 أقلام حرة

عقل المجموعة المجهول وإشكالية التغيير والوعي

رائد عبيسكلمة التغيير كلمة مخيفة عند من يتولى السلطة والحكام في كل المجتمعات، وأكثرها في المجتمعات التي تعاني اضطراباً تأسيسياً في دولتها وتكوينها وبنيتها المجتمعية والاقتصادية، والسياسية، لاسيما تلك القائمة عن طريق الانقلابات، والتدخلات الخارجية، أو السيطرة العائلية، أو نتيجة حكم الاقطاعيات، أو الإمارات العشائرية، والقبلية التي تسعى إلى التوريث، والحفاظ على مجد الحكم والهيبة، والوجاهة، والجاه.

 فكثير من طبقات المجتمع التي تحمل من أساليب حياة الأرستقراطية، والتكوين الطبقي العالي، تحاول باستمرار أن تحافظ على ما تحصلت عليه، وتحافظ أيضاً على ما يساعدها على الحفاظ على هذه الطبقية، مثل سلطة الحكم، ونظامه.

بما أن التغيير يعني مسيرة جديدة غير تلك المتبعة بالتقليد، والاعتياد، والوراثة، ولكونه طريق جديد يختلف من حيث المنهج، والآلية، والتفكير، والخطوات، والأساليب. فانه يعني تقويض لأسس اجتهدت تلك الطبقات في تكوينه وبناءه منذ تاريخ الدولة العراقية والى اليوم، ومع كل الأنظمة التي حكمت العراق.

 هذه إشكالية طبقات المجتمع العراقي مع التغيير، وهذه إشارة إلى عمق الإشكال في التعاطي مع المتغير الاجتماعي، أو السياسي، أو الاقتصادي، وانفتاحه على مجالات أخرى تربوية، وعلمية، ومؤسساتية، التي جاءت داعمة أيضاً ومميزة لأرث تلك الطبقية السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية في المجتمع.

هذه إشكالية كبرى عمقت من التفاوت الطبقي، ووسعت من دائرة الفقر، ورسخت الطبقية، وحماية النظام السياسي عائلياً وطبقياً، وترسيخ مبدأ التوارث في السلطة، ترسيخ عامل السيطرة والاحتكار المؤسساتي، تنمية رؤوس الأموال على حساب الفقراء، بناء مجمعات سكنية زادت من التصنيف الفئوي والطبقي في المجتمع، احتكار الوظائف بالوساطة، والرشاوي، والمحسوبية، حجمت الضعفاء من الناس طبقياً. هذا واقع كان مسكوت عنه في ظل نظام دكتاتوري قمعي، كان الخوف فيها سيد الموقف، اما بعد ٢٠٠٣ فقد كان للتجربة الديمقراطية أثر كبير في الانفتاح على قضايا مركزية والتكلم بها سلباً وايجاباً، فقد انفتح المجتمع على كل مظاهر الاحتجاج، والرفض، والمعارضة والانتفاضة، والثورة واقعياً وافتراضياً وإعلامياً. ومع هذا الانفتاح وتراكم المسببات والمبررات، قام الشعب العراقي بالانتفاضة من ٢٠١١ وبشكل مستمر حتى انتفاضة ١٠/١ ٢٠١٩  عبرت فيها بقوة وَحِدةِ عن الحركة الاحتجاجية التي راح ضحيتها ما يقارب اكثر من ٦٠٠٠ جريح وأكثر من ١٠٠ قتيل. أنطلقت هذه التظاهرة بوعي المحتجين بحجم الخراب الذي ألم بهم وبلدهم، فقد كانت هذه الانتفاضة بمثابة توثيق دستور جديد للوعي في البلاد، هي تظاهرة على الوعي البليد، والخامل، بسبب غسل الأدمغة المستمر من قبل كل أحزاب العراق الذي ضيعته، ثورة على السكوت، ثورة على اللامبالاة، ثورة على أللا وطنية السائدة، ثورة على البدائل التي غرق بها العراق وأهله.

 تلك هي حركة شبابنا ضد مهزلة الحكم، وتفكيره، ومنهجه، وتسلطه. فقد كانت هذه الانتفاضة تعبير عن الوجدان العام، وطموح مختزل بجهد المحتجين لتغيير كل أسس الاخطاء المتراكمة في نظام الدولة. الخوف من ثورة الوعي كثيراً ما يهز اركان الأطراف السياسية التي إقامة كيانها السياسي الفاسد على حساب حقوق الناس البسطاء، تمثل هذا الخوف بنسب تهم باطلة ومزيفة كالولاء للخارج، والتدخل الأمريكي لتهديد محور المقاومة، وزعزت أركان الدولة وإسقاط النظام، والعبث بالأمن المجتمعي، وقيادتها من قبل تيارات دينية متطرفة، أو أنها ثورة مراهقين، أو كما أسماهم رئيس الوزراء جمع من اليائسين، أو أنها بدون هدف أو بدون أسس، هذه توصيفات الخيبة اللامسؤولة تجاه قضايا كبرى، ومصيرية، ينتظر المواطن العراقي بها حلاً جذرياً. الخوف الأكبر الذي وقعت به الأحزاب الفاسدة والحكومة العاطلة، هو بأن هذه التظاهرات لا قائد لها، وان لا يمثلها أحد للتفاوض معه، كان هناك عقل مجهول افتراضي أو واقعي يتحرك دوماً، وهو (العقل الواعي) الذي تجهله الحكومة، والأحزاب وسلطتها الفاشلة التي تأسست على فكرة الخوف من القمع القابع، في وعيهم المزيف عن الحقوق، والحريات، والمدنية، والوعي. هذا ما جهلوه، وهذا ما يراد له أن يعلن، ويوضح لكل العراقيين ولكل أحزابهم، ولكل من يدير دفة الحكم في العراق بتأثير الخارج، أو بتأثير المصلحة الخاصة التي عمقت من الفجوة بين الشعب وسلطته، ودولته، ووطنيته وحقوقه، وإرادته، تظاهرة 1/10/2019 هي حراك ثوري واعي لاستعادة كل الحقوق المعنوية، بعقل يقظ يدرك بما يفكر به، وما ينبغي أن يفكر به، وما يجب أن يشغله اتجاه قضايا الوعي الحق بما هو حق مشروع.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4785 المصادف: 2019-10-12 00:12:53