أقلام حرة

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ (٢٣): الركون للظالم

nazar haidar{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}.

أَسوأَ الظُّلم هو أَن تجهرَ بهِ! وأَسوأ مِنْهُ هو أَن تُبرِّرَهُ! فالرُّكونُ الى الظَّالم [المَيلُ والسَّكَنُ] لا يعني بالضَّرورةِ أَن تلحسَ حذاءهُ أَو قِصاعَهُ [لا فرق] وإِنَّما مِن الرُّكونِ الى الظَّالم أَن تُبرِّر لَهُ أَفعالهُ وأَقولهُ!.

ومن الظُّلم القبيحِ أَن تتحدَّى المشاعر فتجهرَ به بعد ثلاثةِ أَيَّامٍ متواصلةٍ من العزاءِ والبكاءِ واللَّطمِ على أَميرِ المؤمنين (ع) وكأَنَّك لم تتعلَّم مِنْهُ شيئاً!.

أَمَّا أَميرُ المؤمنين (ع) الذي كان حسَّاساً جدّاً من الظُّلم لدرجةٍ أَنَّهُ كان يقول {وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الاْقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَة مَا فَعَلْتُهُ} ويقولُ {أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ!} كان في نَفْسِ الوقت لا يُبرِّر للظَّالمِ ظُلمهُ ومن أَيِّ نوعٍ كان، ومهما كان الظُّلم حقيراً أَو بسيطاً، خاصَّةً إِذا كان الفاعلُ محسوباً عليه بشَكلٍ من الأَشكالِ فحسابهُ عند الامام (ع) كان أَشدُّ وأَقسى!.

فهذا عاملهُ على البصرةِ عُثمان بن حُنَيف الأَنصاري، وقد بلغهُ (ع) أَنَّهُ دُعِيَ إلى وليمةِ قومٍ من أَهلها [ولم يُقِمْها هوَ] فمضى إِليهم فرأى فيها الامامُ (ع) ظلمٌ بعدَّة معايير، على الرَّغمِ من أَنَّهُ لم يُجاهر بها فلم يطَّلع عليها سوى بعضُ أَهلِ البصرةِ! فهو لم ينشُر صورَها على وسائل التَّواصل الاجتماعي وكأَنَّهُ يتفاخر بالخطأ والظُّلم والتَّجاوز! مع ذَلِكَ كتبَ اليهِ (ع) يقول {أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَة، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الاَْلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ}.

لماذا هو ظلمٌ يا أَميرَ المؤمنين (ع)؟! {لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى} فما بالُك إِذَا كان العراقُ، ومحيطُ المنطقةِ الخضراء، يكتظُّ بمثلِ هذه البطونِ والأَكباد!.

وبالمناسبةِ، فلم يكُنِ إِبنُ حُنيفٍ هذا كافراً أَو مشركاً أَو من أَهل الْكِتَابِ وإِنَّما كان [مُعمَّماً] يُصلِّي الفرض ويصُوم الشَّهر! ولو كان في زمانِنا لكانَ رُبما عضواً في التَّحالف الوطني ولحضرَ مثلهُم مجالس الحُسين (ع) وشاركَ وسارَ مشياً حافيَ القدمَين في الأَربعين وأَقام المآتم وخاطَ في قِدر القيمةِ وأَسَّسَ المواكِب لتوزيعِ الطَّعامِ والشَّرابِ مجَّاناً على المشَّاية!.

ورحمَ الله زعيم الطَّائفة المرجع الأَعلى وقتَها الامام السَّيِّد مُحْسن الحكيم [قُدِّسَ سِرُّه] الذي كانَ يُجسِّد نهجَ جدِّهِ أَميرَ المؤمنين (ع) كغيرهِ من كبارِ علمائِنا وفقهائِنا ومراجعِنا العِظام، لم يشأ أَن يسكت على تجاوزِ مُعَمَّمٍ على أَخلاقيَّات العِمامة والتزاماتها، عندما رَآه يأكل في الشَّارع العام من بائعٍ متجوِّل، فقال لَهُ قولتهُ الشَّهيرة [هاتِنا عمامتنا وافعل ما شِئْتَ]!.

تُرى! لو بعثَ الله الامام الحكيم الآن فكم مُعمَّمٍ سيأمرهُ بذلك؟! كم مُعمَّمٍ سيطلب منهُ أَن ينزع عمامتهُ ثم ليفعل ما يشاء؟! خاصَّةً من المحسوبينَ عليهِ الذين تمادَوا في فسادهِم وفشلهِم لدرجةٍ لا ينبغي السُّكوتُ عنها!.

لينزع هؤلاء السياسيُّون إِنتماءَهم الكاذب لأَميرِ المؤمنين (ع) ولينزعوا عمائمهُم وليفعلوا ما يشاؤُون! على الأَقلِّ حتَّى لا يُخدعَ بهِم المغفَّلون ولا يلومَنا الجاهلونَ و[الأَبواقُ والذُّيولُ] إِذا ما فضحناهُم وعرَّيناهُم وكشفنا سوآتهم!.

هاتوا هويَّتكم وعمائمكُم واحضروا في الملاهي والمراقص! فلا أَحدَ يمنعكُم! أَو حتَّى يلومكُم! أَبداً! أَمَّا أَن تُفسدوا وتظلِموا وهويَّتكم على صدورِكم وعمائمكُم فوق رؤوسِكم! فهذا ما لا يقبلهُ العراقيُّونَ وخاصَّةً المرجعيَّة الدِّينيَّة والحوزة العلميَّة! وسيضربكُم التَّاريخ والأَجيال القادِمة على رؤوسِكم بيدٍ من حديدٍ آجلاً إِذا لم يعجِّل عليكم العراقيُّونَ!.

{وَإِنَّ غَداً لَناظِرهِ قَرِيبُ}.

 

السّنةُ الرَّابِعَة

نــــــــــزار حيدر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-18 05:02:24.