المثقف - آراء

هل يمكن استرداد الثورة في عامها الخامس؟

gorge cotenبعد اربع سنوات من انطلاق الثورة الشعبية السورية غير المسبوقة في تاريخ المنطقة الحديث، لا بد من مراجعة شاملة لاهم التطورات والمراحل التي مرت بها في ظل هاجس رئيسي يحاول الاجابة على السؤال الملح:

لماذا فشلت الثورة في اسقاط النظام الاستبدادي رغم عظم التضحيات التي قدمها الشعب السوري؟

انتقال الثورة من المرحلة السلمية الى حمل السلاح كان تحولا لا يمكن تفاديه في مواجهة وحشية النظام باستخدام اسلحته ضد المتظاهرين السلميين، لكن عسكرة الثورة جرت بشكل عشوائي غير مترابط لا تجمعه اية قيادة عسكرية او خطة استراتيجية موحدة، وفشلت كل محاولات تشكيل مثل هذه القيادة، كما فشلت المنظمات السياسية المعارضة في الداخل والخارج باكتساب ثقة الكتائب المسلحة لانضوائها تحت قيادتها، فقد تصارع المعارضون على المراكز الاولى بدل التوحد خلف هدف واحد وتأجيل اختلافاتهم الثانوية لما بعد اسقاط النظام.

اما النخب الثورية الشعبية التي انتظمت في تنسيقيات ومجالس محلية ولجان عمل في جميع المجالات لتبشر بامكانية اقامة سلطة موازية للنظام تكون بديلا له عند سقوطه، فقد ازيحت ومنعت من لعب دورها في ضبط استمرار توالد الكتائب المسلحة التي ترتبط ببعضها بروابط واهية، لينتقل مركز ثقل الثورة من الحراك الشعبي الذي تم تهميشه بالتدريج، فيصبح القرار بيد حاملي السلاح، لتنبع السياسة من فوهة البندقية بتوجيه من امراء حرب لا يكترثون بالحاضنة الشعبية التي اصبحت في مفهومهم تابعة وفي خدمة الكتائب المسلحة بدل ان يكون المسلحون في خدمة الثورة الشعبية ولتحقيق اهدافها.

ولم تتورع الكتائب المسلحة المهيمنة من استخدام الحاضنة الشعبية كدريئة لحماية المسلحين من الهجمات العسكرية لجيش النظام. فلو كانت المصلحة الشعبية هي هدف المسلحين لكانوا وجدوا طريقة لتجنيب الشعب القتل والتدمير لمدن وبلدات بسبب احتماء المسلحين بين منازلها، مما تسبب في هجرات مليونية للاهالي. لم يفكر احد بالانتقال لوسائل قتالية اخرى كحرب عصابات ضد جيش النظام المتفوق في اسلحته وفي قيادته وخطته الموحدة.

وبسبب فوضى السلاح تسللت منظات تكفيرية اصولية من دول الجوار وخاصة العراق، ثم من كافة دول العالم بحجة انها جائت "لنصرة" الشعب السوري، ليتضح في مرحلة لاحقة ان قتالها للنظام ليس لتحقيق اهداف ثورة الشعب السوري، بل من اجل اهدافها الخاصة في اقامة دولة دينية تكفّر الديمقراطية والحرية التي ثار الشعب من اجلها، تستبدل استبداد النظام واضطهاده لشعبه باسم المقاومة وشعارات اخرى زائفة، باضطهاده وقمعه باسم الدين حسب تفسيرهم له.

كما بدأوا بتطبيق منهجهم في المناطق التي يهيمنون عليها بفرض مقاييس متشددة في اساليب الحياة وعقوبات وحشية لكل من يخالف تعليماتهم المستقاة من مفاهيم القرون الوسطى الظلامية. واججوا الصراع الطائفي بادعائهم مقاتلة "الحكم النصيري" وحولوا الثورة من اجل الحرية الى حرب اهلية طائفية. واعطوا حجة لما ادعاه النظام منذ البداية انه لا يواجه ثورة شعبية بل منظمات ارهابية، وبرروا توظيفه الطائفي لحربه ضد شعبه باستقدامه ميليشيات شيعية من لبنان وايران والعراق وبلدان اخرى.

بالاضافة لكل ذلك واجهت الثورة اهمالا من المجتمع الدولي وشبه لامبالاة بالكارثة التي المت بالشعب السوري فيما عدا مساعدات انسانية غير كافية، وتردد في دعم ثورته مما مكن للنظام والمنظمات الارهابية من الاستفراد به بحيث اصبح بين مطرقة النظام وسندان المنظمات المسلحة الارهابية. لم يعد الصراع كما كان في بداية الثورة بين شعب منتفض ونظام استبدادي، بل حروب وصراعات متعددة بين داعش والنصرة والنظام والكتائب الاسلامية والميليشيات الكردية وبقايا الجيش الحر وقوى اقليمية ايرانية ولبنانية وتحالف دولي- عربي، تتصارع كلها على الارض السورية فيما الشعب صاحب الثورة يضطهد في مناطق النظام وفي مناطق هيمنة الكتائب المسلحة، ويتحمل معاناة غير مسبوقة من قتل وتهجير واعتقال وتعذيب وتجويع وتدمير لوسائل عيشه.

بعد كل ما حصل فآن وضع حد للكارثة اصبحت اولوية لا بد من العمل من اجلها بوقف القتال ومحاولة التوصل لحلول وسط تنقذ سوريا والشعب السوري من المصير المظلم الذي يقوده له الصراع المتشعب الراهن المحكوم بتوازن لا يبشر بحسم سريع لاي طرف من الاطراف المتصارعة لتستمر المقتلة حتى القضاء الكامل على البلد والشعب.

اما إحياء الثورة واستردادها فامر صعب ولكنه ليس مستحيلا ان توفرت ظروف موضوعية مناسبة. اذ لا بد لجميع من وقف وما يزال الى جانب ثورة الشعب لتحقيق اهدافه في الحرية من اجراء مراجعة شاملة لما حدث حتى الآن تعتمد على مسائل عديدة منها :

اولا: التوقف عن العيش في اجواء السنة الاولى للثورة والاعتراف بالواقع الجديد الذي آلت اليه الاوضاع الراهنة.

ثانيا: فتح حوار واسع وعلني وصريح لا يخفي الحقائق مهما كانت مرة، يستخلص الدروس من فشل الثورة الاولى، يقيم الاخطاء وينتقدها ويحدد الوسائل لتجاوزها.

ثالثا: تحديد واقعي للقوى السياسية والعسكرية التي تقف مع اهداف الثورة، ومن هم اعداء هذه الاهداف ممن يقف مع النظام او في الطرف المقاتل له، ومن هم الحلفاء الحقيقيين للشعب السوري من قوى محلية واقليمية ودولية.

رابعا: الفرز الواضح للقوى على اختلافها للعمل من اجل كتلة سياسية عسكرية تاريخية، طرف ديمقراطي سوري، يتبنى اهداف الشعب الديمقراطية ويقاتل من اجلها، ويبني تحالفاته مع القوى الاخرى بناء على مدى اقترابها او ابتعادها عن هذه الاهداف، ليصبح قوة يحسب حسابها في اي حل سياسي قادم. فرز الطرف الديمقراطي نفسه سياسيا وعسكريا يمكن من استجلاب دعم خارجي افضل بعد الوثوق بان سوريا لن تقع في يد المنظمات الارهابية بعد ترحيل النظام.         .

خامسا: السعي لحل سياسي توافقي يحقق بعض اهداف الثورة ويوحد قوى المجتمع على اختلافها ضد المنظمات الارهابية وعلى رأسها داعش والنصرة ..

* كاتب من سوريا

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-03-19 01:01:31.