المثقف - كتب وإصدارات

لا تثقوا بالولايات المتحدة (10): هل ستدمّر الولايات المتحدة فنزويلا بعد مئة عام من المؤامرات والإستغلال؟

husan sarmakظلم الوحش الأمريكي لشعب فنزويلا من الألف إلى الياء

قبل أيام أعلنت الولايات المتحدة أن فنزويلا تمثّل تهديدا لأمنها القومي . ووفق المعلومات التي سوف أقدّمها للسادة القرّاء في هذه الحلقة الموسّعة فإن هذا الإعلان هو خطوة سيتبعها الحصار الإقتصادي، وتصاعد نشاط ثعالب وكالة الإستحبارات الأمريكية (سي آي إيه) كما يلقبّونهم، ثم القصف الجوي والغزو وهي الخطوات الثلاثة التي تتبعها الولايات المتحدة مع الدول التي تخرج عن إرادتها.

 

خدعة التهديد للأمن القومي الأمريكي:

قبل أن نمضي في استعراض الظلم الفظيع الذي سبّبه الوحش الأمريكي لشعب فنزويلا، نقول: إنّ إعلان الإدارة الأمريكية أن دولةً ما تمثل تهديداً لأمنها القومي هو إشارة البدء بتدمير تلك الدولة بوحشية لا تُصدّق لتنفيذ أهداف الشركات الأمريكية في استنزاف ثروات تلك الدولة .

قد لا يعلم السادة القرّاء إن الولايات المتحدة تحتل حتى الآن نصف المكسيك وضمّت تلك الأراضي إليها كولايات وانتهى الأمر وهي: ولاية فلوريدا، ولاية جورجيا، ولاية تكساس، وإحتلت أمريكا عن طريق الحرب نصف المكسيك وهو الولايات المسماة حالياً نيومكسكو، كالفورنيا، اريزونا، كلورادو، ونيفادا. وقد أضافت تلك الحرب مليون ميل مربع من الأراضي لمساحة أمريكا. وكان الجيش الأمريكي قد قام في أثناء الحرب وبعدها بإغتصاب الأراضي الزراعية من المكسيكيين وممارسة القتل والسرقة وإغتصاب النساء. وجاءت الحرب تحت غطاء أن بقاء هذه الأراضي تابعة للمكسيك يمثل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة .

قبل حرب الولايات المتحدة الوحشية على نيكاراغوا أعلنت الولايات المتحدة أن نيكاراغوا تمثل تهديداً للأمن القومي، وأن ثوار جبهة "الساندنيستا" الوطنيّة سيصلون بعد قليل إلى تكساس وفلوريدا !

وقبل تدمير هاواي رفعوا نفس الحجّة .. ومثل ذلك قبل التدخل في غواتيمالا وقبل احتلال هاواي .. وفي فرض الحصار المُدمّر على كوبا .. ولا ننسى نفس الحجّة التي رفعوها قبل غزو العراق وتدميره ... وهكذا .

وفي ظلّ الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي السابق كان التهديد الذي تعلنه الولايات المتحدة يرتبط بانحياز تلك الدولة التي يريدون تدميرها للشيوعية . لكن الكارثة هو أن الإدارة الأمريكية استمرت – الآن – في استغلال نفس الحجة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .

لقد فقدت ذريعة الأمن القومي كلّ مصداقية كان يمكن أن تكون لها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية انتظرت حتى عام 1998 لتخبر الأمريكان أن كوبا لم تعد تشكل بعد الآن أي تهديد للأمن القومي الأميركي . غير أن إدارة كلنتون أصرت على أن الخطر العسكري الذي تمثّله كوبا وإنْ تقلّصَ "إلى حدّ بعيد" إلّا أنه لم يختفِ تماماً . لقد أزال التقييم الاستخباري، حتى بهذا التوصيف، خطراً كان سبق لسفير المكسيك أن حدّد ماهيته عام 1961، حين رفض مسعى الرئيس الأمريكي "جون كنيدي" لاتخاذ عمل عسكري جماعي ضد كوبا، حيث قال هذا الوزير:

(لو أعلنّا على الملأ أن كوبا تُشكّل خطرا على أمّتنا، لمات أربعون مليون مكسيكي من الضحك) .

على أنه من الإنصاف الإقرار بأن الصواريخ (الروسية) في كوبا عام 1961، كانت تشكّل خطرا بالفعل . ففي مجالس مغلقة، أعرب الشقيقان كنيدي عن مخاوفهما من أن يردع وجود الصواريخ الروسية المنصوبة في كوبا غزواً أمريكيا مُحتملا لفنزويلا . إذن كانت عملية خليج الخنازير في محلها تماما، هذا ما استنتجه جون ف. كنيدي .

إذن كانت نوايا الولايات المتحدة في غزو فنزويلا تعود إلى ما قبل عملية خليج الخنازير عام 1961 م !!

فلماذا فكّرت الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسين عاماً في غزو فنزويلا، ولماذا تعود إلى مشروعها العدواني الآن ؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال دعونا نطّلع على نبذة مختصرة عن دولة فنزويلا .

 

نبذة مُختصرة عن فنزويلا:

فنزويلا (بالإسبانية: Venezuela)؛ رسمياً هي جمهورية فنزويلا البوليفارية (بالإسبانية: República Bolivariana de Venezuela)، هي دولة تقع على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية . تغطي أراضي فنزويلا مساحة تقدر بنحو (٩١٦،٤٤٥ )كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكانها بحوالي (٢٩) مليون نسمة. تعتبر فنزويلا دولة ذات تنوع بيولوجي شديد للغاية، فهي تضم مناطق بيئية عديدة ومتنوعة تبدأ من جبال الأنديز في الغرب لتصل إلى حوض غابات الأمازون المطيرة في الجنوب، مارة عبر سهول يانوس الواسعة وساحل الكاريبي في الوسط ودلتا نهر أورينوكو في شرق البلاد.

في عام ١٥٢٢م سقطت فنزويلا تحت الاحتلال الإسباني رغم مقاومة الشعوب الأصلية. ولكنها أصبحت واحدة من أولى المستعمرات الأميركية الإسبانية التى اعلنت الاستقلال (في عام ١٨١١م)، ومع ذلك لم يصبح أمر الاستقلال راسخاً ومستقراً حتى عام ١٨٢١م . كما حصلت فنزويلا على الاستقلال الكامل في عام ١٨٣٠م كقسم من جمهورية كولومبيا الكبرى الاتحادية . خلال القرن التاسع عشر عانت فنزويلا من الاضطراب السياسي والدكتاتورية، وسيطر عليها مجموعة من الكوديللو الإقليميين (وهم زعماء عسكريون أقوياء مطلقون) لفترة طويلة تصل حتى القرن العشرين. وقد وصلت حكومات ديمقراطية إلى الحكم في فنزويلا منذ عام ١٩٥٨، ولكن سبق ذلك فترة عانت فيها فنزويلا من بعض الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية، مثل معظم بلدان أمريكا اللاتينية. أدّت الصدمات الاقتصادية في الثمانينات والتسعينات إلى أزمة سياسية تسببت في مقتل مئات الأشخاص في أعمال شغب سُمّيت بكاراكازو (ضربة كركاس) في عام ١٩٨٩م، كما سنرى بعد قليل .

 

فنزويلا ولعنة البترول، البترول "براز الشيطان":

يحظى البترول الفنزويلي بأهمية بالغة على مستوى العالم . ففي عام 2002 كانت فنزويلا رابع أكبر دولة مصدرة للبترول على مستوى العالم، وحلّت في المرتبة الثالثة بين الدول التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في استيراد البترول . ويعمل في شركة "بترول فنزويلا" نحو 40 ألف عامل، وتحقق الشركة مبيعات قدرها مليار دولار سنوياً . وتسهم هذه الشركة بنحو 80% من عائدات التصدير . إنها بلا منازع أهم أعمدة الإقتصاد الفنزويلي .

اعتقد كثير من أبناء الشعب الفنزويلي أن البترول سيكون طوق نجاتهم، والذي بدأ تدفقه قبل ثمانين عاما في 14 ديسمبر 1922 / حيث تدفقت من باطن الأرض تلقائيا كمّية قُدّرت بمائة ألف برميل يوميا واستمر ذلك لثلاثة ايام .

في أثناء الحظر الذي قرّرته مجموعة الأوبك في عام 1973، وصلت أسعار البترول إلى مستويات غير مسبوقة، وتضاعفت ميزانية فنزويلا أربعة أمثال ما كانت عليه . انطلق قراصنة الإقتصاد للعمل في فنزويلا . غمرت البنوك الدولية البلد بقروض ضخمة لتحسين البنية التحتية والمشروعات الصناعية وبناء أعلى ناطحات السحاب في القارة . ومع ذلك بقيت شريحة كبيرة من الفقراء تنتظر الحصول على فرصة للعمل في الورش والمصانع وغيرها من المؤسسات الصناعية المُستغِلة حيث ساعات طويلة من العمل في ظروف قاسية وبأجر زهيد .

ثم انهارت أسعار البترول ولم تستطع فنزويلا الوفاء بدينها . ففرض عليها صندوق النقد الدولي في عام 1989 شروطا صارمة وضغط على فنزويلا للخضوع لشروط البنك الدولي المدمّرة. تبدّد سراب البترول كطوق نجاة ومورد لا ينفذ . وبين عامي 1978 و2003 هبط الناتج القومي بنسبة زادت على 40% . وصار الفنزويليون يسمّون النفط " براز الشيطان "، وهذه التسمية أطلقها وزير النفط الفنزويلي السابق "خوان بالو بيريس ألفونسو" الذي قال: "بعد عشر سنوات أو عشرين سنة سترون أن النفط سوف يجلب علينا الخراب" . وهذا ما حصل فعلاً .

 

دكتاتوريو فنزويلا هم أحبّاء الولايات المتحدة:

دعمت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية (الأصح الغربية) الثانية، بنشاط، نظام الدكتاتور الفنزويلي "خوان فنسنتي غوميز" الفاسد الشرير الذي فتح البلاد على مصاريعها أمام الإستغلال الأجنبي. ضغطت وزارة الخارجية الأمريكية على حكومة فنزويلا لمنع اعطاء امتيازات لبريطانيا (بريطانيا التي تعمل الآن خادماً للولايات المتحدة !) . في 1928 صارت فنزويلا أوّل مُصدّر للنفط في العالم، تحت إشراف الشركات الأمريكية . وخلال الحرب العالمية (الغربيّة) الثانية، وافقت الولايات المتحدة على طلب فنزويلا (بتقاسم الأرباح مناصفة) . سيطرت الشركات الأمريكية على اقتصاد البلاد وعلى القرارات الاقتصادية الكبرى في كل المجالات . وخلال سنوات ديكتاتورية "بيريز خيمينيز" (1949 – 1958) كانت العلاقات الأمريكية الفنزويلية منسجمة ومربحة اقتصاديا لرجال الأعمال الأمريكيين، ومرّ الإرهاب والتعذيب والقمع المُعمّم دون أي اهتمام، ولم تتحدّث الولايات المتحدة عن انتهاك حقوق الإنسان بأيّ كلمة على الإطلاق .

ومنذ الحرب العالمية الثانية تولّت الولايات المتحدة السيطرة الكلية على الجيش لمد النفوذ السياسي والعسكري الأمريكي في النصف الغربي، وإبقاء صناعة الاسلحة الأمريكية مزدهرة . وزادت الإدارة مساعداتها لقوات الأمن الفنزويلية من أجل القمع . وكان هدفها الأوّل هو تحويل الجيوش في دول أمريكا اللاتينية عامة وفنزويلا خاصة، من الدفاع عن الوطن وهو واجبها الأساسي إلى حفظ الأمن الداخلي وهي بداية الكارثة لأي بلد. عُيِّنت عناصر أمريكية بصفة مستشارين في العمليات القتالية الداخلية. ودعا السفير الأمريكي الحكومة إلى "إنتاج أفلام" عن اعتقالات اليساريين لخلق انطباع جيّد في واشنطن، ولردع الفنزويليين .

 

الرئيس الأمريكي يمنح دكتاتور فنزويلا وسام "جوقة الشرف":

في عام 1954 مُنح الديكتاتور الفنزويلي "بيريز خيمينيز" وسام "فرقة الشرف"، وهو من أعلى الأوسمة الأمريكية، من قبل الرئيس الأمريكي "إيزنهاور" . وكان قرار التبرير:

(إن سياسته الإجمالية، في الاقتصاد والمسائل المالية، قد سهّلت الإستثمار الأجنبي، وساهمت إدارته على هذا النحو بتحقيق رخاء أكبر للبلاد، وتنمية سريعة لمواردها الطبيعية الضخمة) .

ويقصد الرئيس الأمريكي تسليم الديكتاتور ثروات فنزويلا للشركات الأمريكية، على سبيل المثال جاءت نصف أرباح شركة ستاندار أويل الأمريكية من فروعها الفنزويلية .

أعلنت الولايات المتحدة بأن "معجزة اقتصادية" تحصل في فنزويلا حيث ينمو الاقتصاد بمعدل 9,1% عام 1991 وهو الأعلى في الأمريكيتين .

فماذا كان محصول الشعب الفنزويلي من هذه التنمية المعجزة ؟  

 

هذا ما جناه الشعب الفنزويلي من المعجزة الإقتصادية الأمريكية:

أثارت عودة مرشح الحزب الإشتراكي الديمقراطي "كارلوس أندريز بيريز" للحكم عام 1988 بعض المخاوف، لكن المخاوف تبدّدت سريعا عندما بدأ برنامج إعادة التصحيح الهيكلي الذي أقّره صندوق النقد الدولي، والذي أصرّ على الإستمرار فيه برغم آلاف الاحتجاجات، وكثير منها كان عنيفاً، بما في ذلك آخرها الذي قُتل فيه 300 شخص عام 1989 على يد قوات الأمن في كاراكاس . لم تنقل الصحافة "الديمقراطية" الأمريكية أي شيء عن الإضطرابات والفوضى . بعد أسبوعين استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مظاهرة سلمية ضمت 15000 شخص في كراكاس ضد سياسات بيريز الإقتصادية . في كانون الثاني أعلن الاتحاد النقابي العمالي الرئيسي أن الاضطرابات سوف تتصاعد لأن البرامج الليبرالية الجديدة سبّبت "إفقاراً شديداً" حيث انخفضت القدرة الشرائية للعمال بمقدار 60% خلال 3 سنوات في حين اغتنت الشركات الأجنبية والعائلات الثرية المرتبطة بها .

انخفض الحد الأدنى للأجور إلى 44% من مستوى عام 1987 . وانخفض مستوى التغذية وحصل تركّز مفضوح للثروة بيد فئة قليلة.

بعد عدة اسابيع، وإثر محاولة انقلابية، ظهرت حقائق مخيفة أخرى نُشرت في الولايات المتحدة من بينها إقرار الحكومة بأن 57% فقط من السكان كانوا قادرين على تأمين أكثر من وجبة يومية واحدة في هذا البلد ذي الثراء الواسع !! . وتراجع الدخل الحقيقي للفرد بنسبة 55% في فترة 1988 – 1991، وهو ما يساوي مِثْلَي تراجعه في فترة 1980 – 1988 . شهدت التسعينات ذروة التضخم عند 100 ٪ في عام 1996، وارتفاع معدلات الفقر إلى 66 ٪ في عام 1995.

في 4 شباط سُحقت محاولة انقلابية جديدة ضد (الإصلاحات الاقتصادية التي سجلت نجاحا في الإقتصاد الكلي Macroeconomy) كما يتشدّق تكنوقراطيو الولايات المتحدة. وقد فعل بيريز الصواب مثله مثل التكنوقراطيين البرازيليين وذلك بـ "تقليص الإنفاق العام، نقل الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص، وفتح الإقتصاد الذي كان مُغلقا أمام المنافسة" . كان النمو الاقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط عام 1991 وليس بسبب إجراءات البنك الدولي . انهار المستوى المعاشي للطبقات الوسطى والدنيا بشكل مأساوي، وارتفعت وفيات الأطفال بشدة في العامين الماضيين . وانتشرت مدن الأكواخ والصفيح . كانت المعجزة التي تتحدّث عنها الولايات المتحدة معجزة اقتصادية سمّاها خبير اقتصادي: "الأصولية النقدية الدولية الجديدة" .

 

المُنقذ المناضل "هوغو شافيز":

أخذ نجم المناضل الفنزويلي "هوغو شافيز" بالصعود والشهرة في شباط 1992، عندما كان برتبة مقدم في الجيش الفنزويلي، حيث قاد انقلاباً ضد الرئيس المحبوب من قبل الولايات المتحدة والبنك الدولي "كارلوس اندريس بيريز" الذي أصبح اسمه مرادفا للفساد، وأغضب الشعب باستعداده لبيع وطنه للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والشركات الأجنبية – الأمريكية تحديداً . لم ينجح الإنقلاب، لكنه وضع الأساس لمستقبل عمل شافيز السياسي . بعد اعتقال شافيز، سُمح له بالظهور على شاشة التلفاز لإقناع جنوده بوقف الأعمال العدائية مُعلنا لهم بأنه خسر جولة واحدة فقط . سُجن شافيز لمدة سنتين، وخلالها خُلع الرئيس العميل "بيريز" بسبب الفساد، وبزغ نجم شافيز وفاز في انتخابات عام 1998 بـ 56% من الأصوات .

لم يَحنِ شافيز هامته للفساد، بدلا من ذلك كرّم رجالا مقاومين للوحش الأمريكي في أمريكا اللاتينية مثل: آربينز في غواتيمالا، الليندي في تشيلي، توريخوز في بنما، ورولدوس في الإكوادور، وكلهم رؤساء أغتيلوا أو أُسقطوا على يد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقال إنه سيسير على خطى هؤلاء .

سرعان ما فرض شافيز إجراءات مُلزمة، وتولّى السيطرة على القضاء وغيره من المؤسسات، وحلّ البرلمان الفنزويلي . ندّد شافيز بسياسة الولايات المتحدة "الإمبريالية الفاضحة"، وقدّم نقدا لاذعا للعولمة، وفرض قانونا جديدا للتنقيب عن البترول شبيها، حتى في إسمه، بذلك القانون الذي فرضه الرئيس المقاوم لأمريكا "خايمس رولدوس " في الأكوادور قبيل أن يلقى مصرعه في تحطم طائرته المروحية على يد المخابرات المركزية الأمريكية. ضاعف القانون الجديد من النسبة المطلوب من شركات البرتول الأجنبية دفعها للدولة . ثم التفت شافيز إلى شركة البترول الحكومية المعروفة باسم "بترول فنزوويلا – Petrpleos de Venezuela" وأحكم القبضة عليها بأن أبدل بالذين يديرونها آخرين أكثر ولاء له .

 

الولايات المتحدة تقود إنقلاباً للإطاحة بالرئيس شافيز لأنه استرد ثروات شعبه وناصر الفقراء:

استخدمت الولايات المتحدة تكتيكا كان قد اتُبع في إسقاط مصدّق في إيران، وأللندي في تشيلي وفي كولومبيا، حيث دفع العملاء بآلاف الناس إلى شوارع كاراكاس في 11 نيسان 2002، حاصروا القصرالرئاسي، وهناك تقابلوا مع متظاهرين مناصرين لشافيز الذين اتهموا قادة المسيرة بالعمالة للاستخبارات الأمريكية المركزية .

رسمت صحيفة "النيويورك تايمز" "الديمقراطيّة" السيناريو في مقالاتها: (امتلأت الشوارع بمئات الآلاف من أفراد الشعب الفنزويلي اليوم لإرغام الرئيس هوغو شافيز على ترك السلطة .

يهدّد الإضراب الذي يشارك فيه ثلاثون ألفاً من عمال شركات البترول بإيقاع فوضى مُخرّبة تستمر لأشهر مقبلة في هذه الدولة التي تُعد خامس دولة في العالم إنتاجاً للبترول .

تحوّل الإضراب في الأيام الأخيرة الى مازق وورطة، فاستعان السيد شافيز بالعمّال غير المشاركين في الإضراب لإعادة تشغيل شركة البترول الحكومية . أمّا خصومه الذين يتزعمهم رجال الأعمال وبعض قادة العمال فيزعمون أن بوسعهم إجبار شركة البترول، ومن ثم الرئيس شافيز، على السقوط ) .

فجأة وبشكل متوقع – أعلن ضبّاط في القوات المسلحة من الذين درّبتهم الولايات المتحدة في مدرسة الأمريكيتين في بنما ثم في فلوريدا (أخطر مدرسة للإرهاب عالمياً ستكون لنا معها وقفة مستقلة)، بأن شافيز قد استقال كرئيس دولة وهو قيد الإعتقال في إحدى القواعد العسكرية .

احتفلت واشنطن، وأعلن الرئيس بوش الثاني الكحولي فرحه، واعترف البيت الأبيض بدوره في الإنقلاب ونشرت الإعتراف صحيفة "لوس أنجلز تايمز" .

قال أحد عملاء المخابرات الامريكية السابقين أن شركة أمنية خاصة (لاحظ خطورة الشركات الأمنية الخاصة) طلبت منه عمل ترتيبات لإثارة الاضطرابات في العاصمة الفنزويلية كراكاس وتقديم رشى لضباط الجيش، الذين تلقّى كثير منهم تدريبهم في مدرسة الأمريكيتين الشهيرة التي تُدرّب ضباطا من أمريكا اللاتينية ليكونوا إرهابيين في الأمن الداخلي وليس للدفاع الخارجي عن الوطن، لعمل انقلاب ضد رئيسهم المُنتخب . كانت إدارة بوش تعمل ما بوسعها لتطيح بشافيز . وقد أطاحوا بشافيز .

لم تتردّد النيويورك تايمز بالوقاحة الأمريكية المعتادة كما يصفها الفيلسوف الراحل "روجيه غارودي" في فضح حتى أسماء المخطّطين للإغتيال بفخر:

(كان السيّد أوتو ريتش من أولئك الذين طالهم الإتهام، وهو عسكري متقاعد وله خبرة بصراعات كثيرة في أمريكا اللاتينية، لكن الاتهامات لم تثبت على السيّد ريتش وأصبح فيما بعد سفيراً للولايات المتحدة في فنزويلا، ويعمل الآن مساعدا لوزير الخارجية لعلاقات دول الأمريكيتين، وقد عُيّن بقرار رئاسي . ولم تكن الإطاحة بشافيز سوى واحدة من بنات أفكاره).

احتفل السيد ريتش ومن معه من إدارة بوش مع الرئيس بوش الثاني الذي أعلن فرحه بالإطاحة بشافيز. لكن انفضّت الحفلة فجأة، وحصل تحوّل مثير في الأحداث حيث تمكن شافيز من العودة إلى السلطة من جديد والإمساك بمقاليد الحكم في أقل من 72 ساعة . فقد دعا الرئيس شافيز الجنود الموالين له والجماهير الفقيرة التي انتصر لها، إلى مسيرات ضخمة، تدفقت الحشود الغفيرة إلى الشوارع، وفي 13 نيسان استعاد شافيز القيادة وتابع الرئاسة .

 

وبلا تردّد أعلنت النيويورك تايمز:

(أقر المسؤولون في إدارة بوش اليوم الثلاثاء أنهم على مدى شهور بحثوا مع القادة العسكريين والمدنيين الفنزويليين مسألة إزاحة الرئيس هوغو شافيز عن السلطة، والآن تتخذ الإدارة الأمريكية التدابير الدقيقة للتعامل مع تداعيات الإنقلاب الفاشل) .

 

الإجراءات السريعة لشافيز:

بعدما انقشع غبار تلك العاصفة العابرة، أحكم شافيز قبضة الحكومة على موظفي شركة البترول، طهّر الجيش من ثلة الضباط الذين رضوا بخيانته، وطالب بعشرين عاماً سجنا لاثنين من زعماء المعارضة الذين تعاونوا مع واشنطن وتواطؤوا مع الثعالب الأمريكية لتدبير الإضراب الذي شمل كل أنحاء البلاد .

 

من هو الديمقراطي: شافيز أم بوش ؟:

لنقرأ ما كتبه المؤرّخ "نعوم تشومسكي" عن هذين الضابطين اللذين طالب الرئيس "هوغو شافيز" بسجنهما:

(الحكومة الفنزويلية تسعى لاسترداد ضابطين عسكريين اتُّهما بالاشتراك في هجمات بالقنابل في كراكاس: فهربا من البلد، وتقدّما بالتماس للحصول على لجوء سياسي في الولايات المتحدة . واشترك هذان الضابطان في انقلاب عسكري نجح في إقصاء شافيز عن الحكم بضعة أيام في سنة 2002 . وقد دعمت الحكومة الأمريكية الإنقلاب بصورة علنية، بل أنها شاركت في التحريض عليه بحسب الصحافة البريطانية . لو استولى بعض الضباط العسكريين على البيت الأبيض وأداروا الحكومة لكانوا أُعدِموا، لكن المحاكم الفنزويلية الرجعية جدا، والتي ما تزال مرتبطة بالنظام السابق، رفضت مساعي الحكومة لمحاكمة الضباط . ونزل نظام شافيز "الشمولي" عند حكم المحكمة ولم يحاكمهم، لذا أطلق سراحهم، وها هم يطلبون الآن اللجوء في الولايات المتحدة، ويحصلون عليه) .

لماذا لم تغزو الولايات المتحدة فنزويلا فوراً ؟

 

العراق يُنقذ فنزويلا !:

يقول العميل الإقتصادي ألأمريكي "التائب" "جون بيكنس" في كتابه "اعترافات رجل اقتصاد ماجور":

(نجى شافيز وأفلتت فنزويلا لبعض الوقت من كارثة مُحققة، وهي كارثة القصف والغزو الأمريكي، والفضل يعود للعراق . فلم تستطع إدارة بوش الحرب على ثلاث جبهات في آن واحد، في أفغانستان والعراق وفنزويلا . ففي تلك اللحظة، لم يكن لديها القوة العسكرية أو الدعم السياسي الذي يمكنها من تدبير أمورها على الجبهات الثلاث) .

يبدو أن العراق حتى في خرابه ينقذ الآخرين .. مسيح العصر .

ويقول في موضع آخر من كتابه:

(لسخرية القدر قدّم غزو العراق في عام 2003 هبةً إلى شافيز . كانت خيارات بوش بالتدخل العسكري محدودة نتيجة الحرب على العراق وافغانستان، وانهيار عملية السلام بين الفلسطينيين والصهاينة، وتعاظم انهيار شعبية العائلة المالكة في السعودية، والمشاكل السياسية في الكويت، والدور الإيراني . كما أعطى أيضا الإنتصار الساحق الذي حققه "لولا دا سيلفا" في البرازيل عام 2002 زخماً جديداً للحركات الوطنية .

كان انتصار لولا وشافيز، وتحالفهما، موجة رهيبة اكتسحت المنطقة ووصلت إلى أبعد القرى في جبال الأنديز، تشجّعت أمريكا اللاتينية ورأت شعوبها ولأول مرة في التاريخ الحديث أن الفرصة سانحة ليخرجوا من تحت نير هيمنة هذا الوحش المسمى الولايات المتحدة والتي امتدت لأكثر من مئة عام) .

 

شافيز يواصل مسيرة الإصلاح لصالح الفقراء:

استطاع شافيز أن يحقق نقله اجتماعية ضخمة من خلال التركيز على رفع مستوى المعيشة للمواطنين من خلال تأميم النفط وإعادة توزيع عائداته على المواطنين، ورفع شعارالقضاء على بيوت الصفيح، التي كانت منتشرة في فنزويلا بسبب الحالة الاقتصادية المتردية، وتبنى مشروع إنشاء 200 ألف مسكن اقتصادي توزع مجانا على المحتاجين.

تمتلك فنزويلا أعلى نصيب للفرد من الناتج القومي الإجمالي في أمريكا اللاتينية، ويرى أغلب الشعب أن هذا التناقض بين ما تملكه فنزويلا من ثروة وما يعيشه الشعب من فقرهو نتيجة للطبقة السياسية الفاسدة وتابعيها من رجال الأعمال الذين سرقوا ثروات الدولة، والذين وصفهم شافيز ذات مره بأنهم يقيمون في شاليهات فخمة حيث ينظمون حفلات دعارة ويشربون الويسكى، لكن معالجة هذا الوضع الشاذ لم يمض سهلا بل كان طريقه ممهدا بالتضحيات والدماء. عندما وصل هوجو شافيز إلى رئاسة الجمهورية في 1998، تسلم مقاليد بلد ودولة ناقصي التسيس بشكل عميق، ومصابين بالفساد المالي والإداري على نحو خطير.

جرى انتخاب شافيز على قاعدة رفض هذا النظام القديم اكثر مما انتخب بناء على مشروع سياسي صلب تحمله قوى اجتماعية منظمة قد تكون سندا له على رغم وجود جماهير عريضة مناصرة له. وظهر منذ الوهلة الأولى، أنه ليس في فنزويلا ثورة اشتراكية يقودها هوجو شافيز، ولكن كان هناك تغييرا جذريا للعقلية السياسية وتنظيمها والوعي الجماهيري، وأن السلطة للشعب، وأن الثورة مستمرة.

وعقب عودته للحكم وجه شافيز نداء إلى الشعب دعاه فيه إلى الوحدة، واعلن بدء حوار وطنى بين الكنيسة والمسئولين والنقابات والاحزاب السياسية ومدارء وسائل الاعلام الخاصة، واكد في الوقت نفسه انه لن يكون هناك أي نوع من الانتقام أو المطاردة للاشرار. كما جرت في عهد شافيز خمسة انتخابات واستفتاءات حاسمه بحضور مراقبين دوليين من الاتحاد الاوربى، ومؤسسة كارتر الاميريكيه .

 

شافيز: سيّدي الرئيس جورج بوش: "أنتَ حمار" !:

أعلن شافيز عن مناهضة العولمة، وضرورة وجود عدة محاور وأقطاب في العالم، في خطاب سياسى معاد لأمريكا. كما قام باصلاحات اقتصاديه هامة من أبرزها توزيع الأراضي على الفقراء بعد أن كانت في أيدى زمرة قليلة من المواطنين. وفي خطاب علني وصف الرئيس بوش الإبن الكحولي المتأتىء بـ "الحمار" .

لقطة لا تُنسى من "مارادونا":

 

في الفيلم الذي أخرجه المخرج المعروف "أمير كوستاريكا" عن اللاعب الأسطورة مارادونا هناك مشهد يستقبل فيه شافيز مارادونا في تجمّع جماهيري ضمّ عشرات الألوف من الفنزويليين، وبعد خطاب رائع لشافيز ضد بوش والإمبريالية الأمريكية، أعطى فرصة الكلام لمارادونا الذي جاء إلى المنصة ولم يقل سوى جملة واحدة صرخ بها وأشعل الجمهور وهي:

(يسقط بوش) .

هذا يبيّن لك مقدار كره شعوب أمريكا اللاتينية للولايات المتحدة .

 

رئيس وزراء إسبانيا "اثنار" جاسوس، ويحاول اقناع شافيز بخيانة شعبه:

"يتوجّب عليك نسيان موضوع الدول الفقيرة في العالم، يتوجّب عليك نسيان الدول الأفريقيه الفقيرة التى فوّتت قطار التاريخ والمحكوم عليها بالزوال، يتوجّب عليك ركوب قطار المستقبل، والابتعاد عن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو" .

تلك "النصائح" التي وجهها رئيس وزراء إسبانيا السابق "خوسيه ماريا اثنار" – المتحمّس لغزو العراق وتدميره إلى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز . لقد وصف شافيز صاحب هذه التصريحات بالمعتوه والفاشى والنازى (بتاريخ 1952005) .

والتساؤلات التي تثور هي:

هل كانت كلماته في أذنى الرئيس الفنزويلي تعكس نوايا وسياسات حكومته فقط؟ ولماذا توجّه بنصائحه الفظيعه هذه إلى رئيس يسارى، وهي من النوع الذي لا يُقال في صفوف اليمين بالذات إلّا همساً، بل بمجرد الإشارات والغمزات ؟

يبدو إن أقوال الرئيس الإسبانى السابق تدل على فقدانه الحذر في لحظة لاندرى ما طبيعتها ! ولعلّه لم يقم وزنا لما قد يترتب على حديث ثنائي غير رسمي على الأغلب، وبالتالي فهو لا يشكل وثيقه دامغة، بل يمكن التنصّل منه أو انكاره بكل بساطه كما يفعل الجواسيس المُدرّبون.

أمّا لماذا هذه المخاطرة مع شافيز اليساري فإنّ السبب يعود بلا ريب إلى النفط الفنزويلي ! لقد أراد اثنار إغراء شافيز بالخيانة كونه مؤتمناً على ثروة شعبه النفطيه الهائلة، أي أن يخون شعبه والشعوب الأخرى، ويلتحق بنادى الأغنياء العالمى، وبقطار الشركات الألف المتعددة الجنسية التي تقف خلف الحكومات والسياسة الدولية . ان نصائح اثنار لا تعكس قناعته وحده، بل قناعات النظام الربوى العالمى، وهو كان يرجو، ولا بُدّ، في حال نجاحه في اقناع شافيز بالخيانة، تحقيق مكاسب خاصة لشخصه ولبلده غير ان اثنار نصح شافيز بالابتعاد تحديدا عن الرئيس الكوبي، فلماذا هذا الالحاح على مقاطعة الجزيرة الصغيرة وشعبها الصغير، الصامد بإباء تحت حصار اميركي مُحكم لا يطاق منذ أكثر من اربعين عاما ؟ وأيّ خطر تشكله كوبا على النظام الربوى العالمى، بامكاناتها البشرية والاقتصادية والعسكرية المتواضعه ؟ الواقع هو ان كوبا تنهض منذ عقود طويله بقواها الذاتية كتجسيد لارادة الحياة الأممية والكبرياء الأممي . انها تعبّر عن أمل لم يمتْ، وثقة لم تتزعزع، بمستقبل كريم للبشرية جمعاء. انها الدولة الصغيرة المحكومة بالاعدام، والمستعصيه على محاولات تنفيذ حكم الكاوبوى! ان صمودها هو العزاء لما اصاب بعض الدول الافريقية المدمرة التي أشار إليها اثنار، وهو ما يبقى الباب مفتوحا أمام الأمل البشري بالخلاص .

 

كوبا وفنزويلا: قاعدة التفّأحة الفاسدة ولعبة الدومينو:

للولايات المتحدة قاعدة من شقين تتعامل وفقها مع أي دولة تخرج عن إرادتها وتحاول تحرير ثرواتها وخدمة فقراء شعبها مثل كوبا وفنزويلا على سبيل المثال:

الأول عدم السماح لأي دولة بالتحرّر من قبضتها الوحشية لأنها ستكون وفق تعبير المسؤولين الأمريكيين "تفّاحة فاسدة" ستتسبّب في إفساد باقي التفّاحات في السلّة .

والثاني هو الردع السريع لأنّ هذه التفّاحة الفاسدة قد تكون حجر الدومينو الذي يسقط ويسبب سقوط باقي الأحجار بالتتالي حسب اللعبة المعروفة .

وتعلن الولايات المتحدة دائماً أنّها تتعمّد اختيار بلدٍ ضعيف وتدميره تماماً بكل وحشيّة كما سنرى مستقبلاً .

 

ما الذي قدّمه شافيز لشعوب أمريكا اللاتينية:

بعد تأميم الرئيس البوليفي الغاز والبترول في عيد العمال أول أيار سنة 2006، تعرضت لهجمة إعلامية من أجهزة الإعلام الاميركية، وعلى رأسها صحيفة (وول ستريت جورنال) التي تعكس آراء الاحتكارات البتروليه. قدمت فنزويلا المساعدات الآتية لدعم الرئيس الجديد:

• استثمارات في مشروعات بترولية حوإلى 1.5 مليار دولار

• 200 الف برميل من البنزين والمنتجات البترولية شهريا باسعار مخفضة لبوليفيا ويتم سداد ثمنها بمنتجات زراعية بوليفية، وعلى رأسها فول الصويا.

• 500 منحة دراسية لطلبة بوليفيا للدراسة في فنزويلا.

• 140 مليون دولار كقرض لمساعدة الرئيس "ايفو موراليس" لتنفيذ وعده بتوزيع أراضي الدولة واستصلاح الأراضي القاحلة وإعادة تشجير الغابات ضمن مشرع للاصلاح الزراعى وتوزيع الأراضي على فقراء المزارعين .

• تقديم الخبراء في حقول صناعة الصلب والصناعات البترولية .

وهو مافعله شافيز بالنسبه للإكوادور أيضاً التي الغت اتفاقها في مايو 2006 مع شركة ويسترن اويل الاميركية، بما يشبه التأميم، واوقفت اميركا اتفاقية التجارة الحرة مع إكوادور واعلن وزير الاقتصاد الاكوادورى الذي سافر لكراكاس لطلب المساعدات انه يتوقع مقاطعة اميركا لبلاده، وان زيارته جاءت لتاكيد مساعدة فنزويلا لهم في الأزمة، وللوقاية من تعسف اميركا بعد الغائها اتفاقية التجارة الحرة والتسهيلات التي كانت تُقدم للإكوادور .

بالنسبة للأرجنتين ساعد شافيز الرئيس الأرجنتيني "كيرشنر" على شراء مديونية بلاده لصندوق النقد الدولي والتي بلغت أكثر من 10 مليارات دولار، وباع النفط بسعر الحسم لمن لا يقدرون على شرائه بالأسعار الجارية . خصّص جزءا من عائدات النفط كي تستطيع كوبا إرسال أطباء إلى المناطق الفقيرة في القارة . كما قدم شافيز مساعدات وبترولا رخيصا لتشيلى بعد انتخاب "ميشيل بكلت" اليسارية رئيسة جمهورية شيلى في يناير 2006، وهي أول سيّدة تصل لرئاسة شيلى، وكانت إحدى ضحايا بينوشيه ديكتاتور تشيلى السابق، وتدفقت مساعدات شافيز على جواتيمالا أيضاً وغيرها من الدول اللاتينية.

 

محنة الوحش الأمريكي تتسع:

الفوز الذي حققه ايفو موراليس ونائبه الفا روليفيرا في الانتخابات البوليفية، حمل كابوسا آخر للولايات المتحدة، يُضاف إلى كوابيسها السابقة في كوبا وفنزويلا والبرازيل وكوابيسها اللاحقة في نيكاراجوا والإكوادور. ويبدو ان وصول موراليس صديق كاسترو وشافيز ولولا، إضافة إلى رموز اليسار في أميركا الجنوبية، إلى السلطة، سرّعت مسيرة المنطقة إلى اشتراكية وطنية ترتكز إلى تراث أبنائها وتاريخهم وثرواتهم، وحققت أجمل انتصاراتها في الانتخابات الرئاسيه في جمهورية تشيلى، وفوز الطبيبة اليساريه "ميشال باشويه" بالرئاسة كما قلنا .

إنّ مايمكن قراءته من خلال هذه الانتصارات الثورية المتلاحقة في أمريكا اللاتينية، هو ان معظم دول هذه المنطقة، حقّقت خلاصها من الهيمنة والسيطرة الأميريكية، بل باتت تشكل طوقاً ضد كل ماهو أمريكي، وبالتإلى فانّ هذا التوجه اليسارى للمنطقة، ذات الموارد الطبيعية والبشرية الضخمة، بات يقلق واشنطن كثيرا فهي تخشى على مصالحها الاقتصادية والسياسية، وعلى نفوذها في المنطقة من خلال قيام تحالفات يساريه قوية تجمع البرازيل، الأرجنتين،كوبا، فنزويلا وصولا إلى تشيلي وبوليفيا ونيكارجوا والإكوادور، ما يفقد الولايات المتحدة موقعها وتاثيرها الكبيرين اللذين توفرا لها منذ عقود طويلة.

شيء مختلف رهيب حصل في العقد الأول من الألفية الجديدة . لم يحصل مثل ظاهرة دعم أفقر الفقراء من سكان المدن والريف .. لم يحصل أن تحمل بلدان مُستعمرة مثل هذه الرسالة القوية إلى مستعمرها الأمريكي لا في العالم الغربي ولا آسيا ولا أفريقيا . لقد صارت مثلاً وقدوة، وألهمت البشر في جميع أصقاع الأرض .. والظاهرة الأغرب هي أن الرؤساء وافقوا على أن يدافعوا عن بعضهم البعض من خلال تعاون جماعي . بلاد مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي والبيرو وفنزويلا بدأو جهودا حثيثة لتغيير أهداف جيوشهم من حماية الشركات المتعددة الجنسيات إلى الدفاع عن بلدانهم ضد التدخل الأجنبي . مقابل ذلك وضعت الولايات المتحدة مشروعا لجيش أمريكا اللاتينية الموحّد ومركز قيادته البنتاغون .

أدارت شركة صينية وبفعالية مرافىء "أنكور" على طرفي قناة بنما، أطلقت الصين والبرازيل قمرا صناعيا للكشف عن الموارد الأرضية . لأنهم ينظرون للصين كقوة ردع وتوازن وهذا أغاض الوحش أكثر.

كل هذه التغيرات عمّقت جراح الوحش الذي لا يرحم والمكبّل في العراق .

 

ماذا بعد وفاة المناضل شافيز:

بعد وفاة هذا الرئيس البطل في 5 مارس 2013 بعد معركة ما يقرب من عامين مع مرض السرطان . خلفه نائبه "نيكولاس مادورو" وهو رئيس فنزويلا منذ 14 أبريل 2013، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الثانية بعد وفاة شافيز، مع 50,61 ٪ من الأصوات.

ومنذ اليوم الأول لرئاسته واصلت الولايات المتحدة استفزازتها وتآمرها الوقح لأنه سار على منهج شافيز نفسه، لتعلن أخيراً أن فنزويلا تمثل تهديداً للأمن القومي معتمدة على تناقص اعتمادها على البترول الفنزويلي بسبب مخزوناتها المتصاعدة ومؤامرة خفض أسعار البترول، ولعبها بورقة حقوق الإنسان هي التي تكره الإنسان وتحتقر حقوقه كما سنرى في حلقة مستقلة . هذه المرّة بدأ الوحش الأمريكي بورقة حقوق الإنسان والحرب على الإرهاب، فلنر شيئاً من "ديمقراطية" الولايات المتحدة و "حرصها" على حقوق الإنسان .

 

من هو الإرهابي: الولايات المتحدة أم فنزويلا ؟ مثال عملي:

في عام 2006 سعتْ فنزويلا إلى استرداد واحد من أسوأ إرهابيي أميركا اللاتينية سُمعة، وهو "لويس بوسادا كاريلّس" لمواجهة تهم بتفجير طائرة ركاب تابعة لشركة "كوبانا" وقتل سبعة وثلاثين شخصا كانوا على متنها . كانت التهم موثوقة، لكن كان ثمة صعوبة حقيقية . إذ بعد فرار بوسادا من سجنه في فنزويلا، استأجره عملاء سرّيون أمريكيون لإدارة عمليات إمداد منظمة الكونترا النيكاراغوية بالسلاح والذخيرة من السلفادور أي ليلعب دوراً بارزاً في حرب واشنطن الإرهابية على نيكاراغوا . ومن هنا كانت المعضلة: فاسترداده لمحاكمته من شأنه أن يُرسل إشارة مقلقة إلى العملاء الأجانب السريّين من أنهم لا يستطيعون الإتكال على حماية غير مشروطة من جانب الحكومة الأمريكية، وقد يعرّض وكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه) لاعترافات علنية مُحرجة لها من أحد عملائها السابقين . الصحافة الأمريكية "الحرة" قالت إنها مشكلة طفيفة .

وفي الوقت الذي كانت فيه فنزويلا تلح في طلبها لاسترداد الإرهابي كاريلّس أقرّت الأغلبيتان الساحقتان في مجلسي الشيوخ والنواب مشروع قانون يحظر على الولايات المتحدة مساعدة البلدان التي ترفض طلبات الاسترداد والمقصود بها الطلبات الأمريكية طبعا . لطالما مرّ رفض واشنطن المعتاد الاستجابة لمناشدة البلدان الأخرى استرداد إرهابيين بارزين منها مرور الكرام، وإن بدرت هنا بعض الأصوات المعبرة عن القلق من إمكانية أن يمنع مشروع القانون هذا المساعدة عن الكيان الصهيوني من الوجهة النظرية لرفضه تسليم رجل اتُهم بجريمة قتل وحشية حصلت عام 1997 في ماريلاند وفر إلى الكيان الصهيوني وطالب بالحصول على الجنسية "الإسرائيلية" من خلال أبيه .

وقد حُلّت معضلة بوسادا، مؤقتا ولله الحمد، بفضل المحاكم التي رفضت طلب فنزويلا، خلافاً لما تنص عليه معاهدة تسليم المتهمين الموقعة بين البلدين . وبعد ذلك بيوم واحد، حث روبرت مولر، رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي أوروبا على الإسراع بتلبية طلبات الولايات المتحدة بإرسال بعض المتهمين قائلا: "إنا نتطلع دائما إلى ما ينبغي عمله حتى يمكننا جعل عملية الاسترداد تسير بوتيرة اسرع . أظن أننا مدينون لضحايا الإرهاب بأن نسهر على تحقيق العدالة بنجاعة وبفعالية) .

 

هل هناك وقاحة وسفالة أكثر من هذه ؟

وفي القمة الإيبيرية – الأمريكية التي عُقدت بعد ذلك بفترة وجيزة، أعرب قادة إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية "عن دعمهم لجهود فنزويلا الرامية إلى تسلم (بوسادا) من الولايات المتحدة كي يُقدّم إلى المحكمة " لتفجيره طائرة خطوط "كوبانا" الجوّية، إلّا أنهم سرعان ما تراجعوا عن ذلك بعدما احتجّت السفارة الأمريكية على هذا الموقف . إن واشنطن لا ترفض فقط، أو تكتفي بتجاهل طلبات استرداد الإرهابيين، بل إنها تستخدم كذلك أداة العفو الرئاسي عن جرائم مقبولة لديها . فبوش الأول منح عفوا رئاسياً لـ "أورلاندو بوسك"، الإرهابي الدولي السيء السمعة وشريك "بوسادا"، برغم اعتراضات وزارة العدل التي ألحّت على ترحيله عن البلاد لكونه يشكّل تهديدا للأمن القومي . والإرهابي "بوسك" يقيم الآن آمناً مطمئناً في الولايات المتحدة، وربّما لينضم إليه بوسادا لاحقا، وسط محافل ما فتئت تُستخدم قاعدة للإرهاب الدولي .

 

وبعد ..:

 

أعتقد أن جراح الوحش الأمريكي في فنزويلا خصوصاً وأمريكا الجنوبية عموما، بليغة جداً . ولم يعتد هذا الوحش على لعق جراحه بل على الهجوم والتدمير المسعور لذا أتوقّع أن هجمة الولايات المتحدة على فنزويلا ستكون جامحة عاتية لتحطيم هذا البلد وجعله "عبرة" لدول أمريكا الجنوبية الأخرى التي تبعته وتعاونت معه .

يعتقد البعض أن الرأي العام العالمي الذي يرفض العدوان على فنزويلا سيردع الوحش الأمريكي، فنقول:

 

الرأي العام العالمي لن يردع الوحش الأمريكي:

قبل هجوم الولايات المتحدة على العراق، كانت مسوحات الرأي العام تشير إلى أن 10% فقط يؤيّدون هجوم الولايات المتحدة على العراق، ومع ذلك هجمت الولايات المتحدة عليه واحتلته ودمّرته . صارت القوّتان العظمييان على الكرة الأرضية الآن هما: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي، والمقصود بالولايات المتحدة هنا سلطة الدولة والمال، وليس رأي العامة أو رأي النخبة . أظهرت الإستقصاءات في بداية 2003 أن العالم كله يخاف من الولايات المتحدة ويكرهها . لكن مسؤولي الإدارة الأمريكية – بفعل سيكولوجحية الكاوبوي "البلطجي" لا يهمهم أن يكونوا محبوين .. بل مرهوبين .

 

ملاحظة عن هذه الحلقات:

هذه الحلقات تحمل بعض الآراء والتحليلات الشخصية، لكن أغلب ما فيها من معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية مُعدّ عن عشرات المصادر من مواقع إنترنت ومقالات ودراسات وصحف وكتب خصوصاً الكتب التالية: ثلاثة عشر كتاباً للمفكّر نعوم تشومسكي، كتاب أمريكا المُستبدة لمايكل موردانت، التاريخ السري للامبراطورية الأمريكية واعترافات رجل اقتصاد مأجور لجاك بركنس، أمريكا والعالم د. رأفت الشيخ، تاريخ الولايات المتحدة د. محمود النيرب، الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط لروجيه غارودي، الفردوس الأرضي د. عبد الوهاب المسيري، وغيرها الكثير.

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة – 2015

 

تعليقات (2)

  1. عدنان الظاهر

أحسنتَ أحسنتَ دكتور حسين سرمك حسن ...
أتابع قراءة هذه الحلقات برغبة ولهفة فإنها من المقالات النادرة فلعل المشبوهين والأغبياء والمعتوهين والمشطوفين بأمريكا ، لعلهم يقرأوا هذه الحلقات ولكنْ هل يتعظ مَنْ لا شرفَ له ولا ذمّة ولا ضمير وطني ؟
متى يصحو ويعتذر ويطلب مغفرة العراقيين النجباء ذاك النرجسي الأرعن الغريب الأطوار الذي دبّج المقالات ترويجاً للإحتلال الأمريكي للعراق وسخر من مبدأي السيادة والإستقلال الوطنيين ؟ متى يصحو فيتوب هذا المتأمرك المشبوه وأشباهه ليسوا قليلين اليوم إذْ ضاعت المقاييس واختلط الحابلُ بالنابل والأسود بالأبيض.
شكراً أنك تقدم جهداً تثقيفياً مشكوراً وتقدم أنموذجاً رائعاَ واضحاً للعراقي والإنسان النبيل الأصيل ذي الحليب النقي الطاهر ... شكراً عزيزي دكتور حسين سرمك.
عدنان الظاهر

 
  1. حسين سرمك حسن

شكرا جزيلا أخي الأستاذ الفاضل عدنان الظاهر على لطفك وتقييمك النبيل لجهدي المتواضع في إعداد هذه الحلقات ، وإنّ موقفكم الوطني الغيور هذا سوف يلهمني العزم على مواصلة إعدادها برغم كل الصعوبات. فلكم فائق الإمتنان والإحترام. أخوك : حسين سرمك حسن.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-03-21 13:27:14.