أقلام حرة

فـي الـبـيـت الـعــتـيـق (4)

hasan zayedنهضنا من صلاة ركعتي السنة، لننصرف إلي الصفا والمروة، ولا أدري ما الذي دفعني إلي النظر خلفي، شاخصاً إلي الكعبة، فإذا بعبرات ساخنة تنساب من بين جفوني، متخذة طريقها إلي خدي، فإذا برفيقي الرحلة ـ ولدي وزوجتي ـ يطيبان خاطري . توكأت عليهما، واتخذنا طريقنا وسط الطوفان البشري سرباً، قاصدين الوصول إلي جبل الصفا، وعند الإقتراب منه تلونا قوله تعالي: "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم". ثم وقفنا مستقبلين الكعبة المشرفة، وحمدنا وكبرنا ثلاث، ثم دعونا الله: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد . وهو علي كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده، انجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " . وكررنا ذلك الدعاء ثلاث . ثم نزلنا من علي الصفا، متوجهين إلي المروة، في الطريق المحدد لذلك. وعند نقطة معينة، محددة بالعلم الأخضر يبدأ الرجال ـ دون النساء ـ في الركض ركضاً شديداً، حتي يصل إلي النقطة الأخري، المحددة كذلك بالعلم الأخضر. عندها يعود الرجال إلي المشي بالخطوة المعتادة، حتي يصل إلي أعلي جبل المروة . فوق جبل المروة يستقبل الكعبة، ويقول مثلما قال عند جبل الصفا، فيما عدا الآية القراآنية . فإن انتهي بدأ في الشوط الثاني بالنزول من جبل المروة، متجها إلي جبل الصفا، وأن يقول ويفعل، مثلما قال وفعل في الشوط الأول. وهكذا حتي يتم سبعة أشواط . ويتم التحلل من العمرة، وخلع ملابس الإحرام، بقص الشعر والأظافر . ولكن يبقي سؤال: ما الصفا؟ . وما المروة؟ . الصفا والمروة جبلان بالقرب من الكعبة، تبدأ حكايتهما، قبل بعثة النبي محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ . تبدأ عندما حمل سيدنا ابراهيم ولده الرضيع اسماعيل، وزوجته هاجر، إلي هذا المكان . مكان قاسي التضاريس والمناخ، صحراء جرداء، تحوطه الجبال الشاهقة، والشمس الحارقة، ويفتقر إلي الماء، والزرع، والضرع . لا بشر فيه، ولا حوله . مكان يفتقر إلي أبسط عناصر الحياة، من يعيش فيه لا يعيش إلا انتظاراً للموت . عندما رأت السيدة / هاجر سيدنا / إبراهيم، قد وضعها ورضيعها في هذا المكان الموحش، وهم بتركهما مغادراً، استغربت من فعله، واستوقفته متساءلة باستنكار: " كيف تتركنا في هذه الأرض الموحشة؟ " . فلم يرد سيدنا إبراهيم عليه السلام عليها . وهي تلح في السؤال: " يا ابراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ " . قالت له ذلك مراراً وتكراراً . وجعل لا يلتفت إليها . فقالت له: " آلله الذي أمرك بهذا؟ . " . قال: " نعم " . قالت: " إذن لا يضيعنا " . ثم رجعت وتركته ينصرف . انطلق ابراهيم عليه السلام، وقلبه يعتصر عصراً، حتي إذا كان في مكان حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت الحرام، ورفع يديه إلي السماء، ودعا بهذه الكلمات: " رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ " . ثم انصرف عليه السلام، بينما عادت السيدة هاجر أدراجها، وما هي إلا سويعات قليلة حتي نفد الماء والطعام الذي كان معها . فلما عطش اسماعيل عليه السلام، أخذ يضرب الأرض بعقبه . فهبت مسرعة تبحث عن شيء، فصعدت الصفا، وجعلت تنظر، فلم تر شيئاً، فهبطت إلي الوادي، وصعدت إلي جبل المروة، وجعلت تنظر، فلم تري شيئاً، فعاودت الهبوط والصعود سبع مرات . ومن يذهب اليوم يجد أن المسعي بين الصفا والمروة مغطي بسقف، والأرضية مبلطة بالرخام، والمكان مكيف الهواء، بينما السيدة هاجر قد قطعت هذه المسافة جيئة وذهاباً، سبع مرات، تحت أشعة الشمس الملتهبة، وفوق رمال وحصي محرقة . ثم جاءت من جبل المروة إلي وليدها، وهو يضرب الأرض بعقبه، فوجدت عيناً من الماء وقد نبعت . فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، وكلما تجمع لها قدر منه، أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُها اللهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْنا سائِحَةً تَجْرِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ" وفي رواية: " رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا " . ومعني زمزم لغة: جمع الشيء، ورد أطراف ما انتشر منه . وكانت السيدة هاجر تزمزم الماء كي لا يتفرق. وفي رواية أن الذي ضرب الأرض بقدمه هو ملك من قبل الله، ففارت عيناً . وقال لها الملك: "لا تخافي الظمأ علي أهل هذه البلد، فإنما هي عين لشرب ضيفان الله . وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتاً هذا موضعه". وقد مرت مجموعة من قبيلة جرهم، كانوا في طريقهم إلي الشام، فلفت انتباههم طيراً يحوم في السماء، أعلي بقعة من الأرض، فقالوا: إن هذا الطير لعائف علي ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ . فقالوا: لا . فاستطلعوا الأمر، فوجدوا السيدة / هاجر وطفلها، فطلبوا منها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم . بعد ذلك ماتت السيدة / هاجر، وتزوج سيدنا اسماعيل من تلك القبيلة . وبعد ذلك جاء ابراهيم عليه السلام . ولذا كانا الصفا والمروة من شعائر الله .

وللحديث بقية، إن كان في العمر بقية،،،،،

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-18 03:27:32.