أقلام حرة

إرادتنا المفقودة وإرادتهم الموجودة!!

sadiq alsamaraiمن عجائب التفكير العربي ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم أنه يدور في دائرة مفرغة مفادها، أن ما يحصل في ديار العرب سببه العمل بإرادة الآخرين أيا كان إسمهم ونوعهم، فكل ما يتحقق سببه "هم"!!

وكأن الدنيا ليست كسوح الغاب يأكل فيها القوي الضعيف، وتتآمر على فرائسها فيها الأسود والذئاب والثعالب والكلاب، وغيرها من السابغات في الفلاة الضاجة بالصراخ والأنين.

وكأن الدنيا بلا إرادات متصارعة وقدرات متباية، وقِوى متحفزة متأهبة للنيل والإمتلاك، وكأن توفير الفرصة للآخر المتأهب وإغتنامه لها تُحسب عدوانا وإثما، ويتناسى العرب أن توفير الفرص للطامعين هو الإعتداء السافر المبين.

فالعرب يوفرون ما لا يخطر على بال أعدائهم من الفرص الثمينة السهلة، ويتوقعونهم أن لا يداهمونهم أو لا يفترسونهم وينالون منهم بما يستطيعونه من القوة والإقتدار.

فالعرب في جوهر سلوكهم أنهم يستدعون الذين يفترسونهم ويظلمونهم ويقهرونهم ويسحقونهم ويدمرون وجودهم ويخربون ديارهم، ويتشكون منهم ويتظلمون، وفي هذا نفاق ومراءات وأكاذيب وأفك مشين.

فلا قوة تستطيع أن تنال من أخرى إن لم تتوفر في القوة المفتوك بها عوامل التردي والضياع والخسران والهلاك الأكيد، وهذا قانون تفاعلي ما بين القوى الأرضية والكونية منذ الأزل وسيدوم أبدا.

فلو نظرنا العراق الدولة القوية المقتدرة كيف وفر جميع قادته الفرص الكفيلة بالوصول إلى ما هو عليه اليوم من سوء الحال والمآل، ويتلاومون ويلقون بالإثم على بعضهم، فاللاحق يتمسك بقميص السابق، والآتي سيمسك بقميص ما هو قائم اليوم، وهكذا تجري متوالية توفير الفرص والثغرات اللازمة لدخول الطامعين والمتطلعين إلى إمتلاك البلاد، وترويع العباد وتشريدهم وتهجيرهم ومصادرة أملاكهم وحقوقهم.

إنها لُعب إفتراسية يوفر لها الميادين أبناء البلد المستهدفون، ويتحين الفرص للإنقضاض عليهم وحوش مكشرة الأنياب متأهبة المخالب وذات قدرات تآزرية وتفاعلية،  لتحقيق الأكل اللذيذ والمتواصل في فرائسها التي تقدم نفسها على موائد المداهمين.

تلك حالة لا يمكن معالجتها بسهولة والإقتراب منها بعقلانية، لأن مواقد الإنفعالات متأججة ودوامة السلوك الإعصاري العاصف في أركان المكان والزمان، ليُذهب عقل البشر ويحيلهم إلى وجبات مشوية على نيران الحجر، خصوصا عندما ينسكب بنزين الدين على جمرات الوجود العربي، فيستولدها لهيبا ودخانا ووجيعا ونجيعا.

ترى إلى متى سيبقى العرب في نكران لإرادتهم وتأكيد لإرادة غيرهم، ولماذا لا يتآمرون من أجل مصالحهم، ولا يتناحرون ويستدعون الآخرين من الأعداء والطامعين لمعاونتهم على شقيقهم العربي والنيل منه والفتك بوجوده القوي العزير؟!!

فالإرادة بوصلة صيرورة كبرى  وطاقة كينونة علياء!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

تعليقات (2)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
صدقت دكتور السامرائي، مقالك جميل ونافع.
ولكن الخطأ ليس فس العرب ككتلة واحدة فقط وإنما في كل دولة منفردة أيضا.
نعم إن العرب لم يتفقوا يوما في الدفاع عن مصالحهم وأمنهم.
لكن الدول العربية أيضا تعيش في غفلة عن العالم الذي يحيط بها، وقد أخذت العبرة من تاريخ الجزائر ودخول الاحتلال الفرنسي ولو أن الحكام حينها كانوا من الأتراك، تفتخر الجزائر بدايها الحسين وهو الذي فر يوم زحف القوات الفرنسية، والموضوع هو أن الحاكم وقائد الجيش في الجزائر كانوا سنة 1827 يعلمون بتخطيط فرنسا وحلفائها لدخول الجزائر، وفي 5 جويلية 1830 دخلت فرنسا على سيدي فرج بكل سهولة ولم تجد مقاومة بقدر الحملة، فماذا صنع الحاكم حينها "لا شئء سوى تسليم الجزائر"، ولست هنا للحديث عن المقاومات المتتالية ولكن لتبرأة فشلهم أقول وهذا مستنبط منالكتب الفرنسية للحملة الاستيطانية، أن المجاهدين أثناء المقاومات الشعبية لم يكون عسكريين بل مجرد شعب دفعه الجهاد في سبيل الله وأن الأتراك قبل ذلك لم يسمحوا للجزائريين الانخراط في صفوف الجيش الإنكشاري والبحرية.
وأعود لما قلت، وقد رأيت ذلك في العراق وإن كانت الحملة الأمريكية الأولى لم يحسب لها حساب ولكن الحملة الثانية كانت السلطة العراقية على علم ولكن ماذا أعدت لها "طبعا لا شيء سوى تسليم البلاد وإعدام الرئيس".
هذه حالنا دكتور، سواء قبلنا أو لم نقبل، في حالة الرخاء عوض التوجه إلى الاستعداد عن طارئ ما نقوم باللهو والمجون، ثم نتخاصم فيما بيننا ونتعارك على أمور تافهة، سواء داخل البلدج الواحد والاستحواذ على السلطة ودحض كل معارض أو صراعات مع الجيران مثل الجزائر والمغرب - مصر والسودان - السعودية وقطر - العراق وإيران - سوريا وتركيا، وغيرها من صراعات لم تخرج إلى النور، ولا يعلمها إلا القريب من السياسة.
ليكون الله في عوننا. ولكن لن تقوم لنا قائمة حتى يكون مثل هذه المواضيع مسطرة في كتب أكاديمية وتدرس بمناهج الجامعات العربية كي يتفاعل معها كل حاكم مر على الدراسات الجامعية وتأثر بها.
شكرا دكتور على المقال الذي مازال يحتاج إلى تفصيل وتدقيق وتوسيع، لهذا أعانك الله على استمرار العمل فيه، فهو يستحق أن يكون فضية تدافع عنها وتنشرها إلى جميع المثقفين.

 
  1. صادق

تحياتي وتقديري
وتثميني لرؤيتك الصائبة ورأيك السديد

مودتي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-17 12:45:48.