مصر وحرب فيتنام اليمن الثانية

abdulsahib alnasirاكد حاكم مصر الذي ايدناه في انقلابه علي الاخوان، ان لا فرق بين الحكام العرب، ان كان اسلاميا او مدنيا او عروبيا، فعندما يشعر بالسلطة ينفرد بالقرار ويتناسى شي اسمه الحكم الديمقراطي الذي يتطلب الاستشارة والبحث في المواضيع الخطرة مع الاخرين، ويتطلب المشاركة (التهمة والعيب) المصطنع الذي يتهمون حكام العراق بالاخلال به اي، المشاركة بالقرار. عند الحكام العرب يتجلي باستلامهم للسلطة والتصرف الانفرادي وكانه حق منزل من السماء. بدأ الرئيس حديثه كما كل القادة العرب بالبسملة، وهو شعور باطني يدل على انهم يتصورون بأنهم رسل للرب مسلطون على عباده .و هذه حالة تعيش في ذاتية القادة العرب منذ الخليفة عثمان.

فالحكام العرب يبدؤون بالغطرسة وظلم الناس وسلب حقوقهم باسم الدين والدولة فيحتج الناس ويقاومن الظلم فيحتجون، ويستمر الحكام في التعسف وتثور الناس، هكذا .

استشهد بما كتبه الدكتور علي الوردي، نقلا عن البلاذري، عن قول عظيم قاله الامام علي ابن ابي طالب (ع) عند ثورة الناس علي عثمان: "استأثر فأساء الاثر ة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في الجازع والمستاثر".

و هذه بلاغة لا يوجد ابلغ منها في وصف الواقع في البلاد العربية منذ فجر الاسلام وتستمر الي هذا اليوم. فقرار السيسي المتسرع ادخل مصر من جديد في حرب اليمن كما دخلها عبد الناصر في سنة ٦٧ وخسرت مصر اكثر من عشرة الآف قتيل، وكما اعترف عبد الناصر للسفير الامريكي وقتها بأسفه على دخوله في هذه الحرب، وكما اعترف لاحد المؤرخين في مؤخرة حياته، انه دخل في نفس حرب التسارع الفيتنامية، وانتها بحشد اكثر من سبعين الف جندي مصري. كلتا الحربين ابتدأتا في الربيع، بدل وقت الحب والتسامح .

يتصور القادة العرب بدون أي احساس بالتدخل في شؤون البلدان الاخري، ان لهم الحق في التدخل في شؤون البلدان العربية الاخرى. وهذا شعور غير مبرر بان القائد العربي يشعر بأنه قائد لكل العرب، فمن اعطاهم هذا الحق في ان تتدخل في حرب خارجية غير قريبة لهم لا من بعيد او قريب وانه ادخل مصر في دوامة عسكرية واقتصادية ستنهكها لا محالة انها حرب مصر الفيتنامية من جديد، وتكشف هذه التدخلات في شؤون الآخرين ان عقدة القائد العربي متأصلة منذ عهد الخلافات التي يتصورنها شاملة لكل البلدان والشعوب العربية فنرى اي قائد، ان كان قائداً لبلد كبير او صغير من مصر الي قطر، ان لهم الحق في حكم الشعوب العربية وانهم اعدل واحق بالقيادة من كل القادة الاخرين، ونرى ان للزمن وتطوره عند العرب لا اعتبار بأي شكل من الاشكال.

 

تدخل عبد الناصر بعد ان اشتد عوده بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة ٥٦ وشعر بالعظمة وتصور انه خليفة جديد لقيادة العرب كلهم، من المؤسف ان يشعر الشعب العربي بنفس هذا الشعور فيعطون لأنفسهم نفس الحقوق في التدخل في شؤون الآخرين فنراهم يؤيدون هذا القائد بحربه علي شعوب اخرى تحت شعار ( امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة)، ولا نعرف ما هي هذا الرسالة وكيف اصبحت خالدة .

لم يقف العرب في العصر الحديث لنصرة بلد عربي محتل منذ ستين عاما مثلما يقفون في تدخلهم في شؤون بلدان اخري في هذه الايام، يبدو ان نعمة الله التي هيئها لهم ( نعمة وجود النفط) يبددونها في كل الاتجاهات الا باتجاه تطوير بلدانهم وتأمين مستقبل شعوبهم، ثم هناك من سيقول وما اكثرهم، انها امريكا ومؤامراتها. لكن لا امريكا ولا اي قوة في العالم لا تملك هذا السحر الخارق لتتلاعب في ادمغة وعقول كل القادة العرب كل هذا الوقت، وان كانت تملك هذا السحر فهو فعال لوجود الارضية التي تتفاعل مع سحرها.

و من الظاهر ان العرب، لم يخرجوا من التاريخ فقط، بل ان تفكيرهم يقلب كل حسنات التقدم العالمي الى سيئات خطرة مستمرة، اي ان هناك غلط في الفكر وخلط في ترجمة الامور وفهمها.

حتى الشرحة المثقفة من العرب، اليساريون مثلا مازالوا يؤثرون في صميم تفكيرهم الفكر البدوي، فمن اراد ان يطبق النظام الاشتراكي عند شعوب مازالت بدوية اخطأوا في تقدير المستوى الحسي والعقلي في تطور وثقافة هذه الشعوب .

و هذه الحالة مستمرة منذ بدء التاريخ العربي تدلنا الى ان التفكير الشيعي اكثر تطورا من التفكير البدوي الذي مازال طاغيا على تفكير الشعوب العربية الاخري (الاكثرية). صحيح ان التفكير السلفي الوهابي هو من يعيش في ظلام القرون ويشد كثيراً من التطلعات العربية الي مبدأ العزة بالاثم. فنري العرب سرعان ما يتوحدون في مجابهة اي تطور في اي بلد تكثر فيه الاغلبية الشيعية، هو اذاً خوف من التطور والانفتاح والسير مع التطور العالمي، والاسوأ انهم عندما تناقشهم عن الحاجة للسير مع التطور العالمي يتهمونك بالإيمان بنظرية التآمر العالمي على العرب. اما من الناحية العملية، فان هذه الحروب التي تقودها السلفية السعودية ستستنزف كل وارداتها النفطية في حروب عبثية. الم يعلل جرذ ابن العوجة حربه على ايران، انها لحماية البوابة الشرقية ضد التدخل الايراني وضد التشيع القادم من الصفويين؟ في حين كان أول ما فعلته الثورة الايرانية هو طرد الاسرائيليين وفتح سفارة لفلسطين بدلها. وتقف اليوم السلفية السعودية مع اسرائيل ضد ايران بحجة السلاح النووي؟ وتدخل السعودية ومصر في الشأن اليمني اليوم هو توافق مع رغبة وخطط اسرائيل في قضية تهديدها لايران باسم التخويف النووي، في وقت لا يملك اي بلد في الشرق الاوسط (البوابة الشرقية) اي سلاح نووي الا اسرائيل؟

استبدل العرب كل وجهات حروبهم يسددونها ضد اي بلد فيه تجمع شيعي، بدل إستمالة هذه الشعوب لتتضامن مع القضية الفلسطينية، القضية المفصلية والاساسية.لكن وفي نفس الوقت، الوحيدون من يقاتلون من اجل فلسطين هم حزب الله الشيعي .

اهم واول ما يجب علي الشعوب العربية القيام به، ان كانوا حقا يسعون لمواكبة التطور العالمي، هو الاعتراف بان الثقافة الشيعية هي اكثر ثورية وتطورا وتقدما من بين الثقافات العربية الأخري، وعندما يتخلصوا من بعبع الخوف من من إيران ومن الشيعة في العالم، عندها ستتخلص افكارهم من هذه الامراض والأوهام، وسيتعرفون على المشاكل العصرية التي تواجههم. كما واعتقد جازما، ان هذا الباب يجب ان يدلجه كل المثقفين العرب من اليساريين الى العروبيين والاسلاميين والاشتراكين وغيرهم .

فالثقافة الشيعية ليست طائفية بل تقدمية منفتحة للاجتهاد والتفسير والاعتراف بعامل الوقت وتطوره، ضد اي جمود في الافكار وانما المسيرة مع الوقت وحتمية تطوره .

 

ان الحرب التي تقودها السلفية السعودية بالاشتراك مع مصر على اليمن وشعبه ستجردهم من حسنات توفر الاموال التي يحصلون عليها من صادراتهم النفطية لبناء وتطور شعوبهم. فقدت مصر زمن الاخوان اهم مصادر الواردات المالية من السياحة وستستمر في طرد السياح لها جراء تدخلها في حرب عبثية طائفية. ودخلت مصر في حرب كالحرب الاستنزاف الفيتنامية، في وقت تحتاج مصر الى كل جنيه. والتمويل السعودي جعل من الجيش المصري جيش مرتزق تقيم ضحاياه بالدولار الامريكي او الريال السعودي. حتى الامارات التي سارعت في طريق التطور السريع الواضح ادخلت اليوم في دوامة الحروب العبثية. الا ان السعودية والامارات عندهم وفرة كبيرة من المال، ربما تسمح لها ان تلعب في هذه اللعبة التي فرضت عليهم، اما مصر فتستجدي وتحتاج الى اي دولار لانتشال اقتصادها المنهار منذ ثلاث سنوات ونصف .

و لو اعدنا البحث والنظر في نظرية المؤامرة، لتوصلنا الى ان مصادقة امريكا لعدم تمكننا من مقاتلتها، هي احسن لنا من محاربتها وذلك لسببين: الاول، اننا لا نملك الفكر في معرفة امكاناتنا، والثاني لا نكلف الفكر في محاربتها. بالاضافة الى أننا مستعدون لنكون توابع للآخرين. والا لتسائلنا، كم صرفوا من وقت في التوافق بين المختلفين في اليمن؟ لمعرفة الخلافات ولمحاولة التوصل الى اتفاق لحقن الدماء والارواح وللاقتصاد في الخسائر المادية والتهديم .

لكن الحقيقة التي يتهرب منها العرب هي ان الحرب الاولى المصرية في اليمن، هي التي ادت الى حرب الأيام الستة عندما شعر عبد الناصر بانه بطل العروبة القادم فتبع هذا الغرور الى احتلال اسرائيل الى مساحات شاسعة من الارض العربية وانتهت باحتلال اضعاف مضاعفة من مساحة اسرائيل قبل هذه الحرب من المساحات الشاسعة من فلسطين . فكم جحر تملكون لتلدغوا منه؟ وعندما ترسم اللدغات كل اطراف جحوركم، استاجروا حجورا شيشانية او صومالية .

 

عبد الصاحب الناصر

لندن في 05/04/2015

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-04-05 01:54:13.