المثقف - آراء

الإنتخابات.. قطوف دانية في جنة البرلمان

amar talalقال إمرؤ القيس: "دنت الساعة وإنشق القمر.. ومضى مني غزال ونفر" متغزلاً في شعره، بهيفاء فارعة الجمال.. مرهفة الحسن، إفترضها منذ قرون.. خيالاً شعرياً حققه مجلس النواب العراقي، الذي يتحلى أعضاؤه بفقه الآية الكريمة: "ولهم فيها ما يدّعون" رفاه مطلق لا حدود لنسبيته... أحلام المرشحين مهما جمحت الى عنان السماء، يمكنهم جعلها واقعاً يعيشونه بهجة ويعيشه الشعب ضيما، ولا يبالون.. كلاهما لا يبالي.. لا النواب يعنون بشقاء الشعب، ولا الشعب يثأر لضيمه ممن بددوا ثرواته جالسين تحت القبة الموقرة.. كلها موقرة حتى حمّاماتها، بفيئها الذهبي.

المرشحون إذا فازوا، يتنصبون نواباُ عن أحلامهم، يتابعون شؤون أهدافهم الشخصية؛ التي تزحم وقتهم وجهدهم بأطماع وفساد لا يكتفي بتدريع نفسه إتقاء طائلة القانون؛ إنما يعمل على ترصين متسعاته وتدمير بنية النزاهة.. يشظيها جذاذات صخر وحطام حجر.

الإنتخابات تجري لإختيار المبشرين بالبهجة.. بهجة تفوق الوعي والعقل والثقافة والتصور، لنواب العراق.. بعد إنتهاء المدة النيابية.. موضعين.. الأول في كتاب جينيس للأرقام القياسية، عن (أكبر راتب يتقاضاه عاطل) والثاني في جهنم!

لا وقت ولا مزاج، عندهم لينوبوا عن الشعب، في السعي لتحقيق تطلعاته، نحو حياة مثلى؛ ما أدى الى قطع العلاقة بينهم والشعب، بشكل رحبوا به؛ كي لا تقلقهم الشكوى منهم إليهم، قطيعة ريفت المدينة، ملحقة بها الخراب الحضاري الذي يتعذر رأب تصدعاته، بعد أن تقوضت الثقافة وحلت العشائرية والطائفية والفساد ولغة التهديد القابل للتحول الى إجراء ميداني!

فمن السهل على الريف، تحويل المدن الى حواضن مغتصبة.. ترعاه، إنطلاقاً من هشاشة المدنية المخترقة من قبل الريفيين، الذين كسوا عظام المدينة بتخلفهم.. شوارعها والأزقة والأسواق و...

(2)

تتوزع السلطة بين رؤوس الأموال والعسكر ورجال الدين، وغالباً كل هؤلاء ريفيون، قدموا الى المدينة مبهورين، لكنهم تحايلوا على إنبهارهم بمداهمة الأجزاء الهشة فيها، خلال وقت فالت من حسابات الزمن، مثل الأزمات الإقتصادية والثورات والحروب والتغييرات الإجتماعية الحادة؛ إذ يسارعون الى ركوب الموجة، وتسيد الموقف مخططين له بدهاء مدروس؛ فثمة شرائح وفئات وطبقات، تمتلك وسائل إنتاج فطرية، تتضافر مع إكتسابهم عقلانية المدينة..

الحوادث التاريخية المهولة، تترك فراغاً، تسده الفئات المتربصة بالدولة، كالثورة البلشفية، التي قادها لينين في العام 1917، ضد الحكم القيصري وأحل الشيوعية بديلاً... حتى 1992.

فالمسحوقون مهيؤون لسد الشواغر، يإنشاء سلطة مطلقة على بنية الدولة، ظاهرين بمظهر الأبطال الذين سدوا شاغراً، لكن في الحقيقة، يكونون قد حوروا في فراغ السلطة ليتسع مستوعباً تطلعاتهم، فيصبحون هم المدينة مريفين القرار الرسمي.

الريفيون تربعوا على ناصية الحياة الأكاديمية، بإستحصالهم شهادات جامعية عليا وتملكهم مصانع ومزارع ومتاجر كبرى، مكنتهم من التحكم بمجريات الحياة المدينية، التي أشرقوا عليها ولم يغربوا إلا وهم أسياد قدرٍ أرادهم عبيداً فلم يخضعوا له؛ بإرادة ماسية الصلابة..

(3)

ولأن حروب السلطة مقدسة؛ فإن ما يقدم عليه العسكر ورؤوس الأموال ورجال الدين، لا يحسب حماقات حروب تدمر المنتصر بنفس القدر من الأضرار التي تلحقها بالمهزوم، ولا مغامرات إقتصادية.. تأكل ما يدخر يوسف من حنطة وشعير خلال السنوات العجاف.. تبدده ببناء قصور فارهة، وسط شعب يتضور جوعاً، ولا فتاوى تشعل فتيل الحروب الأهلية الماحقة.

وتحت لافتة القدسية؛ يبجل المجتمع حروب السلطة.. لا يجرؤ على قول "حماقة" لمرتكبها الريفي أو رجل المال أو الدين ويخشى بطش العسكري.

يندرج قلم التاريخ تحت هيمنة السلطة! يدونها على أنها فتح وليس جهل أمي تفرعن.. لا راد لمزاجه الأهوج، بعد تصفية الشخصيات التأملية، التي يمكن أن تكشف زخم إندفاع المجازفة... فينظر الجميع بعين النفاق المجامل، لمدينة تتهاوى!

وأبرز التطبيقات هو التغييرات الوظيفية والإجراءات التي يقدم عليها الطغاة، ملحقة الأضرار.. خراباً فظيعاً، لكنها تعد منجزات، في حين تنشئ جيلاً متشبعاً بثقافة القتال، دأباً على لعبة المشاطرة التي تسفر عن تحقيق رفاه شخصي خلاف القانون الرسمي والعرف الإجتماعي والتعاليم الدينية.

حينها تتوازن المعادلة على أساس: سلطة ريفية فاسدة، تنزه آثامها بفتاوى رجال الدين وبطش العسكر؛ فحروب السلطة ملزمة... تحاط بجوق إعلام يعبئ الإرادة الشعبية، بمصادرتها قهراً كي يرصدها لدعم معركة ليس للشعب والبلاد ناقة فيها ولا جمل؛ لأن الحروب لا رابح فيها؛ إنما هي خسارة مطلقة، ينتفع منها نواب وصلوا للمجلس؛ جراء غفلة الناخب.

(4)

وهذه الشقشقة تجيش كلما إقتربت الإنتخابات النيابية، التي يجب على الشعب أن يدرك كل ما ورد، في الفقرات الثلاث أعلاه؛ قبل الإقدام على المشاركة في الإنتخابات، مستعرضاً ما تجلت به المدة الإنتخابية الماضية، مما يمكن تسجيله منجزاً حقيقياً، داخل بلد تشظى صدام حسين فيه، متوزعاً بين نوابه، الذين يستقيم سلوكهم عند إقتراب الإنتخابات، متنكرين لطروحاتهم بعدها؛ فالمرشحون إذا فازوا، يتنصبون نواباُ عن أحلامهم، يتابعون شؤون أهدافهم الشخصية؛ التي تزحم وقتهم وجهدهم بأطماع وفساد لا يكتفي بتدريع نفسه إتقاء طائلة القانون؛ إنما يعمل على ترصين متسعاته وتدمير بنية النزاهة..  مستفيداً من تشظيتها، يمارسون نوعاً من قطيعة ريفت المدينة، مقوضة الثقافة الحضارية لتحل العشائرية والطائفية والفساد ولغة التهديد؛ جراء ما تشبعت به الأجيال من حروب وحصار وعقوبات دولية وإرهاب، من دون أن تنشأ منظمات تعنى منهجياً بتأهيل الشباب لحياة السلام والبناء الإيجابي، للذات وإسقاطاتها الإجتماعية، فالعراق الآن مثل يوم القيامة، كل يصيح: "ياروحي" و"الطايح رايح".

 

عمار طلال -  مدير عام مجموعة السومرية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-20 04:15:36.