المثقف - آراء

إيران التي تمنع نجاد من الترشح لا تستحق الثقة

saieb khalilجرت يوم (19 أيار) الانتخابات الإيرانية التي تنافس فيها 3 مرشحين من 6 تم قبولهم من قبل مجلس صيانة الدستور لخوضها. وقد حجب مجلس صيانة الدستور ذلك الحق عن عدد كبير من المتقدمين، من بينهم الرئيس السابق احمدي نجاد. وهذا الحجب يضع علامة استفهام كبيرة على الطريقة التي يقوم بها المجلس المذكور بعمله وبالتالي على العملية الديمقراطية في إيران ككل. فما الذي تغير في نجاد بالضبط، لكي يصبح غير مناسب للحكم، ويمنع الشعب الإيراني من حق انتخابه حتى لو أراد؟  هل فقد إيمانه بالله أو بعودة المهدي وهو الذي أعلنه في الأمم المتحدة؟ أم انه سرق شيئا وعمم فساداً؟ كيف لا تحاكموه إذن؟ وكيف لمن حصل على أعلى أصوات الشعب الإيراني لحكمين متتالين، ان يصبح فجأة منبوذا من قبل مجلس صيانة الدستور؟

مجلس صيانة الدستور لن يعطي أسبابا لقراراته، لذلك، يحق لنا، وليس لنا إلا ان نتوقع الأسباب. والأسباب التي نراها هي من تأثير حكومة البازار التي قادها روحاني، الرئيس الحالي، وحظيت بدعم تاجر الفستق رفسنجاني وغيره. ويمسى هؤلاء "إصلاحيون"، وهي الكلمة المرتبطة دائما وفي كل انحاء العالم في هذه الفترة من التاريخ، بتدمير الطبقات الفقيرة لصالح الأثرياء والتجار. وهؤلاء في العادة مستعدين لكل التضحيات، بما فيها الوطن ذاته، على ان يأتي شخص مثل "نجاد" يعطي حتى النساجات الفقيرات في بيوتهن القروية النائية، الحق براتب تقاعدي! ويسمى أمثال "نجاد" في المصطلحات السياسية بـ "المتشددين" للإساءة إليهم. وهم بالتأكيد متشددون فيما يتعلق بتعاليم الدين قياساً بغيرهم، لكن النظر إلى هذه النقطة قليلة الأهمية بالنسبة لمستقبل البلاد قياساً بالقرارات الاقتصادية والاجتماعية، هو الغش بعينه.

وتكفي هاتين الكلمتين لتقف مجاميع هائلة من الناس مع الأولين وضد الأخيرين، حتى في البلدان المجاورة، وبدون النظر إلى موقف كل من هؤلاء من قضاياهم، مثل الكثير من الحمقى في الجانب العربي، والذين اعتبروا ان "التحرر" و "الليبرالية" هي في صالح قضاياهم دائما.

ما هي إنجازات روحاني لإيران؟

يمكننا ان نلاحظ أن روحاني قد تاجر ببيع ما قام نجاد بتحقيقه من أوراق ضغط تتمثل بتطوير قدرات إيران النووية والعسكرية، وبالتهديد المخيف للغرب بإيران ذات حكم شعبي واع لمصالحه واعدائه وأصدقائه. وحصل روحاني بتقديم نفسه بديلا عن هذا "الخطر" الذي يمثله نجاد، على دعم الغرب كثيراً. كما قام بالتنازل عن ورقة السلاح النووي او التطور النووي السلمي، مقابل فك الحصار الذي تحمله نجاد صابراً. وحصلت إيران بهذا على تسهيلات محدودة ومهددة، لبيع النفط ووعود بالإفراج عن بعض المبالغ المحتجزة. وكان بإمكان نجاد لو أراد ان يبيع هذه الأوراق أيضا ويظهر بمظهر من حقق "إصلاحا" اقتصاديا، لكن ضميره منعه من هذه المتاجرة.

ورغم كل ذلك فقد فشل روحاني في إدارة الشئون الاقتصادية في البلاد، فازداد التضخم رغم التنازلات وهبطت الرواتب خاصة بالنسبة للفقراء، كما ان العقوبات مازالت قائمة ولم تلتزم أمريكا والغرب ببنود الاتفاق، فحرموا روحاني من استثمار ذلك انتخابيا. وباختصار، ان روحاني خسر أوراق إيران دون ان يحصل على شيء.

ما الذي يدل عليه استبعاد نجاد؟

لقد تحمل مجلس صيانة الدستور مسؤولية هذا العمل الذي سيكلفه كثيراً من سمعته بلا شك. وتخشى إيران من ردة فعل شعبية على هذا القرار حيث تحسبت السلطة لتظاهرات مؤيديه. كذلك حاولت السلطة تغيير سياق ديمقراطي بمنع بث المناظرات السياسية على الهواء مباشرة، ثم تراجعت.

فليس من السهل ان تستخدم هذا الحق الغريب للمجلس. فهو يعني بالضبط أن للمجلس الحق بمنع الشعب الإيراني من انتخاب من يراه مناسباً له. وفي حالة احمدي نجاد فالمشكلة كبيرة جدا. فأحمدي نجاد قد حصل في آخر انتخابات له على ما يقارب ثلثي أصوات الناخبين! وهي نسبة ساحقة لا يمكن تجاوزها. إن هذا يعني ان النظام الديمقراطي الإيراني يتيح لسبعة اشخاص (من 12)، ودون ان يقدم المجلس او المعارضون أي سبب او مبرر للرفض، أو حتى ان يعرف أحد من هم هؤلاء (في التصويت السري)، منع ثلثي الشعب الإيراني من حكم بلدهم كما يريدون وبمن يريدون.

لقد شمل الاستبعاد كل من نجاد ومساعده "بقائي" وهذا يعني ان المنع لا يتعلق بأحمدي نجاد لشخصه، وإنما لنوع النظام الذي أسسه في فترتي حكمه، ورغم المادة الثالثة من الدستور الإيراني، والتي تنص على "إسهام عامة الناس في تقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي." (1)

وقد تميز حكم نجاد بالتواضع والعمل الجاد من اجل العدالة الاجتماعية إلى درجة لم يعرفها مسؤول في الشرق الأوسط. وكانت سياسته الخارجية سعيا متواصلا للم الشمل في العالم الثالث والإسلامي بشكل خاص، بوجه التسلط الأمريكي الإسرائيلي. وقد تعرض الرجل بسبب ذلك إلى حملة إعلامية دولية رهيبة لتشويه سمعته حتى بترجمة أقواله في الأمم المتحدة بشكل محرف!

أما في الداخل فقد واجه اثرياء التجار لوحده. وقد وضع الرئيس نجاد على الطاولة جرداً بممتلكاته عند استلامه الرئاسة وكانت عبارة عن بيت صغير في أحد أحياء طهران الفقيرة  وسيارة بيجو موديل 1977 رغم انه تنسم منصب رئيس بلدية طهران، والذي لو أستلمه لص من التجار "الإصلاحيين"، لجعل منه تجارته الكبرى. واشترط نجاد على كل وزير يتعين لديه أن يقدم كشفاً بممتلكاته، وألا يخرج من الوزارة أغنى مما دخلها! ورغم كل ذلك فقد سارعت مجموعة روحاني الى محاولة ترتيب اتهامات اختلاس ضد نجاد وبقائي فور وصولها الى السلطة، لكنها فشلت في تقديم أي دليل.

كان نجاد يعلم أن التجار المتلحفين بالدين سيعملون جهدهم على منعه، لكنه لم يتوقع ان ينجحوا، فقد قال بنفسه بأنه لا يوجد أي سبب أو حجة لرفض طلبه للترشيح. لكن مجلس صيانة الدستور لم يكن بحاجة إلى حجة او سبب كما يبدو. فالمعايير المعروفة في تقييم المترشحين، صحة العقيدة الإسلامية والولاء لنظام الجمهورية الإسلامية، وكذلك قبول مبدأ ولاية الفقيه، والذي يبدو وكأنه وضع خشية صعود الأحزاب اليسارية، فتحول اليوم إلى سلاح بيد الأثرياء لمنع أي مرشح يضايقهم.

ورث نجاد من سلفته "الإصلاحيين" رفسنجاني وخاتمي، نظاماً إقصادياً شديد الفساد، فرض عليه صراعاً مريراً. فنسمعه يقول: "لقد بذلنا جهدنا من اجل نظام للضريبة يعمل بالحاسبات من اجل تسجيل الدخل لكل مواطن ونحسب الضرائب على أساس ذلك, لكن كلما حاولنا أن نطبق النظام، ترتفع الأيادي معترضة عليه."

كذلك صارع نجاد المصارف وبضمنها الحكومية واتهمها بأنها تقدم قروضاً مشكوك بصحتها إلى بعض الشخصيات المحددة، بينما يعاني المواطنون الإيرانيون العاديون، وأشار إلى أن الحكومة سعت إلى وضع القواعد لمنع التلاعبات المصرفية والفساد، لكن كان هناك اعتراضات وتم إلغاء القواعد.

على إثر ذلك انتفض رجال الدين وتجارهم. وبلا حياء كان المحتال لاريجاني يصرخ: "العدالة لا تتطلب توزيع الأموال.. توزيع الأموال يضر بالعدالة.." أما أية الله محمد رضا مهدوي كاني فدعا صراحة رجال الدين أن "لا يخافوا من رجل واحد". وساند الدكتور حسين تبريزي  إلغاء الدعم عن المواد الأولية، دون شرط وقال غاضباً: " يجب أن نتحرك في جميع المجالات نحو لبرلة الاقتصاد. الحكومة الحالية (حكومة نجاد) تتجرأ على القول بأنها لا تؤمن بمبادئ حرية السوق!" (6)

لا أحد يجادل في نزاهة وعدالة احمدي نجاد ولا في إيمانه بالنظام والجمهورية الإسلامية الإيرانية والله، لكن يبدو أن "الإيمان بمبادئ السوق" قد تفوق اخيراً على الإيمان بالله، وعوقب من تجرأ على "الكفر" به، بالاستبعاد وبواسطة فقهاء الدين وقضاة مجلس صيانة الدستور وأثبت المال مرة أخرى أنه الأقوى من الضمير.

رغم كل هذا فإيران مازالت في تقديري تحمل الكثير من الأمل، فالصراع في داخلها بين الصدق وبين المال لم ينته بعد. لكن قدوم "المعتدلين" وهي كلمة يعرفها العرب ككلمة معيبة تعني التبعية لأميركا وإسرائيل وخيانة الشعب، و"الإصلاحيين" التي تعني مخربي الاقتصاد وتحويل الثروات الى المستثمرين الأثرياء وإفقار الشعب، كان خسارة كبيرة. وقد لاحظنا بالفعل بعض الظواهر المقلقة في الموقف الإيراني في العراق، لعل آخرها وقوف السفارة الإيرانية بجانب السفارة الأمريكية في ذلك الموقف المخزي من معتصمي البرلمان. لا ثقة بالتجار، ولا ثقة ابدا بحكومة التجار، خاصة عندما ترتدي العمائم. واليوم يأتي منع نجاد وما يرمز له، كضربة جديدة لآمال شعوب هذه المنطقة في التحرر من سلطة الاستعمار وسلطة المال الفاسدتين.

 

صائب خليل

....................

(1) الدستور الإيراني، الفصل الأول: الأصول العامة

http://www.eslam.de/arab/manuskript_arab/verfassung_iri/kapitel01.htm

مقالات أخرى للكاتب حول احمدي نجاد كتبت بعد انقضاء فترة حكمه.

(2) صائب خليل: اليساري نجاد وداعاً 1- صديق شعبه

http://almothaqaf.com/index.php/qadaya/75833.html

(3) اليساري نجاد وداعاً 2- سياسته الخارجية – لم الشمل الإقليمي

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/533337530056654

(4) اليساري نجاد، وداعاً 3- الحرب النفسية والتشهير

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/534155919974815

 

تعليقات (2)

  1. صالح الرزوق

تحية لروح الأستاذ صائب على هذا التحمس لنجاد.
لكن أعتقد أن إيرلن لديها كزتدر كثيرة. مثل نجاد. و فترتان كافيتان لاستنزاف قدرة شخص بعينه على التطور و العطاء. و إفساح الفرصة لغيره مسألة تفيد عجلة التغيير و تمتع إيران من العودة إلى الخلف. حتى أخطاء الحركة للأمام تفيد أكثر من صواب التفكير بالماضي الذهبي.
فأية عودة لا تهلو من تجميد الخيارات المفتوحة على عالم واسع و متجدد.
و لم أكن يوما أرتاح لفكرة الذي تعرفه أحسن من الذي تتعرف عليه. فالمجهول هو القادر على فتح ابواب الاختراع و التطوير.
طبعا أنا لا أجادل و لا أعارض و إنما أدلي بوجهة نظر في بلد يحدد مسارنا إلى حد كبير من سنوات.

 
  1. صالح الرزوق

و أود أن أؤيدك أن لا ثقة بمن يتاجر بالسياسة و العاطفة الوطنية. و هذه الشريحة هيب أردأ شريحة في كل حكومتنا العتيدة. كل من يجلس على الكرسي مدهوما برواتب و حسابات سرية تمر من تحت الطاولة يورط جماعته و يهرب في اللخظة الأخيرة. و أنا أعاني من هؤلاء شخصيا.
رؤوس الأموال االتي لا يكون استثمارها بإدارة جماعية تصب في جيوب المرتزقة. سولء بعلمهم أو دون علمهم. و ألأنانية المفرطة في الإدارة ستكون السبب في محو بلداننا من على الخارطة كما حصل ببني أمية و العباسيين و أمراء الطوائف في الأندلس.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-20 04:23:16.