المثقف - آراء

مصادر تسليح داعش.. تقرير صحيفة الأحد الفرنسية بقلم غيوم داسكيه

في حي ويدينك للاجئين في برلين، تمكث العديد من العائلات القادمة من الشرق الأوسط. وفي زاوية أحد الشوارع، في بناية شيدت في سنوات السبعينات، يوجد عدد من المنشقين السوريين عن القوات السورية النظامية، مجتمعين في يوم الإثنين المصادف 19 حزيران 2017 في أحد الشقق، توجد خارطة لسورية معلقة على أحد الجدران وصور عن مواقع أثرية سورية ملصقة بالسكوتش اللاصق والتلفزيون يبث أخبار من القنوات الفضائية العربية . وحول الطاولة اجتمعنا بهؤلاء العسكريين السابقين الثلاثة الذين تم تهريبهم إلى ألمانيا وهم: منتصر درويش جنرال سابق في القوة الجوية السورية، محمد القاسم أحد قادة الجيش الحر المنشق عن الجيش السوري النظامي عن المنطقة الجنوبية للبلاد، ومحمود سعودي رئيس سابق لمديرية الأمن لمدينة حماه. ثلاثتهم يعرفون نظام بشار الأسد جيداً من الداخل ويتمنون بقوة رحيل الرئيس السوري وبنفس الوقت هزيمة أو اندحار تنظيم داعش الإرهابي ــ الدولة الإسلامية في العراق والشام ــ وفي الوقت الحاضر تشن قوات سوريا الديموقراطية الكوردية ــ العربية هجوماً كاسحاً لتحرير مدينة الرقة من قبضة داعش. وفي سياق الحديث تناول الثلاثة الأزمة بين العربية السعودية وقطر حيث تتهم الأولى رسمياً خصمها القطري بأنها زودت وجهزت وربما سلحت منظمة الدولة الإسلامية . انطلقت ضحكات من الحاضرين رامين الدولتين و استراتيجيتهما بنفس السخرية . فالأسلحة التي عثر عليها في ساحات المعركة هي كالكتب المفتوحة وتروي حكايات وقصص محفورة أو مكتوبة على الفولاذ يتعذر محوها والتي تناقض وتدحض الرواية الرسمية التبسيطية وتكشف عن صيغة أخرى أكثر تعقيداً، وهي هنا أكثر إحراجاً للعربية السعودية. فمنذ شهور تخسر جحافل داعش الأراضي وتنسحب من القصبات والقرى . وفي عجالة انسحابها يتخلى المقاتلون عن الكثير من صناديق الذخيرة الثقيلة التي لا يقوون على حملها معهم ويستحيل نقلها وهم في انسحابهم الطاريء والعاجل .

مخابيء مرتجلة:

 ففي العراق وسوريا عثرت قوات حماية الشعب الكردي في سوريا وقوات مكافحة الإرهاب التابعة لحكومة بغداد على مخابيء مرتجلة وأقبية وكاراجات ومطابخ مليئة بالعتاد والذخيرة والأسلحة . الجمهور يجهل بأن هناك علامات، فكل بندقية هجوم وجهاز إطلاق صواريخ محمول أو عبوات وقنابل تمتلك رقم تسلسلي محفور في المعدن المصنع منه يدل على مكان التصنيع، أي أن هناك نوع من التوقيع المنسوب لجهة، مليء بالمعلومات والدلالات. ولإنطاق هذا الحامض الأميني ADN لتلك المعدات والأسلحة، أرسل الخبراء إلى أرض المعركة رغم تطور المعارك وتراكم كميات الأسلحة والذخائر والمعدات التي هجرتها الجماعة الجهادية . وتمكن هؤلاء الخبراء في التجهيزات العسكرية والبالستيكية من تشخيص دقيق لتلك الأسلحة والمعدات العسكرية وتقويمها وفرزها لإعادة رسم مسارها واستجواب مصنعيها والحكومات في البلدان التي أنتجت فيها تلك الأسلحة والهدف هو معرفة أفضل بداعش وكشف أسرارها وعمليات تهريب الأسلحة التي تصل إليها والتي بفضلها ازدهرت هذه المنظمة الإرهابية على الصعيد العسكري إلى درجة أتاحت لها المقاومة لأمد طويل وإفشال هجمات قوات التحالف الدولية ضدها.

منذ تموز 2014، تغذي شركة الأبحاث عن أسلحة المعارك Conflict Armmament Research، قاعدة بيانات متخصصة حيث يتم أرشفة ووضع فيشات عن أية أسلحة استخدمت من قبل الدولة الإسلامية داعش وهذه القاعدة تسمى تتبع الأثر i Trace والتي تم تأسيسها بمبادرة وطلب من الاتحاد الأوروبي ويهتم جيمس بيفن James Bevan المؤسس لــ Conflict Armmament Research، على نحو خاص بالظروف التي من خلالها مررت تلك الأسلحة إلى العدو الداعشي ويعمل معه ستة عشر خبير بالستيكي يجوبون أرجاء العراق وسوريا وليبيا وخلال ثلاث سنوات درسوا وأرشفوا حوالي 75000 قطعة سلاح تعود للإرهابيين.

ترسانة حديثة:

كان تشخيصهم في كل مكان متماثل وواحد، وهو إن جزء من الترسانة يعود لسنوات الثمانينات لفترة الحرب العراقية الإيرانية، والأكثر إثارة للدهشة هو أن جنود هذه المنظمة الإرهابية يتعاملون مع معدات متطورة وذات كفاءة عالية أنتجت بين 2004 و 2015 من قبل صناعيين متخصصين في الدفاع مقيمين في البلقان. وعند تحرير مدينة الموصل بالتدريج أوضح الجنرال يحيى رسول المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع العراقية لصحيفة الأحد الفرنسية أن القوات الخاصة العراقية لم تنته بعد من وضع قوائم للأسلحة التي أستحوذ عليها من تنظيم داعش منذ بدء المعارك. وفي غضون ذلك هناك كميات كبيرة من الأسلحة من مختلف الأصول والمصادر، كما أكد الجنرال رسول مؤكداً : إن من بين تلك المصادر اتضح أنها أسلحة مصنعة حديثاً في المدينة المحررة نفسها ولقد أشار صحافي من قناة الميادين اللبنانية إلى وجود أسلحة صالحة للإستخدام وبحالة جيدة جاءت من أوروبا الوسطى عثر عليها في البنايات والبيوت المهجورة منذ وقت قصير.

وعلى بعد 3000 كلم من الموصول، في ليبيا حيث تتراجع فلول داعش وتنسحب لم تختلف المشاهدات والملاحظات المشار إليها أعلاه. مساعدوا الجنرال عبد الرازق ندوري قائد القوات الحكومية في طبرق يؤكدون أنهم عثروا على ذات الشيء ونفس الاكتشافات خاصة إبان المعارك لتحرير بنغازي. ومع الوقت تنكشف أجهزة الموت أمام الخبراء وحسب معطيات قاعدة بيانات i Trace، بالقرب من مدينة بكر في العراق كان جنود الخلافة الداعشية يستخدمون صواريخ وقاذفات مضادة للدروع والدبابات من طراز PG-7VM، ومن المؤكد أن تلك القذائف والصواربخ الحديثة قادرة على اختراق هيكل العربات المدرعة التابعة لقوات التحالف وهي من إنتاج عام 2010 في بلغاريا على بعد 250كلم من صوفيا العاصمة. ولقد سمحت أرقام التسلسل التصنيعي numéro de série الوصول إلى مصنع الإنتاج لمجموعة التصنيع العسكرية JSCo بالقرب من مدينة كازانلاك kazanlak.

وفي محيط مدينة تكريت العراقية كشفت الأسلحة التي تخلت عنها داعش وتركتها في مكانها عن وجود كميات من الرصاص المصنوع في صربيا. وتشهد على أنها جاءت من الشركة الصربية برفي بارتيزان Prvi Partizan AD المتواجدة في أوزيك Uzice الواقعة على بعد 200 جنوب بلغراد وصنعت في العام 2009 . وإن هذه الذخيرة من طراز 7.62x 54مللمR، تم تصميمها إبان حقبة الاتحاد السوفيتي، استخدمها القناصة بسبب طول مداها ويمكنها تعبئة مخازن الرشاشات بينما صادرت قوات التحالف الدولي كميات كبيرة من رشاشات AK-47 وهو السلاح الأكثر انتشاراً في العالم حيث كانت منذ عقود طويلة شركة مجموعة كلاشنيكوف هي جهة التصنيع منذ العام 1947 وتوقفت عن انتاجها إلا أن هناك العديد من الشركات التي تقوم بتقليدها وتصنيعها من جديد وفق نفس المواصفات باقتراح نماذج معدلة و محسنة عنها . بعض هذه الرشاشات الهجومية التي صودرت من مقاتلي داعش خاصة في شمال العراق تم تجميعها وتصنيعها في ورشات JSCo الشركة البلغارية وذلك سنة 2004 . ولقد التمست جريدة يوم الأحد الفرنسية من المسؤول عن الشركة هريستو إيبوشيف Hristo Ibouchev الحصول على معلومات وتفسيرات، وهو مقاول وتاجر تأهل في معهد HEC في الضواحي الباريسية، إلا أنه رفض إعطاء جواب بيد أن أحد كوادره صرح لجريدة يوم الأحد الفرنسية أنه اعتاد على تلبية طلبات كثيرة وكبيرة لصالح الرياض وإنه كان يرسل الشحنات إلى العربية السعودية رسمياً حتى لو لم يكن هناك أحد يشك أو يخدع نفسه بالجهة الحقيقية التي ترسل إليها تلك الأسلحة وهي بالطبع داعش.

صفقات سعودية:

إن وجود هذه المعدات العسكرية الحديثة بين أيدي إرهابيي داعش لم يثر دهشة الخبراء . فالشركة البريطانية "خدمات الأبحاث التسليحية Armament Research Service" تستخدم خبراء في المعدات الحربية وتقوم بمهمات في هذا المجال لصالح الأمم المتحدة أو منظمة العفو الدولية ويشهد مديرها نيس جنزين جونس Nic Jenzen Jonesعلى استخدام داعش لأسلحة حديثة مصنعة في أوروبا الوسطى . وغالباً ما تصل تلك الأسلحة إلى حدود مناطق الحرب تلبية لصفقات موقعة بين الشركات البلقانية وممثلين عن المملكة العربية السعودية في الغالبية الساحقة لتلك الصفقات ولكن على نطاق أضيق يكون الوسطاء قادمين من قطر.

إن حجم الصفقات وهذا النوع من التجارة في بلدان أوروبا الشرقية تأخذ أبعاداً ومستويات مثيرة للقلق. في البوسنة والهرسك اهتم صحافيون في موقع منظمة التحقيقات في مشاريع الجريمة والفساد Site Organized Crime and Corruption Reporting Project وكانوا أول من تعمق في مثل هذه الأنشطة التي تديرها الرياض وتتعلق بتصنيع معدات وأسلحة ذات مواصفات تتطابق مع أسلحة حلف وارشو مثل رشاشات AK-47. لم يسبق للأنظمة الملكية في الخليج ولم تعتد في السابق أن تتمون من هذه البلدان وتختار هذا النوع من الأسلحة فالقطعات العسكرية النظامية في العربية السعودية وقطر تتمرن وتتمون وفق أنظمة تسليحية مختلفة تماماً وعلى نمط غربي ووفق مواصفات حلف الناتو الأطلسي ولقد نشر محققوا سراييفو على موقعهم الرسمي وصل استلام موقع من وزارة الدفاع السعودية بتاريخ 28 آيار مايو 2013 الذي يصادق على استلام عدة أطنان من هذه الأسلحة المصنعة في صربيا حيث نلاحظ نقل أكثر من مليوني خرطوشة رصاص من طراز 7.62x 54مللمR مماثلة لتلك التي استخدمها قناصة داعش بالقرب من تكريت العراقية.

وبالنسبة للمنظمات المكلفة بمراقبة نقل الأسلحة على الصعيد العالمي، فإن مضاعفة صفقات الأسلحة بين أوروبا الشرقية ودول الخليج تشير إلى توجه عميق. وفي 6 آذار مارس في بروكسيل نشر مجلس الإتحاد الأوروبي جداوله الاعتيادية عن صادرات المعدات الحربية بالنسبة لكل عضو في الاتحاد الأوروبي، وبسبب الفترة الزمنية اللازمة لتأكيد الأرقام الواردة، فإن هذه الوثيقة ذات الــ 505 صفحة، توفر معطيات صالحة لغاية 2015 فقط. مع إمكانية التعميم وعند قراءتها نلاحظ بخصوص الفصل عن بلغاريا ارتفاعاً مشهوداً لمبيعات الأسلحة لدول الخليج وعلى رأسها العربية السعودية فطلبات الرياض من صوفيا في هذا المجال بلغت عام 2013 الــ 1.2 مليون يورو وقفزت إلى 85 مليون يورو عام 2014 و إلى 92 مليون يورو عام 2015. بمعدل ارتفاع بلغ 7.500%خلال ثلاث سنوات فيما يتعلق بالتبادلات بين بلغاريا والعربية السعودية فقط والمشتريات تخص الأسلحة الخفيفة، بنادق هجومية ذات المدى الطويل وأجهزة إطلاق القنابل اليدوية وإطلاق الصواريخ والقذائف الشخصية المحمولة . وعلى العموم، بين 2014 و 2015 سجلت وزارة الدفاع البلغارية نمواً في طلبات شراء الأسلحة بمعدل 59% ارتباطاً بالمعارك الدائرة في العراق وسوريا وفي نفس الفترة فإن صربيا التي هي ليست عضواً في مجموع الاتحاد الأوروبي، لم تصرح بما لديها من معطيات وإحصائيات دقيقة بهذا الصدد إلا أن سلطات بلغراد اعترفت بانتعاش وتنامي معدل مشتريات الرياض لهذا النوع من الأسلحة عبر 35 عقد شراء أو صفقات تسليح لعام 2015.

دائرة ثانوية:

إن هذه الصفقات تتوافق مع المنطق السياسي الذي سنته واشنطن. ففي عام 2009، قام عسكري أمريكي كبير سابق وسفير للولايات المتحدة الأمريكية في بلغاريا، وهو جيمس بارديو James Pardew، بالتنسيق لدى حلف الناتو، حلف شمال الأطلسي، من أجل برامج مساعدة للعراق. في تلك الفترة اقترح العودة والاستعانة بالشركات البلغارية من أجل تجهيز الميليشيات التي ترعاها قوات التحالف الدولي. وفي برقية دبلوماسية سرية كشفتها ويكيليكس، دعى إلى استغلال ترسانة السلاح في شركة JSCo ونقل لحكومته أرقام تلفونات مكاتب الشركة للاتصال المباشر بها " لأن الشركة معروفة بإنتاج الرشاشات الهجومية من طراز كلاشنيكوف" كما كتب السفير الأمريكي نصاً .

إثر ذلك قامت أنظمة الخليج النفطية بتقديم طلبات شراء هائلة من بلغاريا ودول البلقان منفذة هذه التوصية الأمريكية. إلا أن امتلاك مقاتلي داعش لهذه الأسلحة القادمة من صفقات بين دول الخليج والدول المصنعة يثير تساؤلات عن الجهة التي أشتريت من أجلها وتوزيعها في ساحات المعارك ومتابعتها لغاية وصولها إلى المناطق الحدودية الأقرب إلى تركيا والأردن والسعودية حيث نقلت منها مباشرة إلى أيدي عصابات داعش. ومن خلال المواجهات ونصب المكائد والسرقات على الحدود التركية، والاستيلاء على أسلحة عراقية من ترسانة القوات العراقية المنسحبة أو من الميليشيات الشيعية، يمكننا أن نستنتج أن هذه المعدات العسكرية وقعت بين الأيادي السيئة أو الشريرة بحكم الفوضى السائدة في المنطقة. ولكن بالنسبة لشحنات أخرى هناك سيناريوهات أخرى . فلقد أكد جيمس بيفان أن خبراؤه المتواجدون في الساحة نجحوا في العثور على عدد كبير من الوثائق المزورة كلما تعلق الأمر بمنتجات صنعت بعد سنوات الـــ 2000 " لقد بدأنا برؤية أشياء غريبة قبل حوالي سنتين مع أسلحة حديثة مصدرها أوروبا الوسطى واشترتها وكالات سعودية " لذلك استبعد الخبير أنها نقلت عن طريق الخطأ أو أنها غنائم حرب أستحوذ عليها ضربة بضربة " فالمدة الزمنية قصيرة جداً والكميات هائلة، ولذلك دلالة أنها محددة الهدف منذ لحظة مغادرتها مخازن أوروبا الوسطى حيث صنعت، ولغاية وصولها إلى من تمكن من تشخيصها على الأرض بعد أن وقعت بين أيدي مقاتلي داعش" . وفي برلين في ضاحية ويلدينغ حيث يقيم العسكريين السوريين المقربين من الجيش السوري الحر لم يستغربوا ذلك. فلقد شهد محمد القاسم شخصياً على عمليات تسليم لتلك الأسلحة على طريق الحدود التي تربط بين الأردن وسوريا وصولاً إلى منطقة الغوطة بالقرب من دمشق، واستبعد احتمال وجود مسؤولية مباشرة للعائلة السعودية المالكة، لكن رفاقه عارضوه وقالوا أنه في قمة الدولة السعودية في الحلقة الأولى للسلطة يوجد أناس يريدون فعلاً سحق داعش وذلك واضح وجلي، ولكن بالمقابل هناك تحتهم يوجد مصادر دعم من جانب بعض العشائر وبعض الأثرياء ورجال الأعمال السعوديين الأغنياء يعتبرون هؤلاء الجهاديين بمثابة أشقاء ويتدخلون لمساعدتهم وإرسال المعونات والأموال لهم. هكذا لخصوا ببضعة كلمات هذه المفارقة فيما يتعلق بالتهم الموجهة للعربية السعودية وقطر بمساعدة الإرهابيين.

هذين البلدين هما الوحيدين اللذين ينتميان للمذهب الوهابي ذو الصيغة القديمة المتخلفة للإسلام الذي يدعون طهوريته ويتبنيان تطبيقاً حرفياً جافاً وجامداً للشريعة انتشر في شبه الجزيرة العربية عن طريق رجل دين متشدد ومتطرف في القرن الثامن عشر هو محمد بن عبد الوهاب . ولكن منذ العام 2013 بزغت منظمة ذات طروحات ومطامح دولتية أعلنت انتمائها للمذهب الوهابي وهي داعش ملوحة بخطر حدوث انشقاق داخل هذا الفرع أو المذهب في الإسلام الراديكالي. وفي مقابلة متلفزة بثت في يناير 2016 اعترف عادل الكلباني، وهو رجل دين سعودي وإمام جامع الملك خالد في الرياض، اعترف بضرورة القيام بمراجعة الوعي قائلاً :" لقد حدد هؤلاء الإرهابيون آيديولوجيتهم انطلاقاً مما هو مكتوب ومدون في كتبنا ومبادئنا " ولقد جاءت تلك التصريحات بعد أيام من صدور العدد 13 مجلة منظمة داعش الإرهابية المعنونة " دابق" وهي أداة الدعاية الإعلامية الداعشية والتي دعت الوهابيين للانقضاض على العائلة المالكة السعودية مما يثير افتتان بعض زعماء العشائر وبعض الشخصيات النافذة في عالم الأعمال المنتقدين للعائلة الحاكمة، وعلى أرض المعركة، فإن هذا التمييز والتوضيح هو الذي يفسر كيف قيض لمجموعات جهادية مثل جبهة فتح الشام المكونة من عناصر القاعدة السابقين أن تحصل على كميات من الأسلحة الحديثة قبل أن يلتحق الكثير من عناصرها بتنظيم الدولة الإسلامية داعش حتى بات هذا التنظيم أفضل تجهيزاً وتسليحاً من تشكيلات الجيش السوري الحر أو العناصر المسلحة الكوردية في قوات حماية الشعب الكوردي YPG،المتحالفة مع الغربيين على أرض المعركة.

الخفة الأمريكية:

إبان الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية في خريف 2016، كشفت القرصنة على حساب الرسائل الإلكترونية لهيلاري كلينتون عن إيميلات تمت فيها الإشارة علنا وبلهجة الإدانة لتلك المصادفات. وفي ملاحظة شخصية خاصة مكرسة للوضع في الشرق الأوسط كتب جون بوديستاHohn Podesta، الرئيس السابق لمكتب أو كابينة بيل كلينتون، ومستشار سابق لباراك أوباما في البيت الأبيض، مخاطباً وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون :" نحن بحاجة لاستخدام دبلوماسيتنا وكذلك الطرق والإمكانيات الأكثر كلاسيكية لأجهزة المخابرات لممارسة ضغوط على العربية السعودية وقطر المستمرتان بتقديم العون والدعم المالي واللوجستيكي للدولة الإسلامية داعش".

وفي واشنطن، في 16 حزيران، غداة الإعلان عن الصفقات الهائلة بحوالي 400 مليار دولار التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الملك السعودي في الرياض وقبل أيام قلائل من توجيه الرياض للتهم ضد قطر برعايتها ودعمها للإرهاب قدمت مديرية الأبحاث في الكونغرس الأمريكي تقريراً بــ 42 صفحة عن الحليف السعودي . مستشهدةً بمصادر دبلوماسية أمريكية، أشار كاتب التقرير أنه بالرغم من الجهود الجادة للعائلة المالكة السعودية فإن العربية السعودية ما زالت تحتضن شخصيات وكيانات تقوم بتقديم المعونات المالية للمجموعات المتطرفة السنية" .

لكن المملكة السعودية ليست الوحيدة المعنية بهذه التهم. فمن خلال دورها كقائدة للأوركسترا التي تقود عمليات التحالف الدولي ضد داعش، أثبت وزارة الدفاع الأمريكية ذاتها أنها مذنبة بتصرفها بخفة . فخلال استجواب برلماني أجري في 25 آيار مايو قد جذب انتباه النواب بشأن عدم جدية و لا معقولية المساعدة العسكرية المقدمة للعراقيين والأكراد خلال السنتين الميزانيتين 2015 و 2016 حيث أنفق البنتاغون، وزارة الدفاع، مبلغ 2.3 مليار دولار بهذا العنوان أو المجال التي وافق عليها مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس والحال أن أغلب المعدات العسكرية المكتسبة أو الممنوحة ما يزال مجهولاً طريقة تسليمها وتوزيعها على الميدان في أرض المعركة في العراق وكوردستان. ولهذا الغرض تم وضع موقع على الويب خلق لهذا الغرض وهو scportal.us حيث الولوج إليه محدود، لكنه وضع تحت تصرف المنتخبين وممثلي الشعب الأمريكي في مجلسي النواب والشيوخ لكي يتاح لهؤلاء امتلاك رؤية واضحة بشأن عمليات نقل وتسليم الأسلحة، ولكن بدون نتائج مرضية. ولقد اعتذر المسئولون عن العمليات في العراق في البنتاغون متذرعين بتعقيد استخدام قاعدة أو منصة الانترنيت واعترفوا بجدية عالية بما يواجهونه من صعوبة في فهم طريقة علمية هذه الوسيلة.

 

ترجمة د. جواد بشارة

الأحد 9 تموز 2017

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-08-11 04:19:12.