من الحياة المقسومة المفروضة قهريا يتحتم ان يعيشها ويحتملها حتى لو كانت الوأد  للحياة في ادنى مراتبها الانسانية .لذا يصبح لدينا معادلة متكافئة هي اينما تجد مجتمعا متخلفا،  تجد ثقافة ضحلة تعتاش عليه وتساهم في صنعه وادامته .ولا نستغرب اذا ما وجدنا سياسيا متخلفا ثقافيا يسلك كل الطرق وراء جمع المال وكسب الامتيازات فقط على حساب المجتمع المتخلف المحروم وقل مثل ذلك في كل مناحي الحياة التي يسودها التخلف والفساد، حين تجد الكثيرين من الذين يصرون على سيادة القناعات والسلوكيات الخاطئة وتعميمها،  لان في تفشيها اجتماعيا انما تمثل عندهم الحبل السري في تغذية بقائهم وتمرير جميع ممارساتهم المحرمة في حق مجتمعاتهم .

اصبح عندنا في جميع صنوفه والوانه هو وسيلة كسب الشهرة وجمع الملايين،  ولم يعد الفن لا في خدمة الفن ولا من اجل الحياة،  ففناني الغناء والرقص ومافيات الجنس المقنعة والمفضوحة، حتى بعض فناني التشكيل والرسم، والتمثيل والمسرح والرياضة الخ ..فهم جميعا مشغولون في التسابق الى (عرب خليجي) فهناك وبكل الوسائل المعلنة والخفية يجري اقامة بناء ثقافة متخلفة هابطة ابتذالية مليونية تستقطب غالبية طالبي الشهرة الفاشلين من الفنانين العرب ومن ضمنهم تشترى اسماء معروفة ثقافيا وفنيا جادة بالمال كي توظف في التنكر لقضايا مجتمعاتها المصيرية وتنكرها لضميرها في خلط الاوراق والحقائق.

ويقف على هرم مسؤولية هذا البناء الثقافي التافه اشخاص جهلة يشترون كل شيء بالمال الحكومي الذي يغدق عليهم في المسابقات غير النزيهة وتوزيع الجوائز المزاجية،  وعقد المؤتمرات واقامة البرامج والحفلات الغنائية التي تستقطب وتصرف شعوب الوطن العربي عن حقيقة تخلفها الثقافي الحضاري وتعطيل دور الفنون والرياضة وغيرها ان تكون عوامل هادفة لتحفيز يقظة الشعوب العربية ولا علاقة لهذه الانواع من الانشطة بالثقافة والفنون والرياضة  التجارية بمصائب وكوارث الوطن العربي ان لم يكن توظيفها اسهاما مقصودا في ادامة وتعميق هذه الكوارث فقط خارج مجتمعاتهم، ويوجد وللاسف من المثقفين والفنانين والرياضيين العرب من يبيع وطنه وامته في مقابل عقد عمل في احدى دول الخليج لمدة عام وما اكثرهم في مقدمتهم العراقيين واللبنانيين والمصريين من المثقفين والفنانين والعاملين في الوسط الرياضي.

 

علي محمد اليوسف - الموصل