إذا ما اتفقنا على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع إلى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر المرآة، كما هي، بلا رتوش ولا تزويق، فإنه غالبًا ما ينجح في تحقيق ذلك، ليس فقط عبر أنشطة مراجعة الذات وإعادة النظر بها وبسلوكياتها، وإنما عبر نشاط ذهني أكثر تعقيدًا وتطلبًا للفطنة، وهو اعتماد المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته وراء الاهتمام الجارف الذي نلاحظه اليوم عبر العالم العربي بما يمكن أن نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خاصة في المؤسسات الجامعية العربية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فإنه لا بد أن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة والأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وإذا ما كانت هذه من سجايا الذهنية العربية الإيجابية، فإن للمرء أن يزعم بكل ثقة بأن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” ليس بظاهرة جديدة، بدليل مبادرة ومثابرة الخليفة العباسي المأمون لتأسيس “بيت الحكمة” ببغداد على عهده الذي شكل العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. ولكن على الرغم من أن لي رأيًّا ثانيًا حول دوافع وإرهاصات المأمون العباسي لتأسيس بيت الحكمة، إلا أن وظيفة هذا البيت العظيم قد اعتمدت آليات وأنشطة الترجمة (التعريب على نحو خاص). وإذا ما اندرجت في منافع البيت أعلاه الفوائد الاستخبارية والمعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فإن لي أن أفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس أن المأمون قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافتنا العربية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الهند والصين إلى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وإذا لم يكن غرض خليفة بغداد آنذاك بريئًا بالكامل، فإنه كان يشكل صورة دقيقة تؤشر وعيه بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، دون أن يقارنها مع الآخر، خاصة الآخر المختلف أو المتفوق.

أما ما تركه بيت الحكمة العباسي لنا في العصر الحديث، فإنه أبقى جذوة النزوع للمقارنة والمقاربة، كذلك لمعرفة الذات ولتبين سجاياها ومثالبها على سبيل التصحيح والتصويب، لا ريب. أما ما تركه لأوروبا الحديثة، فقد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده لها عبر الأندلس وصقلية.

وعود إلى بدء، لا أستغرب التيار الجارف الذي تحياه الجامعات العربية اليوم، بكافة أقسامها العلمية عامة باتجاه العناية بالدراسات المقارنة، خاصة على مستوى الدراسات العليا. وهذا اتجاه يستحق الاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد الذهنية العربية لمعرفة نفسها، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية لنفسها: صورة دقيقة المعالم تستحق الإشاعة والعكس محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

حنظلة هي أشهر الشخصيات التي رسمها ناجي العلي في كاريكاتيراته، ويمثل صبياً في العاشرة من عمره. ظهر لأول مرة في جريدة القبس الكويتية عام 1969. أدار حنظلة ظهره للقارئ وعقد يديه خلف ظهره عام 1973.

أصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي كما أصبح رمزاً للهوية الفلسطينية. يقول ناجي العلي أن الصبي ذا العشرة أعوام يمثل سنه حين أجبر على ترك فلسطين ولن يزيد عمره حتى يستطيع العودة إلى وطنه، إدارة الظهر وعقد اليدين يرمزان لرفض الشخصية للحلول الخارجية، لبسه لملابس مرقعة وظهوره حافي القدمين يرمزان لانتمائه للفقر. ظهر حنظلة فيما بعد بعض المرات رامياً الحجارة (تجسيداً لأطفال الحجارة منذ الانتفاضة الأولى) وكاتباً على الحائط. أصبح حنظلة إمضاءً لناجي العلي، كما ظل رمزاً للهوية الفلسطينية والتحدي حتى بعد موت مؤلف الشخصية.

وعن حنظلة يقول ناجي: «ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء. واما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع. وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.»

 

عدنان المشيمش

 

 

الروائي (جون أوهارا) كتب روايته الشهيرة " موعد في سامراء" عام 1938 ونال بسببها شهرة واسعة، ولا تزال هذه الرواية تسجل رقما عاليا في مبيعات الكتب.

والروائي المعروف (غابريل غارسيا ماركيز) كتب قصته القصيرة " الموت في سامراء".

وكلاهما قد إنطلقا في إبداعهما من القصة المسطورة في كتب التراث البغدادي بعد القرن الثامن، والتي تتلخص في أن أحد التجار قد أرسل خادمه إلى السوق، فعاد مرعوبا مرتعشا وهو يقول بأنه رأى الموت  في إمرأة تصورها الموت بعينه، وقد أوحت له بإشارات ذات تهديد ووعيد، والبعض يقول أن سيده قد أعطاه الفرس والمال وأرشده للذهاب إلى سامراء هربا من الموت الذي تيقنه، والبعض يقول أنه أخذ فرس سيده وإنطلق إلى مدينة سامراء خشية الموت وهربا منه.

لكنه وجدها أمامه في المساء عند وصوله إلى سوق المدينة، وعندما سألها لماذا توعدته وهددته بالموت في سوق بغداد، أجابته بأنها لم تكن إشارات تهديد ووعيد، وإنما دهشة وحيرة، وبأنها إستغربت من وجوده في بغداد لأنها على موعد معه في سامراء، أي أن الرجل قد قضى نحبه في سامراء.

وخلاصتها أن لا مفر من الموت إذا جاء موعده، ويمكن أخذها إلى مستويات أخرى من التعليل والتفسير والإدراك والتحليل.

 

وقد أدرك الكاتبان أهمية المدينة ودورها التأريخي والفكري والثقافي، وما قدمته من عطاءات حضارية وإسهامات فلسفية ثقافية ذات قيمة إنسانية خالدة.

ولو لم تكن المدينة بهذا الثقل الإنساني والإسطوري لما اختار الكاتبان إسمها كعنوان لما أجادت به قرائحهما من الإبداع الأصيل.

وقد أخذ كل منهما المعاني والدلالات وفقا لإجتهاده في وعي المدينة ودراستها والإمعان في إستلهام أفكارها وإبداعاتها العمرانية والخيالية.

فقد تحقق في سامراء ما لم يتحقق في أية مدينة في الأرض، لأنها كانت عاصمة للدولة العباسية في أوج تألقها، وتوهجها الإمبراطوري والفكري والحضاري والعمراني، فكانت المدينة تهيمن على ثلاثة قارات وتدير شؤونها وتقرر مصير وجودها.

وإسم " سر من رأى" كان التعبير الأصدق عن قدرات الدولة العباسية وشأنها العظيم في ذلك الزمان الذي إمتلكته وتسيّدت فيه،  وقد تحققت ملاحم فريدة في الوقت الذي كانت قوة الدولة العباسية بأكملها تتمركز في مدينة سامراء.

وكعادتنا مع جميع المدن العراقية الحضارية، نعيش في مراحل تجهيل وأمية متوارثة عبر الأجيال، فثقافة المدينة مغيبة في مناهجنا الدراسية، فكنا نعرف عن مدينة ديترويت الأمريكية أكثر مما نعرفه عن مدينة سامراء العراقية.

ولا توجد حصة دراسية واحدة في مناهجنا الدراسية على مدى القرن العشرين تتحدث عن دور المدينة وقيمتها ومعانيها الإنسانية، ولكننا كنا نمر عليها بعجالة وإهمال، وكأنها بلا قيمة ودور تأريخي أو حضاري.

ولهذا لم نقدم أي إبداع أدبي أوثقافي أصيل من رحم المدينة ومسيرتها المنيرة عبر التأريخ، ولم نكن بالدراية الكافية عن هذه الجوهرة الأثرية والدرة العالمية، لكن غيرنا في أصقاع الدنيا يعرفونها أكثر منا، ولهذا إستلهموا منها خمائر إبداعهم الذي توهج وسطع.

فرواية "موعد في سامراء" لازالت بمقروئية عالية وحاضرة في أسواق الكتب رغم أنها قاربت على الثمانين عاما.

وما يجب أن ندركه من هذين الإبداعين (الرواية والقصة) لكاتبين أجنبيين، أن علينا أن نرعى ثقافة المدينة، وأن نساهم في إحياء المعرفة الوطنية لكي تتجدد روح التفاعل الوطني الخلاق ما بين أبناء الوطن الغني بمناهل الصيرورات المعرفية الفياضة.

فهل سنعرف مدن بلادنا، أم أننا سنبقى في إستكانتنا المريرة للأمية الوطنية، والتجهيل الدائم بمدننا ودورها الحضاري؟!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

 

 

مع الاحتفال بالوان الربيع والولادة الجديدة للحياة تحتفل الشعوب ايضا بيوم الشعر، فالشعر نبض الانسانية الذي يكسو جسد الايام بالالوان كما يفعل الربيع في الارض، وقد عرفت حضاراتنا الشرقية الشعر قبل الحضارات الاخرى، فاشعار انهدوانا سبقت اشعار هوميروس بقرون طويلة، والانوثة تفيض بالشعر كما تفيض الامومة، والا مالذي يدفع فتاة عراقية في السادسة عسرة من عمرها حبسها والدها في جدران غرفتها بعد طلاقها من الرجل الذي اكرهها على الزواج منه منتهكا طفولتها البريئة!! ملاك الفتاة المنتهكة انوثتها وطفولتها بأيادي اب متزمت دينيا لا يفهم قيمة للمرأة سوى انها فراش زوجية وبطن ينجب الاولاد، كتبت قصائدها التي عبرت هن رغبتها في الخلاص من قمع الاب والمجتمع الجامد الذي ولدت فيه، وكانت ترسلها سرا الى صديقتها بمساعدة اختها التي اعارتها هاتفا محمولا كانت تنفرد به في الحمام لتدون كلماتها البسيطة وتنفث فيها روحها المعذبة والسجينة، حتى قامت صديقتها باصدار ديوان صغير يحمل اسم ملاك* ليكون شاهدا على قسوة المجتمعات التي تخوض في تطرفها وحروبها، حتى الان لم تحصل ملاك على نسخة من ديوانها لانها تخاف ان يقع الديوان بيد ابيها فيقتلها لانها اخترقت حجب السجن الذي اقامه عليها.

تقول ملاك في احدى قصائدها:

أتوق لاحضن النار

لأتذوق طعم العقوبة

لاتلذذ بفعل الخطيئة.. انغمس فيها حد الثمالة

ثم اتسلل خفيفة لاسرق مفتاح الجنة

وارميه لبيوت الفقراء

 وملاك ليست الوحيدة التي قمعت روحها وكلماتها ففاضت شعرا، فقد سمعت مرة عبر الراديو تقريرا عن سيدات افغانيات ينظمن الشعر سراً، كنت اقود السيارة فتوقفت وركنتها كي استمع باصغاء اكثر لما ورد في التقرير الذي ماعدت اذكر عن اي اذاعة كان، السيدات كن يجمعن اشعار اللاندي التقليدية الافغانية التي تتميز بانها تتكون من سطرين يتكون السطر الاول من تسع مقاطع صوتية اما السطر الثاني فيتكون من ثلاثة عشر مقطعا صوتيا، تتناول هذه الاشعار قضايا نفسية واجتماعية تعبر عن غضب المرأة الافغانية وبصورة ساخرة، ولان الاشعار كانت تقال في التجمعات النسائية فلم تنسب لامرأة بعينها وهذا وفر حماية للنساء من الاذى فيما لو تجرأت احداهن وادعت انها شاعرة. لكن سيدة منهن قررت ان تجمع هذه الاشعار وتصدرها في ديوان، وفعلا جمعت الاشعار في دفتر خبئته في غرفتها، لكن هذا الدفتر وقع في يد اخيها اثناء احدى غارات التفتيش التي تشن غالبا على غرف الاناث بحثا عن اي مجهول قد يفسر اساءة لشرف العائلة. وقد دفعت البنت حياتها قبل ان تتم مشروعها في جمع اشعار اللاندي للنسوة الافغانيات. كذلك فقدت ناديا انجومان حياتها على يد زوجها الاستاذ الجامعي الذي قتلها ضربا حتى الموت بعد ان نال ديوانها الوحيد الذي اصدرته باسمها الحقيقي ديوانها (الزهرة القرمزية) والذي نال شهرة في افغانستان وحتى ايران. هكذا يصير الشعر معادلا للموت في البلدان التي يحكمها التطرف الديني وتسيطر عليها الجماعات المسلحة والقتلة وتدفع النساء افدح الاثمان لبقائهن واستمرار عطائهن، وقد يقال ان الرجال يدفعون ثمن الكلمة ايضا ويقتلون احيانا، وهذا صحيح حين يدفع الرجال ثمن مواقفهم وكلماتهم لكن مايحدث مع النساء في المجتمعات التقليدية التي توسعت الان وصارت اكثر عنفا انها تحجب حق الوجود للمرأة وتصادر صوتها وخيالها وابداعها الذي يصير عورة كجسمها، وقديما تجاهل الرواة اشعار النساء العربيات ولم يدونوه خجلا اوتحتقارا لمكانة النساء في المجتمعات القبلية العائدة الان الى الظهور بعد انهيار الدول ومؤسساتها التي تشهده الالفية الثانية. والذي يلفت الانتباه ان القمع كلما زاد صارت النسوة اكثرا ابداعا واكثر تفننا في اساليب كسر القيود والتعبير عن الرغبة في الحرية والحياة التي يكون الشعر وسيلتها واداتها الفاعلة. لابد من تحية لهؤلاء السيدات في يوم الشعر لانهن لم يقلنه او يكتبنه ترفا بل كانت دماؤهن مدادا له وحروفهن تمجيدا لصرخات الانوثة المكتومة في مجتمعات الموت والعنف والتطرف.

 

د. لقاء موسى الساعدي

..............................

*ينظر للمزيد عن قصة ملاك مقال اية منصور موقع يلا

 

كان صوتها يتدفق عبر دروب وأسلاك الوجود النائية، فيلامس شغاف فؤادي، ويزعزع أركان روحي، ويُطلق براعم صيرورتي في تيه الرحيل، والإمتداد على بساط الأيام فوق أريكة المجهول، وأنا أقود عربة كياني إلى حيث لا تعلم عندما أطلقتني للريح،  في يوم تعسرت فيه رحلتي وتفاقمت آلامها وتأوهت تستغيث بالنار من النار، التي أوقدت فيها إرادة الصيرورة ولذة الشعور بالإمتداد في تربة الأمل وقلب الطموح. 

كان صوتها يمدني بطاقات الإنسياب الكبرى في تيارات التحدي والإرتقاء والتفوق، والتماهي بأنوار العلياء والتفاني بالجد والإقدام والعطاء، والإنتقال من بحر إلى بحر ومن قارة إلى قارة، كأنني إمتلكت شيئا من قدرات الخِضر الذي كانت تحدثني عن خطواته وحضوره في ذات الوقت بمكانين، وكـأنه يؤكد نظرية الكم ويعبّر عن أن الوجود محض طاقة ذات أشكال يمكنها التواجد في موضعين بآن واحد.

كان صوتها الواثق الهادئ الجميل المعبّأ بقوة الحياة والإيمان والأمل، والصدق والمحبة والرحمة والعزة والكبرياء، والتحدي والتمسك بالقيم والمعايير والأخلاق السامية، التي تفوح من  وجهها الناصع وشكلها الزاهي الجميل، المشحون بالرأفة والحب والشوق والحنان والإمتنان، والصفاء ورقة القلب وفيض المودة وأريج الأماني، وعطر الصلاة وصدى الابتهال والتحبب إلى الله، وهي تشدو بلسان قلبها وحنجرة روحها أسمى آيات الإصرار واليقين بأن الغد سيكون أفضل، وأن غيمة الحاضر لا تدوم، وأن الإرادة الكبرى ستحقق قانونها وتفرض معاييرها، فتخضع لها جميع الموجودات وتهتدي بهديها فتعود إلى رشدها وتستنير بأنوار الرحمة والألفة والأخوة السمحاء.   

كان صوتها يتدفق من ينابيع أعماقها، ويجري كتيار الخير الذي يريد أن يكسو الأرض باللون الأخضر، ويشيّد جنات غناء تأنس فيها الأطيار وتغرد، ويفرح الإنسان ويشكر ربه كل مخلوق، يتطعم بلذيذ النعمة وحسن المقام والرفعة والقوة والبهاء.

وما أن يلامس صوتها مسامعي حتى تضطرب خلجان أعماقي، وتفيض ينابيع كينونتي وتتدفق مياه أفكاري، فأستكين لهذا الفيض السماوي الذي يُغرق فضائي ويذيبني في جسد الضوء، ويمنحني عسلا لذيذا للأنوار القدسية، التي تنبعث من شجرة درية في حدقة السماء.

كان صوتها أطياف ساحرة تتهادى في وجداني وتخلّق معالم أيامي، وترسم خارطة تألقي وإنتمائي إلى جذوري وتفاعلي مع تراب إبتدائي، ويحدد مواقع خطواتي فوق صدر التنامي،  ويأخذني إلى أفلاك الرجاء البعيد، فيستخلص من روحي طاقات اليراع وإرهاصات إرتقاءٍ في أحضان الصعوبات، فأجد العسر يسرا، وأن الشمس تشرق أبدا في صباحات وطاني.

كان صوتها إكليل غار من التوحد بذاتي الكبرى، وتاج عرفان بالقدرة على أن أكون في فم بركان السفر، وفي محطات المواجهة الملتهبة ما بين حمم التشظي والتداعي، والولادة الأفضل من رماد القارات الصاخبة في طرقات الصعود إلى قمم الغايات، والمضي في حلبة الصراع التي لا تعرف  غير سيوف القوة وبنادق السطوة وأبابيل الطمع والحرمان.

وهو يحصنني من داء اليأس ويعالجني من أمراض الخيبات، ويمدني بطاقة التواصل والتفاعل المتجدد مع مفردات الأيام،  فتنطلق قدرات أعماقي، وتلمع كل جوهرة مدفونة في رماد عجزي، فأغلي ويتصاعد بخار كينونتي ويتردد صدى أزيز فوراني في أروقة روحي، فأستشعر قيمة وجودي وأعرف دوري وأقرأ رسالتي بإمعان.

كان صوتها ينبوع أماني وشدو سماءٍ ترتله بنياط قلبها، فأصغي لألحان إرادتها ومواويل كبريائها، وأنصت بخشوع لآيات المطلق وهي ترتلها بأعذب لسان وأجمل لحن، فأكون في حضرتها، مثل نقطة ضوء تذوب في شعاع الأبد، وتنتشر في أصقاع الفضاء وتتجاوز الحدود، وتنتصر على قدرات الجذب، وتتحرر من جميع القيود وتنتمي إلى كون الذات العلوية.

كان صوتها يمنحني طاقات حياة، ووثيقة بقاء ونماء في صحراء المجهول، التي طلقها مطر الإنسانية وحَجبت عنها النور زوابع الرمال الهابة من براكين الغضب الثائرة، من شدة العطش وإنفجار الظلم وإنسحاق الضمير، وغياب أسباب التآخي وحسن الصدق والإنتماء إلى جوهر الأنوار.

 كان صوتها نعمة عظيمة  أغدقها الله على روحي، أستحم به وأتخلص من أوذان النفس، وأستعين به على نفسي من أمارة السوء التي فيها، وأديم به ينبوع خشوعي وأوقد أنوار وجودي،  فهو شراعي الذي يدير دفة مركبي ويحدد إتجاه خطواتي رغم الأمواج المتلاطمة والصراعات المحتدمة، وعواصف الرياح التي تريد النيل من شجرة روحي المثمرة.

فصوتها يجعل أغصاني تتمايل وأثماري تتراقص حالمة بفم ترضيه لتمده بطاقة إبداع وأمل.

كان صوتها يرويني ويغسل قلبي ويعصره وينقيه، فأكون أنقى وأصفى وأجمل كلما تدفق صوتها في أعماقي.

وهكذا فأن صوتها البعيد الذي يخترق البحار والمحيطات ويتقطر من أفئدة أمواج التقارب والتفاعل الأعظم، لهو أعذب شراب أحتسيه بكأس الأنوار القدسية فأتخلق به وأحلق في علياء الأضواء،  وهو في يقين فؤادي، وينبوع حياتي وبهجة أكواني ونور عقلي، ومِرجل أفكاري ومداد ديمومتي وصيرورة روحي، وإندماج كوني بذات عرشٍ منير في فضاء المنتهى ومطلق الوعي ونبع اليقين.

كان صوتها الرؤوف الرحيم البعيد القريب، يبعث في أرجاء وجودي حرارة الحياة، ويبث إرادة التحدي والإيمان بالنجاح .

وبصوتها أكون، لأنه طاقتي وطعام روحي وسلافة مشاعري، ورحيق إنفعالاتي وعنوان أفعالي، وموئل ذاتي ومشروع أحلامها رغم عوائق الأزمان، لكنها صنعتني، فكنت صوتها الذي يعبّر عن صوتها، لأنه مولود من رحم إصرارها على الحياة.

فهل عندي أعظم من صوت الصدق والمحبة والرأفة والوفاء ونقاء الأشواق وطهر الحنين.

إنه صوتها الذي اسمعه بقلبي وروحي رغم طول المسافات، ذلك الصوت الذي أوجدني في لحظة تجلي.

قد خشعت لصوتها، فاعذروني ودعوني أصلي في محرابه صلاة ناسك يسبّح ببر الوالدين وأرتل آيات أمي التي لا تلدني مرتين، وقد فقدتها منذ عامين!!                                   

وفى ذهبتْ فأثكلني الغيابُ

 وعَنْ وَجَعٍ يُحَدّثني الترابُ

هيَ الدنيا تشاغلنا بأمْرٍ

وأمْرُ مَصيرنا كُتِبَ الكِتابُ!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

أسدل ليلة أمس الستار على آخر ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الباردة، تاركا المجال لفصل الربيع ليطبع مدينة فاس بأجواء ربيعية هي منذورة لها، كما كانت  في زمنٍ آخر غير هذا الزمن الرديء، حيث كان اسم مدينة فاس حينما يرد على الخواطر، تنبعث في الأذهان أجمل صور لمدينة رائعة ترتاحُ مطمئنة بين دراعي جبلي "تغات وزلاغ " العاشقان المتيمان، حارسها الوفيان، وما يطوقان من قلائد البساتين الخصبة والجنان الغناء، التي تحوطها من جوانبها الأربعة .

فاس كما كانت في الذاكرة الشعبية، في كتب العلم وفكر العلماء، ملهمة لمختلف معلمين الإبداعات والفنون، وباعثة للبهجة والحبور، الذي عرفت به "جناناتها والعراصي" الحاضنة " للنزايه " والإحتفاء بالربيع، والتمتع بجمال الحياة بساتين الزيات، وجنانات باب الجديد، وحقول زواغة، وغابة عين الشقف، وحامتي سيدي حرازم ومولاي يعقوب وفضاءات بوركاييز وشلالات صفرو.. وغيرها من المؤهلات الطبيعية التي خصها الله بها، التي أعطتها الطابع الربيعي الذي يقاوم، والمد المديني المتحضر، الذي لا يضاهى، والبعد السياحي غير المستغل مع الأسف، وقد كان يمكن أن نستطرد في سرد مزايا وشمائل فاس وأهلها، لو أنها ظلت كما عرفت عليه عبر التاريخ، شامخة زاهية مزدهرة، لكنها مع الأسف، لم تعد كذلك ولم يعد بالوسع قول شيء آخر عنها، غير عبارات الأسى والتأسف على حالها الذي أصبح  مستباحا، إنها والله لحسرة وألم كبيرين، أن يأتي الربيع ليجد فاس وقد غرقت في فيض من النواقص، التي بهدلت منظرها، وقوضت جماليتها، وحطت شموخ ماضيها، إنها لا تستحق كل هذ العقوق، وقد من الله عليها يكل هذه المؤهلات الضخمة والإمكانات الجبارة .. حميد طولست

جاء ديوان رزيقة بنت الهضاب على هذا العنوان المميز كصوت واضح انطلق من الأهرامات الشاهقة  ليثبت للآخر بوجود امرأة من الجزائر ليس في الكفاح المسلح ضد الاستمارة الذي رسمته بالدم والدموع بل جاء ليبرهن للعالم أن الجزائر ولادة للمرأة في الأدب أيضا وتحديدا في الشعر وهاهو ديوان امرأة من الجزائر يطرق باب الحياة من دار النخبة  بقصائد تسبح في ملكوت الشموخ والتحدي وجاءت بعد مقدمة قوية عن نضال الر/ة الجزائرية من عهد الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال وكيف استطاعت أن تبرهن عن وجودها في عالم الأدب في وسط مجتمع ذكوري الذي يطال الواقع الجزائري

بين الحب والامل والتحدي نغوص في معالم الحرف الرقيق المكتنز بقوة التحدي والصبر في نصوص منتقاة فجاء التحدي في قصيدة الوداع الكاذب في قول الشاعرة

وكان الملام عن الحب والثأر في قولها

أنا امرأة من نوع \آخر

انأ من تحمل الحب الثائر

وفي  قصيدتها صحراء حياتي

في قولها

الأرض ترفض بقايا موتي

والكفاح مستمر لأجل العودة

كما تشعبت الشاعر في قصائدها فتحدثت عن الأم وعن الأخلاق وعن العراق وعن الآخر

فراحت تغزل من الكلمات آهاتها لتأتي القائد ترجمة لها

وكانت بنت الجزائر أول ما افتتحت به ديوانها ليحمل الديوان عنوان امرأة من الجزائر فهنيئا للجزائر بك سيدتي مع إصدارات أخرى لإثراء المكتبة الجزائرية والعربية بقلم نساء من الجزائر

 

بقلم ليندة كامل الجزائر

امرأة من الجزائر

المقاهي الثقافية، ظاهرة بدأت تنتشر في العاصمة الحبيبة بغداد، وخصوصاً في منطقة الكرادة، فبعد مقهى (بُن رضا علوان) ومقهى(كَهوة وكتاب) برز مقهى (الشمعدان) بقاعتهِ الجميلة، وموقعهِ الأجمل، وإبداع التصميم، مع رقي الحضور...

أقام إتحاد المثقف العام، أُمسيةً شعرية كعادته في إقامة الإمسيات، لكنهُ جعل منها مسابقةً يتنافس فيها الشعراء، وفسحةً يتنفس منها الأدباء، ولا سيما الشباب منهم، فلم يجعل شرطاً أو قيداً للمشاركة، وبالرغم من تحفظنا على ذلك، لكن لا بأس أبداً، فالشعر بوحٌ لشعورٍ إختنقَ بهِ صاحبهُ، أو وجع لا بُدَّ لهُ من ألم الكلمات، وقد كان وجعُ الشاعرِ(ماجد الربيعي) كبيراً، حينما أبكى الحضور بمرثيته لأخيه الفقيد....

جلسةٌ في قلبِ بغداد النابض بالحياةِ، بالرغم من الآسى، وفي منطقةِ الكرادة المنكوبة، التي طالتها يد الارهاب بابشع صورهِ، بانفجارٍ إحتوى مادة غريبة، بعربة أكثر غرابة، في دخولها المكان وطريقة تفجيرها فيه، ذلك ما حدث في شهر رمضان من العام الماضي قُبيل مجيئ العيد...

هذه الأُمسيات والجلسات المتنوعة، التي يقيمها إتحاد المثقف العام ورئيسه (رياض جواد كشكول)، وغيرهِ من الإتحادات والروابط والمجموعات الأدبية والفنية، أعادت إلى بغداد ومناطقها، روحها التي حاول الأرهاب أن يسلبها منها، دون وجلٍ أو خوف، لكن بغداد ظلت عامرة بأبنائها وكتابها وأدبائها ونخبها...

ثورة الإصلاح

لكي تكون هناك ثورة حقيقية للإصلاح، يجب إبتداءً تشخيص الخلل، ثم الشروع في إصلاحه، وأن خير مَنْ شخص الخلل هم الكتاب والادباء، ولذا فقد بادروا إلى إصلاحهِ، عن طريق تحويل المقاهي من أماكن تضج وتعج برائحة الأركيلات، وتسويق التفاهات الفكرية، إلى أماكن لإقامة الإمسيات الثقافية والأدبيىة والفنية، التي كسبت كثير من اؤلئك الشباب، وأبعدتهم عن كل ما يشعرهم باليأس والإحباط، وأدخلتهم في مجالات عديدة، فبثت فيهم روح الرغبة والأستمرار....

ترويج وإستثمار

لا يخفى السر إذا شاع بين أثنين، فكيف بهِ إذا شاع وأنتشر في بغداد، حيث أصبحت سمعة المقاهي على أنها أوكار لتجارة المخدرات ومثلي الجنس، وفعل العادات السيئة، التي يمقتها الدين والمجتمع، ظناً من أصحابها أنهم بذلك يحققون الربح المادي المطلوب، ولكنهم لا يدرون بانهم يقضون على جيلٍ كاملٍ من الشباب، صحياً وفكرياً، بينما قد تحقق الإمسيات التي تقيمها الاتحادات الثقافية والروابط والمجموعات الادبيه وغيرها، لهم نفس الارباح مع بناء جيل واعي وصحيح

بقي شئ...

هي دعوة لجميع اصحاب المقاهي (ليس في بغداد فقط بل في جميع المحافظات وانحاء العالم)، لإقامة أُمسيات ثقافية وادبية وفنية، وان يساهموا في بناء الوطن بدل هدمه...

 

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

 

 

 

حروف الدم رواية تتحدث عن أسرة (أم عراقية وأب كويتي) وبسبب الحرب التي نشبيت بين البلدين تشتت الأسر وكان من ضحاياها أبناء هذا الأسرة حيث أن البطل أسامة يعيش حالة ضياع في البحث عن والدته بعد وفاة والده الذي كان سببا في اختفاء أمه" سلمى"

في خضم هذه الرواية تجري أحداث البحث المضنية التي يخوضها البطل على مدار سنوات  حيث عرضت الكاتبة أحداث الرواية بأسلوب بسط بلا تعقيدات وبهذا فإنها استطاعت أن توّصل أفكارها لعامة القراء فكانت بعض الأفكار الضمنية منها الصداقة الحقيقية والتضامن حيث ظهر في علاقة سليمة ونجوى ثم في علاقة صالح(رتشارد) وأسامة

ثم دخول رتشارد إلى الإسلام في إشارة إلى أخلاق الإسلام التي تتميز بالصدق والمحبة والتعاون الصفات التي يفتقدها المجتمع الغربي ويظهر جليا في تعاونهما في رحلة البحث عن والدته وإقحامه في مجال عمله  دون إجراءات معقدة 

رغم الظروف النفسية القاهرة التي مربها البطل إلا أن صديقه كان سببا في زرع الأمل فيه دائما حتى بعد انفلاته واستسلامه لهواء النفس في لحظة ضعف كان رتشارد سببا في عودة أسامة إلى نفسه ا والى شخصيته المتزنة والمنضبطة تتواصل أحداث الرواية بوتيرة سريعة مع أحداث كثيرة متداخلة كأنك في فلم درامي تركي أو مكسيكي ثم نسترجع أنفاسنا بعد غياب أسامة بعد خروجه في مظاهرات ضد الرسومات المسيئة لرسول في الدنمارك  ثم تنكشف خيوط المختفية في هذه الرواية فكانت حروف الدم رسالة قدمتها سلمى لصديقتها نجوى قبل مغادرتها بيت صالح زوجها عندما كانت تعيش معه حياة بائسة جعل نصف الرسالة مع نجوى ونصفها الأخر  بقى غامضا حتى نهاية الرواية لتتضح  الغموض وتفك عقدة حروف الدم  في

رحلة البحث عن الحقيقة أرهقت القارئ ودفعته في ذات الوقت إلى  إتمامها حتى النهاية لكشف أسرارها لكن ملاحظة قد اقحم نفسي فيها كقارئة وليس كناقدة إذ وجدت أن الحبكة لم تكن متقنة حيث يأتي احمد احد أقارب أسامة ويطرح سؤالا ..من ثم تتضح مكامن الرواية. 

رواية حروف الدم جاءت بطابع درامي مشوق ومسترسل بطريقة ذكية ربما نقص خبرة الروائية اظهر بعضا من التناقضات الطفيفة وتبقى تجربة جميلة تستحق القراءة 

 

بقلم: ليندة كامل الجزائر

روايات مختلفة حول قصة البيت وكيف تخلَّص أبو تمام:

البيت لأبي تمام، وهو:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

المناسبة:

امتدح أبو تمام أحمدَ بن الخليفة المعتصم في قصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعةً من باس *** تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراس

فلما بلغ قوله :

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

قال يعقوب بن إسحق الكِندي ناقدًا:

"إن الأمير فوق ما وصفت، ولم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب، فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟"

أطرق أبو تمام قليلاً، فحضره بيتان ارتجلهما، على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ****  مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ***   مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

 

بهذه الإجابة المفحمة ذكّر أبو تمام بأن هؤلاء المشهورين الذين أشار إليهم في معرض مدح الممدوح- جزء من عظمة العرب، وقد ذكرتهم العرب في أمثالها المشهورة، وذلك طبيعي أن نذكر الجزء للدلالة على الكل، فالله قد اختار المشكاة (كُوّة صغيرة)-  لكي يضرب بها المثل على نوره تعالى وهو أبلغ من أن يوصف، فجعل المشكاة التي فيها مصباح لتقريب الصورة لعباده، وذلك في إشارة لآية سورة النور {الله نور السموات والأرض، مثلُ نوره كمشكاة فيها مصباح…}- النور، 35.

والتشبيه كما نلاحظ ضمني، ودفاع أبي تمام كأنه يقول: لا تثريب علي في ذلك ما دام القرآن قد ضرب  التشبيه الأقل لنوره.

..

استطاع الشاعر في رده الحصيف أن يحوزعلى ثقة الخليفة، ويقال إنه أصبح واليًا على المَوصِل جزاءً على سرعة بديهته.

قيل: أخذ الكندي الرقعة التي كان قد دوّن فيها القصيدة، فلم يجد فيها هذا الرد المفحم فقال متفرسًا:

 "إن هذا الرجل لن يعيش طويلاً، لأنه ينحِت من قلبه".

(انظر: ابن رشيق- العمدة، ج1، ص 167- باب البديهة والارتجال.)

 

على ذلك، صدقت فراسة الكِنْدي، حيث توفي أبو تمام عن ثلاث وأربعين سنة (188- 231 هـ).

..

لكن ثمة دفاع عن الشاعر، وقد يكون ردًا على الكندي:

لقد أبدع  الشاعر في الجمع بين مشاهير في أكثر من ميدان- في أقدام عمرو بن مَعْديكَرِب وفي حِلم أحْنف بن قيس، وفي ذكاء إياس القاضي وفي جود حاتِم الطائي، وكلٌّ قمة في الفضل والسؤدد، فهم ليسوا أجلاف العرب كما زعم الزاعم، بل  إن الممدوح جُمع في مفرد، أو أن الله جمع في الممدوح ما فرّقه على غيره من عظماء الرجال، فقد جمع فيه من أحاسن الصفات ما لم يجتمع لغيره،  أو كما وصف أبو نواس:

ليس على الله بمستنكر ***  أن يجمع العالَم في واحد

..

يذكر ابن خَلِّكان القصة، ويروي الرواية التي تقول إن الممدوح هو الخليفة المعتصم، (وليس ابنه أحمد) وكان الوزير حاضرًا.

يعلّق ابن خَلِّكان على هذه القصة، فيقول:

"هذه القصة لا صحة لها أصلاً"

يقول في مادته عن أبي تمام (وفَيات الأعيان، ج2، ص 14-16):

 

"إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس

 قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

 فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس

..

 فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر.

 فقال له الخليفة: ما تشتهي؟

 قال: أريد المَوْصِل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات.

 وهذه القصة لا صحة لها أصلاً."

..

يمضي ابن خلكان في ترجمته لأبي تمّام، ويقول:

"وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب "أخبار أبي تمام" ( ص 231- 232 ف.م)، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف، وكان حاضرًا:

 الأمير فوق من وصفت.

 فأطرق قليلاً، ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخِذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته.

ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريبًا. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا."

يقول ابن خلكان:

"وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها.

 والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يلِ واحد منهما الخلافة."

...

وردت في (المُوشَّح، ص 366) للمرزَباني رواية أخرى، أن الإلقاء كان أمام الكندي لما سأله:

"أنشدني أقرب ما قلت عهدًا"، فأنشد قصيدته التي يقول فيها:

إقدام عمرو ....

فقال له الكندي:

 ضربت الأقل مثلاً للأعلى، فأطرق أبو تمام، ثم قال على البديهة....(البيتين)".

..

ثم يذكر المَرزَباني رواية الصُّولي، بأنه ألقى قصيدته على أحمد بن المعتصم، ويضيف:

 "فقال له الكندي وكان حاضرًا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها- لا تنكروا ضربي له من دونه، وذكرهما، قال: فعجبنا من سرعته وفطنته."

...

هناك من يرى أن البيتين كان أبو تمام قد أعدهما مسبقًا لحالة "الطوارئ"، فقد توقع أن يعترض ناقد من بين الحضور، وحتى لو صح ذلك فهذا أيضًا ذكاء شديد- أن يأخذ للأمر أهبته.

..

ثم إن الشك في صحة القصة لا ينفي جمالها، ولا يقلل من أهمية البديهة والارتجال، والبيتان بليغان حقًا في وجه التخلص، وفي هذا التشبيه الضمني الرائع.

 

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 


ميساء زيدان ترسم بالكلمات لوحة شعرية تتعامل ببساطة ممتعة مع العالم، تكتب عن المرأة وتدافع عن حقها في الحياة وعن دورها في مجتمع تطغى عليه الذكورية بنص شعري

في بلادنا العربية اليوم نعيش فوضى وإرهابا وأحلاما ضائعة. حسب رأيميساء زيدان  هل كتابة الشعر في مثل هذه الظروف مجدية؟ فكان رد الشاعرة “كتابة الشعر في هذه الظروف واجبة. شهادتنا على ما يحدث من خلال تأثير الوضع السياسي علينا نحن كأفراد، تأثير ذلك على الرجال على النساء والأطفال.

 ميساء زيدان ناقشت قضية المرأة، وناقشت ازدواجية الرجل الشرقي في وطنه وفي أميركا عندما يكون المحك لإثبات ذلك. المرأة العربية لا تقل قيمة عن المرأة الغربية، فعلى الرجل أن يضع ميراثه المجتمعي الرجولي عن كاهله؛

ليست القصيدة في  الشاعرة ميساء زيدان سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.

التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

هذا نوع من الكتابة لا يحتمل تورية بمعنى، هي تعرف بالضبط أن هذه الشحنة من العطش لا تحتاج إلا لنوع من الملامسة الحانية فتعود التويجات ثانية للتفتح . أفكر بكل ما يحيطنا وصباح تكتب في أثناء الوجع، في أثناء التجربة فأعرف أن الألم، ألم الاشتياقات الصاعق حضر وأتخذ هذا المنحى من الأسى الشفيف. الولع هنا في قصائدها

 كالوداع يبدو مرهقا مهلكا جدا لكنني لا اسمع أي نوع من الحسرات

 

السفير الدكتور غازي أبو كشك

في ما يلي ترجمة عربية لهاتين القصّتين بالعبرية، كتبهما السيّد راضي بن الأمين صدقة الصباحي (رتصون بن بنياميم بن صدقة الصفري، ١٩٢٢-١٩٩٠)، ونُشرتا في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددان ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٧-٤٩. بنياميم (الأمين) نقّح ما خطّ والده. 

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

 

ا - عجيبة إلعزار

”يوسف بن حبيب (حوڤڤ) بن يعقوب صدقة الصباحي، المعروف بكنيته أبو جلال، رحمه الله، مرّ ذات مرّة بجانب قرية عورتا (عَوَرْتِه باللفظ السامري) الواقعة جنوبي نابلس، حيث قبور الكهنة الكبار، إلعزار وإيتمر ابني أهرون، فنحاس بن إلعزار، أبيشع ابنه، والسبعون شيخا.

مرّ، بكونه بائعًا متجوّلًا، بجانب قبور السبعين شيخًا، رحمة الله عليهم، وإذا به يرى فلّاحًا عربيًا من سكّان القرية، يحفُر حفرة للتبرّز فيها، بالضبط بجانب هذه القبور المقدّسة. علّق يوسف على ذلك وقال له: لا يُفعل مثلُ هذا الشيء في قبور الصالحين.

ضحك الفلاح وقال: كعادتكم أنتمُ السامريون تؤمنون دائمًا بالهُراء والأمور الجوفاء. قال له يوسف: أنظر يا صديقي، لقد حفرتَ وتكوّم التراب في هذه الكومات الكبيرة ولكن برازك قليل جدّا، فكلّ ما حفرته كان هَباء.

كلّ طَلَبات يوسف ذهبت أدراج الرياح؛ ترك يوسف الفلاحَ، وسار في دربه، وفي فيه طلبُ السماح والمغفرة للفلاح المسكين الصفيق.

 

في اليوم التالي، حينما دخل يوسف قريةَ عورتا ليبيع بضاعته من القماش الدمشقي، وإذا بضجيج وصخب ونواحٍ يفطر القلب، تنبعث حزنًا على شخص مات فجأة. الميّت كان نفس الفلّاح الذي التقاه يوسف البارحة. سأل يوسف أهل القرية: إنّي رأيته البارحةَ يحفُر خارج القرية، وهو معافىً كالحصان؟

قال له أهل البلد: هذا صحيح، هذا ما رواه أمسِ لزوجته، كما وذكر لها أنّ سامريًّا جاءه وحثّه على التوقّف عن الحفر. وبعده، أتى أطفالُ صدّيقين وطلبوا إليه أن يستجيب لطلب السامريّ، لكنّه لم يستجب لهم. عند انبلاج الفجر فارق الحياة.

 

ب- قفزة عجائبية، انتقال من مكان لآخرَ بسرعة البرق

سمعتُ هذه القصّة من والدي، المرحوم الأمين بن صالح صدقة الصباحي (بنياميم بن شلح صدقة الصفري)، رحمه الله وهو بدوره سمِعها. ليتنا نحظى بأن يحدث لنا اليوم، ما جرى في القصّة في تلك الأيّام. في منتصف القرن التاسع عشر، سكن على سفح جرزيم، جبل البركة، في مدينة نابلس جنبًا إلى جنب، مع أبناء طائفته السامريين، الرجل المستقيم والبارّ، إسحق سوريه. سار في الصِّراط المستقيم، ولم يلتفت لا يُمنة ولا يسرى. كان سقّاء، واعتاش من نشل الماء للطائفة. في ساعة مبكِّرة من كل صباح، كان ينزِل لمكان يدعى ”عين العسل“، ينبوع ينبع من ּأعماق جبل جريزيم، يملأ دلاء الماء المعلّقة على عصا، يحملها على كتفيه، ويوزّع الماء على بيوت السامريين.

هكذا عاش إسحق، وأعال عائلته بكرامة، ورأى أبناء الطائفة في ذلك بركة من الله، وأُطلق عليه بين ربعه اسم ’بركة‘. زيارة السامري لقبور الكهنة الكبار، أبناء أهرون، إلعزار وإيتمار وفنحاس بن إلعزار في قرية عورتا، هي فريضة دينية. في صباح يوم صيفي جميل، نهض باكرًا الكاهن الأكبر، يعقوب بن أهرون وبعض وجهاء الطائفة. حمّلوا حُصنهم وحميرَهم بآنية الماء، وبكلّ ما لذّ وطاب من طعام، لتناوله بجانب قبور الكهنة الكبار، ولرفع الصلوات لله من أجل أرواح كل جوق إسرائيل، ليُسكنهم في جنّة عدن إلى الأبد. صعِدوا في الطريق المؤدية إلى قبر الكاهن إلعزار. غادروا مدينة نابلس، منطلقين من جانب ”عين العسل“، ورأوا إسحق هناك يملأ دلاءه. طرحوا عليه السلام، السلام عليك يا إسحق. السلام عليك يا سيّدي الكاهن الأكبر، السلام عليكم أيها الوجهاء، ردّ إسحق. وعندما همّوا بالمغادرة، سألهم إسحق: إلى أين أنتم متوجّهون هكذا على جناح السرعة مع حُصُنكم؟

أجابوه: وِجْهتُنا إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، ضع تنكات الماء خاصّتك وتعال معنا. قال لهم: ولمن أترك الأولاد والزوجة؟ إنّي أملأ هذه التنكات، وأوزّعها على أبناء الطائفة، أتسلّم ثمنَها، وبعد ذلك سألحق بكم. ضحك الكاهن الأكبر يعقوب قائلًا: يا إسحق يا بُنيّ، كيف تتمكّن من القيام بكلّ ذلك؟ إلى أن تنتهي من توزيع الماء، نكون قد رجعنا من هناك، لا يا بُنيّ، لا تكلّف نفسك عناءَ فِعل ذلك الآن، إذا لم تتوفّر لديك المقدرة والوسائل، إذهب إلى عملك وليكن اللهُ معك“.

ردّ إسحق: ”أشكرك يا كاهني، أشكرك على بركتك، مع كل هذا، إنّي آتٍ وإله آبائي يَهديني في هذه الطريق“.

٣٤٥ مرّةً  أ. - ب.

ابتسم الوُجهاء خِفية، في أنفسهم (من تحت شواربهم)، حثّوا حُصُنهم وحميرهم لكي يصلوا قبل شروق الشمس، ليصلّوا صلاة الصبح على قبر إلعزار. وصلوا بوابة القبر، وإذا بصوت الصلاة والإنشاد منطلِقٌ من ساحة القبر، حلّت بأجسادهم رجفة، وما عرفوا من المصلّي. دُهش الرجال جدًّا وظنّوا أن المصلّي  ما هو إلّا ملاك. لملموا قِواهم وشجاعتهم ودخلوا ساحة القبر.

ومن رأوا هناك؟ إنّه إسحق، بركة، السقّاء، يجلس في وسَط الساحة ويصلّي بهدوء، وأحيانًا يرفع صوته. ذَهِل الكاهن الأكبر يعقوب وقال: هل أنتَ إسحق؟ نعم، أنا هو، لماذا تأخّرتم في المجيء إلى هذا الحدّ؟ استفسر إسحق بركة. ردّ الكاهن الأكبر: كيف تمكّنت أنت من الوصول قبلَنا، ولا حصان أو حمار لديك أجابه إسحق: فور تركِكم لي، توجّهت أنا أيضًا وسرت في طريقي، وزّعت الماء على أبناء طائفتنا؛ بعد ذلك بدأتُ أمشي في طريقي الطويلة هذه. كنت أمشي وأصلّي، وعلى حين غِرّة رأيت أنّني في باحة القبر، ولا أحد معي. استغربت جدا لأنّكم لستم معي هنا.

قال له وُجهاء الطائفة: ماذا كنت تصلّي يا أخانا إسحق؟ فأنت، كما هو معروف، أُمّي ولا علمَ لك بالصلوات.

أجابهم إسحق: صدقتم، لذلك بدأت بترديد الأبجدية، وأنا ּأحرّك حبّات المسبحة التي بيدي ٣٤٥ مرّة، وما أن وصلت هذا الرقم وإلا أنا هنا، في المكان المقدس.

بعد أن أنهى إسحق قصّته، قال له الكاهن الأكبر: يا إسحق، نصيبك في الآخرة أكبرُ من نصيب كلّنا، لأنّ مجموعَ قيمة حروف (حساب الجُمَّل) موسى، النبي العظيم، هو ٣٤٥، الميم يساوي ٤٠، الشين ٣٠٠ والهاء ٥، وهو الذي نقلك إلى هنا بهذه السرعة، لكونك إنسانًا ورعًا ومحبًّا للحقيقة والعدل، وبسبب هذا حصلت لك هذه الأُعجوبة.

ركع الجميع وسبّحوا الإله العظيم، لأنّه أنعم من خيراته ونِعَمه على أبناء طائفته ومؤمنيه المساكين.

تلك الطريق بين نابلس ومكان القبر في عورتا، يسمّيها السامريون حتى يومنا هذا، باسم ”قفزة طريق“ ذكرى لفعل إسحق بركة“.

 

 

اصبحت اليوم الرواية العراقية لها الكثير من القراء الذين يُسارعون على قرأتها، ويحاولون قراءة ما بين سطورها، ومن الروايات التي برزت هذه الايام في الشارع العراقي رواية (مقتل بائع الكتب) للكاتب العراقي سعد محمد رحيم، ففي هذه الرواية اعتمد الكاتب على المذكرات والرسائل كثيراً في سرد الاحداث ولم يعطي فرصة لتعرف على  الشخصيات التي تدور حول بطل الرواية، بمعنى كيف يفكرون؟ وفي نفس الوقت لا يدع لهم مساحة لتعبير عن افكارهم او ما يدور في حياتهم الشخصية، خصوصاً المقربين من محمود المرزوق، وكثيرا ما كان الكاتب يجهد نفسه في وصف ملامحهم، ولا يتحدث عن حياتهم بصورة عامة، والشيء الادهى ان البطل يضيع في ذاكرة الاخرين، حتى الرسائل التي تتحدث عن البطل قد استخدمت كثيراً في سرد الاحداث بمعنى هذه الورقة استهلكت في النص اكثر من مرة ان صح التعبير. وفي اثناء قراءتي للرواية وجدت صوت الكاتب يخيم على جميع الشخصيات، وكأنني اقرأ رواية تتحدث عن الكاتب سعد محمد رحيم، ولا تتحدث عن انفاس محمود المرزوق او جانيت او ناتاشا او ابن اخت محمود المرزوق وغيرهم.ة وكثيراً ما تغيب اصوات الشخصيات والكاتب يعوض عنها بتلك الرسائل او المذكرات التي تملئ الرواية وتأخذ حيز كبير من الكتاب. حتى الحوارات التي تدور بين الشخصيات شحيحة وتخلو من الحبكة التي تجعل القارئ يتفاعل مع احداثها ويغلط في توقعاتهُ في نهاية الامر. اما مغامرات العشق التي يخوضها البطل فكان الكاتب بارع في ايصال الصورة، ويجعلك تعيش مع مغامرات محمود المرزوق، ومن الوهلة الاولى يخيل لك تعيش في ازقة براغ، وتصعد مع المرزوق في نفس القطار الذي تعرف فيه على ناتاشا، ويجعلك تحلم بشوارع باريس وتطوف في عيون جانيت، وتطيل النظر في لوحات المرزوق، وتستيقظ عندما المرزوق يعود الى العراق، كل هذه الامور تحتسب للكاتب، ولكن في نهاية الرواية يفاجئنا الكاتب بالقبض على من قتل محمود المرزوق وقد اعترف بجريمته ولكن المرزوق لم يكن الشخص المقصود في هذه الجريمة، بمعنى المرزوق كان مقتولاً بالخطأ، وهنا يطرح سؤال لماذا الكاتب انهى حكاية بطلهُ هكذا؟ هل يريد ان يقول لنا هنالك الكثير من امثال المرزوق يموتون بنفس المصير؟ ام ان زمن المرزوق بما يحمل من افكار قد اصبح من التاريخ وما عاد لها اهمية؟ ام انه يريد ان يصور الواقع المر الذي نعيشه يومياً؟ وهناك الكثير من الاسئلة... واعتقد ان الكاتب سعد محمد رحيم لم يأتي بشيء جديد لان رواية (فرانكشتاين في بغداد) قد تحدثت بإسهاب عن معاناة الشعب العراقي من جراء التفجيرات، وكذلك المصير المجهول لكثير من الناس، وما يؤسفني حقاً ان كتابنا هذه الايام كثيراً ما استخدموا هذه المادة التي اصبحت مستهلكة ، بمعنى كثيرة الاستعمال في عالم الرواية العراقية.

  

حسين علي خضير الشويلي

الشاعرة الألمعية العراقية  الكبيرة ساجدة الموسوي عنوان للشموخ ..

وأنت تستمع إلى الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي ينتصب أمامك السياب بكل تجلياته وتداعياته .. تنجلي أمامك على مرمى عين جيكور والبصرة ونخلة باسقة في ربوع العراق تمتد على مدى البصر وسعفها يغازل دجلة والفرات ..

ومواجع المآقي ..

هي ذي عوالم الكون الشعري عند الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي من العراق الشقيق وهي تعيشه حسرة وقسرا بمنأى عن حٌلمته ونبضٌ وجدانها مصلوب بين حضارة الأشوريين وبلاد مابين الرافدين والبابليين وسامراء كربلاء والنجف والبصرة وبغداد العهد العباسي المزدهر وبكل حفنة تراب من عراقنا المسلوب المغتصب .. وقصور العباس التي انهارت بفعل فاعل ..

وامعتصماه ...

وا معتصماه  ...

يا أنفاق " عمورية ..

يا دهاليز عمورية ..

وا معتصماه ..

وا معتصماه ..

هو ذا المدى والكون الشعري عند الشاعرة والذي ابهر الشعراء بالملتقى الدولي لربيع الشعر بالبليدة ..

شموخ الروي والتفعيلة ومدى بحجم الروي والقافية والمدى العائم بين تضاريس الشاعرة الكبيرة ساجدة الموسوي ..ومواجعها

اعتلت المنصة أكثر من مرة في هذا الملتقى فأرست دعائم القول حين قالت للروي تعال ..

تحية إكبار وانحناء وإجلال أيتها الكبيرة : مروءة وشعرا وأنافه في هذه القطوف العطرة السريعة  ولنا أوبة إلى عالمك الشعري الأخاذ.. ..

تقبلي تقديري واحترامي

 

كتب: احمد ختاوي

 

 

إذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز..

عرّف واحد من أهم مفكري عصر الثورة الصناعية، ماثيو آرنولد Arnold، الثقافة بأنها “أسمى ما فكرت به أذكى العقول على مدى الدهور”، وقد عدّ هو هذا التعريف أساسًا لبناء جدل كتابة الفذ (الثقافة والفوضى) Culture and Anarchy، وهو الكتاب الذي يعتمد التنافر بين هذين العنصرين على سبيل تخيير الشعب البريطاني، بل وحتى شعوب أوروبا، بين الثقافة والفوضى في عصر كانت فيه بريطانيا على شفا السقوط في هاوية الفوضى، بسبب “تطليق” فئات واسعة من الشعب البريطاني الثقافة، ثلاثًا.

وإذا كان جدل هذا العقل الفذ قد أفاد في إغناء أمته حقبة ذاك، أسمح لنفسي أن أستعير عنوان كتابه أعلاه لمناقشة ذات الموضوع، ولكن من منظور ما أخشاه من “فوضى” تتربص بشعوبنا العربية خاصة، وبشعوب العالم، عامة.

ومرد ذلك هو ما ألاحظه من خلط وإرباك، قد يكونان متعمدين، عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بين الثقافة الحقة، من ناحية، وبين أشباه الثقافة ومشتقات تلك الأشباه التي لا يمكن إلا أن تفضي بشبيبتنا ونشئنا إلى متاهات خطيرة، كما فعلت في أعداد كبيرة من المجتمعات الغربية، وهي المجتمعات الأولى في المسؤولية عن ذلك الخلط والإرباك وإدامته، حد عد العامة كل شيء، حرفيًّا، ثقافة: من تركيب المرق والرز، إلى تصوير إطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية، ناهيك عن “الثقافة” السائدة اليوم هناك، وهي ثقافة إشاعة الانحراف والشذوذ الجنسي، درجة الترويج للتزاوج الرسمي بين رجلين، أو بين امرأتين.

وإذا كنت قد تعرضت لــ”صدمة وعي” من العيار الثقيل عندما قارنت بين الثقافة بمفهومها السامي الذي اعتمده آرنولد أعلاه، وبين ما يسمى بــ”الثقافة الشائعة” Popular Culture، أي بين الثقافة بصفة الفلسفة الإغريقية على سبيل المثال؛ وبين الثقافة التي تدنت حد عرض الأفلام الإباحية بوصفها “ثقافة” في علم الجنس Sexology، فإني لا أجد بدًّا من المعاونة على تنوير قرائنا من الشباب بالتمايز بين الهابط مما يطلق عليه الغربيون عنوان “ثقافة” وبين الثقافة الحقة التي ناقشها ابن خلدون في مقدمته، على سبيل المثال.

والحق، فإني بالرغم من تحمسي الشديد لعنوان “الثقافة الشائعة” على بداية سبعينيات القرن الزائل، قد اكتشفت ـ بل وتأكدت، بأن ابتكار هذا العنوان قد خدم العالم الغربي أيما خدمة لإضاعة الثقافة الحقيقية بين أكداس من “الثقافات” الملفقة أو الكاذبة. لذا، خدم العنوان أعلاه بابًا واسعًا لتمرير حتى “الأزبال” إلى المتدني ثقافيًّا من فئات الجمهور بوصفه “ثقافة”. وإذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز، أولًا وعلى المعرفة، ثانيًا. وكي لا تروج سوق الثقافة لمجلات الأزياء وأخبار الراقصان والمغنين كثقافة، بدلًا عن الترويج لمؤلفات أثقب العقول عبر التاريخ، توجب على المرء أن يحذر وينوه ويرشد كي لا يسقط العقل العربي الشاب في دوامة من المفاهيم الثقافية الخطيرة.

 

أ.د. محمد الدعمي

لا لعنة أكبر من أن تقف أمام بياض الورقة كمتهم يقف أمام ترسانة من التهم؛ بثقل عواقبها. إنها اللعنة التي لا لعنة بعدها. هذا أنا الآن، أقف عاريا أمام هذا الأبيض الكسيح، لا أعرف من أين ابدأ ولا كيف ولا إلى أين تنتهي بي موهبتي.

هل أنا مضطر لأعتصر هذا الحبر؟ هل أنا أمارس بعضاً من طقوسي التي لا بد منها؟ هل أنا أنا حين أكتب؟ لا أريد جوابا لأي سؤال، لكن صدقني، توجد متعة في هذا العري الفاضح، في هذا الاحراج الجارح. هل أنا مازوشيّ وأنا لا أراني إلا منكشفاً عن عدميتي؟ هل أنا أتلذذ بهذا العدم؟ أنا لا أعرف أي شيء، محاصر من الوريد إلى الوريد، أصابعي متورمة كضرع بقرة حلوب، متأهب لأي انفجار، ومستعد أن أنبُت في مكان الكلمات، أكون أيّ شيء إلا أن يستمر هذا السؤال.

مدينٌ لمن حين ألبس هذه العباءة؟ وكيف أكون مَدينا دون أن أكون محرجا منِّي؟ كيف أبعدُ عني شبهة الفشل في أن أحافظ على بعضٍ من مناسكي؛ دون أن أمنح للآخر حق الإشارة بأصبعه إليّ. أن أكتُب؛ إنما أنزع على جلدي السِّنان، لاُلبِسها غيري، محققا له التمني.

حين تجوع، لا تقتسم جوعك مع الآخر، لكن حين لا تملك إلا كسرة خبز، تمنحها دون أن تسأل عن درجة الجوع في الآخر، الكتابة لحظة زهد، لكنها لحظة ايثار أكثر، حتى لو كانت بنفسك خصاصة. مخطئ من يعتقد أن هذا الفعل ترف.

نكتب، لنلملم الآخر، أو لندسه في قنينة ماء، أو لندخل البحر كله في كأس زجاجي، نكتُب، لنذهب إلى الموت مجردين من أي ندم، ولنعود منه بألف سبب لنموت ثانية. نكتب، لنخرج من وحدتنا إلى وحدة أشدّ وأعنف.

الكتابة ليست ترف

ومن يموت ألف مرة حين يكتب، لا يقتُل الآخرين، وكاتب لا يقتل نفسه، لن يتذوق لذة الانتقال من غرفة التغسيل والتكفين، إلى لحظة العبور من العري الأخير ليكون جوابا شافيا لسؤال الوجود عند المشككين. أن تكتُب؛ معناه أن تتلذذ بلحظة احتضارك، تكتشف كم أنتَ هش، وكم أنتَ مصابٌ بالرّعاش وبأمراض الانفلونزا كلها. وأنت لا تُعدي حين تكتُب، إنّما تُشفي وتحيي ما أنتَ تحييه.

أكتُب؛ حين تُصاب بالحنين إل كلّ شيْء، إلى الدُّوريّ الذي كُنت تصطادهُ حينما كُنت مولعاً بالقنْص، لا بالقتْل، أكتُب؛ عن سماءٍ تسعُ الطائرات العسكَرية والسُّنونو وعيُون الأطفال، أكتُب؛ عن امرأةٍ تقوّس ظهرُها تمدُّ إليك يدها لأنّها تتذكّر فيك شبابَ حبيبها الذِي مات في حربٍ لا تعنيه حين رأتْك، أكتُب؛ حين تنجُو مصادفةً من موْتٍ ظلّ يطاردك في الممرّات الضيّقة، أكتُب؛ عن النّاجين من المُعتقلات والمنافِي، حين كان الخُبزُ مُغمّساً بالدّم، وكان الهواءُ في الجبلِ مُصاباً بالبارُود، أكتُب؛ عن اللاجئين الّذين استبدلُوا المنازل خياماً، وربّوا أطفالهَم في حقُول الوَحلِ والغذاء الذي ينْزلُ من هدير الطّائرات، أكتُب؛ عن الحليب النّادر وعن الرّصاص الكثير جدّاً.

أكتُب؛ لتصالحَ الزّمن البربريّ مع جيل السّيلفي.

الكتابة ليست ترفْ.

 

سعيد غيدَّى/ صحافي مغربي حر

ما أكثر من خطّـأ لفظة (مبروك)، فقد أرادوها (مُبارَك) فقط، بدعوى أن صيغة (مبروك) هي اسم مفعول من الفعل (بَرَكَ) فبرك البعير= يبرُكُ بُروكًا= استناخَ البعير وأقامَ وثبَتَ.

فقولنا لشخص (مبـروك) يعني في رأيهم: بَرَك عليه البعير واستقرّ وثَبَتَ.

ويبالغ بعضهم في القول إن (مبروك) في الحقيقة دعاءٌ على الشخص لا دعاءٌ لـه.

..

(مبـروك) هي من التهاني المتداولة الشائعة بيننا، ونقصد بها الدعاء بالبركة والنّماء عند كل ما يَسرّ، وعند كل نجاح، وعلى كل ما هو جديد.

في رأيي أن نتقبلها قبولاً حسنًا لأكثر من سبب غير شيوعها وانتشارها على كل لسان:

* ما ورد في (لسان العرب) لابن منظور:

بَرَك- الْبَرَكة: النماء والزيادة. والتبريك : الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة.

يُقال : بَرّكْتُ عليه تَبْرِيكًا، أي- قلت له: بارك الله عليك.

 

وما دام معنى الفعل (برَك) نما وزاد، فاسم المفعول (مبروك) منطقي جدًا.

فإذا قال قائل: هذا فعل لازم واسم المفعول تكون بعده تعدية بحرف جر، نحو: مضحوك عليه، مبكيّ فيه..إلخ

فالجواب: ثمة أسماء مفعولين من اللازم، ولم يرد بعدها تعدية بحرف جر، نحو: مسعود، مزكوم، محزون، مرسوم،  فلتكن (مبروك) على غرارها!

*  يقول (لسان العرب)، وكذلك (القاموس المحيط) إن الفعل (برّك) معناه الدعاء بالبركة، فهو مُبَـرَّك، ومعنى ذلك أن اشتقاق (مبروك) ليس بعيدًا، خاصة إذا علمنا أن اللغة أجازت اسم المفعول من الرباعي – في أن يكون على وزن (مفعول)، نحو:

أحمّ- محموم، أسلّ- مسلول، أجنّ- مجنون (ولا نقول: مُحَمّ، مُسلّ، مُجَـنّ- كما تفترض القاعدة).

..

اللغة فيها طواعية، وأحيانًا نجد أن العرب نطقت بما هو خروج عن القاعدة السائدة، فنحن نقول في اسم الفعل من الرباعي (أيفع) مثلاً- يافع، ولا نقول (موفع)،

واللغة تجعل أحيانًا اسم الفاعل بمعنى المفعول، فسرّ كاتم يعني- مكتوم، {عيشة راضية}- الحاقة- 21 أي مَرضِيّة، كذلك تجعل لفظ المفعول بمعنى الفاعل {كان وعده مأتيّا}- مريم، 61 بمعنى آتيًا، {حجابًا مستورًا}- الإسراء، 45- أي ساترًا، كما تجعل المصدر اسم فاعل أو اسم مفعول؛ فالتغييرات في بعض الاشتقاقات حاصلة، وليس من الإنصاف أن نغلق الباب في هذه المسألة اللغوية.

..

* ورد في حديث شريف لفظ (برّك) بتشديد الراء،

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيُبرّك عليهم ويحنكهم"- صحيح مسلم، 2147.

إذن نجد (برّك)، كما نجد بارك فيه وعليه وله وبارك الله، فما المانع أن يكون الفعل المجرد (برَك) هو الأصل خاصة وله المعنى نفسه، وقد رأينا المعاجم تجعل الفعل للبركة والنماء؟

...

لنقل (مبارك) فهي الأفصح، وقد وردت كثيرًا في الذكر الحكيم، أذكر منه:

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}- الأنعام/ 92.

ولكن علينا ألا نجفل من (مبروك) ونتحرّج منها بدعوى أنها عامية، فهي لها أصول في الفصيحة، وهي التي نقولها بدون تكلّف، وهي الأسهل لفظًا، وهي الأشيع وما نطقت به العرب.

 

أقول لكل من سرنا بخبر:

مبروك!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

من خصائص الإصدارات العربية إجمالًا، إذا ما قورنت بإصدارات بلغات أخرى، كثرة الأخطاء اللغوية وذلك لغياب المدقّق اللغوي لدى دور النشر من جهة، وعدم تمكّن الكثيرين من المؤلّفين العرب من قواعد العربية الأساسية بشكل كاف، من جهة ثانية. كما ويلاحظ  شيوع مثل تلك الأخطاء في كتب فحصها مدقّق لغوي، وهذا أمر خطير بشكل خاصّ. من خلال مطالعاتي المستمرّة منذ زمن طويل، تكدّست في حاسوبي، قوائم طويلة لمثل هذه الأخطاء اللغوية، وقد يدلّ هذا أيضا على المكانة المتردية للكتاب في المجتمع العربي، وندرة القرّاء النجباء والنقّاد الأكفاء، فمن المعروف أنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. وضع اللغة العربية المعيارية في المواقع الإلكترونية، يثير الهمّ والغمّ لدى الغيورين على هويّتهم  وعزّتهم، والأخطاء تسرح وتمرح بدون أيّ حسيب أو رقيب كما يقال. في هذا الزمن الرديء، لم يبق للعربي إلا لغته، وها هي في وضع لا يُحسد عليه.

في الآونة الأخيرة وقعت بين يدي بضعة كتب وقرأتها وهي: جان سوبلان، لاسكاريس العرب، ترجمها فريد جحا. دمشق: طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط. ١، ١٩٨٧، ٤٣٥ص. الأصل الفرنسي: Jean Soublin, Lascaris D’Arabe, باريس ١٩٨٣. وقعت بعض الهفوات والأغلاط مثل: ”مرافقتم“ بدلا من ”مرافقتهم“؛ فليس هناك، من أشجار الصفصاف التي تحازي العاصي (ص. ٨٠)؛ وقدمتْ ليّ خدمات جلّى (ص.٩٤-٩٥)؛ واستمرتْ المبارزةُ (ص. ٢١١)؛ فنحن اللذين يتلاعب بنا عملاء محدودون من عواصم غامضة (ص. ٢١٢)؛ ليقدم لنا الشايّ الأصفر (ص. ٢١٣)؛ في هذه الأشهر الأربع الأخيرات (ص. ٢٤٥)؛ وكان هؤلاء السعوديين الأشداء (ص. ٢٦١)؛ لا يزالون المؤمنون الحقيقيون (ص. ٢٦٦)؛ حملتْ النسمةُ صوتَه (ص. ٢٩٥)؛ يرتدي بذة جمراء (ص. ٤٠١)؛ وكانت ثلاثة من السفن (ص. ٤٠٤). أضف إلى ذلك وضع تنوين الفتح فوق الألف بدلا من وضعه على الحرف السابق في مثل: أخيراً (ص. ٣١). وهناك في الترجمة بعض الاستعمالات العامية مثل: رؤية إنسان ما يخوزق على أيدي العثمانيين (ص. ٧٩)؛ حكواتية قرية صدد (ص.٩١).

نهال عبد الرحيم عقل، عرعرة - جذور وأغصان، حكايا وتراث. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر، ط. ١ آذار ١٩٩٩، ١٥٤ص. تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب من إعداد الطالبة نهال عندما كانت آنذاك في الصف التاسع، وفيه جهد مشكور من حيث المضمون، إلا أنّ هناك أخطاء لغوية كثيرة، كما أظهرت في مكان آخر، يمكن الاطّلاع عليه على الشابكة (كتاب عن عرعرة).

سعيد نفّاع، وطني يكشف عُرْيِي (روانصّية). عرعرة: دار الأماني للنشر والتوزيع م. ض.، ط. ١، آذار ٢٠١٦، ١٦٥ ص. للكاتب نفّاع عدّة مؤلفات مثل: المسيرة، تجربة خمس سنوات في المجلس البلدي، عام ١٩٩٣؛ نكبة الدوريّ، قصص، عام ٢٠٠٠؛ الحائل، قصص عام ٢٠٠٦؛ العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ ٤٨، ط. ١، عام ٢٠٠٩، ط. ٤، القدس ٢٠١١؛ وله أيضا: لفظ اللجام؛ رسالة مؤجلة من عالم آخر؛ سيمائية البوعزيزي؛ بين يهوديتهم وطائفيتنا وتحديات البقاء.

قرأت الروانصية، ”وطني يكشف عُرْيي“ وتمتّعت في قراءة معظمها، إلا أنّني لست هنا بصدد المضمون بل ما شاب هذا العمل الأدبي من هفوات بل أخطاء لغوية مثل:

وكثيرة لقاءتهما، ص. ٣١.

وغالبية الناس وأكثر المعلّمون والطلاب، ٣١.

فالتخرج والوظيفة كانوا همه الأول والأخير، ٣٢.

ضف إلى ذلك أنهما، ٤٧.

منحته فيها ليال من ليالي زمان، ٥٦.

دون عناء شدّة البرودة والمكر الذين فيه، ٧٣.

اللهم إلا المصاب بالعظمة الذين يعتقد أن الله لم يخلق مثله. ٧٥.

 انه فعلا هناك امرا بيولوجيا فيهن. ٧٥.

يبدو أن هنالك فارقا كبير في ، ٧٦.

كل ذلك وكل ما تبغين هو امرا واحدا، ٨١.

في يدك ان تنفي كل ما قلت وانت تعرفي انني اصدقك! ٨١.

لكن كبرياءه على ما يبدو منعه من تنفيذ القرار، ٩٠.

إذ قررواّ أن لا يغفروا لك، ١٠٨.

وردوا حاملينك ليس مثلما يُحمل الشباب، ١٠٨.

… وظلّ يتنظر التّتمّة وطال انتظاره، ١٢٣.

ليعطيَ حبّه معانيا أخرى، ١٢٥.

ولكنه سهما مغموسا بشيء آخر، ١٢٦.

والهرج والمرج سيّد الموقف، ١٣٥.

خيانة الأوطان هي فيترك الأوطان فرائس…! ١٥٢

لقمة فريسة لبهيميتا ولتخلفنا! ١٥٦.

لِمَ حسبَ رأيك أوجدتْ اليهودية الغفران والمسيحية الاعتراف والإسلام التوبة؟! ١٦٠.

ومن السمات اللغوية في هذه الروانصّية، يمكن الإشارة إلى إضافة ال التعريف إلى الفعل الماضي أو الفعل المضارع أو الظرف أو الضمير المنفصل بمعنى الذي/التي في مثل: كانا يقضيان هذا الليلَ ”الفجّر“ أعصابه، ٥١؛ في حضرة جسده الكان ما زال ساخنا بين يديّ، ٦٤؛ رفع راشد نظره ”الكان“ منغرسا في شيء ما على الطاولة، ٨٤؛ ولا أعرف إن كنت تقرأ رسائلي ”التُولَدُ“ قاتلة وتموت قتيلة، ١٠٤، الأنا الأولى: ١٤٠؛ إن فضضت بكارتها البعد لم تنمُ، ١٥٧. لاحظ وضع هذا الاستعمال غير المألوف تارة بين مزدوجين وطورا بدونهما. هذا الاستعمال الجديد نسبيًا في العربية المعيارية بحاجة لمقال منفرد. وهذه الألف لام قد أضيفت في مثل: الغيرك، ص. ١١٠، ونجد أمّا قبل (على منوال: أمّا بعد)، ص. ٣؛ وأشوكها، ص. ١٠، إلاهما ص. ١٩؛ ”أينهما“ ص. ١٣٥ ويعْرَضّ - بدأ العامود يَعْرَضّ ليغدو كومة، ص. ١٣٥.

وأخيرا ننوّه بأن أسلوب الكاتب نفّاع مطعّم باستعمالات وبأمثال عامية مثل: ”ياما“ جلس ناظرا إلى القرية، ٢٢؛ العين ما تلاطم مخرز، ص. ٣١؛ الحيط الحيط ويا ربّ السترة، ص. ٣١، ١٤٧؛ مع دفشة، ٣٢؛ بنت الحرام ما فاكّة عنّي … ٣٣؛ … شو طال ذانُه لذِيلُه … ٣٣؛ كل ما “دحشوه في رأسه”، ٣٣، ٥٩؛ ”قُصر ذيل يا أزعر“، ٣٤؛ ”طق حنك“، ٤٩؛ ”ليوم الله بعين الله“، ٥٣؛ -لا … لقوّي تشدّ إيدك …، ١٢٣؛ لم  ”تأت العتمة على قد يد الحرامي“، ١٣١؛ واحكي على القَدُومِة … عايف الدنيا واللي (….)! ١٤٥؛ وتركتك على فيالك، ١٤٥؛ حط حطاطه“ عليه، ١٤٦؛ علاقاتهم بالإدارة ”لَحْوَسِة“…، ١٤٧؛ -لا لكن ولا شماكن…، ١٤٧؛ مش عندما تصير ببلاش، ١٤٨؛ شو … حزّيرة؟! ١٥٣.

ما يقوله الإنسان هامّ، ومستوى كيفية قوله وسلامته يزيده أهمية!

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

تتمثل الـ"أنــا" الجواهرية في وجوه ومواقع عديدة، أذ استعارها الشاعر الخالد في مناسبات كانت لها ضروريات حيناً، أو دلالات رمزية احايين اخرى، وهي بعيدة عن تلك الـ"أنـا" النرجسية السافرة، في التعالي وحب النفس، والغرور .

وحديثنا في هذه الوقفات، يركزعلى تلكم الـ"أنــا" الجواهرية المباشرة، القصدية، تحديداً بمعنى عدم المرور، أو التوقف عند شبيهات تلك الكلمة في المعاني والاستخدامات العربية المتنوعة، مثل "ياء" التملك على سبيل المثال لا الحصر:

"عندي" وداعُ حمامةٍ، فأذا أستثرت، فجوع نمرِ(1)

أو مثــل "ألف" و "تاء" المتكلم في افعال الماضي والحاضر،  كما في البيت التالي:

أقول مللتها، وأعودُ شوقاً، كأني ما عشقتُ ولا مللتُ (2)

وغيرذلك من المشابهات  ذوات المعنى نفسه في اللغة العربية العامرة، التي كانت طوع فم وقلم الجواهري في منجزه  الثري. ومن دون ذلك التركيز والتخصيص، سيعني اننا سنؤلف كتاباً، شاملا جامعاً عما احتواه ديوان الشاعر الخالد، الذي يزيد عن الخمسة والعشرين الف بيتا، وليس ذلك بيّت قصيدنا في ما نحن عاكفون عليه بهذه الخلاصات والمؤشرات .

لقد بانت "أنــا" الجواهرية  المباشرة، الطليقة، التي نعنيها في عشرات الأبيات، والقصائد، مرة أو مرات، وقد نتابع اجمالي ذلك في قراءات وتفصيلات في فترة قادمة.. ولكن سنتوقف في هذا المبحث عند اختيارات وحسب، كما سبق القول، وعند صيغ، ودلالات واستخدامات محددة الزمان والمكان والمعنى والمغزى، مستدلين منها مواقف من جهة، وخوضاً في بعض النباهة، والأنتباهات الجواهرية، ورؤاه ومقاصده من جهة اخرى ..

ونبدأ في "أنـا" وجدانيةً- وصفية،  طفحت في قصيدة "بريد الغربة" الجواهرية عام 1956 في رسالة الى بعض اهل بيته، وأخدانه، في العراق، فيقول:

لقد اسرى بي الأجلُ، وطول مسيرةٍ، مللُ...

سلاما ايها الاحبابُ، "أني" شارب ثمــــلُ

كما نشير في السياق، علّنا نضيف دلائل أخرى، الى واحد من ابياته، في مطولته الوجدانية، الفريدة، ونعني بها " يا نديمي" مطالع الستينات الماضية:

"أنــا" بين الطّغاةِ والطّغَمِ، شـامخٌ فوق قِمّـةِ الهـرَمِ

فإذا حانَ موعـدُ الأزَم، وارتطـامِ الجمـوعِ بالنظُمِ

خلتُني عند سَـيلها العرِم، قطرةً لا مستْ شفاهَ ظَمي

أما في الوطنيات، فلعل الابرز من استخدامات "أنـا" الجواهرية، ما يحمله عنوان هذا الموضوع، ونعيده، لمزيد من لفت الأنتباه :

"أنــا" العِـراقُ، لسانـي قلبــهُ، ودمي فراتُـــهُ، وكياني منهُ، أشطــارُ

وهو من قصيدته الدمشقية عام 1957 "في احياء الذكرى الثالثة لمصرع الشهيد العقيد عدنان المالكي".. ولا نظن ثمة حاجة كبيرة لدلالات ذلك الوصف، وإيحاءاته، وموقع الـ"أنـا" فيه ... وفي الوطنيات ايضا، وفي احدى مواجهات الجواهري، وتحدياته المديدة – وما أكثرها-  طوال عقود، نتوقف لنتذكر معا ذلكم البيت الشهير:

"أنـا" حتفهم الجُ البيوتَ عليهمُ، أغري الوليدَ بشتمهم والحاجبا

وهو – اي البيت اعلاه- من قصيدة هاشم الوتري عام 1949 وقد أشاع فيه – مع سبق الاصرار: استعداده لخوض المعركة – وقل المعارك ولا تخف- في التصدي لاقطاب الطغمة، بل والطغم، الحاكمة. وقد استبقه بمقدمات تفصيلية، وأوصاف، وتقييم حال، كما تبعه بخلاصات وتوجهات ..

وأذا ما شئنا – مثلاً-  الاشارة الى  "أنـا" التفاخر الجواهرية، وما أكثرها ايضا، فلنقف برويةٍ وإن عابرة عند بيته في قصيدة " جناية الاماني" عام 1921 وهو لم يزل في يافع عطائه، ونبوغه، فضلاً عن عمره :

كلما حُدثتُ عن نجمٍ بدا، حدثتني النفسُ ان ذاك "أنــا"

ثم هاكم مثال آخر عما نحن بصدده، ونقصد بيته في قصيدة "خلفت غاشية الخنوع " الدمشقية عام 1956 منوهاً ليس آلا،  لبعض صفات وسمات شخصية، وببهاء وشموخ - ولربما كي يفوت الفرصة على من يظنه غير عالم، أو عارف بالتاريخ، أو يتناسى ذلك بقصدية لئيمة أو حقود:

هذا "انـا" عظمُ الضحية ريشتي، أبداً، ولَفحُ دمائها أضوائي"

وفي محور آخر نتوقف عند استخدام  الجواهري لـ"أنـاه" في صورة المقايسة، ووصف الذات، تمهيدا لفكرة ومرامٍ تالية، كما هي الحال في احد مقاطع ميميته " قلبي لكردستان" عام 1963 .. حين راح يهدر لكي ينطلقُ ويجول في رحاب الحديث عن اوضاع سياسية، والتوثيق لها:

" أنـا" صورةُ الالمِ الذبيح أصوغه، كلماً عن القلبِ الجريح يُترجمُ "

وكذلك تأتي الحال متطابقة، أو متشابهة، حين يقول في احد ابيات داليته البيروتية، خلال مناسبة تكريم بشارة الخورى عام 1961 مخاطبا المحتفى به، ليلي ذلك ما ابتغاه – الجواهري- من أبيات قصيد خالها، أو أرادها في قصيدته المعنية :

هل صكّ سمعك "أنني" من رافديّ، بلا نصيبِ

"أنـا" "عروة الورديّ" رمزُ مرؤةِ العرب العريبِ

في كربةٍ و"أنـا" الفتى الممراحُ، فرّاجَ الكروبِ ...

ولربما، وبهدف الاستدلال الأزيد، ينفع ان نشير في هذا المحور الى بيته في قصيدة "هلموا وانظروا" المنظومة عام 1927:

"أنـا" الصبُ الذي ملكَ القوافي، ومثلي تحبسونَ عن البيانِ

وقبل أن نسترسل فنزيد، لا بد من التنويه الواجب على ما ندعي، الى ان هناك اكثر من تداخل وتشابك لا يمكن الفصل بينهما بسهولة في استخدامات الجواهري واستعاراته للتعابير والكلمات والموحيات التي يريد، إذ قد تبدو تلك الـ" أنـا" التي نتابعها في قصائد الشاعر الخالد، معبّرةً عن ذاتوية في مكان، ولكنها تأتي في سياقات مترابطة، مداخل لوطنيات أو مواجهات، أو افتخار وتباهٍ، بل وحتى كلها في آن واحد، احيانً.. وفي أنموذج على ذلك، نشير الى بيته التالي، الذي استهل به مسارات قصيدته، ليقتحم به وصف احداث، وايقاظ مشاعر، وإلهاب احاسيس، وتثوير:

" أنــا" في عزٍ هنا، غير في قلبي ينـزّ جرح الشريدِ (4)

وفي اعلان بعض فلسفته، ذلكم هو الجواهري يستدعي "أناه" ذات الصلة  مشاعة في قوله، ضمن ابيات  قصيدته " خلفت غاشية الخنوع" سابقة الذكر:

" أنـا"  لا ارى العصماء غير عقيدةٍ، منسابةٍ في فكرة عصماءِ

أو مثل قوله، وهو في عــزّ شبابه - ولنقل فتوته حتى - في قصيدته "شكوى وآمال" عام 1921 حين راح يقول بكل ثقـة بالنفس:

و"أني" وأن كنتُ القليلَ حماته، فلي مبدأ عنه احامي، وأدفعُ

ولو "انني" أعجلتُ، خيفتْ بوادري، ولكن صبرَ الحرّ، للحرّ انفعُ

اما عن  غزلياته فهناك العديد من  الـ"أنـا" الجواهرية المباشرة، تتوالى، ومنها، حين لاحق واحدة من جميلات التشيك – وما أكثرهن!-  فكتب لها، وعنها عام 1961:

حسناء رجلك في الركابَ، ويداكِ تعبثُ بالكتابِ

و"أنـا" الظمئُ الى شرابك، كان من ريقي شرابي

وكذلك بيته في قصيدة "عريانة" عام 1932 التي طفحت الجرأة فيها بالغةً، ليس عهداك وحسب، بل ولربما حتى في مقاييس حاضرنا اليوم، كما نزعم، ونصه:

أنتِ تدرين "أنني" ذو لبانه، الهوى يستثيرُ فيّ المَجانه

وفي وصف الذات، ثمة عديد آخر من "أنـا" الجواهرية، وفي حالات، وتنوعات مختلفة.. فها هو – مثلاُ-  يصف نفسه في احد ابيات قصديته "جربيني" المنظومة عام ..1929 وكذلك البيت اللاحق، في قصيدته "انتم فكرتي" ببراغ عام 1961 :

"أنـا" لي في الحياة طبع رقيق، يتنافى ولون وجهي الحزينِ

"أنـا" زرعُ البلوى وهذا حَصيدي، ونَتاجُ الأسى وهذا وليدي

 

ومن جملة استخدامات الجواهري لـ" أنـاه" ما أعلنه عن مسؤوليته كشاعر، ومنذ بدايات انطلاقته، في النظم والنشر، كمثل ما جاء في قصيدته "إبن الشام" عام 1921:

أنا ما بكيت الشعر ذلّ، وانما، أبكي الشعور يُباع في الأسواقِ

كما تتكرر الحال ذاتها في واحد من ابيات قصيدته الموسومة" الوحدة العربية الممزقة" عام 1922 حين راح قائلاً:

أنا شاعر يبقي الوفاق موحدً، بين الشعوب سبيله الارشادُ

واضافة لكل ما سبق، للجواهري ايضا اكثر من مناجاة، ومناغاة مع النفس، كان لابد أن تفيض الـ"أنـا" فيها لتعبر حيناً عن الشكوى والهموم النفسية، او الهضيمة من تجاوزات غير الكاملين، والحاسدين، ولعل ما يفيد هنا ان نختار من تلكم الحال، فننقلُ من بانوراما " ايها الارق" المنظومة مقاطعها اوائل الستينات:

"أنـا" عندي من الاسى جبلُ، يتمشى معي وينتقلُ

أهِ يا أحبولة الفكرِ، كم هفا طيرٌ ولم يطرِ

كما نجتزئ، وفي ذات السياق، أو المحور الذي قصدناه، ما نظمه في براغ عام 1973  شاكياً الاغتراب والوحدة الرهيبة، في قصيدته " خلّي ركابك":

قَسَماً بِعَيْنَيْكِ اللتينِ استُودِعا، سرّ الحياةِ، وحَيْرة الألبابِ

نحن السبايا اربعُ في غربة، "أنـا" والهوى ويدي وكأسُ شرابي

ولا بد من التأشير في سياق بحثنا -  توثيقنا هذا، الى ان ثمة مشتركات تقليدية سائدة عند الشعراء اجمعين، وهم رسل الاحاسيس وفيّاضو المشاعر، حين يستخدمون الـ"أنـا" وحتى المضخمة منها، للتعبير عما يكنون، أو يحلمون به ، أو يؤشرون له... ولكن حسبنا في التوقف عند الـ"أنـا"  الجواهرية: تنوعها وتشابكها بين الخاص والعام، بين الانطلاقة الذاتية، بهدف التعبير عن شؤون شاملة .كما ينبغي القول ايضا – بزعمنا على الأقل: أن مكانة الجواهري التي تقلدها، رائدا ومنورا: اجتماعيا ووطنيا وانسانيا، لها دوافعها ورسوخها، كما مقوماتها، الأكثر، ولربما لا يخرج عن ألاجماع بهذا الشأن الا عدة، وحسب .

اخيرا، وعلى مشابهات خواتمنا في متابعات وتأرخات سابقة عديدة، نقول أن ديوان الجواهري الخالد يحفل بالمزيد والمزيد من الامثلة والمشابهات التي تطرقنا اليها في السابق من السطور، وكم نتمنى ان يسعى المجدّون للتبحّر الاوسع، والانفع، ولهم الفضل ...

 

رواء الجصاني

................................

احالات وهوامش:

* ثمة مقال متميز، وذو صلة، للاستاذ د. ثائر العذاري، منشور على موقع (الحوار المتمدن)  عام 2007 وددنا الاشارة اليه لمزيد من الأستفادة، والإفادة .

*  اقتصرنا – في الأغلب – على اختيار بيت واحد للأستدلال، ولا شك بأن العودة لما يسبقه، أو يليه من ابيات، يوضح الصورة / الحالة المقصودة، بجلاء أوسع .

(1) من قصيدة (آليّــتُ) عام  1975 المنشورة في الديوان العامر .

(2) من قصيدة " أقول مللتها .. وأعود!" المنشورة عام 1972 .

(3) من قصيدة "انتم فكرتي" براغ – 1961.

 

 

 

 

لقد نالت الرواية الروسية مكاناً مميزاً في الادب الروسي وكذلك في الادب العالمي، لأنها تستمد عمقها من واقعها الروسي الاصيل، وتكون فيها الاحداث مقبولة في كل زمان ومكان، وهنا يكمن سر الرواية الروسية، وبكل ثقة ممكن ان اطلق عليها بالرواية الازلية، ان اهم ما يميز الرواية الروسية لها القدرة على التفاعل مع الاحداث وقابليتها على التجدد، ومن ثم تصحيح مسار الاحداث ليس فقط على صعيد المجتمع الروسي بل حتى في العمق الانساني. ومن ابرز رواد هذا الفن هو الروائي الكبير ليف تولستوي الذي هو غني عن تعريف فقد نال حب وتقدير الانسانية جمعا، واجمل ما قالوا عنهُ (انسان الانسانية) و(وضمير الانسانية)، وايضاً قال عنه الكاتب مكسيم غوركي: (من لا يعرف تولستوي لا يمكن يعد نفسه انساناً مثقفاً) (1)، اما على صعيد الادب الغربي فنحن نجد تأثير تولستوي على الادب الغربي كان واضحاً وملموساً على الكتاب الغربيين، وقد انعكس هذا التأثير في انتاجاتهم الفنية، وهنالك ثلاث اراء مهمة جداً في الادب العالمي وجميهم حاصلين على جائزة نوبل للأدب، فعلى سبيل المثال رومان رولان قد تحدث عن تولستوي قائلاً: (ان الطيبة والعقل والحقيقة المطلقة لهذا الانسان العظيم جعلته مرشدي الامين من الفوضى الاخلاقية لعصرنا) (2)، يالهُ من وصف دقيق! ينم عن معرفة عميقة بهذا الكاتب الكبير، ان هذا الرأي يبين لنا ان هنالك ثلاث ابعاد يحملها الكاتب في مسيرته الادبية – هي الطيبة والصدق والحقيقة في كل ما كتب، ومن ثم رومان رولان يخبرنا ان تولستوي كان مرشداً ومنقذاً لهُ من الفوضى الاخلاقية التي تسود في عصرهُ. فلم يتوقف تأثير تولستوي الى هذا الحد بل راح الكاتب الفرنسي اناتول فرانس يصفهُ بمملكة الجمال الفكري وليس بمقدورهُ الا ان ينحني امامهُ، فيقول اناتول فرانس: (اننا نحني رؤوسنا امام تولستوي الذي يفوح منه عطر مملكة الجمال الفكري على الانسانية جمعا) (3)، كما يعترف توماس مان قائلاً: (ان قوة فن تولستوي هي فوق كل المقارنات) (4). وهذا الامر يجعلنا نسأل انفسنا، يالها من قوة التي يمتلكها هذا الكاتب!، بحيث تجعله فوق المقارنات. اذن، ان هذه الاعترافات تدل بوضوح على اهمية الارث الثقافي والحضاري لأعمال هذا الكاتب الذي ترك لنا ارث عظيم لا حد له ولا يمكن الاستغناء عنه، وحتى سيرة حياته تستحق المعرفة والدراسة، لذلك ان ما اعترفوا به هؤلاء هو برهان قاطع ان لتولستوي اهمية ادبية عالمية وانسانية، لا يمكن تجاوزها، لأنها عكست الحياة الواقعية الروسية بما فيها من افكار ومواضيع جسدت ليس الواقع الروسي فحسب بل الانسانية جمعا.

 

حسين علي خضير الشويلي

..................................

( 1) د. مكارم الغمري، الرواية الروسية في القرن التاسع عشر، الكويت، 1981، ص223.

( 2) (مدخل الى الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، د. محمد يونس، و د. حياة شرارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، بيروت، 1978، ص 231.

(3) نفس المصدر/ ص 230 .

(4) نفس المصدر / ص 231.

في آذار عام 1989 عبر كويكب سيار بحجم حاملة طائرات، بلغت سرعته 47000 كيلومتر في الساعة مدارالكرة الأرضية، وحسب تقديرات معهد علوم الطيران الأمريكي، فانه لو حدث واصطدم هذا الكويكب بالأرض لأنبعثت منه طاقة تصل الى ما بين 1000—2500 قنبلة هيدروجينية، تقدر قوة الواحدة منها بمليون طن من الديناميت سريع الانفجار (تي أن تي)، ويساعدنا "جيري جراي" بالمحافظة على تفاؤلنا عندما يقول"نحن نمتلك التكنولوجيا والوسائل التي تمكننا من ابعاد هذا الخطر الماحق بانزال سلاح نووي على احد جوانب الكويكب السيار وتفجيره": انه استخدام ايجابي وارد لأسلحة الدمار الشامل يعزز المصلحة المشتركة للوجود الانساني.

تؤكد لنا انجازات العلماء الخارقة في مجالات الفضاء والفلك والتكنولوجيا امكانية تحقيق هذه الأفكار "الخيال-علمية"، وحسب تسلسلها الزمني الوارد في المقالات الأربع...اذن هو "خيال-علمي" ممكن التطبيق لكنه مرتبط اساسا بارادة سكان المعمورة (التائهين-المتخبطين-الضائعين) بالعيش المشترك وبناء حضارة عالمية "واحدة" متقدمة، في "أجواء" راقية من"التوافق والانسجام والتفاهم والتسامح والتفاؤل والتضافر والحكمة" الآن ومستقبلا وعلى مدى الزمان السرمدي، واذا كان خير الكلام ما قل ودل فلا اجد للدلالة على مضمون هذه المقالة أحسن  من عبارات الروائي الفلسطيني الراحل "اميل حبيبي": اراني، وغيري من المتفائلين بتداعيات الثورة العلمية الحالية، التي نتوقع ان تؤدي  الى تجاوز الفكر الانساني لأول مرة "عقدة برج بابل"!

مهندالنابلسي

     

لحظات مرور كويكب "بحجم 3 ملاعب" بجوار الأرض !

هى أرضُ الألف تلّ بشرقِ أفريقيا.. فى مَنْطقة البُحَيْرات العُظْمَى الأفريقية لشرق وسط أفريقيا.. وتَعْدُّ بجانب بوروندى فى الكونغو مَنْبع نَهْر النّيل..

 وحوالى 49.6 % كاثوليك، 43.9 % بروتستانت، 4.6 % مسلمون، 1.7 % لادينيون، 0.1 % ديانات محلية..

إنّها رواندا..

ذات التضاريس الجميلة؛ حيث المرتفعات معشوشبة؛ والمناظر الطبيعيّة الخلابة.. والتلال البديعة.. ووفرة الحَيْاة البريّة.. بغوريلاتها الجبليّة النادرة؛ التي تحظى بشعبيّة لدى عُشّاق البيئة.. وتعتبر السيْاحة أحد أكبر القطاعات في اقتصاد البلد..

ولكن ما أذاع صَيْتها على الخريطة العالميّة.. بحر الدّماء الذى لوّث نهر النيل فى إبريل 1994م..

ويتعرّض ذاكَ الجسد الأفريقى النحيل.. الذى ينفر منه غلمان البشرة البيضاء.. وسِمّان أفريقيا فى ذات الوقت.. ترمّد لحمه إبادة جماعيّة.. كانت الأشهر فى تاريخ الوْحَشْيّة العصبيّة؛ والبربرية القبليّة..

وقامت جماعة أغلبية الـ (هوتو) المزارعون؛ بذبح أكثر من 8000 ثمانية ألف فرد من أقلية الـ (توتسى)؛ مُربّيوا الأبقار؛ خلال مائة يوم فقط..!

ولم يتدخّل العالم المتقدّم.. العابث بمقدّراتها.. الديمقراطى الحُرّ..  والسارق لخيراتها.. منذ رحيل المُسْتَعمر الألمانى ثم الفرنسى والبلجيكى لإنقاذ الموقف.. وهذا جانب آخر!

و(لن يَحْدُث ذلك ثانية) عبارة؛ تُقال في ذِكْري محرقة “الهولوكوست” النازي.. وصارت مرتبطة بالالتزام بعدم السماح لحدوث الإبادة الجماعية مَرّة أخرى..

وقد قرّرت أرض التلّ.. ألا تَحْيا الأمس أبداً.. وتتخذ منها ناموس ودستور يجمع كل دروب شتاتها فى مَسْارعادل واحد؛ غايته الإنسان والوطن والغد.. !

رواندا أرض الفلاحين ومُربّى الأبقار؛ ترفض استقدام أصحاب شهادات الدكتوراة المصرية للعمل بها حالياً.. بدعوى (أنهم لن يضيفوا لها شيئاً )..!

ومشوار صغير للسفارة.. تعرف كم عدد أساتذة الجامعات المصريين.. حاملى الماجستير والدكتوراة؛ الذين رسبوا فى اختبارات القبول للعمل هناك..!

رواندا.. التى لايعرف أحد أنهم يطلقون عليها سنغافورة أفريقيا..

تنزع ثوبَ الصّراعات والحروب الأهلية.. وتنظر للخراب والدمار والصراعات القبلية على أنها ماضى.. لن يأتى أبداً..

ولاينبغى أن يَحْدُث ثانياً..!

وتعبر الإنهيار الاقتصادى على جسور التصالح.. دون (جذر) الغالب و(مدّ) المغلوب..

فيتمزّق الحبل.. ويسقط الجميع.. ويتهاوى الوطن.. ويهرب المال.. ولايجرى المىّ استثماراً وتعميراً وبناءاً..

ويعسّ الفقر والأوبئة والأدواء.. وتتدنّى أحوال معيشة المواطن.. ويهاجر الشباب.. وتنتشر الجريمة فى أحضان العنف.. ويغتصب الأمن والأمان..

ودٌّ يهرب.. سكينة تكرّ وتفرّ خَشْية الأسر.. وعبوديّة الاغتصاب..!

وتُصْرّ سنغافورة أفريقيا ألا يحدث ذلك ثانياً..!

 وتبدأ تنشئة الشباب على الفهم والتعلّق بوطنهم.. ووضع برامج وطنية مختلفة.. تغرس القيم الإيجابية للثقافة الرواندية لتنمية قدراتهم على ممارسة الحكم، وعلم النفس، والعمل، والمساعدة المتبادلة، والحياة، والتعاون مع الآخرين.. وإعطاء كل أسرة بقرة حلوب للانتاج والعمل.. فلاوقت  لكى يضيع فى التأسّى على ماضى.. ولا حياة انتظار قدر.. أو رَمْى غيث دون تمهيد أرض.. وبذر حَبّ.. وتعلّم حرث.. واستعداد حصد.. وحلم غدّ.. و

والمِنْجل الذى حَشّ رِقاب البّشر أمْس.. يُعْاد سَنّه للزّرْعِ.. ولَمّ الثمر.. وجلب الرّزقِ.. وقد تم تدريب اليدّ.. وتمهيد العقل.. واستنفروا من اللحم الحِسّ.. و

ولاعَوْدَة للوْرَاء..!

وكانت تجارب المُصَالحة الوطنية قد قادت إلى نتائج مُبْهرة في الدول التي تمرّ بمراحل مماثلة، وساهمت في تعزيز المَسْار الديمقراطي، وتكريس العدالة وسيادة القانون..

وراح القضاء يُحاكم المتورّطين في أعمال عُنْصريّة بالسجن، وحكمت على الذين أدينوا بأن يقضوا نصف المُدّة بالسجن والنصف الآخر بتقديم خدمات اجتماعية..!

كما قامت رواندا  بتشكيل (لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية)، ومهمتها الأساسيّة عملية التصالح والتسامح، بداية من تحقيق العدالة، وعرض الحقيقة، ومن ثم يأتي التصالح.. الذى ساهم في إخراج البلاد من أتون حرب أهلية؛ كادت تقضي على كيان الدولة.. وبفضل الوحدة والمصالحة.. تمكّنت رواندا من الخروج من تمزّق النسيج الاجتماعي النّاجم عن عواقب الإبادة الجماعية..

ويبدأ يتعافى الجَسْد المريض..

ويتعالى صراخ الرّوح:

 ـ لنْ يَحدث..

لن يَحْدُث ذلك ثانياً..!

ويتضاعف متوسط الدّخل بمعدّل ثلاث مرّات.. وتصبح (كيجالى) العاصمة أجملُ المُدْن الأفريقيّة؛ الجاذبة لفراشات الاستثمارات من جميع رِيْاض العالم.. نظافة.. أمان.. تَسْوّق.. سِيْاحة.. متاحف.. وتصبح أكبر مركز تكنولوجى واقتصادى فى المنطقة.. و.. و..

وأكثر من مليون سائح عام 2014م..

وتنطلق سنغافورة أفريقياً.. التى قرّرت حركة ً وفعلاً.. لا ركوناً عند حدّ القولِ.. سلوكاً لا مظهراً.. وثوباً يلتحف عُري نَفْسٍ.. ويَسْتُر فقر فِكْر.. ويفشل فى تصديق زَيْفٍ..!

وتأبى غيرها ناموس حياة.. دستور حكم.. تنفيذ حُكم ردع سلب..  أن.. أن

 لا يحدث ذلك ثانياً..؟

وتنفق رواندا على مجال الصحّة 27% من إجمالى الدّخل.. و17% على التعليم.. وتحتلّ النساء فى البرلمان نسبة تصل إلى 64% من المقاعد.. بالإضافة إلى أنّ عدد النساء يفوق عدد الرجال فى مجال التدريس..!

مارأى سيّدات 92 مليون مصرى.. طبقاً لإحصائيات شارع صلاح سالم بالقاهرة..!

 وتعليق  كم ألف حقوقيّة.. تنسى بنى جنسها؛ فى الغُلب والبُّؤس والإعالة.. و .. و.. ؟

وتوجّه عَرْقَ وكَدّ شَبْابَها.. للصناعة والبناء والزراعة والخدمات.. وتثمر البقرة الحَلْوب داخل كل بَيْت.. وتجرّ اليدّ البطّالة للعمل.. أىّ عمل.. فلا مصطبة للخمول.. ولا ظلّ شجرة يركن على خدر رَطْبها الكسل.. وتدرّ عملاً يُدْرِءُ الجهل والثقافة والأميّة.. وتنخفض نسبة الفقر إلى حَدّ كبير.. وبشكل سريع..

وبقدر أهل العَزْمِ يرزقُ الربّ.. وتُبْارِكُ السّماء..

وسنغافورة أفريقيا التى أبت ألا تعود للظلام أبَدْاً.. تغدو فى المرتبة الثالثة؛ ضِمْن أفضل جهات استثمارية فى أرْجاء القارة الأفريقية؛ بعد جنوب أفريقيا وموريشيوس..

مما يَعْنى أنّها الأولى فى شرق أفريقيا..!

وتقدّر نسبة النموّ الاقتصادى 7%..!

وتوفّر السيْاحة بها قرابة 70%؛ من مواطن الشغل فى رواندا.. مما يعنى انتعاش الاقتصاد..!

وفى أحد تقارير البنك الدولى عن ممارسة الأعمال؛ الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى.. تحتل رواندا المرتبة الأولى فى الاقتصاد الأكثر تنافسية فى بلدان جماعة شرق أفريقيا.. ويصل ترتيبها العالمى إلى 63 فى عام 2013م..

 حيث كُنّا لانزال فى أحلام 25يناير 2011م .. والأمل فى مصر الغدّ.. التى لن تعود للوراء أبداً..!

وتُرسى ثقافة التسامح وقبول الآخر واحتضان التعدّدية.. فترعى الأخضر وتعلو باليابس.. فتسمو إبداع بشر وتتنامى رِفعة وطن..

تُرى..

تُرى متى يعمل العقل الجمعى المصرى على..على

 ألايحدث ذلك أبداً..؟

أبدا..!

....

 

 

 

 

يخطّئ الكثيرون استخدامَ (الغير)، فلا يصح في رأيهم أن نقول: فعل الغيرُ ذلك.

(انظر: زهدي جار الله، الكتابة الصحيحة، ص 270؛ مازن المبارك، نحو وعي لغوي، ص 199؛ الحريري، درّة الغواص، ص 55)، وغيرهم.

يقول الحريري:

"المحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه، لأن المقصود في إدخال التعريف على الاسم النكرة أن تخصصه بشخص بعينه، فإذا قيل (الغير) اشتملت هذه اللفظة على ما لا يُحصى كثرة، ولم يتعرف  بآلة التعريف، كما أنه لا يتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة".

..

لكن كلمة (الغير) بمعنى الآخر أصبحت مستعملة، ولا سبيل لتخطئتها ما دام هناك ما ومن يشفع لها:

* قرار مجمع اللغة العربية في القاهرة في دورته الخامسة والثلاثين:

"إن كلمة (غير) الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة، فإذا وقعت بين متضادين وليست مضافة يصح أن تقترن بـ (ال) فتستفيد التعريف".

(نقلاً عن محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص 191).

* في تقديري أن كلمة (الغير) أصبحت اسم جنس مثل (الآخر)، (الضد)، ولذا جُمعت (أغيار)، بل إن مجمع اللغة أجاز (الغيرية) مقابلاً للأنانية، فالغيرية هي الإيثار وتفضيل الغير.

*يقول الشِّهاب الخَفَاجي "لا مانع من دخول (ال) على غير قياسًا".

(نقلاً عن كتاب العربية الصحيحة لمؤلفه أحمد مختار عمر، ص 145).

* أجاز معجم الوسيط  لفظة (الغير) في القانون بمعنى الطرف الثالث في الخصومة.

* استخدامات كثيرة جدًا استخدمها العلماء، أذكر منها:

كتب الفخـر الـرازي فِـي التفسـير الـــكبير:

"إذا قلت: (غير زيد) صـار في غـاية الإبهام فـإنه يتناول أمـورًا لا حصـر لـها، وأمـَّا إذا قـــــطـعته عـن الإضـافة ربّما تقـول: (الغـير، والْمغايرة) مـِن باب واحد، وكذلك التغير فتجعل الغير كأسْماء الأجناس"-28 /222.

..

استدل به النَّوَوِّي فـي كتابه (تهذيب الأسْماء) واللغات علـــــى جواز دخــول (ال) على (غير) فقال:

"ثم إِنّ الغير يحمل على الضد، والكل يحمل على الجملة، والبعض يـحمل على الجزء فصلح دخول الألف واللام ـ أيضا ـ من هذا الوجه، والله تعالى أعلم. ج3/246.

..

في الصحاح للجوهري: "الوَسيلَةُ: ما يتقرَّب به إلى الغير"- الصحاح :3/246 .

 ومثال مَجيئه في كتب الفقه ما جـاء فـي (مواهب الجليل):

"تعيّن ذلك الغير لأجله" ج2/291،

 ومثال مَجيئه فـي كتب التفسير ما جاء في تفسير ابن كثير:

" كأكل مال الغير للمضطر" تفسير القرآن العظيم :1/455.

...

سأنتقل بكم إلى كتاب القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة:

"وأما التضمين فهو أن يُضمّن شيئًا من شعر الغير"- مادة 291، ص 580.

وثمة مواضع أخرى في الكتاب.

..

من هنا لا أرى سبيلاً لتخطئة (الغير)، فقد شاعت وذاعت بين القدماء والمحدَثين.

..

ولكن،

لا يصح أن نقول عند النفي:

 الغير موضوعي، فالصواب غير الموضوعي، فلام التعريف تدخل على المضاف إليه، فهل يقول أحد: "الساحة مدرسة"؟ الصحيح كما لا يخفى "ساحة المدرسةِ".

 وعليه لا تقل:

 الغير عملي، بل غير العملي،

 ولا تقل: الغير مسئول، بل غير المسئول وغير المنطقي...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 

 

 

 

تهنئة وتحية لشعوب العالم الحرة وللأمة الكردية عامة والشعب الفيلي خاصة بمناسبة عيد نوروز الاغر المعبر عن جمالیه الخالق والانسان وخیرات الطبیعه، نوروز انشاد وهدف وهو حب الارض والدفاع عنه.. فلا وجود والتعبیر عنه الا بتحقیق الاماني وسرد المعانی و التعبیر عن جمال هذا التراث الحضاری وتخطیه الحدود السیاسیه والقومیه منذ القدیم،

لتجعله الاول فی العطاء الانسانی والعالم يعيش هذه الأيام ملاحم بطولية حقيقية في مواجهة النكد والمصائب ببسالةٍ وعصابات الإرهاب والتكفير وقوى الشر، الامل ببزوغ فجر يوم جديد على الدنيا جميعاً. حاملاً معه اشعاع مليئ بالأمل والنور” وٌآلَنِشُآطِ وٌآلَتٌفُآؤل يَومٌ مًشُبًعٌ بًرآئحًةّ التَعَاطُف والمَحبَة، عام جديد وعالم جديد وسَطَ الغيوم الظلامية الداكنة التي تُخيّم على شعوب العالم، لنجعل من نوروزموعدا لبدء العام الجديد، الربيع المشترك في كل معنى العيد لدى كل الشعوب، عن جمالیه الخالق والانسان وخیرات الطبیعه

 وكما يقول الشاعر:-

 نام الربيعُ على دمي،‏

فرأى على شطآنِ صوتي‏ عاشقاُ منهارا،‏

فتَّحْتَ قلبي ياربيعُ‏ ولم أكنْ،

من قبل عيدِكَ‏ أَعشقُ الأزهارا‏

فتّحتَ لي فرحاً‏ فصارَ ملوّناً‏،

مثل الشموسِ تُكحِّلُ الأسرارا

 ننحني إجلالاً أمام الدماء المضحية في العالم دفاعا عن الدين والارض والحق و أبناء شعبنا الكردي  خاصة بجميع انتماءاتهم و الذين تعرضوا للإرهاب الدموي وقاوموا الانظمة الظالمة  بعناد دفاعاً عن أهلهم وأرضهم وعقيدتهم وسقطوا شهداء تحت سياط الظلم والعذاب والتهجير و ما زالوا يكافحون لنيل حقوقهم المشروعة وللذين روى بدمائهم الزكية ارضهم بكل شموخ... رغم کل الصعوبات التی مرت بها الامه الکوردیه فی مسارها التاریخی لم تؤثر هذه الصعوبات علی روح الترابط بل العکس قد الهمته القوه فی اثبات بنیتها الاساسیه في التراث الثقافی ولازال احد الامدادات الروحیه التي تشيد انسانيته ...

 لنرسم من عيد نوروز مرحلة للعمل بتفائل وصدق للقضاء على الشحن الطائفي وايقاف اثارة الشارع من خلال بث السموم القذرة وهي جريمة بشعة نحتاج الى توعية الجماهير للوقوف ضد هذه الظاهرة السوداء و كبحها وازالة عناصر قوتها من الطريق وطرد نفوذها في المجتمع، مثيروها ومريدوها ينعقون مع كل ناعق و يبثون سموم الفرقة وتهويلهم الامور لنشر القلاقل وخلق اجواء من الارباك والخوف

تحية إلى شعب الكوردي والقوى الخيرة في العالم

 

عبد الخالق الفلاح  - كاتب واعلامي فيلي

هناك تعريف مهم  للشعر من قبل الامام علي ع  واراء نقدية تجاوزت زمنها الى زمننا الحالي وفق مفهوم الاتباع والحداثة. او المعاصرة فالشعر هو  ميزان القول. الشعر ميزان القوم.

الميزان، مقياس، وهو اقرب الى العلم، مادام الشعر مقياس  الكلام فمهمته حفظ التوازن الفكري والتاريخي للأمة، هذا ومن ناحية، من ناحية اخرى، هو مقياس القوم ايضا. ان الفرد يعرف تاريخه وتراثه وحضارته وتقاليد اجداده وعاداتهم وطراز عيشهم عن طريق الشعر، اما اذا أراد اي احد ان يكون شاعرا فعليه في البدء ان يحفظ القران اولا وهي النصيحة التي وجهها الى الفرزدق عندما كان صغيرا.

اما مسالة اشعر الشعراء فان الامام علي ع عالجها وفق شرطين: الاول ان يعيش  الشعراء الذين تجري المفاضلة بينهم في زمان واحد، والثاني ان تجري المفاضلة بينهم في موضوع واحد يطرقونه: " لو ان الشعراء المتقدمين ضمهم زمان واحد ونصبت لهم راية فجروا معا علمنا من السابق منهم، وإذا لم يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا رهبة : امرؤ القيس" لقد كانت مسالة اشعر الشعراء تشغل بال العرب اذ اثرت كل قبيلة ان يكون ذلك الشاعر منها، السؤال نفسه وجه ذات مرة الى عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة فاختار عمر مرة أمرؤ القيس ومرة اخرى زهيرا او غيره حسب المواقف. هذه المسالة حسمها الامام علي ع  وحددها بالزمان والموضوع  فليس هناك شاعر لكل الازمنة لان المجتمعات تختلف مع التطور وليس هناك شاعر عام لان المواضيع كثيرة . يروي صاحب الأغاني : اقبل علي على الناس فقال كل شعرائكم محسن ولو جمعهم زمان واحد وغاية واحدة، ومذهب واحد في القول لعلمنا ايهم اسبق وكلهم قد اصاب الذي أراد وأحسن فيه.وفي ذلك القول إشارة الى الإتيان بمعان جديدة في موضوع واحد، فلا يمكن ان نقول عمر بن ربيعة اشعر الشعراء في الغزل  نعم ذلك ممكن في زمانه ولا جرير اشعر الشعراء فقد يكون هذا الكلام في زمانه اما إطلاق الأحكام النقدية من قبل النقاد العرب القدامى ففيه كثير من التعسف والبعد عن الصواب.

ومن المسائل المهمة التي تطرق اليها قضية الوقوف على الاطلال التي كثيرا ما ينتقد عليها شعرنا العربي من قبل بعض المستشرقين  واتهامهم له بكونه شعرا مكانيا، اذ سمع الامام علي ع رجلا من أصحابه وهم مارون بمدائن كسرى يتمثل بقول الأسود بن يعفر:

جرت الرياح على مكان ديارهم   فكأنما كانوا على ميعاد

فقال عليه السلام  فلم لم تقل كما قال الله جل وعز " كم تَرَكُوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك أورثناها قوما اخرين" ان البكاء برأي الامام يمثل الجانب السلبي من الحياة، وهناك جوانب كثيرة مشرقة وحيوية يمكن البدء بها، والتعامل معها بدلا من ظواهر ميتة قد تبدو في كثير من الأحيان انها أصبحت عادة مألوفة تثقل الشعر بالمعاني المستهلكة التي امتازت بها ظاهرة الوقوف على الاطلال والبكاء على الديار المهجورة.

 

عدنان المشيمش

في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها أبو رامي، عبد حنونة بن إبراهيم الستري الدنفي (١٩٠٣-١٩٩٥) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٢-٢٤. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”بعد قليل، بمشيئة الله، سأكون في سنوات التسعين من عمري. لا أقوى على الخروج وزيارة أبناء جلدتي، أقضي معظم وقتي في البيت في نسخ كراريس الصلاة، من أجل أبنائي وأحفادي. ككلّ سامري، جبل جريزيم هو كلّ أيام حياتي. ولذلك، أنا وأهل بيتي لا نفوّت أيّة فرصة بغية زيارته مراتٍ كثيرة سنويًا، وليس في المناسبات والأعياد فقط. في فصلَي الربيع والصيف، نقضي هناك نهاياتِ الأسبوع، نسافر يوم الجمعة ونمكث في بيتنا الفسيح هناك حتى مساء السبت، وأحيانًا حتّى صباح يوم الأحد.

إنّي أعزو طول عمري، في الأساس، للطقس الرائع على جبل جريزيم، وللسكينة التي يُضفيها الجبل على ساكنيه. عند حلول أيّام الفسح، أبكّر في الصعود إلى الجبل. يحلو لي الجلوس في بيتي في قرية لوزا، أو التمتّع بأشعة غروب الشمس، حين أكون جالسًا في الشرفة. حقًّا، إن جبل جريزيم بمثابة كلّ أيّام حياتنا. في هذه الساعات الحلوة، أجلس وأتذكّر ما مرّ عليّ، وعلى أبناء طائفتي في الماضي البعيد والقريب على حدّ سواء. أجد أن الأعاجيب، لا تحدث لآبائنا فقط، إنّها تحدث لنا أيضًا. إنّنا وببساطة لا ننتبه عند حدوث الأعجوبة، لا بدّ من مرور وقت كافٍ، سنوات كثيرة، كي تتمكّن ذاكرتنا من أن تقلّب وتقلّب الحادثة التي جرت، ومن ثمّ إضفاء صبغة عجائبية عليها. أصعب الأيّام التي مرّت علينا، تصبح أحلى أكثر فأكثر، كلّما ابتعدنا عنها، ويحلو لنا تذكرّها حتّى. حدث لنا حادث عندما كنّا بالكاد أحياء، ولم يكن بوسعنا تركيز فكرنا فيه. إنّنا نذكره رغم مرور السنين الكثيرة، ونتساءل كيف لم نلاحظ روعة ذلك الحادث، ومدى صعوبة تفسير حدوثه.

إنّنا نكثر من الشكوى، الواحد إزاء الآخر، حول قلّة الاهتمام، التجاهل، العزلة، عدم الفهم، إلا أنّنا غالبًا ما ننسى أنّ السباق الذاتي لدى كل واحد، من أجل حياته، وحياة أهل بيته، يمنعه من إيجاد وقت الفراغ للآخرين في كل حين. ينبغي أن نحدّد  علاقاتِنا مع الآخر وفق موقفهم وقت الاختبار، وليس على ضوء التصرفات اليومية. هناك حالات كثيرة من الصعود والهبوط في أوضاعنا الاقتصادية، ولا بدّ لكلّ واحد منّا من التعامل المستمرّ مع هذه المستجدّات. ولكن، قد يُنسى كل هذا، ونرى أنّنا جميعًا متكاتفون من أجل غاية سامية، تعيد إيماننا بالإنسان وبمناعة طائفتنا الروحية، أو إن شئتم، شعبنا.

خذوا، على سبيل المثال، عيد الفسح الأخير. تنظيم المراسم كان على ما يرام، عائلة الكهنة تعاونت في الرقابة على كافّة مراحل القربان. أشرف كاهنان على ثلاثة أفران قديمة وثلاثة جديدة، إلقاء الحطب وإدخال الخراف وإخراجها. سمعت وأنا في بيتي صخب فرحة المحتفلين؛ كانت الخراف طرية وزاكية، والحطب جافّا. كانت الأفران الحديثة عميقة بما فيه الكفاية، لا  تدافع ولا صراخ، الكل راضون.

حان وقت إخراج الخراف من الأفران. أحسست وأنا في بيتي بعيدًا عن مكان القربان، أنّ شيئًا ما قد حصل. صخب فرحة جزء من المضحّين اختلط بصخب صياح مضحّين آخرين، صياح خيبة الأمل. انتظرت قدوم أبنائي إلى البيت ومعهم القربان في الوعاء. وأخيرًا، بعد طول انتظار وصلوا. خشيت أنّنا لن نستطيع القيام بفريضة ”وتأكلونه بأوفاز/بوفاز“ [سفر الخروج ١٢: ١١؛ أنظر الترجمة العربية لتوراة السامريين، حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة. المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج. القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ج. ١، ٣١٢-٣١٣؛ وفاز تعني بسرعة، على عجَل]. وقبل أن يدخلوا البيت رأيتهم مكسوري الخاطر.

حمل ابني الأصغر وعاء القربان على  كتفه، ورافقه شقيقه الأكبر وأبناء عمّه. كانوا حزانى، وضع الوعاء على المصطبة وأجهش ابني الأكبر ببكاء يقطّع القلب. لا ذبيحة فسح في الوعاء، بل كتلة محروقة سوداء. أسرعت في مواساتهم بكلمات لطيفة، إذ أن هذا النهار وهذه الليلة هما أكثر أيّام السنة فرحًا وبهجة. الوقت ليس وقت بكاء ونحيب، إلا أنّهم بقوا على حالهم، سالت الدموع من عيونهم كلّهم. طَوالَ السنة كانوا ينتظرون هذه اللحظة العظيمة وها قربانهم لم يُقبل، حُرق كلّه بنار الفرن الجديد، الذي لقّم أكثر من اللازم.

بينما كنّا في هذه الحال من البكاء وخيبة الأمل، وإذا بصوت صخب يُسمع من الخارج. أيادٍ كثيرة طرقت على الباب. أسرعت زوجتي لفتح الباب. لا أقدر الآن تذكّر لا عدد القادمين، ولا تحديد هويّاتهم. كلّ واحد كان يحمل بيده جاطًا مليئًا بلحم القربان، وأتوا مسرعين للعمل بفريضة ”فان يقل البيت عن قدر الرأس فليأخذ هو وساكنه القريب الى بيته“ [سفر الخروج ١٢:٤؛ أنظر حسيب شحادة المذكور آنفًا، ص. ٣١٢-٣١٣]. في الحقيقة هذا تفسير آخر للآية ولكن الوضع أوجب التفسير الجديد. أثبتت الطائفة لنا جميعًا، العابسين والمبتسمين، ثانية أنّها قادرة على اجتياز الاختبار. إن سألتني، يبدو لي أنّنا في قربان الفسح الأخير، أكلنا لحمًا أكثر من أي فسح من قبله.

هذه هي الحال، عند توفّر اللحم، ولكن ماذا بشأن الأيّام التي لا لحم فيها؟ ها هي قصّة من أيّام شبابي، قاسية جدّا كانت فترة الحرب العالمية الأولى. أمراض وأوبئة تفشّت بين السكّان، عرب ويهود وسامريين. كما أنّ الجيش التركي  لم يقلّ جوعًا عنّا. الخبز والماء كانا سلعة نادرة الوجود. تضاءل عدد قطعان الضأن الكبيرة، إمّا جوعا وإمّا ذبحًا لعدم توفّر غِذاء آخر.

كعادتنا، صعدنا، كل أبناء الطائفة، أقلّ من مائة وخمسين شخصًا بقليل،  إلى جبل جريزيم ونصبنا خيامنا هناك.  كانت التحضيرات لعيد الفسح جارية على قدم وساق، إلا أنّ القلق كان ينهش قلوبنا. أين سنجد اللحم لعيد الفسح؟ ما عدد الخراف الذي كنّا بحاجة إليه؟ ستّة فقط؛ اثنان لعائلة الكهنة، اثنان لعائلة الدنفي، واحد لعائلة مفرج وواحد لبيت صدقة. ستّة خراف، لا غير. لا أحد حتّى الكاهن الأكبر، إسحق بن عمران، كان يعرف من أين يمكن الحصول على ستّة خراف لقربان الفسح.

الكاهن الأصيل، توفيق (متصليح) بن خضر (فنحاس)، المكنّى بأبي واصف، دأب على الخروج يوميًّا إلى القرى، وإلى خيام البدو في ضواحي الجبل، والرجوع إلى بيته صفر اليدين. عمّ قلق كبير حول إمكانية الاحتفال بعيد الفسح، بسبب عدم توفّر الخراف. كلّما مرّ الوقت، واقترب موعد يوم القربان، كلّما تضاعف انقباض الصدر. أحسسنا مدى صعوبة أيّام السخط (الفانوتا) التي تمرّ بنا.

تكرّر الوضع كلّ يوم. عاد أبو واصف إلى خيمة السيوان الكبيرة الخاصّة به - هدية المحسن الأمريكي إ. ك. وورن (

1- K.. Warren, 1847-1919)، حزينًا مكتئبا. كنّا نجتمع كلّ يوم صباحًا ومساءً، في الكنيس المفتوح، حول المذبح لصلوات أربعة عشر يوم الحراسة/המשמרת. كانت تلك صلاة عديمة الفائدة. موضوع واحد فقط، أشغل بال شيوخ الطائفة وكهنتها: ماذا سيكون في يوم القربان، يوم عيد؟ لن يكون لا عيدا ولا قربانا. ها قد حلّ العاشر من الشهر ولا خراف لتأدية الفريضة ”في عاشر الشهر هذا يأخذوا لهم كل امرىء رأسًا...“ [سفر الخروج ١٢: ٣؛ أنظر حسيب شحادة المذكور أعلاه، ص. ٣١٢-٣١٣]. ببساطة، لا خراف! حتّى البدو تجوّلوا بعيدًا عن المنطقة، عن البلاد التي أكلت ساكنيها في أيام الحرب العالمية الأولى. همّ آخر كان ينهش قلوبنا، أهل قرية قليل المجاورة، كانوا يجبون منّا بالقوّة خروفًا واحدًا من الخراف المعدّة للأضحية كرسوم حراسة، والآن سيُسيئون إلينا بسبب عدم إعطائهم الخروف.

في ليلة الرابع من الشهر الأوّل، ساءت حالة الطقس. حتّى السماء غاضبة علينا، ظنّ الكثيرون. ضباب كثيف خيّم على الجبل، هرعنا والتحفنا في خيامنا. استيقظنا في ساعة مبكّرة للصلاة الأخيرة في صباح يوم القربان. هدأت الريح، إلا أنّ الضباب كان سميكًا لدرجة أنّنا بصعوبة استطعنا اتّخاذ طريقنا إلى مكان الصلاة.

صلّينا بتقوى كبيرة وأطلقنا صرخة نحو مسكن الله: ”يا سيّدي فرّج عنّا المصيبة التي نحن فيها“. عدنا وكرّرنا كلمات التسوّل والتضرّع، وبينما كنّا نزعق ونذرف الدموع، سُمع رنين أجراس واضحٌ وصافٍ. على حين غرّة، نبق على الشارع الذي على يسار مكان الصلاة، قطيع كبير من الخراف، وخلفه يمشي راعٍ وبيده عصا كبيرة.

شعرنا كلّنا بالقشعريرة، ولكن ليس من البرد. أوّل من استفاق من الصدمة، كان بالطبع أبو واصف، الذي ركض نحو القطيع ونادى الراعي قائلًا: الله بعثك إلينا، هل توافق أن تبيعنا خرافًا من قطيعك“؟ أومأ الراعي برأسه أن نعم. طلب الكاهن توفيق منه أن يدعه يختار خرافًا بعمر عام من قطيعه. ضحك الراعي: ”في قطيعي ٣٠٠ خروف وكلّها بعمر أقلّ من عام، اشتر ما تشاء!“. أبو واصف لم ينتظر ولو لحظة، اختار ثلاثين خروفًا تقريبًا، تكون كافية لكل أيّام عيد الفسح. إبناه واصف وخضر (آشر وفنحاس) ساقا الخراف إلى زاوية في ساحة مكان القربان. عندما مدّ الكاهن يده ليدفع الثمن، ذُهل جدًّا، إذ رأى أنّ الراعي وقطيعه، قد اختفيا في الضباب الكثيف.

هل كان هذا ملاكًا؟ “

1- كنت قد ترجمت هذه القصة وعشرين أخرى، ونشرتها في  الدورية السامرية أ. ب.ـ أخبار السامرة ١٠٩٨-١٠٩٩، ٢٦ أيلول ٢٠١١، ص. ٤٧-٦٢، ١١٠٠، ١٠ تشرين الأوّل ٢٠١١، ص. ٥٧-٧٢ وفي عدة مواقع إلكترونية. وأثبتها هنا للمقارنة.

10- أُعجوبة القربان

عبد حنونة بن إبراهيم الستري (الدنفي)

لم تحدث العجائب لآبائنا فقط بل ولنا أيضا. عادة لا ننتبه إلى المعجزة إلا بعد مضي سنوات وعندها نتذكر ذلك الحادث ونكتشف أنه كان أعجوبة. حدث ذلك أيام الحرب العالمية الأولى، كنت فتى. ساد الجوع كل البلاد، تناقصت قطعان الغنم لعدم توفّر الغذاء ولأن معظمها قد ذُبح اضطرارا للأكل.

وقُبيل عيد الفسح صعد كل أبناء الطائفة كالمعتاد، قرابة المائة والخمسين نسمة إلى جبل جريزيم ونصبوا الخيام. وساورنا قلق حول تأمين الخراف لكي نقوم بفريضة عيد القربان. كنا بحاجة إلى بضعة خراف لا غير، ستّة فقط، اثنان لعائلة الكهنة ، اثنان لعائلة الدنفي، واحد لآل مرحيڤ (مفرج) والأخير لأسرة صدقة. دأب الكاهن الأكبر، متصليح (توفيق) بن فنحاس (خضر) النهوض باكرا كل يوم والذهاب إلى القرى المجاورة إلا أنه كان يعود خالي الوفاض. وكلما مرّ الوقت ودنا يوم القربان خشينا أن القربان لن يحصل لعدم توفّر الخرفان. وموضوع واحد فقط أشغل بال كل أبناء الطائفة، ماذا سيحدث يوم القربان، وهو يوم عيد، قد لا يكون عيدا.

وحلّ اليوم العاشر في الشهر وعنه قيل “في العاشر من الشهر أخذ كل امرء ماعزا” ولا وجود للخراف. وحتى البدو انتقلوا بقطعانهم بعيدا عن هذه البلاد التي تأكل ساكنيها. وهمّ آخر عشّش في قلوبنا: عرب بني كفر قليل المجاور كانوا يجبون منا كل فسح خروفا واحدا مقابل “الحراسة” والآن إن لم نتمكن من الحصول على هذا الخروف سيسيئون لنا.

وفي ليلة الرابع عشر من الشهر الأول طرأ تردٍ في الطقس. حتى السماء غاضية علينا، ظنّ الكثيرون. وفي الصباح الباكر نهضنا من نومنا للصلاة الأخيرة في صباح يوم القربان. ضباب كثيف غطّى الجبل وبصعوبة سلكنا طريقنا إلى مكان الصلاة. صلينا بتشبث شديد صلاة ”ربنا فرّج عنا هذه المحنة التي نحن فيها“. وبينما كنا نصرخ ونولول وإذا بصوت أجراس يُسمع عن قرب. وفي الطريق بجانب مكان الصلاة اندفع من الضباب قطيع من الضأن كبير ووراءه راعٍ يخطو وعصا طويلة بيده.

كلنا ارتجفنا ولكن ليس من البرد. ּأوّل من استعاد قواه من الصدمة كان الكاهن توفيق بن خضر (متصليح بن فنحاس) الذي سرعان ما ركض نحو الراعي قائلا بصوت عال: ”الله أرسلك إلينا، هلا بعتنا خرافا من قطيعك“؟

هزّ الراعي رأسَه من أعلى إلى أسفل، وفي الحال تقدّم الكاهن واختار ثلاثين خروفًا حوليًا كانت كافية لكلّ أيّام الفسح. وعندما مدّ الكاهن يده ليدفع للراعي ثمن الخرفان، ذُهل إذ رأى أن الراعي والقطيع قد اختفيا في الضباب.

هل كان هذا ملاك الله؟

 

ترجمة: ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

 

وفي يومك هذا رسمت أياما لا تخلو من بهجة، ولا تطأ أرض الخريف، لونت سماءك بألوان المجد السرمدي، وسبحت في عبق سحرها وسحره، لكنني لم أر لوجودك أرضا تسعه بنبله ونقائه، وتنصت إلى موسيقاه الشاردة.

 أنت أذن صاغية :

أذن صاغية أنت إن رأيت ما يرضي غرورك الجميل، وسماء صافية أنت، إن لم يكفهر محيطك.

على عرش الإنسانية استويت، كما يستوي الجمال في نفوسنا وفي عالمنا، باسطة أفياءه الظليلة على العوالم التي تثير البهجة في كل النفوس، وفي هذا يقين على أن عرشك يشمله بهاء متفرد لا كبهاء كل عروش الدنيا.

عين ساحرة:

أنت تلتقطين من هذا العالم وذاك ما يسر النفس، ويرمي بالأشجان بعيدا عن مقامك، لذلك لا يبين لنا منك إلا عذوبتك، ولا نعرف من مكنون ما تخفين إلا تلك الإبتسامة التي تهب هذا العالم الحياة .

لك منا كل التحايا التي تعانق جمالك الذي يتلاشى في هدوء، دون أن ندري، و دون أن تدرين .

لو تعلمين :

 لو تعلمين ما يبسط الهدوء والسكينة على هذا العالم، لكنت قد جملت عالمك بأعظم وأسمى من جمال الملمح، جمال الروح هو، سر الحياة الأبدي وبذرة الخلود الزكية.

جلجامش لم يهدأ له بال، وقد بلغ المقصد وحصد سر الوجود، وسيزيف لم يتوانى أبدا في عبور طريق مليء بالتحديات، عامر بالحواجز، كل شيء هان من أجل غايات و أهداف تنتزع الحقوق، ولا تطلبها في مجتمعات، لا تعي من أنت، ومن تكونين ؟.

ظل يذوب وظل يمتد:

 بين العوالم عالم يرفض ألقك، وآخر يرفض تواجدك فيه بأثرك البالغ الذي يتبع خطاك أينما حللت، وقد يقرأون صفحات كتابك على غير هدى، ينطلقون من مسلمات و حكايات وأساطير تحط من مكانتك، لينفردوا بعالم لا يسع أسرار كيانك الرائع .

كثيرون من لوثوا هذا العالم بصدى التجارب البائسة، وكثيرون من التفتوا إلى نبع الجمال فيك، لكنهم لم يحافظوا عليه لينجلي في هدوء وهم يعلمون، ليعم العالم صمت رهيب.

ظل قبيح يذوب ليمتد ظل جاثم ليغير ملامح العالم في لمح البصر، ولا أظن أن بعضهم يبرئك من أخطاء و هنات تختطف من شعاعك الساطع .

أضواء باهتة:

شمس بازغة أنت في المنابر، ومتألقة أنت في عالم يخفي جروحك التي لا تلتئم مهما فعل مناصروك، سبحوا في عالمك، أخذوا منه دون أن يوفوه ما يليق به، عبثوا فيه دون أن يعوا جسامة ما فعلوا .

في طريقهم رسموا للجمال تماثيل بهية، وهم لا يدرون، فتاهوا في وصفك، وعانوا من عظيم جمالك، وماتوا في سبيلك.

كم من الحقائق باتت مرمية على جوانب الطرقات، أو مكتوبة بمداد الجرائد والمجلات، أو مرصودة بآلات تصوير، لا ترحم الأمكنة و لا الأشخاص، وكم من الخبايا التي تكتب عن تاريخك في صمت، تجلت لنا على شعاع باهت من نبراس قديم .

لكن خذي من رسائلنا أروعها وأنقاها، ملفوفة بعبق أبدي يعانق سحر جمال العالم من حولك، ولألق وجودك سنعزف سمفونية مجد لا متناهٍ في يومك العالمي .

 

 

 

هناك من رأى الخطأ في إدخال لام التعريف على "بعض"= البعض، و "كل"= الكل،

 ودعواهم في ذلك أن "بعض" و "كل" معرفة، لأن كلاً منهما في نيّة الإضافة، وبسبب نية الإضافة والتعريف كان أن نصبت العرب بعدهما الحال: جئت لبعضٍ مسرورًا.

(انظر عباس أبو السعود: أزاهير الفصحى، ص 140)

يقول أبو السعود: "وفي كتاب (ليس) لابن خالويهِ- فإن العوامّ وكثير من الخواصّ يقولون (الكل) و (البعض) وإنما هو "كل" و"بعض" لا تدخلهما الألف واللام، لأنهما معرفتان في نية الإضافة، وهذا الرأي أفصح الآراء لأنه مدعوم بالحُجّة، وهي أن كلاً منهما لا يُستعمل إلا مضافًا لفظًا أو  تقديرًا، فإذا قلت "كلٌ فائز" كان المعنى- كلهم فائز"- ص 141.

أما الجوهري في (الصِّحاح) فقال:

"كلٌ وبعضٌ معرفتان، ولم يجيئا عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة، أضفت أم لم تضف"- مادة ك ل ل.

 ...

.."

 وقد استفاض عباس حسن في (النحو الوافي)، ج3 هامش ص 72 في بيان وجه الخلاف، لكنه نحا منحى التيسير وقبول تعريفهما بلام التعريف.

..

 لكني في جولتي اللغوية رأيت نماذج وفيرة من "البعض" ومن "الكل"، فإليكم نماذج من أدب العرب مما وردتا فيه:

قال مجنون ليلى:

لا يذكر البعض من ديني فينكره *** ولا يحدّثني أن  سوف يقضيني

قال سُحَيم:

رأيت الغنيَّ والفقير كليهما *** إلى الموت يأتي الموت للكلّ مُعْمِدا

وذكر الفيّومي في معجمه (المصباح المنير) أن ابن المقفّع كان يقول:

"العلم كثير، ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل"، ويُروى: "العلم أكثر من أن يُحاط بالكل منه، فاحفظوا البعض!"

وهذا القول كان مأخذًا على ابن المقفّع- إمام الترسّل.

ينقل لنا ابن دريد عن الأصمعي قال:

"قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحنًا إلا قوله – العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض".

(الاقتباسات من السيوطي: المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها، ج2، ص 158.)

..

يقول الجاحظ في مقدمة كتابه (الحيوان) يرد على من عاب كتبه:

"وقد كنت أعجب من عيبك البعضَ بلا علم، حتى عِبتَ الكلّ بلا علم".

" ويجود بالكل دون البعض، ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق"

انظر كتاب (الحيوان) ج1، ص 38، 101.

...

عدت إلى أشعار العباسيين فوجدت الكثرة الكاثرة من استخدامات (البعض) و (الكل) حتى لم يعد أي معنى للتخطئة.

يقول المتنبي:

ولا واحدًا في ذا الورى من جماعة ***  ولا البعض من كل، ولكنك الضعف

البحتري:

وما كلّ ما بُلّغتمُ صدقَ قائلٍ *** وفي البعض إزراءٌ عليّ وذامُ

ابن الرومي:

وهبتَ شطرَ الرضا له فهب  الــ      كلَّ فليس الكمال في الشطر

 أبو فراس الحمْداني:

اطرحوا الأمر إلينا ***  واحملوا الكلَّ علينا

وغيرها كثير.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن "شيخ المعرة" تتضمن الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لدن القراء الكرام من خلال تعليقاتهم أو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّروني بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: "إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية..

فلا يعجبنّيَ هذا النفاق - فكم نُفِّقت محنةٌ ما كسّدْ

 تتضمن  "شيخ المعرة" أول الكلام: كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن الكرام، فاستحسنها الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لد القراء الكرام من خلال تعليقاتهمأو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّرونوي بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: " إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية ..

أبو العلاء المعري، هو معلم المعلمين، ولا أقول هو شيخ الشيوخ، فليس كلُّ من اعتمّ بعِمّة أيّاً كان حجمها وشكلها ولونها هو شيخٌ، وقد أرانا زمانُنا هذا الذي نعيش من الشيوخ عجباً، وليس هذا موضوعنا إنما هو عِلّتنا المُستحكِمة والمُتحكِمة فينا و داؤنا العضال!

تقلّب الفتى على فراشه قلق الوساد، وهو لذي سيُشتَهر بالخطيب التبريزي، فهو مولود في تِبريز ولا يغرّنك مسقطُ رأسه ولا لقبه، فهو عربي المحتِد من بني شيبان، انتقل وأهلوه إلى بغداد، وبانت عليه علامات النبوغ من قوة حافظة وفطنة وتتلمذ على خيرة اساتيذ بغداد واستوعب علومهم نحواً وصرفاً وعروضاً، وحفِظ من الشعر روائع فحول الشعراء ووقف على معانيها وألفاظها وبلاغتها وصورها ومحصّ السمين من الغث، فرهفت حاسته وتثقفت ذائقته..

سمع شيوخ بغداد يلهجون بذكر إمام في الفلسفة واللغة وفقهها ومعجم ناطق في مفرداتها وروايات شعرها وشعرائها ونحوها وصرفها، فمن يا ترى يكون غيرُ الشاعر أبي العلاء، وهو وحده المعرّف بكنيته أو بنسبه إلى المعرة، أو بلقب شيخ المعرّة؛ لذا قرر أن يشد الرحال اليه وأقنع والديه فاقتنعا.

   وشرع يمنّي نفسه باللقاء ويتخيل كيف سيكون الحديث مع الشيخ الجليل وكيف يحضر الدروس مع طلاب لابدّ أنهم أذكيا نجباء وسيتصور أنه يرجع إلى بغداد ليصبح علماً من اعلامها علما وصيتا؛ يشار إليه بالبنان، ألا يكفي أن يكون تلميذ أبي العلاء المعري؟!ً

وهذه دار أبي العلاء، طفق يطرق الباب برفق، وقلبه يطرق بقوة حتى بدا نبضه له مسموعا بين جوانحه، ففتح الخادم الباب، وبادر الزائر بالسلام، يريد مقابلة الشيخ، فأذن له بالدخول وتكلم بلغة تدل على مكانة صاحبها، عرّف بنفسه قال أنه قدم من بغداد ويطمح أن يكون تلميذه لعام وبعض العام، وعندما انتهى من كلامه، صمت الشيخ قليلاً، فالحال ضعيف والحمل ثقيل من طلاب قطعوا الجبال والوهاد والوديان ليغترفوا من علم الشيخ، وكل دخله يأتي من جراية قيمتها ستون ديناراًمن وقف والده يمنح نصفها لخادمه، ويعتاش وطلبته من الباقي، وطعامهم الغالب العدس والخبز ويتحلون بقليل من التين الرطب في موسمه والجاف في غير موسمه والتين رخيص في المعرة والشام عموماً رخص التمر في البصرة والعراق عموما.ً

   ولا يدخل دار الشيخ الذي أمضى دهره صائماً ممّا يخص الحيوان شيئا وهو القائل في هذا المخلوق الضعيف: استضعفوك فأكلوك.

ولكي يُطمئن الشيخَ أخرج صُرّة في غلاله فتحها ليضعها في يد أستاذه، فسأل الشيخُ متعجباً ما

هذا، فأجاب الفتى على حياءهذه مخشلات من ذهب كي أخفف من حملي عليك،فرد الشيخ : نحن لا نأخذ من تلاميذنا مالاً، والعلم عندي مُباح، فألح الفتى، فنادى الشيخ على خادمه وسلّمها له.

أمضى التبريزي سنّة ونيّفاً يغترف من علم أستاذه اغترافاً ويأكل ويبيت بضمير مرتاح، وغدا من المُبرَّزين بين زملائه أثيراً عند أستاذه الذي أعجِب به أيّما إعجاب، وخصّه بكثير من فلسفته ما أخفى منها وما أجهر، فلمع اسمه وعلا، حتى حان موعد الرحيل، جاء إلى أستاذه ليودعه ويشكره على ما قدّم له بإخلاص، وقبل أن ينهض أخرج الشيخ الغلالة وصرتها التي لم تُفتح قائلاًيابني هذه أمانتكم أمانتكم رُدّت إليكم حاول الفتى أن يقنع الشيخ باستلامها فأبى..!! ..

إلى كل من غمرني بلطفه وحسن كلماته حين كتبت " مدرسة رحمة الله") (سقت هذه الشذرة

***

سيرة أبي العلاء المعري (363-449هج) يتلمسها القاري من خلال جهوده وسيرته وأعماله العظيمة، وما كتبه المعاصرون من أمثال طه حسين  في "كتابه مع أبي العلاء في سجنه"، ومن خلال كتاب الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء في رسالتها الذائعة عن أبي العلاء..

وأما سيرة تلميذه الخطيب التبريزي(502-421هج) الذي لم يأخذ شهرته التي تليق بمكانته إلا عند الدارسين لعلوم اللغة وآدابها، فهو محقق وشارح العديد من أمهات الكتب التي أذكر منها على عجالة : تحقيق وشرح المعلقات العشر، تحقيق وشرح المفضليات للمفضل الضبي،شرح ديوان استاذه سقط الزند، تحقيق وشرح مقصورة ابن دربد، وكتابه عن العالم اللغوي ابن السكّيت...الخ.

 لم يمتدح أبو العلاء حاكما قط ولم يتقرب إلا للعلماء والأفاضل الذي يقول عنهم:

أولو الفضل في أوطانهم غرباءُ - تشذُّ وتنأى عنهم القرباءُ

بقي أبو العلاء في بيته بعد أوبته من بغداد في  وحاز على لقب "رهين المحبسين"

الدار والعمى لمدة تسع وأربعين سنة  ولم يخرج إلا مرةَ واحدة، لمقابلة القائد النبيل

   حاكم حلب صالح بن مرداس، الذي حاصر المعرة لأن أهلها عصوه، فجاء الناس يتوسلون أبا العلاء ليدفع عنهم غائلة الحرب، فانصاع لطلبهم وخرج يتكىء على خادمه ولما عرفه القائد أمر بوقف القتال، واستقبله وأدخله الخيمة مرحبا به وأجلسه سائلاً إياه: ما حاجتك؟ فقال أبو العلاء: الأمير - أطال الله بقاءه-

 (صباحه ومساؤه/خ) كالسيف القاطع لانَ متنُه وخشن حدّاه وكالنهار الماتع قاظ وسطه خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرِض عن الجاهلين، فقال له صالح وهبتها لك، ثم قال أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء ، لنرويَه عنك، فأنشد ارتجالاً:

تغيّبتُ في منزلي برهةً - ستير العيوب فقيد الحسدْ

فلما مضى العُمرُ إلا الاقل- وحمّ لروحي فراقُ الجسَد

بُعِثتُ شفيعاً إلى صالحٍ - وذاك من القوم رأي فسَد

فيسمُع منّيَ سجع الحّمام - وأسمعُ منه زئير الاسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق- فكم نَفَّقَتْ محنةٌ ما كسَد

 فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الاسد... ثم رحلّ.

 

خالد جواد شبيل

السادس من آذار 2017

 

 

 

لم يكن حديثا عابرا ذلك الذي بدأ بيني وبين احدى صديقاتي الاعلاميات حول العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا الشرقي بصورة عامة ومجتمعنا العراقي بشكل خاص على الفيس بوك وانما بدأ وكأنه حلقة اخرى من سلسلة طويلة لا نعرف متى نصل الى النهاية . يبدو ان صديقتي الاعلامية ومن خلال احاديثنا السابقة قد توصلت في داخلها الى قناعة اخبرتني بها الا وهي اني اعطي للرجل الشرقي اكثر من حقه على حساب المرأة بالرغم من كل ما يقوم به الرجل الشرقي من عدم احترام لحقوق المرأة وحرمانها من المساواة وفرص العمل وعندما اكتب عن الحب اكتب بطريقة رومانسية وامجد الرجل اكثر مما يستحق . اجبتها يا صديقتي العزيزة عندما اكتب لا اكتب من سطح المريخ ولا من مقاهي باريس ولا من ضواحي لندن او نيويورك وحتى لو كنت في هذه الاماكن او غيرها فان طبيعتي العراقية الشرقية تفرض عليّ ان اكتب ما اشعر به وما تفرضه عليّ مشاعري واحاسيسي الحقيقية فكما لا احب ان تنسلخ المرأة العراقية من عراقيتها لا احب الرجل العراقي ينسلخ من عراقيته ويتلون بالوان الغرب البرّاجة الخالية من الشهامة والرجولة الحقيقية والغيرة؛ انا اعشق الرجل الذي يحمل تراث القرية وحداثة المدينة؛ اكتب عن حب يولد في لحظة بكر بريئة عن حب قد يطول سنوات يعيش فيه بين السهد والسهر والصد والجفاء وعندما يحصل عليها قد يتركها في اية لحظة وفاء لحب اكبر واعظم الا وهو حب الوطن؛ عن حب رقيق شفاف يولد بين الازقة القديمة عبر نظرات متبادلة خجولة او عبر الشرفات من خلال مناديل الاشارة او تبادل الورود؛ عن حب عذري يولد بين السنابل او بين القصب والبردي وقد يموت لعفته وطهارته؛ انا لا اكتب عن حب يولد في مطعم الوجبات السريعة ويقدم شطيرة الهمبركر او الكنتاكي وقنينة بيبسي كولا؛ انا لا اكتب عن حب وهمي بين شخصيات وهمية عبر قصص وروايات عاش ابطالها بين السطور وماتوا على الرفوف اختناقا من الغبار؛ اكتب عن رجل عراقي يغار من النسيم اذا ما لامس خد حبيبته او خصلة من شعرها؛ عن رجل يقول لحبيبته لا تكثري من وضع الكحل في عينيك لانهما اجمل من بحار العالم كلها عنده او عندما يقول لا تضعي كثيرا من احمر الشفاه فلون شفاهك اجمل من كل ورود الجوري؛ يا صديقتي هذه مشاعري واحاسيسي التي ورثتها من عشتار الا تعلمين اني سومرية الى حد النخاع؛ انا حفيدة عشتار الهة العشق والخصب والنماء التي علّمت العالم معنى الحب الحقيقي منذ الازل؛ انا سومرية بامتياز وحبي حضاري منذ اكثر من ستة الاف سنة؛ والان اخبريني ما الذي اعجبك بالرجل الغربي وما الذي لا يعجبك بالرجل الشرقي ومن خلال المقارنة سوف نصل الى النتيجة الحقيقية؛ اجابت برسالة تظمنت ههههههههههه طويلة؛ ثم اعقبتها برسالة اخرى جاء فيها : لقد وضعت لك لقبا .....امرأة عراقية بجلباب جدتها ...و نحن في القرن الواحد والعشرين .

 

 

كتبت الشاعرة الروسية المعروفة آنّا أخماتوفا هذه القصيدة عام 1924 وكان عمرها آنذاك (35) سنة. عنوان القصيدة بالروسية (مووزا)، وهو اسم ربّة الالهام في الاساطير الاغريقية، وقد دخلت هذه الكلمة الى اللغة الروسية منذ زمن بعيد واصبحت مفهومة للقارئ الروسي بمعنى الالهام او آلهة الالهام، ونجد هذه الكلمة حتى في شعر بوشكين وبقية شعراء القرن التاسع عشر . يترجم  د. جابر مؤلف القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير هذه الكلمة كما يأتي – الهة الشعر والغناء عند الاغريق / مصدر الهام، وهي ترجمة صحيحة طبعا، رغم ان مؤلف القاموس جعل هذه الكلمة مرتبطة بالشعر والغناء قبل كل شئ، بينما هي اوسع من ذلك.

السبب الذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو انني وجدت في مجلة (الاقلام) العراقية ترجمة لهذه القصيدة بقلم الشاعر المصري محمد عفيفي مطر (الاقلام / العدد 8 / سنة 1980)، والتي جاءت بعنوان – (ربّة الشعر)، وهذا نصها –

كما أترقب مجيئها اذا جن الليل

تتنزل على شعاع، فان الحياة تبدو لي هكذا،

رخيصة هي الامجاد والشباب والحرية، حينما

تقترب الزائرة العذبة من سريري بارغولها

انظروا...ها هي تأتي وترفع الحجاب

تنظر اليّ بلطفها الآسر.

أقول لها – هل أمليت الجحيم

على دانتي؟عندئذ تجيب (نعم).

بعد القراءة، لم افهم بعض المقاطع، مثلا (تتنزل على شعاع  /// رخيصة هي الامجاد والشباب والحرية ...)، وهكذا قررت العودة الى النص الروسي لقصيدة أخماتوفا، وبدأت اقارنه مع نص الترجمة، وفهمت عندها ان المترجم  نفسه ربما لم يفهم تلك المقاطع كما جاءت عند أخماتوفا، او انه تصرّف كما أراد بغض النظر عن النص الاصلي . عندها بدأت أبحث عن ترجمة أخرى لهذه القصيدة، ووجدتها فعلا في موقع (المسيرة) الالكتروني، وهي للمترجم د. ثائر زين الدين وبعنوان – (ربّة الالهام)، وهذا نصها –

عندما أنتظر قدومها في الليل

تبدو الحياة معلّقة بشعرة.

ما الشرف، ما الشباب، ما الحرية؟

امام ضيفة غالية تحمل المزمار في يدها

ها هي ذي تدخل، تنظر اليّ باهتمام

وقد كشفت النقاب عن وجهها.

أقول لها- ألست أنت من أملى على دانتي

صفحات الجحيم؟ فتجيبني – (أنا).

كل مترجم طبعا يمتلك الحق بالاجتهاد، وبالتالي، يمكن ان يعبّر عن اجتهاده كما يرى ويرغب، شريطة عدم ارتكاب الاخطاء .

لنتأمل الترجمتين –

العنوان يختلف عندهما، الا انه دون اخطاء. ايهما الاكثر دقة؟ الجواب – ربما ربّة الالهام، وليس ربّة الشعر، ايهما الاكثر جمالا؟ الجواب – ربما ربّة الشعر (التي أملت على دانتي صفحات الجحيم !) . // الجملة الاولى – (اترقب مجيئها اذا جنّ الليل) عند عفيفي مطر أجمل وأكثر شاعرية من (انتظر قدومها في الليل) عند ثائر زين الدين . //  الجملة الثانية – (تتنزل  على شعاع ...) عند عفيفي مرتبكة وغير مفهومة وتمثّل اجتهادا غير دقيق وغير صائب ولا يتجانس مع النص الاصلي، أما عند ثائر (تبدو الحياة معلقة بشعرة) فهي أوضح، وتنطبق حرفيا مع النص الاصلي، اي انها ترجمة حرفية جميلة وصحيحة. //  الجملة الثالثة – (رخيصة هي الامجاد....) عند عفيفي، مقارنة مع – (ما الشرف ....) عند زين الدين، تقتضي التوقف والتأمل . كلمة (رخيصة) أضافها عفيفي من عنده، ولا توجد عند أخماتوفا، وقد أساءت الى النص، واختلف المترجمان في كلمتي- (الامجاد) عند عفيفي و(الشرف) عند زين الدين، وهي عند أخماتوفا التشريف او مراسم الاحترام . وضع زين الدين علامة السؤال بعد (..ما الحرية؟)  وهي لا توجد عند أخماتوفا. واختلف المترجمان في - (الزائرة  العذبة)عند عفيفي، و(ضيفة  غالية) عند زين الدين ، وهي (ضيفة حبيبة او عزيزة)  عند أخماتوفا ، ويمكن ان تكون (غالية) طبعا، ولكن لا يمكن ان تكون (عذبة !). وأضاف عفيفي من عنده – (من سريري)، وحوّل (المزمار) كما عند أخماتوفا وعند زين الدين ايضا الى (ارغول) وهي آلة موسيقية تشبه الناي عند المصريين القدماء وليست معروفة تقريبا للقارئ العربي المعاصر، وأضاف من عنده ايضا – (بلطفها الآسر)، ولا ضرورة لكل  ذلك بتاتا . نهاية القصيدة عند زين الدين أكثر دقة وأجمل من نهايتها عند عفيفي، الذي أضاف ايضا من عنده كلمة (عندئذ)، وهي لا تتناسق حتى مع النص العربي .

محمد عفيفي مطر – شاعر مصري معروف (1935 – 2010) وأصدر العديد من المجاميع الشعرية وساهم في حركة الترجمة ايضا، أما د. ثائر زين الدين فهو اسم مجهول بالنسبة ليّ، ولم يسبق ان قرأت له نتاجات ادبية او ترجمات (ومن المحتمل جدا انني لم اتابع نشاطه الادبي ليس الا، ولهذا لا أعرف عنه أي شئ)، ومع ذلك، فان ترجمته كانت بشكل عام أفضل من ترجمة شاعر له مكانته المتميزة في تاريخ الشعر العربي الحديث، وهذه المقارنة السريعة بين ترجمتيهما تبين بلا شك، ان ترجمة الشعر تعتمد على موهبة الشخص الذي يقوم بالترجمة وامانته العلمية ودقّته، وليس على كونه مشهورا او شاعرا معروفا ليس الا، وان هذه الشهرة لا تسمح له ان يتصرف كما يشاء في الترجمة .

 

أ.د. ضياء نافع

 

شارع المتنبي، بالنسبة للعراقيين هو موطن الأسرار والكتابات المخفية عن عيون السلطات وهو حكاية البحث عن المفقود منذ زمن بعيد. وهو المكان الذي يقرأ الباحث والإعلامي (توفيق التميمي) تاريخه وحاضره بعيداً عن التأويل. وتبدو معضلة أي قراءة تتناول مكاناً معروفاً هي أن تأتي بشيء جديد لم يسمع به من قبل، وهذا ما يواجه بحثاً حين يتناول مكانا ترسخ في الذاكرة العراقية والعربية مثل شارع المتنبي الذي يحتل قلب بغداد.

شارع المتنبي هو سجل الأدباء والسياسيين والمجانين والشعراء الرواد والصعاليك الذين توزعوا في بلدان العالم والذين يتمنون أن يقلبوا فيه الآن كتاباً تنقل بين الأصابع كالبلدان التي وطأتها أقدامهم.تقترن ظاهرة رصيف الكتاب، في شارع المتنبي، بظواهر اجتماعية واقتصادية متعددة ومتنوعة خلال حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، وخاصة فترة الحصار على الشعب العراقي، الذي أصاب البنية الاجتماعية إصابات باهظة مما ولد ظواهر وأمراضاً وجرائم وسلوكيات لم يعتدها العراقي سابقاً، مع انه قد خرج من حرب طاحنة امتدت ثماني سنوات، وأعقبتها حروب خاسرة أخرى.يعتبر شارع المتنبي واحداً من أهم مكونات المكان العراقي ثقافياً، كون إن الشارع يشكل وجه العراق الثقافي، وأغلفة كتبه والكثير من متونها وحواشيها، تقترن وتحاول أن تنقب في الروح الثقافية والمعرفية في الواقع العراقي وتحولاته الصاخبة القاسية المريرة، والشارع بات في تلك المرحلة ميداناً للصراع الشرس بين الثقافة الحرة ورموزها، والسلطة القامعة.من الرصيف والعوز والحرمان والقمع والطموح للاطلاع والمقاومة برزت ببسالة نادرة ظاهرة “الاستنساخ” العراقية بتفرد، فهي إذا كانت عادةً، بحثاً عن الربح غير المشروع واستغلال المؤلف والباحث والكاتب والأديب وسرقة جهوده وحقوقه، فإنها في العراق، وفي تلك المرحلة بالذات، كانت غير ذلك. إنها المطبوع المعارض والمشاكس الذي فضح في أحد معاني ظهوره ورمزيته تفاهة وانحطاط وتخلف الثقافة السلطوية.

يتعقب الباحث (التميمي) في تاريخ المكتبات البغدادية العريقة أمانة منه أولاً واستجابةً للضرورات التاريخية والبحثية ثانياً، ومن هذه المكتبات المكتبة العصرية التي أسسها المرحوم محمود حلمي سنة 1914 وهي أول مكتبة استوطنت شارع المتنبي قادمة من سوق السراي، وكان ذلك في أربعينيات القرن المنصرم وتوالى بعدها انتقال مكتبات أخرى، منها الشرق والأهلية والمثنى والمعارف والنهضة والتربية و الشطري وغيرها من المكتبات كالزوراء والبيان والنهضة، والنهضة العربية وغيرها.. ومن هذه المكتبات تطور رصيف الكتاب ومزاده، وكان رائده الأول الراحل “نعيم الشطري” صاحب المكتبة البغدادية ومؤسس مزاد (الشطري) الشهير. وواجه التميمي مصاعب عدة لغرض هذا التوثيق، منها انعدام المعلومات التاريخية الرسمية خاصة في المكتبات الجامعية المعنية بهذا الأمر أساساً، مما دعاه للبحث الشخصي في هذا الموضوع، مع صعوبته وامتناع بعض ورثة هذه المكتبات عن تقديم يد العون والمساعدة في هذا الجانب. وأغلب المصادر التاريخية تؤكد أن هذا الشارع يعود في أصله إلى أواخر العصر العباسي وهو منذ ذلك الحين اشتهر بازدهار مكتباته والمؤسسات الثقافية التي كانت فيه، والملك غازي هو الذي أطلق عليه تسمية “شارع المتنبي” عام 1932 تيامناً بالشاعر “أبي الطيب المتنبي”.

وقد دار جدل في الأوساط الثقافية العراقية حول ظاهرة ثقافة الاستنساخ، خلال سنوات الحصار،  التي تميز بها رصيف الكتاب في شارع المتنبي، التي تقوم على تصوير الكتب الأصلية ضوئيا وبيعها. وما زال هذا الجدل مستمرا حتى الآن حول من أسس لهذه المغامرة، فالبعض يرى أن الشاب “صباح ميخائيل” هو من بدأها، والبعض الآخر يذهب إلى أن القاص والروائي “حميد المختار” هو مَنْ كان الأول، وقسم آخر ينسبها إلى الشاعر “زيارة مهدي”. ومن المهم أن نعلم أن من بدأها هو أحد المثقفين العراقيين ومن الذين لا علاقة  لهم بالسلطة المنهارة ، ومن “الرصيف” ولدت هذه الظاهرة، وبدأت معها رحلة محفوفة بالمخاطر والعذاب والمحن، بسبب “ثقافة الاستنساخ” وما كانت تعمد إليه السلطة من إجراءات للحد منها، خاصة وان ظاهرة الاستنساخ قد تركزت على كتب المعارضين العراقيين للنظام ، ويملكون أسراراً كثيرة عنه. وكانت حركة الشارع جاذبة لنشاطات الأجهزة الأمنية ومحاولاتها السيطرة عليه وعلى ونشاطه الثقافي، وبذلت جهوداً مستميتة في ذلك بمساعدة بعض العاملين فيه وتعاونهم مع المخبرين السريين، أو من المتطوعين الوشاة ومنهم بعض الأساتذة في الجامعات العراقية، مما حول عمل وحياة العاملين على حركة الاستنساخ، جحيماً من النادر الخلاص منه، فقد وقع بعضهم في شرك الجهات الأمنية التي دفعتهم للاعتقال، ونكلت بعوائلهم دون رحمة، وألقت بهم في السجون لسنوات ومنهم “سعد خيون العبيدي” و”رحيم عبيد موسى” و”حيدر محمود شاكر” وكنيته (حيدر مجلة)، ويشهد الشارع وأهله ، ورواده، على عملية النهب المنظم للتراث الثقافي العراقي، عن طريق تهريب المخطوطات والوثائق النادرة والتي كانت تجري بتسهيل موثق من بعض وجهاء السلطة، ويروي الباحث التميمي حكايات “مجانين شارع المتنبي” والمشتركات التي بينهم ومنها لوثة جنون الكتابة والرسم والتهور الشجاع وبطولات الجنون التي لا تتيسر للأصحاء، والنبذ من العوائل والحرمان من الإرث والسكن في الكراجات الليلية ومنادمة سكان المقابر النائية، وتمسكهم بحرية الجنون التي يرون إنها أنبل من العقل. وكذلك مصائرهم الشخصية ،المحزنة - المفجعة  المتشابهة، حيث السجون أو الموت بلا مراسيم أو نحيب من قريب، وتواجدهم بعد الغياب الأبدي، في الذاكرة الخاصة بالرصيف وباعته ورواده الدائمين. ومن المجانين في شارع المتنبي الشاعر “صباح العزاوي” والقاص “حامد عبد الرضا الموسوي” القادم من أرياف النجف والمقتول برصاصة طائشة مجهولة، ظهر 9 نيسان 2003  ، ختمت حياته التي يكتنفها الغموض حتى في طريقة موته المعلن، والرسام والشاعر والكيماوي “هادي السيد حرز”.هؤلاء المجانين المقترنة تسميتهم بشارع المتنبي ليسوا سوى ظاهرة خاصة بذلك الرصيف وشارع المتنبي بالذات، ولم يكن أمامهم غير خيار قدرهم الطوعي والبطولة المتلفعة باليأس والتي تنكر لها العقلاء ـ الواعون ولم يتمتع بها غير المجانين، أو مَنْ يدعي منهم ذلك الشأن، لمواجهة ذلك الزمان وفظاظة أيامه وسنواته .وقد كان الشارع على موعد مع اغتياله في يوم الاثنين، الخامس من آذار عام 2007، اليوم الذي تم فيه تفجير (شارع المتنبي) وحصد أرواح بعض رواده والعاملين فيه. فعند الساعة الحادية عشرة والنصف قبيل الظهر، تعطلت لغة الكتابة، واحترقت الجدران وتفحمت أجساد باعة الكتب،وبعض الرواد،  وتهاوت السطوح، وانهارت البنايات، ولم يبق من شارع المتنبي غير أكوام من الكتب المحترقة وتحتها أجساد الباعة، ومن بقايا هذه الأجساد ربما يد مبتورة أو رأس مهشم أو جسد مشوه وسط دخان صعد إلى أعالي السماء، وألسنة النار المستعرة.الباحث (توفيق التميمي)، سجل ذاكرة شارع المتنبي وأيامه المشرقة والمعتمة، في كتاب بعنوان “ذاكرة الرصيف”1 .و يقع في مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط. وصف " التميمي" الكتاب في عنوان فرعي على غلافه بأنه: “فصول غير مروية من تاريخ شارع المتنبي”، وأضاف: “سيرة رواها” ولم يقل كتبها، ويأتي ذلك انسجاما مع العنوان الفرعي ذاته، إذ أن السير تروى عادةً، ومع كل الجهد التاريخي والتوثيقي والمعاينة اليومية التي بذلها التميمي لغرض توثيقها ومن ثم كتابتها فهو بدراية وبتواضع كبيرين يقرر إنه “يروي”. وبحكم إنه أحد الرواة - الشهود فأنه ينقب في المكان- الرصيف المحدود مسافة والمفتوح زمنياً لاستعادة مكونات وتاريخ هذا الرصيف - الذاكرة لغرض الحفاظ عليها من الاندثار أو النسيان ولتوصيلها إلى الزمن القادم والأجيال المتعاقبة.

 

جاسم العايف

............................

1 - إصدارات جريدة “العهد” بغداد، ط 1 - تقديم الدكتور سلمان عبد الواحد كيوش

 

 

 

تحرص شعوب شمال اوروبا وخصوصا الشعوب الواقعة في شبه الجزيرة الاسكندنافية على تناول الغذاء الصحي، المتنوع، المفيد للجسم في نفس الوقت لا ينتج عنه تفاقم السمنة. فالنظام الغذائي عامل فاعل جدا في الحفاظ على الصحة والرشاقة الى جنب ممارسة الرياضة بالطبع.

ثقافة الغذاء الصحي تحولت الى تقليد شائع بسبب التراكم المعرفي الذي استطاعت ان ترسيه الجهات الرسمية وغير الرسمية التي نشطت في هذا المجال، وما ساهم في ترسيخ تلك الثقافة هو المستوى التعليمي الممتاز الذي تتمتع فيه غالبية شعوب تلك المنطقة.

وارتباطا بموضوع الغذاء الصحي يحرص الشماليون بشكل عام والفنلنديون بشكل خاص على تناول خبز الجاودار "Ruisleipä"، فهذا النوع من الخبز ثقافة فنلندية بامتياز، انه غني بالبروتينات ويحتوي على الالياف التي تجعل المرء يشعر بالاشباع لاطول فترة ممكنة مما يساهم بالحفاظ على رشاقة الجسم، وله فؤائد اخرى جمة، الجاودار من الحبوب التي تنتشر في المناطق الباردة ولهذا يكثر انتشاره في المناطق القريبة من الدائرة القطبية.

لا تكاد تخلو مادئة فنلندية في البيت، المطعم او المقهى من خبز الجاودار الذي يتناوله الفنلنديون بعد دهنه بالزبدة، لقد توارث الفنلنديون هذا الخبر من اسلافهم السابقين الذين زرعوا الجاودار قبل حوالي 2000 عاما. اعتزازا بهذا الماكول العريق في الثقافة الفنلندية ونظرا لكثرة الاهتمام به وتناوله بشكل يومي صوّت معظم الفنلنديين مؤخرا على اختيار خبز الجاودار ماكولا وطنيا بمناسبة مرور المائوية الاولى لاستقلال فنلندا عن روسيا عام 1917.

خبز الجاودار رافق الفنلنديين في السراء والضراء، ليست الثقافة الصحية وحدها ما دفعهم الى الاكثار من تناوله يوميا، بل اضافة الى ذلك لان خبز الجاودار كان رفيق الفقراء في الظروف الصعبة التي مرت على الفنلنديين بفترات زمنية مختلفة من تاريخ هذه البلاد.

وزارة الدفاع الفنلندية اعتمدت خبز الجاودار وجبة اساسية ايضا للجنود في حرب الشتاء (ضمن الحرب العالمية الثانية)، كانت النساء الفنلنديات المتطوعات يعددنه في بيوتهن ضمن مواصفات خاصة تفرضها وزارة الدفاع.

شعوب تلك المنطقة لها مع ذلك الخبز علاقة لها طابع مقدس بعض الاحيان، من العادات المتوارثة عن العلاقة مع الخبز عموما والجاودار خصوصا ان يتواصوا فيما بينهم بانه "من الافضل ان تصمت اذا كان في فمك خبز"، "لا تترك الخبز على الارض"، وغير ذلك من التعليمات المتوارثة من القدم.

 

هلسنكي- جمال الخرسان

 

كثيرًا ما يُردد القول: وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

وأصل القول وارد في شعر عُرْوة الرَّحّال، حيث قال:

 عَجوزٌ تُرجّي أنْ تَكونَ فَتيَّةً *** وقَد نَحِلَ الجَنبانِ و احدَودَبَ الظَّهرُ

تَدُسُّ إلى العَطّارِ مِيرةَ أهلها *** وَ هَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟

(اطلعت مرة على ديوان جِران العَود وبضمنه شعر الرَّحّال، وعرفت يومها أن الشعر هو للرحال، وأعمد هنا إلى الذاكرة، لعدم تيسّر الديوان لي حاليًا).

"ميرة" وردت في روايات أخرى "سِلعة".

ها هي العجوز الشمطاء تحاول أن تجدد شبابها وقد أصبحت هزيلة جدًا وبلغت من  العمر عِتيّا، فهي تدفع للعطار من طعام أهلها حتى تشتري الكُحل والمساحيق، ولكن هيهات، فالدهر قد فعل فعلَه، ولن يصلح هذا الخبير بالتجميل أي شيء فيها.

"راحت عليها"!

من هنا أصبح الشعر مثلاً: بمعنى- لا تبحث عن أمر وقد مضى أوانه.

..

مما يروى في القصيدة، ويبدو أنها كانت عن امرأته التي خُدع بها:

تزوجتها قبل المُحاق بليلةٍ *** فعاد مُحاقا كله ذلك الشهرُ

وما غرني إلا خِضابٌ بكفّها *** وكحلٌ بعينيها وأثوابُها الصفرُ

يعود الشاعر في نص آخر ليقول لنا إن ذلك لا يجديها نفعًا:

ولا تستطيع الكحل من ضيق عينها *** فإنْ عالجته صار فوق المحاجـر

وثديان أمّا واحدٌ فهو مِزْوَدٌ ***  وآخرُ فيه قِربةٌ للمسافر

..

ويمضي في هجائها المقذع:

لها جسمُ برغوثٍ وساقا بعوضةٍ *** ووجهٌ كوجهِ القردِ بل هو أقبحُ

وتفتحُ -لا كانت - فمًا لو رأيته ***  توّهمتَه بابًا من النارِ يُفتحُ

لها مَضحكٌ كالحُشِّ تحسب أنها *** إذا ضحكت في أوجه القوم تسْلح

إذا عاينَ الشيطانُ صورةَ وجهِها *** تعوّذ منها حينَ يُمسي ويُصبحُ

لها منظرٌ كالنار تحسبُ أنها *** إذا ضحكت في أوجُهِ الناسِ تلفحُ

..

 

 أما عروة الرحال فقد عاصر الشاعر جِران العَود، وجِران هذا تزوج اثنتين، وكان يهددهما بالسوط،

واسمه  الحارث بن عامر، لقِّب  "جِران العَود" لأنه كان قد اتخذ جلدًا من جِران (عنق) العَود (الجمل المسنّ) ليضرب به امرأتيه. ولجِران أبيات هجائية مقذعة في زوجتيه، ومن ذلك:

خذا نصف مالي واتركا ليَ نصفَه *** وبِينا  بذمّ فالتعزّب أروح

كان جران العود خِدنًا وتِبعًا لعروة بن عتبة المعروف بعروة الرحال. قيل إنهما عاشا في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

..

وردت الأبيات كذلك في كتاب ابن طيفور - ت 280 هـ (بلاغات النساء، ص 143) على أنها لأبي العاج الكلبي:

 "حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال : قال أبو العاج الكلبي لامرأته:

عجوزٌ ترجّي أن تكون فتية *** وقد لُحِب الجنبان واحدودب الظهر

تدسُّ إلى العطار مِيرة أهلها *** ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر

أقول وقد شدوا عليّ حِجالها *** ألا حبذا الأرواح والبلد القفر

لاحظنا هنا الفعل (لُحِب)، وفي روايات أخرى نجد بدل كلمة (فتيّة)= صبيّة

ومن الطريف في رواية أبي زيد أنه كان هناك حوار بينه وبينها، فكما تعيبني أعيبك.

لكن المبرِّد في (الكامل، ج1، ص 255) وابن عبد ربِّه في (العقد الفريد ج3، ص 457) يذكران الشعر أنه لأعرابي.

يقول ابن عبد ربه:

" وقال أعرابيّ في امرأة تَزَوَّجها، وذُكِر له أنها شابة طريّة ودَسوا إليه عَجوزا"، وذكر الأبيات، وقد وردت القصة  في (الكامل) أيضًا  برواية "لُحِب الجنبان"= قل  لحمهما، وفي (عيون الأخبار، ج4، ص 45) برواية "وقد غارت العينان".

 

 

 

 

أدعوك أخي القارئ العربي أينما كنت إلى احتساب الساعات التي قضيتها وأنت “تقرأ” مذ شببت حتى شبت، خاصة إن كنت خريج جامعة أو دراسات عليا. لا بد وأنك ستصاب برجة وعي، إما تجعلك تندم على هدر الساعات الطوال في القراءة (إن لم تفقه قيمتها المعرفية وأبعادها الثقافية والذوقية الأخرى)؛ وإما تجعلك تتبجح بأعداد النصوص التي قرأتها خلال سني حياتك. وفي الحال الثانية، تجد أعدادا كبيرة من القراء الفطنين الذين لا يقرأون فحسب، بل يعملون جاهدين على اقتناء الكتب والنصوص المفيدة والثمينة التي تأثروا بها لتشكيل مكتبة منزلية يتباهون بوجودها في غرف الاستقبال، بدلًا عن الأواني والمزهريات التي لا يملك قليلو القراءة سواها للعرض أمام زوارهم وضيوفهم.

وإن شئت أن ترصد هذه الظاهرة في حياتك الآن على نحو خاص، إذ يعيش فعل القراءة جزرًا فظيعًا في عالمنا العربي، على عكس ذلك المد العظيم الذي امتد عبر أواسط القرن الماضي عندما كان القراء الفطنون يتبارون بأعداد الكتب والمصنفات التي كانوا قد قرأوها.

إن أية مراجعة لــ”سيرة حياة القارئ” لن تخفق في الكشف عن أشكال متعددة من القراء، صعودًا إلى ما يمكن أن أطلق عليه عنوان “القراءة النقدية”، وهي الأسمى من بين أشكال القراءة: كقراءة التهجي التي دشنّا جميعًا أشواط حياتنا مع النصوص الابتدائية بواسطتها. وإذا كان هذا الشكل من القراءة يدربك ويدرب عينيك على التعامل مع الحروف وطرائق تشكيلها وتهجيها وأساليب التعامل العقلي مع تركيباتها، كلمات، فإن القراءة الاعتيادية التي نعتمدها في مرحلة تالية من حياتنا إنما تهيمن على الأطوال الزمنية الأكبر من حياتنا مع النص المقروء. ويبدو أن أبرز أشكالها التالية لطور التهجي، هو تلك القراءة المعتمدة من قبلي وقبلك في تصفح الصحف اليومية والإعلانات التجارية والمراسلات على أنواعها. هذا هو الطور التالي الذي يتقنه كل من تجاوز مرحلة الأمية إلى مراحل الدراسة التقليدية الابتدائية والمتوسطة والثانوية ثم الجامعية. أما الطور الأسمى من أشكال القراءة، فهو الطور الذي يشعر فيه القارئ بدرجة من استيعاب النص وفهمه بأبعاده المتعددة، درجة إحساسه بأنه إنما “يحاور” المؤلف، فلا يطلع على نصه حسب. والسمو بالعقل نحو هذا الطور من القراءة لا يأتي من اللامبالاة، ولا من عدم احترام القراءة واستبدالها بالصورة والفيلم وما تضخه وسائل الإعلام وآنية التواصل الاجتماعي بالجملة، خاصة في عصرنا هذا، إذ تأكد لي بأن القراءة إنما أصبحت “جهدًا” مستثقلًا، درجة تفضيل ما يسمى بــ”القراءة السريعة” Rapid Reading، بديلًا عن القراءة الاستيعابية المفيدة. والقراءة السريعة، التي يطلق عليها عنوان Speed Reading أحيانًا، هي الشكل الذي استنبطه العقل الآدمي في العصر الحديث بالقراءة عن طريق إلقاء نظرة تصفح سريعة على النص على سبيل الفوز بخلاصاته، دون قراءته حرفًا حرفًا (أسست كلية اللغات بجامعة بغداد قسمًا خاصًّا بهذا النوع من القراء منذ بداية التسعينيات). والقراءة السريعة التي اشتهر بها الرئيس الأميركي السابق “جون كنيدي” منذ بداية ستينيات القرن الزائل إنما كانت ضرورة حيال تعاظم أعداد النصوص التي يتوجب على الإنسان الحديث الاطلاع عليها على نحو يومي، بل وساعة بساعة، خاصة بالنسبة لولاة الأمر، حيث يتوجب عليهم قراءة ما لا يعد ولا يحصى من الملفات والنصوص على سبيل البت بها على نحو مفيد وحكيم. لذا توجب على هؤلاء “استئجار القراء” والمستشارين الذين يقرأون له أو لها، ثم يقدمون له الخلاصات بأدنى عدد من الكلمات حفاظًا على وقته الثمين.

هل فكرت أخي القارئ بأشكال وأطوار القراءة سابقًا، وهل تأملت أهميتها في إقامة صرح الثقافة والحضارة البشرية، إن كان جوابك: “كلا”، فحري بك الاطلاع على ما جاء في أعلاه لتدعي بمعرفتك أبعاد القراءة على أشكالها.

 

أ.د. محمد الدعمي

لا أظنها ظلالاً وان كانت الرغبة كبيرة في توصيف هذا الحنين وشحنه بنوستالجيا إلى حد بعيد. لكنه الفقد هنا مختبئاً، تفصح عنه السطور، إبتداءاً من الإهداء الذي يوجهه هنا إلى أخٍ غائب يضفر وجهه بذكريات الطفولة ويعدّ سنوات العمر التي كان سيعيشها معه، سوية لو كان بانتظاره!

تجبرك الأجواء على مصالحة نفسك وإقصاء كل ماهو قاتم مخيم فوق الرؤوس، رغم ان المجموعة تدور حصراً حول العراق، مدنه والفترات العصيبة التي مرت به ولازالت حتى اللحظة، حيث المخبر والسلطة المهددة لأمن الفرد والسلابة وقطاع الطرق والمتصيدين في الظلمة والنسوة المتشحات بالسواد. قلة من الكتّاب من تجدهم أبقوا على الذاكرة سليمة لم تصب بأذى، ولكنها أيضا ذاكرة مسالمة، رحيمة بما تمر عليه، تمسّه أو تحييه. مثل نهر يتهادى مجراه بهدوء، يتعرج، ينعطف، ينحف ولكنه يواصل بوفاء، من دون نهايات حادة، بلا انفعالات ولا نتوءات نافرة. هكذا بدت لي نصوص " ظلال على شواطيء المنفى"، خزين حي يجمع بين أناة الشيخ واندفاع الشباب، عبر انتقاء الكلمة، الطرفة، التعابير العامية القديمة، المفارقات العراقية هنا وهناك.

الحس الساخر يرافقه منذ بدء رحلته الشاقة الأولى من المكان الأول، من الناصرية الى بغداد محصناً بتوصيات الأهل ودعمهم تحذيراتهم، وحيث يضطره الدرهم الأخير إلى إكمال المسيرة على الأقدام في تلك الظهيرة اللاهبة بعد أن أنهى اجراءات معاملة سفره لمغادرة العراق. لم يتمكن من شراء بطاقة باص ليكتشف فور وصوله المكان الذي يقيم فيه أن الدرهم انما كان عالقاً بملابسه من الداخل. هل سيتعين عليه أن يدور من محطة إلى أخرى وبلد إلى آخر ليؤكد لنفسه بعد مطافه أن الحب للمكان الأول، لناسه، لأبطال عالم الطفولة والشباب، لنظرات البنات والإشارات، إن كل ذلك باق كما هو، مخبّأ او عالقٌ في الثنايا مثل ذاك الدرهم الذي ظن انه قد أضاعه! يخال لنا ان من كل هذا انبثقت هذه المجموعة!

 

* "ظلال على شواطيء المنفى". طالب عبد الأمير. نصوص قصصية. دار أوروك ميديا- السويد. 2017 

                                             

كثيرة هي الاشياء والامور التي لا تثير اهتمامي لذا اتخطاها بجرة قلم او احيانا بكلمة واحدة تسكن احدى اروقة نصوصي وقصائدي او اضعها في مزبلة الذاكرة لغاية لا تدركها سوى الذاكرة ذاتها والفيس بوك احدها فأنا اعتبره عالما افتراضيا خالي من دسم الحقيقة فهو عبارة عن الة تجارية صنع لغايات معينة وما ان ينتهي العمل بها ستصبح في طي النسيان وستظهر الة تجارية اخرى تحل محلها ولغايات اخرى هكذا ارى عالم مواقع التواصل الاجتماعي والتي يحلو لي ان اسميها مواقع الفوضى الاجتماعية فما يحدث على الفيس بوك لا يتعدى الهرج والمرج وان اختلفت سياقات العمل فيها لكنها تلتقي في حلبة الخيال والاحلام ......

لا انكر انني لا اتعامل مع الفيس بوك فمهنتي كشاعر وكاتب  تقتضي ان اتعامل معه لا لكي اتواصل مع بني البشر ولا لكي احظى بالمزيد من الصداقات المزيفة ولا لكوني من محبي التصعلك والتعربد بين اروقته انا استعمله لغاية معينة وهدف معين الا وهو ان اشارك على صفحاته ما ينشر لي من قصائد وقصص قصيرة ومقالات على صفحات المواقع والصحف العراقية والعربية الورقية والالكترونية هنا الهدف واضح الا وهو الشهرة وهذا جائز في سياق العملية الابداعية بأعتباري مبدعا هنا يحق لي ان انشر ما ينشر لي من ابداعات على صفحاته وهذه رسالة مفادها انني عنصر فعال يكافح ويعمل ويناضل بقلمه في سبيل اعلاء شأن الثقافة والفكر والادب والحصول على المزيد من الشهرة من المحيط الى الخليج بل الابحار ابعد من هذا وغزو الغرب بأبداعاتي الفكرية والادبية لعلى وعسى ان احصل على النوبل ذات يوم وهذا ايضا ضمن السياق المعمول عليه من قبل الشعراء والكتاب على مر الزمن فكلهم ناضلوا وكافحوا من اجل الشهرة والوصول الى افق المجد لذا اتعامل مع الفيس بوك بهذه الطريقة التي اعتبره خط الهجوم الثاني لابراز ابداعاتي من بعد المواقع والصحف الورقية والالكترونية التي اعتبرها الجبهة الامامية والخط الاول لهجماتي مع الحروف والكلمات في عالم الشعر والقصة القصيرة والفكر والفلسفة لكن ما يضحكني ما يدور على الحسابين الذين املكهما على الفيس بوك اللذان يتعرضان الى عمليات قرصنة بصورة شبه يومية وما اكثرها عمليات القرصنة التي كادت ان تجهز على كلا الحسابين لكنها باءت بالفشل الذريع لذا حاولت ان اضع حدودا بين كلا الحسابين فأحدهما مدرع ويخلو من الفضائيين والفضوليين والمزعجين والمعجبين والمعجبات اي انه خالي تماما من اي رواسب وشوائب فهنالك حزام امني يحرسه ولا يدخله سوى الاصدقاء المقربين مني ونخبة من الشعراء والكتاب والاقارب الذين تربطني بهم علاقات الدم والوفاء وهذه هي النسبة الاكثر تواجدا وحضورا فيه بينما حسابي الاخر فلقد جعلته مفتوحا اي يمكن لأي شخص ان يرسل طلب صداقة لي وايضا طلب مراسلة والذي اقفل تماما بعد ان اكمل التعبئة بخمسة الاف صديق منهم الفضائي والمزعج والفضولي والمعجب والمعجبة والحائر والحائرة والمتعب والمتعبة والسعيد والمكتئب والانفعالي والهادىء وووووووووو وما خفي كان اعظم ورسائلهم تعلن عن حضورها من ان دخلت هذا الحساب فترى احدهم يقول مرحبا والاخر السلام عليكم والاخر هلا والله والاخرى كيفك شو الاخبار وهذه كتبت بالانكليزي وتلك بالفرنسي مع الصور والرموز التعبيرية كالازهار والقلوب اي بأختصار ان حسابي هذا ما هو الا فسحة لي للضحك والتفكير وقراءة الوجوه والافكار وما خلف السطور لذا لا ارد على رسائلهم بل اكتفي بالنظر اليها وتحديدها كمقروء لأنني على قناعة تامة بأن هذا العالم مليء بالاشرار واكثرهم يسكن في اروقة الفيس بوك بين باحث عن المال والفضائح والمشاكل واستغلال الاخرين لغايات واهداف معينة لذا اتعامل مع هذا الحساب بحذر وذكاء شديدين لكن في ذات الجانب اشارك فيه كتاباتي ونتاجاتي لعلى وعسى تجتاح الشهرة اروقة قلمي بكل لغات العالم .....

لذا بعد ان انتهي من عملي وبعد ان اكمل خربشاتي فوق الورق الابيض برفقة القلم من شعر وقصة قصيرة ومقالة وبعد ان اخذ حاجتي الفكرية من صفحات كتاب ما مركون على احدى رفوف مكتبتي يأبى الانتهاء لا لانني لا انهيه بل لانني اعيد قراءته مرة ومرتين وثلاث كونه اعجبني واثار اهتمامي اقوم بأهدار ما تبقى من وقت مع  الفيس بوك لأنه كائن جامد لا مشاعر واحاسيس لا قيمة للوقت عنده وخارج عن قواعد الحضارة والانسانية فهو هضبة قاحلة لا تصلح للعيش عليها وكهف مظلم مليء بالافاعي والثعابين البشرية التي تحاول ان تلدغ الصالحين فيه الذين يستخدمونه كوسيلة ثانوية للترويج عن ابداعاتهم او منتجاتهم او افكارهم او اعمالهم ......

لذا يحلو لي ان اسمي الاول حساب المثقفين والثاني حساب الثعابين .....

لكن السؤال يطرح نفسه ..... ايهما هذا او ذاك

الجواب لا يعرفه سوى كاتب المقال .......

 

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

دون اية مغالاة او تهويل اعترف اني اجهز نفسي جهوزية تامة وانسى كل شيء مما يحيط حولي واغفل حتى عما يجول في خاطري من تهويمات فكرية عامة أو خصوصيات شخصية تتعلق بي وبأقرب المقربين اليّ حينما ابدأ في قراءة قصيدة معينة او مجموعة شعرية وكأنها هي وحدها تشير اليّ ان ادنو منها وأتملّى سطور ورقها ، وانا هنا لااعني جملة الكتابات الهائلة التي تسمى قصائد جزافا وتطاولا على الشعر وآياته وسوَره ذلك القرآن البشري الذي يكتبه أنبياء الشعر من هواجس وحْيٍّ سمّوه قبلا باسم عبقر لواقعٍ متخيل حتى انهم عزَوا انتسابه الى الجان في غابر العصور وما لايتراءى عيانا امام الانظار لما يطلقه من الدهشة والحيرة من اختلاق المعاني وتراصّ الكلمات لخلق عالمٍ ساحر غير متعارف عليه قبلا .

لا يعنيني ابدا وقت كتابة القصيدة ولا زمانها ولا حتى متى قيلت او في اية ترعة استقت ونبتت سواء كانت صحراءً ام جناناً غنّاء بقدر ماتعنيني العوالم الجديدة التي تنبثق منها وقد اقرأ لشاعر محاصر في صحراء كلها قحلٌ وجدب وأعجب كيف يخلق عوالم وابتكارات شعرية أهيم بها هوسا وانجذابا مثل حال شاعرنا البدويّ الاموي ذي الرّمة الذي لم تعش حياته بذخا يذكر وظل طوال حياته أسير البيداء وأدهش كيف يحاكي الحصى وكأنها دررا شعرية تخرج من بطونها الصلدة الاف المعاني العجيبة وكيف يصبغها الليل بالسواد .. ولنقرأ مثلا هذا البيت في وصف الدويّة ( الصحراء ) ليلا وهو يعتسفها ويقطعها طولا وعرضا وكيف صوّر الليل بريشة فنان يصبغ حصاه حلكةً سوداء فاحمة :

ودوّيةٍ مثل السماء اعتسفتها ------ وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ

كما ان له في غزله مايثير العجب والاندهاش في لقطاته الشعرية اللافتة وفي البيت التالي وهو يتغزل بعينَي معشوقته " ميّ " مافيه من صورة مجازية باهرة وهو يقول :

وعينانِ قال اللهُ كونا فكانتا ---- فعولانِ بالألبابِ ماتفعلُ الخمْـرُ

وكذا الامر حينما أرتوي الشعر من عيونه وينابيعه الصافية ولا يهم ان كانت تلك الينابيع انبثقت من البادية في واحة ما او من جبلٍ عالٍ ؛ شرقا كان ام غربا فتراني أوغل في شعر المتنبي والمعري وغوته وريلكه ودانتي وبورخيس وشكسبير ومفجّري الشعر الفرنسي الحديث من امثال مالارميه وشارل بودلير وآرثر رامبو ذلك الفتى الغرّير المليء شعرا في كل خلايا عقله وجسده الذي أذعنت فحول الشعراء وشيوخها إصغاءً ، هذا الانفجار الشعري الذي دوى بضع سنوات وخفتَ على حين غرّة . فالشعر والقصيدة الحقيقية هي اصطياد كل ماهو شارد ووصف بواعث النفس بطريقة غير معتادة والأتيان بحالات الغرائبية غير المألوفة وتجارب الشاعر السوبرمان  في هذه الحياة التي ما أن تحلو قليلا حتى تصاب بالمرارة كثيرا .

فما ان اتطلّع الى قصيدة شعرية حتى أهجس اني في حفل يصخب تارةً وتارة اخرى يهدأ ، ارى شخوصا غير مألوفين في حياتنا المعتادة يتقمصون صور حيوانات او نبات او جماد تسمع لغتهم وقد تفهم معنى مايريدون وقد تغيب عنك المعاني كلها لكنك تأنس بهذا العالم الغريب الاطوار .

ترى التجريدية والنمطية المعتادة معاً تتآلفان مثل حبيبين تعانقا وتنافرا ، ترى الواقعية باعتيادها مرةً وكأنها فوتوغراف  وسحرها وكأنها عوالم مختلقة وترى انماطا تقليدية  قلبت واقعها فصارت تجريدا وهنا عليك ان تتهيأ لعالم تلجه اول مرة مثل سائح يحطّ في مدينة صاخبة لم يألفها من قبل في أسفاره .

عليك ان تكون مستعدا لتقبل صورٍ وانماطٍ لاتعرفها من قبل ، اشياء بدون فمٍ تحكي واشجارٍ تتأنسن ، فليست كل القصائد تصوّر الدنيا كقصيدة شعر مثلما قال نزار قباني وهناك الكثير من قصائد الشعر حارقة ملتهبة وموجعة وربما تصيبك سهامها وتوجعك فتبكي بدلا من تسرّ وتحزن وتوغل في قرارة شجن لاخروج منه وتبقى وقتا طويلا في شباكها .

والحق ان لكل قصيدة طقوسها في القراءة وهناك الكثير ممن نمرّ عليها مرور الكرام دون ان نعبأ بمعانيها وتركيبها الشكلي كمن يؤدي تحية عابرة لصحبهِ بهزّة رأس او إيماءة حاجب او تلويحة ليست عالية ولانطيل الجلوس معها وسرعان ما تستأذنها بالمغادرة دون ان نفكر حتى بالعودة اليها لاحقا لا لشيء سوى انها مقززة ذوقا وكريهة في طلعتها عندما تقابلها وجها لوجه .

لكن هناك قصائد تتمنى لو ترافقك اينما رحلت وحيثما أزفت ولا تتوانى من تذكّرها بين آن واخر مثل صديقة جميلة رائقة كنت تجالسها باستمتاع وغادرتْك وأنت في خضم مشاغلك لكنها كثيرا ما تخطر على بالك وتمنّي نفسك ان تلتقيها أمدا بعد أمد كلما سنح وقتك لملاقاتها .

هناك من القصائد ما تأخذك في رحلة شاقة طويلة ولا ترى محطات استراحة في الطريق لتهنأ وتستريح فيخامرك الشقاء والتعب والإنهاك الذهني والجسدي معا مع ان البعض يراها غير ماتراه أنت وربما يكون مركبك غير مراكب الاخرين واذا كانت تلك القصيدة قد انهكتك فهناك من الشعر البذيء مايقرف النفس ويدعو الى ان تلعن الشعر والشعراء كلهم ومن حُسب على الشعر وانحاز اليه اعجابا او ميلا ، وتدعو على الشعراء كلهم بالحطة والموت والفناء وكل ذلك من اجل قصيدة جعلتك تنفر من القراءة وترمي بما لديك من مجموعة شعرية او أوراق مليئة شعرا غثّا الى اقرب حاوية للنفايات .

هكذا هي موائد الشعر منها العامرة بالعافية والصحبة الممتعة المفيدة رغم قلة زادها وزوّادها وقصر سُفرتها وكلامها الموجز لكنه يغنيك عن مطولات عريضة نشرا بطولها وعرضها وما عليك الاّ ان تتذوق اطباقها الصغيرة فترى في كل مقطع نكهة خاصة وأطايب لم تتذوقها من قبل فتصيبك الدهشة مما تناولت وكأنك تطعم نفسك ما لم تره عينك ولم يلقفه فمك من قبل .

قد تجد فيما تقرأه قصائد صارخة تصمّ أذانك وتجيش فيك هزّة عارمة وتقلعك من مكانك ؛ لكن هناك من لايسمعها وكأنها تنادي عالما اخرس صامتا لايعير انتباها وهنا تتراءى معنى العزلة بين الشاعر وبين الأطراف الأخرى وكأنك تخاطب عالما عابثا لايبدي اي اهتمام مثلما تنادي وثنا لايهتز او ترمي صداك في وادٍ غير ذي مسمع وشيئا فشيئا تتلاشى تلك الصرخة الشعرية وتهيم بلا جدوى مثل هبّة رياح لاتعلم اين تستقرّ وهنا يبرز ما أسماه " اندريه بروتون " تهشيم العقل حينما يضيع الشعر في متاهات بلادة الجهل واللامبالاة والاستهتار بالقصيدة وعدم الترحيب بها عندما لايستساغ الغامض ويعوّل على المألوف المعتاد عليه ولا يتقبّل الجديد المحدث مهما كان بديعا مدهشا أخاذا .

ومن جانب اخر تلحظ قصائد تتجسد أمامك راقصة هزجة ضاحكة بحيث تنسى أحزانك كلها وتبلسم جراحك وكأنك في حفل عرس تماما مثلما قال " بول فاليري " بان القصيدة هي عرس العقل وانت حينما تقرأ مثل هذه القصيدة تهزج فرحا وتهلل اعجابا وتتقافز حبورا ونشوة ، أليس الشعر كما يؤكد فاليري لغة راقصة ؟؟

وكثيرا ماتكون القصيدة ايقاعا خالصا وصافيا للحياة الفردية التي يعيشها الشاعر فنسعى للشعر هربا من الحياة الصاخبة الخليطة بالمنغصات والسفاسف وما يعكّر ذلك الصفو الذي ينشده القارئ على الاخص حينما يرى حيزا حلوا منيعا من اليوتوبيا الرائقة والمناخ المؤنس المفتقد فيشعر بالهناء والحبور ، تلك هي جنّة الشعر وملاعبه الممتعة .

انها متعة مابعدها متعة حينما تؤنسك قصيدة ما ؛ فهذه الباقة الوردية من حزمة الامتاع التي تهديها لك القصيدة تعني انها  رائقة وأقل مايقال عنها انها جيدة في الكلام الدارج حتى بين العامّة .

ويبرز هنا السؤال الاهم وهو كيف تنتقي القصيدة الجيدة لتقرأها في هذا البحر الخضم الهائل من مياهه العكرة والملوثة المليئة بأجاج الملح بدل المذاق المعسول والكلام الرطيب الآخاذ الآسر ؟؟

يقول الشاعر والروائي الانجليزي الكاره للشهرة " فيليب آرثر لاركن " ان القصيدة المثلى هي من تقدر على المحافظة على الاشياء التي رآها الشاعر ببصره وبصيرته معا وفكّر بها وأحسّها ، ليس من اجل نفسه وانما من اجل قارئه وهو هنا يعيب على " تيد هيوز " قوله : ( ان الكلمات وحدها هي وسائل لفتح مغاليق القصيدة والكشف عنها ) ، فالقارئ الحاذق لايقف فقط على شاطئ مايكتبه الشاعر بكلماته ومفرداته وحدها وعليه ان يغوص في اعماقه لعله يظفر بمخلوق جديد / معنى جديدا او شكلا شعريا غير مأنوس والاّ كيف سيكون اكتشاف الابداع وتلمّس المتعة في الحواس .

في ظني وحدسي ان القصيدة لاينبغي ان تتعرى امام حشود الجالسين في مهرجانات الشعر وصخبها وعويلها وتتوسل ان يسمعها الضاجّون ولست ميّالا الى ما قاله الشاعر البريطاني " باسيل بانتنغ " من ان الشعر شأنه شأن الموسيقى كُتب لاجل ان يسمع اذ يرى ان القصيدة تعدّ في عداد الاموات حتى يبعثها صوتٌ ما كي يعيدها الى الحياة ؛ فالقراءة الصامتة في نظره وادّعائه خلّفت كمّاً لا يستهان به من سوء الفهم وأورثت الهوة البعيدة بين الشاعر ومريديه .

وفي وجهة نظرنا ان هذه الدعوة مدعاة الى تهريج القصيدة وابتذالها في صخب المهرجانات الشعرية وزعيقها مما يفقد روح التأمل والتأني في فهم القصيدة والتلذّذ بها والبحث بمشاعر التحسّس عن مواطن ونكهات الجمال لاجل تذوقها ، وانا هنا لا اريد ان أوسع الكلام في شطحات ورؤى هذا الشاعر " بانتنغ " الغريبة الاطوار واتذكر انني قبل عدة سنوات قد قرأت في موقع ايلاف مرة ان " بانتنغ " قد صبّ جام غضبه على كل شاعر عزم على جمع ماكتبه ليضمّها الى مجموعته الكاملة اذ يعتبر هذا المسعى كمن يجمع ألواح تابوته سعيا الى موته الشعري تماما .

فالقراءة منفردا انت والقصيدة تختليان معا بعيدا عن ضجيج العجلات والصخب والتلوث الصوتي الخادش ؛ تتآنسان معا وتتحاوران وقد تغفوان سوية في سرير واحد بعلاقة حميمية هي وحدها من تحقق المتعة والانسجام والهارمونية .

وان كان لابد من نشرها ليتسع مداها الجمالي والفنيّ وتكون على كلّ لسان وتطرب لها الاسماع وتتغلغل في الارواح لتطهيرها وتنقيتها من شوائب الحياة ووعث ترابها وعجاجة دخانها الخانق وطرد الزفير الشاسع في الانفاس فلتدخلوا القصيدة الرائقة الجميلة الممتعة والمفيدة في الاوتار اللحنية وفي نايات الشجى والشدو الطريب لتلبس حلّة الاغاني عسى ان تخلد هانئة في القلوب والاسماع .

وكم كان الاديب الفرنسي " كريستيان بوبان " صائبا تفوق في دقتها إصابة الكسعيّ حينما قال اننا نحتاج الى ساعتين او ثلاث وقد تطول نهارا على اكثر تقدير لكي ننهي قراءة رواية ما او بحث أدبي او فنيّ  بينما نحتاج حيزا هائلا من الوقت ربما شهوراً او سنوات او حتى حياة طويلة بكامل أعمارها تلزمنا لقراءة قصيدة .

 

جواد غلوم

 

 

 

الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، فهو يحبها لنفسه.

يبدو أن هناك من يؤمن كثيرًا بالحسد والحسّاد، وبعضهم لا يؤمن بقوته، ولكن مع مرور الزمن ثبت لبعضهم الكثير من تأثيره.

مع قدوم الإسلام ترسخ المفهوم لدى المسلمين بوجود الحسد، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفلق: {قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، و من شر غاسق إذا وَقَب، و من شر النفّاثات في العُقَد، و من شر حاسد إذا حسد}. ورد ذكر الحسد أيضًا في الذِّكر الحكيم {أم يحسُدون الناس على ما آتاهم من فضله}- النساء، 54. وكذلك في سورة البقرة، 109، الفتح، 15.

..

ثمة أحاديث كثيرة، ورد فيها ذكر الحسد: "ولا تَحاسَدوا"،  "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكل النار الحطب"، "المنافق يحسُد، والمؤمن يغبِط"، وثمة غيرها.

...

كان هناك من يربط بين الحسد وبين العين الزرقاء، ومنهم من يتهم أشخاصًا معينين بأنهم يرمون بالعين، ويزداد الاتهام إذا أصيب طفل جميل بسوء بعد أن رأتهم فلانة ولم تُصلِّ على النبي، أو كانت وقعة ما، أو حادثة أو مرض، ومن منا لا يعرف التمائم ونحوها مما يدرأ العين كما يُعتقد.

..

ينشأ الحسد من اختلاف حظوظ الناس في الرزق والنعمة والموهبة، وتفاوت الدرجات في المجد والمكانة.

ذكر التوحيدي في كتابه (الصداقة والصديق):

"...فتحفزه أعراض كثيرة من الحسد والغيرة والتنافس، على أن يكون هو وحده حاوياً لتلك المواريث من المال، والجاه، والقدر، والمنزلة". ص 125.

قال عمر بن لجأ في مدح يزيد بن المهلّب:

إن العرانين تلقاها محسّدة *** ولا ترى للئام الناس حسّادا

وعلى غرار ذلك قول أبي طاهر يحيى بن تميم:

مُحسّدون على أن لا نظير لهم *** وهل رأيت عظيمًا غير محسود

وقال شاعر:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَه *** فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

كضرائرِ الحسناءِ قلن لوجهها ** حسدًا وظلمًا:  إنه لدميمُ

..

 

من الشعراء من رأى أن الحسد ضروري لمن أراد أن يشتهر، فهذا أبو تمام  يقدّم لنا تشبيهًا ضمنيًا في هذا المعنى:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ *** طُوِيتْ أتاح لها لسانَ حسودِ

لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ *** ما كان يُعرفُ طيبُ عَرفِ العود

فالبَخُور نشم رائحته ونعرفه بعد احتراقه، وهكذا الممدوح تنتشر فضائله بسبب ألسنة الحساد التي تحاول النَّيل منه...

صاحب المجد – كما أشرت- لا ينجو من الحسد، فالمتنبي يسأل بحدّة:

وكيف لا يُحسَدُ امرؤ عَلَمٌ *** له على كل هامةٍ  قدمُ

يمضي ابن المعتز على المنوال نفسه:

وإذا فقدتَ الحاسدينَ فقدتَ في الناس الأطايبْ

والمجد والحسّاد مقرونان إن ذهبوا فذاهبْ

ويرى البحتري:

ولن تستبينَ الدهرَ موقعَ نعمة ***  إذا أنت لم تُدْلَـل عليها بحاسدِ

من هنا فالواجب شكر الحاسد في نظر أبي الحسن التِّهامي:

ما اغتابني حاسدٌ إلا شرُفت به *** فحاسدي منعِم في زِيّ منتقم

فالله يكلأ حسّادي فأنْعُمُهم *** عندي وإن وقعتْ من غير قصدِهِمِ

 

..

 

من طريف ما يُحكى أن رجلاً من البصرة كان شريرًا، فأتاه رجل فنهاه عن الشر، فقال البصري:

إنهم يحسدونني.

فقال الرجل: وعلى أي شيء يحسدونك؟

قال: على الصَّلْب.

فسأله: وكيف ذلك؟

قال: أقبِلْ معي، فأخذه إلى جيرانه وقعد متحازنًا، فسأله الجيران: ما بالك.

قال: جاءني الليلة كتاب من الخليفة يأمر بصلبي وصلبِ مالك بن المنذر وفلان وفلان من أشراف القوم. فوثب الجيران عليه وقالوا: يا عدوَّ الله أنت تُصلب مع هؤلاء الأشراف وأنت رجل لا كرامة لك.

 فالتفت البصري  إلى الرجل، وقال له: أرأيت كيف يحسدونني على الصلب؟

..

تذكرت مع هذه الحكاية قول الخليفة يزيد بن معاوية:

 

إن يحسدوني على موتي فوا أسفي *** حتى على الموت لا أخلو من الحسد

أتذكرون المتنبي في داليته  وهو يردد:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه *** أني بما أنا باكٍ منه محسود

..

أما الحسد فيقع أيضًا بسبب تفوّق الآخر في العلم أو الظَّرْف أو البأس أو الجود، كقول معن بن زائدة:

ما يُحسد المرءُ إلا من فضائله *** بالعلم والظرف أو بالبأس والجود

..

فلننتبه للَّوم أو للنقد الموجّه لنا، ما هو الدافع من ورائه!

صدق أبو نواس وهو يخاطب لائمه:

لوْ كان لوْمُكَ نُصْحًا كنتُ  أقبلُه***  لكنّ لَوْمَكَ محمولٌ على الحَسَــــدِ

...

أشهر ما ورد في مقاومة الحسد ما قاله ابن المعتز:

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتلُـهْ

النار تأكلُ بعضَها *** إن لم تجدْ ما تأكلُـهْ

تشبيه الحسد بالنار أقوى من تشبيهه بالمرض، فلذا عليك بإهمال الحاسد وصرف النظر عنه، فذلك أدعى لغيظه وشقائه. 

الحسد سوف يقضي عليه إن آجلاً أو عاجلاً، ويذكرني ذلك بمثل إيطالي:

يأكل الحسد الحاسدين كما يأكل الصدأ الحديد.

وفي أمثالنا: الحسود لا يسود، عين الحسود تبلى بالعمى، وعين الحسود فيها عود.

..

مع كل ما ذكرت فثمة أناس لا يؤمنون بمفهوم الحسد اليوم، ويقولون:

لو أراد الله  في أيامنا هذه أن يُنجح رغبة كل من "يحسد" لما رأينا هذا النجاح تلو النجاح عند هذا وذاك، فالناس يتنافسون ويغارون ويتمنون الخير أو الشر لبعضهم البعض، وهذا من طبيعتهم.

ثم إنه لا بد من عقبات تعرقل مسيرة هذا أو ذاك، فهل ذلك نتيجة للحسد؟

لنفرض أن فلانًا حضر إلى منزلك، ورأى السيارة الجديدة في الساحة، وقال: واااو! من أين لك؟ ثم حدث مكروه في منزلك، فهل تربط بين حضور فلان وبين ما جرى؟

هل نسيء علاقتنا بسبب ذلك؟

..

 

وأنتم ما رأيكم؟ دام فضلكم!

 

ب. فاروق مواسي

ما أسهل أن نكتب.  ما أسهل ان يكتب كل من عرف الحروف وامسك بالقلم لكن ما أصعب أن نبدع؟

الكتابة شئ عام أما الإبداع فشئ خاص وخاص جدا وهو موهبة قبل أن يكون (علما) نتعلمه هو إلهام ومنة اختص به الله بعض النفوس المرهفة الحساسة الشاعرة...وإذا كنت مبدعا حقيقيا فلا أحد يستطيع أن ينزع قلمك من يدك لأنه منغرز في قلبك ومشغول به عقلك فلا أراك إلا مبدعا أو مبدعا؟

لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك ونطرحه على أنفسنا جميعا : هل أنا مبدع حقا ؟ وهل ما أكتبه في مستوى كلمة (الإبداع)؟

عندما أكتب عن أمي أتساءل هل ما كتبته هو في المستوى العميق الذي تحتله أمي من قلبي وعقلي ومشاعري؟ وهل يليق بأغلى مخلوق في الكون؟

عندما أكتب عن وطني فهل ما قلتُه هو في مستوى وطني الأعلى والأغلى والأعز؟

أكيد أنني عندما أطرح هذه الأسئلة سأعمل كي أبدع أكثر وأكتب أجمل وأشد تأثيرا

والأجمل والأكثر ليس الأغرب ولا الأشد غموضا وفلسفة

لقد كانت كلمات مفدي زكريا بسيطة ولكنها تغلغلت في النفوس ورددتها الحناجر وطربت لها القلوب بمن في ذلك الأميون الذين لم يدخلوا المدارس ولم يعرفوا شيئا عن الشعر ذلك  لأنها نابعة من روح صادقة ومبدعة

الإبداع ليس (ألغازا وأحجية) ليس طلاسم وتشفيرات...ليس إبرازا للعضلات اللغوية إن صح هذا التعبير

الإبداع نسيم ينساب إلى النفوس فيحرك سكونها ويسكن صخبها في نفس الوقت هو كلام تتناقله الأرواح بين متلق ومتلق بين مبدع ومتلق وبين شاعر وشاعر.

والمبدع لا يخاف من النقد (لا بنّاء ولاهداما) ولا يخاف من (الإهمال والتهميش) ولا من الأحكام الجائرة والمسبقة ولا من الغيرة والحسد لأنه يعيش في عالم صاف رقراق يستسقي سماء الكلمات فتمطر في حجره ويستدني مغاليق الحروف فتفتح في صدره أما إذا لم يكن كذلك فهو مجرد كاتب وما أكثر الكتاب لكنه بالتأكيد ليس مبدعا فما أقل المبدعين ؟

انصف نفسك وانصف غيرك وأعد قراءة ما كتبت مرات ومرات ثم ضع نفسك في موضعها من الكتابة أو الإبداع مراعيا في ذلك الصدق والصدق فقط

هل أنت كاتب ؟

أم أنك مبدع؟

عندما تجيب بصدق ستضع قدمك في جنة الإبداع ولن يزحزحك عنها أحد

 

فاطمة الزهراء بولعراس

جيجل (الجزائر)