المثقف - آراء

الاستعمار الجديد للمنطقة بدأت فصوله تتضح

نشهد اليوم تحولا جذريا في الخريطة الديموغرافية العالمية مع ظهور التقلبات السياسية والأزمات الاقتصادية التي بدأت تشهدها الدول العربية والإسلامية على السواء، ولا أدري لماذا لا يصدق الناس عندما نقول إن هناك مخططا أو مؤامرة على العالم الإسلامي ويعتبرون ذلك ضربا من الخيال أو الوهم، ومع ظهور منافقين ومتحايلين في عالمنا فلا نستبعد أن يكون هؤلاء متضامنين مع المشروع الامبريالي الصهيوني لتفتيت المنطقة ونهب ثرواتها وقتل مثقفيها وتهجير أهلها واللعب على نغمة الحرية والكرامة.

فالوضع يزداد تأزما يوما بعد يوم بعد الخطاب الترامبي المشهور في الرياض، ولم يعد خافيا على أحد أن ترامب يبتز الدول العربية الواحدة تلو الأخرى حسب قدراتها المالية ووضعها السياسي في المنطقة، وكل المؤشرات تدل أن المنطقة مقبلة على صراعات جديدة لم تكن في الحسبان ولم يتوقعها أحد من الناس، وكل الدلائل تؤكد أن المخطط الامبريالي الصهيوني في المنطقة يسير حسب المخطط له، وما تقوم به القوى الكبرى يؤشر على استعمار جديد قد تشهده المنطقة في القريب العاجل بعد أن يتم تدمير البلاد عن آخرها، والدخول إليها بدعوى طرد الإرهاب وإيجاد حل سلمي، استعمار قد يختلف في الشكل ولكن جوهره واحد وهدفه واحد وهو الاستفادة الكبرى من الثروات.

على أن هذه القوى الامبريالية والصهيونية تمارس سياسة اللعب على الحبلين في تعاملها مع الواقع الدولي والأحداث السياسية الجارية، وسيثبت التاريخ يوما هذه الوقائع الخطيرة والسياسات الملتوية والنفاق السياسي الذي كانت تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية في علاقاتها الاستراتيجية كما تزعم مع الدول العربية، ولن تحالف هذه الدولة العظمى إلا من كانت لها معها  مصلحة عظيمة سواء من خلال محاربة شعبها أو إنهاكها ماديا عبر صفقات أسلحة مدمرة للدولة والمنطقة، ولا سياسة لها إلا سياسة المصالح، وهذا ما وقع فعلا في أزمة قطر الدولة التي تعيش اليوم حصارا اقتصاديا وسياسيا خانقا من جاراتها وما كان ذلك ليحصل لولا هذه السياسة التي  ذكرتها والاستعمار الذي بدأ يدب في صفوف الدول العربية والإسلامية.

كل الأنظمة الحالية لا تعجب أمريكا، فهي في نظرها أنظمة لا تخدم أمريكا وبالتالي لا بد من وضعها تحت المراقبة ومحاولة زعزعة استقرارها عبر موجة من القرارات ربما تكون سياسية بداية لإثارة النعرات الداخلية وزعزعة الأمن الداخلي وقد ينتهي الأمر بتدخل عسكري مدمر كما حدث في كثير من الدول العربية ولعل اليمن أكبر شاهد في المنطقة على تكسير الدول بعضها بعضا ولحقت بها دولة قطر لتكون أسيرة قرارات سياسية اعتباطية تعاقب شعبا بل شعوبا بأكملها.

وفي ظل هذا التشرذم العربي الواضح والمؤسف حقا يقف في الجهة المقابلة أعداء الأمة يتربصون بنا الدوائر، فهذه الدولة الصهيونة المغتصبة تفعل ما تشاء اليوم في القدس الشريف، وتحمي كلابها المستوطنين من أي أذى بحراسة مشددة الذين يجوبون أروقة بيت المقدس دون رادع ولا وازع، وهم يحاولون أن يستغلوا هذه الفرصة العظيمة لنشر مخططاتهم الدنيئة، بناء على أوهام تاريخية لا أساس لها من الصحة، وفعلا تستفيد إسرائيل من الصراع العربي العربي بشكل جيد عبر تحركاتها المشبوهة لهدم القدس الشريف وزيادة الاستيطان في المنطقة دون رادع يردعها ودون حراك من المسلمين المنشغلين بقضاياهم الداخلية التي أحدثها الأمريكيون والصهاينة المجرمون.

وعندما نتحدث عن علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية إنما نتحدث عن أمرين في سياسة التعامل مع الدولة العظمى في المنطقة من قبل الدول العربية والإسلامية فإما أن تكون الدول العربية تعيش وهما وتلهث وراء سراب وعندما تحين الحقيقة يتفاجأ العرب بالوجه الحقيقي لهذه السياسة الامبريالية وإما أن تستخدم هذه الدول سياسة التقية مع الدولة الكبرى في العالم حتى تقي شرها، وفي كلتا الحالتين لا يسلم أغلبها من بطشها لأن الدولة التي لا تركع لأحد وينبغي للآخرين أن يركعوا لها وهذا ما حدث بالضبط في القمة الإسلامية عندما هرول الجميع لاستقبال السيد ترامب.

 

فوزي بن يونس بن حديد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-17 04:01:40.