أقلام حرة

من الأنا.. إلى المتأخر في التقدم والمتقدم في التأخر

boutheina bouguerraزعموا أن حمة بسيطة ألمت بك، فأهملت علاجها، فتمكنت بك. فارتعشت يداك، واختل توازنك، وأصابتك نوبات من الهذيان.

وزعموا أن إحدى هذه النوبات قد طالت، وكدت تجن. فلما خفت حدتها، واستعدت بعض عزمك، سارعت في طلب الأطباء من الإفرنج، بعد أن سمعت عن عظيم شأنهم وبراعة علمهم وحذاقة صنعتهم.

ولقد التفوا من حولك يتدارسون وضعك ويقلبونك ذات اليمين وذات الشمال ويبحثون عن سبب الاعتلال.

وضلوا عاكفين على هذا العمل ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، ثم ترآى لهم أن لا نجاة لجسدك المحموم إلا بعلاج كل عضو على حدى.

فبدأوا ببطنك، فلاحظوا أنها كبيرة ممتلئة منتفخة، فرجحوا أن تكون هي سبب علتك، فنصحوك بإتباع حمية خالية من الحبوب واللحوم والتمور والزيوت، ولكنك كنت عجولا خرقت الحمية بشرب الخمور، فساءت حالتك. ولا مفر من إجراء عملية أو عمليات جراحية حسب تقرير الأطباء المتحدة.

ولقد شقوا لك صدرك، فانبعث منه نور عجيب يذهل الأنظار ويسلب الألباب ويفغر الأفواه، متأتي من عضو صغير يسمى القلب، ولم يسبق للأطباء رغم خبرتهم الطويلة أن شاهدوا قلبا في رونقه.

وزعموا أن كبير الأطباء لما رأى لهفة أحد تلامذته، و كان يفضله على غيره، في الحصول على هذا القلب النضر، وعده بالفوز به، ونسى أن يستأذنك في ذلك لأنك كنت تحت تأثير المخدر.

ولما أفقت أحسست بألم فضيع رهيب، يقطع أوصالك ويمزق أحشاءك، لم تعرف ماهية الألم ولكنك حتما شعرت بأنه ألم النقصان والخسران.

ولقد شهد كل من عادك حينها أنك بلغت حالة من الإعياء لم تبلغها قط في حياتك.

ولكي تتخلص من الألم اللئيم، استجديت الأطباء لمنحك دواء يغيبك عن الألم مادام ليس هناك دواء يغيب الألم عنك. ولقد كان لك ذلك.

ولبثت في حالة إغماء يوما أو بعض يوم، حتى تفطن الأطباء إلى وجود ورم خبيث في الكبد وعزموا على استئصاله، فبقروا جانبك الأيمن وقطعوا جزءا من كبدك ولكن أدركوا بعد فوات الأوان أن الجزء المبتور هو الجزء السليم في حين بقى الجزء السقيم موصولا بالجسم العليل.

و لقد اجتمع الأطباء ففكروا وقرروا ثم نطقوا بأن أجلك قريب وليس هناك أملا في النجاة، لذلك تركوك ممدا على فراش الموت ولم يغلقوا جرحك وتركوك تنزف لأنك هالك لما حالة.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان وما لم يخطر على بال إنس ولا جان، فلقد بدأ جرحك يمتثل للشفاء دون دواء ولا دعاء، ولقد بهت الأطباء من مناعتك ومقاومتك التي لا تنكسر ولا تهان ولا تكل رغم مرور قرون على تجذر السقم.

ولأول مرة يحتار الأطباء في تشخيصك فلم يعرفوا من أين تنبع المقاومة وما مدى قوتها!!!!!

ثم عزموا أمرهم على حقنك بفيروس "عفانا وعفاكم الله" يسمى "د.ع.ش" ليجيبهم عن جميع أسئلتهم.

وما إن حقنوك حتى قمت كمن يتخبطك الجن، فصرت تنهش لحمك وتنبش أضافرك في جلدك حتى خارت جميع قواك ولفظت آخر أنفاسك. وحينئذ أعلن الأطباء ساعة وفاتك، ولكني بصرت بما لم يبصروا به.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-18 03:29:45.