jawdat hoshyar2لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا، إن الأدب الكلاسيكي الروسي، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة العالمية . فهو يحتوي على عدد كبير من الروائع الأدبية، التي لا زالت تحتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي . وهذه حقيقة يعترف بها كل متذوق للأدب الرفيع، أتيح له الدخول الى العالم الساحر لعمالقة الأدب الروسي، عالم  العواطف الجياشة والمصائر التراجيدية، الزاخر بالقيم الإنسانية، والأخلاقية، والروحية المشتركة بين البشر، بصرف النظر عن العرق والدين والثقافة، لذا فهي مفهومة وممتعة لجميع محبي الأدب الحقيقي في العالم حتى يومنا هذا .

عندما اطلع القاريء الغربي على الأدب الروسي الكلاسيكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقع في عشق هذا الأدب. ولم يمض وقت طويل حتى شرع نقاد الأدب في أوربا ومن ثم في أميركا، يتناولونه بالبحث والدراسة، وأخذ عدد كبير من الكتاب الغربيين يتعلمون منه تقنيات الكتابة .

كان  القرن الماضي، قرن الأدب الروسي الكلاسيكي  في الرواية،والقصة،والمسرح، والسينما. قرن تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف، ولم يستطع أي أدب  قومي، او وطني في ابعد زاوية من عالمنا الفسيح، أن يتجنب تأثير هذا الأدب الملهم، الذي ترجمت روائعه الى أكثر من (170) لغة من لغات العالم مرات عديدة، وصدرت في طبعات متلاحقة، وحولت الى افلام سينمائية ناجحة في هوليود وفي بقية انحاء العالم. ويكفي ان نقول ان السينما العالمية أنتجت ( 234 ) فيلماً، مستوحاة من قصص ومسرحيات أنطون تشيخوف، منذ ظهور السبنما الصامتة وحتى اليوم .

الأدب الكلاسيكي الروسي، هو أدب " الموضوعات الأزلية "، فقد حاول الكتّاب الروس الإجابة عن أسئلة الوجود الأساسية : معنى الحياة، وطبيعة الإنسان، والخير والشر،  ووجود الخالق . وحاول كل منهم الأجابة عن تلك الأسئلة بطريقته الخاصة، وتجسيد البطل النموذجي لزمانه .

لن نستطيع أن نفهم روسيا، وكيف وبماذا يفكر الروس، من دون أن نقرأ لهؤلاء ولغيرهم من كبار الكتّاب الروس . حقاً لقد تغيّرالواقع السياسي، والأقتصادي، والأجتماعي، والثقافي في روسيا كثيراً منذ ذلك الحين، نتيجة للأحداث العاصفة،التي شهدتها خلال تأريخها الحديث، ولكن (الروح الروسية) بقيت تقريباً كما كانت في العصر الذهبي للأدب الروسي في القرن التاسع عشر .لأن تغيير الأنسان أصعب من تغيير الواقع المادي .

الإنسان – أي إنسان -  لا يتغير، الا ببطأ شديد . فقد أخفق البلاشفة في خلق انسان سوفيتي وفق مقاييسهم القيمية طوال (73) عاما من التلقين الأيديولوجي . ولن نفهم روسيا اليوم، ولا الروح الروسية، الا بالرجوع الى الأدب الروسي الكلاسيكي، وهذا صحيح الى حد كبير بالنسبة الى بقية شعوب العالم، فالأدب الحقيقي يعكس العالم الروحي لأي شعب وثقافته .

كان الأدب الروسي هو المعبر الحقيقي عن الواقع الروسي، وعن تطلعات الجماهير وطموحاتهم وآمالهم . وعن أفكار العصر التقدمية، ولعب دوراً اساسياً في تشكيل وعي جمعي  يناهض الظلم، ويسعى الى الحرية والعدالة الإجتماعية . وهو الذي هيأ المناخ العام للثورتين الروسيتين في شباط، واكتوبر 1917) . ولعل ابلغ دليل على ذلك هو أن زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين، كتب قبل ثورة اكتوبر أربع مقالات عن أدب وآراء ليف تولستوي، ودوره المؤثر في الأدب الروسي والعالمي، وفي تنوير وإستنهاض المجتمع الروسي، وبضمنها مقاله الشهير تحت عنوان " تولستوي كمرآة للثورة الروسية ". وكثیرا ما كان لينين يھاجم خصومه عن طريق مقارنتھم بشخصیات غیر محبوبة وأحیانا ھامشیة استمدھا من الأدب الروسي .

كان الكتّاب الروس دوما معلمي الشعب، و" مهندسي الروح البشرية ". وكانت أعمالهم الأدبية بمثابة غذاء فكري وروحي للنخب الثقافية . ولما كانت المعارضة السياسية، وكل وسائل التعبيرعن الرأي، تقمع بشدة في ظل الأنظمة الروسية المتعاقبة، فإن الأدب أصبح المتنفس الوحيد للمثقفين. ولعل هذا الدور العظيم الذي نهض به الأدب الروسي هو الذي دفع تلك الأنظمة الى توظيف الأدب كسلاح سياسي لخدمة مصالحها وأهدافها .

 كان القياصرة الروس وحكام الكرملين قراءاً نهمين للأعمال الأدبية – ليس لأنهم كانوا من هواة القراءة – بل من اجل فرز الأعمال ( المضرة ) بالنظام القائم - من وجهة نظرهم - عن تلك التي يمكن توظيفها لترسيخ وتعزيز هيمنتهم على السلطة . وحاولوا تحويل الادب الى اداة سياسية قوية، وسنرى في الفقرات اللاحقة كيف جرى التوظيف السياسي لأهم الأعمال الأدبية الروسية الكلاسيكية .

القيصر رقيباً على شعر بوشكين

لم يكن أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين ( 1799 - 1837 ) على وفاق مع السلطة القيصرية، بسبب تأييده لأنتفاضة ( 14 ) ديسمبر 1825، التي ّ تحدت تنصیب القیصر نیكولاي الأول . ومارس هذا الأخير شخصيا، بعد توليه السلطة دور الرقيب على نتاجات بوشكين، ومنع نشر بعضها . وعانى الشاعر من النفي والتضييق . ويقال ان السلطة كانت وراء مصرعه في مبارزة خطط لها القصر الإمبراطوري بذكاء للتخلص منه.

النظام السوفيتي ثمّن عالياً قصائد بوشكين، التي تغنى فيها بالحرية والعدالة، منتقداً النظام القيصري : " أيها الحاكم المتغطرس أكرهك وأكره عرشك " وتأييده للديسمبريين (ثوار انتفاضة ديسمبر 1825)، كما أشاد البلاشفة بملحمته الشعرية الرومانسية " غافريليادا" التي كتبها الشاعر في عام 1821، عندما كان في ريعان الشباب، وهي محاكاة ساخرة ولطيفة لبعض الأحداث الواردة في الكتاب المقدس حول (حواء وآدم ) و(السيدة العذراء)، وفيها مقاطع إيروتيكية رائعة عن الحب والجمال الأنثوي . وكان هدف النظام السوفيتي من هذه الإشادة هو الإيحاء للقاريء بأن بوشكين كان ملحداً، وهذا تفسير مغرض لهذه الملحمة البديعة بصورها الأخاذة، وطابعها المرح اللطيف، حيث تتجلى فيها عبقرية بوشكين المبكرة . أما قصائده الوطنية، التي يمجّد فيها روسيا القيصرية مثل قصيدة " الى المفترين على روسيا " و قصيدة " رجاء المجد والخير " فكان النظام السوفيتي يزعم ان الشاعر قد كتبها تحت ضغط الرقابة القيصرية .

وفي عهد بوتين نجد  تقييماً  يناقضً تماماً، التقييم السوفيتي للمنجز الشعري لبوشكين،حيث يرى النظام الحالي ان قصائد بوشكين الوطنية، التي مجّد فيها روسيا العظيمة،هي انجازاته الشعرية الحقيقية . أما مناداته بالحرية والعدالة، والدفاع عن الثوار الديسمبريين، وعن المضطهدين في روسيا والعالم، ومحاكاته للكتاب المقدس، فهي في نظر النظام الحالي، من طيش الشباب، ومن أخطاء الشاعر الفظيعة. ويزعمون ان الشاعر نفسه قد ندم على كتابتها .

القيصر ليف تولستوي

كتب الكاتب والناشر أليكسي سوفورين (1834 – 1912)  في دفتر يومياته بتأريخ 29 أيار 1902  يقول "  لدينا قيصران : نيكولاي الثاني، وليف تولستوي . أيهما أقوى؟ . إن نيكولاي الثاني، لا يستطيع ان يهز عرش تولستوي، ولا أن بفعل شيئاً ضده، في حين أن تولستوي قادر بكل تأكيد على هز عرش نيكولاي وسلالته . انهم يلعنون تولستوي . والسينود، أي (المجلس المسكوني) غاضب عليه . ولكن بوسع  تولستوي ان يرد عليهم بمنشور سرعان ما يتلقفه الناس في روسيا، وينشر في الصحف الأجنبية . جربوا ! من يستطيع أن يمس تولستوي بشعرة ؟

ان التأثير الطاغي لعملاق الأدب الروسي، لم يقتصر على الشرائح المتنورة في المجتمع، بل شمل معظم افراده . حتى الفلاح البسيط ، الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، كان يعرف ان تولستوي كاتب عظيم ومصلح اجتماعي مهيب .

كانت علاقة تولستوي بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية سيئة . وكان يقول أن " ان الدين نبع ماء صاف، ولكن رجال الدين يلوثونه، ثم يقولون للناس تعالوا أشربوا من هذا الماء " .

كشف تولستوي زيف رجال الدين، والكنيسة، التي اتهمها بعدم مناصرتها للفقراء والوقوف مع القياصرة والظلم . فكفرته الكنيسة وأبعدتهُ عنها وأعلنت حرمانهُ من رعايتها عام 1901 .

وبطبيعة الحال فإن السلطة السوفيتية اعتبرت هذه العلاقة السيئة أمرأً ايجابياً . اما اليوم فأن نظام بوتين – المتحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية - يرى عكس ذلك تماماً، ويعد موقف تولستوي من الكنيسة أمراً سلبياً للغاية . ولعل ابلغ دليل على محاولة بوتين التقرب من الكنيسة، هو ان الدولة تجاهلت الذكرى المئوية لوفاة تولستوي (1910 – 2010) انصياعاً لموقف البطريكية الأرثوذكسية، التي رفضت عودة تولستوي اليها، رغم اعترافها بعبقريته .

دوستويفسكي بين ستالين وبوتين

كان ستالين قارئاً نهماً، ويقال أن مكتبته الشخصية في الكرملين كانت تضم نحو (30) ألف كتاب، ومكتبته في بيته الريفي نحو (10) آلاف كتاب في شتى حقول المعرفة، بينها أهم الأعمال الأدبية الكلاسيكية الروسية والعالمية . وكان يردد غالباً اقتباسات من نصوص الكتاب والشعراء الروس العمالقة، ولكنه لم يكن بوسعه أن يغفر لدوستويفسكي رواية " الشياطين ". وهي رواية صدرت عام 1872، وترجمها سامي الدروبي الى العربية نقلاً عن اللغة الفرنسية في الستينات من القرن الماضي، تحت إسم "الموسومون ". ويشير الاسم إلى السياسيين المهوسين بالعنف، ويشبههم الكاتب بالذين أصابهم مسٌ شيطاني

تعد " الموسومون " من أفضل الروايات السياسية،التى تتناول علاقة التنظيمات الثورية المعارضة بالطبقة الاستقراطية الحاكمة في الإمبراطورية الروسية، حيث يصور فيها دوستويفسكي بعمق  سايكولوجي لا نظير له، مدى توغل الأفكار اليسارية في المجتمع الروسي، والصراع المرير بين طبقات الشعب. رواية تدين سفك الدم، وإحراق المنازل من اجل احداث التغيير . وتسخر من المعارضة والليبراليين . وتعد هذه الرواية نبؤة تستشرف سلبيات الثورة البلشفية قبلَ وقوعها، ولهذا مُنعت الرواية وصودرت في الإتحاد السوفيتي ودول المعسكر الأشتراكي .وقد حاول البلاشفة بكل السبل، التعتيم على عظمة دوستويفسكي، وعدم اعادة نشر هذه الرواية والعديد من اعماله الادبية الأخرى .

كما منع البلاشفة نشر ( يومياتب الكاتب )، التي تتضمن هجوماً عنيفاً على الراديكالية الثورية . ولقيت رواية دوستويفسكي " مذكرات من البيت الميت "، إنتقاداً شديداً، لأن المعتقلات القيصرية كان يذكّر القراء بالمعتقلات السوفيتية . 

كان مما يقلق دوستويفسكي، الألحاد والاباحية والانحلال، لذا كان مؤلف " الجريمة والعقاب " يعد رجعيا في نظر الحزب الحاكم،ومصيره التجاهل والاهمال . وكانت التهم الموجهة اليه، هي : التشاؤم، الموقف العدائي من الثورة ، اللاعقلانية، والتدين . وهي الاسباب ذاتها التي تجعل من دوستويفسكي اليوم الكاتب المفضل لدى بوتين .

ان " الجريمة والعقاب " و العبيط " و" الشياطين " و" الأخوة كارامازوف " ليست مجرد روايات، بل مؤشرات على ما يمكن أن يحدث لروسيا اذا لم تعد الى جذورها، الى ما قبل عهد بطرس الأكبر .

التوظيف السياسي لآفكار دوستويفسكي

لا تمتلك روسيا البوتينية أيديولوحية عالمية مغرية وجاذبة، كالتي كان الأتحاد السوفيتي يواجه بها الغرب الرأسمالي، لذا فإنها تستعين بأفكار وآراء عدد من الكتّاب والفلاسفة الروس، التي يمكن استخدامها لغايات سياسية .

يبدو بوتين أمام الكاميرات وفي لقاءاته مع الكتاب والشعراء الروس – على النقيض من ستالين - مفتونا بدوستويفسكي، ويحاول استغلال رواية " الموسومون " في محاربة المعارضة، الليبرالية منها واليسارية على حد سواء، وضمان تأييد الناخبين الروس الذين ما زال أغلبهم يبجلون عمالقة الأدب الكلاسيكي .

وهذا الأفتتان الظاهري بدوستويفسكي، هو الذي جعل الساسة والصحفيين في الغرب يعتقدون ان فلاديمير بوتين يؤمن بأفكار دوستويفسكي . ولكننا نرى أن الأمر مجرد استغلال لبعض جوانب أعمال هذا الكاتب العظيم لخدمة النظام الحالي في روسيا، وهي الجوانب ذاتها التي إنتقدها النظام السوفيتي . حيث كان الكاتب العظيم يعتقد ان لروسيا رسالة سامية، وهي تحرير الشعوب السلافية، وتوحيدها بزعامة روسيا . بوتين يحاول اليوم تحقيق هذا الهدف بمعونة الكنيسة الأرثوذكسية، وبالترويج لبعض آراء وأفكار دوستويفسكي، التي تنسجم مع سعي بوتين من اجل استعادة روسيا لدورها كدولة عظمي في العالم .

خلال الحرب الروسية التركية (1877- 1878 )، أكد دوستويفسكي أن الحرب قد تكون ضرورية، إذا كان من وراءها الحرية والخلاص. وأعرَب عن أمله في استعادة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية.

. و ذكر دوستويفسكي في مُذكَراته،أن الشعب والقيصر يجب أن يكونا صفّاً واحداً: "بالنسبة للشعب، القيصَر ليس سلطة خارجيّة، أو سُلطة لبعض الناس ... بل هو قوّة وسلطة للجميع، ولتوحيد جميع الناس ".

ان ما يجذب بوتين في دوستويفسكي ليس العمق السايكولوجي لروايات الكاتب العظيم، بل إفتتانه بدوستويفسكي البيزنطي، الذي طوّر في" الأخوة كارامازوف " وجهة نظر التصوف الأرثوذكسي، الذي يحلم بانتصار الكنيسة، والقضاء على الالحاد الثوري، الذي يهدد دور ونفوذ الكنيسة في المجتمع .

ذات مرة وفي اجتماع عقده الرئيس بوتين مع محافظي الأقاليم في الإتحاد الروسي، أوصاهم بضرورة قراءة روايات دوستويفسكي . وقال : " عليكم بتصفح كتابات دوستويفسكي حول العامل الافرو آسيوي في السياسة الروسية، فهي ممتعة للغاية، وكأنها كتبت اليوم . "وقد تبدو هذه النصيحة غريبة للغاية . ما علاقة مضامين تلك الروايات – التي كتبت قبل حوالي قرن ونصف - بإدارة الأقاليم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ . لقد كان لدوستويفسكي حسساسية بالغة ازاء التيارات الليبرالية والعدمية التي اجتاحت الثقافة الروسية والغربية، ونصيحة بوتين دعوة صريحة لعدم التسامح مع مثل هذه التيارات في ايامنا هذه .

لا يشير بوتين الى تولستوي لا نادراً، ويركز على أقوال دوستويفسكي، الذي كان يؤمن بالتفوق الروسي . وهذ يناقض تماماً اعتقاد تولستوي بعالمية التجربة الأنسانية، بغض النظر عن القومية، والثقافة، والدين . بوتين اختار دوستويفسكي، الذي كان يعتبر روسيا أكثر الدول المتطورة روحياً  . ولا يقتصر تركيز بوتين على أفكار دوستويفسكي، بل غالباً ما يشير في خطبه الى أقوال الفلاسفة الروس مثل سولوفيوف، وبيردايف، وخاصة ايلين، الذين وقعوا تحت تأثير أفكار دوستويفسكي القومية .

أما تولستوي فقد كان وطنياً أحب شعبه دون مغالاة،أو إحساس بتفوق الروس على الشعوب الأخرى  كما هو واضح في " الحرب والسلام". وآمن بأن لكل شعب من شعوب العالم ثقافته المتفردة.

جودت هوشيار

 

 

adnanhusan ahmadقبل أن نخوض في تفاصيل فيلم "تعالوا معًا" للمخرج الكوري الجنوبي  شين دونغ إيل لابد لنا من تقديم فكرة خاطفة عن الثيمات التي يحبِّذ المُخرج التعاطي معها في أفلامه الروائية الطويلة. فهو شغوف بمفهوم العلاقات العاطفية والاجتماعية، ويحاول جهد إمكانه أن يفلسف طبيعة هذه العلاقة سواء أكانت روحية أم جسدية، مستديمة أم عابرة، ولابد من ظهور طرف ثالث ليكتمل مثلث "الزوج، الزوجة، والعشيق". يركز "إيل" على ثيمة الهجرة إلى كوريا الجنوبية، ويرصد حجم المعاناة المروعة التي يعاني منها المهاجر الأجنبي من البلدان الفقيرة التي تحيط بكوريا الجنوبية كما في فيلم "صديقة" الذي يتمحور على علاقة حُب بين عامل بنغلاديشي مهاجر وطالبة كورية في المرحلة الثانوية من الدراسة، والصعوبات الكبيرة التي تعترض هذه العلاقة العاطفية التي يُفترَض أن تتسامى على الأعراق والقوميات والأديان . ثمة موضوعات مُفضّلة لديه مثل الصراع الطبقي، والخلاص، والتكفير وما إلى ذلك. أما فيلم"تعالوا معًا"، مَناط هذه الدراسة، فهو يتعاطى مع ثيمات عديدة أبرزها القلق، والسعي للنجاح في العمل، واللهاث وراء السعادة، وممارسة الحب خارج إطار العلاقة الزوجية، والحرية الشخصية للفتاة التي تريد أن تسكن لوحدها بعيدًا عن تأثيرات الوالدين وتوجيهاتهم.

تنتمي الأسرة في فيلم "تعالوا معًا" إلى الطبقة الوسطى في المجتمع الكوري الجنوبي حيث يعمل الأب في شركة منذ 18 عامًا لكنه فجأة يجد نفسه مطرودًا من العمل لأن الشركات الرأسمالية تبحث عن موظفين شباب ولا تجد ضيرًا في أن تتخلى عن موظفيها الكبار سنًّا حتى وإن كانوا يؤدون واجباتهم بشكل جيد الأمر الذي يضعنا فيه المخرج أمام ثيمة إشكالية جديدة مفادها "التمييز ضدّ كبار السن" فالشركات تبحث دائمًا عن موظفين حيويين أقوياء فلاغرابة أن يجد بوم كو "ليم هيونغ غوك"نفسه عاطلاً عن العمل يرتب المناشف، ويسخّن الأطعمة الجاهزة، ويعبث بالنباتات المنزلية، ويبدد معظم وقته في مشاهدة البرامج التلفازية. ونتيجة لتواجده المستمر في البيت تتضاعف مشاكله مع زوجته التي تحثه على ضرورة إيجاد عمل آخر، كما تزداد متابعته لابنته التي تخرج مع صديقاتها، وتجد لها عملاً في إحدى محلات الإكسسوارات النسائية.

يتشارك أفراد العائلة ثلاثتهم بنسب متوازية من القلق، فالأب العاطل عن العمل يشعر بالإهانة، ويتحسس من أي ملحوظة تبديها الزوجة، ولا تجد البنت هان- نا "تشي بِن" حرجًا في التذمر منه أو الشكوى من متابعته المتواصلة لها.

1436 adnanتتصاعد الأحداث دراميًا عند الشخصيات الثلاث، فالأم مِي يونغ "لي هاي أون" التي تبيع بطاقات الائتمان وتحاول أن تحقق أعلى نسبة مبيعات لمؤسستها تخفق في بعض المواقف حينما تأخذ منها موظفة أخرى زبونًا، وقد صادف أن تكون هذه الموظفة ثرية ولعلها لا تحتاج إلى راتبها الشهري في الأقل ولكنها تجد نفسها في العمل الذي تؤديه بغض النظر عن طبيعته. ثم تتراكم اخفاقات مِي يونغ وحينما يوبخها المدير غير مرة تقرر هي الأخرى أن تتخلى عن وظيفتها لتضع العائلة برمتها أمام موقف لا تُحسَد عليه، فمن الذي يتحمل تكاليف الطعام والشراب؟ ومن الذي سيدفع الفواتير الشهرية؟

على الرغم من وجود الأب في المنزل إلاّ أنه لم يتخلص من إزعاجات جاره الذي يسكن في الطابق الذي فوقه مباشرة ويحدث أصواتًا غريبة تؤرقه، وحينما يصعد إليه تتطور العلاقة بينهما، ويصبحان صديقين يخرجان معًا إلى الحانات الليلية وعندما يعود ثملاً إلى المنزل يحطم النباتات الظلية، ويلقي الأطعمة المحفوظة في الثلاجة في حاوية النفايات بحجة تلفها، ويظل يقظًا منتظرًا عودة ابنته الوحيدة "هان - نا" من الديسكو الليلي فيصفعها ليصل التوتر إلى ذروته ويدخلا في شجار عنيف لا تتورع فيه من شتمه.

يتصالح الأب مع ابنته وزوجته لأنهم جميعًا اقتنعوا بأن السعادة لا تتحقق عن طريق تسلّق السلّم الاجتماعي وإنما باتباع القناعات الشخصية، فمهما بذل الإنسان من جهود مضنية فإنه لن يحصل على أكثر من رزقه ونصيبه المقدّر له. فالأب الذي عمل بإخلاص لمدة 18 عامًا وجد نفسه عاطلاً عن العمل من دون إِشعار، والأم التي كانت تكدح ليل نهار قد قطعت بيدها باج العمل ورفضت بطاقة السفر إلى دولة أخرى كمكافأة لها بعد أن ماتت منافِستها الوحيدة في حادث سير مروع لتحل هي محلها. والبنت كانت تنتظر نتيجة القبول في الجامعة الكورية للسنة الثانية قد نجحت لكنها انهمكت في أمور حياتية أخرى، وودعت صديقتها التي رحلت إلى أميركا، وقد قررت الانتقال من شقة أبويها كي تعيش لوحدها، وتؤكد ذاتها بعيدًا عن سطوة الوالدين.

خرج الثلاثة يتنزهون بعد أن فقدوا وظائفهم لكنهم ظلوا يدردشون باسترخاء، فما إن يُغلق أحد الأبواب حتى تنفتح أبوابًا أخرى. في تلك اللحظة المسترخية بالذات يوافق الأب على انتقال ابنته في إشارة واضحة إلى حقها في حرية العيش والسكن كما يروق لها. وبينما هم يتنزهون تمطر السماء مدرارًا فيركضون جميعًا لكنهم يستسلمون في خاتمة المطاف للبلل ويتمددون على الطريق بينما كانت زخات المطر تغسل وجوههم وأجسادهم وكأنها تطّهرهم من دنس بعض المفاهيم الاجتماعية التي أسَرتْهم على مدى سنوات طوالا.

ربما يستشف المُشاهد من خلال ثيمة الفيلم أن المخرج وكاتب النص "هان جي سو" لا يحثّان الزوجين على العمل، وأنهما يضعان ثقتهما في الأقدار الغامضة التي ترسم مصائر الناس، ذلك لأن المخرج أراد لشخصياته جميعًا أن تكون عادية جدًا مثل أناس محلتهم أو الحي الذي يسكنون فيه، شخصيات بسيطة، متواضعة تقع في مآزق متعددة لكنها تبذل قصارى جهدها كي تجد حلاً لمعضلاتها الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وهذا هو بالضبط ما يفعله الإنسان العادي الذي يجد نفسه متورطًا في المحن والأزمات التي تفاجئه على حين غرّة.

لابد من الإشارة في خاتمة المقال إلى أن المُخرج شين دونغ إيل من مواليد سيئول عام 1968. درس أول الأمر اللغة الألمانية والأدب ثم سرعان ما انتقل لدراسة الإخراج في الأكاديمية الكورية للفنون السينمائية. أنجز "إيل" عددًا من الأفلام الروائية والقصيرة نذكر منها "صديقي وزوجته"، "لوكنت مكاني" و "المضيّف والضيف" و "تعالوا معًا" الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان تانت للقارات الثلاث. كما فاز فيلم "صديقي وزوجته" بجائزة أفضل مُخرج جديد في مهرجان سياتل السينمائي الدولي عام 2006. ومن المتوقع أن يحصل فيلم "تعالوا معًا" على العديد الجوائز في المهرجانات السينمائية العديدة التي يشارك فيها خصوصًا وأن أداء الشخصيات الرئيسة الثلاث مبهر جدًا، كما أن الرؤية الإخراجية عميقة مدروسة وتتوفر على جماليات متعددة في معالجة الأفكار والموضوعات الحساسة التي يعاني منها المجتمع الكوري الجنوبي على وجه التحديد.

حري بنا أن نشير أيضًا إلى أن هذا الفيلم قد عُرض مُؤخرًا ضمن برناج "السينما الآن" في الدورة الثانية عشرة لمهرجان الفيلم الكوري بلندن إلى جانب خمسة أفلام روائية مهمة أبرزها "محاربو الفجر" لجونغ يون شول، و "مدينة الجريمة" لكانغ يونغ سونغ، و "بين الفصول" للمُخرج لي دونغ أون. وقد شهدت الصالات السينمائية المخصصة لهذا المهرجان حضورًا كثيفًا على مدى أسبوعين كاملين قبل أن تنتقل أفلام المهرجان برمتها إلى خمسة مدن بريطانية وهي شَفيلد، ومانجستر، ونوتنغهام، وغلاسكو، وبلفاست.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

ahmad alkhozaiقسم الناقد سعيد يقطين النص السردي إلى (الأبنية الحكائية، أو المادة، وهي القصة، التركيب اللغوي وهو الخطاب، الوظيفة الدلالية وهي النص).. هذه الأبعاد الرئيسية نجدها حاضرة بحرفة ودراية، في رواية (الحلم العظيم) للروائي احمد خلف، والصادرة عن المدى 2009 غير إننا نلاحظ وجود بعدا رابعا، شكل رافدا مهما للنص، ولوعي القارئ للاستدلال على فحوى النص ومحوريته الدلالية، البعد الرابع هذا تخطى حدود الزمان والمكان والثيمة الرئيسية، في الكثير من محطات حضوره، حتى تحول إلى قطب رحى تدور حوله الجزء الأكبر من الأحداث، إضافة إلى التداعيات والرؤى، التي شكلت محورا انطلوجيا متقدما، سخر له احمد خلف بطلا مثقفا إشكالي، يحمل فكرا جدليا، كان الغرض من هذا الذهاب بالرواية نحو قصدية، هي (المفتاح لفهم العلاقة بين الوعي والوجود، بموضوعاته وموجوداته)، كما عبر عن ذلك ادموند هورسل .. كان الإطار العام للنص يحكي قصة شاب مثقف يكتب القصة القصيرة، الذي لم يجد لها سبيلا للنشر في الصحف والمجلات، يعيش فوضى اجتماعية ونفسية مصاحبة لوعي استثنائي، يرافقه شبق جنسي غير منضبط، يفسر طبيعة هذه الشخصية القلقة ومعالمها، هذه الرغبة الجنسية العارمة، دفعته إلى أن يصبح عشيقا لزوجة أب صديقه المقرب، وحبيا لأخت ذلك الصديق في نفس الوقت، وعشيقا لجارتهم الجميلة، هذا الجموح قاده إلى الوقوع بالمحظور، حين أقدم على قتل زوج جارتهم الجميلة، طمعا بها، وبأموال الزوج المغدور، التي يخفيها في مكان ما في داره، كما أخبرته الزوجة الخائنة.

كانت لغة السرد سهلة مرنة، تحتوي على بعض المصطلحات اللغوية الفخمة والموحية، أما لغة الحوار، فكانت تتداخل بين الفصحى التي طغت على النص، وبين بعض المفردات الشعبية التي تشير إلى طبيعة البيئة التي تدور فيها الأحداث (أزقة مدينتي الكاظمية والحرية)، في أواخر العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الماضي، كانت معظم الحوارات ذات طابع افتراضي تعكس المزاج العام للأبطال، لكنها لا تعكس المستوى الثقافي والبيئي لهم، فقد ظل الحوار يسير على وتيرة  لغوية واحدة، واعية هادفة ذات منحى تداولي قصدي، عدا بعض المفردات الشعبية التي اشرنا إليها سابقا، كان الغرض من هكذا حوارات هو خلق جوا من الإثارة والتشويق والترقب، إضافة إلى سعي الروائي للتأكيد على البعد الرابع من خلال هذه اللغة النخبوية الممسكة بأدوات السرد المتحكمة فيه.

رافق هذه اللغة إيقاع هادئ، حافظ على اتزانه مع تنامي البناء الهرمي للنص، حتى في أكثر أحداثه سرعة واحتداما، كما في مشهد قتل الزوج المغدور.. وتميز النص بقدرة احمد خلف على نقل الصورة وسيميائيتها، وذلك بتصوير متقن لحركة المشهد وشخوصه، مثل مشهد شراء البطل لجهاز الغرامافون وإدخاله إلى منزله، ووقع هذا الحدث على أفراد عائلته، وتأثرهم بما يصدر عنه من أغنيات، كلا حسب خلفيته النفسية، ومستواه الثقافي، ونظرته البسيطة لهذا التحول المفاجئ، وقد استمر تصوير هذا المشهد لثلاث صفحات متتالية.

إن المساحة التي تحرك فيها البعد الرابع للنص طغت على معظم حيثياته، وبناءة الأفقي والعمودي، وسخر له الروائي اغلب عناصر السرد لإيصال دلالته، وتجلى حضوره عبر نافذتين هما:

1- حركة البطل وأرائه وتصوراته الشخصية، عن الأحداث السياسية والاجتماعية الدائرة من حوله، فقد كان البطل أنموذجا للمثقف الستيني، الذي عاصر أهم التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية، التي مر بها العراق الحديث، وتأثر بالفلسفات الوجودية والمادية والجدلية التشكيكية، والأفكار التحررية القادمة من الغرب، والتي هيمنت على الفكر الإنساني آنذاك، واعتنقها معظم الشباب العراقي في تلك المرحلة، كما في حديث البطل مع نفسه في إحدى المشاهد الصامتة (أنا أفكر فانا موجود، ليس ديكارد أفضل مني حين يفكر جادا انه موجود، من خلال التفكير الذي يميزه عن الحيوان).. كان هذا البطل يعيش صراعا فكريا ونفسيا حادا، بين ما يمكن أن يمثله من قيم وأخلاقيات إنسانية سامية، من خلال ما يكتبه من نصوص قصصية، وبين حياته العبثية المنقسمة على نفسها، في فوضى العلائق المحرمة، وحب لا يجد له طريق، بين ركام الغرائز المحاط بها، لذا كانت الإشكالية الكبيرة التي يعانيها هي : عن ماذا يكتب؟ ولمن؟ وكيف؟ وهل يحق له الكتابة عن المثل العليا ؟ ..(عن أي شيء تريد الكتابة، ومن اجل من سوف تسود الصفحات الطوال؟ عن الحبيبة المستحيلة أم عن الزوجة الخائنة؟ وهل لك مقدرة على ترك مئات الناس الذين يتضورون من الجوع والآلام والاضطهاد أيضا؟ مع من سوف تقف؟).

كان هذا الصراع يتجسد في النص، عبر حوارات ومشاهد صامتة، ومنولوجات داخلية، يعيشها البطل بمعزل عن محيطه البيئي، في عملية بحث مضنية عن ذاته، جدوى وجوده، وماذا يريد، لتشكل هذه التداعيات ردة فعل سلبية لديه، عن حياته الفوضوية وواقعه الاجتماعي المزري، الذي ظل يبحث عن وسيلة ناجعة للخلاص منه ( واحسرتاه على أيامي الضائعة، في هذه الطرق المغبرة، والأزقة المليئة بالبرك الأسنة، بالمياه، والبيوت التي يكاد بعضها يتهدم ).. من خلال هذه الرؤى والتصورات، ساهم البطل في أن يضع القارئ في موقع يسمح له بان يطل على تلك المرحلة، إطلالة واعية ناضجة، عن الأفكار التي سادت تلك المرحلة، عن أهم رموزها، مثل ( ذكر أسماء الساسة في تلك المرحلة، وصف بغداد الستينيات، ذكر أهم الأحداث التي حصلت آنذاك)..لذا فان البعد الرابع الذي منحه احمد خلف للنص، كتقنية سردية متوارية، أعطى زخما له ومنحه بعدا واقعيا، لتصوير تلك المرحلة، بطريقة لا تجعل من القارئ يقف في منتصف الطريق، فالبطل كان يمتلك من النضوج الفكري والثقافي والجموح، ما مكنه من أن يصبح دليلا سياحيا لتلك الفترة من تاريخ العراق المعاصر، فلم يستثني مشرطه الذي يبحث عن الداء أي شيء، حتى العلائق الاجتماعية التي تختبئ وراء عادات تلك البيئة الاجتماعية المحافظة، تناولها بجرأة ووضوح، كاشفا عن الوجه الآخر لمجتمعه، فقد كانت الحلم العظيم رواية البطل الأوحد، على الرغم من وجود عدة أصوات أخرى، لكن تلك الأصوات كانت تقف في الظل، وقد سخر الروائي هذا البطل الإشكالي ليسلط الضوء عليها، وأوكل المهمة إليه في التعريف بها، بدلا من السارد العليم.

2- محورية مشهد قتل الزوج المغدور، هذا المشهد الذي تحول إلى خذروف رقصة صوفية يدور حول نفسه، وتدور من حوله معظم أحداث الرواية، وتتشظى وتتوازى وتشتبك، عبر قطوعات عدة في نفس المشهد الواحد، لتمثل تداخلا سرديا، وهي تقنية مقاربة لقصص ألف ليلة وليلة، التي استهل بها النص الروائي، لذا نجد أن هذه التقنية قد هيمنت على الوجه العام للرواية، منطلقة من مشهد يحمل دلالة محورية، وهو قتل الزوج المغدور على يد البطل (المؤلف)، والذي تكرر بصور متتالية على امتداد النص، وكان تكرارا ممدوحا، الغرض منه إبقاء القارئ في جو المشهد العام، ومنحه القدرة على الإمساك بأطراف النص، رافق هذا التكرار تنوع في وصف مشهد القتل، يصل حد الإطناب، للتأكيد على القصدية المرجوة منه، حسب تعريف سيبويه للإطناب (هو تكرار بقصد التأكيد على المعنى)..هذه المقاربة السردية مع التراث، كانت من خلال عملية تداخل بين المشاهد والصور، والخروج من المشهد المحوري، إلى مشاهد وأحداث أخرى ثانوية فرعية، تنبثق من تداعيات المشهد الآني، وفق نسق حكائي بعيد عن أجواء اللحظة الحرجة للمشهد الرئيسي ( قتل الزوج المغدور) .. لتتشكل صورة أخرى، تتعدى حدود مكان وزمان هذا الحدث المحوري، حتى تصل في بعض الأحيان إلى مناطق الأهوار، حيث كان يقاتل أصدقاء البطل اليساريون النظام آنذاك.

الحلم العظيم هي رواية الأسئلة المحيرة والمفتوحة على المجهول، وهذا الأسلوب قد اعتاد عليه احمد خلف في معظم نصوصه السابقة، فهو يعمد على إشراك القارئ بصورة فعلية في أن يجد حلول للإشكاليات التي يثيرها نصه، وفق نظرة حداثوية لبناء نصه الروائي، الذي يبقى مفتوحا إلى مديات تتجاوز إنهاء قراءته، لذا نجد أنفسنا كقراء، أمام أسئلة بحاجة إلى أجوبة بقدر أهميتها وهي:

هل كان الحلم العظيم، هو حلم البطل المؤلف بان يصبح كاتبا مشهورا يشار إليه بالبنان؟ وهناك مؤشرات تشير إلى هذا المنحى، وهو سعيه الدءوب الذي وظف له كل إمكانياته الفكرية والثقافية، ليصبح كاتبا مشهورا، حتى أطلق عليه الروائي اسم (المؤلف).. أم إن الحلم العظيم، هو ذلك الكابوس الذي رافق طيلة النص، واحتل معظم مساحته، وشكل بعدا رابعا له، حين أقدم البطل المؤلف على قتل زوج عشيقته، طمعا بماله المخبئ ؟ فهل كل ما حدث هو مجرد وهم، وحكاية من وحي ألف ليلة وليلة؟ كما في الحوار الذي دار بين البطل والزوجة الخائنة:

- ماذا تفعل لو كان الأمر كله مجرد حكاية ترويها لك امرأة مجنونة.

ضحك:  - وما الذي يجمعني بالمجانين؟

- لا اقصد مجنونة العقل . بل تهوى رواية الحكايات.

هذه التساؤلات جعلت من نهاية الرواية، تبدو عائمة مفتوحة نحو خواتيم حكائية أكثر اتساعا وتعقيدا، فقد مثلت الخاتمة بداية أخرى لحراك سياسي واجتماعي لا يختص بالبطل وحده، بل بالعراق بأكمله، كونها غضت الطرف عن الأحداث والمشاكل الاجتماعية الخاصة والشائكة التي خلفها البطل وراء ظهره، حين قرر الذهاب إلى معتقل مدينة الحلة، لرؤية أصدقاءه، ومعلمه الشاعر (مظفر النواب)، وبقيت جميعها معلقة وتتجه نهاياتها نحو المجهول، وأوكل احمد خلف للقارئ مهمة البحث عن مخارج منطقية لها (لم يتوصل إلى قرار حازم بشان كل شيء يدور من حوله، هنا في هذا المكان، أو هناك في مدينة الحرية).

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

ali alkhasimi4) صورة المدينة في الأدب العربيّ والآداب الغربيّة

 د. علي القاسمي

القرية والمدينة في التقاليد الأدبية

نشأت المدينة نتيجةَ نضال البشريّة من أجل السيطرة على الطبيعة والتحكُّم فيها، بوصفها ملاذاً للإنسان يجد فيه الطمأنينة والأمان. وتحمل المدينةُ، في مكوِّناتها وعمارتها، نظرةّ جديدة للكون والحياة والمجتمع والإنسان، وتنظيماً مُستحدَثاً للعلاقات بين هذه العناصر الأربعة، خاصة العلاقة بين الإنسان ومجتمعه.

وعندما نشأت المدينة، ظهرت إلى الوجود ثنائية القرية والمدينة، وبدأت علاقة جدليّة بين الإنسان المفكِّر والمدينة، يطبعها شعور هو مزيج من الرغبة والنفور، والحبّ والكره، والوصال والهجر. وحينما يغلب الشعور بكره المدينة على الإنسان المفكِّر، يحلم هذا الإنسان المبدع بمدينة أخرى تستجيب إلى تصوراته وطموحاته: مدينة أسطوريًة، أو مدينة طوباويًة، أو مدينة مسحورة. ولكنّ المدينة تبقى هي المدينة.

الشائعُ أنّ التقاليد الأدبيّة والفنيّة، عربيّة كانت أو غربيّة، تمجِّد القريةَ وتتغنى بطبيعتها الأخّاذة، على حين تنال من المدينة وتذمّ أحياءها الصناعية القذرة. فالريف في معظم الأعمال الشعريّة والنثريّة يمثّل منشأ الحياة البشريّة القريبة من الطبيعة حيث الهواء النقي، والمياه العذبة، والخضرة الشاسعة، والمناظر الخلابة، والعلاقات الإنسانيّة الحميمة؛ فالريف هو أصل الحكمة، وموطن البراءة، وواهب الصحة والجمال والسعادة.

وفي المقابل، يسلِّط جلُّ القصص والقصائد وبقية الأعمال الفنيّة الضوءَ على مساوئ المدينة المتمثِّلة أساساً في هوائها الملوُّث، وضوضائها المضرّة، وازدحامها بوسائط النقل، وإفرازها تشوّهات حضاريّة نتيجةَ الثورة الصناعيّة التي أرادت ربط الإنسان بالآلة في المصنع، وحاولت نزع أحاسيسه ومشاعره ليكون شبيهاً بالآلة في أدائها ودقّتها وسرعتها. ومن هنا طغت الماديّة على المدينة واضمحلّت فيها القيم الإنسانيّة (1).

وقد انعكست محبّة الكُتّاب للقرية وبُغضهم للمدينة على اللغة المُستعمَلة. ولا أدلّ على ذلك من الفرق الدلاليّ بين إيجابية النعت طبيعي" " " اصطناعيّ".وسلبيّة مقابله

ولكنْ، هنالك من المفكِّرين والأدباء مَن اشتهروا بحبّهم للمدينة وتفضيلها على القرية. فإذا كان الشاعر الرومانسيّ الإنجليزيّ وليم وردزورث لم يحتمل العيش في لندن وفضّل العودة إلى منتجعه في منطقة البحيرات الجميلة التي كانت تلهمه روائع أشعاره، فإنّ معاصره الأديب الإنجليزيّ الدكتور صموئيل جونسون، مصنّف أول معجم إنجليزيّ متكامل، اشتهر بعشقه الذي لا حدّ له لمدينة لندن، ونُقلت عنه مقولته " إذا ملّ الإنسان مدينة لندن، فقد ملّ الحياة"، لأن المدينة تستطيع أن تعطيك كلَّ ما يمكن للحياة إعطاؤه(22). ويشاركه في هذا الرأي في المدينة الفيلسوفُ الفرنسيّ فولتير . وفي الأدب العربيّ الحديث نجد الروائي نجيب محفوظ يعبِّر عن عشقه للقاهرة في روايته الثلاثية الشهيرة، وكذلك الروائي عبد الرحمن منيف الذي تجلّى حبّه للمدن في أعماله مثل روايته الثلاثية "أرض السواد"، التي أعلن فيها حبَّه لمدينة بغداد، وفي كتابه " سيرة مدينة " الذي خصّصه لمدينة عَمّان حيث ترعرع.

وتكمن محاسن المدينة في اتساعها وضخامتها, وقوّتها، وتنوّع أماكنها، وتخصّصها، وكثرة مواردها البشريّة والماديّة. وتؤدّي هذه المحاسن إلى شعور الإنسان بالحريّة المتمثِّلة في تعدد اختياراته، والتحرر والتخلُّص من القيود الاجتماعيّة التي تفرضها عليه القرية بسبب ضيقها، وعلاقاتها البشريّة الملتحمة، وتمسّكها بالأعراف والتقاليد.

بَيد أنّ هذه الحرّيّة التي تُعدّ حسنة المدينة هي، في الوقت ذاته، مصدر سيّئتها الأساسيّة التي يجسّدها الشعور بالعزلة والوحدة والغربة والضياع. فخصائص المدينة، من اتساع وضخامة وقسوة وجفاف ووتيرة عمل سريعة، تُضعِف العلاقات الإنسانيّة وتجعل كلَّ فرد منشغلاً بذاته عن الآخرين.

المدينة في نظر الكتّاب العرب والغربيين:

في هذه الورقة سنتناول نظرةَ بعض الكُتّاب العرب والغربيّين إلى المدينة، من خلال قصتين تحملان كلتاهما عنوان " المدينة"، أحداهما للكاتب الأمريكي الأشهر جون أبدايك (3) والأخرى للكاتب العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي (4).

قصة " المدينة " لجون أبدايك

تدور قصة " المدينة " لجون أبدايك (5) حول وكيلِ مبيعاتٍ لمصنعٍ متخصّص في الحواسيب الصغيرة وأنظمة معالجة المعلومات، اسمه كارسون، وهو في منتصف العمر ومطلّق من زوجته وله ابن يعيش في المكسيك وابنة أعلنت رسميّاً تخلّيها عن أبوته وسجّلت ذلك في المحكمة. يسافر كارسون بالطائرة إلى إحدى المدن لتسويق مبيعاته. وكان يجلس إلى جانبيه، في الطائرة، شابان من رجال الأعمال لكلّ منهما" شارب محدّد فوق فمه الشاحب المُطبَق ". "وعندما تريد أن تتبادل بضع كلمات معهما فإنك ستسمع أصواتاً لا تفهم منها شيئاً وتبدو كأنّها صادرة من صندوق صفيح أشبه ما يكون بأرخص أجهزة التلفزيون". وحينما كان كارسون في موقف سيارات الأجرة في مطار الوصول لم يرَ الشابين، " فقد ذابا في الزحام مع الكثيرين من أمثالهم من الشبان."

وقبل هبوط الطائرة، يشعر كارسون بمغصٍ معويّ، يحتمله بتجلُّد. وفي الفندق يزداد ألمه. ولعدم وجود مَن يساعده في جلب الدواء، ينزل كارسون إلى الصيدليّة لجلب الدواء. ولكن الألم يزداد تلك الليلة، فينصحه موظف الاستقبال في الفندق بالذهاب إلى عيادة الطوارئ في مستشفى المدينة. وهناك يتوجَّب عليه أن يمرّ بإجراءات طويلة ويملأ استمارات عديدة يثبت فيها قدرته الماليّة على تسديد مصاريف المستشفى. " وخطر له أنّ الإنسان قد يموت في المستشفى أثناء تلك الإجراءات البطيئة." وأخيراً فحصه طبيب شاب ولكنّه لم يكن متأكِّداً من تشخيص المرض. ولهذا أُخذت عَيِّنات من دمه لإجراء فحوص مختبريّة إضافيّة عليها. وكان على كارسون أن ينتظر في سريرٍ في غرفة يشغلها مريضان آخران، كانا "يئنان ويغنيان أغنيات لا لحن لها، وعندما يزورهما الأطباء ، كانا يتوسلان إليهم للسماح لهما بالخروج من المستشفى ويعِدان بأن يكونا مستقيمين من الآن فصاعداً" .

وبعد إجراء فحوصات متعدَّدة لكارسون من قِبَل أطباء مختلفين، استُدعي طبيب متخصص أُخرِج من حفلة خاصة. وقرّر هذا الطبيب إجراء عملية جراحيّة لإزالة الزائدة الدوديّة التي تحرّكت من موضعها. وأثناء العملية الجراحيّة، يحلم كارسون، وهو تحت التخدير، بأنّه حُشر في نفق مظلم. ثم وجد نفسه في غرفة عاديّة في المستشفى. "وكان إلى جانبه رجل قصير ذو وجه ضيق مُتكدِّر يستلقي في الفراش الذي بجانبه وهو يدخّن ويحدّق في جهاز التلفزيون."

وفي فترة النقاهة، نُقل كارسون إلى غرفة أخرى خاصة به وحده. " وكان يشعر بالسعادة الخالصة في هذا الجناح من المستشفى الذي يخلو من الناس إذ لا يراه ولا يعرفه أحد هناك."

وعندما انتهت فترة النقاهة وخرج كارسون من المستشفى " استقلّ سيّارة أجرة إلى المطار مباشرة، ولم يرَ من المدينة إلا معالمها التي لاحت له عن بُعد حين مرّ بالطريق السيّار وبتقاطع الطرق الزاخرة بالسيّارات. وبعد إقلاع الطائرة انتشرت تحته المدينةُ مثل خريطة ثم اختفت. ومع ذلك، فإنّه عندما فكّر في أصوات المزارعين، وناطحات السحاب البعيدة، وزيارات الممرضات الليليّة، والأطباء، والمنازل الملطّخة التي لا تثير أيّ انتباه، وعشرات الوجوه التي ارتفعت مع الألم إلى سطح مُخيّلته، بدا له أنّه توصَّل إلى معرفة المدينة عن كثب. كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة، خلال إحدى رحلاته الأخرى، ودفع لها فأسلمت جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ."

قراءة قصة جون أبدايك:

في هذه القصة القصيرة التي تُعدّ من أروع قصص جون أبدايك، نجد أنّ السارد يحكي الأحداث بضمير الغائب فهو يتحدّث عن كارسون وما وقع له في المدينة. وهذا يمنح السارد أو الكاتب الذي يروي الأحداث أن يعلّق عليها من مخزون معارفه، فيعرّفنا بأهم معالِم المدينة الأمريكيّة التي تميزها عن القرية، فيقول:

" صار الآن (أي كارسون)، وهو في الخمسين من عمره، ذوّاقة للمدن، وأحيائها المركزيّة النامية، وأحزمتها الصناعية المتضخّمة، وسككها الحديديّة الصدئة، وأبنيتها الزجاجيّة الجديدة، وفنادقها المكسوة أرضيتها بالزرابي ذات اللون البرتقاليّ، وحاناتها التي تقلّد الأكواخ الإنجليزيّة في زخرفتها الداخليّة؛ ولكلّ مدينة لهجة خاصة بها، وزي نسائيّ محليّ، وحيّ قديم تاريخيّ متميز، وناطحة سحاب ذات شكل غريب، ومتحف يضمّ لوحة لسيزان، أو قُل لونسلو هومر، لا تجد مثيلاً لها في أيّ مكان آخر."

في هذه الفقرة التي تصف المدينة تتتابع الجمل والعبارات تتابعاً سريعاً ويتعالق بعضها ببعض تعالقاً وثيقاً، وكأن الكاتب أراد أن يعطي القارئ انطباعاً إضافيّاً علاوة على المعلومات التي تضمَّنتها تلك الجمل والعبارات. ويتعلَّق هذا الانطباع بخصيصتَين من خصائص المدينة هما: ازدحام المدينة بالبنايات ووسائط النقل والناس، والوتيرة السريعة التي تجري بها الأحداث والأعمال. فالازدحام يبرز على مستويَين: مكانيّ وزمانيّ. وهذا الازدحام يُحيل على الزحام الذي ذاب فيه الشابّان بعد وصولهما إلى المدينة. وكأنّ شخصيّة الفرد تذوب وتنعدم في المدينة بسبب ضخامتها وازدحامها.

ونلاحظ أنّ ذلك الوصف الشامل ينصبّ أساساً على معالمها الخارجيّة، ويغيّب، بصورة مُتعمَّدة، الخصائص الداخليّة في العلاقات الاجتماعيّة بين الأشخاص في المنازل والمصانع والحانات والفنادق ومحطات السكك الحديديّة، إشارة إلى عدم وجود تلك الوشائج الإنسانيّة بين سكان المدينة أو ضعفها. إنّ الشعور بالعزلة والوَحدة والضياع هو الذي يغلب على كلّ فرد هناك.

وإذا كانت اللغة هي أداة التواصل والتفاهم بين الناطقين بها، وهي التي تنسج العلاقات الاجتماعيّة بين الناس وتوثّق أواصر التعاطف بينهم، فإنّ اللغة مغيَّبة في هذه القصة على مستويين مترابطين:

الأول، مستوى الشكل، كما تصوغه التقنيّات السرديّة. فالقاصُّ لا يستخدم الحوار في هذه القصة، على الرغم من تمكُّنه منه واستخدامه له في معظم قصصه القصيرة الأخرى ورواياته العديدة. إنّه يعمد إلى السرد والوصف هنا. وإذا نطق أحد شخوص القصة، كما في حالة إخبار الطبيب المريضَ بنتيجة الفحوص، فإنّ كلامه مبتسر لا يتعدى مفردتين أو ثلاث، في شكل خبر أو أمر لا يقبل الأخذ والرد، ويبقى كارسون " صامتاً مثل كلب لا يمكنه إلا أنْ يعوي أو ينشج." على حدّ قول السارد.

الثاني، مستوى المضمون، فالشخوص صامتون لا يجيدون الكلام، فجارا كارسون في الطائرة "لهما فمٌ مطبق" ، وإذا أراد أن يتبادل معهما بضع كلمات، جاء جوابهما بلغة غير مفهومة وبصورة آليّة مثل جهاز تلفزيون اختلّ فيه الصوت. وجاره في ردهة المستشفى يشاهد التلفزيون ولا يتبادل الكلام معه. والطبيبة التي فحصته تتكلم برطانة أجنبيّة لا يستطيع فهمها، وهكذا. فالعلاقات الإنسانية مقطوعة، ويرمز النصّ لهذا الانقطاع، كذلك، بطلاق كارسون من زوجته، وتخلّي ابنتُه عن أبوّته، وبُعد ابنه مكانيّاً.

إذن، فالشعور بالعزلة والوحدة هو الغالب على سكان المدينة. الإنسان يعيش في مدينة ولكنه في حقيقة الأمر محاط بصحراء قاحلة من العواطف الإنسانيّة. ويرمز الكاتب لهذه العزلة بالغرفة التي أمضى فيها كارسون فترة النقاهة وحده لا يشاركه فيها مريض آخر. ومع ذلك، فقد شعر "بالسعادة الخالصة"، لأنّه اعتاد حياة العزلة وأصبح يتضايق من وجود الناس حوله. وهذا يذكّرنا بذلك الشاعر الصعلوك الذي اعتاد الوحدة في الصحراء وقال:

عوى الذئبُ فاستأنستُ إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

ويَصِم السارد المدينةَ بسيّئة أخرى هي طغيان المادة على القِيَم، واضمحلال الخصال الروحيّة واختفاؤها. وقد أبرز السارد ذلك بطريقتين:

الأولى، الإكثار من ذكر المعطيات الماديّة في المدينة وإغفال أيّ ذكر لقِيَم أو مُثُل أو عقائد، أو ما يمثّلها من أماكن ومؤسسات. فالقصة تزخر بالطائرات في المطارات، والسيارات المزدحمة في الشوارع وتقاطعاتها، والدرّاجات، وناطحات السحاب، والأجهزة والمعدّات والآلات، وغيرها من المنتجات الصناعيّة. ولكنها تخلو من ذكر المدارس أو أماكن العبادة، كما أنّنا لم نسمع أيّة صلوات أو أدعية يتلوها مريض ما في المستشفى. على العكس من ذلك، أبرز السارد مريضَين كانا يُعالجان من الإدمان على الخمور أو المخدِّرات وكانا يدندنان بأغانٍ لا لحن لها ولا معنى. اللغة هنا مؤلَّفة من مادة الأصوات ولكنها مفرغة من المعاني التي تمثّل روحها.

الثانية، يتجلى طغيان المادة على سكان المدينة في رغبتهم في الحصول على المال بأيّة طريقة مشروعة أو غير مشروعة. إذ تسعى بائعات الهوى في الحانات إلى الحصول على المال ببيع أجسادهن؛ ويسعى الأطباء في المستشفى إلى الحصول على المال بالكذب والتزوير، فلم تكن زياراتهم المتكرّرة لكارسون والتي لا لزوم لها ، أثناء فترة النقاهة، بدافع من مهنتهم الإنسانيّة أو لمواساته، وإنّما من أجل إدراج تلك الزيارات في سِجّل المريض، وقبض ثمنها بعد ذلك.

ولعل وصف السارد للاتصال الهاتفي الذي جرى بين كارسون وابنه، يمثّل انقطاعَ التواصل الإنساني الحاصل في المدينة، وغَـلَبَةَ الروح الماديّة عليها في آن واحد. يقول السارد:

" واتّصل به هاتفيّاً، وعلى حسابه (حساب كارسون)، ابنُه من المكسيك يوم الأحد، وكان صوته يبدو قريباً، وكلامه تتخلّله فترات صمت بصورة تُنذر بالشرّ، وكانت فترات الصمت الطويلة المُربكة بين الأب وابنه، في هذه المكالمة الهاتفيّة، تأكل الدولارات أكلاً."

بل إن طغيان الروح الماديّة على المدينة، وانقطاع العلاقات الإنسانيّة، وانعدام التواصل البشريّ فيها، تلخِّصه الجملة الختاميّة الرائعة:

"كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة خلال إحدى رحلاته الأخرى ودفع لها فأسلمتْ جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ."

وتذكّرنا هذه العبارة الختامية بالشاعر الفرنسي بودلير صاحب " أزهار الألم " الذي شبّه المدينة بالعاهرة.

قصة " المدينة" لعلي القاسمي:

أما قصة " المدينة " لعلي القاسمي (6)، فتتحدّث عن شابٍّ قرويّ بَهرته أخبار المدينة وتوفرُّها على فرصٍ للعمل يغنم الإنسان منها أجراً سخيّاً ويعود بعد مدة إلى قريته رجلاً ميسور الحالً؛ فيتوجّه هذا الشابّ إلى المدينة. يلج أوّل شارع في أطرافها باحثاً عمَّن يدله على نُزُل يحلّ فيه، فلا يجد إلا السيارات التي تمرق مسرعة بجانبه، فيواصل سيره حتّى يصل تقاطعَ طرق يقف في وسطه شرطي ببزته العسكريّة وهو ينظِّم السير وإلى جانبه يُقعي كلبٌ ضخم الجثة، فلم يجرؤ الشابّ على مخاطبة الشرطيّ وتوجيه السؤال إليه. فيواصل السير ماشياً على الرصيف خوفاً من السيارات المنطلقة. ثم يلمح رجلاً يقود سيارته وبجانبه كلب يُطلّ برأسه من نافذة السيارة. وبعد ذلك يشاهد امرأة تسير على الرصيف وهي تدفع عربة صغيرة ينام في داخلها كلب صغير. وبينما كان يشاهد هذا المنظر الغريب بالنسبة إليه، تبتعد المرأة عنه فلم يَعُدْ من اللائق ملاحقتها وإلقاء السؤال عليها عن النُزُل. وبعد قليل يُقبل رجلٌ يقود كلباً بسلسلة، فيلقي عليه الشابّ القرويّ السلامَ، ولكن الرجل لم يرد التحية، بل ينظر إلى الشابّ باستغراب.

ويواصل الشابّ القرويّ سيره في الشارع فيرى من خلال إحدى نوافذ المنازل المفتوحة المحميّة بمُشبّك حديديّ، كلباً ضخماً أسود أفطس الأنف، وما إن التقت نظراتهما حتّى اكفهرّ وجه الكلب وكشَّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم، فيبتعد الشابّ مسرعاً، ولكنّه يواصل النظر من خلال النوافذ حذراً وبدافع من حبِّ الاستطلاع، فيرى، مثلاً، في حمام أحد المنازل، كلباً يستحمّ في المغطس وتتولى امرأة غسله بالماء والصابون المُعطَّر.

ولمّا تأكد للشابّ أن لا أحد في تلك المدينة يدلّه على نُزُل، اعتمد على نفسه وأخذ يتهجّى لوحات المحلات بصعوبة بحثاً عن نُزُل. وعندما يقرأ كلمة " نُزل " في أوّل إحدى اللوحات، يسارع في دخول المحلّ، ولكن يتبين له أنّه نُزُل خاصٌّ بالكلاب. فيواصل البحث حتّى يجد نُزُلاً للبشر. ولكنّ صاحب النُزُل يسأل الشاب قبل كلّ شيء عن كلبه، وعندما يقول الشاب إنّه لا كلب لديه، تظهر أمارات الدهشة والاستغراب على وجه صاحب النُزُل ويطلب منه مغادرة المكان في الحال. وحينما يُبدي الشاب دهشته لذلك، يحدّق صاحب النُزُل فيه بحدّة، وتأخذ عيناه بالاحمرار، وأرنبتا أنفه بالخفقان، وشفتاه بالارتعاش الشديد، ويصدر منه صوت خافت سرعان ما يعلو حتى يصير أقرب إلى العواء، ويروح الزَبَد يخرج من شدقيه، ويكشّر عن أنياب حادّة، ويستطيل فكاه إلى الأمام حتّى يُصبحا مثل فكَّي الكلب، وتنتصب أذناه، ويزداد عواؤه حتّى يتحوّل إلى نباح، ويقفز من وراء المنضدة إلى الأرض، ويستوي على أطرافه الأربعة، وقد نبت لجسمه شعر قصير، ونمت لقوائمه الأربع مخالب بارزة، ومُسِخ كلباً نبّاحاً ضخم الصوت كبير الخطر. فما كان من الشاب إلا أن يولّى هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيه خلفه، جارياً بأقصى ما يستطيع في اتجاه القرية.

قراءة قصة "المدينة" لعلي القاسمي:

عندما نقارن قصة "المدينة" لجون أبدايك بقصة "المدينة" لعلي القاسمي ، نجد أنهما يختلفان من حيث الطول (الأولى 20 صفحة والثانية 77 صفحات)، ومن حيث اللغة والأسلوب، ومن حيث المضمون، ومن حيث الطريقة أو المدرسة السرديّة التي تنتمي كلّ قصة إليها. ولكنّهما تتفقان من حيث تلميحهما إلى مساوئ المدينة.

فالسارد في قصة علي القاسمي يتحدّث بضمير المتكلِّم، فهو يحكي ما حدث له شخصيّاً، وهذا يوحي بشيء من الثقة وبنوع من التصديق. وتزداد ثقة القارئ بالسارد وتصديقه له في بداية القصة حين يبدأ السارد بوصف قريته أولاً بكلمات بسيطة صادقة وبأسلوب إخباريّ مباشر، وكأن القصّاص قد سقط في التقريريّة والمباشريّة، غير أنه سقوط مقصود. يقول السارد في افتتاحية القصة:

" دخلتُ المدينة أوّل مرّة عندما كنتُ فتىً يافعاً غريراً..."

ومما يزيد القارئ ثقة وتصديقاً موضوعيةُ السارد في وصف المدينة وتعداد محاسنها. يقول السارد:

" غادرتُ قريتي متوجهاً إلى المدينة باحثاً عن عمل. فقد بَهَرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها.سمعتُ أنّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنّ مساكنها فاخرة ذات مرافق مريحة تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنّ غرفها مُجهَّزَة بِمكيّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بحرّ ولا برد، بل بهواء ربيعيّ دائم. قالوا إنّ أحياءها تتوفر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات، وقالوا إنّ العمل ميسور بأجور سخيّة لمن يرغب، وإنّ المرء يعود إلى قريته غنيّاً بعد فترة وجيزة."

هذه البداية الواقعيّة التقريريّة في القصّة هي من مستلزمات الأدب العجائبيّ (أو الفنتازي) الذي تنتمي إليه هذه القصة، بحيث يُفاجَأ القارئ بالأحداث العجائبيّة التي تقع في آخر القصة. وهذا أسلوب حذق فيه الكاتب الأمريكي دونالد بارتلم، الملقّب بأبي قصة " ما بعد الحداثة "، والمشهور بقصصه المُكثَّفة ذات الفضاءات العجائبيّة، والأحداث السورياليّة، والشخوص الكاركاتورية. فإذا كانت القصص الواقعيّة العاديّة تقوم على خلق مواقف يتخللها صراع ينتهي بنوع من الحلّ أو التوافق فيشعر القارئ بالارتياح، فإنّ القصص من هذا النوع تبدأ بصورة طبيعية معقولة ولكنها تنتهي بالقارئ إلى الصراع والقلق، وقد تثير فينا أحداثُها أو شخوصُها الضحكَ ولكنه ضحك ممزوج بالألم أو الاستغراب الذي يدفعنا إلى البحث عن حلّ أو إعادة تركيب الأحداث أو تأويلها من جديد.(7) وهذا ما حصل في قصة علي القاسمي. فمزجُها بين الممكن والمستحيل، والواقعيّ والمُتخيَّل، والحقيقيّ والأسطوريّ، يوسّع مدار التخييل لدى المُتلقّي، ويمكّنه من تأويل القصة على مستويات متعددة.

ويمكن قراءة قصة علي القاسمي على مستويات رئيسية ثلاثة:

المستوى الأول، هو مستوى منطوق النص، أو المستوى الظاهر للقصة، الذي ينصبّ على تفشِّي عادة اقتناء الكلاب بين أهل المدن. فما من رجل أو امرأة التقى به أو بها الساردُ إلا وكان رفقة كلب، راجلاً، أو راكباً في سيارة أو عربة. وهذه عادة راسخة مستحكمة في المجتمعات المدينيّة الغربيّة ولها تقاليدها وأصولها وأخذت تنتشر في المدن العربية. ولكن السارد هو قروي اعتاد على أنّ الكلاب قد تساعد في الحراسة أو الرعي، ولكنه لم يتوقّع يوماً أن يرى الكلاب تمتطي السيّارات، وتنام في العربات، وتستحم في مغاطس الحمامات في المنازل.

المستوى الثاني للقراءة هو مفهوم النص الذي يتضمَّنه المنطوق. فتربية الكلاب تنم على الشعور بالوَحدة الذي يعانيه ساكن المدينة. وهنا تتفق هذه القصة مع قصة جون أبدايك في مسألة انحسار العلاقات الإنسانيّة في المدينة. وإذا كان انعدام الحوار هو المؤشِّر إلى ظاهرة العزلة في قصة أبدايك، فإنّ تربية الكلاب في قصة القاسمي هي وسيلة أهل المدن للتخلُّص من الشعور بالعزلة. إضافة إلى أنّ بعض تلك الكلاب هي كلاب حراسة ما يدل على فقدان الأمن وعدم الثقة بالآخرين. ويعزِّز ذلك "الأبواب الموصدة" و " النوافذ المَحميّة بمُشبَّك حديديّ"، وعدم تحدّث أهل المدينة إلى غريب حتّى لو ألقى عليهم التحية وخاطبهم. وقد عرفوا الشاب غريباً ليس من هيئته فحسب بل من عدم اصطحابه كلباً كذلك.

أما المستوى الثالث للقراءة فهو تأويل النص، الذي يُفصح عنه الحدث العجائبيّ المتمثِّل في أنّ صاحب النُزُل مُسِخ أو تحوَّل إلى كلب نبّاح، وهذه إشارة إلى فقدان الإنسان إنسانيّتَه في المدينة. وخاصية الإنسان الجوهرية التي تميّزه عن الحيوان في هذه القصة، لا تكمن في النطق، كما حددها أرسطو، فللحيوان لغته كذلك، وإنّما في القيم والمُثل التي تُهذِّب سلوكه وترتفع به عن سلوك الحيوان الغريزي وتخلّصه من شريعة الغاب. فالمدينة فيها جميع مظاهر القوة ولكنها تخلو من قِيَم القرية التي ذكرها السارد في أوّل القصّة كالمروءة والتعاون والتسامح ومساعدة الضعيف والعطف على المحتاج وإعانة الغريب، وهكذا أصبحت المدينة تتصف بالقسوة والجفاف لخلوها من تلك القيم الإنسانية.

وكما تضمّنت قصة جون أبدايك في خاتمتها تلميحاً لتشبيه بودلير المدينة بالعاهرة، فإن الجملة الختاميّة في قصة القاسمي، هي الأخرى، تتضمن تلميحاً. يقول السارد بعد أن رأى صاحب النُزل وقد مُسخ كلباً:

" فما كان منّي إلا أن أولّي هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعت في اتجاه القرية."

وتتضمّن هذه الجملة تلميحاً إلى قصة الزاهد أبي نصر بشر ابن الحارث الذي نزل إلى أحد أسواق بغداد، فصُعق بما رأى، فخلع نعليه ووضعهما تحت إبطه، وجرى حافياً في اتجاه البادية، فعُرف بعد هذه الحادثة بـ " بشر الحافي".

الخلاصة:

إنّ صورةَ المدينة في الأدب العربيّ وفي الآداب الغربيّة المعاصرة صورةٌ يشوبها كثير من التشوّهات والبقع والخطوط السوداء. ونتساءل ما إذا كان ذلك نتيجة لحنين الإنسان لموطنه الأوّل في الطبيعة ذات الهواء النقي والخضرة الشاسعة والمناظر الخلابة، التي كان يتجوّل فيها بحرية وطلاقة ملايين السنين قبل أن توجد المدينة منذ بضعة آلاف من الأعوام.

هل يعبّر الإنسان المثقّف عن كرهه للمدينة لأنّها حرمته من حريته الحقيقية ومنحته محلها حرية زائفة؟ أخذته المدينة من رحاب الطبيعة الواسعة الرائعة لتجعله أسير أسوارها العالية وجدرانها السميكة وشققها الضيّقة، ولِتُسمِّمه بتلوثها البيئيّ والأخلاقيّ. حرمته من استنشاق الهواء النقيّ لتخنقه بهواء مُلوَّث بدخان المصانع وعوادم السيّارات وبقايا المزابل. منعته من سماع تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمائم وخرير الجداول لتصمّ أذنيه بصخب دراجاتها الناريّة وسيّاراتها وقطاراتها وطائراتها، وهدير مصانعها وآلاتها، ودويّ إذاعاتها وفضائيّاتها، وضجيج ساحاتها وأسواقها المزدحمة.

هل يمكن أن نعدّ رفض الإنسان المُثقَّف للمدينة نوعاً من رفضه للمدنيّة الحديثة وقِيمها المُغرِقة في الماديّة التي حرمته من ممارسة إنسانيّته: لغةً ومشاعرَ وأحاسيس واحتياجات اجتماعيّة؟

لعل الحقيقة تكمن في شيء من هذا وذاك.

 

د. علي القاسمي

...................

الهوامش:

1. للتوسع في الموضوع، انظر:

مختار علي أبو غالي، المدينة في الشعر العربي المعاصر (الكويت: عالم المعرفة 196، 1995)

2. Robert Drewe (ed.) The City (London: Penguin Books, 1998),P.4

3. جون أبدايك (1932 ـ 2009) شاعر ورسّام وقصّاص وروائي وناقد. يعدّ أشهر أدباء أمريكا المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً، ونال جائزة البوليتزر مرتين. ولد في بلدةٍ في ولاية بنسلفانيا، ودرس الأدب في جامعة هارفرد الأمريكية، ودرس الرسم في مدينة أكسفورد. وعمل في جريدة " النيويوركي " مدة سنتين قبل أن يتفرغ للكتابة.

4. علي القاسمي (1942 ـ) كاتب عراقي مقيم في المغرب. تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في بغداد وبيروت وأوسلو وأكسفورد وباريس وتكساس، وحصل على إجازة في الآداب وليسانس في الحقوق وماجستير في التربية ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي. عمل في التعليم الجامعي والمنظمات الدولية ثلاثين عاماً قبل أن يتفرغ للكتابة.

5. قصة " المدينة " لجون أبدايك مترجمة في:

على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية (بيروت/ الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2002) ص 109ـ1300.

6. قصة المدينة لعلي القاسمي موجودة في:

علي القاسمي، دوائر الأحزان ـ قصص قصيرة ـ (القاهرة: دار ميريت، 2005) ص 81ـ 88؛ الطبعة الثانية: (الدار البيضاء: دار الثقافة، 20099).

7. على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر، مرجع سابق، ص 141.

 

jamal alatabiتأتي (في الاّ أين) رواية طه الشبييب، الأخيرة من حيث الترتيب، فهي الخامسة عشرمنذ أن صدرت له (إنه الجراد) كأول رواية عام 1995.

الرواية بصفحاتها التي قاربت الأربعمائة، وبعنوانها المتعدد الدلالة، وبفصولها التي لاتحمل أي عناوين جانبية، لو وجدت لأعانت القارىء على إختراق الغموض والمجهول المقصودين اللذين يكتنفان الرواية في مجموعها. أربع وخمسون (مهَرّباً) مرصوصين رصاً في قارب، بشر بأجناس وفئات عمرية مختلفة، من أين بدأت الرحلة، وإلى أين تتجه ؟ إذ لايرد أي تلميح أو تصريح بالمكان الذي يقصده القارب،ولا الزمان متى ؟ سوى التأثير الذي يقصده الروائي وهو يضع القارىء في موضع الحيرة في مواجهة لغز تطول محاولة حلّه.

بداية النص لاتشير إلى أسماء المدن والبلدان، ولن نعرف بالزمن إلا إستنتاجا، فنرجح انه ما بعد إحتلال العراق، وتصاعد حدة الإحتراب الطائفي بعده بقليل، و(المهرَبون) عراقيون، أمجد، دانيال (الرواي)، زينة، الشخصيات الرئيسة في الرواية،سليمان، جعفر، بكر، وآخرون.

السائق (أوزيل أغا) يغير وجهة القارب نحوالّا أين بعد إستلامه إشارة هاتفية بخطورة الساحل المقصود، وإحتمال تعرض المهَرَبين إلى القتل، فتتغير بوصلته نحو مكان آمن خالٍ من البشر ومقومات الحياة، البعض يقرر العودة، والآخر يختارالبقاء، كانوا أربعة ثم تسعة، وثلاثة عشر، وإلتحق آخرون فيما بعد، هذه المجموعة، كيف تواجه مصيرها في العيش والتكيف بلا أدنى سبيل للحياة والبقاء والإستمرار؟

فذهبت الرواية للبحث في كفاح الإنسان المرير من اجل العيش تحت وطأة الظروف القاسية،ومجهولية المكان، ووعورة التذكر والنسيان، فكانت إحتفاءً صعباً بالحياة الجديدة في (المنقطعة)، في وطن جديد شيده المهرَبون، أبطال الرواية، بعد أن أدركوا خطورة التراجع، وتعاسة وجودهم في ما تركوه وراءهم بوعي ذواتهم من جديد .

منذ الليلة الأولى تبدأ الأحداث مسيرتها اللا منطقية ولا معقوليتها في (المنقطعة)، والبناء الروائي يكتسب تركيبه النهائي من هذا المنطق بسرد عام شائع، إذ يتحول إلى أداة من أدوات الكشف والتعبيرعن حالات المواجهة .والصراع الحاد مع الطبيعة، في أرض بكرلم تتناهشها الأديان والطوائف بعد، و(الأبطال) يدركون أن لانهاية محققة للطريق الذي قطعوا فيه شوطاً، التحدي هو الذي يمنح حياتهم معنى، بالرغم من إطلالتهم الدائمة على حافة اللامعنى، ومهما كانت النتائج والنهايات غير مؤكدة، التعاسة لاحدود لها في عالم رفضوه، لكنهم إستبدلوه بإختيار جديد، بإضطرار جديد، أشبه بالبحث عن اللؤلؤة الثمينة (الحرية).المهمة شاقة وقد تبدومستحيلة، ولكن لايمنع المحاولة.

مأساة المهرَبين تعطي إنطباعاً لمشكلات  لم تسقط في البحر، ولاشك ان ضراوة الصراع بين ما هو كائن وما هو محتمل، هو محور البناء السردي في الرواية، والحق ان قدرة طه الشبيب، انه إستطاع أن يجعل من (المباشرة) فناً، فتلبس الواقع بالمتخيل، وتجلّت مهارته في إلتقاط الحدث النطفة، فككه ثم أعاد ترتيبه .

الرواية تغترف من قوالب كثيرة، فيها تقنيات رواية الرحلة والمغامرات، وتقنيات الرواية السياسية والمشكلات الحاضرة، وروايات الفلسفة في ثلتها الأخير، إذ تتحول قضية الوطن إلى موضوع فكري مطروح للنقاش، (الوطن مكان أصم، لايحمل معنى متحركاً متفجراً بدون مواطن ص320) الوطن فكرة، ليس أرضاً يعيش عليه شعب، صورة البلد موجودة في أحلامنا، ويتخلل الحوارات تفريعات ذات طابع نفسي وإجتماعي، وتلميحات لـ (هوىً) يكمن فيه مضمون حب غير معلن بين أمجد وزينة، المدرّسة الأرملة التي فقدت زوجها بحادث إغتيال سياسي .لكن الشبيب في هذا التنوع التقني يقدم أبطالاً تراجيديين، متكاملي  السمات التراجيدية، في تمزقهم الأليم بين الماضي والحاضر والمستقبل، لكن الحياة في المنقطعة مستمرة .وفي قلب الشدة يتحول اليأس إلى مادة للإحتجاج .

من حق طه الشبيب أن ننوه بإلتزامه بموضوعاته الإنسانية، وتجربته السياسية، وأن ننوه من جانب آخر إلى إهتمامه وحرصه على تنويع تقنيات القص وإستغلال مهارات الصنعة، مما يسحبه إلى الإسهاب والذهاب بعيداً في التحري عن أدق التفاصيل لبناء الحدث، وهو ما إستغرق فيه طويلاً وأخذ من الرواية صفحات كثيرة، كان له أن يختزلها دون أن تؤثر على جماليات السرد، وأزعم، وهذا الزعم ليس حكماً، ان في فضاء الرواية متسع لأكثر من حالة إنسانية لتصعيد حالات التوتر في رحلة الليل الدامس في عرض البحرنحو التيه،وكان ممكنا للرواية ان تجد تعبيرها الأرقى في تطويرونمو علاقة أمجد بزينة إلى علاقة حب بحرارة حقيقية، لا تقتصر على الإيماءات، فتمنح السرد لغة طرية عذبة وشفيفة،وفق جمالية المعنى العام، أووفق جمالية وضوحها وهو ماسعى اليه طه الشبيب في إضافته السردية الجديدة المغايرة للسائد .

 

جمال العتّابي

 

 

hamid abdulhusanhomaydiتذهب الناقدة الفرنسية سوزان برنار إلى أنَّ قصيدة النثر هي: "قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور.. خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية " (1) .

قصيدة النثر جنس فنيّ يكشف عن جمالية القيم الشعرية في لغة النثر، وتهيئ مناخاً مناسباً للتعبير عن التجربة من خلال الصور الشعرية المكثفة والشفافة، وأهميتها ترتكز: أنها تعوض الانعدام الوزني في القصائد التقليدية . وكما يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج  -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية إن لم يكن أهمهم - عن شروط قصيدة النثر:" لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الايجاز والتوهج والمجانية " (2).

حبيب السامر(3) في مجموعته النثرية (شهرزاد تخرج من عزلتها) (4)، والتي مثلت منطلقا للخروج من الصمت والعزلة الى البوح بالمكنونات التي هي تجسيمات خطابية لـ (شهرزاد) الانثى التي استطاعت بما تملكه من خبرة ودربة كلامية على المراوغة والتحايل طلباً للنجاة والخلاص من الهلاك المحتوم، إنها تمثل تأريخاً لأرشفة ماض ٍ شكّل قوّة البقاء،  لتعلن عن خروجها التامّ الرافض لكلّ الاغلال والأصفاد لتتحرّر من عبودية الذكوريّة، وهي تلفظ انفاسها في مناخ من الجمال والتألق، لتوغلنا بين المسموح والمحضور هذه الافاضات البوحية العابرة لمحطات قاحلة تطلق ما في خفايا النفس من المخفي والمستور والمخزون، شهرزاد: أنثى وطن متخم، بالمعاناة والشجن، إنها خطابات التمرد والرفض على واقع امسى ممّلاً رتيباً خاوياً على عروش لم نجد فيها إلا هياكل منخورة من السبات لنخرج الى حرية التعبير والرأي .

يبدو أنّك لا تجيد الدوران إلا حول نفسك

وكلما حاولت ان تمد يدك لتقطف وردة المعنى

وجدتها موغلة في الفراغ

كم تتوق الى رؤية عينيك وهما تحلمان بصبية

يتقاذفون حصى الساحل في الماء !

الصورة التي يحاول (السامر) ان يوصلها الينا فيها احتمالية عن نتيجة معروفة سلفاً لديه، وهي الفراغ، وبما يشكله من قوة خارجية ضاغطة علينا، لا نستطيع احيانا إلا ان نهرول وراءه محاولين ان نكون ظلاً  له، نعقد عليه خيباتنا وهزيمتنا التي التصقت بنا، فالدوران حول النفس / والمحاولات الخائبة، والتوق بالحلم الزائف لصبية يمارسون قذف الحصى في الماء، ما هي إلا انكسارات نفسية ناتجة عن قاع الفراغ المقيت، بقايا لقطاف غير مجدٍ، (وردة المعنى) دلالة الحياة واليقظة والضوء والصوت والسمع، وما تشكله من وظائف متجانسة مع معطيات أكثر بعداً عن المحاولات البائسة .

نجد ان الشاعر يعمد الى تكرار تركيب (يبدو أنّك) في قصيدته (ست) مرات، اشارة منه الى: (يبدو أنّك لا تجيد الدوران / يبدو أنك لا تجيد الطيران / يبدو أنك لا تكترث .. / يبدو أنك تستيقظ .. / يبدو أنك تتناوب .. / يبدو أنك لا تجد مساحة ..) أن كل ما يدور حولنا ما هي إلا ترددات لأسىً لم يكن لها مساحة كافية للخلاص بل كان (الفراغ) يملؤها .

 يطالعون الصباح في وجهك

والضحى

في وجوههم بقايا نعاس وذبول

اصابعهم بوصلة لا تعرف الهدوء

عيونهم سهام

لا يأبهون بالقادم من الوقت (6)

رؤية الباطن وسبر اغواره والبحث عما يخبّئه، لا يمكن ان تحدّده معالم معينة بقدر ما أن الابهام والغموض عن ماهية الاشياء باتت تتجلّى بروح المقاصد التي يسوقها الينا الشاعر نفسه، كونه يجري مقابلة ما بين (وجوههم) الغائبية الذي تلاشت ملامحها، وبين (وجهك) المخاطب الماطر بالحياة والصباح، ليمنحنا صورة لانحسارات متتالية من خلال الميول الى استخدام الفعل المنفي بـ (لا) النافية، كونه دال على الانكار والجحود: (لا يأبهون بالقادم من الوقت / لا يحلمون بالماء والخضراء / لا يؤنس خطواتهم إلا نثار غبار)،  لتتكون لدينا حقيقة مترابطة تآصرياً، ما بين مطلع القصيدة وخاتمتها: (يطالعون الصباح في وجهك / مثل انحسار الغروب)، هذه الرؤية بُنيت على اساس المقابلة الصريحة بين (الصباح / الغروب) (الحياة / الفناء) (السعادة / الحزن)، فهؤلاء هم منفيون عنا، فلا وقت لديهم، ولا موسيقى، كل ما لديهم هو بقايا (نعاس، ذبول، بوصلة لا تعرف الهدوء، شفاههم زرق، في آذانهم وقر، صفصافة مقبرة زائلة، نثار غبار) .

هل أنت حزين بما يكفي

لترقد من نومتك الاخيرة

أم أنك الأكثر سعادة منا الآن ؟

أيها الطائر

الذي فارق النخل

ولا غادر اغصان البمبر والسدر

كنْ كما تريد (7)

الحزن ثيمة ترويض النّفس عمّا نفقد، الشعور بالألم والخيبة والتوجع والفقدان والعزلة، لا يكفي أن يكون الرثاء حزناً بسؤال نطرحه أو نداءً نطلقه، فالانتظار وجهٌ مملُّ لذكرياتٍ مشحونة بالنسيان، بما يصاحبها من لحظات تأمل وصمت وهدوء: (ها أنت حزين بما يكفي / أم أنك الأكثر سعادة منا الآن) هذه المعادلة التي تحوّلت لدى الشاعر (حبيب السامر) الى إيضاحات: الحزن ليس اكتفاء ولا رغبة، بقدر ما هو أمر محتوم وواقع، يفرض علينا حينما لا نستطيع ان ندفعه عنا، كذلك السعادة .

في ضجّة المكانِ وهدوء الضوء

الفراشة تناوب البوح

بوحٌ بلون الشمس

اصبعك يمسح الغبار عن كلماتي

حروفك الصغيرة تنمو

تشاطرين وردتي

لنتقاسم بقايا حياة مؤجلة . (8)

(الفراشة) دلالة الانثى والطبيعة المتحرّرة من قيود لم نر فيها سوى تصدير الحراك باختناقات ـ تلوّنت بضجيج المكان، وهدوء الضوء الذي كان له التأثير الدلالي في بيان الكشوفات الرؤيوية الماطرة بذلك (البوح) الذي ينصهر بلون الشمس خارجا من نقطة الارتكاز الحسيّ، (اصبعك يمسح الغبار / حروفك الصغيرة تنمو / تشاطرين وردتي / نتقاسم بقايا حياة) كل هذه التراكيب منحت النصّ ايحاءً متراكما من التنامي والتصعيد، كونها مشاطرات صراع بقاء واثبات وجود، وهي مسارات ذات مستويات اختلاجية .

أيُّ أثر تقتفي

وأنتَ

لا أثر لك ؟

وأيّ وجهٍ تنتظر

وأنت

لا أحد ينتظرك ؟

تلقي الحجر

في ماء بركتك وتمضي، (9)

نجد (السامر) يحاول ان يوصلنا الى لحظات قاسية علينا .. وموحشة بكل تفصيلاتها، (الاثر) وتلاشيه دلالة الضياع والتشرد بعد خيبة تتبع خاسرة، لذا / توهّجت نقاط الضعف والخيبة والخسارة النفسية لدى المتكلم والمخاطب: (أي أثر تقتفي / لا أثر لك / أي وجه تنتظر / لا أحد ينتظر / تلقي الحجر ... وتمضي)، هذه المساقط كانت نوافذ حلم لم تتسع لضياع العمر، بعد ذبول .

سريرك فارغ إلا من آخر تنهيدة

ملابسك في مكانها

أتعرف؟ أن أمّنا تعطرها كل عيد

وتلقي التحية كل صباح

تترقبك هي:

ما عسانا أن نقول لها ؟

بالله عليك .. دلّنا على جواب . (10)

الغياب / فراغ، وخوف ووسوسة ومحو لكل المحطات عدا الذكريات، لكنها ذكريات موشومة بتنهيدة معطلة، في خطابية رثائية (السامر) ينزف وحدةً مكتظة بالعراءِ، بعد فقد أخ له ... فكل الاشارات الدالة اصبحت لديه مبهمة، (سريرك فارغ) موت وفقدان وشعور بخسارة كبيرة لا يمكن تعويضها، (ملابسك في مكانها) ذكرى معطلة بالوجع والحزن، (أمنا تعطّرها كل عيد) أمل مفقود لا رجعة له بل مجرد حراكات عاطفية، (تلقي التحية كل صباح) احياء ذكرى وبثّ روح الحياة .

رسم باباً بالورد

وقال لها:

أخرجي الآن

حاولت أن تفتح الباب

تناثر الورد

وعبق المكان

فآوت الى صدره

وهي تردد

لا باب يسع احلامي

أنت باب بهجتي

مهما ضاق اتسع . (11)

النَبْرُ الذي يميل اليه الشاعر في هذا المقطع حكائية منبسطة، تبدأ بأمنية (رسم باباً بالورد) كي يمهد للآخر الغائب الخروج، ليتحوّل المكان الى حدائق من الجمال والبهجة، فالأحلام لديه هنا، عاطفة هادئة، فلا ضجيج ولا صخب مثلما نراه عند الشعراء الاخرين، (فآوت الى صدره / وهي تردّد) فيه نوع من الالتصاق العاطفي والإفاضة المتنامية، فهي تراه باباً لسعادتها، الذي يتسع افقاً لا مبالغة فيه، هذه الانطباعات الحسية الدافئة بالنظر المشبع بضربات القلب وهي تتبادل الادوار في التقاط البؤر الجمالية لديه.

ماذا لو نظرت الى المرآة

ووجدت وجهاً

لم تألفه من قبل، لا يشبهك تماماً

تكرّر النظر

هو ذاته الذي لا يشبهك أيضاً،

لكنك في آخر الليل،

حين تفكر ان تلقي النظرة الأخيرة عليه

تجد وجهك مطبوعاً في المرآة

أين الوجه الآخر؟

أين تلاشى في بعد المرآة؟ (12)

النظر في المرآة يحمل جرأة كشوفات لرؤية الملامح الحقيقية لصورة الذات الباطنية، لكن حينما يطالعنا في المرآة وجهاً آخر (قناعاً) لا يشبه الوجه الأول، وكلما حاولنا اعادة النظر طالعنا الوجه القناع ذاته، بينما في النظرة الاخيرة نجد الوجه الحقيقي مطبوعاً واضحاً بكل ملامحه وتفصيلاته، اراد الشاعر (السامر) ان يوصل الينا ان الانسان يمتلك اكثر من وجه وقناع، لكنّنا - احيانا - لا نستطيع فرزها، إلا من خلال الغور في باطنها، لذا / مال الى السؤال: (ماذا لو نظرت الى المرآة / اين الوجه الآخر؟ / أين تلاشى في بعد المرآة؟) الاسئلة ورش تنقيب وبحث عن مكنونات مبهمة، ثم: (لا يشبهك تماماً / لا يشبهك ايضاً) هذا النفي يفصح عن خداع الاقنعة التي يرتديها البعض في تعامله اليومي مع مجريات الحياة، لكنّها: (تجد وجهك مطبوعاً في المرآة) نرى ان هذه الاقنعة الزائفة ما هي إلا انعكاسات للإنسان ذاته .

(حبيب السامر) شاعر أمتلك قدرة على تطويع المفردة والتركيب وشحنهما بطاقات ارسالية خطابية ضاجّة، استطاع من خلالها ان ينقلنا معه الى متابعة الحدث النصيّ الذي كان له تأثير كبير علينا، (شهرزاد تخرج من عزلتها) نصوص تستحق ان نقف عليها، نرصد فيها ثيمات دالة على حضور الاشياء في لغة شعرية متناسقة .

 

حامد عبدالحسين حميدي – ناقد عراقي

......................

(1) ينظر: سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، ترجمة د. زهير مغامس، دار المأمون، بغداد 1993 .

(2) ينظر: أنسي الحاج: لن، دار الجديدة، بيروت 1994، ط 3 (المقدمة) .

(3) حبيب السامر:  شاعر وكاتب تولد البصرة، بكالويوس لغة انكليزية، عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق عضو نقابة الصحفيين العراقيين، صدر له: مرايا الحب، مرايا النار ٢٠٠١ ٢/ حضور متأخر جدا ٢٠٠٥ / رماد الاسئلة ط١ ٢٠٠٧،  ط٢ ٢٠١٣ لمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية / اصابع المطر ٢٠١٢ / بابيون ٢٠١٥ / شهرزاد تخرج من عزلتها ٢٠١٧ .

(4) شهرزاد تخرج من عزلتها: حبيب السامر، دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة – بغداد، الطبعة الاولى لسنة 2017 .

(5)  يبدو أنّ، ص 5 .

(6)  مقاصد مبهمة، ص 7 .

(7) معبد الكلمات، ص 9 .

(8) فرح مؤجل، ص 15 .

(9) أثر، ص 19

(10) غامضة نومتك الأخيرة، ص 21.

(11) قلائد ورد، ص 25 .

(12) مرآة ووجوه، ص 27 .

 

 

ali alqasimi3) قصة "المدينة" لجون أبدايك،

ترجمة وتقديم: علي القاسمي

جون أبدايك

 (يُعدّ الروائيّ القصّاص الشاعر الناقد الرسّام جون أبدايك John Updike أشهر أدباء أمريكا في النصف الثاني من القرن العشرين، وأغزرهم إنتاجاً، وأكثرهم حصداً للجوائز والأوسمة الأدبيّة، حتّى أنَّ مجلة (تايم) نشرتْ صورته على غلافها مرّتَين عامَي 1968 و 1982، وأَنّه نال أرفع جائزة أدبيّة أمريكيّة، البوليتزر، مرَّتَين، عامي 1982 و 1991.

فجون أبدايك أديب مكثر ذو قلم سيّال، كما يقولون؛ فقد نشر حتّى الآن 22 رواية وأكثر من 12 مجموعة قصصيّة إضافة إلى مئات من القصائد والقصص القصيرة والمقالات النقدية التي نشرها في جريدة " النيويوركي" منذ منتصف القرن العشرين. وعلى الرغم من غزارة إنتاجه، فالمعروف عنه أنّه يبذل عناية كبيرة في تجويد أسلوبه، ووصف شخوصه، وتطوير الأحداث بمهارة. يشبّهه النقّاد تارة بالقصّاص البولندي البريطاني جوزيف كونراد من حيث مزاوجته بين المثاليّ والواقعيّ وبين الخياليّ والحقيقيّ بخفّة فائقة. وعلى الرغم من أن لكونراد قدرةً متميِّزة على السخريّة، فقد كان يعوزه حسّ الفكاهة والدعابة الذي يمتلكه أبدايك. ويشبهونه تارةً أُخرى بالروائيّ الفرنسيّ غوستاف فلوبير الذي يسحر القارئ بأسلوبه السلس الأخّاذ، ولكن فلوبير كانت تعوزه الثروة اللفظيّة الهائلة التي يتوافّر عليها أبدايك، وتنقصه كذلك دقّته المتناهية في استعمال المفردات واستثمارها في إنتاج الأثر المرغوب في المتلقّي. ويرى النقّاد أنه تأثَّر بعدد من عمالقة الأدب العالمي مثل فيودور ديستيوفسكي، وجيمس جويس، وفرانز كافكا، وفلاديمير نوبوكوف، ووليم شكسبير.

 ولد أبدايك في بلدة ردنك في ولاية بنسلفانيا عام 1932، وكان أبوه مدرِّساً وجده قسّاً. وتخرّج في مدرسته الثانويّة وترتيبه الأوّل فنال منحةً للدراسة في جامعة هارفرد. وعندما تخرّج فيها عام 1954 التحق بمدرسةٍ للرسم في مدينة أكسفورد. وبعد عامٍ واحد اشتغل محرِّراً في مجلّة (النيويوركي) مدّةَ عامَين، ثم تفرَّغ للكتابة.

 كان أوّل كتابٍ نُشِر له مجموعة شعريّة عام 1958، وفي العام التالي أصدر روايته الأولى بعنوان "معرض ملجأ الفقراء"، ثم توالت إصداراته المتنوِّعة. ولعلَّ أشهر رواياته "ربيت الغني" و "ربيت المرتاح". وفي عام 1999، اختير أبدايك لتحرير كتاب "أحسن القصص الأمريكيّة في القرن العشرين" الذي يضمّ أروع ما أنتجه قصاصو أمريكا في ذلك القرن، والذي أفدتُ منه في إعداد كتابي " مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة" (بيروت/الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2003.

 توفي أبدايك أوائل سنة 2009.)

              

المدينة

أخذتْ بطنه توجعه في الطائرة عندما غيّرت المحرِّكات سرعتها للهبوط في هذه المدينة. ألقى كارسون اللوم في بداية الأمر على الفستق المُملَّح المُعبَّأ في كيس صغير من الورق القصديريّ الفضيّ الذي قدَّمته له المضيفة مع الويسكي في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. لم يكُن كارسون يعدّ نفسه من شاربي الكحول، ولكنَّ الشابَّين المرتديَّين بذلتي رجال أعمال رماديّتَين واللذين كانا يجلسان إلى جانبيه في الصف الثلاثي المقاعد، طلب كلٌّ منهما مشروباً كحوليّاً، وبدا له أنّه ينبغي عليه من باب المحافظة على مكانته في عين المُضيفة، أن يطلب هو الآخر مشروباً كحوليّاً. فقد كانت المضيفة ـ على خلاف أغلبيّة المضيفات هذه الأيام ـ شابةً وجميلة. فكثيرٌ من المضيفات، على شاكلة كارسون نفسه، يقمن بهذا العمل بوصفه مهنةً ثانية، فهنَّ من ضحايا قلق منتصف العمرـ بعد أن شبَّ أطفالهن عن الطوق، وأخذن في الهبوط الطويل.

 كان كارسون يعمل مدرِّسَ رياضيّات في مدرسةٍ لإدارة الأعمال؛ أمّا الآن، وبعد طلاقه، فإنّه أصبح وكيل مبيعات لمصنعٍ في نيوجرسي متخصِّص في الحواسيب الصغيرة وأنظمة معالجة المعلومات. وبعد أن أمضى عقوداً من السنين في قيادة سيّارته في شوارع الضواحي ذاهباً من منزله إلى مدرسته وبالعكس، صار الآن، وهو في الخمسين من عمره، ذوّاقة للمُدن، وأحيائها المركزيّة النامية، وأحزمتها الصناعيّة المتضخِّمة، وسككها الحديديّة الصدئة، وأبنيتها الزجاجيّة الجديدة، وفنادقها المكسوة أرضيتها بالزرابي ذات اللون البرتقاليّ، وحاناتها التي تقلِّد الأكواخ الإنجليزيّة في زخرفتها الداخليّة. ولكلِّ مدينةٍ لهجةٌ خاصَّة بها، وزيٌّ نسائيٌّ محلّيٌّ، وحيٌّ قديمٌ تاريخيٌّ متميِّز، وناطحةُ سحابٍ ذات شكلٍ غريب، ومتحفٌ يضمّ لوحةً لسيزان، أو قُلْ، لونسلو هومر، لا تجد مثيلاً لها في أيِّ مكانٍ آخر. ولم يكُن كارسون قد زار من قبل المدينة التي ينزل فيها هذه المرَّة. وربَّما أدّى تخوُّفه وتوتُّره من اللقاءات الجديدة التي يتحتّم عليه إجراؤها، والإقناع الذي يتوجَّب عليه القيام به، إلى بذر الألم في وسط معدته، فوق السُّرَّة بالضبط.

 وظلَّ يُلقي اللوم على الفستق. فلم تكتفِ المضيفة الشابَّة الجذّابة، التي كانت ترتدي ربطةً رقيقة حول عنقها المغطَّى بمسحوق التجميل، بإعطائه كيساً واحداً من ذلك الفستق بل كيسَين، وقد أكلَ ما في كليهما. وكان لمحرِّك الطائرة 747، الذي يحيط به قوس قزح من البخار الغاضب في وسطِ أشعةِ الشمس، القادم من الشرق حينما اتّجهت الطائرة غرباً، ضجيجٌ قد أثَّر في معدته كذلك. ثمُّ هنالك الويسكي نفسه، وضَغْطُ الوقت الذي تعرَّض له ساعةَ المغادرة، إضافةً إلى مضايقة المرفقَين على مسندَي المقعد من كلا الجانبَين، فقد وصل إلى المطار متأخِّراً بحيث لم يتمكَّن من الحصول على مقعدٍ بجانب الشباك أو على الممرِّ. وشباب اليوم، كما بدا له، مكتنزو الأجسام وعريضو المناكب، ويعود هذا النمو البدنيّ المتصاعد إلى مزيجٍ من مزاولة التمارين الرياضيّة والإدمان على شربِ البيرة. وكان كلُّ واحد من الشابَّين اللذَين يحيطان به، يضع منديلاً حريريّاً في جيب الصدر بسترته، وله شاربٌ محدَّد فوق فمه الشاحب المُطبَق. وعندما تريد أن تتبادل بضع كلمات معهما فإنك ستسمع أصواتاً لا تفهم منها شيئاً، وتبدو كأنّها صادرة من صندوق صفيح أشبه ما يكون بأرخص أجهزة التلفاز.

 وضع كارسون جانباً الأوراقَ التي كان منكبّاً عليها ـ وهي تتعلَّق بالأنظمة المعلوماتيّة، والمطاريف، والطابعات ذات العجلات الدائريّة، ومولِّد الخطوط البيانيّة الاختياريّة التي لا تقاوم مع الإخراج اللائق ـ كلُّ ذلك لفائدةِ مصنعٍ صغيرٍ مزدهرٍ للمُعينات الإلكترونيّة، وألقى نظرةً أخيرةً على أسباب تداعي صحَّته، الفستق، الويسكي، الازدحام. وبالإضافة إلى كلِّ شيءٍ آخر، تأكَّدَ له أنَّه كان مُتعَباً، مُتعَباً من الأرقام، مُتعَباً من السفر، ومن الطعام، ومن تدقيقِ الحسابات، ومُتعَباً حتّى من العناية بنفسه ـ الاستحمام وحلاقة الذقن في الصباح، ووضْع نفسه في ملابسه ثمَّ، بعد ستَ عشرةَ ساعةً، إخراج نفسه منها. وازداد الألم تدريجيّاً، وتخيَّل كارسون هذا الألم على شكل فقاعةٍ كرويّةِ الشكل، ساخنةٍ، بطيئةِ الحركة، ستنفجر لو استطاع أن يركِّز عليها أشعةَ التفكير الصحيح الليزريّة.

 وفي طابور انتظار سيّارات الأجرة، شعر كارسون بأنّه أكثر ارتياحاً إنْ وقف وهو مُنحنٍ قليلاً. وكان هواء الخريف البارد ينفذ إلى جلده من خلال ملابسه. لا بدّ أنّه يبدو مريضاً، فقد كان يجتذب إليه نظرات زوار المدينة الآخرين. أما الشابّان اللذان حاصراه بكتفيهما مدةَ ثلاث ساعات في الطائرة، فقد ذابا في الزحام مع الكثيرين من أمثالهم من الشبّان الذين يحملون حقائبهم اليدويّة ويرتدون الأحذية ذات الأشرطة المعقودة.

لم يُعطِ كارسون سائقَ سيارة الأجرة عنوان صاحب مصنع أجهزة التصغير والتمارين، وإنّما أعطاه عنوان الفندق الذي حجز غرفةً فيه، فقد هبطتْ عليه موجةٌ مفاجئةٌ من الغثيان، مثل هبوط طائرة الـ 747، جعلتْه يتّخذ قراره ذاك. وبينما كان يسير خلف خادم الفندق المُتَّشح ببذلةٍ قرمزيّة اللون في الممرِّ المغطَّى بسجادٍ برتقاليِّ اللون، أثارت الألوان اشمئزازه، وبدت له الجدران وأرضيّة الممرِّ منبعجةً وملتويةً، وكأنَّ ذلك الألم الذي لم ينتهِ قد مسخه إلى مجموعة من الأجزاء الجديدة بلمسةٍ من إصبع أحدهم على مطراف الحاسوب. وهاتفَ شركة التمارين من غرفته بالفندق، شارحاً حالته للفتاة التي ردّت عليه، وطالباً موعداً جديداً في صباح الغد، قبيل موعدٍ آخر مضروبٍ له مع رئيسِ محاسبي شركةٍ صغيرةٍ مزدهرةٍ أُخرى، مُتخصِّصة في إنتاجِ " الضوضاء البيضاء" لحماية النوم في المدينة. لقد انزعج كارسون من جدول المواعيد المزدحمة، ولكنَّه انزعاج غير مباشر، لأنَّ جميع هذه المواعيد سيهتمُّ بها شخصٌ آخر مختلفٌ تماماً ـ هو نفسه بعد أن يُشفى ويستعيد نشاطه. وكانت الكاتبة التي تحدَّث معها هاتفيّاً متعاطفة معه وتتكلَّم بلهجةٍ مريحة وغريبة ـ تطيل بعض المقاطع وتقصِّر بعضها الآخرـ وأوصتْه بتناول حبوب مالوكس. وكان في الإمكان، طبقا للأفلام السينمائيّة التي كثيراً ما شاهدها في طفولته وطبقاً للحياة المثاليّة التي كان يتخيّلها، أن يُرسل شخصاً ما لجلب الدواء له، ولكن في جميع تنقلاته في سنواته الأخيرة، من فندق إلى آخر، لم يرَ ذلك يحصل أبداً، لقلّة الخدم العاملين في تلك الفنادق؛ ولهذا فقد نزل بنفسه إلى صيدليّة الفندق. وفي طريقه إليها، أرعبتْه إحدى المرايا في صالون الفندق، إذ رأى فيها صورةَ رجلٍ نحيفٍ في كُمّي قميص وهو يعرج في مشيته وله كرشٌ وفمٌ لا لون له مشدود إلى الأسفل في جانبٍ منه، مثل فمِ رجلٍ ميّت.

 كان للدواء مذاقٌ كلسيٌّ وفيه مثل بقايا الحصى، وقد أعطى هذا الدواء، بعد فترةٍ من التردُّد، بُعداً جديداً للألم مثل نتوءٍ رمليٍّ صغير. وكانت أرضيّة غرفته في الفندق مكسوَّة كذلك بالسجّاد البرتقاليّ اللون، ولها ستائر أرجوانيّة اللون، قام كارسون بإسدالها بعد أن ألقى نظرةً على ساحةٍ مكشوفة في حديقةٍ عامّة كان يلعب فيها مجموعة من الأولاد كرةَ القدم وسطَ الأوراق المتساقطة من الأشجار، وصرخاتهم تمزِّق طبلةَ الأُذن. وفتح جهاز التلفزيون، ولكنّه هو الآخر يصمُّ السمع. واستلقى على أحد السريرَين الموجودَين في الغرفة وأخذ يحدّق في السقف ويتردّد على المرحاض، تاركاً الظهيرة تحترق في المساء، وفكَّرَ كيفَ تكون التعاسة نفسها نوعاً من السَّكَن. وكان سقف الغرفة مغطّى بالجبس على شكل حلقات بعضها فوق بعض مثل حراشف سمكة كبيرة بيضاء. ومن أجل أن يغيّر كارسون وضعيَّته، مدَّد نفسه فوق أرضيّة الحمام الباردة وهو يتأمَّل المكان والجوانب الداخليّة للقطع الخزفيّة المعلَّقة على الجدران، ويُلقي نظرةً على الأشعة البعيدة المعينيّة الشكل الصادرة عن مرآةٍ مصغَّرة.

 ولم يستطِع الدواء المُسهل الذي تناوله مراراً تخليصه من هذا الألم الطارئ، بل لم يعُد ذلك الشيء الرمليّ الذي كان يحسّ به في معدته كرويّ الشكل، وإنَّما أصبح مُستطيلاً متَّسعاً. وعندما بدأ كارسون التقيؤ أخذ الأمل يراوده. ولكنَّ هذا الأمل تلاشى مع اختفاء ضوء النهار. فقد أصبح الألم رفيقاً ثابتاً لم يستطِع التخلُّص منه على الرغم من محاولاته المتعدِّدة، ودقيقة بعد أخرى لم يزدد الألم سوءاً ولكنَّه لم يتوقَّف. وتبادر إلى ذهنه أن حالته تدعو إلى الصلاة، ولكنّه لم يكُن متديّناً، ولهذا كان بإمكانه إعفاء نفسه من ذلك العذاب الإضافيّ.

 وألقى ضوءُ النهار المودِّع هالاتٍ بُنيّةَ اللون ريشيّةَ الشكل على الأسطح المنحنية لأثاث الغرفة، وعلى قوائم الطاولة وصحون المصابيح. وتخيَّلَ كارسون أنّه لو دقّ جرس الهاتف لتهشَّم ألمه. وبينما كان متكوِّراً على جانبه، أخذته غفوةٌ قصيرة ثم استفاق على الألم، فوجدَ الغرفة غارقةً في الظلام، ما عدا بصيصاً شاحباً من ضوء الشارع على الشبّاك، وقد اختفى لاعبو كُرة القدم. وتساءلَ عمَّن يكون هناك في الخارج خلف الظلام يمكنه الاتصال به لمساعدته. زوجته السابقة قد تزوَّجت من جديد، وأحد أولاده، ابنه، كان في رحلة إلى المكسيك، والبنت نبذتْ والدها. وكان عندما استلم رسالتها التي تتبرأ فيها منه، قد حاول الاتّصال بها هاتفياًّ، فأخبره الرجل الذي كانت تعيش معه، أنّها هجرته وانتقلت لتعيش في نُزلٍ نسائيٍّ مشترك.

 اتّصلَ بمكتب الاستقبال في الفندق طالباً نصيحتهم. فردَّ عليه صوتُ رجُلٍ في مقتبل العمر، يبدو من انشراحه أنّه بدأ نوبته في العمل لتوّه، واقترح عليه أن يذهب إلى عيادة الطوارئ في مستشفى المدينة. وبأصابع مرتعشة، ربط خيوط حذائه بصعوبة، وابتسم إذ وجد نفسه بطل مسرحيّة مأساويّة بلا جمهور ولا مشاهدين، وارتدى ملابسه وأخرج جسمه المتوجِّع برفقٍ إلى الهواء الطلق. وكان طابور من سيّارات الأجرة ينتظر تحت أضواء الشارع الصفراء الحادّة التوهُّج. ورأى الإعلانات المخطوطة بمصابيح النيون، وأسماء المحلات المُضاءة، وإشارات المرور الضوئيّة الحمراء والخضراء ـ وهذه لمحات من مدينة كان من المعتاد أن يتجوّل في شوارعها في مثل هذا الوقت بعد انتهاء عمله اليوميّ، باحثاً عن مطعمٍ أو حانةٍ أو محادثةٍ عابرةٍ أو لقاءٍ ممكن مع إحدى مضيفات المدينة غير الرسميّات، بمكياج عينيها الأخضر، وفستانها القصير، وحذائها العالي، وركبتَيها المكشوفتَين. فقد اكتسب ولعاً بهذا النوع من النساء، حتّى عندما لا يتمكَّن من عقد صفقةٍ تجاريّةٍ في عمله، إذ كانت ملاحظاتهن التمهيديّة المفاجئة تثيره، وكذلك مناوراتهن المكشوفة.

 كان المستشفى يقع على مسافة بعيدة من الفندق، ويتكوَّن من بنايةٍ ضخمةٍ متوهجةِ الأضواء يتّصل بها عدد من الملاحق الحديثة، تقبع في نهاية ممرٍّ منحرفٍ يخترق حديقة عامّة مظلمة ومجموعة من الدور المنخفضة. وكان كارسون يتوقَّع أن يسلِّم عبءَ جسمه كليّاً حالَ وصوله إلى المستشفى، ولكنّه بدلاً من ذلك وجد نفسه مضطراً لحمل ذلك العبء خلال سلسلة من الجهود الجديدة التي كان عليه أن يبذلها ـ استمارات يجب عليه تعبئتها، وأدلّة ثبوتيّة على قدرته الماليّة تؤهلّه ليكون مريضاً ينبغي عليه تقديمها، وسلسلة من فترات الانتظار كان عليه تحمُّلها على مصاطب مزدحمة وكراسي مبطَّنة، في حين كانت عيناه تقيسان المسافة إلى دورة المياه المخصَّصة للرجال، وهو يحسب الوقت الذي تستغرقه مشيته العرجاء إليها وفتح باب أحد المراحيض وإفراغ ذلك الزائر الغاضب من جوفه.

 وبدا أوّل طبيب سُمح لكارسون أخيراً برؤيته، شاباً ليّنا مراوغاً مثل ابنه المسافر نصف المنسي. فكلاهما له شعر أشقر جدّاً بحيث يبدو وكأنّه شعر اصطناعيّ. ولمّح هذا الطبيب إلى أنَّ زوجته تنظِّم حفل عشاء تلك الليلة في الجانب الآخر من المدينة وقد تأخَّر عن الموعد. ومع ذلك فإنَّ هذا الطبيب الشابّ أجرى الفحص عليه بلطف. واعترف الطبيب أنَّ حالة كارسون تحيّره، فالألم يبدو غير مستقرّ في مكانٍ واحدٍ ليتمكَّن من تشخيصه بالتهابِ الزائدةِ الدوديّة، الذي هو، علاوة على ذلك، ليس اعتياديّاً لرجلٍ في مثل سنِّ كارسون.

 فقال كارسون: "لعلّني أنمو ببطءٍ." وكان كلُّ مقطعٍ من كلامه مثل شخير استهجان بسبب الألم الذي كان يقاسيه.

 وتلا ذلك فترةُ انتظارٍ أُخرى تخللّها وخزُ إبرٍ لإجراء فحوص الدم، وهذرُ ممرِّضات اعتدن على المهنة. ثم وجد نفسه عارياً أمام خزانة ملابس، لكي يتمكَّن من الانتظار مع عدد من الرجال الآخرين وهم يرتدون محارم بالية لأخذِ صورٍ بالأشعة. وكان تقنيُّ التصوير بالأشعة رجلاً قوي البنية، وله شاربٌ كث، وطلعةٌ مُفرِحة مثل رافع أثقال أو زير نساء (أو رجال). وقال: " الذقن هنا. والكتفان إلى الأمام. نَفَس عميق. احبسه. أحسنتَ!" وارتدى كارسون ملابسه مرّةً أُخرى ببطء، وبدت له كلُّ قطعةٍ من ملابسه رثةً باليةً بحيث يصعب التصديق بأنّها ملابسه. وخطر له أنَّ الإنسان قد يموت في المستشفى أثناء تلك الإجراءات البطيئة.

 وكان جميع الذين من حوله، على المصاطب وفي المساحات العارية من قاعات المستشفى المتعدِّدة وعليهم هيئة التضرُّع، هم من أهالي المدينة وأغلبهم من السود، وكلّهم مثالٌ للاصطبار الهادئ، فحاول أن يقلِّدهم على الرغم من صعوبة الجلوس باستقامةٍ وقد أخذتْ حنجرته تؤلمه من الكبت.

 وكانت نتائج فحوصه تتقاطر من مصادرها. ولا بُدَّ أنَّ الطبيب الشابّ أشقر الشعر في حفلته الآن. وتخيَّل كارسون صليلَ الملاعق، والشموع، والنساء عاريات الأكتاف ـ عالم الولائم المنزليّة الذي غادره منذ وقت طويل.

 وقبيل منتصف الليل سُمح له أن يخلع ملابسه مرَّة أُخرى، ويأوي إلى فراشٍ في قسمٍ أشبه ما يكون بقسمِ حفظِ الحالات الطارئة في المستشفى. وكانت تحيط به ستائر بيضاء، ولكن ليس بدون ضوضاء. ورقد، في السريرَين المحيطَين به من الجانبين، رجلان تجمعهما أشياء مشتركة كثيرة على ما يبدو، إذ كانا يئنان ويغنيّان أغنيات لا لحن لها. وعندما يزورهما الأطباء كانا يتوسّلان إليهم للسماح لهما بالخروج من المستشفى ويعِدان بأن يكونا مستقيمَين من الآن فصاعداً. وبعد وهلةٍ جاء من أحد جانبيه صوتُ تقيؤ دافق، مثل تقيؤ قطّة بعد أن أكلت طيراً بعظامه وبأكمله، وفي الجانب الآخر كان الأطباء يحاولون إدخالَ أنبوبٍ في أنف الرجل. أما هو فكان يخضع للفحص في فتراتٍ متباعدة. وطمأنتْ هذه التحرُّكات كارسون إلى أنّه استطاع الدخول في شلّة المعترف بهم من الرجال المحطَّمين. وهدَجَ نحوه طبيبٌ شابٌّ آخر، لا يذكّره بابنه، وإنّما يذكّره أكثر بمساعد المحامي الماكر، الذي كان يعيش مع ابنته، والذي يشكّ كارسون في أنّه هو الذي أوحى لابنته بكتابة تلك الرسالة التي تتبرَّأ فيها منه وإرسالها إليه بالبريد. وبعد أن وخز الطبيب الجديد بطنه بإصبعه بضع مرّات، هزَّ كتفيه وانصرف. ثم أتته طبيبةٌ لها شعر أسود في الأربعينيّات من عمرها، وحدقت في وجهه بتسلية عميقة. وكانت تتحدَّث بلهجة أجنبيّة، أقرب ما تكون إلى اللغة السلافيّة، وقالت: " أنت لا تحتمل كثيراً؟"

فقال ناعقاً: "أحتمل؟" وأدرك لماذا يلجأ العبيد إلى التهريج.

 وضغطتْ بإصبعها على بطنه بشدّة في عدّة مواضع. وقالـت: " يجب أن أكون قادرة على أن أفعل ذلك. وأنتَ يجب أن تقفز إلى السقف." ولم يفهم المقصود من كلامها بسبب لهجتها. فأخبرها قائلاً: "إنّ ذلك يؤلمني فعلاً." فقالت: "ليس بما فيه الكفاية." وحدّقت بصورةٍ حادّةٍ في عينيه، وكانت عيناها تغطيهما الظلال، وأضافت: " أظنُّ أننا سنجري فحوص دم أُخرى."

 ومع ذلك، فقد شعر كارسون أنّها إنّما تؤجِّل فعلَ شيءٍ ما كسباً للوقت. فقد تملَّكه إحساسٌ تسرَّبَ إليه، من وراء الستائر البيضاء، في أصواتِ الممرضات ورجال الشرطة وأقارب المرضى المزعجين، مفاده أنَّ شيئاً ما على وشكِ الوقوع بصدد حالته، ربّما زيارة هامّة. وأغمض عينَيه لما تخيّله مجرّد لحظة. وعندما فتحهما فوجئ برجُلٍ طويلٍ ينحني عليه ـ رجل طويل له هيئة أستاذ جامعيّ ويرتدي سترة صوفيّة غليظة مرقَّعة عند المرفقَين، وقميصاً مفتوح الأزرار، ونظّارة طبيّة بلا إطار تبدو أقلّ التصاقاً في وجهه من علامات الرأفة البادية عليه. وكان شعره قصيراً وممشَّطاً ومحفوفاً بالشيب بشكلٍ رائعٍ وفي وسطه فَرقٌ طبقاً لما كان شائعا أيام موضة كاميلوت. وبخلاف ما فعله الأطباء السابقون، فقد جلس هذا الرجل على حافة السرير الضيِّق، وكان صوته حنوناً ولمساته رفيقة. وقد شرح لكارسون وهو يجسُّ يده أنَّ الزائدة الدوديّة لديه قد تحرَّكت وتغيَّر مكانها فأصبحتْ خلف الأمعاء الغليظة، ولهذا يمكن أن تلتهب تماماً دون ردِّ الفعل الطبيعيّ الذي يصدر عن الزوائد الدوديّة الملتهبة.

 وتساءل كارسون في نفسه عمّا إذا كان هذا الطبيب قد أُخرِج من وليمةِ عشاء في هذه الساعة التي تجاوزت منتصف الليل، وهو يرتدي سترته وربطة عنقه اللتين يلبسهما في جميع الأوقات. وتمنّى كارسون أن يردَّ الجميل لهذا الطبيب، ولكنّه لا يستطيع ذلك وهو في وضعه السيئ، مستلقياً على ظهره شبه عارٍ. وتأمَّلَ الطبيبُ، وعلى شفتَيه ابتسامة خفيفة، وجهَ كارسون كما لو كان يحاول فكَّ لغزه، فحملق كارسون في الطبيب وعلى وجهه توسُّلٌ وأملٌ عاجز، وظلَّ صامتاً مثل كلبٍ لا يمكنه إلا أن يعوي أو ينشج. لقد كان مرهقاً بسبب حالته الطارئة والألم في أحشائه، كما كان مُتعَباً خلال الاثنتي عشرة ساعة التي سبقت ذلك.

 ـ "أود أن أجري لك عملية." قالها الطبيب بلطف، كما لو كان يتقدَّم باقتراح قد يرفضه كارسون.

 قال كارسون: " آه! نعم، تفضَّل. ومتى؟" وكان مدركاً أنَّ هذا الطبيب في صحّة جيدة ولا بُدَّ أنَّ له منزلاً يليق به وأسرة وحياة اعتياديّة على الرغم من الاضطرار للعمل في أوقات مزعجة وبيئة مؤلمة، وقد اعتاد على ذلك.

 ـ" متى؟ الآن حالاً." هكذا كان جواب هذا الطبيب في لهجة استغراب، ثمَّ وقف وخلع سترته، كما لو كان سيشترك بصورةٍ مفاجئةٍ في حدثٍ رياضيٍّ مبتكرٍ ممتع.

 لعلَّ كارسون تصوَّر حركة الطبيب فقط، لعلَّه فكّر في كلمة (الرحمة)، أو أنّه فاه بها فعلاً، فقد سارت الأمور بسرعة بعد ذلك. وعاد الطبيب الماكر الذي يشبه مساعد المحامي وقد أصبح الآن أكثر رِفقاً بعد أن حاز كارسون على ترقيةٍ في مكانته، وطلبَ منه أن يستدير على أحد جنبَيه، ثمَّ غرز إبرة في وركه. ثم تولّى ممرضان خلاسيان نقله برفقٍ من السرير إلى طاولة طويلة متحرِّكة على عجلاتٍ ناعمة، وراحت الستائر البيضاء، والوجوه، والأضواء، وعوارض الأبواب المعدنيّة تجري أمام ناظرَيه. وأُدخِل كارسون، بدءاً برجلَيه، في غرفةٍ متوهجة الأضواء عَرف أنّها غرفة العملياّت لكثرة ما رأى مثيلاتها في الأفلام. وكانت فيها مجموعة من الشبّان الملثَّمين، وهم يدردشون كما لو كانوا في حفلةٍ من الحفلات. وقال كارسون في نفسه متعجّباَ: "ما أكثركم!" وكان سعيداً جداً، إذ توقََّف ألمه لتوّه. ونقلوه من الطاولة المتحرِّكة إلى منضدةٍ مبطَّنة ضيّقة وعالية، وأُفرجت يداه على مسندي المنضدة ورُبطتا بإحكامٍ إليهما، ونُغِزت معصماه. ووضِعت قطعة من المطاط المنفوخ على وجهه كما لو كانوا يجربون ملاءمتها له. وحاول أن يُطمئِن الفريق الطبيّ الملثَّم ويقول إنّه غير خائف، وينتزع إعجابهم بـ "الفتى الشهم" الذي هو هو، وأن يطلب من شخصٍ ما أن يلغي مواعيده ليومِ غد.

 ومن مكانٍ يكتنفه الغموض وفي لحظةٍ غير محدَّدة ، ظهر الطبيب الجراح نفسه، ولم يعُد مرتدياً سترة الصوف الغليظة وإنّما مريلة المستشفى ذات اللون الأخضر النباتيّ، وانحنى عليه بوجهٍ بشوش، ورفع إصبعاً صغيراً معقوفاً من إحدى يديه أمام عيني كارسون اللتين لم يستطيعا التركيز. وقال بصوتٍ يخرج مع أنفاسه:

 " بغلظ هذه الإصبع."

فسأل كارسون، وهو يدرك أنّهم يتحدثون عن زائدته الدوديّة: " وما هو الحجم الذي ينبغي أن تكون عليه؟"

وجاء الجواب المصحوب بموجة من الارتياح: " ليس أغلظ من قلم الرصاص."

فسأل كارسون: "ولكن متى كبرتْ؟" ولكنّه لم يتلقَّ جواباً، لأنّه دخل في مجال الأمور الشخصيّة.

وقبل ذلك، كان كارسون قد وجد نفسه في غرفةٍ تحت الأرض تحتوي على عدَّة أعمدةٍ صاعدة. وسمع شاباً ضخماً يناديه: " ها، بوب! أفِق يا بوب. ابتسم لنا قليلاً. هذا هو الفتى، بوب!" كان هنالك آخرون ممددون إلى جانبه في سرداب الموتى، الذي تتدلّى من سقفه أنابيب شفّافة. وتلك كانت الأعمدة الصاعدة. وعلى بُعد ذراعٍ منه رجلٌ آخر ممدّد بلا حراك مثل تمثال أحد فرسان القرون الوسطى منحوت من الحجر على شكل صليب على قبر. وأدرك كارسون أنه حُشِر في نفق ـ وذراعه مشدودة بشريط المطاط المنتفخ ـ وأنّه خرج من نهاية النفق الأُخرى. " ها، يا بوب! أسرع، أعطنا ابتسامة، هكذا." وشعر بحاجة ملحة للتبوُّل، وكان سائل يتقاطر في ذراعه.

ولاحقاً، وبعد أن تبادل كارسون بضع كلمات رقيقة مع الجراح، وجد نفسه في غرفة مستشفىً عاديّة. وكان رجل قصير ذو وجهٍ ضيّق متكدِّر يستلقي في الفراش الذي بجانبه وهو يدخّن ويحدِّق في جهاز التلفاز. وعلى الرغم من أنّ الصورة متموّجة على شاشة التلفاز، فإنّه لم يسمع صوتاً صادراً منه. وقال كارسون للرجل: "مرحباً" وهو يشعر بخجل وتوجُّس كما لو كان في أحلامه قد عُقد قرانه على هذا الرجل.

وردَّ الرجل الآخر قائلا: "أهلا." دون أن يرفع عينيه من جهاز التلفاز، وسحب نَفَساً من سيجارته بصوتٍ مسموع، وقد بدا عليه الضجر واللامبالاة، وهما خصلتان من أزعج خصال زوجة كارسون السابقة له.

وعندما أفاق كارسون مرّةً أُخرى عند الغسق، وجد نفسه في غرفة أُخرى، غرفة خاصّة به وحده، وقد أخذت بطنه تؤلمه، وصار رأسه أخفّ مما كان. وأطلّ هلال صغير بارد في السماء من خلال الشبابيك المربّعة الموجودة في هذا الجناح الآخر من المستشفى، وبدا له الآن أنَّ وضعه في العالَم وفي الكون أصبح واضحاً بما فيه الكفاية. لقد بدأتْ فترة النقاهة.

وكان، في الأيام الخمسة التالية، غالباً ما يتساءل عن سرّ شعوره بالسعادة. لقد كان كارسون يخاف دائماً من الزائدة الدوديّة منذ طفولته، بعدما رأى عدداً من رفاقه في المدرسة يُحمَلون بسرعةٍ إلى المستشفى ثم يعودون وعلى الجزء الأسفل من بطونهم ندبة صغيرة. وأخيراً وقع المحذور وهو في العقد السادس من عمره، وشعر بأنّه قد تصرَّف بشجاعة وهدوء لا بأس بهما.

لم تكُن ندبته ذلك الشقّ الجانبيّ الصغير الذي كان يكشف عنه له رفاقه في المدرسة، وإنّما جرح كبير ملطَّخ بالدم ويمتدُ من السُّرّة إلى أسفل، لقد شقّوا في بطنه شقّاً واسعاً، كما شرحوا له، لأنّ مرضه، وهو في مثل ذلك العمر، يحتمل أن يكون أيّ شيء من القرحة إلى السرطان. وقد جعله عمق الفتحة التي شُقَّت في جسمه يرتجف دون أن يشعر. وتمَّ الكشف عن مستوراته أثناء العملية كذلك. فقد جرى "التعامل" مع خصيتَيه في إحدى مراحل العلاج، كما شرح له الطبيب بلطف. وحاول كارسون أن يتصور هذا "التعامل": كلآّب وكفوف مطاطية بيضاء وشيء أرجواني ثقيل، وكانت زائدته الدوديّة مرتدّة حقّاً ـ وتشكِّل حالته واحدة من الـ 10% فقط من الحالات التي ينطبق عليها هذا التشخيص. وقد أظهر الفحص المكروسكوبيّ أنّها أخذت تتشقق. وقلَّصتْ هذه الشروح اللاحقة ذلك الشيطان الموجِع الذي كان يحمله كارسون إلى مجرّد حقائقَ باردةٍ جعلته يشعر بالبراءة مما حصل، فقد كان قبل ذلك يشعر بشيءٍ من الذنب بسبب مرضه.

وتخلّى الجرّاح ذو الهيئة الأكاديميّة عن تلك الأُلفة المبالغ فيها التي لازمته عندما انحنى على كارسون وهو في ألمه وقرّر أن يتفحّص خصيتيه. إذ أخذ يمرّ عليه خلال قيامه بجولاته مروراً عابرا ليزوّده بتعليماته عن الأكل والمشي والذهاب إلى المرحاض ـ جميع الأشياء التي يحتاج كارسون إلى تعلُّمها من جديد. وظهر الأطباء الآخرون. فرجعت الطبيبة السلافيّة المبتهجة قليلاً، لتغيّر له الضمادات، وشعر كارسون أنّها تجذب اللفافات بحدّة لا لزوم لها. ووبخته قائلة بتهكم: "كنتَ شجاعاً بصورة خارقة" وهي تلومه على تلك الليلة التي أرادت فيها أن تأخذ منه دماً إضافيا لمزيد من الفحوص. ورجع الطبيب الشابّ المتهدج في مشيته الذي رآه في تلك الليلة، ولم يعُد فيه أي شبه بذلك المحامي الذي هجرتْه ابنة كارسون مفضِّلة عليه بنات جنسها. ثم رجع الطبيب الأشقر جدّاً، وتبيَّن وجود مجموعة من الأخصائيِّين في قسم التشريح الذي حلَّ به كارسون، ولهذا شعر بالأهمّيّة، مثل جيلفر الذي استقرّ في ليلبيت بغرض الاستطلاع. لقد قام جميعُ أولئك الأطباء بزيارته بصورة اعتياديّة وسارّة ـ مجرد مرّوا عليه مروراً عابراً ـ ولهذا فقد دُهِش كارسون ـ بعد أشهر ـ عندما وجد أنّ كلّ زيارة من تلك الزيارات قد سُجِّلت بتاريخها وساعتها في فاتورة خدمات المستشفى التي ُطبِعت على ورق بطابعة من نوع سنترونكس 739 القديمة، كما هو بادٍ للعيان.

لقد جعلته حياة المستشفى نفسها بتفاصيلها يشعر بالارتياح. فهناك السرير الأبيض المشدود الذي له ذراعا تحكُّم لرفع مرتبة الفراش وطيّها في أوضاع مريحة متعدِّدة. وهناك جهاز التلفاز المثبت في مكانٍ عالٍ أمامه، الذي يستجيب لمجموعة من الأزرار موضوعة في كفِّه مثل بندقيّة أثيريّة بريئة، فيستطيع ـ بدون أن يبذل أيَّ جهد ـ التجوُّل ذهاباً وإياباً في برامج الأخبار الصباحيّة، وبرامج المسابقات في الضحى، وآخر الأخبار ظُهراً، وبرامج المقابلات بعد الظهر، والأفلام الكلاسيكيّة التي يعاد عرضها مثل كارول بيرنت وأبطال هوغان في الليل. وعندما يغادر الزوّار القاعات ويعود الهدوء إلى المستشفى، يصير جهاز التلفاز ، بألوانه الراقصة وإشعاعه المتموِّج، رفيقاً أكثر مودّةً ودفئاً.

وقد شاهد كارسون، في أوّل أُمسية أمضاها في هذه الغرفة الغالية وهو ما يزال يترنَّح من أثر التخدير، شاهد شخصاً صغيراً أبيض، يسدِّد رمية كرة، كما لو كان يقوم بغرز إبرة بصورةٍ مفاجئة، ثم ينطلق جارياً في خطٍّ منحنٍ كبير نحو الهدف في الملعب الأمريكيّ، وتمثل له دخول الكرة في المرمى لذيذاً كأنّها تنفذ إلى أعماق نفسه. وضغط على الزر الذي يطفئ التلفاز في آلة التحكُّم الصغيرة، واستعمل زراً آخر ليعدّل من ميلان السرير، واستغرق في النوم ببساطةٍ مثل طفلٍ صغير.

كان يفضّل، في العادة، أن يتغطّى بأغطيةٍ كثيرة، أمّا هنا فإنّ غطاءً واحداً خفيفاً يكفي تماماً. ولم يكن يستطيع أن ينام على ظهره عادة، أمّا هنا، وبحكم الضرورة، فإنّه لا يمكنه أن ينام بوضعٍ آخر، فهو ينام على ظهره مع ميلان الجسم قليلاً لتخفيف الألم العموديّ في بطنه، في حين تظلّ ذراعه اليسرى إلى جانبه لتتلقّى السوائل المغذِّية (المصل) من أنبوب طوال الليل. كانت المصابيح مضاءة دائماً، وهمهمة الأصوات مستمرّة في القاعة، فالناس في هذا المكان لا يستريحون أكثر من الوالدَين بالقرب من مهدِ طفلٍ حديث الولادة.

وفي أغوار تلك الليلة التي حدثتْ فيها انطلاقة اللاعب نحو الهدف، أفاق كارسون على إثر لمسة على الجزء العلويّ من ذراعه اليمنى. فتح عينيْه، ووجد هناك، في طرف المكان، حيث توجد رافعة التلفاز المربَّعة، وجهاً أسودَ ناعماً يبتسم له، تلك هي الممرِّضة المكلَّفة بقياس ضغط الدم، ولمّا كان مصباح القراءة لم يُطفَأ في غرفته، فقد كان وجهها المستطيل الشكل مضاءً بصورةٍ غير مباشرة فقط، وهذا النوع من الإضاءة يشبه، من بعيد، إضاءة قطع الأثاث في غرفته في الفندق. ودون أن ينظر إلى العقارب المشعّة في ساعةِ يده الموضوعة على المنضدة الجانبيّة، عرف أن الوقت كان ساعة متأخرة من الليل حيث يزور اليأس الرجال، وحين يتقلّب الأرق في بحرٍ من الصمت، وحين يريد العاطلون عن العمل والمفلسون أن يصرخوا ليحطّموا حساباتهم الملحّة، وحين يتقلّب العشّاق المُحبَطون من أحلامٍ غراميّة إلى ملاءاتِ فُرشٍ خالية، وحين يستفيق الجنود فجأةً على الطعم المرّ للمعركة الوشيكة الوقوع. أيقظتْه الممرضة بلمستها في ساعة الخلوة النهائيّة تلك. ولم يكُن هناك سوى غطاءٍ خفيفٍ يغطّي جسده في الغرفة الدافئة الخافتة الضوء. ونفخت الممرضة أنبوباً بلاستيكيّا حول ذراعه، ثم فشّته، ثم نفخته مرةً أُخرى. ووضعتْ في فم كارسون واحداً من القُطع البلاستيكيّة التي صارت تعوّض المحرار الزجاجيّ، وبينما كانت في انتظار تسجيل درجة حرارته بأرقام إلكترونيّة على آلةٍ مربوطة في خصرها، أخذتْ تدندن بلحنٍ غنائيٍّ صغير، كما لو كانت تُخفي جمالها بطريقةٍ مرحة، ذلك الجمال الذي أصبحت النساء اليوم يعتبرنه عدوّاً، وعبئاً، وسبباً في جلب التحرُّشات. وفكّر كارسون في ابنته.

وعلى الرغم من أنّ ممرِّضاتٍ عديدات اعتنين به، وتمكَّن من تجاذب أطراف الحديث معهن حتّى في الساعة الرابعة صباحاً بعد أن استعاد قوَّته، فإنّ هذه الممرِّضة بعينها، وبوجهها التامِّ السواد المتناسق الملامح مثل شمسٍ تحيط بها هالةٌ بعد أن أصابها الكسوف، لم تعُد إليه بتاتاً.

وحثَّ الطبيبُ الجراحُ كارسون على المشي قائلاً: " انهضْ وامشِ حالما تستطِع ذلك. حرّكْ جسدكَ، فقد اتّضح أنّه ليس المرض الذي يقتل كثيراً من الناس في المستشفيات، وإنّما الاضطجاع في السرير وترك الرئتَين تمتلئان بالسوائل."

كان المشي يقتضي أن يقوم كارسون بدفع حامل أنبوب المصل المغذِّي وما يرافق ذلك من خشخشةٍ وإرباكٍ بسبب طول الأنبوب. ويحتاج ذلك إلى مهارة خاصّة لتمرير عجلات الحامل على العقبات المعدنيّة المرتفعة في أرضيّة المَمرّ المُغطاة، وذلك بأن يضع اليد اليسرى على نقطة التوازن التي بدت له مثل خصر المرأة ثم يديرها بعيداً عن طريق مريض آخر يتنزّه مع رفيقته المعدنيّة الطويلة. وتعلَّم كارسون عن طريق ملاحظة المرضى الآخرين حيلةَ انتزاع كيس المصل المغذِّي ثم إعادته بإدخاله تحت كُمّه وتعليقه في مكانه، لكي يستطيع إحكامَ إغلاقِ مريلته. وكانت خطواته الأولى بنعله الإسفنجيّ الطحلبيّ الخضرة الذي زوَّده به المستشفى، محدودة وهشّة، ولكن بمرور الأيام ازدادت مشياته طولاً: حتّى نهاية الممرّ حيث تطلُّ شبابيك غرفة الانتظار على وسط المدينة البعيد، وهناك يوجد سُلّمٌ، مبنيٌّ من الإسمنت والحديد، يكاد يكون جديداً لم يُستعمل. ويقود هذا السلَّم بعد الهبوط فيه أربعة طوابق إلى السرداب، كما يؤدّي صعوداً ستة طوابق إلى السطح ذي الباب المقفل، ثم العودة هبوطاً طابقَين إلى غرفته. وكان كارسون مطيعاً للتعليمات ويسحب رِجلَيه وهو لابس رداءَ الحمّام ونعله الإسفنجيّ الذي أصبح الآن بالياً.

وكان يشعر بالسعادة الخالصة في هذا الجناح من المستشفى الذي يخلو من الناس والذي يردِّد الصدى، إذ لا يراه ولا يعرفه أحدٌ هناك. وأخذ جرس الهاتف يرنُّ في غرفته. لقد رجع رئيس الشركة إلى نيوجرسي، واتَّصل هاتفياً مراراً، ليواسيه أوّلاً، ثم ليخطِّط لتعويض المقابلات التي فاتت كارسون بطريقةٍ لا تؤدّي إلى إنفاقِ مصروفاتِ رحلةٍ إضافيّة. وهكذا كان كارسون جالساً في فراشه الذي يمكن التحكُّم في وضعيّته، وهو يقوم باتصالاتٍ هاتفيّة بالموظَّفين المعنيِّين، متحدِّثاً بنبرةٍ لا يُستَشَفُّ منها الضعف. لقد أعربتْ شركة مكافحة التلوُّث عن اهتمامها بجهاز التخطيط الملوَّن، فبعث إليهم كارسون بالمطويّة البرّاقة التي أصدرتها شركته عن أحدثِ نظامٍ أنتجته (درجة ثبات تصل إلى 640 نقطة في السطر الواحد، و 536،65 لوناً متجانساً، وذاكرة صوريّة تصل إلى 256 كيلو بايت). وحضرت لزيارته الكاتبة من الشركة الأخرى التي كانت قد اتصلتْ به هاتفيّاً قبل خمسة أيام وتحدَّثت معه بتعاطف واضح. وتبيّن أنَّ لها ملاحة وجه نافرة، وشعراً مجعّداً مصبوغاً، وبقايا سمرة خلّفها تلويح الشمس لها على المسبح، وساقَين نشيطتين واظبتْ على وضع إحداهما فوق الأُخرى في حين كانت تروي قصّة طلاقها ـ النقود، والأطفال، والعودة إلى العمل بعد سنوات من الاسترخاء في منزلها في ضواحي المدينة. " دعني أقول لكَ إنّني لم أستطع أن أكون واحدة منهنَّ، أولئك النسوة اللواتي يتغنّين بمباهج الانضمام إلى القوى العاملة. هنيئا لهنَّ بذلك." وكانت هذه المرأة تدخِّن كثيراً جدّاً، وتنفث الدخان من منخرَيها، وتطفئ عِقب كلِّ سيجارة في غطاء علبة جلبته معها في كتاب الجيب الذي كانت تحمله. لقد نظَّم كارسون وقته بعد الظهر بعناية، فقسَّمه إلى أقسام متساوية، كلُّ قسم منها لمدّة نصف ساعة: السلّم ثلاث مرّات صعوداً وهبوطاً، وزيارة صالة الانتظار حيث يتسلّى في حلّ الكلمات المتقاطعة، ثمَّ الذهاب إلى المرحاض عندما تسمح بذلك خصيتاه اللتان عولجتا، وأخيراً التلذُّذ بالانهماك في قراءة العدد الأخير من مجلة (بايت) الشهريّة، وآخر الأهداف التي سُجلت في لعبتي الكركيت والبيسبول يوم الأحد. ولكنَّ هذه الزائرة قضت على جميع تلك الخطط ذلك اليوم كما قضت على العديد من السجائر. ثم اتّصلتْ به زوجته السابقة هاتفيّاً، وعلى الرغم من أن هذه المرأة قد أصبحت مرحة وتزوَّجت مرَّة أُخرى، فإنَّ صوتها وهي تخاطبه كان يحمل نبرة السخريّة منه واللوم، كما لو كان هبوطه في مدينة غريبة والتهاب زائدته الدوديّة مثالاً آخر على حماقته المقصودة، تماماً مثل تركه لها أو توقُّفه عن تدريس الرياضيات في مدرسة إدارة الأعمال ـ وجميع تلك الاتهامات المملّة. واتّصل به هاتفيّاً، وعلى حسابه هو، ابنه من المكسيك يوم الأحد، وكان صوته يبدو قريباً وكلامه تتخلَّله فتراتُ صمتٍ بصورة تنذر بالشرّ، وكانت فتراتُ الصمت الطويلة المربكة بين الأب وابنه في هذه المكالمة الهاتفيّة تأكل الدولارات أكلاً. ولم تهاتفه ابنته أبداً، وهذا يدلّ على شهامتها وحبّها له. فهي وكارسون يعرفان أنّ ليس ثمة طريقة تمكِّننا من تمويه شعورنا العميق بالوحدة.

وجدَ أنّه بعد أن أمضى ساعةً في غرفته وفراشه انتابه الحنين إلى السُّلّم. في البداية كانت الطوابق جميعها متماثلة، ولكنّه اكتشف الآن وجود اختلافاتٍ خفيّةٍ بينها ـ أثر قديم لأصباغ أُريقت على درجات السلّم في أحد الطوابق، ومجموعة أرقام كتبها أحد العمال بالطباشير على جدارٍ في طابقٍ آخر، وبقع مائيّة وشقوق في مساحة من الجبس الأصفر في طابق ثالث وليس في بقيّة الطوابق. وفي الأسفل، هنالك سلّة مهملات بلاستيكيّة وباب أحمر كُتِب عليه بخطٍّ كبير تحذيرات تنبّه إلى عدم ضغط الزرّ إلا في حالة الخطر فقط. وفي الأعلى يوجد باب حديديّ عاديّ، بلا مقبض ولا شباك، يحول دون الدخول . وكانت الأبواب في الطوابق الوسطى تطلّ على مدخل غريب، مثل منصّة معلَّقة خارج الباب، يؤدّي إلى أقسام المستشفى الفعليّة، وهنالك حواجز إسمنتيّة تمنع القفز فوقها أو السقوط منها كما تمنع الرؤية الكاملة، ولكنّها تسمح بمرور الهواء البارد وتتيح رؤية جزئيّة للمدينة تحتها.

أما الأرض المجاورة للمستشفى فإنّها منبسطة وعاديّة ـ ربع فدان من منازل فسيحة بُنيت منذ زمنٍ بعيدٍ يكفي لذهاب نضارتها، ولتحلّ محلّها علامات التداعي والانقراض. وكان حائط المستشفى يمتدُّ إلى ما وراء السلَّم المطلّ على تلك المنازل ويحجبها ما عدا فسحة من الأرض تشتمل على ساحات في إحداها درّاجة ثلاثيّة العجلات ملقاة في أحد جوانب الساحة، وفي الأُخرى تمثال مصبوغ للعذراء وجدران من الباستيل بحاجة إلى صباغة، كما تظهر سطوح منخفضة مغطّاة بالحصى ـ كلُّ ذلك يُشكِّل لعيني كارسون نوعاً متهرئاً من منظر بلدة صغيرة، ولكنّها هنا ضمن حدود المدينة. لم يرَ أبداً شخصاً يسير على الأرصفة العريضة للشوارع، وثمّة قليل من السيّارات التي تتحرَّك في الشارع حتّى في وقتِ عودةِ الموظَّفين إلى منازلهم. وكان الأقرب والأبرز إلى نظره كومةٌ من ألواحٍ خشبيّة بالية، وأنابيب صدئة، ومستودع مغطَّى بغبار أبيض ومملوء بالجبس والمعدّات ما ينمّ على مرحلةٍ جديدةٍ من البناء نتيجةً لتوسُّع المستشفى. وكان بعض الرجال يأتي أحياناً لإضافة أشياء إلى القمامة أو إلقاء ألواح خشبيّة بصوت عالٍ، وكانت تلك الأشغال تبدو غير منظَّمة، وتتوقَّف أيام العطل الأسبوعيّة.

إنّ المنطقة السكنيّة الكالحة اللون، والأنقاض المتجمِّعة التي رآها كارسون من خلال أسياخ السياج الإسمنتي والتي لم تكُن تسمح له برؤية عريضة، أعطته، مع ذلك، الانطباع بوجود واقعٍ حقيقيّ واضح، زاخر، رطب، داكن. الحياة كانت هي الحياة. والعالَم، هذا هو العالم. وعندما كان لا يزال غير قادر على صعود السلّم وكان يصطحب حامل المصل بجانبه ـ جاء أوّلاً إلى هذا الطابق، وكان مجرّد فتْح الباب يتطلَّب منه جهداً. وكان الهواء الخارجي يتسرَّب إلى جهازه التنفسيّ، الذي كان ما يزال تحت تأثير الأدوية، مثل قُبلة عنيفة كاسحة، كان ذلك الهواء هواءَ مطلع الخريف الذي يمزج الصيف بالشتاء، الكرة المستطيلة بكرة البيسبول، هواء ناشف بارد ومع ذلك فيه كدر وليس نقيّاً بسبب التوسُّع. وقد سمع كارسون ذات مرّة ضوضاء تصله من بعيد صادرة من آلة قطع الخشب. وحتّى اليوم الذي سُمح له بمغادرة المستشفى، كان يأتي إلى هنا في الظلام ويتكئ على الحاجز الإسمنتيّ ويتنفّس، محاولاً أن يستوعب في أعماقه معجزة العالَم؛ ومحاولاً أن يُعيد برمجة نفسه كسابق عهدها لتندمج بالحياة مرّةً أُخرى ـ وكان يحسّ بالهواء البارد على مرفقَيه المكشوفتَين، ويرى نفَسه يخرج كالبخار المرئيّ، ويشعر بخصيتَيه تستقرّان بجوارِ ألمِ النقاهة.

واستقلَّ سيّارة أجرة إلى المطار مباشرة، ولم يرَ من المدينة إلا معالمها التي لاحت له عن بُعد حين مرّ بالطريق السيّار وبتقاطع الطُّرق الزاخر بالسيّارات. وبعد إقلاع الطائرة انتشرتْ تحته المدينةُ مثل خريطةٍ ثمَّ اختفتْ. ومع ذلك فإنّه عندما فكَّر في أصوات المزارعين، وناطحات السحاب البعيدة، وزيارات الممرِّضات الليليّة، والأطباء، والمنازل الملطَّخة التي لا تثير أيَّ انتباه، وعشرات الوجوه التي ارتفعت مع الألم إلى سطح مُخيَّلته، بدا له أنّه توصل إلى معرفة المدينة عن كثب. كانت المدينة مثل امرأةٍ التقى بها في حانةٍ خلال إحدى رحلاته الأُخرى، ودفع لها، فوهبت نفسها دون أيِّ حديثٍ تمهيديّ.

 

 

 

فلسفة الغرائز وجدلية الديمومة في نص الأديبة السورية فيحاء نابلسي/ أفعى وحمامة / دراسة نقدية حسب آلية السقل وإعادة البناء الذرائعي للنص السردي .

أولاً- المقدمة:

 تتميز نصوص الروائية الأديبة السورية فيحاء نابلسي بأنها نصوص واقعية موقفية، فهي بارعة في اقتناص الموقف والمشهد من الواقع، وأبرز ما تقوم به في تلك النصوص هو (التدوير) أي أن القص عندها يبدأ ويسير دائرياً لينتهي في نقطة البداية، جارّاً معه كل المتغيرات التي رافقته في مسيره الدائري، لينتهي متخماً بنهاية مباغتة تجعل من البداية محطة فارغة تنتظر الامتلاء.

بارعة جدّاً هي في هذا الاتجاه، ولا تغفل عن صبغ قصّها بالصور البلاغية والبيانية التي تجيد اللعب بألفاظها ورسمها، كما أن نصوصها يتجاوز الانزياح الرمزي فيها نسبة مئوية عالية، تضعها في مصاف النصوص الرمزية بامتياز..

ثانيًا- التجنيس الدقيق:

النص قص قصير رمزي بأحداث واقعية وبمسحة فلسفية مثيرة للجدل، ينضوي تحت نظرية الفن للمجتمع.

ثالثًا- البناء الفني:

وهو المدلول الأول للنص، فدلالة النص بناؤه الفني الذي يتمفصل باتجاه مدلولات ذرائعية عديدة تتعاون فيما بينها لتكوين هيكلية هذا البناء بمفاهيم مختلفة، تتحد فيما بينها لتعطينا بناءً متماسكاً كما سيوضح في المدلولات المفصلية الذرائعية التالية:

أ- العنوان:

أفعى وحمامة:

اسما جنس لنوعين من الحيوانات، الأول أفعى: اسم جنس من الزواحف السامة . الثاني: حمامة اسم جنس من الطيور .

المعنى الرمزي:الأفعى في المعتقد القديم تعني أنها باقية ولا تموت أبدًا وأن حياتها تتجدد مع تجدد جلدها كل عام، وكان هنالك ربط بين معتقد الأفعى ومعتقد القمر الذي يجدد حياته أبديًا في دورة شهرية دائمة...

الحمامة :رمز السلام هو تمثيل أو كيان يرمز للسلام. أخذت هذه الفكرة من حضارة ما بين النهرين الحمامة، أو حمامة تحمل غصن الزيتون في منقارها، هي رموز قديمة للسلام.

 ولعلنا نفهم من العنوان أن هناك صراعاً من أجل البقاء تفرضه الفطرة التي فطر الله عليها مخلوقاته.

ب- المقدمة أو الاستهلال:

هي عبارة عن مفهوم زمكاني، يقدم الكاتب تعريفاً بسيطاً بمكان و زمان القص، كما قدّم تعريفاً بشخصيات الرواية، بعض ملامحهم وصفاتهم، بطريقة فنية تثير الاهتمام، يستحضر المكان بكل مؤثراته بطريقة تدريجية، الكاتب البارع هو الذي يحشد في المقدمة كل عناصر التشويق التي تشد القارئ ليتابع القراءة إلى النهاية، يقدم شخصياته بالتدريج ويعرّف ببعض صفاتهم وملامحهم:

"يدرك تمامًا أنه ليس وحده، لا بد أن كثيرين يشاركونه المكان، تلك الحمامة الراقدة على بيضها في مدخل المغارة، يراها ويسمع هديلها الخافت، وهناك آخرون، لا يراهم عيانًا، يشعر بوجودهم، ربما يرونه من حيث لا يراهم فليس كل من يراك تراه."

ج- الزمكانية:

الزمان: فترة حرب معاصرة حالية يشهدها بلد الكاتبة..

"قبل أسابيع أرسلوه إلى قريته في إجازة مرضية، عاد حاملًا جراحًا نازفة وساقًا مكسورة ينتظر شفاءها ليعاود الالتحاق بقطعته".

المكان: مغارة (مقديس) اختبأ فيه البطل هارباً من السوق للخدمة العسكرية.

"نعم إنها مغارة "مقديس" الموغلة في جوف الجبل، لطالما كانت مأوى للفراريّة وقطاع الطرق يحتمون بها من أعين الدَرَك"

د- التشابك السردي:

هو أوسع المفاهيم لمدلولات البناء الفني.

تنظر النظرية البراغماتية للتشابك السردي بخريطة منتظمة الأبعاد والحدود، بثلاثة محاور أساسية تنطلق من قاعدة النص أو العمل السردي (العنوان)كقاعدة سفلى ومنها يتجه المحور الأوسط (محور التوليد وهو هنا اللجوء إلى المغارة) عمودياً على القاعدتين (المقدمة والنهاية) ماراً بالعقدة، وهو المحور الذي يرسم مسار الأحداث من المقدمة فالزمكانية حتى العقدة، ومنها ينقلب الأداء فيه نحو الانحسار، ويسمى جزؤه العلوي ب (المحور الانحساري) حتى يدرك النهاية لمجريات الحل.

يساعد هذا المحور، المحور الثاني (محور التكوين _ الحمامة والعش والبيوض) المنطلق من الزاوية اليسرى لقاعدة النص، ويحمل فوق تياره جميع الشخصيات المتولدة والمساندة للبطل (الشخصية الرئيسية الشاب)، ومشاركة كل شخصية من تلك الشخصيات للبطل هو ظهور مشهد جديد أو حادثة جديدة أو قصة جديدة، حتى يتقاطع هذا المحور مع المحور التوليدي في العقدة، ليبدأ بانحسار تلك الأحداث متجهاً إلى أقصى الجهة اليمنى من النهاية .

وينطلق المحور الثالث (محور المعارض الأفعى) من الجهة اليمنى لقاعدة النص متجهاً نحو الأعلى ليتقاطع مع المحورين السابقين في العقدة، ويكمل بانحسار جميع الشخصيات المعارضة التي شاركت في الصراع الدرامي في المثلث الأول.وبذلك يُرسَل مثلثان ملتقيان بالرأس في نقطة الوسط (العقدة تساؤل عن ذنب الأفعى) ليشكل لدينا تشابكاً سردياً منتظماً وحلاً راقياً.وتطابق المثلثان يعطي عملاً درامياً متوازناً.

إن الصراع الدرامي هو عبارة عن صراع بين الخير والشر بالمجمل، تقوم به الشخصيات التي يتوالد بتواجدها وحضورها تباعًا أحداث جديدة تلتقي خيوطها بنقطة واحدة، ينقلب بعدها الصراع إيجابيًا نحو الانفراج والنهاية ....

مهارة الكاتب هي في بناء الحدث الدرامي، اختيار طريقة البناء بعيدًا عن الإخبار المباشر أو ما يسمى بالطريقة التقليدية التي تمتاز بالتطور السببي المنطقي المتدرج بالحدث من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية.

إن الكاتبة فيحاء نابلسي تمتاز بأنها تكتب قصصها بحبكتين وعقدتين، مخبوءة رمزية، وظاهرة واقعية. إن تحدثنا عن التشابك السردي الظاهر سنجد أنها استخدمت الطريقة التقليدية، شاب لجأ إلى مغارة هاربًا من الخدمة العسكرية الإلزامية في بلد فيه حرب شبه أهلية يجد على باب المغارة أفعى تحاول أن تهاجم بيوضًا في عش لحمامة تقف خائفة على فراخها، يبادر الشاب إلى قتل الأفعى الجائعة، يجد الحمامة تحاول أن تنقر الأفعى الميتة، يصل لنتيجة مفادها (إما أن تأكل أو تؤكل)، يقرصه الجوع فيقتل الحمامة بنفس السكين، يأكل من لحمها ويطعم فراخها....هذا ما كان من أمر سرد الأحداث ...

أما عندما نتحدث عن التشابك السردي الداخلي الذي ثار في داخل النفس البشرية، وهو في الحقيقة التشابك الحقيقي فإننا أمام الطريقة الحديثة في السرد التي تبدأ من لحظة التأزم (اللجوء إلى المغارة هربًا من موت محتم) يخبر الكاتب أحداثه السابقة بالعودة إلى الماضي Flashback لنجد الكاتبة تستعين بأساليب وتقنيات تمثلت بتدفق سيل الوعي Stream of consciousness والذكريات Memories.

أما ما يختص بسردية الحدث فقد استخدمت الكاتبة طريقة السرد المباشر، قدمت فيها الأحداث بصيغة الضمير الغائب (هو)، هي طريقة فيها مجال كبير من الحرية للكاتب ليقوم بتحليل شخصياته من ناحية السلوك والأفعال المشاهدة، ومن ناحية الشعور والانفعالات الداخلية الخفية، وهي طريقة تبعد عن ذهن القارئ أن الكاتب يكتب تجربة ذاتية، وإنما هي من صميم الإنشاء الفني....

عناصر التشابك السردي:

• الموضوع:

وهو الفكرة التي تتحرك الحوادث والشخصيات لخدمتها، فإن لم يتحقق ذلك، صار الموضوع دخيلاً على الحدث، وكانت القصة أو الرواية مختلّة ومختلفة في البناء...

(إما أن تَأكُل أو تُؤكل)، (إما أن تَقتُل أو تُقتَل)، جدلية (الديمومة والاستمرارية والصراع من أجل البقاء) موضوعة أمام ظروف متغيرة، وبأحكام غير ثابتة، في نفس المكان والزمان، وكيف للكاتبة أن تعالج هذه الجدلية وتقنعنا أو لا تقنعنا؟ بل تبقي الموضوع مفتوحًا لنا كمتلقين، نضع عليه أحكامنا التي لن تكون واحدة بحال من الأحوال، لاختلاف مشاربنا واعتقاداتنا بالمجمل...

• الحبكة الاخبارية:

 شاب لجأ هاربًا إلى مغارة رطبة (محور التوليد) تظهر فيها الصواعد والنوازل في جوف الجبل، معروف أنها ملاذ آمن للفرارية وقطاع الطرق، هجرها هؤلاء بعد أن أصبح الوطن برمّته مغارة كبيرة حَوَت كل المرتزقة من كل الأصقاع (الآن لم يعد يقربها أحد، لا حاجة لأحد بالاختباء بعد أن أصبح الوطن كله مغارة كبيرة يأوي إليها كل من هبّ ودبّ، الآن هو وأمثاله من يلجؤون إلى المغارات، عندما كفر قومه بالإنسان اعتزلهم وأوى إلى الكهف علّه يجد من أمره رشدًا) رمزية عالية جدّاً، هذه المغارة أصبحت تلائمه وتلائم أمثاله ممن رفضوا أن يكونوا حطباً في محرقة تحرق الأخضر واليابس دونما وجه حق... وأمام جدلية إما أن (تَقتُل أخاك أو يَقتُلك أخوك) اختار الشاب الهروب.... فإلى متى ؟ هذا السؤال هو المحور الأساسي الذي دار حوله النص، متى نكون مجبرين على تجاوز وتخطي معتقداتنا؟ والطعن فيها؟

"يريدونه وقودًا لحربهم، قطعة حطب أخرى يلقونها في المحرقة حتى لا تخبو نيرانهم المتأججة على الدوام. لكنه لا يريد أن يَقتل، لا يريد أن يزهق أرواحًا لا يعرفها ولا تعرفه، ليس خائفًا من الموت، يعرف أن لكل أجل كتاب، ولكن ما الذي يستحق أن يريق دماءه لأجله في هذه الزوبعة التي لا يبين منها أرض ولا سماء."

إن الحرب في داخل الوطن لم تكن بأي حال من الأحوال شريفة، هي في أحسن الأحوال سوقًا ينشط فيها تجار الموت وأعوانه من الواشين و الخونة، عملاء مأجورين لمن يدفع:

"العيون الخائنة ألجأته إلى هنا، البارحة جاءت دوريّة على أثر وشاية، باغتوا القرية عند المساء، عندما كان الجميع مطمئنين في مجالسهم، فتشوا الدور والبساتين بحثًا عن الشباب الفارين، أمسكوا بالبعض وتمكن الأخرون من الفرار"

على باب المغارة انتصبت ساحة معركة لم يجد أمامها بد من القتال الذي فرّ منه كعقيدة، أفعى (محور المعارضة) تهاجم عشاً فيه بيوض الحمامة (محور تكوين) تحاول أن تذود عن حماها و عشها، وأمام شعوره بضرورة نصرة وإغاثة الحمامة الضعيفة و عشها، يتناول موسه الكباس من جيبه يتهيأ لفعل آخر بعد أن نجح آنفًا بإبعادها برميها بجحر، ولكن جوعها جعلها تحاول الاقتراب مرة أخرى لتسكته، فطرة الله التي فطر عليها الحيوانات، الافتراس من أجل الاستمرار بالحياة، فلا معاوضة ولا طعام بديل مما تنبت الأرض، مضى أكثر في تفكيره، دار في داخله صراع آخر، بأن نجدته تلك قد تعوق سير حياة أفعى...

"من شق في إحدى الصخور يلمح ظلًا أسود يزحف على مهل، تجلّت أمامه أفعى، ها هي تمدّ رأسها تتقدّم قليلا ثم تنكص راجعة عندما تهيج الحمامة وتضطرب، شغله المشهد عن هواجسه، ها هي ساحة معركة أخرى تقوم أمامه، لا مناص من القتال !!

تأهب مستشرفًا الحدث، البارحة قذف الأفعى بحجر فاختفت، لكنها اليوم تعود، لعل الجوع شغلها عن الحذر، تحسس في جيب سرواله الخلفي الموس الكبّاس، تناوله بأصابع مترددة وأخذ يقلبه في كفه، هل يرشقها بضربة عاجلة، حدّث نفسه وهو يتأمّل الأفعى تزحف على مهل."

• العقدة:

ما ذنب الأفعى إن كانت لا تبتغي سوى أن تعيش؟ لا تبتغي شرّاً محضاً وإنما تكافح من أجل البقاء، أليست فطرة الله فيها أن تحافظ على أمانته فيها (النفس) وقد جعل الله سبيل بقائها وديمومتها في القنص والافتراس؟ هي فقط تتناول لقمتها، وما ذنبها إن كان القدر قد جعل لقمتها تلك الحمامة وبيوضها؟ تفكير خطير جدّاً لو أسقطناه على جنس البشر لتحوّل إلى غابة يفترس قويّها الضعيف بحكم شريعة الغاب التي لا تحاسب مفترساً ولا ترحم فريسة، وقد تهرب الحمامة تاركة بيوضها، ترى هل تتغلب عاطفة الأمومة على غريزة البقاء؟

"لكنها لا تبغي سوءًا ! لا تريد سوى الطعام، ما ذنبها إن كانت هذه الحمامة قوتَها ؟ ربما تفرّ الحمامة وتترك للأفعى بيضها لتنجو بحياتها، هل غريزة البقاء أقوى أم غريزة الأمومة؟ لا يعرف كيف تفكر هذه البهائم، ولا يعرف أيضًا إن كان عليه أن يدع الحياة تسير في مسارها أم يعترض طريقها بفعلٍ!"

• الانفراج:

بحكم الطبع الآدمي، يصدر العقل أوامره لجوارحه، فتعمل بردة فعل مباغتة، تعالج يدَهُ مقبض الموس وتفتحه، وتطلقه باتجاه الأفعى مستقرًا في عنقها، تثبتها في مكانها قبل أن تصل إلى العش، والحمامة تعلو وتهبط أمام العش مضطربة تحاول بقوة الأمومة أن تدافع عن فراخها، إذًن ماتت الأفعى وبقيت الحمامة مضطربة لم تتأكد من موتها بالبداية، وبقيت بعيدة إلى أن همدت الأفعى عندها اقتربت الحمامة من عشها، و تأكد البطل أن غريزة البقاء هي الأقوى:

"اشتعل رأسه رهباً، انبسطت ذراعه ونترت إصبعه قبضة الموس، قذفت كفه المديّة فاستقرت في عنق الأفعى وثبتتها في مكانها قبل بلوغها العشّ بقدر عقلة، هوى السواد إلى الأرض ينفض ما تبقى فيه من رمق، مازالت الحمامة ترفرف غير بعيد عن عشها، لم تأمن عدوها بعد، لم تدرك أن هذا الشيء الذي يتلوى وينتفض أمامها على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم تدرك أن من كان على وشك أن يسلبها حياتها قد فقد حياته، مازالت تحوم بوجل، تنتظر أن تهمد وتخمد حتى تعود إلى عشها، يبدو أن غريزة البقاء أقوى"

وخطر بباله أن يسجل هذه الملحمة على جدران الكهف كما فعل الأجداد أهل الكهوف أمام العصور الحجرية الذين كانت انتصاراتهم تشبه انتصاره هذا، ثم استدرك، لم يسجل هكذا انتصارات سخيفة ومخيفة، لمَ يخبر الأجيال القادمة عن الأشياء المريعة التي حصلت وما زالت تحصل في هذا العصر المخيف، الرؤوس التي تقطع بعيداً عن الأجساد، والأطراف التي تطير فرادى؟ لم لا يخبرهم أن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش؟ وذهب خياله بعيدًا إلى الحقول والسنابل الخضراء والصفراء، إلى الطبيعة الأمّ وجمالها وجمال الحياة الدافئة الآمنة التي توافدت صورها إلى ذاكرته:

"هل يحفر على الصخر رسم أذرع تتطاير في الهواء ورؤوس تتدحرج بعيدًا عن أجسادها، صرخات ودخان ودمار،وسيول حمراء تلوّن الطرقات، ربما لن تتسع جدران هذا الكهف لكل ما يحمله رأسه من عذاب وألم .

ولم عساه يخبر أولئك القادمون عما جرى في هذا الزمن الغريب، لعلّه يترك لهم شيئًا أبهى، شيء لا يجعل قلوبهم تتلظى حسرة على إنسان هذا العصر، شيء يخبرهم أن الحياة تستحق أن تعاش".......

 أخرجه من ذلك مرأى الحمامة وهي تنقر الأفعى بعد أن تأكدت من موتها، تبتغي بعض اللحم منها، لتسد جوعها وجوع فراخها التي خرجت من البيوض التي فَقَسَت لتوّها" وهذا تغيّر في اتجاه تفاؤلي وإيجابي أراح البطل كثيراً: وأوصله إلى نتيجة، أخاف أن أقول أنها حقيقة إلا في عالم الحيوان: (إما أن تأكل أو تؤكل)

"يمّم وجهه شطر الحمامة، إنها ترفرف فوق جثة الأفعى الهامدة بعد أن تيقنت موتها، لعلها تريد أن تنقرها لتقتات على لحمها، صوت زقزقة خافتة في العش، ها هي البيوض تفقس وتمد الفراخ رؤوسها الحمراء الرطبة، الحمامة الأم تعود إلى الأفعى، "إما أن تأكلَ أو تؤكل".

• النهاية:

أطلقها البطل مجلجلة، ضحكةُ ترافقت مع يد وضعها على معدته الخائرة، ويد أخرى تفتح الموس، تَقَلُّب الجمرات وتغمد النصل في اللحم الطري (لحم الحمامة)، وتنقله إلى فم ما استساغ لحم الحمام يوماً، لكن الفكر يقول: (طعام سيء خير من جوع قاتل)، مزقة لحم أخرى وضعها في أفواه الفراخ الجائعة التي أكلت دون أن تدري أنه لحم أمّها التي كانت تستميت للدفاع عنها منذ قليل..

وعلى جدرار الكهف كتب بعود يحمل عناب الفحم (قصة حياة):

"اقتطع مزقة من لحم وألقمها للفراخ الفاغرة أفواهها للطعام وتابع تقليب اللحم فوق الجمر المتقد، ركز شواءه على طرف الحجر وأخذ عن الأرض عودًا غمسه بهباب الجمر المتفحم، رسم على جدار الكهف صورة أفعى زاحفة وحمامة مرفرفة، سجّل حروف اسمه الأولى تحتها وكتب بخط أسود

 " قصة الحياة " .

تناول قبضة الموس وبدأ ينهش اللحم الساخن على مضض".

نهاية فلسفية على درجة رفيعة جدّاً من الرقي والفكر النيّر والقناعات السوية، فيها جواب لسؤال المركزي في النص متى نكون مجبرين على تخطي اعتقاداتنا؟ عندما يتعرض بقاؤنا (حياتنا) لخطر الفقد.

تحليل الشخصيات ضمن الحبكة والتشابك السردي والزمكانية المزدوجة:

الشخصية القصصية هي أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القص أو الروي، ولا يجوز الفصل بينها وبين الحدث، لأن الشخصية هي التي تقوم بالحدث، وقد أجرت الكاتبة أحداث قصتها على أفراد واقعين باختلاف الأجناس، إنسان وحيوان (طير وزاحف)، التفاعل بينهم ليس بالحوار كعملية تواصل معروفة، وإنما بأفعال وردود أفعال:

الشخصية الرئيسية:

الشاب الإنسان:

شاب محكوم بالصراعات النفسية، والتساؤلات الفلسفية، والإسقاطات المباشرة التي تناوشت عقله ومشاعره، وهي التي دفعت بالأحداث نحو التطور والتصاعد ما أوصلها إلى العقدة، رد فعل الحمامة كانت محفزًا وجوابًا عن سؤال هام طرحه (أيهما أقوى غريزة الأمومة أم غريزة البقاء) وعندما وجد عندها غريزة البقاء هي الأقوى، وجد أنه أولى بهذه الغريزة منها وهو الذي لم يجرب غريزة الأمومة والتي من المفترض أن تكون هي الأقوى! لكنها حيوان .. والحيوان محكوم بغرائزه، أما الإنسان فعقله هو القائد، وإن فقد القيادة وانساق لغرائزه فلا اختلاف بينه وبين الحيوان ...

الشاب بالواقع الذي يعيشه هو إنسان مسالم لا يريد أن يقتل أحدًا من بني جنسه ولا يريد أن يُقتَل، لذلك آثر الهرب في وطن صار سجنًا كبيرًا في أحسن أحواله، و غابة شريعتها القتل والفتك والبقاء للأقوى في أسوء الأحوال...

بالسجايا النفسية هو شاب يحب الحياة ويبتهج بجمالها ونعمها، ولكن الحياة ليست جميلة بالمطلق، وليست بريئة بالمطلق... أكبر توصيف لها أنها (قصة حياة).

الأفعى، الحمامة: شخصيات ذات دلالات رمزية تتعلق بالديمومة والبقاء.

الأفعى: تهاجم لتأكل، بغريزة البقاء .

الحمامة: تهرب لتنجو بنفسها بغريزة البقاء.

- استراتيجية السقل وإعادة البناء

ونخص بالتفصيل استراتيجية السقل وإعادة البناء، فهي مستثناة من التشابك السردي لكونها نختص بعناصر الجمال المكملة لعملية التشابك السردي، فتشير استراتيجية السقالة وإعادة البناء كبند تعليمي إلى مجموعة متنوعة من التقنيات التوجيهية المستخدمة لتزيين وتجميل جدران العمل الأدبي لجعله متفوقاً جمالياً، فالرؤية الذرائعية المنبثقة منها تلك الاستراتيجيات تنظر للعمل الأدبي السردي كأنه منزلٌ، أرست دعائمه الأولية واكتملت هيكليته، ويحتاج العوامل الجمالية السقل والصباغة والأثاث و التي ستسبغها عليه تلك الاستراتيجية لتجعله مناسباً للسكن، والعوامل الجمالية تتلخص ب:

1- الأسلوب وهو النسيج السردي الذي يشير نحو درجة الأدب وعمقه

السردي وذلك بدرجة انزياحه نحو الخيال والرمز..

2- السرد وهو الطريقة التي تتوالى الأحداث فيها في النص حتى

تصل المتلقي باهتمام وهذا مؤشر مهم في جمالية النص يعكس حرفنة ومهارة وإبداع النصاص....

3- الحوار وهو ما يزيد من أهمية الشخصيات ويبرز خلجاتهم الإنسانية و

 النفسية والاجتماعية والشخصية...

4 - الصور اللغوية وهي تساهم بجمالية النص في الوصف وتأخذ الأديب

 نحو السلوك الفني لتجعله بمقارنة مع الموسيقي والرسام....

5- البلاغة وهي عناصر التصوير السردي من طباق وجناس وتورية وتشابه واختلاف وتشخيص....

6- الجمال: علم يقتضي حضوره في النص ليعكس الجمال الفني فيه

رابعًا– البناء الجمالي:

• الأسلوب Style:

فالأسلوب هو: طريقة الكاتب في التعبير، واستخدام المفردات والجمل الأدبية، والبراعة في صياغتها و تطعيمها بشذرات الجمال الأدبي والبلاغي لتكون جاذبة للمتلقي، تزيده شغفاً وتعلقاً بالرواية حتى النهاية، وهو يحتوي أيضا ً على العمق السردي والخيال ودرجة الانزياح.

أسلوب الكاتبة كان واقعيًا بانزياح رمزي بنسبة مئوية عالية، تميّز بطرح فلسفي ونفسي على درجة عالية من الأهمية، الكاتبة اعتمدت التنصيص وهي سمة مميزة لها نجدها في معظم نصوصها ويمكن اعتباره تكنيك يميزها، عنصر التشويق كان حاضرًا منذ البداية وحتى النهاية الباغتة:

(لطالما كانت مأوى للفراريّة وقطاع الطرق يحتمون بها من أعين الدَرَك، الآن لم يعد يقربها أحد، لا حاجة لأحد بالاختباء بعد أن أصبح الوطن كله مغارة كبيرة يأوي إليه كل من هبّ ودبّ)

استخدم الأسلوب المباشر في سرد الحدث الفعلي:

(البارحة جاءت دوريّة على أثر وشاية، باغتوا القرية عند المساء، عندما كان الجميع مطمئنين في مجالسهم، فتشوا الدور والبساتين بحثًا عن الشباب الفارين، أمسكوا بالبعض وتمكن الأخرون من الفرار، لم يجد وقتًا لحمل زاد كافٍ، وحتى الآن لم يأت أحد ليبلغه بإمكان عودته.)

استخدمت الكاتبة الأسلوب العميق عندما تحدثت عن فلسفة البقاء والديمومة:

(لكنها لا تبغي سوءًا ! لا تريد سوى الطعام، ما ذنبها إن كانت هذه الحمامة قوتَها ؟ ربما تفرّ الحمامة وتترك للأفعى بيضها لتنجو بحياتها، هل غريزة البقاء أقوى أم غريزة الأمومة ؟ لا يعرف كيف تفكر هذه البهائم، ولا يعرف أيضًا إن كان عليه أن يدع الحياة تسير في مسارها أم يعترض طريقها بفعلٍ!)

وكذلك استخدمت أسلوب السهل الممتنع:

". لم يعد، و ها هو الآن بلا هويّة ولا شيء يثبت كينونته. ولكن ما حاجته إلى هويّة هنا ؟ الجميع يعرفونه، يعرفون أباه وجده وجد جده، يعرفون يوم ميلاده والوحمة السوداء في بطة ساقه، والجرح الغائر في كتفه يوم قفز عن السنديانة الكبيرة إلى النهر وجرحه أحد أغصانها الحادة، لمَ يريد هوية في قريته، يمكنه أن يتنقل من حاكورة إلى أخرى وينزل إلى العين يملأ كفيه ماء زلالًا ويعبّ حتى الارتواء .

• السرد Narration:

السرد لغويًا: توالي أشياء كثيرة يتصل بعضها ببعض،

السرد اصطلاحًا: التتابع وإجادة السياق.

السرد أدبيًا: ما يشتمل على قص حدث أو أحداث أو خبر أو إخبار، سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أم من ابتكار الخيال.

إخبار جرى على لسان الكاتبة (راوي عليم) حوى جميع الأدوات الجمالية، وبعض العلوم مثل علم البيان والبديع والمعاني وعلم الجمال .

• الحوار Dialogue:

كله مونولوج داخلي للبطل بصيغة الغائب. وهناك حوار بسيط على لسان صديقه.

وقد جاء مركزًا وموجزًا ومعبرًا عن الأفكار الحيوية للشخصية،عرفنا من خلاله أن الشخصية تتمتع بأرضية فلسفية ومحاكاة عقلية عالية، المونولوج كان قاصمًا لرتابة السرد الطويل.

• الصور الجمالية:

حفل النص بالعديد من الصور الجمالية المرسومة بريشة رسّام محترف، ألوانه عديدة، علم بيان، وبديع وجناس وطباق وتورية وأسابيع واختلافات، نعدد بعضها دون حصر:

- سقفها الذي يتدلى منه عشرات الأثداء = استعارة

- يقطر منها الماء نقاطًا تهوي إلى الأرض على مهل عازفة لحناً خافتًا بإيقاع مخيف.

- يريدونه وقودًا لحربهم، قطعة حطب أخرى يلقونها في المحرقة حتى لا تخبو نيرانهم المتأججة على الدوام

- قذيفة قدمت للطيور وليمة دسمة = كناية

- أصبح الوطن كله مغارة كبيرة= تورية

- يلفظ دواخله كما يزفر الهواء = تشبيه

- اشتعل رأسه رهباً

- هوى السواد إلى الأرض ينفض ما تبقى فيه من رمق= كناية

- وسيول حمراء تلوّن الطرقات.

- ربما لن تتسع جدران هذا الكهف لكل ما يحمله رأسه من عذاب وألم .

- وتسيل البركات سيولًا وأنهار.

 - سنابل الذهب أم تفاحات لوحتها شمس أيار ؟

- برتقالات امتلأت بشهد العسل أم خضرة المروج في نيسان؟

- ربما لا تتسع الجدران أيضًا لكل الهناء المخبوء في ذاكرته .

- يمّم وجهه شطر الحمامة (اقتباس)

تأكل، تؤكل: جناس

موت # حياة طباق

خامسًا- التكنيك واستراتيجيات الكاتب:

تمركز النص حول محور الصراع من أجل البقاء والاستمرارية والديمومة، وأن الموت هو حكم الله على كل المخلوقات، فلا بقاء يستمر، وهو نهاية حتمية حتى لمن نجا من صراع، كما أن فكرة الكاتبة عن الحرب أنها لا انتصارات فيها أبدًا، المنتصر فيها هو القتل (إما أن تقتُل أو تُقتَل) فالمحصلة موت ... وخصوصًا إن كانت الحرب بين أبناء الوطن الواحد.

هذا ما يخص استراتيجية الكاتبة، أما ما يخص تكنيكها فهي كاتبة تكنيكها التدوير والتنصيص.

سادسًا- المتغيرات الرمزية في النص:

هذا الصراع يفتك به القوي بالضعيف في عالم الحيوان، وتقرّه شريعة الغاب من دون أن تجرّم المفترس ومن دون أن تتعاطف مع الضحية، هي فطرة الله فيهم من أجل البقاء.

الإنسان هو الغالب في صراعه مع باقي المخلوقات بحكم تميزه بالعقل و الدقة وذكاءالتدبير.

أما الحسم بصراع إنسان مع إنسان: يكون حتماً صراعاً بين خير وشر، ولا بد من ضحايا ودم يُراق، لإعادة الموازين إلى اتزانها في وطن اعتُدي فيه على كل شيء، وخلت فيه الأماكن من سكانها الأصليين، بل وتبدّلت الأدوار فيها فغدا الوطن مرتعاً للصوص والمرتزقة، وأصبحت الكهوف والمغاور مخيّم تشرد للمخلصين والشرفاء.

ولا بد من الصراع .. والسؤال الذي طرحته الكاتبة كان عن مدى شرعية هذا الصراع، هل هو مشروع ؟ والجواب كان في حكم الله تعالى الذي شرَّع القتال والجهاد دفاعاً عن النفس والعرض والمال والوطن، من أجل الاستمرار والبقاء، وهذه شريعة الله في البشر يتحقق بها عدل الدنيا واستمرارها، (أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير) صدق الله العظيم، هنا تناص قرآني موفق جدّاً.

نأتي لسلوك الإنسان مع الحيوان، البطل الذي قتل الأفعى (مع قناعته أنها لا ترتكب شرّاً) دفاعاً عن الحمامة، ثم قتل الحمامة(مضطراً تحت وطأة الجوع (آخذًا بأسباب استمراريته، هل ارتكب جريمة قتل ؟ مؤكد لا وإنما دافع عن نفسه التي وضعها الله أمانة عنده وصانها حتى آخر رمق، الموت آتيه لا محالة لكن (لكل أجل كتاب)، و هنا نجد تناصًا موفقًا.

وجدلية أخرى لمحتها بالنص، هل كل موت هو قتل ؟

حتماً لا، وإلّا كان عزرائيل أكبر قاتل، وحاشاه ذلك وهو ملاك ينفذ مهمته التي أوكلها الله إليه.

سابعًا- التحليل الإحصائي الساند:

ويعتبر التحليل الاحصائي الساند، أحد عناصر تحليل المضمون الهامة، في تحليل النصوص، ويقصد به تحويل المعاني من مفردات أو تعابير أخرى إلى أرقام، ومن ثم اكتشاف دلالة الرقم، ويتم هذا التحليل الرقمي بمنهجية، وفق خطوات معروفة، ولغايات محددة، وتتوخى درجة الموضوعية و الحيادية فيه، وتجنب الأحكام الذاتية في هذا التحليل، و وحدات التحليل الأساسية هي:

- الحرف

- والكلمة

- و العبارة

- والفقرة

- والفكرة

- والشخصية

- والزمان

- والمكان ...

ومن ذلك يكتسب هذا التحليل الاحصائي منهجيته العلمية، بأنه يمكِّن الباحث من التعمق والاندماج في صلب الموضوع، و يساعده أيضاً على الوصول إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تثار حول النص، وذلك بفضل قدرة المنهجية على التحليل الذي يزيل الغموض، ويظهر الغايات المقصودة من النص بوضوح، وكذلك يساعد على إظهار المعاني الدفينة والمخبوءة في النص، وإجلاء مضامينه على نحو دقيق، ويفيد هذا المنهج العلمي، المجتمع والباحثين في الأدب والعلوم الأخرى بأنه يصف الظروف والممارسات في المجتمع، ويبرز الاتجاهات المختلفة، ويساعد على الكشف عن نقاط الضعف والقوة والتناقضات، ويساعد على تطوير الأداء، و إظهار الفروق في الممارسات، وتقويم العلاقات بين الأهداف المرسومة وما يتم تطبيقه على الكشف عن اتجاهات الناس وميولهم.

وقد استخدم الكاتب نوعين من المفردات:

1- المفردات والمعاني الثابتة: وهي المفردات التي أخذت بنوعي المفردات النحوية الأساسية الاثنتين (مفردات المحتوى content words ومفردات التركيب (function word

2- المفردات الدلالية المتكررة، وتلك المفردات حركها الكاتب بشكل فني مدروس لإعطاء جمالية في النص، فأعطى لكل مفردة وظيفة معينة، وعمل على تكرارها بشكل واعٍ، لتعطي دلالات تضيف عمقاً لمتن النص .

أحصيت الدلالات الحسية فكانت(٧٨) دلالة تفصيلها على الشكل التالي:

الدلالات السلبية:

الأفعى (عدو)=٣

مغارة (وحدة) =٥

خوف =٦

حرب (مآسيها)=١٢

أسى ويأس =١٠

المجموع =٣٦

الدلالات الإيجابية:

حمامة (سلام) =١٠

شجاعة =٥

حكمة =١٧

أمل وتفاؤل =١٠

المجموع =٤٢

والغلبة للدلالات الحسية الإيجابية

دلالات فلسفية:

- ما الذي يستحق أن يريق دماءه لأجله؟ = ٧

- لم بريد هوية في قريته ؟= ٥

ما ذنب الأفعى إن كانت الحمامة هي قوتها ؟= ٨

- هل غريزة البقاء أقوى أم غريزة الأمومة ؟= ٧

- هل عليه أن يدع الحياة تسير مسارها أم يعترض طريقها بفعل ؟= ١١

- لم يصر الإنسان دوماً على أن يلفظ دواخله كما يزفر الهواء ؟=١١

هل تقتلنا المشاعر والأفكار لو بقيت حبيسة النفس والخاطر؟= ٩

- لم عساه أن يخبر أؤلئك القادمون عمّا جرى في هذا الزمن الغريب ؟= ١٢

من أين ترد الخواطر على مرآة النفس ؟= ٧

إما أن تأكل أو تؤكل .= ٥

المجموع=٨٢

82 دلالة حسية فلسفية أمام 78 دلالة إيجابية وسلبية يقطع الشك باليقين أن النص فلسفي بامتياز، ومثير للجدل.

ثامنًا- الخاتمة:

النص متشعب فلسفياً ونفسياً، ويستحق أن نغوص فيه أكثر وأعمق، أتمنى أن أكون قد تمكنت من الإحاطة بمفاصل النص وربط جميع الخيوط التي نتجت عن التحليل بمنهجية السقل وإعادة البناء، لتوضع في موضعها الصحيح .... هو نص مائز أمتعتنا به الروائية والأديبة فيحاء نابلسي، ولها مني كل التحايا والتقدير.

النص الأصلي:

أفعى وحمامة

يدرك تمامًا أنه ليس وحده، لا بد أن كثيرين يشاركونه المكان، تلك الحمامة الراقدة على بيضها في مدخل المغارة، يراها ويسمع هديلها الخافت، وهناك آخرون، لا يراهم عيانًا، يشعر بوجودهم، ربما يرونه من حيث لا يراهم فليس كل من يراك تراه، لكن ذلك لا يرهبه بأي حال ولا يجعل قلبه يغور في جوفه كما اعتاد أن يفعل عندما كان الكبار يروون حكايات المغارة وساكنيها وأصوات الليل التي تنبعث منها وما يحدث لمن تسوّل له نفسه المرور من قربها أو النظر إلى بابها المعتم، كان يشيح بنظره بعيدًا عندما يقوده الطريق إلى جهتها ويغمض عينيه خوفًا من أشباحها في حال دنوّه منها،ولكن ها هو الآن يقبع في حضنها، بين جدرانها الرطبة وسقفها الذي تتدلى منه عشرات الأثداء الحجرية يقطر منها الماء نقاطًا تهوي إلى الأرض على مهل عازفة لحناً خافتًا بإيقاع مخيف.

نعم إنها مغارة "مقديس" الموغلة في جوف الجبل، لطالما كانت مأوى للفراريّة وقطاع الطرق يحتمون بها من أعين الدَرَك، الآن لم يعد يقربها أحد، لا حاجة لأحد بالاختباء بعد أن أصبح الوطن كله مغارة كبيرة يأوي إليه كل من هبّ ودبّ، الآن هو وأمثاله من يلجؤون إلى المغارات، عندما كفر قومه بالإنسان اعتزلهم وأوى إلى الكهف علّه يجد من أمره رشدًا .

يريدونه وقودًا لحربهم، قطعة حطب أخرى يلقونها في المحرقة حتى لا تخبو نيرانهم المتأججة على الدوام. لكنه لا يريد أن يَقتل، لا يريد أن يزهق أرواحًا لا يعرفها ولا تعرفه، ليس خائفًا من الموت، يعرف أن لكل أجل كتاب، ولكن ما الذي يستحق أن يريق دماءه لأجله في هذه الزوبعة التي لا يبين منها أرض ولا سماء .

قبل أسابيع أرسلوه إلى قريته في إجازة مرضية، عاد حاملًا جراحًا نازفة وساقًا مكسورة ينتظر شفاءها ليعاود الالتحاق بقطعته، لا يملك من أمره شيئًا، هم يريدون ويقررون له أين يكون وماذا يفعل. هاتفه رفيقه قبل أيام، قال له أن كل من كان في قطعته رحلوا إلى العالم الآخر على متن قذيفة حارقة قدمت للطيور وليمة دسمة أشبعتهم لأيام لكنها لم تشبع الغول النهم إلى مزيد من الدماء .

قال له صديقه: " لا تعد، لن يعرف أحد إن كنت بين الأموات أم الأحياء ". لم يعد، و ها هو الآن بلا هويّة ولا شيء يثبت كينونته. ولكن ما حاجته إلى هويّة هنا ؟ الجميع يعرفونه، يعرفون أباه وجده وجد جده، يعرفون يوم ميلاده والوحمة السوداء في بطة ساقه، والجرح الغائر في كتفه يوم قفز عن السنديانة الكبيرة إلى النهر وجرحه أحد أغصانها الحادة، لمَ يريد هوية في قريته، يمكنه أن يتنقل من حاكورة إلى أخرى وينزل إلى العين يملأ كفيه ماء زلالًا ويعبّ حتى الارتواء .

العيون الخائنة ألجأته إلى هنا، البارحة جاءت دوريّة على أثر وشاية، باغتوا القرية عند المساء، عندما كان الجميع مطمئنين في مجالسهم، فتشوا الدور والبساتين بحثًا عن الشباب الفارين، أمسكوا بالبعض وتمكن الأخرون من الفرار، لم يجد وقتًا لحمل زاد كافٍ، وحتى الآن لم يأت أحد ليبلغه بإمكان عودته .

 تحسس في جيبه بعض حبات الجوز وبعض من تين مجفف، تناول شيئًا منها البارحة، لم يتبق الكثير، إلى متى ستسد هذه الحبات رمقه ؟ .

خفقُ أجنحةٍ يقطع عليه تداعياته، الحمامة في مدخل الغار تطير فوق العش تعلو وتهبط، تهدل بهلع، وكأنّما أصابها مسٌّ .

من شق في إحدى الصخور يلمح ظلًا أسود يزحف على مهل، تجلّت أمامه أفعى، ها هي تمدّ رأسها تتقدّم قليلا ثم تنكص راجعة عندما تهيج الحمامة وتضطرب، شغله المشهد عن هواجسه، ها هي ساحة معركة أخرى تقوم أمامه، لا مناص من القتال !!

تأهب مستشرفًا الحدث، البارحة قذف الأفعى بحجر فاختفت، لكنها اليوم تعود، لعل الجوع شغلها عن الحذر، تحسس في جيب سرواله الخلفي الموس الكبّاس، تناوله بأصابع مترددة وأخذ يقلبه في كفه، هل يرشقها بضربة عاجلة، حدّث نفسه وهو يتأمّل الأفعى تزحف على مهل .

 لكنها لا تبغي سوءًا ! لا تريد سوى الطعام، ما ذنبها إن كانت هذه الحمامة قوتَها ؟ ربما تفرّ الحمامة وتترك للأفعى بيضها لتنجو بحياتها، هل غريزة البقاء أقوى أم غريزة الأمومة ؟ لا يعرف كيف تفكر هذه البهائم، ولا يعرف أيضًا إن كان عليه أن يدع الحياة تسير في مسارها أم يعترض طريقها بفعلٍ!

اشتعل رأسه رهباً، انبسطت ذراعه ونترت إصبعه قبضة الموس، قذفت كفه المديّة فاستقرت في عنق الأفعى وثبتتها في مكانها قبل بلوغها العشّ بقدر عقلة، هوى السواد إلى الأرض ينفض ما تبقى فيه من رمق، مازالت الحمامة ترفرف غير بعيد عن عشها، لم تأمن عدوها بعد، لم تدرك أن هذا الشيء الذي يتلوى وينتفض أمامها على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم تدرك أن من كان على وشك أن يسلبها حياتها قد فقد حياته، مازالت تحوم بوجل، تنتظر أن تهمد وتخمد حتى تعود إلى عشها، يبدو أن غريزة البقاء أقوى .

مرّر رأس الموس على الصخرة وحفر خطًا ملتويًا، ضحك من نفسه، لعله يريد أن يسجل هذه المعركة على جدار الكهف كما كان يفعل أجداده قبل آلاف السنين، ما الذي تراه كان في بالهم عندما كانوا يحفرون رسم حرابهم وصيدهم ونيرانهم، لِمَ يصرّ الانسان دومًا على أن يلفظ دواخله كما يزفر الهواء ؟ هل تراها تقتلنا المشاعر والأفكار لو أنها بقيت حبيسة النفس والخاطر؟

ليس في ما جرى أمامه الآن ما يستحق التسجيل، تختبئ في تلافيف ذاكرته صور أكثر جدوى، صور لم تنقلها عدسات المصورين ولم تسجلها تلك الأقمار العائمة في الفضاء ترصد وتترصد، هناك الكثير الكثير. هل يحفر على الصخر رسم أذرع تتطاير في الهواء ورؤوس تتدحرج بعيدًا عن أجسادها، صرخات ودخان ودمار،وسيول حمراء تلوّن الطرقات، ربما لن تتسع جدران هذا الكهف لكل ما يحمله رأسه من عذاب وألم .

ولِمَ عساه يخبر أولئك القادمين عما جرى في هذا الزمن الغريب، لعلّه يترك لهم شيئًا أبهى، شيء لا يجعل قلوبهم تتلظى حسرة على إنسان هذا العصر، شيء يخبرهم أن الحياة تستحق أن تعاش، ربما يرسم قطاف الزيتون أو عناكيش السمّاق المتناثرة على طول الطريق تنتظره ليجنيها في صباحات آب ويأتي بها إلى زوجته لتدقّها في الجرن الحجري وتخبئها لأيام الشتاء، هل يرسم قطع الحطب التي تطقطق في نار المدفأة بينما ينهمر المطر في الخارج وتسيل البركات سيولًا وأنهار، سنابل الذهب أم تفاحات لوحتها شمس أيار ؟ برتقالات امتلأت بشهد العسل أم خضرة المروج في نيسان؟ ربما لا تتسع الجدران أيضًا لكل الهناء المخبوء في ذاكرته .

يمّم وجهه شطر الحمامة، إنها ترفرف فوق جثة الأفعى الهامدة بعد أن تيقنت موتها، لعلها تريد أن تنقرها لتقتات على لحمها، صوت زقزقة خافتة في العش، ها هي البيوض تفقس وتمد الفراخ رؤوسها الحمراء الرطبة، الحمامة الأم تعود إلى الأفعى، "إما أن تأكلَ أو تؤكل"، امتلأ صدره بضحكة مجلجلة، ليس هناك خيار ثالث، قلب الموس في كفه، أغلقه على مهل ثم أعاد فتحه، من أين ترد الخواطر على مرآة النفس ؟ مرّر يده عل معدته يُسكت خواءها.

قلب الجمرات برأس الموس، أغمد النصل الحاد في اللحم الطري ووضعه فوق اللهب. لم يستسغ يومًا لحم الحمام، ولكن طعام سيئ خير من جوع قاتل على أي حال، اقتطع مزقة من لحم وألقمها للفراخ الفاغرة أفواهها للطعام وتابع تقليب اللحم فوق الجمر المتقد، ركز شواءه على طرف الحجر وأخذ عن الأرض عودًا غمسه بهباب الجمر المتفحم، رسم على جدار الكهف صورة أفعى زاحفة وحمامة مرفرفة، سجّل حروف اسمه الأولى تحتها وكتب بخط أسود

 " قصة الحياة " .

تناول قبضة الموس وبدأ ينهش اللحم الساخن على مضض.

فيحاء نابلسي

 

د. عبيرخالديحيي

 

 

falih alhijyaالاساليب الشعرية العربية اختلفت وتشعبت في هذا العصر في الحداثة والمعاصرة كثيرا عما كانت عليه في العصور السابقة : العصر الجاهلي والاسلامي وما بعدهما حيث اوضحنا ان الاساليب الشعرية في كل عصر من العصور وما زاد فيها او نقص وكانت متوازية مع القصيدة العربية الا في هذا العصر فقد عظمتها التحولا ت العلمية والثقافية والادبية وشعبتها الى اساليب كثيرة واذا كانت هذه التحولات كثيرة في قصيدة العمود الشعري او في القصيدة العربية القديمة في اسلوبها ومعا نيها فانها في قصيدة النثرالشعري فاقت كثرة اسلوبية وتعقدت المعايير بحيث يصعب تحجيمها او الهيمنة النقدية على كل اساليبها المختلفة اوقل ان لكل شاعر اسلوبا خاصا به ولكل كاتب واصبح من الصعب ايجاد قاسم مشترك بين كل هذه الاساليب المتعاركة في مدينةالشعر وطرقاتها ومتاهاتها المختلفة .

ان الاساليب الشعرية المعاصرة والحديثة والتي تتمثل في الشعرالحر او قصيدة النثر مهما كثرت زواياها واختلفت طرقها ومحتواها فانها تتمثل في مجموعتين أسلوبيتين هما الأساليب التعبيرية والأساليب التجريدية.

فالاسلوب التعبيريّ يتمثل بالنمط الذي تنتجه أشكال اللغة الأدبية اسلوبا ملونا بتلوين من المعايشة غير المباشرة أو المعهودة، حيث تقدم نوعاً من الحقائق المبتكرة بتحريف يسير للغة المعبرة، وتفعيل معقول لآليات التوازي والاستعارة والترميز بشكل يؤدي إلى الكشف عن التجربة في مستوياتها العديدة والتي قد تصل إلى أبعاد رؤيويّة، لكنها تظل تعبيرية الحقيقة المكنونة .

أما الأساليب التجريدية فتعتمد على زيادة معدلات الانحراف وتغليب الإيحاء والرمز على التصريح، فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل، وقد أشار فضل إلى فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية يتمثل في إشارة الأولى إلى التجربة السابقة على عملية الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم تخيلية، واختفاء هذه الإشارة في الثانية بناء على غيبة هذه التجربة.

ويندرج تحت التعبيرية أربعة أساليب، هي :

1- الأسلوب الحسي وهوالذي تزيد فيه الإيقاعية والنحويّة؛ في حين تقل درجة الكثافة والتشتت والتجريد . فمن الاسلوب الحسي نلاحظ ان شعر نزار قباني افضل نموذج للشعر الحسي.اذ يقول :

دعيني أصبّ لك الشّاي،

أنت خرافيّة الحسن هذا الصّباح،

وصوتك نقشٌ جميلٌ على ثوب مرّاكشيه

وعقدك يلعب كالطّفل تحت المرايا..

ويرتشف الماء من شفة المزهريّه

دعيني أصبّ لك الشّاي، هل قلت إنّي أحبّك؟

هل قلت إنّي سعيدٌ لأنّك جئت..

وأنّ حضورك يسعد مثل حضور القصيده

ومثل حضور المراكب، والذّكريات البعيده..

2- الأسلوب الحيوي الذي ينمي الإيقاع الداخلي ويعمد إلى كسر يسير في درجة النحوية ويتوافر فيه مستوى جيد التنويع من دون أن يقع بالتشتت ويتمثل في شعر بدر شاكرالسياب ,ومن شعره :

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث

في الدروب تحت الشموس الأجنبية

مـتخافق الأطمار

أبسط بالسؤال يدا نديه

صفراء من ذل وحمى

ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية

بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه

والموت أهون من خطيه

من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية

قطرات ماء.. معدنية

3- الأسلوب الدرامي الذي يعتمد على تعدد الأصوات والمستويات اللغويّة، ويحقق درجة من الكثافة والتشتت من دون أن يخرج عن الإطار التعبيري. فيتمثل في شعر صلاح عبد الصبور الشاعر المصري ومن شعره هذه السطور :

معذبي، أيها الحبيب

أليس لي في المجلس السنّى حبوة التربيع

فإنني مطيع وخادم سميع

فإن أذنت إنني النديم في الأسحار

حكايتي غرائب لم يحوها كتاب

طبائعي رقيقة كالخمر في الأكواب

فإن لطفت هل إلىّ رنوةُ الحنان

فإنني أدل الهوى على الأخدان

أليس لي بقلبك العميق من مكان

وقد كسرت في هواك طينة الأنسان

وليس ثمّ من رجوع .

4- الأسلوب الرؤيوي الذي تتوارى فيه التجربة الحسيّة مما يؤدي إلى امتداد الرموز في تجليات عديدة ويفتر الإيقاع الخارجي، ولا تنهض فيه أصوات مضادة، ويحقق مزيداً من الكثافة والتشتت مع التناقص البين لدرجة النحويّة. وافضل شعر يتمثل فيه هذا الاسلوب شعر عبد الوهاب البياتي يقول :

أيتها الأشجار القطبية

يا صوت نبي يبكي

يا رعدًا في الزمن الأرضيِّ المتفجر حبّا يا نار الإبداع

لماذا رحل الملك الأسطوريُّ الحطاب ليترك هذي

الغابات طعامًا للنار?

لماذا ترك الشعراء خنادقهم?

ولماذا سيف الدولة ولَّى الأدبار?

الروم أمامي كانوا وسوى الروم ورائي

وأنا كنت أميل على سيفي منتحرًا تحت الثلج

وقبل أفول النجمِ القطبيِّ وراء الأبراج.

اما اذا اردنا ان نعرف كل هذه الاساليب مجتمعة بواحد فخير مثال شعر محمود درويش كنموذج للتحولات التي تتسع لكل هذه الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تاثير نزار قباني فيه لأنه يعتبره معلمه الاول، ومثل على ذلك قصيدة (بطاقة هوية)، حيث اعادة الصفاء الانساني الشامل ويتمتع بحساسية شديدة الوقع من حيث تمسكه بجذوره العميقة بعروبته وتعينه على حيث تتميز ببنية بالغة التحديد في التنظيم المقطعي تمثل الواقع الحسي الملموس حيث تتحول انماط الشعرية في هذه القصيدة الى وقائع ذوات قوام فعلي وقانوني وتشتمل على كثافة وجودية محددة يمس العصب الوطني بفلسطينيته والقومي في عروبته وربما في دقائق اموره العائلية مقابل تهويد الارض العربية في فلسطين وتهويد انسانها الجديد او المستقبل في الاقل من خلال طمس الهوية العربية في فلسطين وتاتي تحقيقا يتسم بالكفاءة والفعالية والخصوصية لاسلوبية رائعة مثالية تقتضي نقل الحدس الشعري بجمالية وواقعية مبينة يحمل طابع الصياغة الانيق وهو من انقى ميزات شعرية المقاومة المقاومة والصمود .

اذ يقول فيها :

سجل انا عربي

ورقم بطاقتي خمسون الف

واطفالي ثمانية

وتاسعهم سياتي بعد صيف

فهل تغضب

وينتقل إلى الأسلوب الذي اجتمعت فيه الحيوية والدرامية، كما هو الحال في قصيدته (كتابة على ضوء بندقية)، وينتهى الى اسلوب الرؤيا الشعرية الذي تمثله قصيدته (أرى ما أريد). ويقول فيه :

أنا العاشق السيء الحظ. قلت كلاما كثيراً

وسهلا عن القمح حين يفرِّخ فينا السنونو.

وقلت نبيذ النعاس الذي لم تقله العيون

ووزعت قلبي على الطير حتى تحط وحتى تطيرا

وقلت كلاما لألعب. قلت كلاما كثيرا

عن الحب كي لا أحب، وأحمي الذي سيكون

من اليأس بين يدي

وربما تكون التجريدية تقتصر على أسلوبين فقط يتداخلان فيما بينهما هما:

الاول :التجريد الكوني الذي تتضاءل فيه درجات الإيقاع والنحويَّة إلى حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش لدرجتي الكثافة والتشتت، ومحاولة استيعاب التجربة الوجودية الكونيّة باستخدام بعض التقنيات السيريالية والصوفيّة الدنيويّة .

الثاني :التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط الاتجاه السابق معترضا اياه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع الصوفي الميتافيزيقي، والامتزاج بمعالم ورؤى وجودية تختلط فيها الأصوات المشتركة والرؤى الحالمة المبهمة، مع نزوع روحي بارز يعمد إلى التشتت في التراث الفلسفي بدلا من الضياع في التراث العالمي ..

ولعل الإسراف في الحداثة والمعاصرة بشكلها الشعوري الحالي هذا الشعور الذي تحمل موادّه دلالات عميقة موروثة، قد يميل الشاعر إلى تشكيلها من جديد فإن وجودها الظاهر في هذا التشكيل الجديد يحيل إلى موروثها بوصفه غائباً يحضر لدى المتلقي لمجرد وجوده في النص، فيشعر اويحس بعداً أيديولوجياً، وان أهم الملامح الأسلوبيّة في شعر هذا الاسلوب كضياع القناع، والأسلوب الصوفي في شعرالصوفيين .لاحظ قول الشاعرة ختام حمودة تقول في صوفياتها :

فــارَ الْـحَـنينُ وَ وَجْــهُ الـنُّورِ مِـشْكاتي

وَاسْتَحْكَمَ الحُبُّ في قَلْـبي وَفـي ذاتِـي

قَــــدْ كـــانَ ظِــلّـكَ هَـبَّـاتٍ تُـبـارِكُـني

تَـــــرُدُّ عَـــنّــي مَــزامـيـرَ الــضَّــلالاتِ

وَقَــفْــتُ سَــيْـحَــًا بِــأَبْــوابٍ مُـغَـلَّـقَةٍ

حَـتَّـى اسْـتَـهَلَّتْ مَـغـاليقُ الْـمَـتاهاتِ

أنَّـى تَـأَمَّـلْـتَ تَــأْتِ الــرُّوحَ مُـعْـشِبَةً

فـــي كُــلِّ زاوِيَــةٍ ضَـمَّـتْ مـسـافاتي

فَـأنْـتَ وَحْــدُكَ عِـنْـدي حـينَ تَـغْمُرني

كَــأســاتُ عِــشْـقٍ وَ أوْرادٌ بِـخَـلْـواتي

وعلى الرغم من إيراد هذا التعريف للأسلوب التجريدي لم يرد تمثيل صريح له وهذا ما يجعل تصنيف الأساليب الشعريّة التجريديّة معلقاً في الهواء، فالناقد يطرح فرضيّة جديدة لم تأخذ حقها من التطبيق فيما يتعلق بالشعر التجريدي الإشراقي. هذا ما لاحظناه في شعر قصيدة النثر او الشعر الحر بعد ان حل عقاله وهب قائما يتخطى كيف يشاء ويتلمس الامور كيف ما احب الشاعر واراد .

 

د فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــــد روز

 

 

madona askarعليك أن تنطق الآن

عليك أن ترتكب ما طاب لك من خطيئة

في حقّ هذا الصّمت

..

الخطأ لم يكن هناك..

كان في الطّريق الّتي كانت

على صواب..

(يوسف الهمامي)

 

تسيطر الآنيّة اللّحظيّة على هذا النّصّ الّذي يكاد يُخرج الشّاعر عن الزّمان والمكان. فيمنح القارئ انطباعاً أنّ الشّاعر سابق للّحظة، ومنغمس فيها في الوقت عينه. وما حضوره السّابق للّحظة إلّا انتظار صامت ليكون ما ينبغي أن يكون.

تبدو لنا من السّطر الأوّل مهمّة الشّاعر الرّسوليّة أو النّبويّة. فمن يملي عليه هذا التّحرّر من الصّمت؟ وإلام يصغي الشّاعر أو إلى من ينصت بترقّب طائعٍ؟ (عليك أن تنطق الآن) عبارة مملوءة بما بعد الحضور، وما بعد القول. والآن الّذي يمثّل اللّحظة الجامعة لتاريخ الشّاعر، يحمله إلى إبراز هذا التّاريخ وإعلان المسكوت عنه. وكأنّي بذلك القائل وحي يفكّك صمت الشّاعر، ويحلّه من العبء الّذي يؤلمه. تحتجب في هذه الجملة لغة الأمر بل الطّلب، لكنّها أشبه بلغة تفاعل بين الوحي والموحى له. وتبرهن عن لقاء لحظيّ خاطف يحافظ من خلاله الشّاعر على صمته لكن من جهة الطّاعة بعد فترة إصغاء كامل، وانتظار ومكوث في دائرة النّور حتّى يحين وقت النّطق، أي الإعلان.

كأنّي بالوحي يعلّق آمالاً كبيرة على الشّاعر فيطلب منه النّطق المساوي للوحي ذاته. بمعنى أنّ الشّاعر استحال إلى حالة وحيٍ لا تنقل الوحي وحسب، وإنّما مماثلة له (عليك أن تنطق الآن/ عليك أن ترتكب ما طاب لك من خطيئة). لذلك لا نسمع إلّا صوتاً واحداً في القصيدة مع العلم بوجود شخصين، القائل والمصغي له.

تتكرّر عبارة (عليك) مرّتين لتعبّر عن صداقة بين الشّاعر والوحي، بل تماهٍ وانصهار عجيبين. فلا نرى لهجة أمر في السّطور الأولى بل طلباً ودّيّاً يحثّ الشّاعر على الصعود والارتقاء بفعل النّطق. لقد حلّ ملء الزّمن الشّعريّ ومنذ الآن يستحيل صمت الشّاعر لغة أرفع رتبة من الصّمت، ألا وهي النّطق بالوحي. أي أنّ الشّاعر تحوّل من صامت بالقوّة إلى صامت بالفعل، ليتمكّن من إعلان القصيدة.

يحرّر الوحي الشّاعر من الفضيلة ويحرّضه على ارتكاب الخطيئة. (عليك أن ترتكب ما طاب لك من خطيئة/ في حقّ هذا الصمت)، كأنّ الخطيئة بحقّ خطيئة الصّمت اكتسبت شرعيَّتها في الانتساب إلى فضيلتها الخاصّة.

لا بدّ من أن نقرأ هذه الجملة كآية تنقل في لحظة رؤيويّة، على ضوء الوحي الشّعري لا على حسب المنطق العقلاني، وإلّا وقعنا في فخّ سطحيّة القول. فما نقرأه عند يوسف الهمامي يعكس ضميره الشّعريّ المغاير للمنطق الباحث في مثاليّة الفضيلة ورجاسة الخطيئة. نرتفع مع الشّاعر لنفهم انقلاب المعاني، ومعايير المعنى الشّعري. فارتكاب الخطيئة بحق الصّمت فضيلة، وممارسة الفضيلة بحقّ الصّمت خطيئة. وتحرير الشّاعر من الكون وانطلاقه إلى حيث مكانته الأساسيّة/ عالم الوحي وهو ما برح في العالم، يعوزه ارتكاب خطيئة الإعلان بحق الصّمت المهيِّئة لدروب الفضيلة.

الخطيئة كانت في السّبيل الّذي ظٌنّ أنّه الفضيلة. ومن حقّ الشّاعر/ النّبيّ أن يرتكب الخطيئة الشّعريّة وينطق بالوحي، لينتقل إلى الرّتبة الأبهى، من الإنسان إلى "الشّاعر". يقول جبران خليل جبران: "المخطئ لا يرتكب الخطيئة إلّا بإرادة مستترة من المجتمع". لكنّ الشّاعر سيرتكب الخطيئة جليّاً ليكسر الصّمت وينطلق لتحقيق إرادة الوحي ومشيئته.

الخطأ لم يكن هناك..

كان في الطّريق الّتي كانت

على صواب..

لعلّ الشّاعر أمعن في الانتظار، أم أنّه بالغ في حجب المسكوت عنه حتّى غفل عن إعلانه. ما استدعى برقاً وامضاً في نفسه، بل دويّاً في عمق أعماقه. خطفه من ذاته إلى ذاته وألهب قلبه، وحرّر سكوته، لينطق بالوحي، ويجسّده بالكلمة، فتراه العين، وتعاينه البصيرة، ويستنير به العقل وترتشفه الرّوح.

الوحي الّذي نحت تكوين الشّاعر بتأنٍّ ودقة وحبّ، يلتمس منه الآن التّبشير بالنّور: "انطق".

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

adnan aldhahir2تتكون قصيدة الجواهري (1900 - 1998) من ثلاثة وثلاثين بيتا جرى فيها وزنا وقافية مجرى مرثية أبي العلاء المعري لأمه (10)؛ سوى أن الجواهري قد خاطب أمه اذ كانت ما زالت على قيد الحياة؛ الا أن " شعورا مأتميا خيم عليه؛ فلما أستقل السيارة مرتحلا هطلت دموعه وثارت في نفسه عوامل الحنو ودار فيها أنه قد يكون يشاهد أمه للمرة الأخيرة ..." (13) . اذن فمن حقنا اعتبار القصيدة قصيدة رثاء؛ والرحمة للموتى والأحياء على حد سواء.

لقد وظف الجواهري- بعد المعري - الميم المكسورة بعد الألف رويا لقافيته لتعبر عن نفس كسيرة ومزاج مأزوم حزين وروح أشجاها الهم. في حين استخدم المتنبي حرف الميم المفتوح متبوعا بالألف المقصورة أو الممدودة الأمر الذي ينسجم غاية الأنسجام مع نفسية المتنبي المتعالية ومع كبريائه المعهودة. لم يحنِ ِ المتنبي رأسا لحادثة أو كارثة ولم تدمعْ له عين؛ لذلك كله نراه لا يجيد الرثاء بصفة عامة وإنْ جوّد في المديح. خلا قصيدتيه اللتين رثى فيهما والدة سيف الدولة وأخته؛ ففيهن َّ عاطفة حزينة صادقة وعرفان بالجميل ووفاء ما أشد وضوحه (3) .

اذا تعذر اكتشاف تأثير مرثية المعري لأمه على رثاء الجواهري في قصيدته المسماة " قفص العظام " فإنَّ تأثير شعر المتنبي لأكثر من واضح على هذه القصيدة. وذلك للشبه الكبير في بعض نواحي حياة الرجلين والسياق العام لحياتيهما بل ونشأتيهما الأولى. فالنجف هي بيئة الجواهري الأولى وانها شديدة القرب من كوفة أبي الطيب المتنبي. أجل؛ لقد أخذ الجواهري قسطا لا يستهان به لا من مرثية المتنبي لجدته ولكن من قصيدة " من الحِمام الى الحِمام " التي قالها المتنبي في مصر في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة للهجرة بعد اصابته بالحمى التي يطابق وصف أعراضها أعراض دورمن ادوار مرض الملاريا المعروف اذ قال:

وملنيَ الفراش ُ وكان جنبي

يملُّ لقاءه في كل عام ِ

 

عليلُ الجسم ِ ممتنعُ القيام ِ

شديدُ السكر من غير المدام ِ

 

وزائرتي كأنَّ بها حياءً

فليس تزورُ الا في الظلام ِ

 

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في عظامي

 

يضيق الجلد عن نفسي وعنها

فتوسعه بأنواع السقام ِ

 

أراقب وقتها من غير شوق

مراقبةَ المشوقِ المستهام

 

ويصدق وعدها والصدق شرٌّ

إذا ألقاك في الكُرب العظام ِ

 

أبنتَ الدهر عندي كل بنتٍ

فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام ِ

 

جرحتِ مُجرَّحاً لم يبقَ فيه

مكانٌ للسيوف ولا السهام ِ

 

يقول لي الطبيب أكلت شيئاً

وداؤك في شرابك والطعام ِ

 

وما في طبّه أني جوادٌ

أضرَّ بجسمه طولُ الجمام ِ

 

فإنْ أمرضْ فما مرض إصطباري

وإنْ أحممْ فما حمَّ إعتزامي

لقد رثى المتنبي نفسه حيا في هذه الرائعة حيث حذا الجواهري حذوه في رثاء والدته وهي على قيد الحياة. والمقارنة التحليلية فيما بين القصيدتين تبين أن الجواهري قد أخذ من قصيدة المتنبي هذه إحدى وعشرين قافية أدخلها كقواف في قصيدته البالغة ثلاثة وثلاثين بيتا فقط؛ اي أن الجواهري استعار ثلثي قوافي قصيدته من إحدى قصائد أستاذه ورائده المتنبي . واكثر من هذا؛ فلقد وظف بعض صور وإستعارات المتنبي نصا أو يكاد. وللمقارنة أورد الأمثلة الأتية:

قال المتنبي:

فأني أستريح بذي وهذا

وأتعب بالأناخة والمقام ِ

فجاراه الجواهري في عجز هذا البيت اذ قال:

تعالى المجد يا قفصَ العظامِ

وبورك في رحيلك والمقام ِ

فهناك الإناخة والمٌقام وهنا الرحيل والمقام . ثم قال المتنبي:

قليلٌ عائدي سَقِمٌ فؤادي

كثيرٌ عائدي صعب مرامي

فقال الجواهري:

ولكنْ مهجة ً عظمت فجلّتْ

وجلَّ بها المرومُ عن المرام ِ

وقال المتنبي:

فأُمسِك لا يُطالُ له فيرعى

ولا هو في العليق أو اللجام ِ

فقال الجواهري:

وفي صدري تجول مسوَّماتٌ

من البلوى عصين على اللجام ِ

وما مسومات الجواهري سوى خيول المتنبي الذي شبه نفسه وهو في كنف كافور الإخشيدي في

مصر كالحصان الحائر المغلوب على أمره فلا هو بالطليق الحر الذي يستطيع أن ياكل ويرعى على هواه ولا هو بالسجين المقيد والمكبل بالأصفاد .

ويقترب الجواهري أكثر من المتنبي اذ يقول:

وأُمّات المطامح في ضلوعي

حواشدُ يضطربن من الزَحام ِ

في حين كان المتنبي أكثر ابداعا حين وظف كلمة الزحام اذ قال مخاطبا الحمى التي أصابته

في مصر:

أبنتَ الدهر عندي كلُ بنتٍ

فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام ِ

لاحظ الجمال الصوتي المتأتي من ترادف التائين الطويلتين في كلمتي وصلت وأنت. لقد أخفق الجواهري في صورته اذ أن الحشود لا تضطرب عادة من شدة الزحام؛ بل على النقيض من ذلك؛ فالزحام يقيد الحركة ويحد من زخمها وشدتها. ثم اجتماع حرفي الضاد والطاء في الفعل يضطربن أمر لا تستسيغه أذن العرب . ولقد ألمح المعري الى شيء قريب من هذا حيث أشار الى استحالة ائتلاف حرفي الذال والظاء فقال (14):

فلستَ لهم وإنْ قربوا أليفاً

كما لم تأتلفْ ذالٌ وظاءُ

ثم قال أبو الطيب:

ملومكما يجلُّ عن الملامِ

ووقع فعاله فوق الكلام ِ

فقال الجواهري:

وضوّتْ من جبينك لي غضونٌ

بها يُغني الزمانُ عن الكلام ِ

وكلاهما قد قصد الى عجز الكلام عن بلوغ قصد معين أو مأرب محدد. ففي حين ذهب المتنبي الى أن أفعال ممدوحه لعظمتها لا يمكن أن يطالها أو أن يصفها كلام أراد الجواهري أن يقول أن الغضون التي تركها على جبهتها العمر وكر السنين لا تحتاج الى تفسير وشروح ولا يلزمها سؤال وجواب؛ فالزمان أوضح من أن يعبَّر عنه بالكلام؛ والزمان ليس بحاجة الى ترجمان.

وقال أبو الطيب:

أقمتُ بأرض مصرَ فلا ورائي

تخبُّ بيَ الركابُ ولا أمامي

فقال الجواهري:

وكنتِ السمعَ مني لا ورائي

سواك صدى يرنُّ ولا أمامي

وهنا الإستعارة من الوضوح بحيث لا تتطلب المزيد من الإيضاح إنْ فكرة ً أو لفظا ً. لاحظ بشكل خاص " لا ورائي " و " لا أمامي " من حيث موقعيهما سواء في صدر البيت أو في عجزه.

قال المتنبي لطبيبه معاتبا ونافيا أثر الطعام والشراب على صحته ومؤكدا أنَّ إنحراف صحته يقع في دائرة الطب النفساني كما نسميه اليوم ويقرر أنَّ هذا الطبيب يجهل المرض النفساني الذي وقع المتنبي فيه وهو في مصر فقال:

يقول لي الطبيبُ أكلتَ شيئا

وداؤكَ في شرابكَ والطعام ِ

 

وما في طبّه أني جوادٌ

أضرَّ بجسمه طولُ الجمام ِ

فالراحة غير الضرورية هي إقامة قسرية تفرض عقوبة على المرء وأمرها مريب: أن يبقى الإنسان دونما عمل يأكل ويشرب وينام . وذلك كله مدعاة لإنحراف صحة الرجل وسقمه الروحي قبل الإعتلال البدني. فالإستجمام المطوَّل دون مبرر والمفروض بأمر من الأعلى لمما يضير الروح ومن ثم يضر بالجسد.

فما قال الجواهري بصدد ما قد يصيب الإنسان من أضرار جرّاء ما ينال من راحة وإستجمام؟

انه قال مخاطبا أمه الشيخة الكبيرة التي أتعبها الزمن وما جرّته السياسة على العائلة من تشرّد متصل وحرمان منوَّع أصاب الجواهري نفسه ... الى مصرع شقيقه جعفر عام 1948:

ويا متعوبةً قلباً وروحاً

أخاف عليك عاقبةَ الجمام ِ

فإذا أضرَّ الجمام بجسم المتنبي وبروحه فإنَّ الجواهري يخاف على أمه من عواقب طول زمن الراحة فيحذرها بأدب جم ولكن بأسلوب غير مباشر؛ عن طريق ألإعراب عن مخاوفه الشخصية خاصة وأنها تعبى قلبا وروحا ـ وكل أمهاتنا متعبات ـ قلبا ً أوجسدا ً أو روحاً. فلنتابع تأثيرات المتنبي الجبّار على تلميذه الجواهري . قال أبو الطيب:

جرحتِ مُجرَّحاً لم يبق َ فيه

مكانٌ للسيوف ولا السهام ِ

فقال الجواهري:

فليس يطيقُ سهماً مثلَ هذا

فؤادي وهو مرتكزُ السهام ِ

فأبدع المتنبي في استعارته المصوَّرة من حيث كبا الجواهري فأخفق في تصوير القلب اذ جعله مكانا تستقر فيه السهام. فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ لا يطيق سهما ً واحدا ً إضافيا ً؟ فالمرتكز مقتدر لا ريب. الإنسجام في بيت المتنبي واضح شديد الوضوح بين الصدر والعجز؛ وبين اللفظ والمعنى.

قلت آنفا إنَّ الجواهري أخذ في هذه القصيدة إحدى وعشرين قافية مع كامل رويّها من قصيدة المتنبي " من الحِمام الى الحِمام " . فما هي هذه القوافي؟ إنها عدّاً: اللجام العظام ابتسام الظلام الطعام المرام المقام الكلام الملام همام الزمام السهام الحسام أمامي الجمام الحمام الأنام السقام الزحام الغمام الوسام .

رغم تشابه الكثير من القوافي وبعض الإستعارات والصور تظل قصيدة الجواهري متفردة ببعض الخصائص والمزايا. تظل دافئة حنونا وتظل شامخة في إجلالها للوالدات وفي أسلوب مخاطبتهن:

تعالى المجدُ يا قفصَ العظام ِ

وبورك في رحيلكِ والمقام ِ

 

ونوّرت ِ الدروبَ لساكنيها

وعدتِ من السواد الى ظلام ِ

 

حججت ُ إليك والدنيا تلاقي

عليكِ بكل قاصمة ٍ عَقامِ

 

ورفّت في نديف ٍ من مشيبٍ

ذوائبُ لم ترفَّ على أثامِ ِ

 

وطفتِ بخاطري حتى تمشى

حنانك مثل بُرءٍ في سَقامِ ِ

 

فيا شمسي إذا غامت حياتي

نشدتك ضارعا ألآّ تغامي

 

ويا مكفوفة ً عن كل ضرٍ

نشدتك أن تكفي عن ملامي

 

وليس رضيعُ ثديك بالمُجاري

وليس ربيبُ حجرك بالمُظام ِ

فإذا إمتازت هذه القصيدة بجو مفعم بالحنان والإكبار للأم ملجأ وملاذا ً نفسانيا ً يلتجيء اليه الرجال وقت الملمات أو اذا ما أصاب احدهم مكروه لرفع المعنويات وازالة غم النفوس وما يحيق بها من ضيم...؛ اذا امتازت بكل هذا وسواه فان قصيدة المتنبي في رثاء جدته لا تكاد تستوي مع قصيدة الجواهري. فقصيدة " ولا قابلا إلا لخالقه حكما " (3) تقع في أربعة وثلاثين بيتا؛ ثلاثة عشر بيتا منها (الأبيات الأخيرة) في تعظيم الذات ومداراة الغرور الشخصي المعروف في المتنبي حتى (وجعل قوم يستعظمون ما قاله في آخر هذه القصيدة) . أما باقي الشعر فيتفاوت بين الرثاء وهوقليل وبين إقرار حِكَم عامة واستسلام مطلق للقدر:

ألا لا أري الأحداثَ مدحاً ولا ذمّا

فما بطشها جهلاً ولا كفّها حِلما

 

أحنُّ الى الكأس التي شربت بها

وأهوى لمثواها التراب وما ضما

 

بكيت عليها خيفةً في حياتها

وذاق كلانا ثكل صاحبه قِدْما

 

هبيني أخذت الثأر فيك من العدى

فكيف بأخذ الثأر فيكِ من الحمى

 

وما انسدت الدنيا عليَّ لضيقها

ولكنَّ طرفاً لا أراك به أعمى

 

تغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسهِ

ولا قابلاً إلاّ لخالقه حُكما

ولعل من الطريف أن نقارن بين موقفين متفاوتين قيلا في مناسبتين متشابهتين. المتنبي في بغداد ولا يستطيع دخول الكوفة فيكتب رسالة لجدته يسألها أن توافيه الى بغداد فتموت دون أن يراها فيكتب فيها شعر رثاء يحن فيه الى كأس المنون؛ ذات الكأس التي شربت منها جدته. انه يتمنى فقط أن يموت في إثر جدته و يقرر أنه عاجز عن أن يأخذ لها الثأر من المرض الذي أصابها وأنه يعترف بأن الدنيا على سعتها قد ضاقت به جزعا من المصاب الأليم حتى أنه عاد يتمنى أنْ لو فقد بصره العاجز عن رؤية هذه الجدة.

أما استجابة المعري للمصيبة التي لحقت به نتيجة وفاة والدته فانها مختلفة بشكل جذري . المِعرّي هنا لا يطيق الحياة بدون والدته . هو هنا طفل لا رجل حتى إنه يتمنى أنْ لو مات قبلها. يتمنى بكل تواضع الطفل التابع وبرائته ووفائه واخلاصه للدم والرحم:

وأمّتني الى الأجداث أمٌ

يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي

 

وأُكبرُ أن يرثّيها لساني

بلفظٍ سالكٍ طرق الطعام ِ

تقرأ البيت الأول فتحس حرارة صادقة وتعلق بالأمومة لا مثيل له لدى الرجال ولا غرابة؛ فالرجل مكفوف البصر والرجل عازب لا زوج له وأمه له كل شيء. أؤكد: أمه وليست جدته لأمه كما هي الحال مع المتنبي الذي تمنى فقط أن يموت في إثر جدته و يقرر أنه عاجز عن أن يأخذ لها الثأر من المرض الذي أصابها وإنه يعترف بأن الدنيا على سعتها قد ضاقت به جزعا من المصاب الأليم حتى أنه عاد يتمنى أنْ لو فقد بصره العاجز عن رؤية هذه الجدة. القصيدة بشكل عام نظم جيد وصياغة وصناعة لفظية ليس فيها من العاطفة والشعور الا النزر اليسير. ثم إنها مناسبة للتفاخر وتمجيد الذات وتسريب روح التعالي والأستعلاء والبطولات.

نواصل قراءة قصيدة أبي العلاء المِعرّي:

وأمّتني الى الأجداث أمٌ

يعز عليَّ أنْ سارت أمامي

 

وأُكبرُ أن يرثّيها لساني

بلفظٍ سالكٍ طرقَ الطعام ِ

 

مضتْ وقد اكتهلتُ فخلت أني

رضيعٌ ما بلغتُ مدى الفطامِ ِ

 

فيا ركبَ المنون أما رسولٌ

يُبلِّغُ روحَها أرَجَ السلام ِ؟؟ِ

إنه ليود أن يبعث اليها سلاما مع قوافل الموتى والراحلين. بل ويطمح في لقاء مع أمه:

سألتُ متى اللقاء فقيل حتى

يقومَ الهامدون من الرجامِ ِ

 

فصرّفني فغيّرني زمانٌ

سيعقبني بحذفٍ وأدّغام ِ

لاحظ صدق العاطفة مع استسلام كامل للقدر لا يجرؤ على مواجهته الا بالتمنيات الصادقة التي ينفطر القلب لها أسى ولوعة.

ملاحظة أخيرة عن الجواهري هي أنه في أكثر قصائده شهرة قد أخذ الوزن والقافية (بل والكثير من الصور والتشبيهات والإستعارات والمطابقات) من قصائد سواه من الشعراء. ولكي لا أظلم الرجل أذكر مثالين فقط آخرين وأترك الحكم لغيري ممن يعنيهم الأدب والنقد والتأريخ .

المثال الأول: قصيدة الجواهري الشهيرة " يا دجلة الخير " التي نظمها شتاء 1962 اثر مغادرته العراق مضطرا (15) . فلقد حذا فيها حذو الشاعر العراقي المرحوم معروف الرصافي في قصيدته " بعد النزوح " وكان قد نظمها في بيروت عام 1922 بعد خروجه من بغداد وقراره في أن لا يعود الى العراق ثانية (16) ومطلعها:

هي المواطنُ أدنيها وتقصيني

مثل الحوادث أبلوها وتبليني

 

أنا ابنُ دجلةَ معروفاً بها أدبي

وإنْ يكُ الماء منها ليس يرويني

 

قد كنت بلبلها الغرّيدَ أنشدها

أشجى الأناشيد في أشجى التلاحينِ ِ

 

حيث الغصونُ أقلتني مكللة ً

بالورد ما بين أزهار البساتين ِ

الى آخر القصيدة. أما مطلع قصيدة الجواهري " يا دجلة الخير " فهو:

حييت سفحك عن بُعد ٍ فحييني

يا دجلة َ الخير يا أمَّ البساتين ِ

القصيدة طويلة جداً.

أما المثال الثاني: فقصيدة الجواهري التي طبقت الآفاق بشهرتها وعنوانها " أخي جعفر " ومطلعها:

أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ

بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ

التي أخذ وزنها وقوافيها من قصيدة قديمة ذكرها المسعودي (18) لمحمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان في وصف خيل الحلبة العشرة ومطلعها:

شهدنا الرهانَ غداة الرهانِ

بمجمعةٍ ضمّها الموسمُ

 

نقودُ اليها مقاد الجميع

ونحن بصنعتها أقومُ

 

غدونا بمقوودة كالقداح

غدت بالسعود لها الأنجمُ

 

مقابلة نسبة في الصريح

نماهنَّ للأكرم ِ الأكرمُ

وهي كذلك قصيدة طويلة وجديرة بأن تسترعي إنتباه الأدباء وعشاق الخيول على حد سواء .

 

د. عدنان الظاهر

 

 

ali alqasimiتقديم: هذه محاولة مني لفائدة طلبتنا الذين يرغبون في دراسة  النقد المقارن ومزاولته. وتتألَّف هذه المحاولة مما يأتي:

1) قصة المدينة لعلي القاسمي،

2) نقد قصة علي القاسمي، بقلم: الدكتور إحسان التميمي، أستاذ النقد الأدبي في جامعة بغداد.

3) قصة المدينة للكاتب الأمريكي الشهير جون أبدايك، وترجمة علي القاسمي.

4) صورة المدينة في الأدب العربي والآداب الغربية، بقلم: علي القاسمي، وهي دراسة مقارنة بين قصته " المدينة " وقصة جون أبدايك " المدينة".

وتشكل الدراسة في النقطة 4، محاولة في النقد المقارن.

1) قصة قصيرة: المدينة

بقلم : علي القاسمي

دخلتُ المدينةَ أوَّلَ مرَّةٍ عندما كنتُ فتًى يافعًا غريرًا، وعالَمي يقتصر على فضاء قريتنا الإنسانيّ البسيط. بيوتٌ طينيَّةٌ قليلةٌ متواضعة، تحيط بها حقولٌ شاسعةٌ خضراء، وتُظلّها سماءٌ صافيةُ الزرقة معظم أيام السنة، وتتغلغل أشعة الشمس الذهبيَّة في كلِّ مكان: في المزارع والأزقَّة والمنازل والقلوب، تحمل معها الدفء والحنان، وتُشعِل الألوان زاهية في المراعي والحقول والبساتين، وتبعث البريق في العيون. وفي الليل غالبًا ما ننام على سطوح المنازل أو في باحاتها المشرعة على السماء، فتبدو النجوم لنا كبيرةً قريبةً في متناول اليد. وعدد أهالي القرية لا يتعدّى العشرات ويعرف بعضهم بعضًا، وتربط بينهم أواصر القرابة والصداقة والعمل، ويوحِّد مصيرَهم الحرثُ والسقي والحصاد وأحوالُ الزرع والمحصول. البسمة على الشفاه، والطيبة في الأفئدة.

 غادرتُ قريتي متوجِّهًا إلى المدينة باحثًا عن عمل. فقد بهرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنَّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنَّ مساكنها فاخرة ذات مرافقٍ مريحةٍ تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنَّ غُرفها مجهَّزة بمكيِّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بِحَرٍّ ولا برد، بل بهواءٍ ربيعيٍّ دائم. قالوا إنَّ أحياءَها تتوفَّر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات. وقالوا إنَّ العمل ميسور بأجورٍ سخيّة لمَن يرغب، وإنَّ المرء يعود إلى قريته غنيًّا بعد فترةٍ وجيزة.

أقبلتُ على المدينة فبدتْ لي من بعيد كتلةً متراصّةً من أبنيةٍ شاهقةٍ بُنِّيَّة اللون. وكلَّما اقتربتُ منها تلاشتِ المزارع والخضرة من حولي، وخفتتْ أصوات الطيور، وطغى ضجيجُ المعامل المنتشرة في أطراف المدينة، واتَّشحتْ زرقة السماء بدخانٍ أسودَ يتصاعد من مداخن المصانع.

كاد أوَّل شارع ولجته في أطراف المدينة يخلو من المارة. أردتُ أن أسأل أحدهم عن نُزُلٍ أسكن فيه. ولكنِّي لم أجد أيَّ فرد في ذلك الشارع سوى بعض السيّارات التي كانت تمرق مسرعةً بجانبي وتوشك أن تُلقي بي أرضًا. سرتُ طويلاً قبل أن أصلَ تقاطع الطرق. وهناك رأيتً شرطيًّا ببزَّته الخاكيَّة، يقف على منصّة في وسط الساحة، وهو يرفع يدَيه يمينًا وشمالاً لتنظيم حركة مرور السيّارات. وأقعى إلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثةِ حسبتُه واحدًا من تلك الكلاب البوليسيّة التي سمعت عن عجائبها. لم أجرؤ على الاقتراب من الشرطيّ أو طلب مساعدته، لأنَّه لم يأبه بي، ربَّما بسبب انهماكه في عمله.

 الشارع خالٍ تقريبًا من المارة، والسيّاراتُ فيه نادرة. واصلتُ سيري وأنا أحرص على المشي على الرصيف خوفًا من السيّارات التي قد تنطلق في وسط الشارع. وعندما سمعتُ ضوضاءَ قادمةً من الخلف تُنْبئ بقدوم إحدى هذه السيّارات، أدرتُ وجهي إليها فلمحت رجلاً يقود سيّارته، وعلى المقعد المجاور له كلبٌ يُقعي على رجليْه ويطلُّ برأسه من النافذة الجانبيّة نصف المفتوحة.

 شاهدتُ على الرصيف امرأةً تسير في اتّجاهي وهي تدفع عربةً أمامها، لا شكَّ أنَّها تحمل رضيعها في تلك العربة. وعزمتُ على أن أرجو منها أن تدلَّني على نُزُلٍ قريب. وعندما اقتربتْ مني رأيتُ في العربة كلبًا صغيرًا ذا شعر طويل أشبه ما يكون بالقطَّة، وقد أراح رأسه على الوسادة داخل العربة، وغطّ في إغفاءة هنيئة. غلبتني الدهشة وهلةً، وعندما أردتُ أن أتوجّه بسؤالي إلى السيدة، كانت قد ابتعدت بعربتها، ولم يعُد من اللائق أن أتبعها، لألقي عليها بسؤالي.

  أقْبلَ رجلٌ وهو يقود كلبًا متوسطَ الحجم بسلسلةٍ تنتهي بطوقٍ جلديٍّ على عُنق الكلب. ألقيتُ السلام على الرجل، وتوقفتُ لأرجوه أن يدلَّني على نُزُلٍ قريب أستطيع أن أقيم فيه. ولكنَّ الرجل لم يردّ التحية، ونظر إليّ باستغراب، ومضى في سبيله دون أن يتيح لي فرصة السؤال.

 واصلتُ سيري وأنا أتطلَّع إلى المنازل المُمتدَّة على جانبَي الشارع، وهي موصدة الأبواب. ولكنَّ بعض نوافذها مفتوحةٌ ومحميَّةٌ بمُشبَّكٍ حديديّ.  ودفعني حبُّ الاستطلاع إلى إلقاء نظرةٍ على بعض تلك النوافذ المشرَعة. فرأيتُ من خلال إحداها صالةً مؤثَّثةً بمجموعةٍ من الأرائك الفاخرة، وقد استلقى على إحداها كلبٌ ضخمٌ أسودُ أفطسُ الأنف، وما إنْ التقتْ نظراتنا حتّى اكفهر وجهه، وكشّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم عليّ. ابتعدتُ مُسرِعًا عن النافذة بقلبٍ خافق.

 لم أستطِع مقاومةَ حبِّ الاستطلاع في داخلي، وأخذتُ أنظر إلى النوافذ المطلَّة على الشارع. فألفيتُ معظم الغرف فارغةً لا أحد فيها. ولكنَّني رأيتُ، في داخل إحدى هذه النوافذ المفتوحة، كلبًا يستحمُّ في المغطس، وقد انهمكت امرأة في غسله بالصابون والماء، ورائحة العطور تفوح عبر النافذة.

وتوقَّفتُ أمام واجهة زجاجية كبيرة لإحدى المحلات التجاريّة وقد عُرض فيها عددٌ من الجِراء ( صغار الكلاب )، وهي تلعب مع بعضها، أو تأكل طعامها، أو تَلِغ في آنية الماء الموضوعة بعنايةٍ في زاويةِ مكانِ العرض. كانت كلُّها نظيفةً لامعةَ الشَّعر.

 واصلتُ سيري في الشارع، وكلَّما اقتربتُ من وسط المدينة، ازداد عدد المارَّة وكثرتِ المحلات التجاريّة. بَيْدَ أنَّني لم أفلح في التحدُّث إلى أيِّ واحدٍ من الناس، رجلاً كان أو امرأة. فكلُّ واحدٍ من أولئك المارَّة، كان يصطحب كلبًا يُشغله عن أيِّ شيءٍ آخر. بعضهم يجرُّه وراءَه بسلسلة، وبعضهم الآخر استغنى عن السلسلة وراح كلبه يتبعه أو  يسير إلى جانبه أو أمامه. أبادرهم بالسَّلام فلا يردّون عليَّ، بل ينظرون إليَّ بشيءٍ من الاستغراب، ثمَّ يمضون مبتعدين عنّي.

 وأخيراً تأكَّد لي أنَّ أحدًا لن يتحدَّث معي. ولا بُدَّ لي من الاعتماد على نفسي ومحاولة قراءة اللوحات المعلَّقة على البنايات لَعلّي أعثر على نُزُل. لم أقرأ منذ مُدّة طويلة، وأخذتُ أنسى ما تعلمتُه من القراءة في المدرسة الأوَّليّة في قريتي، وصار التمييز بين الحروف المتشابهة أمرًا عسيرًا عليَّ. فرحتُ أتوقَّف بين الفينة والفينة لأفكَّ رموزَ لوحةٍ من اللوحات.

 وبينما كنتُ أقرأ إحدى هذه اللوحات في الجانب الآخر من الشارع، جذب انتباهي كلبٌ أوقف صاحبَه على الرصيف المقابل وأخذ ينظر إلى الرصيف الذي كنتُ أسير عليه. ظننته أوَّل الأمر ينظر إليّ. ولكنَّني وجدت رجلاً يسير خلفي مباشرة ومعه كلبه. وقد أوقف هذا الكلبُ صاحبَه كذلك، وراح ينظر إلى الكلب الآخر على الرصيف المقابل. ثمَّ أخذ الكلبان بجرِ صاحبَيهما متَّجهَيْن أحدهما نحو الآخر حتّى التقيا وسط الشارع. وهناك، شرع الكلبان في تبادل النظرات، وصدرت منهما همهمة خافتة، ثمَّ أخذا بشمِّ أحدهما الآخر، وانغمرا في عناق طويل، في حين وقف صاحباهما كلٌّ في مكانه من دون أن يتبادلا كلمة. وتوقَّفتْ حركة المرور في الشارع، وانتظرتِ السيّارات من الجهتيْن حتّى انتهى لقاء الكلبيْن.

 وبعد جهدٍ، قرأتُ كلمة النُزُل في لوحةٍ من اللوحات وهي تشير إلى شارع جانبيّ. توجهتُ إلى ذلك الشارع الفرعيّ. كان الطريق مُوحِشًا والأبواب موصدة. وسرتُ حتّى رأيت بناءً كبيرًا له بابٌ واسع مفتوح على مصراعَيه، فدخلتُ منه. امتدَّ أمامي ممرّ طويل وعلى جانبيه أقفاص حديديّة متراصَّة لها أبواب تُفضي إلى الممرّ. وفي كلِّ قفصٍ منها كلبٌ وأمامه إناءُ ماءٍ وصحنُ طعام. كانت الكلاب من أنواع متعدِّدة، وذات ألوان مختلفة، ولها أحجام متباينة.

 لمحتُ في آخر الممرِّ مكتبًا، يتوسَّطه رجلٌ بَدينٌ يجلس على كرسيٍّ وثيرٍ، وأمامه منضدةٌ كبيرةٌ عليها سجلات وأقلام، وهو يدوّن شيئًا في تلك السجلات. نظر إليَّ الرجل وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية:

ـ هل تريد أن تحجز مكانًا لكلبك في النُزُل؟

ـ ما عندي كلب.

ـ إذن، ترغب في شراء كلب؟

ـ لا، ولكن..

فقاطعني قائلاً بنبرة صارمة لا تقبل الردّ: إذن، لا أستطيع أن أفعل شيئًا لك.

وصرف نظره إلى سجلِّه يدّون شيئًا فيه.

 خرجتُ من المكان، ورحتُ أحدّق في اللوحة المعلَّقة على بابه، وأكملتُ قراءتها ففهمتُ أنَّه نُزُلٌ للكلاب. وعدتُ إلى شوارع المدينة أبحث عن نُزُل للبشر. وبعد لأي عثرتُ عليه.

 دخلتُ البناية فوجدت ساحةً فسيحةً وفي أرجائها الأربعة انتظمت الغرف. وكان بعض أبوابها مفتوحًا، بحيث كنتُ أستطيع أن أرى مَن فيها وما فيها. رأيت،ُ مثلاً، رجلاً وكلبًا مستلقييْن على سريريْن منفصليْن في إحدى هذه الغرف. وفي غرفةٍ أُخرى، رأيتُ امرأةً تداعب كلبًا صغيرًا وترمي بدُميةٍ إليه. وتوجَّهتُ إلى مكتب الاستقبال في النُزُل، حيث يجلس رجلٌ كهلٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ، وإلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثّة.

 نظر إليَّ بشيءٍ ظاهرٍ من الاستغراب. سلَّمتُ عليه فلم يردّ السلام. قلتُ:

 ـ أريد غرفةً صغيرة .

 ـ لماذا؟

 ـ لأنَّني أنوي البحث عن عملٍ لي في هذه المدينة.

 ـ ولكن أين كلبك؟

 ـ لا كلب لديّ.

في تلك اللحظة ارتسمتْ على مُحيّا الرجل أماراتُ الدهشة الممزوجة بشيءٍ من الخوف والاشمئزاز، وقال:

 ـ إذن، لا يمكنك البقاء في النُزُل.

كنتُ على وشك أن أسأل عن السبب، عندما أضاف بعدوانيَّةٍ جليَّةٍ قائلاً:

 ـ بل لا يمكنك البقاء في هذه المدينة، ولا العمل فيها.

اعترتني الدهشة وداخلتني الحيرة، ووقفتُ مرتبكًا أنظر إلى الرجل باحثًا عن تفسير لقوله. حدّق الرجل في وجهي بحدّة، وأخذت عيناه تحمران شيئًا فشيئًا، وأرنبتا أنفه تخفقان، وشفتاه ترتعشان بشدّة. وصدر منه صوت خافت سرعان ما علا حتّى أصبح أقرب إلى العواء منه إلى الصوت البشري، وراح الزَّبد يخرج من شدقيه، وكشَّر عن أنيابٍ حادة، واستطال فكاه إلى الأمام حتّى أصبحتا مثل فكَّي الكلب، وانتصبت أذناه، وازداد عواؤه حتّى تحوَّل إلى نباح، وقفز من وراء المنضدة وكاد يقع عليَّ لولا أنَّني تراجعت القهقرى، واستوى على أطرافه الأربعة على الأرض أمامي، وقد تجرّد من ملابسه ونبتَ لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربعة مخالبٌ بارزة، ومُسِخَ كلبًا نبّاحًا ضخم الصوت كبير الخطر، فما كان منّي إلا أن أولّي هاربًا من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيَّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعتُ في اتّجاه القرية.

................

2) تحولات الإنسان في قصة المدينة لعلي القاسمي

بقلم : الدكتور إحسان التميمي

أستاذ النقد الأدبي في جامعة بغداد

يوظِّف القاص علي القاسمي في قصته (المدينة ) مفردات الواقع، وجزئياته، ومظاهره، ليحوِّلها إلى عالمٍ غرائبي من خلال استغلال تقنياتٍ بصرية تكشف عن مدلولاتٍ شعورية ونفسية في القصة، على نحو يجعل من هذا التوظيف مسايراً لبناء الحدث فيها.

وهي تحكي قصة الصراع بين القرية والمدينة، وهو ليس صراعاً جديداً، بل هو قديم بقدم نشوء الحضارة وما نتج عنها من تقاليد أدبية وفنية تعبِّر عن انشطار الذات الإنسانية إلى معسكرَين عتيدَين: يلوح الأوَّل بالقرية وطبيعتها الساحرة ومروجها الخلابة، وقيمها وتقاليدها التي تحافظ على الأواصر الإنسانية (الاجتماعية)، فضلاً عن كونها المرابع الأولى لطفولة غير قليل من المبدعين، الذين يستلهمون مفاصلها في غضون إبداعاتهم.

أمّا الآخر فيلوح في المدينة بكونها الماكنة الحقيقية للحياة وتطورها، وهي الأفق المفتوح على مغاليق الأشياء، وهي المكروه المحبَّب لدى الكثيرين، وهي الحرِّية المفقودة في شعاب القرية وتقاليدها.

وإذا كان الحال في إطار النظرة النسبية للأشياء، فلا نجانب الصواب إذا نوهنا بأن كلا المعسكرَين يشتغل على مساحة من السلب والإيجاب، فللمدينة دروبٌ، وضياعات، واغترابات، قد تتأتى من الحرِّية المفرطة، والانعزال المستمر عن الآخرين. وهذا ما نلحظه من القراءة الأولى لقصة (المدينة ) لعلي القاسمي التي تهيمن عليها صورة الكلاب في المدينة التي قصدها الشاب القروي بحثاً عن فرصة عمل بعد أن أصابه الملل في القرية وسكونها الرتيب، فيلج هذا الشاب المدينة بحثاً عن نُزُلٍ يحلّ فيه، وتتوالي المشاهد أمامه، وكما يأتي ذكرها (1):

1) يواصل سيره حتى يصل تقاطع طرق يقف في وسطه شرطي ببزته العسكرية، وهو ينظم السير، وبجانبه يُقعي كلبٌ ضخم الجثة.

2) يلمح رجلاً يقود سيّارته وبجانبه كلب يطلّ برأسه من نافذة السيارة.

3) بعد ذلك يشاهد امرأة تسير على الرصيف وهي تدفع عربة ينام بداخلها كلب صغير.

4) يقابل رجلاً يقود كلباً بسلسلة، فيلقي عله القروي السلام، ولكن الرجل لم يرد التحية، وينظر إليه باستغراب.

5) يشاهد من خلال نوافذ إحدى المنازل المفتوحة المحميّة بمشبَّك حديدي، كلباً ضخماً أسود أفطس الأنف، وما إن التقت نظراتهما حتى اكفهر وجه الكلب وكشّر عن أنيابه وتأهَّب للنباح والهجوم.

6) يواصل النظر خلال النوافذ فيشاهد كلباً يستحمّ في المغطس وتقوم إحدى النساء بغسله بالماء والصابون.

إن لتراكم صورة الكلب، وتواليها في المشهد السردي ومفاصله مدلولات فنية تواصلية، تعمد لإرضاء أفق التلقي الذي يُسهم أيضاً في منتجة النص، من خلال إحداث المفارقة السردية بين المرجعية القرائية والمرجعية اللغوية المنبثقة عن القيمة الواقعية للفظ (الكلب).

فالكلب، وكما هو معهود في النظام القروي، هو سادن الحقل، والمحافظ على القطيع، والمستنبح للأضياف دلالة على قدومهم. فعلاقته بالإنسان علاقة العبد بسيِّده.

أمّا في المنحى السردي للقصة، فتفرز صورة الكلب معادلات بصرية تشير إلى قيم أخرى غائبة عن المفهوم القَبلي لذلك الكائن الذي احتفت به المدينة على نحو مبالغ فيه إلى درجة الإسراف والابتذال.

وبذا تجتمع خيوط السرد على هيئة صورٍ متوالية للكلب في المدينة على نحوٍ غرائبي يعتمد صورة المفارقة في مناخٍ تهكمي ساخر، أشبه بالكوميديا السوداء التي تنماز بها بعض المشاهد المسرحية.

لكن حالة الحراك في المسرح غير ما هي عليه من صورٍ متلاحقة في المشهد السردي الذي يعتمد على النصوصية، ومن ثم التصوُّر الذهني الذي تستطيع رسمه في أُفق التلقي، وما ينتج عنه من معادل دلالي لمجموع ذلك التصور.

فالصيغة التراكمية لصور الكلب المختلفة ترمز إلى دلالةٍ خفية وهي صورة انعزال إنسان المدينة عن محيطه الاجتماعي والإنساني، وصار تمسُّكه بالكلب ضرباً من القسوة والتحجر في المشاعر الإنسانية التي تستدعي أن يكون المحتفى به هو الإنسان نفسه.

وهناك دلالةٌ سياقية أُخرى هي انعدام الثقة بين بني المدينة، وتدلُّ على ذلك المشاهد البصرية للقصة، كما هي الحال في رؤية القروي للمنازل المفتوحة الشبابيك المحمية بمشبَّك حديدي، وعدم إجابته عن سؤاله في العثور على نُزل. وتكرار صورة اعتناء المرأة بخاصة بالكلب وهي كناية عن عزوفها عن بناء الأسرة الحقيقية وانشغالها بحياة اللهو، وصورة الكلب المكرورة ما هي إلا دلالة على انعدام الثقة بوصفه المخلوق الذي يحقِّق الحماية للإنسان من الإنسان نفسه.

ثيمة السرد الكبرى:

تتحقَّق تلك الثيمة بصورة التحوُّل التي طرأت على إنسان المدينة على نحوٍ غرائبي رؤيوي، حينما يدخل الشاب القروي نُزلاً، فيسأله صاحب النزل قبل كل شيء عن كلبه، وعندما يعلم منه أنه لم يصطحب كلباً، تظهر أَمارات الدهشة على وجه صاحب النزل، ويطلب من الشاب مغادرة المكان في الحال. وحينما يندهش الشاب لذلك، يحدِّق صاحب النُّزل فيه بحدَّة، وتأخذ عيناه بالاحمرار، وأرنبتا أنفه بالخفقان، وشفتاه بالارتعاش الشديد، ويصدر منه صوت خافت سرعان ما يعلو ويصير أقرب إلى العواء، ويروح الزبد يخرج من شدقيه، ويكشر عن أنياب حادة، ويستطيل فكاه إلى الأمام حتى يُصبحا مثل فكي الكلب، وتنتصب أذناه ويزداد عواؤه حتى يتحول إلى نباح، ويقفز من وراء المنضدة إلى الأرض، ويستوي على أطرافه الأربعة، وقد نبت لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربع مخالب بارزة، ومُسِخ كلباً نبّاحاً ضخم الصوت كبير الخطر (2). فالصورة المرئية التي يحوكها السرد هي ليست صورة جسد متحوِّل؛ وإنَّما هي قيم إنسانية متحوِّلة، تعزِّزها القيمة الثيمية المنبثقة من الانحدار في الحدث السردي. إنه نوع من الاجترار لصورٍ بصريةٍ ذهنية. لكنها تنبئ بقراءةٍ عميقة للتحوُّلات الأخلاقية والسلوكية التي تنطوي عليها البنية الاجتماعية في المدينة الملفَّعة بالتطوُّر التقني والعلمي، لكنَّها منخورة من جهة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

..............

(1) يُنظر: المجموعة القصصية " دوائر الأحزان"، علي القاسمي، دار ميريت، القاهرة، 2005، ص 83 ـ 86.

(2) يُنظر المصدر نفسه ص 87.

 

 

adnanhusan ahmadصدرت عن دار المتوسط في بغداد رواية "نسكافيه مع الشريف الرضي" للكاتبة والمترجمة العراقية ميادة خليل. وهي رواية رشيقة، متدفقة لا تحفل بالتزويق اللفظي أو الكلام المقعّر الذي لا يمسّ شغاف القلوب، ويستطيع القارئ الخبير أن يشعر بنَسَمات النفحة الإبداعية التي تهبُّ عليه من الصفحات الأُوَل من النص الروائي رغم أن الجملة الاستهلالية تنطوي على نَفَس تراجيدي يضع المتلقي في دائرة الترقّب والترويع.

تعالج الرواية ثيمات متعددة أبرزها الهجرة، والاندماج، والغربة، والحب، والحرب، والموت، والانتحار، والعودة إلى الجذور. كما اعتمدت الروائية على التقنية البوليفونية ذات الأصوات المتعددة، والمنحى الاستذكاري، وأسلوب الرسائل، وبعض الأبيات الشعرية المقتبسة حصرًا من الشريف الرضي، أغزر الشعراء الهاشميين وأكثرهم جودة. وقد شكّلت مقتبساته الشعرية الستة خلفية فنية للنص الروائي الذي تلاقحت أفكاره، قصدًا أو مصادفةً، مع غالبية الثيمات المُشار إليها سلفًا.

لا يعتمد النسق السردي للرواية على خط زمني مستقيم، بل أن الشخصيات الرئيسة بمجملها تسرد الوقائع والأحداث عبر الارتجاعات الذهنية وخاصة آمنة، ودافيد، وعبّاس الذين يشكّلون العصب النابض للرواية، ويمدّونها بعنصر التصعيد الدرامي الذي يبلغ ذروته قبل أن نصل إلى الحلّ النهائي الذي تقترحه كاتبة الرواية ومُبدعتها.

ترتكز هذه الرواية على إشكاليات متعددة أولها انتحار دافيد، وثانيها موت العلاقة العاطفية بين آمنة وعبّاس رغم أن شرارتها قد اندلعت لكن آمنة سرعان ما أخمدتها لتقتل قصة حب قد تخفِّف، في أبسط الأحوال، أحاسيس الغربة ومشاعر الاغتراب لدى الطرفين، أما الإشكالية الثالثة فهي عودة آمنة النهائية إلى العراق وكأنها تردد ذات الفكرة التي وردت في بيت للشريف الرضي يقول فيه: "ولو قالَ ليَ الغادونَ: ما أنتَ مشتهٍ / غداة جزعنا الرمل، قلتُ: أعودُ".

وبغية توضيح هذه الإشكاليات الثلاث التي تختصر الأحداث الروائية المكثّفة أصلاً لابد أن نتوقف قليلاً عند نقطة التحول التي حدثت في المقطع الخامس من الرواية حيث تتوقف آمنة، بعد أن نبهتها سميرة المغربية، عند أغراض دافيد المُلقاة أمام البناية، وما لفت نظرها تحديدًا هو وجود لوحة كبيرة، وصندوق خشبي فيه مجموعة كتب بينها ديوان الشريف الرضي. تُرى، ما الذي يهمها في حياة رجل غريب لم تعرفه من قبل وهي الأرملة المغتربة التي مات زوجها متأثرًا بمرض السرطان؟

تستعمل الروائية ميادة خليل تقنية البنية الموازية التي تتيح للشخصيتين الرئيسيتين وبعض الشخصيات المؤازرة الأخرى أن تبوح بكل شيء تقريبًا فيتعرّف القارئ من خلال استذكارات دافيد على جدّه الذي كان ضابطًا في البحرية، ويمتلك مكتبة كبيرة، وجدته التي كان يحبها ويفضل العيش معها تحت سقف واحد وهي التي تذكِّرة دائمًا بأن "المكتبة لك دافيد. . إنها أعزّ ما كان يملك جدّك"(ص28). وفيها كتب أدبية وتاريخية وفلسفية قرأ معظمها فلاغرابة أن يكون نموذجًا للشخصية المثقفة العابرة للقوميات والأديان والحدود ويقترن بسلمى الفتاة العراقية التي درست الأدب الإنكَليزي في جامعة لندن، وكانت تحب الرسم، وتحاول أن تقيم بعض المعارض الشخصية لها، واللوحة التي عثرت عليها آمنة قرب "مكبّ" النفايات هي لوحة سلمى التي تنطوي على محمولات عراقية صرف مثل القِباب الكثيرة، وتعويذة الـ "سبع عيون" التي تدرأ الحسد، وما إلى ذلك من ألوان شرقية حارّة. لقد أحبّ دافيد سلمى وأخلص لها مع أنه كان زير نساء قبل يتعرّف عليها لكنه أحبّها بصدق مذ صافحها، ونظر إلى وجهها، وظل مصعوقًا بهذا الحب حتى لحظة انتحاره لأنه، ببساطة شديدة، لا يستطيع العيش من دونها. لعلّ سائلاً عن سرّ انجذاب دافيد إلى سلمى وتعلّقه بها إلى درجة الوله الصوفي فيأتي الجواب واضحًا لا غُبار عليه: "أحيانًا أظن أن سبب افتتاني بسلمى هو كونها مختلفة عني تمامًا، أردت الدخول إلى عالمها الذي لا أعرفه، والهروب من كل شيء أعرفه"(ص61) الأمر الذي يقودنا إلى "التكامل" الذي يتطلع إليه مع هذه الشخصية "المختلفة" كي يندمج في عالمها الخاص الذي بدا مجهولاً بالنسبة إليه.

أما الساردة الثانية فهي آمنة التي عادت بنا إلى عائلتها في الناصرية وروت لنا حياة أسرتها التي تُعدّ نموذجًا مصغّرًا للمجتمع العراقي بكل تناقضاته الفكرية المتعارف عليها منذ زمن طويل. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى عمّها موفق الذي كان شيوعيًا ثم انتمى إلى حزب الدعوة المحظور آنذاك الأمر الذي أفضى إلى إعدامه من قِبل الأجهزة الأمنية للنظام السابق. وقد حاول صلاح، شقيق الساردة أن ينتحر لكنهم أنقذوه في الوقت المناسب ليموت في الحرب العراقية-الإيرانية مُحترقًا في جوف دبابته مخلّفًا ورءاه مكتبته الأثيرة التي تضم أفضل الكتب التي اقتناها حسب رأيه. لا شك في أن فكرة الموت أو الانتحار تتلاقح مع بيت الشريف الرضي الذي استشهدت به الروائية مُذكرة إيّانا بالخلفية الفنية التي يتشابك فيها الماضي البعيد مع الحاضر الأسيان حيث يقول الشاعر: "وموتُ الفتى خيرٌ له من حياته / إذا جاورَ الأيام وهو ذليلُ". وبما أن الساردة آمنة هي شخصية محورية في الحدث الروائي فلابد أن نفيها حقّها لما تنطوي عليه من نَفَس إشكالي يتعاطف معه القارئ خصوصًا وأن الكاتبة قد استعملت المحْكية العراقية في توصيف هذه الشخصية ورسم معالمها الخارجية لا تلفت الانتباه إليها ألبتة. فالأم تردد" "ما أعرف شنو فايدتك؟" والأب لا يجد حرجًا في القول: "هذه الخِلقة منو ياخذها؟" والأخ علاء يستوضح: "أنتِ حاسبة روحج مثل النسوان؟"، والزوج إبراهيم يتساءل: " أنتِ ليش مو مثل الأمهات؟"(ص51) باستثناء شقيقها صلاح الذي نبهها ذات مرة حينما وجدت حلاً لمسألة حسابية صعبة فقال:"آمنة، أنتِ ذكية جدًا"(ص47) لعل الخصلة الوحيدة التي أنقذتها من العنوسة هي "الشرف"، فغالبًا ما تُوصف بـ "الشريفة والطاهرة" لكن هاتين الصفتين الحميدتين تؤكدان "قبحها" بمعنىً من المعاني. تزوجت آمنة من إبراهيم دون أن تحبه، وعاشت غربتها المريرة رغم وجود الأبناء والأصدقاء، ومات زوجها متأثرًا بمرض السرطان، وأوصى أن يُدفن بين أهله وذويه، فحققت له آمنة هذه الرغبة المِلحاحة.

أشرنا إلى نقطة التحوّل الأولى حينما عثرت آمنة على لوحة سلمى وديوان الشريف الرضي في أغراض دافيد المُلقاة قرب حاوية النفايات فكان هذا المشهد بمثابة الحبكة الأولى، أما الحبكة الثانية التي حدثت في القسم الأخير من الرواية فتتمثل بتعرّف آمنة على الرسام عباس الذي أُعجب بها، ودعاها إلى شقته بعد أن استلطفته ووجدت فيه نموذجًا للزوج المستقبلي الملائم لسنّها، وحياتها الاجتماعية التي تكتنفها الغربة، والعزلة، والحنين إلى الأهل والوطن لكنها ما إن ذهبت إليه حتى وجدت لويزا، صديقته الهولندية القديمة، فقررت وأد علاقة عاطفية كانت في طريقها إلى النموّ والازدهار، وحينما زارها لتوضيح إلتباس القصد طلبت منه ألا تراه مرة ثانية لكنها في طوّية نفسها كانت تميل إليه، فهي شخصية إشكالية عويصة تترجح بين الإقدام والإحجام لكنها حسمت أمرها وأقنعت نفسها بأن "عبّاسًا" كان وهمًا في حياتها، وأن دافيد الذي أحب سلمى لحد التضحية بحياته هو الحقيقة الدامغة التي تدفعها للعودة النهائية إلى خيمة الوطن ودفء الأحبّة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

goma abdulahيتميز الرمز في الرواية، ببراعة فنية وفكرية، اضفت على الرواية مسحات جمالية ابداعية، تدل على ناصية الكبيرة في امتلاك مستلزمات دوافع الرمزوتوظيفه، نحو غايته المرامية بدواعي الايحاء والمغزى الدال في دلالته التعبيرية، التي جعلت من اغراض الترميز، حيزاً مهما في جمالية المتن الروائي، بذائقة الاقتناص المعبر بفائقة فذة . في روحية وجدانية وصوفية، تنتمي حروف ابجديتها الى الوطن، في الانتماء والهوية، في خوالج الحنين والشوق والاشتياق الملتهب والذي يفور بغليانه في الضلوع، في اريج واقحوان الوطن البعيد . لذلك كان استخدام ترميز النخلة، وشد اسمها الباسق بأسم الوطن، يفضي على الوطن هالة قدسية من الحب، ومن قدسية النخلة، التي تعتبر شجرة الله المقدسة، منذ بزوغ الحضارة والدين والتاريخ، فقد اكتسبت النخلة عبر هذه المراحل، عبق قدسي مبارك، في روضة المجد والقدسية .فنخلة الله على الارض، بأنها مانحة او واهبة العطاء والخصب والخير والبركة والطمأنينة والشفاء، وكما هي واهبة الشموخ الباسق والصمود والثبات والفحولة والرجولة . من هذا المنطلق فأن سمات الرمز تنطلق بدوافع فكرية تصب في خيمة الوطن الحبيب، فالمعنى في رؤيته الفكرية يستجيب تماماً، الى روعة الانتماء بصدق وجداني الى الجذر والاصل والاهل . وخاصة وان اسم العراق اقترن بأسم بلاد النخلة والنخيل . مثلما ارتبطت شجرة الارز في لبنان، ورمزية لبنان . هذه الاهمية تكون، مصدر الالهام في استخدام رمزية النخلة للوطن، بشكل متفاعل في بواعث الروح في المتن الروائي، في تجسيد الثالوث المقدس (نخلة الله . نخلة وطني . نخلة أمي) بروحية صوفية في عشق الوطن بالحنان والشوق، التي تتوسم اهداب وعيون الوطن البعيد . يعطي الصورة في هالة التعبد والصلاة للوطن والتقرب الروحي اليه، كما تجسدت في روحية الشخصية المحورية في الرواية (سليم الهاشمي) وهو يخوض غمار رحلة التغرب عن الوطن، في الغربة والمنفى والهجرة، لدوافع اجبارية وقسرية خارج عن ارادته، ان يبتعد عن الوطن لدوافع سياسية، وقفت عثرة في قطع الحبل الوصل عن الوطن، لكنها لم تستطع قطع الحبل السري للوطن . ان الغربة والتغرب جاءت بفعل المحاصرة والاختناق، من ممارسات السلطة الطاغية، في حنق وتكميم افواه اصحاب الرأي الحر، وارسالهم الى زنازين الموت والسجن . فلم تبق نافذة مفتوحة، سوى نافذة خطيرة المجازفة في طريق الغربة . هذه هي المظاهر الابداعية، في تقنياتها الفنية والفكرية . والرمز والترميز انشغل عليه المبدعون، في عطاءهم الابداعي . شعراً وسرداً . مثلا الكاتب الكبير (نجيب محفوظ) جسد الحارة في رواياته ترميزاً لمصر . الشاعر الكبير الجواهري جسد دجلة الخير ترميزاً للعراق عامة . الشاعر الكبير يحيى السماوي، جسد مدينته (السماوة) في ابداعته الشعرية رمزاً لكل العراق، والكثير غيرهم . والعلامة الاديب (علي القاسمي) لا يختلف عن الكبار، في توظيف في ترميز النخلة للوطن العراق، في خصائص ودلالات تعبيرية دالة في مدلولاتها، بعدة اوجه وصفات، ولكن كل هذه الدلالات التعبيرية، تؤكد انتمائها قلباً وقالباً، الى طين الوطن وترابه والى نخلة الله المقدسة في العراق، بعناوين كبيرة براقة، في منصاتها الضوئية، في هاجس روحي ملتهب بتفاعله المتنوع من الايحاء والمغزى البليغ .

1 - النخلة المقدسة : واهبة ومانحة العطاء والحب والصفاء والخير والبركة والطمأنينة مانحة الشفاء للمرضى بالتبرك بقربها، وقد استغل العلامة الاديب ببراعة فكرية ناضجة، توظيف الموروث الشعبي، في زيارة العتبات والمعابد المقدسة لتبرك للشفاء . فحين اصيب (سليم الهاشمي) وهو طفلاً بمرض الحمى، اخذته امه الى باحة البيت وفرشت الفراش تحت ظل الشجرة الباسقة، طلباً للشفاء من مرض الحمى (عندما تصيبني الحمى في طفولتي، كانت أمي تضمني الى صدرها، وتحملني بين ذراعيها، تأخذني من غرفتي الى باحة الدار، تمددني على فراش وثير هناك تحت نخلتنا الباسقة، كنت اتمدد في ظل النخلة، واتطلع الى الاعلى، تفتح النخلة صدرها، وتكشف عذقيها الناهدين المحملين برطب اصفر لاهث كالذهب) ص13 .

2 - النخلة فاتحة اريج الحب والحنان والشوق والانتماء الى هوية الوطن وربطه بالحبل السري للوطن . فحين ضاق الخناق والمحاصرة على (سليم الهاشمي) من عيون العسس، في موجات الارهاب العاصفة والهوجاء، من السلطة الطاغية الارهابية، في شد الخناق على اصحاب الرأي الحر، لتكميم افواههم وزجهم في متاهاة السجون والموت والتعذيب، فكل الطرق مسدودة، إلا طريق المخاطرة والمجازفة . في طريق الهجرة عن الوطن والرحيل القسري عنه . حمل (سليم) في حقيبته وهو يستعد للرحيل عن الوطن، حمل حفنة تراب، واحدى سعفات نخلة الدار، وشال أمه، وتسلل من داره قبل قبيل الفجر، وحتى الطيور مازالت تغط في نومها، عرف انه في الوداع الاخير للوطن والاهل، دون تذكرة رجوع (وانا أجرجر خطوي المكابر عبر الجسر، لن ارى بلدي بعد اليوم، ولن أرى أهلي، ولن أرى طلابي، سيفقدني النخل وفرسي واهلي وطلابي) ص17 .

3 - النخلة : عنفوان الرمز في الانتماء الى الوطن وهويته وارضه واهله . رمزية الشوق والاشتياق، بمثابة الجسر الوصل الى الحبل السري للوطن، الذي يدب في عروقه وروحه، وفي صلاته وعبادته . وفي لحظات الوداع في مطار بيروت، للسفر الى امريكا للدراسة والهجرة، في عملية انقاذ له، حتى لا يكون صيدة سهلة لمخابرات السلطة الطاغية، كما اغتالت رفيقه (زكي) في احد الايام الممطرة في بيروت . وفي وداعه مع ابيه، الذي تلى عليه وصيته البليغة، قبيل رحيله الى امريكا (ستعبر، يابني . الى الضفة الاخرى وسترى وجوهاً جديدة، واشجاراً مختلفة وستناديك اصوات متنوعة، ولكن . ولكن لاتنسى اهلك ونخيلك على شاطئ الفرات، لتبقى ظلال سعف النخيل على عينك، كأهدابك، ولتبق اهازيجنا على شفتيك كرحيقك .......... سنحمل النسيم سلاماً اليك . سنتمتم بأسمك في صلواتنا، داعين الله ان يحفظك ويردك الينا، سالماً غانماً) ص77 . فيرد عليه بحنان وألم (كيف انسى يا أبي تربة أهلي، وماء الفرات، ونخلة أمي؟ فقد تشربت بها روحي، وسرت في دمي، ونبض قلبي، وهل يحيا المرء بلا قلب؟ كيف يا أبي انسى وطني؟) ص77 .

4 - النخلة رمز الانتماء الروحي والتباهي، وفاتحة الفرح والابتهاج : في فرحة غامرة بالابتهاج، وصل طرد بريدي من احد اخوانه، يضم مجموعة كبيرة من علب التمر، المحشو باللوز والفستق، وراح يوزعهُ على مجموعة من احبته المقربين اليه، وتنهال عليه الاسئلة، حول المذاق الطيب والحلو في الفاكهة اللذيذة، يعطي الانشراح النفسي، ويؤكد عدم وجود التمر العراقي، في الاسواق الامريكية، لكنه سيعطي حصة منه حين تصله، رغم حاجته الروحية للتمر القصوى (فكل تمرة منه اضعها في فمي، تحمل عبق العراق، ونسيم نخلة، أمي، وليس بأمكان التمر الامريكي ان ينتج ذات المفعول، فهناك علاقة روحية بيني وبين التمر، دون ألوان الطعام الاخرى، فالتمر ثمرة نخلة الله، نخلة دارنا . نخلة أمي) ص115 .

5 - النخلة رمز الصمود والثبات، رمز القوة في وجه عوادي الزمن واعاصيره الغبراء، تقف النخلة بكل شموخ باسق في وجه الاعاصير الصفراء . لكن (سليم) يدين نفسه، بألم وتوجع وحزن، بأنه لم يقف صامداً امام الهجمة الارهابية، لم يقف كالنخلة الواقفة بشموخها الجسور، تموت وهي واقفة . لذلك اختار طريق الهروب، من أهله ووطنه ومن نخلة الله، خوفاً على حياته من الارهاب الظالم . حين سمع بالخبرالمؤلم بوفاة أمه (دعيني اسلكِ يا أمي الحبيبة . هل متِ كمداً على فراقي؟ هذا ما يصوره الغرور لي، ولكنكِ تفعلينها يأ أمي، فأنا اعلم بشدة تعلقكِ بأطفالكِ، غير أني لا استحق ان يموت أحد من اجلي، فقد تركت أهلي وارضي خوفاً على حياتي، ولم اقف كما تقف النخلة العراقية في وجه الاعصار، تموت وهي واقفة، وهي في منبتها، بل انسقت هارباً بعيداً مثل قشة صغيرة . يا للعار !) ص187 .

6 - النخلة رمز القوة وكذلك رمز الضعف تبعاً لحالة العراق الفعلية . ان العلاقة الروحية بين العراق والنخلة، فحين يكون الوطن تنهشه الامراض والضعف والوهن، من افعال السلطة الطاغية والارهابية . حين تحول الحياة الى سجون وسراديب موت وتعذيب،وحين تلعب رياح الارهاب والبطش والتنكيل والاضطهاد، وحين يحترق عراق بنار الارهاب، كأنه يحرق النخيل، وحين تتوالى الاخبار العراق المفزعة والمرعبة على (سليم) يحترق عذاباً ولوعة على رفاقه وعلى اهله وعلى ابناء الوطن عموماً (رفاقي . اجيبوني، أصحيح ما أقرأ هذه الايام من اخبار مفزعة؟ أصحيح ان بعضكم أختفى منذ مدة؟ وان بعضكم يئن تحت سياط الجلادين، في اقبية السجون؟ وان بعضكم لفظ أنفاسه تحت التعذيب؟ أصحيح ان النخيل احترق؟ وان العنادل لم تعد تعرف التغريد؟ أصحيح ان النهر جف وان الارض اجردت؟ أصحيح ان هذه الجرائم تقترف اليوم في العراق بأسم العراق؟) ص185 .

جمعة عبدالله

..........................

- رواية مرافئ الحب السبعة . علي القاسمي

 

 

ahmad alkhozaiفي أدب ما بعد التغيير، واقصد الأدب العراقي بعد 9-4-2003، ظهرت عدة أقلام أدبية نسائية (سردا وشعرا) حاولت طرح ومعالجة قضايا المرأة بصورة عامة،والعراقية بوجه خاص، من مفهوم أنثوي بمعزل عن هيمنة الرجل، غير إن بعض هذه الأقلام بقيت تدور في فلك الرؤية التقليدية، لأصل المشكلة وهو (الرجل) .. هذه الإشكالية في المعالجة السردية ذات البعد الميثولوجي، التي لم تخرج عن حيز تجسيد صراع الوجود، القائم بين الرجل والمرأة وتقاطعاتهما عبر السفر الإنساني الموغل في القدم، لم تعد فعالة ومؤثرة بالقدر الذي كانت فيه قبل خمسة عقود، ففي الوقت الحاضر وفي عالم ما بعد الحداثة، أصبح من الضروري إعادة النظر بهذه الرؤية القاصرة، والعمل على أن يصبح الأدب النسوي أكثر نضوجا وبراغماتية، في التعامل مع مشاكل المرأة العراقية المعاصرة، وما يحيط بها من تحديات، وتناول قضاياها بنظرة أكثر شمولية وعمقا وإدراكا، والنظر إليها على إنها جزء من واقع سياسي واجتماعي وفكري واقتصادي، تؤثر فيه، وتتأثر به، أسوة بالرجل، فكلاهما يواجهان نفس التحديات والإشكاليات الفكرية للحضارية المادية، الزاحفة مع عصر العولمة، وكلاهما يعيشان إرهاصاتها وتداعياتها وبنفس القدر والتأثر .. من هذا المنطلق أود تسليط الضوء على منجز سردي نسائي، لقاصة واعدة، لكن مازال أمامها الكثير كي تضع لها بصمة في عالم السرد النسائي العراقي، على الرغم من إن هذا المنجز يمثل تجربتها الثانية في عالم القص، في مجموعة (ساعة لا ريب فيها) للقاصة أفراح سالم والصادرة سنة 2017  نجد إن القاصة تناولت مشاكل المرأة العراقية من نفس المنطلق التقليدي الذي اشرنا إليه، أي إن (الرجل والموت) هما اكبر التحديات التي تواجه المرأة العراقية، حيث وضعتنا القاصة أمام قضايا اجتماعية متنوعة كانت المرأة المحور الرئيسي فيها، وقطب الرحى التي دارت حوله معظم نصوص المجموعة، عبر معالجات سردية تمحورت حول ثيمات (الموت، الخيانة، الغربة، المرض، الاضطهاد)..وضعت في اطر حكائية تمثل واقعية اجتماعية، حملت في بعض محطاتها بعدا رمزيا إيحائيا، وهيمنت عليها تقنيات (الارتداد والاسترجاع، المنلوجات الداخلية، المشاهد الصامتة) ولغة تقليدية اقتربت كثيرا من لغة السرد العراقي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وذلك باستخدام عبارات فخمة، إنشائية تارة، ومنمقة تارة أخرى، وإنشاء جمل بديعية تهتم بالبعد الجمالي على حساب البعد الدلالي والحجاجي، وسأضرب مثال على ذلك المنحى اللغوي، قصة هتون المطر (ها قد حل المساء وانقضى يوم آخر وأنت بعيدة عني، متى سألقاك يا هند، لقد مرت أعوام وأنا هنا انتظر طلة وجهك الصبوح .. لم كل هذا الجفاء؟ ومتى ستعودين إلى الديار؟).. غير إن النزعة التشيخوفية الميالة إلى إبراز حجم المعاناة الإنسانية وعذاباتها، منحت بعض النصوص بعدا إنسانيا حزينا، أعطاها حضورا لدى المتلقي.

كتبت نصوص (ساعة لا ريب فيها) انطلاقا من رؤية أنثوية واعية، قادرة على التقاط بؤر التأزم الاجتماعي التقليدية التي تدور من حولها، وفق نسق حكائي غلب عليه تقنية السارد الخارجي (العليم)، عدا بعض النصوص التي كان السارد فيها داخليا (ضمني) يسير بموازاة الأحداث.. كانت الآراء ووجهات النظر المطروحة في اغلب النصوص تمثل مزاجا شخصيا للقاصة، وحضورا متواريا أو مباشرا لها، مثل هذا النص من قصة (عتمة) والذي مثل تعليقا للقاصة على الحدث القائم (فمن ظلم الدنيا أن تكون النساء كائنات ضعيفة، وعليهن احتمال الاهانة، مهما تكن وإلا سمح للقليل والقال بالتحدث عنهن بالسوء).. إضافة إلى استخدامها (شخصيات مرجعية) في اغلب النصوص، حسب تصنيف الناقد فيليب هاملتون، أي إن أبطال المجموعة كانوا شخصيات مؤدلجة تنطلق من ثقافة ثابتة.. مع وجود تكرار ملفت للنظر في ثيمات قصص المجموعة، مع اختلاف بسيط في تفاصيل الأحداث والخواتيم .. وسأسلط الضوء على بعض نصوص المجموعة:

1- الطائرة الورقية: حمل النص بعدا رمزيا دلاليا، حاول أحداث مقاربات فكرية بين الحدث الآني والذاكرة، مع مفهوم الحرية بعنوانها العام.. الطفل الذي انقطع خيط طائرته الورقية، لتشكل هذه الحادثة منطلقا لذاكرة الأم نحو الماضي القريب، في عملية نقد اجتماعي جريئة مارستها القاصة، عبر هذا التعالق الإيحائي بين الماضي والحاضر، بين مشهد تحرر الطائرة من خيطها، ومشهد تمزيق أبيها لكتبها المدرسية وقصائدها، ومن ثم إجبارها على الزواج من شخص لا تحبه، وحلمها بالتحرر من قيودها كتلك الطائرة الورقية.. القصة في معظمها تشكل مشهدا صامتا، يستند إلى تقنية الارتداد والاستذكار، عبر تداعيات آنية انفعالية.. شكل الزمن مفصلا مهما ومحوريا فيها، ساهم في تكوين بؤرة اجتماعية تقاطعت فيها الأحداث والرؤى.. احتوى النص على جمل زائدة وشروحات أربكت السياق العام له، مثل قول أم البطلة مخاطبة (الأب ) زوجها (فمن الممكن أن تصبح أمل في يوما ما شاعرة مشهورة كتلك الشاعرات اللاتي تألقن في هذا المجال، وأبدعن فيه، مثل نازك الملائكة الشاعرة المجددة للشعر).. تميزت لغة الحوار بارتفاع المستوى الثقافي للخطاب، يرافقه جهل للقارئ بالمستوى الثقافي والتعليمي والبيئي، الذي انطلق منه هذا الخطاب الناضج، باستثناء البطلة التي أشار إليها النص على إنها كانت طالبة وشاعرة.

2- صباح آخر للحياة: نص يمثل جزءا من أدب الحرب، وكأغلب نصوص المجموعة تبدأ هذه القصة بتقنية الوصف والتركيز على عنصر المكان الذي يدور فيه الحدث المحوري للنص (حل نسيم الربيع المليء بعطر الزهور المتفتحة في الأرجاء، وأضفى عليها جمالا خاصا ....).. بعدها يلج القارئ في العتبة الرئيسية للنص، شاب يطالع كتاب في منتزه عام يلعب بقربه مجموعة من الصبية، نكتشف بعدها إن هذا الشاب أصم وفاقد لإحدى قدميه، نتيجة معركة خاضها مع الإرهاب.. حملت الثيمة جانبا إنسانيا في عملية تصوير لما تخلفه الحروب من تداعيات وماسي.. احتوى النص جملا زائدة وأخرى خطابية توضيحية، أضفت عليه مسحة تقريرية مباشرة، كما في هذا المشهد الذي يمثل حوار الطفل مع البطل (أنت في الجيش. إذن أنت بطل ونحن نحبك كثيرا، لأنك عدت بوسام الشرف والبطولة كما يقول آباؤنا).

3- عُتمة: نص يطرح مشكلة اجتماعية أزلية، عبر معالجة سردية اختزلت تجربة إنسانية حزينة .. امرأة تعاني من واقع سيئ تعيشه مع زوجها، تمر بلحظة تداعي فكري ينتهي بها المطاف بقرارها بالانفصال عنه، يبدأ النص بتصوير جميل لحالة القلق التي كانت تعيشها قبل اتخاذها قرار الانفصال، من خلال سيميائية متأرجحة بين حركة البطلة وبين مشاعرها من جهة، وبين سينوغرافيا المكان وتفاعلها الحركي معه، يستمر هذا المشهد لصفحة كاملة محافظا على حيويته وحضوره.

4- قلب مظلم وجدار مضاء: إن وجود الأسماء في أي النص قصصي يشكل عبئاً عليه، إلا إذا كانت هذه الأسماء تحمل دلالات تخدم فكرة النص وقصديته، وما يلاحظ في هذه المجموعة هو كثرة ورود أسماء الأشخاص التي لا تحمل أي دلالة، ولا تتفاعل مع أحداث النصوص بأي شكل من الأشكال.. وقد تميزت هذه القصة بلغتها الشاعرية المرهفة وانزياحاتها، واستخدام تقنية التضمين، وذلك بإدخال أبيات شعرية على النص، تمثل أغنية للمطربة الراحلة أم كلثوم، قامت البطلة بتردديها وهي تعيش حالة من الذهان، جعلتها تتزين بانتظار زوجها الغائب الذي لن يعود، كونه قتل في الحرب، هناك شرح في خاتمة النص لا مبرر له، حيث إن السياق وصورة المشهد يشيران إلى موته.. (وجدت نفسها  أمام وهم وسراب، لتعود وتنظر إلى الجدار، بعين دامعة ليكشف ضوء الشمعة المتراقص عن صورة لفادي وهو يرتدي الزي العسكري، وقد وضع شريط اسود على احد زواياها، وفي الطرف كتب تاريخ استشهاده).

5- بقايا امرأة: نص يحمل مقاربة رمزية وفكرية ذكية، بين امرأة مغلوبة على أمرها، تعيش حياة زوجية سيئة للغاية وبين عصفور حبيس قفص صغير ينشد الحرية.. استخدام الجمل الإنشائية في هذا النص أعطاه صفة تقريرية مباشرة جعلته يقترب بطريقة وأخرى من النص المسرحي كما في هذا الحوار بين البطلة والعصفور الحبيس (أما أنا فمكبلة هنا، لم أحاول قط الانتفاض على الواقع المر الذي أعيش فيه وفك قيودي والخلاص).

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

adnan aldhahir2أبو العلاء المعري (363 - 449 للهجرة)

أما أبو العلاء المعري - رهين المحبسين وفيلسوف معرة النعمان - فأنه هو الآخر قد نكب بعد المتنبي بوفاة والدته. فكيف يكون حزن الرجل الأعمى الذي زهد في الدنيا فعافها وما فيها. وكيف تكون وحدته وعلى أية درجة من القتامة اذ يمسي وحيدا بلا زوجة ولا أهل ولا ولد ولا من يرعى شؤونه الحياتية اليومية الرتيبة البسيطة حد تحريم أكل اللحوم:

 

هذا جناه أبي عليَّ

وما جنيت على أحد 

ثم:

تعب كلها الحياة فما أع

جب الا من راغب في ازديادِ

 

إنَّ حزنا في ساعة الموت أضعا

ف سرور في ساعة الميلادِ

سألت متى اللقاء (10)

هذا هو عنوان مرثية أبي العلاء لأمه حيث قال فيها فأبدع صياغة العاطفة بقوالب الشعر العربي وتفعيلات الفراهيدي فعالجها في غاية المرونة وطوع عصيها كما الحداد الماهر يعالج بارد الحديد بمنفاخ النار مع الفارق. فنار الشاعر منصهر روحه العلوية التي تتسامى لهبا ونورا ونارا يخالطها الألم المكتوم الذي لا يكاد يبين... فلا يزيد من ناره الا أوارا فيحيل " سقط زنده " جحيما ولا جحيم الشاعر الأيطالي (دانتي):

سمعت نعيها صما صمام

وإن قال العواذل لا همام

 

وأمتني الى الأجداث أم

يعز علي أن سارت امامي

اجل، فلقد عز عليه كثيرا أن تموت قبله، وكأنما كان يريد أن تتخذ الأقدار مسارا آخر مغايرا، ولكن هيهات. فلقد سبقه أبو الطيب اذ قال:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السَفَنُ

إن حسرة الشاعر على فقده والدته لفجيعة حقا. ولقد عبر عن هذه الفاجعة بأقصى آيات الصراحة والبراءة والبلاغة اذ تخيل نفسه، وقد رجعت به السنون القهقرى طفلا رضيعا، فما أمس حاجته لأم تغذيه اللبن مع الحنان، والحنان يأتي من الصدر الذي يعطي اللبن. وهل في الدنيا من يقوم مقام الأم بالنسبة لرضيع؟ فلنسمعه يقول:

مضت وقد اكتهلت فخلت إني

رضيع ما بلغت مدى الفطام

 

فيا ركب المنون أما رسول

يبلغ روحها أرج السلام

 

سألت متى اللقاء؟ فقيل حتى

يقوم الهامدون من الرجام

 

فصرفني فغيرني زمان

سيعقبني بحذف وادغام

ثم يشرق الشاعر ومن ثم يغرب متهربا من موضوع قصيدته الأصل هنا وهناك تهيبا من المصاب الجلل تارة وأشفاقا على نفسه التي ناءت بحمل لا يطاق تارة أخرى، حتى ينهي القصيدة بالأوبة التي لا مناص منها لمناجاة حبيبته الوالدة التي لا ثاني يضاهيها في الحياة. وهل تتكرر والدة؟

كفاني ريها من كل ري

الى أن كدت أحسب في النعام

 

سقتك الغاديات فما جهام

أظل على محلك بالجهام

 

وقطر كالبحار فلست أرضى

بقطر صاب من خلل الغمام

وبعد ألف عام أختار الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري كما سنرى لاحقا ذات البحر وعين الروي والقافية لقصيدته التي رثى بها أمه . فأي تأثير قوي عجيب مارسه ولما يزل هذا العبقري الأعمى على المحدثين من ذوي البصيرة والبصائر من الشعراء ! لقد رد الجواهري له الجميل في قصيدته التي القاها في مهرجان ذكرى ألفية ابي العلاء المعري الذي أقامه المجمع العلمي العربي في دمشق (11) ومطلعها:

قف بالمعرة وامسح خدها التربا

واستوح من طوق الدنيا بما وهبا

 

واستوح من طبب الدنيا بحكمته

ومن على جرحها من روحه سكبا

 

حرف الميم مرة أخرى

أعود ثانية لحرف الميم اياه. ففي البيت الثاني من قصيدة المعري ورد حرف الميم مرات

أربع في ثلاث كلمات أدت معاني مختلفة وان كانت ترجع أساسا الى أصل واحد. والمعري بارع في هذا الفن (12) وأشعاره تزخر بهذه النماذج وأضرابها من الجناس والطباق والتورية وباقي المحسنات البديعية. يقول في هذا البيت:

وأمتني الى الأجداث أم

يعزعلي أن سارت أمامي

لقد تكرر حرف الميم هنا أربع مرات. والذي يؤم الصلاة هو الأمام. وأمام الصلاة هوالذي يتقدم صفوف المصلين، أي أنه يقف أمام الجميع. فأي خشوع يعانيه هذا الأبن الأبر اذ يلفظ كلمة " أم"؟ حتى أنه لكأنه يروم أن يقول أن الموت فرض آخر يحتاج بدوره الى امام يقود الناس اليه وانهم يمارسونه كواحد من الشعائر المقدسة المفروضةعلى بني الأنسان. فالموت، كالصلاة، لا بد له من أمام ينسق ويوجه الناس اليه في سفرهم الأخير .

ان قصيدة " سألت متى اللقاء " واحدة من اصعب قصائد ابي العلاء، لا من حيث تعقيد تراكيب

الجمل فحسب، بل ومن حيث غرابة معانيها وغرابة ما أختار من مفرداتها الأمر الذي قد لا نجده في باقي أشعاره الا فيما ندر (واقصد أشعار ديوان سقط الزند فقط) .

ورد في قصيدة رثاء الشاعر لأمه - وهي في أربعة وستين بيتا - ذكرأسماء عشرة حيوانات هي حسب تسلسلها في القصيدة: الحمامة والنسر والأسد والفراشة والحية والناقة(تلميحا وتضمينا) والحرباء والجنادب والضب والنعام. فعلام يدل هذا ان كان له ثمة من دلالة؟ هنالك تفسيرات لهذا الأمر متداخلة لدرجة يصعب معها أو يستحيل الفصل فيما بينها ما دام الشاعر موضوع البحث شخصا كأبي العلاء المعري:

1- الأسراف في ذكر الحيوان ينم أو حتى يفضح حاجة المرء لأكل اللحوم التي حرمها على نفسه طوعا.

2- التعويض عما يحسه في قرارة نفسه من نواقص وعلل في الشائع والمعروف من صفات هذه المخلوقات. فالوداعة في الحمامة هي وداعة الشاعر الضرير الملازم داره. وكتمانها الصوت المغرد دون القدرة على فتح المنقار فيه الكثير مما نجده في طبع وفي ظروف الشاعر من ميل للتكتم والأعتزال ثم استحالة الحركة الحرة بالنسبة لرجل أعمى. لقد أستأثر الحمام بأهتمام خاص من لدن الشاعر خاصة في بعض مراثيه وحيثما يتطلب الأمر بث الشكوى والتعبير عن الأحزان، كما فعل في قصيدة " ضجعة الموت رقدة " التي رثى فيها أبا حمزة ومطلعها أشهر من أن يعرف:

غيرُ مجدٍ في ملّتي وإعتقادي

نوح باك ولا ترنم شادِ

 

أبكتْ تلكم الحمامة أم غ

نت على فرع غصنها الميادِ

 

أبناتِ الهديل أسعدن أو عد

ن قليل العزاء بالإسعادِ

 

إيهِ لله دركن فأنتن أل

لواتي تحسن حفظ الودادِ

ثم لاحظ قوله في القصيدة موضوعة البحث:

وحماء العلاط يضيق فوها

بما في الصدر من صفة الغرام

 

تداعى مصعدا في الجيد وجدٌ

فغال الطوق منها بأنفصام

اي ان الوجد المتصاعد كاد أن يشق طوق الحمامة الأسود الذي يطوق رقبتها. فأن هذا الطوق لا يصمد أمام جيشان الوجد المنغم المشدو هديلا. فالوجد عات لكن سبيل التعبير عنه في غاية الضيق. ورهين المحبسين يعرف كيف يداري شجونه ويدري كيف يصرفها وهوالكاظم الأعظم للنزعات البشرية وكابح دواعيها. ومن يتغلب على دنياه لا يشق عليه قهر نداءاتها وأن ألحت.

هذا المنهج ليس طارئا على الشعر العربي كما نعلم. فلقد سبق أبو فراس الحمداني ابا العلاء المعري في هذا المضمار اذ خاطب الحمامة وهو في سجنه أرق خطاب:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

أيا جارتا لو تشعرين بحالي

 

ايا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

تعالي أقاسمك الهموم تعالي

 

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلةً

ولكن دمعي في الحوادث غالي

والمقابلة هنا جد واضحة بين الأسر الروحي والبدني وبين الحرية التي تنعم بها الحمامة .

هذا عن الحمامة اما النسر فله رموزه ومغازيه ولعل أبرزها- فضلا عن حرية الانطلاق - الشموخ والطيران على ذرى الجبال والقمم العوالي. ثم حدة البصر الذي يفتقده الشاعر المسكين اصلا. وفي الأسد البأس والجبروت واحتقار الرمم والجيفة والميتة ثم أنه مليك الغاب بلا منازع.

ومن ذا الذي أستطاع أن ينافس أبا العلاء في زمانه شعرا وفكرا وفلسفة وألتزاما؟

أما الضب والنعام فأنها تحاكيه في جلده وفي تمنعها عن الماء وصبر النعام على العطش:

كفاني ريها من كل ري

الى أن كدت أحسب في النعام

أما تعلق المعري بالناقة فلا مثيل له، ولا يلام. فالناقة واسطة نقله من بغداد الى بلاد الشام:

طربن لضوء البارق المتعالي

ببغداد وهنا ما لهن ومالي

وإبله يطربها فرح التوجه نحو مسقط الرأس بعد أن برم ببغداد:

وكم همَّ نضوٌ أن يطير مع الصبا

الى الشام لولا حبسه بعقالِ

 

ولولا حفاظي قلت للمرء صاحبي

بسيفك قيدها فلست أبالي

ثم أن الناقة مصدر لبن الشاعر وصنوه في مكابدة العطش وأحتمال الأذى والمشاق.

لقد خص الشاعر الحمامة بخمسة أبيات في قصيدة " متى اللقاء " وخص الأسد(وأسماه الورد) بعشرة أبيات والأفعى بتسعة. وهذا الأمر يبدوفي غاية الغرابة. اذ ما الذي يستهوي المعري في الأفاعي؟ لقد توارد في هذه الأبيات التسعة ذكر ألفاظ عميقة الدلالة، الا أن تحليل مراميها في غاية اليسر. فالدروع(وله قصائد خاصة بها) وسم الأفعى الذي يحيل الجبل كثيبا من الرمال، وجلدها الذي تبدله مرارا كل عام هي في الحق تعبيرات ظاهرية تخفي في طياتها رموزا بعيدة الغور في بحور هذا الرجل المنطوي القاصر المتشائم الكثير الحذر.

لا بد من طرح السؤال الأتي: ما دخل رثاء والدته بهذا الحشد الغريب المنوع من البهائم؟ وفيها الوديع وفيها الصبور القانع كما أن فيها اللئيم والمفترس.

الحمامة: أحسب أن الحمامة في هذه المرثية هي أم المعري بعينها، وأن الأسد الورد والده. وعلى هذا فلقد أخطأ مفسرو القصيدة - وقد هرب منها طه حسين كما سنرى هروبا مطلقا - في تعليقاتهم على حمامة المعري. فلنسمعه ماذا قال:

أشاعت قيلها وبكت أخاها

فأضحت وهي خنساء الحمام

أما مفسرو القصيدة(4) فقد ذهبوا الى أن هذه الحمامة قد جهرت بصداحها !! وماذا في الأمرهذا من غريب؟ وهل يستوي هذا التفسير السطحي، وهوليس بتفسير أصلا، مع الغموض والأيهام وفلسفة التورية التي شهر بها المعري(12)؟؟ الصحيح كما أراه أنا، أن أم الشاعر (وهي موضوع الرثاء) كانت قد فقدت زوجها أو سيدها (قيلها) فشيعته الى قبره (أشاعت قيلها) . وهذا التفسير متطابق مع حقائق الأمور المعروفة عن تأريخ عائلة المعري. أما الخنساء فخطبها مع أخيها صخر غني عن التعريف:

يذكرني طلوع الشمس صخرا

وأذكره لكل غروب شمسِ

 

ألا يا صخر لا أنساك حتى

أفارق مهجتي ويشق رمسي

الأسد: اما الأسد الورد (أي الأشقر اللون) فلست اعدوالحقيقة اذ أقرر أنه لا يمكن الا أن يكون والد الشاعر نفسه. قال في وصفه وفيما حوله وجمر عينيه الذي يجتذب الفراش اليه ليلا وهي تتقد شررا وتتوهج نارا. لقد وصف فأبدع في وصفه لدرجة يحسده عليها الكثير من المبصرين سواء أكانوا شعراء أو رسامين:

بدا فدعا الفراش بناظريه

كما تدعوه موقدتا ظلامِ

 

بناري قادحين قد استظلا

الى صرحين أو قدحي مدام

 

كأن اللحظ يصدرعن سهيل

وآخر مثله ذاكي الضرام

 

تطوف بأرضه الأسد العوادي

طواف الجيش بالملك الهمام

 

وقال لعرسه بيني ثلاثا

فما لك في العرينة من مقام

فهل رأيت أجمل أو أكمل من هذه اللوحة التي رسمها فنان كفيف البصر؟ الصدق والدقة في محاكاة الطبيعة من شدة لمعان عيني الأسد وحمرة سهيل النجم وتوقان الفراش للضوء ليلا . ثم يؤوب بعاطفته منكفئا بعد كل هذا التطواف المكثف والشديد الرمزية الى عالمه الخاص والمغرق في الخصوصية. ففي لحظة موت الأم من هو الأحرى بالتذكر غير الأب الذي فارق الحياة وقتما كان الشاعر في الرابعة عشرة من عمره. فهذا الملك هو والده بعينه وكل البرية طرا هي هذا الجيش اللجب الباقي على قيد الحياة حيث يلتمس الشاعر فيه بعض العزاء وبعض القوة يستعين بهما في مغالبة ضعفه المركب: اليتم المزدوج والعمى.

اما البيت الآخير فإنه من الوضوح بحيث لا يترك زيادة لمستزيد: " وقال لعرسه بيني ثلاثا "

لقد فارق الوالد زوجه الفراق الأبدي الذي لا من رجعة بعده، عبر عنه بالبينونة الثلاثية الكبرى في الشرع الأسلامي.

الحية: أما الحية (الحباب)، وقد خصها بتسعة أبيات كاملة، فأنها في نظري التعبير الرمزي

اللاشعوري عن الخوف وتوقع الدسائس ومكائد الحساد والخصوم. فالأفعى سامة في شعر أبي العلاء، والأفعى تغير جلدها بشكل دوري دلالة على قلق الرجل وانعدام الثبات في الحياة، والأفعى رقطاء وكل رقطاء سامة:

على أرجائها نقط المنايا

ملمعة بها تلميع شامِ

لاحظ روعة الجمع بين صفات الحيوان (الأفعى) وبعض ما نعرفه عن طبيعة البشر(الشامة) والدلالات التي يحملها مثل هذا التشبيه والمقابلة. نقط الأفعى (وهي سامة قاتلة)على جلدها تقابلها شامة جلود بني البشر. فهل أراد المسكين أن يقول أن لا فرق بين البشر والأفاعي: الكل سام وغادر فتاك؟ قال المعري هذه القصيدة بعد رجوعه الى المعرة تاركا بغداد حيث أبلغ بخبر وفاة والدته وهو في الطريق. يقرر طه حسين (4) أن المعري لم يسلم في بغداد، وقد أقام فيها سنة وسبعة أشهر، من حسد الحساد ومن كيد الكائدين. ولقد أهانه أثنان من رجالات بغداد يومذاك. أولهما الشريف المرتضى الذي استفزه المعري ببيت المتنبيء الشهير (وأذا أتتك مذمتي من ناقص ...) وثانيهما هو النحوي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي. فكيف ينسى هذا العبقري الضرير المسالم والعاجز اساءة من أساء اليه؟ سيما وأن أدبه الجم وتربيته ووضعه العام كلها لا تمكنه من أن يرد أو أن يقابل الأساءة بمثلها. فكل من أساء وكل من يزمع أن يسيء لهذا الطفل- الرجل الوديع انما يتشكل أفعى بنابين في شعوره الباطن بلغة (فرويد) أولا وفي شعره فيما بعد ثانيا. ثم أن الأفعى اللعينة هي التي أغوت أبانا آدم وزينت له طريق المعصية بالأكل من شجرة الخلد المحرمة فأستحق بذلك العقاب ومن ثم الطرد من الجنة:

أبوكم آدمٌ سن المعاصي

وعلمكم مفارقة الجنانِ

كما قال المتنبيء في القصيدة التي مدح بها (عضد الدولة البويهي) ويذكر في طريقه اليه

((شعب بوان)) (3) .

 

طه حسين ومرثية المعري

رغم اعجاب الدكتور طه حسين بالمعري فكرا وفنا وشخصا، ورغم أنه كتب فيه أكثر من خمسمائة صفحة من مجلده الثالث (من تأريخ الأدب العربي) لكن لا نرى الا ذكرا عابرا للقصيدتين اللتين رثى بهما المعري أمه. ذكرهما في ثلاثة مواضع حسب، مجرد ذكر عابر مقتضب حتى أنه لم يكلف نفسه ذكر اسمي القصيدتين. هذا الأمر يدعو حقا للدهشة. كما أنه لم يكن مقتنعا بأن هاتين القصيدتين من الرثاء، بل وعدهما من الوصف (4) . وعلى الضد من هذا نراه يسهب في شرح القصيدة التي رثى المعري فيها الفقيه الحنفي أبا حمزة والتي مطلعها

غير مجد في ملتي وأعتقادي

نوح باك ولا ترنم شاد

حتى أنه قال فيها (4): ((نعتقد أن العرب لم ينظموا في جاهليتهم واسلامهم، ولا في بداوتهم وحضارتهم قصيدة تبلغ مبلغ هذه القصيدة في حسن الرثاء)). فهل يا ترى كان هذا هو السبب الرئيس الذي جعل الرجل يعزف عن تذوق أو شرح أو تقويم القصيدة الرائعة موضوعة البحث؟ أم أن هناك أسبابا أخرى جعلته يتجنب الخوض في نقد شعر صعب متشعب عويص التركيب والعمارة، وفيه ما يحتمل أكثر من وجه ويقبل أكثر من تفسير؟ فأذا كان هذا حال هذه القصيدة " سألت متى اللقاء " فالرجل معذور، لأن الأمر يتطلب جهدا مضاعفا لا يقصر عنه عميد الأدب طه حسين لولا علة عينيه وأضطراره أن يستعين بالأخرين قراءة وكتابة وأستعادة وأستزادة. وهذه أمور يكرهها وأن قبلها مكرها. اذا وجدنا العذر للرجل، فبأي عذر يقنعنا المبصرون من النقاد والكتاب ومحبي المعري، قديمهم وحديثهم، وهم عن أمثال هذه القصيدة معرضون؟ اذ لم أجد فيما قرأت تقويما أو شرحا حقيقيا لشعر الرثاء هذا وهو الذي يستحق الكثير من ذوي الذوق والأختصاص. ان هذه القصيدة لعالم قائم بذاته وبنيان مرصوص مرصوف عظيم الهيبة كثير الجمال وشديد التنوع ولا يخلو من آيات الغرابة والسحر والأسطورة.

ثمة أمر آخر يسترعي انتباه قراء أدب طه حسين: اعجابه بمرثية المتنبيء لجدته حد وصف القصيدة بأنها خالدة. علما أنه لم يكن معنيا الا بتقصي الغريب فيها والشاذ مما يمكن أن يستشف منه دليلا على غموض أصل المتنبيء وأسرته وتشأته الأولى في الكوفة، بل وحتى وضاعة نسب الشاعر (4) .

بالحاج والمعري

لقد ذكر الأستاذ محمد مصطفى بالحاج ثلاثة أبيات من مرثية المعري " سألت متى اللقاء " (12) . ذكرها اقتباسا من سواه من النقاد كأمثلة للتدليل على الإغراب كما في البيت:

وأذنت الجنادب في ضحاها

أذانا غير منتظر الإمامِ

ولا اعرف - حد علمي - أن شاعرا سواه من معاصريه او ممن سبقه من شعراء العربية قد وظف حيوان " الجندب " في اشعاره . ثم كيف تؤذن الجنادب؟

أو البيت التالي:

وصرّفني فغيرني زمانٌ

سيعقبني بحذف وادغام

أجل، ذكر الناقد هذين البيتين وبيتا ثالثا آخر كأمثلة على مدى ولع وتمكن المعري من فن الألغاز والتورية والأبهام والأيهام. ولذا فقد كانت اما موضع انكار وأستهجان كما هي حالة البيت الأول او أنها كانت موضع أستحسان ورضى وأعجاب ومديح كما هي حالة البيت الثاني. على إني لا أعتبر تناول مثل هذه الأبيات بالنقد الجمالي الصرف وبالأحتكام الى علم الهيئة والبديع والبيان وقواعد الصرف والنحو وما سواها، لا أعتبره نقدا نوعيا للقصيدة موضوعة البحث، وهي أساسا قصيدة رثاء كما نعرف. ويظل رأيي السابق على ما هو عليه من أن القصيدة هذه قصيدة مظلومة اذ لم يلتفت اليها - الى حد علمي - احد من النقاد وأنها لحرية بكل اهتمام لفرادتها وما أشاعت من أجواء وما بثت من مشاعر تتصل ضعفا وقوة بأدق أحاسيس الأنسان وهويتملى شؤون الحياة والموت ويحيا مأساة موت أعز انسان لديه، اذ ليس للشاعر من أحد بعد موت أبيه سوى أمه. لا تخلو القصيدة بوجه عام من الغموض. ومن قال أن العالم واضح بالنسبة لضرير؟ والمسألة كذلك صحيحة بالنسبة للعالم الآخر. فالدنيا والآخرة عالمان غامضان للمبصروبدرجة أشد للكفيف .ثم هل يستطيع رجل متزن حصيف الأعراب عن مشاعره بشكل صريح سيما اذا أتصل الأمر بعواطف الحزن وتابعه البكاء؟ وهل من المعقول والمقبول أن يبكي رجل بلغ أشده أو انه قد بلغ مبلغ الرجال؟ اذن فالهروب الى الرموز والأستعارات والتورية وما اليها اجدى وأكثر قبولا من أشهار دموع الحزن التي قد يلومه فيها أكثر من لائم. فمن ذا يلوم الشاعر اذا تذكر أباه الراحل وهو يرثي والدته؟ ومن ذا الذي يلومه اذا ما ذكر خاله المتوفى وكان شقيقا لأمه (وبكت أخاها) ثم وهو في أشد حالات الضعف والحزن، ما الذي يمنع استرساله مع أحاسيس الشجن والمحن التي لاقاها من الخصوم والحساد وخاصة أولئك الذين أمتحن بهم في بغداد قبيل وفاة أمه مباشرة. يدعى الى مجلس أحد ادباء وأشراف بغداد ومن ثم يستفز أو يطرد أو يهان. وفي هذا المكان من مؤلم الذكريات ومشجيها لا يشخص امام بصيرته من المخلوقات الا الأفعى الرقطاء، فأنها تقتل وهي تتبدل بتغييرها لجلدها . القصيدة كثيفة بمشاعر الحزن والخوف ووميض العتاب وشرارات الحنق والملل والسأم صاغها الشاعر الكفيف فأبدع الصياغة ما سمحت له حالته الجسمانية والنفسانية وقساوة ظرف عماه. والعجيب أن المعري لم يكن يتذكر الا اللون الأحمر من بين سائر الألوان المعروفة.

خلاصة القول: طالما أن القصيدة محددة الغرض - وهي هنا رثاء - فيجب أن ينصب النقد العام على موضوع القصيدة الخاص. وتقويم بضعة أبيات منها من وجهات نظر اخرى لا تمت لموضوع القصيدة بصلة، مهما بدا هذا التقويم ضروريا من وجهة نظر علم الجمال، فأنه لا يغني بأية حال عن النقد المنصب على مجمل القصيدة كبناء موحد متكامل. والجزء لا يلغي الكل، بل وحتى لا يعوض عنه.

 

د. عدنان الظاهر

 

 

nomida jrofiعندما نقرأ كتابات الشاعر يحيى السماوي، لا نقرأ بأعيننا فقط، بل بقلبنا وعواطفنا وأحاسيسنا الجيّاشة، ومهما أعدنا قراءة دواوينه نبقى محلّقين في سماء عالية جميلة غير سمائنا هذه.

إنّه الشاعر السماوي ابن أوروك والسماوة العريقة، إنّه المناضل والشيوعي والمعلّم والأستاذ الذي ينير دربنا دوما، ويسافر بنا بكلماته إلى عالم غير هذا الذي نعيشه، حيث الجمال الذي لا يفهمه شياطين العصر، إنّه العالم الأسطوري.

شاعر سماوي كرّمته مدينته الأمّ بشارع يحمل اسمه. إنّه الرمز الوطني الكبير الذي صنع بصمته وخطّ دربه الأدبيّ بقلمه النابض.

كتابات شاعرنا يحيى مليئة بالحبّ الخالد، مليئة بالمشاعر الحقيقيّة، مليئة بالشّغف، والحبّ والعشق الذي عجز الكثيرون عن تجسيده كما قدّمه لنا هو هنا ونحن في حديقته الكلماتية مثلما وصفها الشاعر والناقد السماوي هاتف بشبوش في كتابته.

إنّه بستان بأزهار تشدو عبقا سماواتيا بورود لا نجد لها رائحة مماثلة، سوى في الحديقة الاستثنائية للشاعر يحيى السماوي.

كتب نزار قباني عن المرأة والحبّ الكثير بأسلوبه الخاصّ، ومجّدها شاعرنا يحيى فجعلها الأمّ والأخت والبنت والحبيبة والزوجة          والوطن.

فللمرأة حضور خفيّ، لا يراه ولا يهتدي به إلاّ رجل متفتّح عارف.

كما قال جلال الدين يوما:

" فربّما كانت المرأة نورا من نور الله، ربّما كانت خلاّقة وليست مخلوقة، ربّما هي ليست مجرّد ذلك الشيء".

و شاعرنا يحيى أبدع في جعلها في مكانتها الحقيقيّة وكتب عنها الكثير.

ففي نصّ (كنز لا يفنى) يقول:

حين عقدتِ الحديقة

قران مياسمي على تُويجاتك

آمنتُ أنّ القناعة "كنزٌ لا يفنى"

فأنا يكفيني من كلّ الدّنيا

خدرك

و كأسٌ من زفيرك

و طبق من تنّورك

مع لحاف من دفئك

يسترُ عورة شتاءات

جسدي

هي حمّى العشق، هي الحبّ الأسطوري الخالد والأبديّ، هو ذا ما أراد أن يوصّله لنا الشاعر يحيى السماوي بسحر كلماته وأدبه في اختيار المفردات الجميلة التي لها طعم خاصّ حتّى من خلال لفظها.

كما وإنّه بارع في أدب الأيروتيك في وصف أعضاء كلا الجنسيْنِ بجماليّة تعبيرية جدّ راقية.

أبدع في أنّ القُبلة هي مفتاح الحبّ والوصل الأبديّ.. تلك التي لها دويّ النحل في صوتها ومذاق العسل.هي القبلة والطّريق للعشق الخالد لآخر نفس بين الحبيبيْنِ.

وفي نصّ (أنا وهي) يقول:

هي

تأبى أن أكون عبدها

وأنا

أأبى أن تكون جاريتي

إنّها آلهة العشق والخصب كما عشتار وأفرويديت.

لتبقى المرأة دوما مُقدّسة كما كتب عنها شاعرنا يحيى وبيّن قيمتها الحقيقيّة في عين محبوبها، فلولاها لم يجد الرّجل سعادة، ولولاها لبقيَ يبحثُ عن نصفه الضّائع ولولاها لاعتصر الحزن قلبه، ولولاها لما عرف معنى الحياة مُحلّقًا في الأعالي.

ويقول أيضا في نفس النصّ:

هي

عاقلةٌ حدّ الجنون

وأنا

مجنونٌ حدّ الحكمة

كمن يقول: هي عاشقة حدّ الجنون، فجنون الحبّ يكسبنا إحساسَ طائرٍ مُحلّق بسماء صافية زرقاء، وجنون الحبّ كأمواج بحر تتلاطم مع بعضها البعض ولا أحد يُوقِفها.

فحبّها الكبير جعلها عاقلة في نظر الجميع ومجنونة في عينيه، كما كتبتُ أنا يومًا:

يتّهمني بالجنون

ولا يعلمُ أنّه مصدره

وفي قوله:

وأنا مجنون حدّ الحكمة

بمعنى أنا مجنون بها وبحبّها حدّ الحكمة، فهي تُلهمني بكلّ ما هو جميل ورائع، ومن خلالها أكون عاقلا حدّ الحكمة اليونانية كأفلاطون أبي اليونان.

هو العشق الذي يصنع الأعاجيب والمعجزات رغم أنّ زمن المعجزات ولّى إلاّ أنّ معجزات الحبّ أقوى دوما لأنّه لا يؤمن بالمستحيل، كما قال شاعرنا مظفر النواب يوما:

 شيمة فينا الهوى خبل..

وفي نصّ (خصام) يقول:

ما دمنا قد أوقدنا نار الخصام

فليرحل كلّ منّا في حال سبيله

أنا: نحوكِ..

وأنتِ: نحوي

خصامٌ جميل، خصام رائعٌ، خصام لذيذٌ، نُكهته استثنائيّة، عكس الخصام بإدارة الظهر للطرف الآخر، فالخصام هنا أن يفتح كلاهما ذراعيه للآخر هو نحوها وهي نحوه، فكلّ الطرق تُؤدّي إليها هي فقط، وكلّ الطرق تُؤدّي إليه هو فقط، لأنّ كليهما يذهبان لبعضهما، فهو أناها وهي أناه، هو موطنها وهي موطنه، هي روحه وهو روحها،    وهما واحد للأبد لا سبيل لهما إلاّ هما.. إنّهما الأنا التي ينصهران فيها معًا دوما للأبد.

وفي نصّ (وطن) يقول:

منذ أربعة أنهارٍ

وأنا بستانٌ

عاصمته نخلتكِ

لا عشّ كشفتيكِ

يليقُ

بعصفورِ ثغري

كمن يقول لها هنا: منذ أربعة عقود وأنا موطنك وأنت عاصمتي        ووطني، ولا ملجأ لي غير شفتيك تُعيدان  لي اتّزاني وهما ملجآ راحتي حيث عشّ استقراري وأمانيِّ .

وفي نصّ (نافذة) يقول:

أيّتها المقيّدة بسلاسل نبضي..

المحكومة بحبّي المؤبّد..

هو ذا معنى الحبّ الحقيقي فوحدها الموجودة في نبضه وهو نبضها النابض، إنّه العشق الأسطوريّ والخالد.

أنّه ذلك الشّعور الوجداني الذي يتدفّق إلى الأعماق كالسّيول الجارفة، ويتسلّل إلى الجوارح بهدوء وسرعان ما يتحوّل إلى بركان هائج، إنّه بحر مليء بمرجانيّات العشق إلى المعشوقة.

في نصّ (نهر طفولة بدون ضفاف) يقول:

مُذْ خرجتُ

من جنّتي المزدحمة

بالشياطين

داخلا جحيمها المليءَ بالملائكة

وأنا

طفلٌ في الستّين

63 yahia

نصّ جميل يشرح أنّ الرجل مهما كبُر ويكبُر يبقى في حضن حبيبته   وزوجته طفلا، فهي تحنو عليه وترعاه وتُدلّله، فلا يشعر بالأمان إلاّ   وهو معها فهي تعامله كما تُعامل الأمّ وليدها ورضيعها لا كزوجة، فيبقى طفلاً في أحضانها ولو كان في الستّين من عمره.

في نصّ (تسلق) يقول:

صدري

ليس جدارا

فلا تتسمّري عليه

كالبندول

تسلّقيه

كنبات اللبلاب

كمن يقول لها: لا تتوكّئي على صدري وكأنّه جدار صلب، بل صدري مليء بالحنان والعاطفة فكوني كنبات لبلاب وأنتِ تتسلّقينه           وتحيطينه وتُدثّرينه بذراعيكِ وعطفك وحنانك.

في نصّ (نسغ) يقول:

ليس

عود الثقاب

وحده الذي يُستخدم

مرّة واحدة

قلبي

أيضا لا يعشق

إلاّ

مرّة واحدة

وكأنّه يقول:

قلبي ينبض بحبّكِ

ونبض النّبض ينبض بعشقكِ

هو الحبّ الحقيقي والقلب العاشق الذي لا يعشق سوى امرأة واحدة وواحدة للأبد.

في نصّ (توسّدي صدري) يقول:

توسّدي صدري

لأمسح

دموعي المتساقطة

من عينيكِ

وكأنّه يقول: توسّدي صدري لأبحثَ عنّي فيكِ، فوحدها تفهمهُ ويجدُ نفسه من خلال عينيها لأّنّها الوحيدة التي تفهمُ ألمه وحزنه لو كان مزاجه متعكّرا، هي ذي الزوجة والحبيبة التي تقرأ عينيه دون أن ينبس بكلمة، تفهمه دون أن يتكلّم أو يشرح ما يجول في أعماقه.

وهنا عبّر عن تماهيهما ببعضهما، فإذا بكتْ تساقطت دموعه من عينيها، وإذا صدحَ فهي قيثارته ..

في نصّ (خشوع) يقول:

لكلّ عصرٍ شهرزاده

وليس من شهريار

أجدر منّي بحكايا ألف قبلة وقبلة

تقصّها شفتاكِ

فتُصيخُ لهما شفتاي

حتّى يكفّ العناق المُباحُ

فنغفو

ما أروع شاعرنا هنا وهو يجسّد ألف ليلة وليلة بألف قُبلة وقبلة         وشهرزاد بكلمة: لمّا حلّ الصباح سكتتْ شهرزاد عن الكلام المُباح، لكن شاعرنا هنا جعل القصص تصدر من القُبل حتّى يكفَّ العناق المُباح فيغفو الحبيبان، أقول هنا مكانه:

حينما أردتُ أن أعشق

لم أتردّد في عشق عينيك

و حينما أردتُ أن أسهر

لم أتردّد في قصد شفتيك

فلو نظر نيوتن إلى عينيك

لعرف أنّه ليس للجاذبيّة قانون

في نصّ (تهمة) يقول:

حبّكِ

هو التّهمة الوحيدة التي ناضلتُ

من أجل إثباتها

الحبّ هو التّهمة الوحيدة التي يُثبتها المحبّ لحبيبته ويُناضل لأجلها، ففي اليد الواحدة خمسة أصابع، تُصبح متساوية جميعا حينما تُلامس يد الحبيبة، لأنّ الحبّ هو جنّة الدنيا وفردوس الحياة وهو النّعيم مع من نُحبّ للأبد.

في نصّ (قلبي) يقول:

كذلك قلبي

فيه غرفتان واسعتان

لكنّه

لا يتّسع إلاّ لحبيبة

واحدة

عندما يُحبّ الرجل بصدق وبكلّ جوارحه امرأة، فإنه يراها كلّ النساء في عينيه، تغزو عينيه فلا يرى سواها، وقلبه لن يتّسع لغيرها لأنّها الوحيدة المتربّعة على عرش قلبه، فهي صوته وصداه،غايته           ومُناه،سعادته وهناؤه، ونجمته الوحيدة في سمائه الشاسعة.

في نصّ (عبير) يقول:

أنتِ

أنقذتني من جنوني

و أنا

أنقذتكِ من عقلكِ

الحبّ طفل يولد لا يعرف أباه أو أمّه، أبوه هو من يكون له الزارع الذي يسقيه فيكبر، أمّه تكون له الحضن الدافئ الذي يدفئه فيهدأ، فهي أنقذته من جنونه فأصبح زاهدا بعشقها وهو أنقذها من عقلها فأصبح نبضها.

في نصّ (إصرار) يقول:

إثنان يتحدّيانني بكِ:

أنا وأنتِ..فأين المفرّ؟

أنا من ورائكِ

و أنتِ من أمامي

لولا نهر الروح

ما كان زورقُ الجسد

الحبّ أسمى من أن يكون إحساساً بالقلب فقط، فهو يتعدّى الفوارق  والحدود ولا يؤمن بالمستحيل، فهو حبّ القلب والروح وليس حبّ الجسد والمظهر وهو الأبقى للأبد وإحساس بالحياة من خلال المحبوبة.. كما يُقال: الأرواح جنود مجنّدة، فهو ينبوع يتفجّر من القلب وليس غيثاً يهطل من السماء، هو جسدان تدفّآ بعضهما من صقيع السّنين، فهو انصهار قلبين واتّحاد روحينِ.

في نصّ (أحفاد عروة بن الورد) يقول:

بسطاء

كثياب أبي ذرّ الغفاري

خفافٌ

كحصان عروة بن الورد

راسخون كالجبال

يكرهون الاستغلال

كراهة الشجرة للفأس

يُحبّون العدالة

حُبّ العشبِ للرّبيع

هنا حديث عن المناضلين والشيوعيين المنتمين دوما للطبقة العاملة والكادحة والمنتمين للفقراء والعاملين، المنادين بالعدالة والمساواة والصّارخين بقوة دون خوف بوجوه المتعجرفين الظالمين، فهم بُسطاء لكنّهم صناديد دائما.

وفي قوله أيضا من نفس النصّ:

لهم من المطرقة صلابتها..

و من المنجل حدّته..

يتكلّم شاعرنا هنا عن حاملي الراية الحمراء برمزيها المقدَّسين (المطرقة والمنجل) الرافعين أصواتهم دوما عاليا بوجه الظلم            والإستبداد.

و في نصّ (أرصفة آمنة) يقول:

وحدها أزقّة و"درابين" السماوة

تقودُ قدميّ

كما يقودُ الراعي القطيع

عودة للوطن الأمّ، لنسيم زقاق السماوة، حنين لزمان جميل حيث كان كلّ شيء جميلا، ولكن ورغم مرور سِـنـيِّ الغربة والمنفى البعيد عن الوطن يرى تلك الأزقة ولا يشعر بالراحة والأمان إلاّ وهو هناك تقوده قدماه حيث يشعر بتلك الطمأنينة التي لا توصف، ويستطيع السير هناك في تلك الدرابين بعينين مغمضتين.

و في نصّ (ثلاثة حروف: ب..ر..ح) المُهدى للشاعر هاتف بشبوش يقول:

أعطانا الله

حرف "ب" واسعًا

كسفينة نوح..

أعطتنا الرحمة

حرف "ر" رشيقًا

كهلال العيد..

و أعطتنا الحرية

حرف "ح" حميمًا

كجناح حمامة

الساسة التجّار استولوا عليها

فكتبوها "ربح"..

الظلاميون اختطفوها

فكتبوها "حرب"..

انا

كتبتها "حِبر"..

و حبيبتي

كتبتها "بحر"

لذا

آمنتُ بحبيبتي

و كفرتُ بالساسة التجّار والظلاميون

مُعلنًا

تضامني مع مناديل العشق

في حروبها

ضدّ لافتات الشعاراتِ والأكفان

هي ثلاثة حروف بسيطة، لكن كلّ واحد شكّلها حسب هواه وفهمه، ح.. ر.. ب صارتْ عند بعضهم: حرب، بحر، حبر، ربح، وهي بحر، رحمة وحمامة سلام بيضاء، هي بحر واسع المعرفة لا ينتهي، ورحمة للفقراء من شجع الظالمين وساسة بلداننا الشرقية الذين ينهبون جيوب الشعب الذي لاحول له ولا قوّة، وهي حمامة سلام بين طبقة الشعب المتفكّكة بسبب طائفيةٍ وحروبٍ لا منتهية.. حروف ثلاثة فقط، لكن لو أردنا التعمّق فيها أكثر لكتبها أسطرا عديدة بصددها.

في نصّ (لو أنّني) يقول:

لو أنّني "عزرائيل"

لنشرتُ شباكي

في مستنقعات وأقبية

و دهاليز

المنطقة الخضراء

هنا شاعرنا يتمنّى لو أنّه ملك الموت ليصطاد كلّ قطط المنطقة الخضراء الذين كانوا في المستنقعات فئرانا وأصبحوا قططا سمينة بفضل ما سرقوه، أُتخمت بطونهم شبعا من أموال عامّة الشعب        والكادحين.

هي أُمنيّة لتخليص الشّعب المنهوب من السّاسة الذين لا ينفعون أبدا، بل يُحطّمون الآمال الموضوعة فيهم منذ البداية.

في نصّ (مناضل) يقول:

في اعتقاله الأول

أخذوا له صورتين أمامية وجانبية

ثمّ اطلقوا سراحه

فخرج يتلفّت

في اعتقاله الثاني

صادروا أسنانه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج ويده مُطبقة على فمه

في اعتقاله الثالث

صادروا قدميه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج يتوكّأ على عكّاز

في اعتقاله الأخير

صادروا روحه

ثمّ أطلقوا سراحه

فخرج محمولا في تابوت

نصّ عميق المعنى والدّلالة، يتحدّث عن ذلك المناضل الشيوعي في زمن البعث وما عاناه في أقبيّة السّجون والمعتقلات، جسّده لنا كبيرنا بصيغة أدبية، لكن تبقى إدانة تأريخية، كلّ مرّة تعذيب وحشي أكثر من سابقته من طرف وحوش آدميّة لينتهي به المطاف في الأخير خارجا من السّجن في تابوت بعد أن صادروا روحه في النهاية.

كلمة أخيرة:

حديقة من زهور الكلمات، هي بستان شاسع من الكلمات ذات العطر والعبق السماوي من أبجديّة الشاعر يحيى السماوي، مهما غُصنا فيها نتوه بين جماليتها وسحر مفرداتها وألق عباراتها التي تشدو بأبهى ألوانها.

و مهما كتبنا بحقّ شاعرنا ومعلّمنا ومنير دربنا لا تفي كلماتنا حقّه،  فهو قدوتنا وشعلتنا في دروبنا الحالكة نخطو بخطاه ونسير في دربه ومنه نتعلّم دائما وأبدا.

نوميديا جرّوفي، شاعرة، كاتبة، باحثة وناقدة

 

 

rita odaيحيى السّماوي شاعر يتقن نسج القصيدة على نُول الدّهشة

مَن يقترب من قصيدته عليه أن يخلع أفكاره المُسبقة عن الشّعر ورؤاه فيأتي بذهن صافٍ ليتذوّق قُدسية لغته التي تعجُّ بمباغتات لغوية، صور شعريّة طازجة شهيّة، وألغام زرعها في حدائقه الشعريّة ليُردي القارئ شهيد الدّهشة.

بما أنَّ "العنوان هو النّص المُوازي" كما كتب "جيرار جنيت"، وهو البُنية الرّحميّة التي تُولِّد معظم الدلالات في النّص، فإنّك حينَ تقرأ السّماوي، لا بُدّ أن تصيرَ فَرَاشَة تجذبها "حديقة من زهور الكلمات" التي تعجّ بورود قصائده، فتحتار أيّ زهرة تقف عندها مليا لتتأمل جمالها وترتشف رحيقه !

سعى السّماوي لتأسيس "حديقة شعريّة" أو "مدينة محبة كونيّة"(ص105)هي المدينة الفاضلة للعشّاق الذين يلجؤون لقصيدته للإرتواء من جرعاتها العشقيّة.

منح شاعرنا قصيدته هويتها الأدبيّة فأطلق عليها تواضعا منه اسم: " نصوص نثريّة" بينما هي "ومضات شعريّة" لا يُجيدها إلاّ القلائل من الشعراء الحداثيين، تتألف من مقاطع مكوّنة من (4-2) سطور. كلّ مقطع عبارة عن ومضة شعريّة متكاملة الفكرة أو الصورة الشعريّة داخل قصيدة قد تتألف من مقطعَيْن أو أكثر يجمع بين المقاطع العنوان ويوحّد بين جواهره خيط المضمون، كما ويفصل بين المقطع والآخر فراغ فتبدو كالمتواليات المقطعيّة:

ما دمنا قد أوقدنا نار الخصام

فليرحلْ كلٌّ منّا في حالِ سبيلِهِ

أنا: نحوكِ...

وأَنتِ: نحوي!

(خصام- ص. 47)

*

لأنّها مئذنة

فقد غدوتُ " بلال السّومريّ"

(أنا وهي- ص. 42)

*

كذلك، يلجأ السماوي إلى قفل أغلب مقاطعه بعلامات تّعجُبّ(!) فائضة عن الحاجة. ربما، يستعملها ليُعبّر عن تعجّبه من شتّى الحالات التي وصلنا إليها في عصر القبح هذا ، سواء كانت وطنيّة، سياسيّة أو عاطفيّة.

لكون شاعرنا يتمتّع بثقافة غزيرة الملامح وهذا من إيجابيات كونه في الستين من عمره، فقد إتكأ في شاعريته على شتّى أصناف "حقول المعرفة"، فوظَّفَ التناص الدينيّ بكثرة:

أنتِ

لستِ عصا موسى

فكيفَ لقفتِ

جميعَ ثعابينِ حُزني؟

(أنتِ لستِ عصا موسى- ص. 68)

واستدعى عدّة شخصيات دينيّة، سياسيّة، أدبيّة، تاريخيّة، أسطوريّة.. الخ. كما ووظّف حقل الأبجديّة، والحكايا، والأساطير والتراث والأمثال، فأثرى حديقته الشعريّة بقصائد متعددة الملامح.

من أهمّ سمات الومضة السماويّة، هي الإيحاءات أو الرموز الجنسية(الإيروتيكيّة). فالأنوثة هي التّنور التي تصنع خبزاللذة :

وحده تنورها ما يملأ صحون مائدتي

وليس ما يملأ واديها العميق

إلاّ سيولي

نهرها الممتدُّ من قمّةِ رجولتي

حتّى أخمص أنوثتها

صرتُ

ضفّته الثالثة!

(نهر بثلاث ضفاف-ص34)

وهي النّار، وأنهار الأنوثة، والوادي العميق، والنخلة، ونهداها حمامتان، وهي المِحبَرة، والخمر، وهي التويجة، وهي ماء الحياة:

الأسماكُ تموتُ

إذا لم يُغرقها الماء

فأغرقيني بمائكِ

واغرقي بمائي

(نافذة-ص.54)

أمّا الرَجُولة فيشير إليها برموز: المحراث، والسيول، والنّدى، وصحارى شاسعة، يدا العاشق عُشّ، ومنه المَيسَم، والقلَم:

هل كان قلمي سينجبُ القصيدة

لو لم أَغمسهُ في

محبَرَتِك؟

(رعودك هدهد البشري – ص 72)

*

حتّى محراثي

يأبى تقليبَ الجمرِ

إلاَّ

في تنورك

(عصيان- ص. 77)

*

" السّاعة آتية لا ريبَ فيها"

ساعة اجتماع التُّويجة والميسم

في مزهريّة واحدة!

(سنبلتك لا بيادرهن- ص. 70)

لجأ شاعرنا لهذي الرموز للتعبير عن الأنسجام العشقي والتكامل، وأحيانا يبلغ وصفه ذروة الجرأة:

هذا ما اكتشفته

حين رأيتُ الفَرَاشات

تدخل من شِقِّ قميصكِ

لتخرجَ ثملى

ثمالة شفتيّ المترنحتينِ

كلّما شربتا

رحيقَ ياقوتَتَيْكِ

الحمراوَيْن

وهو بذلك يستدعي للذاكرة قصائد نزار قباني الإباحية.

يظهر العاشق أحيانا كالمستقبِل وأخرى المُعطي:

هو الذي يستقبل خمر أنوثتها بكأس رجولته:

لأشربَ خمرَ أنوثتك

بكأسِ رجولتي

(صَدَقَة - ص. 5)

ويستقبل فاكهتها بصحن الرجولة ، ويستقبل خبز تنورها وأنهارها:

صحاري رجولتي شاسعة

وليس مَن ينسج لها

قميص الخضرة إلاّ

أنهارُ أنوثتك

(أنتِ لستِ عصا- ص. 69)

وهو أيضا المُعطي السيول والأمطار التي تروي أنوثتها.

من سِمات الومضة السماويّة توظيف الإنزياحات الشعريّة

كالإنزياح اللفظي الذي يجعل القارئ يتمهّل ليتأمل التعبير المبتكر ويلتقط أنفاس دهشته:

يوم تسلقت نخلتك قبلة قبلة

(لذّة- ص. 35)

ويكرر ذات الإنزياح اللفظي في صورة شعريّة أخرى:

(نهرها) شربتُه قُبلةً قُبلةً

ذات لقاء

(أنا وهي- ص. 39)

*

كذلك:

قبلَ أن أشربها قبلةً قبلة!

(مئذنة وقبّة محراب-ص. 60)

*

حكايا ألف قبلة وقبلة

(خشوع-ص 75)

*

وبدل أن يستعمل التعبير: عن ظهر قلب، يلجأ للإنزياح اللفظي فيقول:

أنتِ آيتي البيّنة

أرددها عن ظهرِ وجدي

(ص49)

كذلك، بدل التعبير عن الزمن بالأيام، يلجأ للإنزياح اللفظي المبتكر:

منذ أربعةِ أنهار

(وطن_ ص. 51)

فيربط الزمن بالدفق العاطفي ليضيف للصورة الشعريّة بُعدًا آخر.

كذلك:

تصبحين على جنّة

(عيد الأم- ص. 97)

بدل التعبير المتعارف عليه: تصبحين على خير.

*

كذلك يوّظّف شاعرنا الأمثال أو أبيات شعر مشهورة:

آمنتُ أنَّ" القناعة كنزٌ لا يفنى"

(كنز لا يفنى-ص. 38)

مع التلاعب بمفرداتها لخلق دلالات جديدة مُدهشة.

مثلا، بدل الإقتباس الحَرفي لبيتيْ الشعر من لامية العجم للطغرائي: "أعلل النفس بالآمال أرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل" يُطوّع شاعرنا البيت المشهور فيأتي به بثوب جديد ليضفي عليه دلالات جديدة:

ما أضيقَ زنزانة الدّنيا

لولا

نافذة الأمل

(نافذة-ص. 53)

كذلك بدل استعمال القول المشهور للفيلسوف الفرنسي ديكارت: " أنا أفكّر إذن أنا موجود" ، قام شاعرنا بالتلاعب بمفرداته :

أنا أحبُّكِ؟

إذن

أنا موجود!

(سنبلتك لا بيادرهن- ص. 70)

وهو بذلك كرر ذات الفكرة التي توصّل إليها بايرون .

*

كذلك أجاد التلاعب بالحروف أكثر من مرّة كما جاء في قصيدة "نقطة" التي أثبت فيها الأهمية الدلاليّة للنقطة فوق أو تحت الحروف:

الأمرُ بسيطٌ جدا

لإخراجِ العَالَمِ

من

قعر " الجُبّ"

فقط: أن نزيل " النقطة"

من

تحتِ " الجيم".

( نقطة- ص 66)

*

ويشير بحرفيّة إلى الحروف التي تُلفظ والتي تكتب ولا تلفظ فيوظّف هذي الخصوصيّة في أكثر من قصيدة. مثلا، المقطع الأول من قصيدة حقل وبئر:

أيّتها الضروريّة لي

ضرورة واو : السمو"

قبلك كنتُ "واو عمرو"

(حقل وبئر- ص61)

أمّا في المقطع الثالث من ذات القصيدة فقد وظَّف كلمة "حبّ" بمنتهى البراعة اللغويّة :

"حاءٌ" حقلي كانَ

بلا معنى

قبل "باء" بئرك!

*

ولغزارة ثقافة شاعرنا ، نراه يوظّف العديد من الشخصيات الدينيّة، السياسيّة، الأدبيّة، التاريخيّة، الأسطورية،في أكثر من قصيدة، ممّا يُضيف لشاعريته أبعادا فكرية وجماليّة:

قيس- ليلى(ص. 95)، أنكيدو(ص. 100)، موسى(ص. 100)، بلال السومريّ(ص102)،عروة بن الورد(ص. 103)، أبو ذر الغفاري(ص. 103)، ابراهيم (ص. 106)، أخوة يوسف(ص. 107)، طائر الفينيق(ص. 81)، شهرزاد -شهريار(ص. 75)، زليخة-يوسف(ص. 55)، زكريا- يحيى(ص. 55)، نوح(ص. 60)، زياد بن أبيه وعمار بن ياسر(ص. 32)...الخ:

أنا

لستُ طائر الفينيق

والعصرُ ليسَ عصر مُعجزات

فكيفَ

أعدتِ رمادَ احتراقي

شجرةً مُثقلةَ الأغصانِ

بعناقيدِ الضَّوءِ

بعدَ طولِ ظلام؟

(كيف حدث ذلك- ص81)

ومن الحكايا، قصص ألف ليلة وليلة:

لكلّ عصر شهرزادُهُ

وليسَ من شهريار

أجدرُ منّي بحكايا ألفِ قُبلة وقُبلة

تقصُّها شفتاكِ

فتصيخُ لهما شفتاي

حتّى يكفَّ العناقُ المباح

فتغفو

(خشوع- ص. 75)

وها هو يتكئ على حكاية رابونزل:

لستُ في قاع بئر

لتمُدّ لي ضفيرتها حبلاً

( ضياع-ص. 37)

*

من سمات القصيدة السّماوية توظيف المتضادات المزدوجة (الكلمة وعكسها) بكثرة:

مذ خرجتُ

من جنتي المزدحمة

بالشياطين

داخلا جحيمها المليء بالملائكة

وأنا

طفلٌ في السّتين

(نهر طفولة بدون ضفاف- ص. 62)

*

كذلك:

هي

أَمسي الذي لم يأتِ بعد

وأنا

غدها الذي مرَّ سريعا

هنا تلاعب أيضا بالمفهوم الزمني المتعارف عليه، فالأمس مرّ حسب المنطق البشري، والغد لم يأتِ بعد، إنّما هو جاء بالدلالات العكسيّة ليُثري قصيدته فيدهش المتلقي.

من المتضادات في المعنى: ضخم- ضئيل، قوي – ضعيف، إياب- ذهاب،والمتضادات في طبيعة الكائن: غزال- ذئب

(أنا وهو-ص. 45-46)... قصير- طويل(صدقة- ص. 50)، كفر- إيمان، أخرجتها- أدخلتني، جحيمي- جنّتها، الشيطان-الله، جنون-حكمة(أنا وهي-ص. 39) :

هيَ كفرت بإيماني

فأخرجتها من جحيمي

وأنا

آمنتُ بكفرها

فأدخلتني جنّتها

(أنا وهي-ص. 39)

*

ولا يُخفي شاعرنا عن المتلقي أنّه في الستين من عمره:

وأنا

طفلٌ في السّتين

(نهر طفولة بدون ضفاف-ص. 62)

ويشير إليه في أكثر من موضع أنّه الخريف ويشير لعمر حبيبته بالرّبيع وهو بذلك يشير إلى ما ينتج من صعوبة التواصل بينهما بسبب عدم التناغم العُمري) فكيف نعثر علينا:

هي ضائعة في خريفي

وأنا ضائعٌ في ربيعها

فكيفَ نعثرُ علينا؟

الزّمنُ أخرسُ والطّريقُ أعمى!

(ضياع-ص. 37)

كذلك:

تلاشت أمطاري في واديكِ

موقظةً

عشبَ ربيعكِ

في

صحراء خريفي

(لذّة-ص. 35)

*

ويعتبر أنّ قدرته الرجولية(شتاءات جسدي) إنّما وصلت لمرحلة النهاية فيصمها بالمفردة(عورة) :

يستر عورةَ شتاءاتِ

جسدي!

(كنز لا يفنى- ص. 38)

ويشير إلى حاجته إلى عمر طويل كي يكتشف أنوثة حبيبته وربما قصيدته أيضا، في تناص دينيّ، لافت حيث يعبّر عن حاجته إلى عدد سنوات نوح:

كلّ الذي أريده: عُمرُ نوح

لأُكملَ اكتشافَ فراديسِ جسدها

قبلَ أن أشربها قُبلةً قبلة!

(مئذنة وقبّة محراب- ص. 60)

ويأخذه حسّه الوطني إلى الكتابة عن الوطن في أكثر من قصيدة:

في وطن بات مسلخا بشريا

ما عُدنا نميّز فيهِ

بين اللصّ والناطور

بين البرتقالة والقنبلة

ولا بين عِمامَتي زياد بن أبيه وعمّار بن ياسر

(الوطن- ص)

*

هكذا، أعتقد أن قصائد الشاعر العراقي المقيم في أستراليا يحيى السماوي، والذي صدر له للآن 25 ديوانا شعريّا ، تناولت هنا الأخير منها، ستخلّد كمدرسة شعريّة لا بُدّ أن ينهل منها شعراء المستقبل.

بقلم: الشاعرة الفلسطينيّة ريتا عودة

 

 

1161 hsanبعد ديوانيه " أطياف تراوغ الظمأ " و"خلف البياض"، وعلى امتداد خارطة إبداعية لافتة، وحسب المستشفّ من مجمل منجزه الشعري الجدير بالغوص في ما ورائيات اللون،وسراديب الحكي المكتظة بالبياضات المثرثرة بوجعنا العروبي، ما ينفكّ الشاعر الفلسطيني المغترب حسن العاصي يسلك دروب الإخلاص للغصن الأول،بما الكلمة أشبه بانتحار إبداعي لاذع، وجلد ذاتي مفخخ لملف العروبة وشتى خيوط انجذابها لأزمتها الهوياتية،دوما ثمّة هنالك في كتاباته بسط لهيمنة أصوات الدفين والغائر في الذات، من حيث النزوع إلى بلورة نيوكلاسيكية ترتقي بشعرية القصيدة،وتوجّه خطاب تلافيف القابع في اللاوعي،تستقطبه إلى انصهار كريستالي في شتّى ما يترجم ثقل وتوهّج  الإحساس بالانتماء إلى حقل إنساني لامّ ميسمه اللامحدود واللانهائي في تجربة تجاذب الأضداد.

جرعة ألم زائدة،ما تنفكّ تخيم على أفق الرؤى المؤثثة لعوالم المعمارية الشعرية لدى صاحبنا، وتوقظ المسكون بنُثار الذاكرة، داخل حدود توليفة تعبيرية مكمنها البوح القاهر والمتسربل بنفس ملحمي خفيض ومناوش بخلطة أيديولوجية جمالية يطبعها اختمار روحي طيفي صاقل لمرايا الماهية الموجوعة والمطعونة في قضايا المساس بقدسية البعد الهوياتي في لبوسه العروبي، حدّ اختزال القصيدة وسكبها فيه.

يشتقّ حسن العاصي معجمه الشعري، من تيارات حياتية تتقاذفها هواجس اغتراب روحي مزدوج، وتجليات ضاغطة مثلما تجرد صياغتها ذاكرة المنبت، وتهمس بها الحالة النشاز في انشدادها وفلكلورية حلزونيتها والتفافها بالجذر.

لذلك، طالما شكّلت وعي شاعرنا، خيوط العنفوان في ميزان القضية الفلسطينة المسطورة أو المنقوشة في بكارة البياض، تبعا لأحرف مدادها نفحات روح مغترب يجدّف مزدانا بفروسية العاشق الغاضب الأولى بقلبه الدامي أن يخفق شعرا مشبعا بلغة الانكسار، نكاية في حثالة من زلزلوا مضارب ليلى تحت قدميه،بما المعضلة والاستشكال اغتصاب لملامح وطن عصي نابض ورافل في أريحية عروبته المكابرة،فطوبى لنظير كهذا مجنون ملء القصيدة و حقيبة اسمها القلب  يتنفسّ أقصى الدرجات وأنأى الأنجم تعشّق ليلاه المكناة فلسطين.

في كتابة تستوقد بالماء،تهشّ بزئبيقة المعنى الوالج في دوامة المائيات،والذات اكتواء وملحمة طافحة بذبول الراهن وتحجّر الآني، تنهش لُحمة الأنساق، ضاربة لنا الموعد المخملي مع حكاية الالتزام بالدورة الكاملة في المقامرات الكلامية المشحونة بهديل الهامشي والمعطّل والمهجور، من خلالها تتأمّم أو تحاول ذلك، ذات الانشطار والهذيانات المحمولة على تيميتن لا ثالثة لهما، الهوية والاغتراب، وكأنما تتوسل على عجل وخارج قيود الزمن ووفق استثمار جشع لمخزون الذاكرة، وتنشد علياء كأس الاحتواء،تماما وعلى مقاس مرثاة الأمة المشروخة والمهدّدة في مزيد من ثوابتها ودعاماتها،بما السيناريوهات حياكة خسيسة بتواطؤ يدشنه تمازج أيادي الخونة والغرباء،مطيح ولا شك بالمتبقيّ، ومحيل على دنو تآكلات وأعراض جانية تنذر بخراب وحطام شاهد على فصول المحذوف من حكاية انكسار وانحسار في ليلته بداية لياليه الكالحة والمغرقة في سوداوية جحيمية،تحصد دونما هوادة، بؤر الغضّ والنضر والمزهر في إنسانيتنا المهدورة أصلا :

[ يفر الجرذ الدّموي

إلى ركام الخشب والتراب

اخرجوا منسكر الليلة الأولى

 ونبلا لعائلة

 في هذا الحطام

من يملك قطرة

 من يطفئ لهب  الجثة

من منكم حدق في التكوين مرة

من يقبض على جمرة

من يمسك إبليس العاري/في كل العواصم

 من منكم يستطيع الفرح

 فيزمن الكستناء

الوجع الضاري ينبت شوكا

على أطرافك للحظة ].

قصائد تسري كأنها تدفّق معسول الأنهار الأخرى، التي هي وقف قاموس ضاربة بحفنة من ورد على خدّ مثالي يحاكي خدّ ليلانا جميعا، ونحن نتلمّظ من جهة العطشى للبرود من نبع القصيد وسلسبيله، ثمالة أمجادنا المتراقصة أو المحجوبة والمعطّلة عنّا فيها وهي المعشوقة النموذجية على مرّ الأعوام وتعاقب الأجيال، والتي ما تلبث تهزمنا غضاضة ومرارة الذبيح والمغتصب عبرها فينا دونما مواربة،وهل ليلانا إلاّ عروس المستحمات وملاكهن، السّليبة فلسطين..؟

تنهمر أسئلة الذات، مخلخلة واقع القضية،وناكئة للجراحات الأبلغ غطسا في أخطاء التاريخ.

وهو ديدن دأب عليه العاصي في بلورة رؤاه ونسج مواقفه المسبوكة بنورانية الخلفية، والدفع بها إلى دوائر تضيق أكثر فأكثر مع التبخّر الروحي المنساق و شعرية توبيخ العالم،اتكاء على زحزحة نظرة لم تعد قادرة على المواكبة، آثرت أن تمكث في ثوبها القشيب فيما يخص حياة النضال بالكلمة والقول الشعري الذي يتغيا قلب المنظومة المفاهيمية المحكومة بثالوث الأنوية والغيرية والكونية.

لوحات تراوح ما بين صفحات الإشراق والذبول، الحضور والغياب، مسهمة في تلقين الخطاب الإنساني الراقي المنصف للذات في ضوء ما يتفشى من وإلى جوانيتها الرّازحة تحت نير تقاطعات هوياتية ــ اغترابية، تمنح للشعر هشاشة إضافية بل وتضعه فوق الحياة كدال على جنون إدمان الحرف بعدّه السّلاح الشرعي المتاح كضرب من تكريس لثقافة لملمة المفقود وتقمّص روح المشترك وتتحسّس ريح الخلاص،وترع حيز الحكاية المنسية وملء غاية مقدّسة يلون متاهاتها حضور فلسطين:

[النوافذ ملّت لعبة التوقع

ستكون الرحلة طويلة

فلا داع للعجلة

ستحصد حزنك

حين يصرخ عصفور الوقت

هناك

تماماَ هناك

خلف ستار الجنون

جهة أقصى المتاهة

تمور شرفات الانتظار

تتدلى منها

وجوه الراحلين].

وإذن ... نحن إزاء كتابة جاذبة وراشقة بطقوسيات إعادة ترتيب الأوراق فيما يرتبط بإقامة مصالحة حقيقية تنطلق من الذات كي تشمل سائر ما حولها، على احتكاك مع أفلاك الشاعرية المدغدغة بصفاء المعجم ودفق الرؤى المشكّكة.

نصوص ترفل في الاستعارة الكلية،وتدبّج فسيفساء النعوت بتوحّد أغراضها،وانصهار بعدها الرّسالي في بوثقة استنطاقات مفاهيمية تعنى بالانتماء.

توليفة كأنما تعزف على أوتار القلب، تعقد لها الذات بعضا من قران طوباوي هامس، تختمر عبره تجربة الاغتراب ومفردات الهوية، وفقا لسريان تيارات خطابية حماسية متصادية ودوائر اغتراف القصيدة رعشة العذرية من تلاوين استحواذ المكون البصري على باقي الميكانيزمات التعبيرية والدلالية الأخرى.

 

احمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

       

 

 

shady mjalyshogarالمقدمة: إذا كان الإنسان، بطبعه، خاضعاً للتطور باعتباره سنة الطبيعة، فإن نظرته للفن والجمال تتغير أيضا، بل يجب عليها أن تتغير. ومن مظاهر هذا التغير في المجال الأدبي تطور الإبداعات في مجال السرد مثلا. وهو تطور صاحبته ثورة في طرائق نقده ودراسته وتحليله... وهكذا ظهرت عدة مناهج تتبنى مبادئ معينة في مقاربة العمل الأدبي السردي منها، على سبيل التمثيل لا الحصر، المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي وغيرهما. وسنحاول في هذا العرض الموجز التعريف بمنهج بات يصطلح عليه بـ "المنهج البنيوي" 1.

ليست البنيوية فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود، ولأنها كذلك فهي تثوير جذري للفكر وعلاقته بالعالم وموقعه منه وبإزائه .(2)

لقد بات معروفا أن البنيوية نهضت على أساس لغوي، مستعينة بالنماذج اللغوية، وخاصة النموذج السويسري، الذي ميز بين الكلام واللغة بوصفها نظاما، وهي بالتالي تقدم نموذجا لتحليل الأعمال الفنية نشأ في مناهج علم اللغة المعاصر .

و من هنا قامت البنيوية على التصور القائل بأن علم اللغة يمكن أن يكون مفيدا في دراسة الظواهر الإنسانية، وهو التصور الذي يقوم على فكرتين أساسيتين هما:

- أن الظواهر الاجتماعية والثقافية ليست مجرد موضوعات وأحداث مادية، بل هي موضوعات وأحداث ذات معنى ومن ثم فهي علامات.

- هذه الظواهر يمكن تحديدها عبر شبكة علاقات داخلية، مما يجعل من إنتاج المعنى شيئا ممكنا .

مفهوم البنيوية

نستهل بحثنا هذا بتسليط الضوء على مفهوم البنيوية منطلقين من الدلالة اللغوية لها، بحيث أتت من(بنى، يبني بناء، أي الشكل والصورة والكيفية التي شيد عليها بناء ما) (3) . وهي أيضا كيفية البناء والتركيب . أما في مقامنا هذا، فنحن لا نعني بالبنية عملية البناء نفسها أو المواد التي تتكون منها، وإنما نعني بذلك كيفية تجميع وتركيب وتأليف هذه المواد لتكوين الشيء، وخلقه لوظائف وأغراض معينة . أي أنها التصميم الداخلي للأعمال الأدبية بما يشمله من عناصر رئيسة متضمنة الكثير من الرموز، والدلالات بحيث يتبع كل عنصر عنصرا آخر. (4)

ويرى دي سوسير أن البنيوية مد مباشر من الألسنية وذلك منذ أن أخذ بتعريف اللغة على أنها: (نظام من الاشارات ولا تكون ذات قيمة الا اذا كان صدورها للتعبير عن فكرة أو لتوصيلها) . (5)

وتنبثق البنيوية من خلال هذه الأفكار اللسانية لتتصدر دراسة الأدب في فرنسا وأمريكا (وكذلك الانثروبولوجيا حيث درس ليفى شتراوس الأساطير بناء على مفهومات البنيوية_وكذلك علم النفس على يدي بياجيه) وتربط البنيوية النص في رباط ممتد من العلاقات المتداخلة حتى لكأنها تطبيق لمقولة مالارميه: إن (الكتاب امتداد كامل للحرف) . (6)

ولعل هذا التداخل المعقد هو ما جعل تعريف (البنيوية) أمرا صعب التحديد حتى بدت وكأنها تصور ذهني يستحيل تبيانه . ولكن (بياجيه) يطرح لها تعريفا يكاد يشفي غليل كل متطلع الى نعريف محدد وذلك حين قال: (أن البنية تنشأ من خلال وحدات تتقمص أساسيات ثلاث) وتتمثل البنيوية في ووحداتها الثلاث وفقا لبياجيه:

1- الشمولية: تعني التماسك الداخلي للوحدة، بحيث تصبح كاملة في ذاتها، وليست تشكيلا لعناصر متفرقة.

2- التحول: البنية غير ثابتة وتظل توّلد من داخلها بنى دائمة التوثب ولجملة الواحدة يتمخض عنها آلاف الجمل التي تبدو جديدة.

3- التحكم الذاتي: أن تعتمد البنية على نفسها لا على شيء خارج عنها .

(وهذه النظرة التكاملية في تصور الوحدة تخدم في تقديم العمل الادبي لا على أنه ناقلة للمعنى ولكن على أنه قيمة جوهرية ذاتية التولد وذاتية التحول وبشكل مطلق على ـنه ذاتي الاعتبار ولا حاجه له الى ما هو خارج حدوده ليقرر طبيعته وهذه هي البنية في مصطلحات بياجيه) . (7)

نستنتج مما سبق أن مفهوم البنيوية عند:

- دي سوسير هو الوصول الى أربعة كشوف هامة تتضمن: مبدأ ثنائية العلاقات اللفظية أي (التفرقة بين الدال والمدلول)، ومبدأ اولوية النسق او النظام على العناصر، ومبدأ التفريق بين اللغة والكلام، ومبدأ التفرقة بين التزامن والتعاقب .

- جاكبسون من المدرسة الروسية الشكلية التي من أهم آرائها "تحرير الكلمة الشعرية من الاتجاهات الفلسفية والدينية والانطلاق من " دراسة العمل الأدبي في ذاته "، فهي تؤكد "أن العمل الأدبي يتجاوز نفسية مبدعه، ويكتسب خلال عملية الموضعة الفنية وجوده الخاص المستقل

- تعني البنيوية عند جورج لوكاش: استخدام اللغة بطريقة جديدة بحيث يثير لدينا وعياً باللغة من حيث هي لغة، ومن خلال هذا الوعي يتجدد الوعي بدلالات اللغة، هذا الوعي الذي تطمسه العادة والرتابة .

- لقد حدد لوسيان جولدمان (1913-1970) وهو فرنسي من أصل روماني البنيوية التوليدية على أنها المنهج الذي يحلل النص الأدبي بوصفه بنية إبداعية تخبئ تحتها بنية اجتماعية . وقد أصدر جولدمان عدداً من الكتب المتصلة بقناعاته البنيوية منها: الإله الخفي وعلم اجتماع الإبداع الأدبي ومن أجل علم اجتماع الرواية (8) .

-  يرى جميل حمداوي أن البنيوية طريقة وصفية في قراءة النص الأدبي تستند إلى خطوتين أساسيتين وهما: التفكيك والتركيب، كما أنها لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته . ويعني هذا أن النص عبارة عن لعبة الاختلافات ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية وإعادة تركيبها من أجل معرفة ميكانيزمات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي. ومن هنا، يمكن القول: إن البنيوية منهجية ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان وكل ماهو مرجعي وواقعي، ويركز فقط على ما هو لغوي ويستقرىء الدوال الداخلية للنص دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. ويعني هذا أن المنهجية البنيوية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي والمنهج الاجتماعي والمنهج التاريخي والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي من خلال ثنائية الفهم والتفسير قصد تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم (9)

و تقوم البنيوية على فكرة إعادة انتاج الواقع من خلال إقامة الأنموذج الذي يحدده المحلل نفسه، وهذا الأنموذج سيكون قابلاً للمقارنة مع الشيء الخاضع للدراسة، وإذا مضينا أكثر لتفهم البنائية فعلينا أن نلجأ إلى واحدة من الآليات التي تستخدمها وهي المقابلات الضدية.

مفاهيم بنيوية

سنعرض في هذا الفصل أهم المبادئ أو المفاهيم التي أشاعتها البنيوية، وكان لها حضورها على المستوى النقدي التطبيقي، ومن أبرزها:

1- اللغة والكلام

كما تحدثنا سابقا أن المشروع البنيوي نهض على أسس لغوية، ومنطلقا من تمييز دي سوسير بين اللغة والكلام، فاللغة نظام ومجموعة من القواعد والمعايير التواصلية، بينما الكلام يشتمل على التجليات الفعلية للنظام في فعلي النظام والكلام ومن اليسير الخلط بين النظام وتجلياته .

2- نظام العلاقات

أما المبدأ الثاني لعلم اللغة الذي يستند عليه البنيويون هو أن اللغة نظام من العلاقات والتعارضات التي يجب أن تتحدد عناصرها على أساس شكلي وتخالفي ، لذلك فإن اللغة عبارة عن نظام من الوحدات المتداخلة العلاقات، وقيمة هذه الوحدات تتحدد طبقا لموضعها في النظام .

3- التزامن والتعاقب

ومن الثنائيات الأخرى التي طرحها دي سوسير وطورها البنيويون ثنائية (التزامن والتعاقب)، فالتزامن هو زمن حركة العناصر فيما بينها في زمن واحد هو زمن نظامها داخل البنية، أما التعاقب فيمثل زمن تخلخل البنية أو زمن تهدم العنصر الذي يعبر عنه بانفتاح البنية على الزمن .

4- الحضور والغياب

 إذا كان الدال هو الصورة الصوتية للمدلول أو التصور الذهني، فإن المدلول هو الجانب الذهني للدال، إن العلاقة بينهما علاقة اعتباطية إلا أن اتحادهما يؤلف بنية الدلالة .

أهداف البنيوية ومبادئها

مبدأ البنيوية العام هو توسيع فكرة مجموعة الأجزاء الأساسية التي يمكنك أن تشكل منها بنى معينة الى أقصى حد ممكن بحيث تطال ما هوخارج حدود العوالم وصولاً الى محتويات العقل ذاته.

لقد وضع البنيويون نصب أعينهم غاية كبرى تتمثل في دراسة أبنية العمل الأدبي وعلاقاتها ببعضها البعض، وكيفية أدائها لوظائفها الجمالية واختبار لغة الكتابة الأدبية عن طريق رصد مدى تماسكها وتنظيمها المنطقي والرمزي ومدى قوتها وضعفها بصرف النظر عن الحقيقة التي تعكسها. وقد رفعوا شعار عريضا ألا وهو: النص ولا شيء غير النص أي البحث في داخل النص فقط عما يشكل أدبيته أي طابعه الأدبي . وقد حاولوا من خلال ذلك علمنة الأدب أي إضفاء الطابع العلمي الموضوعي على عملية الاشتغال عليه قصد تجاوز الأحكام المغرضة والإيديولوجية التي قد تشوه هذه الممارسة النقدية .

يقوم النقد البنيوي على تحليل النصوص، وذلك ليحلل هذه الأعمال وهو بذلك يحاول تفسير النص نفسه، دون أن يلجأ إلى ما يدور حول النص من تاريخية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية

وليس هذا التفسير يُعبِّر عن قصور الأدب في التعبير عن نفسهِ، ولكن هو اكتشاف لغة ثانية تختلف عن اللغة الأولى، أي اشتقاق أو توليد معنى معين اشتقاقًا من الشكل الذي هو الأثر الأدبي نفسه .

فأول شروط النقد هو اعتبار العمل كله دالاً، إذ إن أية قواعد نحوية لا تشرح جميع الجمل فهي ناقصة ولا يُكمِّلُ أيُّ نظامٍ للمعنى ووظيفته أن لم تعثر كل الكلمات فيه على وضعها ومكانها المفهوم، وإذا كان الكاتب عالمًا فإن الناقد يجرب أمامه ما سبق أن جربه الكاتب أمام العالم، أي أنه ينبغي أن يرى نفس الاتجاه دون أن يتحول عمله إلى تجربة شخصية نظرًا؛ لأنه محكوم بقواعد الرمز ومنطق العمل نفسه، كما أن معيار العمل النقدي هو الدقة

وهكذا فإن الناقد كي يقول الحقيقة لا بد أن يكون دقيقًا في محاولته لوصف الشروط الرمزية للعمل الأدبي

وأما على الصعيد النقدي فتهدف البنيوية إلى اكتشاف نظام النص، أي بنيته الأساسية ومن ثَّم ترفض أن يتجه النقد إلى الكشف عن الوظيفة الاجتماعية للنص أو ما يتصل بالجوانب الإبداعية للغة والكاتب

ولهذا فإن وظيفة النقد البنيوي تنحصر في قضية التذوق والفَهم، والسبب في ذلك؛ لأنها تدعو إلى نقد النص نفسه دون اللجوء إلى سياقه الخارجي، فهي تدعو بذلك إلى تذوق النص وفَهم العلاقات الداخلية التي يتكون منها النسق أو النظام .

كما أن النقد البنيوي يدفع بالناقد إلى ضرب من الوضعية الأمر الذي جعله يتخلى عن النظر إلى الأثر الأدبي نظرة مرتبطة بتاريخهِ الاجتماعي أو النفسي، وهذا يدل على وجود رغبة قوية لدى الناقد على اعتبار الأثر الأدبي مقال أو خطاب، أو حديث يخضع لمعايير التحليل البنيوية

وأن النقد ولغويته منطقية يقوم عليها ويعتمدان على علاقة لغة الناقد بلغة المؤلف الذب يحلله، وعلاقة لغة هذا المؤلف المفقود بالعالم نفسه، واحتكاك هاتين اللغتين هو الذي يولد شرارة النقد ويكشف عن شبهه الشديد بنوع آخر من النشاط الذهني، الذي يعتمد على التمييز بين هذين النوعين من اللغة وهو المنطق، ويترتب على هذا أن النقد ليس سوى ما وراء اللغة وأن مهمته لا تصبح حينئذٍ اكتشاف الحقائق بل تبحث عن الصلاحيات

فالتحليل البنائي لا يقوم بوصف الأعمال الأدبية بالجودة والرداءة وإنما يحاول إبراز كيفية تركيبه، والمعاني التي تكتسبها عناصره تتألف على هذا النحو فالشكل عند البنائية تجربة تبدأ بالنص وتنتهي معه، وكلما مضينا في القراءة التحليلية تكشف لنا أبنية العمل الأدبي

ونلحظ مما سبق بأن النقد البنيوي قد أخذ طابع التحليل وليس التقييم، وهذا يُعني بأن يحلل البنى والعناصر الداخلية ويفككها إلى عناصر بسيطة وينظر في العلاقات العلائقية القائمة بينها .

وهذا يقودنا إلى القول بأن جوهر العمل الأدبي هو التحليل وليس التقويم، إذ ليس من أهداف هذا النقد أن يصف عملاً بالجودة وآخر بالرداءة، وإنما هدفه الأساسي هو كيفية تركيب العمل الأدبي .

إذن فإن النقد البنيوي يتمركز حول النص ويعزله عن كل شيء، من مثل المؤلف والمجتمع والظروف التي نشأ فيها، ويرى أن الواقع الذي يقوم عليه الأدب لا يخرج عن الخطاب أو اللغة، فالعمل الأدبي كله دال

وهذا يعني أن النقد البنيوي يعد العمل الأدبي كلاً واحدًا مكونًا من عناصر مختلفة متكاملة فيما بينها على أساس مستويات متعددة تمضي في كلا اتجاهين الأفقي والرأسي في نظام متعدد الجوانب .

وكما ذكرنا في المبحث الأول بأن المنهج البنيوي هو منهج وصفي، وهذا يعني أنه لا يعتمد على الناقد بقدر ما يعتمد على الوصف ولا يخلص لنتائج معينة، فإذن فهو لا يؤول إنما يعتمد على وصف الأبنية الداخلية للنص وعلاقاتها فيما بينها كما ويصف لنا الروية، فكل نص له رؤية فإذا استطاع الناقد رصد تلك الروية فعندئذٍ يستطيع تحليل جزيئات البنية .

إن النص الأدبي يُمكن أن يُدرس على وفق مناهج كثيرة، قد تتفق كلها، أو بعضها في نتائجها، وأحكامِها على النص الأدبي الواحد، ويمكن القول بأن الوظيفة الأولى والأسمى للنقد الأدبي هي إنتاج معرفة بالنص الأدبي نفسه، وهذا يعني أن النقد الأدبي هو نص ثانٍ، لكنه يختلف عن النص الأدبي المدروس في كونهِ يحاول أو يؤسس لعناصر المعرفة في هذا النص

وهذا يُعني أن النقد الأدبي الصحيح يمثل خطابًا أدبيًا مُؤسِسًا معرفة مستندة إلى ما في النص الأدبي المدروس من تجليات مضمونة، أو بنائية، أو لُغوية أو ...، وهذا في رأيي الباحث ما يُنادي به أصحاب المنهج البنيوي فهم ينادون إلى تأسيس معرفة من ذلك النص بعزلهِ عن الخارج، وهذه المعرفة لا تأتي دفعة واحده بل تتشكل من خلال الوصف والتحليل لذلك النص، والدخول في جزئياته وعلاقاته دون النظر إلى ما حوله .

ومن هنا يتم تأسيس معرفة نقدية حقيقية بالنص، وتكون تلك المعرفة خالصة وحقيقية؛ لأنها تنظر في النص من الداخل وليس من الخارج، وعلى ما اعتقد هذا هو ما تصبوا إليه البنيوية في نقدها

مستويات النقد البنيوي

لم تُبتدع البنائية هذه النظرية، بل كانت لها إرهاصات قوية منذ ما يقرب من نصف قرن، ويبدو أن سيادة الروح العالمي في منهاج الدراسات الإنسانية كان لها أثر بالغ في حدس بعض النقاد ببعض العناصر الأساسية في التحليل البنائي بشكل مبكر .

ولعل من أهمهم (رومان انجاردن)، الذي نشر كتابه (العمل الفني الأدبي) عام 19311 م بمدينة هيل، ثم دعمه بعدة كتب تالية آخرها نُشر في طوبنجن عام 1968م، وقدم رومان نظرية كاملة عن المستويات الأدبية وإن كانت لا تعد نموذجًا بنائيًا؛ لخلطها ببعض المقولات النفسية والأفكار المثالية بالجسم اللغوي للعمل الأدبي .

 فمثلاً المستوى الأدنى أو الأول عنده كان هو المستوى الصوتي الحسي اللغوي، وهو يحمل قيمًا أدبية محددة تقوم بدور حاسم في تشكيل المستوى التالي له وهو الخاص بالدلالة اللغوية، ويعد هذا المستوى الثاني أساس العمل الأدبي؛ لأنه يكّون موضوعاته وما يتمثل فيه من أشخاص وأحداث وأشياء؛ لأن دلالة الجمل في العمل الأدبي قد تبعث حالات صورية لأشياء متخيلة مقصودة هي التي تكون الموضوع

 ونتجاوز تلك المستويات السابقة، إلى أن نصل إلى تقسيمات النقاد للمستويات على النحو التالي: (10)

 أولاً: المستوى الصوتي

حيث تدرس فيه الحروف ورمزيتها وتكويناتها الموسيقية من نبر وتنغيم وإيقاع، ويتم معرفته من خلال الصوتيات .

 ثانيًا: المستوى الصرفي

 وتُدرس فيه الوحدات الصرفية ووظيفتها في التكوين اللغوي والأدبي خاصة، وهذا المستوى يحتاج إلى كل ما يُبنى عليه علم الصرف .

 ثالثًا: المستوى المُعجمي

وتُدرس فيه الكلمات لمعرفة خصائصها الحسية والتجريدية والحيوية والمستوى الأسلوبي لها، بمعنى أنه يبحث في دلالة الكلمات اللغوية .

 رابعًا: المستوى النَحوي

 وتُدرس فيه تأليف وتركيب الجمل وطُرق تكوينها وخصائصها الدلالية والجمالية، بمعنى أنه يبحث في بناء الجملة سواء أكانت فعلية أو أسمية أو شبة جملة

خامسًا: مستوى القول

وذلك لتحليل تراكيب الجمل الكبرى ؛ لمعرفة خصائصها الأساسية والثانوية .

 سادسًا: المستوى الدلالي

وذلك يشغل بتحليل المعاني المباشرة وغير المباشرة والصورة المتصلة بالأنظمة الخارجية عن حدود اللغة والتي ترتبط بعلوم النفس والاجتماع وتمارس وظيفتها على درجات في الأدب والشعر

 سابعًا: المستوى الرمزي

وتقوم فيه المستويات السابقة بدور الدال الجديد الذي ينتج مدلولاً أدبيًا جديدًا يقود بدوره إلى المعنى الثاني أو ما يُسمى باللغة (داخل اللغة (

 إن الناظر إلى هذه المستويات يجدها كلها تتصل باللغة، فهي تنطلق من اللغة وتُطبق عليها، واللغة كما نعرف لا تحتمل الاتساع والتحدد كما في مناهج النقد الأخرى ومن هنا تنبع عملية هذا المنهج وتعامله الدقيق مع النصوص الأدبية

 فالمحلل البنيوي يقوم بدراسة جميع هذه المستويات في نفسها أولاً، وعلاقتها المتبادلة وتوافقاتها والتداعي الحر فيما بينها والأنشطة المتمثلة فيها، وثانيًا هو ما يحدد في نهاية الأمر البنية الأدبية المتكاملة.

منطلقات التحليل البنيوي

لا بد من رسم بعض الخطوط الأساسية والعريضة التي يطرحها التحليل البنيوي على الصعيد الأدبي والنقدي والفكري، وهي كالتالي: (11 )

أولاً: يهاجم البنيويون بعنف المناهج التي تُعنَي بدراسة إطار الأدب ومحيطه وأسبابه الخارجية، ويتهمونها بأنها تقع في شرك الشرح التعليلي، في سعيها إلى تفسير النصوص الأدبية في ضوء سياقها الاجتماعي والتاريخي؛ لأنها لا تصف الأثر الأدبي بالذات حين تلح على وصف العوامل الخارجية.

 ونفهم من ذلك أن البنيويين ينطلقون من ضرورة التركيز على الجوهر الداخلي للنص الأدبي، وضرورة التعامل معه دون أية افتراضات سابقة من أي نوع من مثل علاقته بالواقع الاجتماعي أو التاريخي أو بالأديب وأحواله النفسية، ويرى الباحث أن سبب هذا المنطلق ؛ لأنهم يرون في أن العمل الأدبي له وجود خاص وله منطقه ونظامه وله بنية مستقلة سواء أكانت عميقة أو تحتية أو خفية، فهو مجموعة من العلاقات الدقيقة .

 إن هذا المنهج لا يحارب ولا يهاجم المناهج الأخرى بل هذا كان ظاهرٌ للقرّاء، ودليل ذلك مثلاً السيميولوجية فهو منهج لدراسة الوقائع الاجتماعية باعتبارها رموزًا لنظم عقلية مجردة، فهنالك إذن علاقة بين البنيوية والسيمولوجية فهما كلمتين في الحقيقة مترادفتان، فتعريف السيمولوجية السابق يصلح تعريفًا للبنيوية، كما أن النقد البنيوي أو علم الأدب البنيوي بتعبير أدق فهو ليس إلا فرعًا مـن السيمولوجيا .

كما أن دي سوسير لم يكن منكرًا للقيمة التاريخية بل كان يرى أن الدراسة التاريخية للظواهر اللغوية يجب أن تأتي تابعة لدراسة اللغة كنظام متكامل محدد بفترة زمنية معينة، فمعرفة النظام يجب أن تسبق معرفة التغيرات التي تطرأ عليه .

وربما أن المنهج البنيوي يحاكم التاريخ ؛ لأنه يغفل العلاقات بين أجزاء النظام الواحد، مع أن هذه العلاقات هي جوهر النظام ونحن نحاكم البنيوية باسم التاريخ وباسم البنيوية معًا؛ لأنها هي نفسها جزء من نظام كبير تجمعه وحدة فكرية ومادية ولحظة تاريخية .

 ثانيًا: هذه البنية العميقة أو هذه الشبكة من العلاقات المعقدة هي التي تجعل من العمل الأدبي عملاً أدبيًا، وهنا تكمن أدبية الأدب، وهم يرون بأن هذه البنية العميقة يمكن الكشف عنها من خلال التحليل المنهجي المنظم . ويمكن القول بأن هدف التحليل البنيوي هو التعرف عليها؛ لأن ذلك يُعني التعرف على قوانين التعبير الأدبي، وهذا مما يجعل التحليل البنيوي مميزًا عن سائر المناهج؛ لأنه هو الوحيد القادر على البحث عن أدبية الأدب أي عن خصائص الأثر الأدبي .

 ثالثًا: يقف التحليل البنيوي عند حدود اكتشاف هذه البنية في النص الأدبي، فهو جوهرها، فبعضهم يسمي تلك البنية (نظام النص) أو (شبكة العلاقات) أو (بنية النص)، وحين التعرف عليها لا يهتم التحليل بدلالتها أو معناها، بقدر ما يهتم بالعلاقات القائمة بينها .

 ولهذا يرى بارت وتودوروف، وهما من أبرز روّاد المنهج البنيوي أن هذا التعرف على بنية النص مقصود لذاته؛ لأن عقلانية النظام الذي يتحكم في عناصر النص، غدت بديلاً عن عقلانية الشرح والتحليل . رابعًا: ينطلق البنيويون من مسلمة تقول بأن الأدب مستقل تمامًا عن أي شيء، إذ لا علاقة له بالحياة أو المجتمع أو الأفكار أو نفسية الأديب ...الخ؛ لأن الأدب لا يقول شيئًا عن المجتمع أما موضوع الأدب فيكون هو الأدب نفسه .

خامسًا: للتوصل إلى بنية الأثر الأدبي ينبغي تخليص النص من الموضوع والأفكار والمعاني والبعدين الذاتي والاجتماعي، وبعد عملية التخليص أو الاختزال يتم التحليل البنيوي أو تحليل النص بنيويًا من خلال دراسة المستويات السابقة الذكر .

 سادسًا: ويتم التركيز لاكتشاف بنية النص على إظهار التشابه والتناظر والتعارض والتضاد والتوازي والتجاور والتقابل بين المستويات، فمثلاً يتم التحليل الصوتي من خلال إظهار الوقف، والنبر، والمقطع، أما تحليل التركيب فتتم دراسة طول الجملة وقصرها وهكذا مع كل مستوى أو تحليل .

 سابعًا: إذا كانت البنيوية تختزل النص إلى هذا الحد ولا تهتم بالمعنى أو الموضوع أو الإطار الزماني أو المكاني أو البعدين الذاتي والاجتماعي، فما هو دور القارئ؟ فيجيب البنيويون أن النص يحاور نفسه، والقارئ هو الكاتب الفعلي للنص .

 بمعنى أن البنيويين يرون بأن القارئ ليس ذاتًا، إنه مجموعة من المواصفات التي تشكلت من خلال قراءته السابقة وبالتالي فإن قراءته للنص ورد فعله إزاء النص تتحدد بتلك القراءات، وبما أن هناك قرّاءً عديدين فإن هناك قراءات متعددة للنص الواحد .

ومعنى هذا بأن هؤلاء القرّاء يقومون (بترجمة) النص وهذا كما يرى بارت، لكن النص يبقى هو النص ولهذا فإنه يحاور نفسه .

البنيوية في النقد الأدبي الحديث

 في مجال النقد الأدبي، فإن النقد البنيوي له اتجاه خاص في دراسة الأثر الأدبي يتخلص: في أن الانفعال والأحكام الوجدانية عاجزة تماماً عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لهذا الأثر، لذا يجب أن تفحصه في ذاته، من أجل مضمونه، وسياقه، وترابطه العضوي، فهذا أمرٌ ضروري لا بد منه لاكتشاف ما فيه من ملامح فنية مستقلة في وجودها عن كل ما يحيط بها من عوامل خارجية .

 إن البنيوية لم تلتزم حدودها، وآنست في نفسها القدرة على حل جميع المعضلات وتحليل كل الظواهر، حسب منهجها، وكان يخيل إلى البنيويين أن النص لا يحتاج إلا إلى تحليل بنيوي كي تنفتح للناقد كل أبنية معانيه المبهمة أو المتوارية خلف نقاب السطح .

 في حين أن التحليل البنيوي ليس إلا تحليلاً لمستوى واحد من مستويات تحليل أي بنية رمزية، نصيّة كانت أم غير نصيّة. والأسس الفكرية والعقائدية التي قامت عليها، كلها تعد علوماً مساعدة في تحليل البنية أو الظاهرة .

الخاتمة

ونخلص مما سبق إلى أن البنيوية منهج ينظر إلى الأعمال الأدبية باعتبارها نظمًا رمزية دلالية تقوم فى الدرجة الأولى على مجموعة من العلاقات المتبادلة بين البنى الجزئية، " وترى أن قيمة العمل الأدبى تتمثل فى النص ذاته وما ينبثق عنه من جماليات لغوية ومستوى أدبى رفيع، وليس فى علاقته بغيره من المستويات الخارجية سواء كانت نفسية، أو اجتماعية أو تاريخية أو غير ذلك من المستويات". ويرى الباحث أن قصور دور الفن على إبراز النواحى الجمالية الداخلية يقلل من فرص خلوده، إذ أن الجمال ليس مطلق فكما يتغير مقياس الحياة بتغيير ظروفها يختلف الإحساس بالجمال من عصر إلى عصر وكذلك من طبقة إلى طبقة، ويتفق مع " جلبرت ميرى " في قوله: بأن إبداع أي عمل فنى لابد وأن يقوم على قصد المنفعة والاستخدام، فليس ثمة صورة ترسم لأناس عمى، ولا يبنى قارب في غير وجود ماء " .

ونستذكر أهم ما فعلته البنيوية هو الانطلاق من مبدأ العلاقة فيما بين الاشياء وهومبدأ مكنها من الرؤية المفتوحة على وظائف الظاهرات وفتح لها أبوابا أشرعت بين يديها لخدمة علوم العصر الحديث كعلم النفس والرياضيات مع بياجيه والانثروبولوجيا والأساطير مع ليفي شتراوس وأخذ بارت بمفاهيمها لتحليل مسالك المجتمع في الملابس والطعام اضافة الى تجلياتها في الادب وفنونه .

ان البنيوية هي أكبر تحول أدبي مس كل وجوه الفكر الانساني،وربط الانسانيات بمناهج العلوم التجريبية، مما جعل شتراوس يقول كلمته المشهورة (روضت العلوم الانسانية نفسها منذ قرون على النظر الى علوم الطبيعة على أنها نوع من الفردوس الذي لن يتاح لها دخوله أبداً) .

 

د. شادي مجلي سكر

..................

1 - حسناء الإدريسي الكيري، طالبة من المغرب بقسم الدراسات العربية/ كلية الآداب/ عين الشق/ الدار البيضاء.

2 - كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي، ص 7

3 - معجم لسان العرب

4 - يمنى العيد قنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص 318

5 -

6 - Todorov: intruducation to poetics

7 - جان بياجيه، البنيوية ، ص 45

8 - عبدالإله الصائغ - النقد الأدبي الحديث وخطاب التنظير .

9 - جميل حمداوي – البنيوية اللسانية والنقد الأدبي .

10 - عبدالله خضر محمد، مناهج النقد الأدبي السياقية والنسقية، ص 150

11 - شكري الماضي، في نظرية الأدب، ص 182

 

هناك الكثير من الفنون التي لا تعتمد الكلمة في التعبير عن مشاعر أو قصة أو كلام تريد إيصاله، بل تعتمد لتقديم ذلك كله على ما تقدمه من أشكال وصور ومنحوتات، لإيصال شجون أو فرح أو دهشة أو إعجاب أو أي نوع آخر من المشاعر، ومن خلال تلك الأدوات، يستطيع الفنان أن يبرهن على قدراته في تقديم حالات إنسانية وبكامل الجمال والرقي، ومن تلك الفنون التي تقوم بهذه الأشياء مثلًا: الرسم والنحت والكاريكاتير والتمثيل الصَّامت....الخ من الفنون الجميلة التي تنجح في كثير من الأحيان في إيصال رسالاتها والتأثير فينا بشكل أكبر كثيرًا من الكلمة وربما أكبر من الفعل بحد ذاته.

و بالتالي تستطيع تلكم الفنون نقل الحالة الإنسانية، وتقديم القصص والحكي دون اللجوء لعنصر الكتابة، ورغم أنها تستهلك وقتًا طويلًا أطولَ أكثر بكثير من الكتابة إلا أن الشهرة التي تحققها الأشياء المميزة من تلكم الفنون تظل خالدة في الذاكرة ومعروفة لجمهور الناس حتى لغير المثقفين منهم لآمادٍ بعيدة ومديدة...و بشكل يبزُّ الكتابات التقليدية وحتى المتميزة منها.

في كثير من الحالات ودون أن ندري نستخدم كلمات أو جملًا من قبيل: إن ما نقرأه في عينيه أكثر بكثير مما نطق به لسانه....أو إنَّ عينيه باحتا بأكثر مما باح به لسانه...أو نقول: لغة العيون... ونقول أيضًا: اللبيب من الإشارة يفهم...و نقول: هل قرأت مابين السُّطور....و نقول: المكتوب ظاهر من عنوانه...أغلب تلك العبارات تستخدم عندما نتحدث عن واقعة (أي حدث معين) دون أن نقوم بسرده، إذ تكفي تلك الإشارات لإيصال الحدث، وبالتالي فإنَّ السَّامع والذي يقابل المتلقي أو قارئ النص، يستطيع لوحده ومن خلال تلك الإشارات أن يفهم القصة ويكوِّن الحدث، والجميل في الأمر أن تكوين تلك القصة يختلف حسب تفسير كل شخص لتلك الإشارات، وبالتالي تختلف الرؤية للقصة ويختلف التأويل وبذلك نكون قد أنجزنا شيئًا ولَّادًا...أو لوحةً كتابيَّةً تشبه اللوحاتِ التشكيليَّة التي نقف أمامَها متأملين معجبين نحاول فكَ رموزِها واستشعارِ ما تخفيه من المشاعر والقصص.

كل تلك العبارات وأمثالها والتي تعتمد التلميح والإشارة فقط دون تقديم عاصف وممتلئ بالحركة والأفعال إذًا يمكن أن تبني قصصًا وحكايات...فإذا اعتمدنا القياس في هذا الأمر فإننا يمكن من خلال جمل تصف الحالة دون أن تصرح بها ودون أن تذكر تفاصيل وقوع الحدث ودون أن تستخدم الأفعال بشكل مكثف...يمكنُ لتلكَ الجملِ أن تقدم قصة أو حدثًا أو حبكة.

من جانبٍ آخر وإذا نظرنا إلى آليات الكلام في اللغة العربية وأساليبها البلاغية، وما تحتويه من كناية واستعارة وخاصةً باستخدام اللغة الشعرية، نجد أنَّه يمكننا أن نكتب قصَّةً قصيرةً جدًّا وببلاغة دونَ أن نلجأ إلى التصريح الفج، الذي يضطرنا لتكرار أفعال نشعر من خلالها بأننا نقدِّمُ خبرًا جافًّا لا أكثر، وحتى بوجود المواربة والإضمار فإنَّنا لا يمكن لنا التخلص من الطَّابعِ الخبري لنص القصة القصيرة جدًّا، وخاصة باعتماد عنصر التَّكثيف كركن أساسي في هذا النمط من القصِّ والسَّرد.

هنا نتساءل إذًا بمشروعية هذا النموذج أو هذا الشَّكل ـ أي القصة القصيرة جدًّا (اللوحة) ـ لتقديم نص قصة قصيرة جدًّا، وما هي العقبات التي تقف أمامه؟

و هل يمكن لنا بالفعل أن نجد فيها ملاذًا من اللغة الجافة التي تعتمدها القصة ةالقصيرة جدًّا التقليدية والتي باتت مطيَّة سهلة لكلِّ الراغبين في الكتابة والتعبير عن مشاعرهم فكثر جدًّا تقديم ما يماثل الأنماط التالية من القَصّ:

ـ سقطت..أعانها على النهوض..فرحت..استغلَّ فرحتَها..حزنَت.

ـ تصارعا..تخاصما..تقاسمَ أرضَهم الأعداء.

ـ أحبَّها..أحبَّتْه..التقيا تحت جنحِ الظَّلام...ماتَ الحبّ.

ـ شبَّ عن الطّوق..استلمَ وظيفةً مهمةً...تزوّج...ركنَها في زاويةٍ منسية..استمرَّت تدعو له.

ـ حلمَ بهوليوود...سافرَ إليها...منحَها عمرَه...رجعَ خائبًا منكسرًا.

ـ المعلم الذي قضى حياته رهنًا لطلابه، جاء أحدهم اليوم ليعلِّمه بعض فنون القتال...ضربَه على رأسِه بهراوةٍ قاسية...استشهدَ العلم.

ـ الفتاة التي أنشدت قصيدة الحبِّ صغيرةً...نشيدُها أعجبَ الكثيرين...لم يمنحها أبوها فرصةً لبناء بيت الحب...رحل الأب، فيما هي على شرفتها الخمسينية لازالت تنشدُ نفسَ القصيدة، ولكنْ لم يعدْ هناكَ مارُّون على دروبِها.

ـ الخطيئةُ التي زرعها لديها في الصغر، تحكمُ اليومَ على ابنهِ ـ الذي ضربَ أبيه حتى الموت ـ بالإعدام.

هذه أنماط سريعة جدًّا كتبتها لحظة كتابة المقال للاستشهاد حيث أنَّ هذا النمط من الكتابة يشابه أغلب ما نقرأ في الكتب وما نشاهد من قصص على الفضاء الأزرق...و كان يمكنني الاستشهاد ببعض الكتابات التي يمتلئ بها الفيس لكنني آثرتُ تجنب ذلك تحاشيًا لإثارة أية إزعاجات أو مشاكل مع أصدقاء لي أحترمهم وأودهم في هذا الفضاء.

كل هذه الأنماط تحوي حدثًا حقيقيًّ وربما يكون مهمًّا فعلًا...و لكن تلك الصيغة التي عرضت بها تلك النصوص، توضح لهاث من يحاول الكتابة وراء التكثيف غير المبرر والذي يحول القصة إلى مجرد كلمات متتابعة دون روح تعيش وتهيم في أجواء كلماتها، فتشعر بالفعل أنَّك تقرأ مجرد تقرير صحفي أو خبر عاجل أو كأنك تقرأ تعريف لمعنى كلمة معينة ـ خاصة عند استخدام الرموز الغريبة ـ بثوب قصصي.

إذًا هنا نقرأ قصصًا مباشرةً مهما حاولنا الالتفاف على المتلقي بطريقة السرد، وتبقى الفروقات في التلقي والقراءة متأثِّرةً بمحسوبيات التاريخ الكتابي للكاتب.

في هذه القصص يعطينا الكاتب حدثًا مباشرًا، وإن كان مغلَّفًا ببعض الإضمار والمفارقة، لكنه في النهاية يعطينا حدثًا نجهد لالتقاطه في بعض الأحيان، ولكنه يبقى ضمن دائرة القص الجاف، التي لا تغني ذهن المتلقي سوى بإشارات البحث عن تحليل وتفكيك النص لإدراك ذلك الحدث، هنا يشارك القارئ الآخرين فقط في طريق البحث عن فك إشارات وأحيانا طلاسم النص القصير، وربما في النهاية يشعر أن هذا الجهد والوقت اللذين أضاعهما قد ذهبا سدىً حين يكتشف فقر النص وضحالة معانيه.

فإذا بقينا ندور ضمن هذه الدائرة الضيقة، خاصة مع تكرار تيمات القصة، حيث بتنا نرى قصصًا متشابهة في أغلب الأحيان بالفكرة وحتى بطريقة السرد، وبدأت المناوشات والاتهامات تسري بين الكتَّاب، في أحقية كل منهم بالنص...فإذا بقينا كما قلت ندور في هذا الفلك فإننا سنصل لمرحلة من الجفاف والعقم قد تؤدي بنا للاعتراف بنهاية القصة القصيرة جدًّا، ونعود أدراجنا باتجاه القصة القصيرة ذات الفسحة الأوسع والأرحب.

لذلك يكون البحث عن أساليب جديدة لتقديم نصوص القصة القصيرة جدًّا ضروريًّا ومهمًّا حتى لا تصاب بالعقم التعبيري، وبما أن آفاق الأدب العربي واللغة العربية لا تحدها حدود، ولا يمكن أن تقف عجلاتها عند هذا المنعطف الخطير، فإنها يمكن أن توجد طرقًا جميلة ورائعة للتغلب على تلك الكلاسيكية التي أضحت طاغيةً على أغلب ما نكتب من قصص قصيرة جدًّا...و من هنا يأتي دور انفتاح هذا النمط من القص على الفنون الاخرى كالرسم مثلًا، حيث نقدِّم هنا لوحةً من الكلمات، التي لا تعطينا قصةً جاهزةً خبريةً أو قصة مضمرةً نحاول إيجاد مفارقتها وقراءة رسالتها أو قصة غامضة نجهد في فك طلاسمها...بل هي هنا أي ـ القصة اللوحة ـ تعطينا رسمًا بالكلمات لموقف معين أو حدث معين، يكون على القارئ والمتلقي قراءة ذلك الحدث بل والأهم المشاركة في كتابته، تلك الكتابة والقراءة التي تختلف حسب الخلفية الثقافية الأدبية والاجتماعية والنفسية للقارئ...هذه اللوحة توحي إليك بالشعور وكأنَّك تقف أمام لوحة تشكيلية نابعة من الواقع والمطلوب منك قراءة هذه اللوحة وتشكيل قصة من بضع كلمات فقط حول هذه اللوحة...كم سيكون ذلك رائعا! وكم سيكون ذلك جميلًا! عندما يتحول القارئ فجأةً كاتبًا، بل ليس كاتبًا فحسب بل وكاتبًا مسؤولًا عن كتابته.

و تعتمد تلك القصة اللوحة بشكل كبير على العنوان والقفلة وبعض المؤشرات المنبثقة من قلب النص.

و للتوضيح سأقوم بوضع بعض الأمثلة هنا التي تساعد على فهم القصة اللوحة...و سأقوم بتقديم نظرتي أو قراءتي لتلك اللوحات:

 ما تحت الرماد

جميلةٌ تلكَ الخرافُ حانيةَ الرأسِ ترعى في المرجِ الأخضر...

جميلةٌ هاتيكَ الورودُ المرتَّبةُ بأناقةٍ في مساكبِها...

رائعةٌ صفوفُ التَّلاميذِ القويمةِ...

مبهرةٌ هذهِ السَّماءُ الصافيةُ الواسعة...

منعشةٌ تلكَ الأنغامُ الهادئةُ...

مريحةٌ أمواجُ البحرِ الرَّاكدة...

مُطَمْئِنَةٌ تلكَ الأجسادُ الرَّاقدةُ بسلام...

تلكَ اللوحةُ السَّاكنةُ في بيتي.......كم هي مرعبة!!

..................

هذه اللوحة لي (وسأتحفظ مبدئيًّا على لقب قصة قصيرة جدًّا)... ولا بأس وإن كانت لي أن أقدم قراءة تبدأ من العنوان (ما تحت الرماد)... الرماد يشير للسكون... ما تحت الرماد يشير ربما للجمر الذي يغلي تحت ذلك الرماد...العبارات الوصفية المتوالية في النص تتماشى مع وضعية الرماد فهناك هدوء وسكون وارتخاء...لنأتي فجأة وننتقل بجملة القفلة (تلك اللوحة الساكنة في بيتي كم هي مرعبة)... إذا كل ذلك الرماد الساكن هو مخيف ومرعب لأنه يخبئ شيئًا ما تحت الرماد فكلمة مرعبة تدل على أن ذلك الهدوء الظاهر في اللوحة يخفي شيئًا مرعبًا..قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، وقد يكون الجمر الذي يغلي تحت الرماد... و قد تكون هذه اللوحة لوحة وطن أو لوحة أسرة أو لوحة مؤسسة حكومية... وفي كل تلك الأشياء هناك مواطنون يعيشون حالة هدوء ظاهري وولاء لصاحب النعمة ويتمثل ذلك بالصفاء المعلن عنه في اللوحة... لكن هناك أشياء مرعبة خلف ذلك الهدوء يمكن أن ينفجر في أية لحظة.

إذا يعبر النص عن قصة أسرة مثلا أو وطن كما قلنا أو مؤسسة تتعرض للضغط من قبل حاكم قد يكون الأب أو الأم أو قائد الوطن أو رب العمل الذي يطيعه الآخرون دون رضاهم لتتأهب ثورتهم بالنهوض من تحت الرماد.

الآن أريد معكم أن نتخيل لو أردنا أن نقدم تلك الفكرة أو الحدث من خلال نص ققج تقليدي، ومن ثم نقارن ونلاحظ الفرق.

قصة أخرى (سقوط)

مدينتُنا بجانبِ البحرِ الأزرق

و هناكَ...هناكَ طفلةٌ بجانبِ الصَّحراءِ الصَّفراء

هي تحبُّ النَّوارسَ الرَّماديَّةَ

وحتى تصلَ البحرَ عليها

أنْ تقطعَ مدينتَنا الحمراء

في منتصفِ الطَّريق رأَتْ أمامَها غلالةً سوداءَ

بينَ نباتِ صبَّارٍ يخزُها

و بينَ نوارسَ تغرِّدُ لعينيها بينَ البحرِ والسَّماء

حثَّتْ خطاها باتِّجاهِ الحلم

أغصانُ الصبارِ أنشدَتْ مواويلَ حزنِها

حلَّقتِ النَّوارسُ بعيدًا بعيدًا

و ارتقى البحرُ ليصبحَ تابوتًا من نجوم

أمَّا هي............. هيَ

أضحتْ جزءًا من لوحةِ مدينتِنا الحمراء

...................

هذه لوحة مكونة من شذرة تتحدث عن طفلة تحلم بالهروب من نار الحرب والموت إلى البحر الأزرق الذي ترى فيه النوارس الجميلة والهدوء والاطمئنان الذي تبحث عنه (كرمز للغربة واللجوء)...هي تسكن في مكان بعيد عن أمكنة الاقتتال والصراع لكنها لم تعد تستطيع العيش في ظل الخوف، لذلك تبحث عن الهروب، ولكن الطريق إلى درب الهروب وهو البحر لا بد له من المرور بمناطق الاشتباك تلك، لتصاب الطفلة أثناء رحلتها في تلك المدينة الدموية الحمراء، ثم تموت بسبب الإصابة وتصبح دماؤها جزءًا من المدينة الحمراء (مدينة الموت).

لو أردنا أن نعبر عن هذه اللوحة بقصة قصيرة جدًّا تقليدية يمكننا فعل ذلك وأطلب إليكم إنجاز ذلك بالفعل، ولنقارن فوارق الجمال بين النمطين...و أنا هنا لا أطلق حكمًا بل أتركه لمن يحب التجريب والإبداع وقد نجد بالفعل ان القصة الكلاسيكية تفوق هذا الأسلوب(اللوحة).

قصة أخيرة (عطاء)

مرَّ من هنا بحرٌ ونهرٌ وساقية

البحرُ كانَ مدَّعيًا

بدا النهرُ مُرائيًا

أمَّا السَّاقية فلم تعدْ موجودةً

تسرَّبَتْ على مهلٍ إلى غورِ جراحي

................

هذه قصة لوحة تعتمد الكناية كأسلوب بلاغي لعرض فكرتها وحدثها: فالقراءة يحرضها هنا العنوان الذي يجعلنا نقرأ النص باحثين عن العطاء...متدرجين من البحر الواسع الذي يعتبر رمزا للعطاء باتساعه وامتلائه بالخيرات وهو رمز هنا للإنسان المترف فاحش الغنى والمال...ليظهر أنه فقط يدعي الكرم والعطاء وهو ليس كذلك لأنه يمر بالقرب من جراحي فلا يفعل لها شيئًا...ثم يأتي النهر الأقل اتساعا من البحر كرمز لإنسان مرتاح ماديًّا ويمكنه تقديم المساعدة إلا أنه أيضا كان مرائيًا ويتبجح أمام الناس بالمساعدة لكنه لا يفعل...فقط تبقى وعوده ضمن إطار المراءاة..لنبحث أخيرًا عن الساقية التي تعتبر فقيرة جدًّا بالنسبة للبحر والنهر لأنها ضئيلة صغيرة، وعندما نبحث عنها نجد أنها اختفت تماما لكنها لم تختفِ هربًا من المساعدة بل إنها اختفت لأنها ذابت كليًّا كمرهم يحاول تضميد جراحي ويساهم في التئامها...إذًا كان هذا الإنسان الفقير(الساقية) أكثر عطاءًا من البحر والنهر.

هذه بعض المثلة لقصص لوحات...أتمنى أن ينظر الأصدقاء فيها على مهل وبتروٍّ شديد ثمَّ يسرُّني أن أستمع لآراء الجميع ونقدهم البناء لأنني أؤمن أنَّ التحديث يأتي بالتجريب العام ويأخذ مشروعيته من آراء المتابعين من أصحاب الخبرة ومن متذوقي الأدب.

هذه المقالة هي مجرد رأي شخصي واجتهاد يحاول النظر من زاوية مختلفة لفن الققج، لإيجاد مساحات أكبر وأوسع براحًا مما نجده عليها الآن... وهي لا تعتمد على مرجعيات غربية ولا مقالات مترجمة ولا مصطلحات أدبية غربية مغرقة في التعقيد ويستعصي فهمها حتى على أكبر دارسي الأدب والنقد الغربي وحين نلجأ لتطبيقها في تربة أدبنا العربي نجدها لا تنبت إلا نكدًا.

هذا جزء من بحث حول القصة القصيرة (اللوحة)...يتبع

 

د. عبد المجيد أحمد المحمود

 

 

abdulrazaq odaalghalibiالمتغيرات التاريخية التي طرأت على الأدب، وأثرها على هندسة الأجناس الأدبية

 التجديد والتحديث في الأدب: ومن منطلق الربع الأول من القرن العشرين، و بعد الحرب العالمية الأولى تحديداً، بدأت الفوضى تدب في ساحات الفكر العربي، بقصد الإصلاح والتغيير، واستمرت تلك الموجة حتى الربع الأخير من القرن العشرين، في الأدب العربي، وجوانب الحياة الأخرى، اعتبر قسم من الشعراء والكتّاب أنفسهم أصحابَ التقدم وأهل التغيير والعصرنة، بينما وقف القسم الثاني معارضًا ومتهمًا القسم الآخر، بالترويج للوجودية و للفكر المنحرف و الزندقة والتمرد على الدين والأخلاق، بذريعة التحرر وقلب المفاهيم المسببة للحرب والعنف السياسي ...

ويعود سبب ظهور هذين الاتجاهين المتعارضين إلى تدهور الحالة الفكرية والنفسية للمفكرين والفلاسفة في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على العالم العربي، حين انتهت الحرب ووصل عدد ضحايا الحرب إلى خمسين مليونًا من القتلى، ناهيك عن الجرحى والمشوهين، مما أوجد حالة من الذعر والعبثية واليأس، فقد ذهب ضحية هذه الحرب الملايين من الشباب الذين قضوا على خطوط القتال، وقد أكّد المفكرون والباحثون في هذا الأمر بأن السبب في تلك الكوارث الإنسانية يعود إلى العقائد السائدة في العالم آنذاك، فالصراع الذي سبب الحرب العالمية الأولى هو صراع أفكار لكيانات ثقافية وسياسية تستند إلى الدين، كالدولة العثمانية وألمانيا وروسيا القيصرية والمملكة المتحدة، وتلك الدول اتخذت الدين الإسلامي أو المسيحي شعارًا في حربها ....

أفرزت تلك الحرب حالة من الرفض وعدم المواءمة مع كل ما وقع في الماضي من كوارث، لكون أفكار الماضي هي السبب في هذا الخراب والقتل، فتوجّب تدميرها واستبدالها بنظم فكرية وفلسفية جديدة، ومن تلك المحطة بالذات انطلقت عجلة التغيير والتي سميت بعد ذلك بالحداثة، ومنها نشأت فكرة التدمير بشكل أخطبوط بأذرع عديدة، والتي تعتبر المحور الأساسي لهذا المصطلح الجديد، الذي أخذ على عاتقه تدمير كل محتويات الماضي الفكرية واللوجستية والاجتماعية والسياسية

والاقتصادية، وإقرار قطيعة معرفية ونفسية معه، والشروع ببناء أفكارٍ جديدة على أنقاضها، فكانت العملية مزدوجة، من تدمير للماضي المتخلف، وبناء للحاضر الجديد المبتكر......

تعني الحداثة لغويًا: بأنها نقيض للقديم، واستهلال الأمر، وبهذا المفهوم اللغوي أشرقت شمسها في عالمنا العربي المعاصر، وتوافقت مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسية وقلق ذاتي من القديم الموروث ومحاولة التخلص منه، والبحث عن البديل بكل ما هو جديد، أما ما تعنيه الحداثة اصطلاحًا فهي: " اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدّامة، ذلك أنها تضم كل هذه المذاهب الفكرية معاً في اتجاه واحد سياسي فكري، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني والنقد الأدبي، ولكنها تخص الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على حد سواء، وبهذا المفهوم الاصطلاحي تصبح اتجاهًا جديدًا يشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع ((1)) و الحداثة كمنهج فكري يسعى لتغيير الحياة، و إن من دعاوى أهل الحداثة أن الأدب يجب أن ينظر إليه من الناحية الشكلية والفنية فقط، بغض النظر عما يدعوا إليه ذلك الأدب من أفكار، وينادي به من مبادئ وعقائد وأخلاق، فما دام النص الأدبي عندهم جميلًا من الناحية الفنية، فلا يضير أن يدعو للإلحاد أو الزنا أو اللواط أو الخمريات أو القتل أو الموت أو غير ذلك ((2) )".....

 ويقول د . عدنان النحوي في كتابه الحداثة من منظور إسلامي ص 13: لم تعد لفظة الحداثة في واقعنا اليوم تدل على المعنى اللغوي لها، ولم تعد تحمل في حقيقتها طلاوة التجديد، ولا سلامة الرغبة، إنها أصبحت رمزًا لفكر جديد، نجد تعريفه في كتابات دعاتها وكتبهم، فالحداثة تدل اليوم على مذهب فكري جديد يحمل جذوره وأصوله من الغرب، بعيدًا عن حياة المسلمين، بعيدًا عن حقيقة دينهم، ونهج حياتهم، وظلال الإيمان والخشوع للخالق الرحمن ((3)) "

 فالحداثة إذن من منظور إسلامي عند كثير من الدعاة تتنافى مع ديننا وأخلاقنا الإسلامية، وهي معول هدم جاءت لتقضي على كل ما هو إسلامي دينًا ولغة وأدبًا وتراثًا، وتروّج لأفكار ومذاهب هدامة كالوجودية والسريالية، بل هي أخطر تلك المذاهب الفكرية، وأشدها فتكًا بقيم المجتمع العربي الإسلامية ومحاولة القضاء عليه والتخلص منه، وإحلال مجتمع فكري عربي محله، يعكس ما في هذه المجتمعات الغربية من حقد وحنق على العالم الإسلامي، ويروجون بكل اهتمام وجدية، من خلال دعاتها ممن يدعون العروبة لهذه المعتقدات والقيم الخبيثة بغرض قتل روح الإسلام ولغته وتراثه .

أصبحت فكرة الحداثة مسلكًاً آمناً للمد الشيوعي في روسيا البلشفية، حيث تبنت هذه الحركة تدمير روسيا القيصرية لأنها تعتمد على نظام ديني كنسي متهالك يساند الحكم القيصري بكل جبروته و مظالمه و تميّزاته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وبناء نظام عقائدي سياسي واجتماعي جديد مناسب لمرحلة الحداثة، من خلال تطبيق الفكر الماركسي، الذي يقدم معالجة اشتراكية شاملة للوضع، و تكوين مجتمع حداثي عصري .....

وهكذا نمت الحداثة الغربية وترعرعت في أوحال الرذيلة، ومستنقعات اللاأخلاق، وأينعت ثمارها الخبيثة على أيدي الشيوعيين من أمثال نيرودا، ولوركا، وناظم حكمت، وفتشنكو، والوجوديين أمثال سارتر، وسيمون دي بوفوار، وألبير كامو، وآتت أكلها على أيدي الجيل المنظّر والداعم لها والمحفّز على السير في ركابها من أمثال ألوي أراجون، وهنري لوفيفر، وأوجين جراندال، ورولان بارت، ورومان ياكوبسون، وليفي شترواس، وبياجيه، وغيرهم .....

تعاريف الحداثة بالمنظور العربي والغربي:

ومن هذا المنطلق نشأت فكرة الحداثة، وتعريفها حسب المنظور العربي: وهو مذهب علماني مادي وأدبي ((4))، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والداروينية، وأفاد من المذاهب الفلسفية والأدبية التي سبقته مثل السريالية … وغيرها. وتهدف الحداثة إلى إلغاء مصادر الدين، وما صدر عنها من عقيدة وشريعة، وتحطيم كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحجة أنها قديمة وموروثة، لتبني الحياة على الإباحية والفوضى والغموض، وعدم المنطق، والغرائز الحيوانية، وذلك باسم الحرية، والنفاذ إلى أعماق الحياة.

والحداثة خلاصة مذاهب خطيرة ملحدة، ظهرت في أوروبا، وهي من هذه الناحية شر لأنها إملاءات اللاوعي في غيبة الوعي والعقل، وهي صبيانية المضمون وعبثية في شكلها الفني، وتمثل نزعة الشر والفساد في عداء مستمر للماضي والقديم، وهي إفراز طبيعي لعزل الدين عن الدولة في المجتمع الأوروبي، ولظهور الشك والقلق في حياة الناس، مما جعل للمخدرات والجنس تأثيرهما الكبير.....

 تعريف (رولان بارت):

وهو بمنظور غربي، حيث عرّف الحداثة بأنها انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه فيقول: " في الحداثة تنفجر الطاقات الكامنة، وتتحرر شهوات الإبداع في الثورة المعرفية مولدة في سرعة مذهلة، وكثافة مدهشة أفكارًا جديدة، وأشكالًا غير مألوفة، وتكوينات غريبة، وأقنعة عجيبة، فيقف بعض الناس منبهرًا بها، ويقف بعضهم الآخر خائفًا منها، هذا الطوفان المعرفي يولد خصوبة لا مثيل لها، ولكنه يُغرِق أيضًا ". ويقول الدكتور هدارة "((5) ): و كما يصفها بعض الباحثين الغربيين " بأنها زلزلة حضارية عنيفة، وانقلاب ثقافي شامل، وأنها جعلت الإنسان الغربي يشك في حضارته بأكملها، ويرفض حتى أرسخ معتقداته الموروثة " .

أصل مصطلح الحداثة لغوياً:

فقد شاب الغموض مصطلح الحداثة لكون هذا المصطلح انبثق من مصطلحين مختلفين وهما: modernization و modernism وترجمة كل منهما إلى اللغة العربية (الحداثة و التحديث)، وتتفق تلك الترجمة مع معجم لوروبير والموسوعة الفرنسية العالمية يونيفارساليس على تعريف modernization بأنها خاصية لكل ما هو حديث، في مجال الفن modernism هو الميل إلى البحث عن الحديث بكل السبل والتشبث به. ويضيفان إلى هذا المصطلح الأخير سياقًا دينيًا، فيعرفانه بأنه حركة مسيحية مطالبة بتحديث المعتقدات والعقائد التقليدية بما يتناسب مع التفسيرات الحديثة للإنجيل ((6)) وهو أكثر ارتباطًا في الجانب الديني، كما أنه يعد أحدث ميلادًا من مصطلح modernization ذي الدلالة الأوسع والأشمل. فموسوعة يونيفارساليس تشير إلى أن مصطلحmodernism قد ظهر لأول مرة في إيطاليا سنة 1904 ليشير إلى ما كانت ترى فيه الكنيسة الكاثوليكية مبالغات يحاول الحداثيون المسيحيون إدخالها إلى الكنيسة، إذ أصدر البابا العاشر في هذا السياق رسالة سنة 1907 حول ما سماه بمذاهب الحداثيين، فأصبح هذا المصطلح يطلق على كل العمليات التجديدية التي شهدها الفكر المسيحي مستفيدًا من إنجازات العلوم المختلفة في إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها.

يعود تاريخ ظهور مصطلح الحداثة في أوربا modernization بمعناه الدال على التحول، إلى القرن السابع عشر، وإن كانت دلالته لم تكتمل إلا خلال القرن التاسع عشر((7)) ليتم إغناء هذه الدلالة منذ النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن البوادر الأولى للحداثة والصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد خلال القرن السادس عشر. ويذكر( د . محمد خضر عريف) في معرض حديثه عن الحداثة وتعليقه على بعض الدراسات التي صدرت حولها من غير مفكريها وروادها في الوطن العربي في كتابه (الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة) قائلًا: " إننا بصدد ((8) ) فكر هدام يتهدد أمتنا وتراثنا وعقيدتنا وعلمنا وعلومنا وقيمنا، وكل شيء في حاضرنا وماضينا ومستقبلنا "، ويفرق الدكتور / خضر عريف في كتابة الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة بين مصطلح الحداثة والتجديد والمعاصر فيقول: " والذي يدفع إلى ذلك الظن الخاطئ هو الخلط بين مصطلح الحداثة ( modernism )،والمعاصرة( modernity )،والتحديث ( modernization) وجميع تلك المصطلحات كثيرا ما تترجم إلى " الحداثة " على الرغم من اختلافها شكلًا ومضمونًا وفلسفة وممارسة. والواقع أن الاتجاه الفكري السليم يتفق مع التحديث، ولكنه لا يتفق مع الحداثة. وإن يكن مصطلحاmodernity و modernization يمكن الجمع بينهما ليعنيا المعاصرة أو التجديد، فإن مصطلح modernism يختلف عنهما تمامًا. إذ ينبغي أن نفرق بين مصطلحين أجنبيين، من المؤسف أن كليهما يترجم ترجمة واحدة وهي ( الحداثة ) أما المصطلح الأول فهو: modernity الذي يعني إحداث تجديد وتغيير في المفاهيم السائدة المتراكمة عبر الأجيال نتيجة وجود تغيير اجتماعي أو فكري أحدثه اختلاف الزمن .

 أما الاصطلاح الثاني فهو modernization ويعني مذهبًا أدبيًا، بل نظرية فكرية لا تستهدف الحركة الإبداعية وحدها، بل تدعو إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو المصطلح الذي انتقل إلى أدبنا العربي الحديث، وليس مصطلح modernity الذي يحسن أن نسميه المعاصرة، لأنه يعني التجديد بوجه عام دون الارتباط بنظرية ترتبط بمفاهيم وفلسفات متداخلة متشابكة .

وكان أهم شيء أسفرت عنه هذه الرحلة الطويلة للمصطلح هو إقرار الثقافة الغربية باستحالة تحديد تعريف دقيق له، واكتفاؤها بالحديث عن خصائص الحداثة ومميزاتها بدل الحديث عن معناها، وهذا هو السبب في الغموض الذي أحاط بهذا المصطلح في هجرته إلى الثقافة العربية. وفي الحقيقة أن مصطلح الحداثة قد ولد من رحم الثقافة الغربية، و وضعته ونمَّته ليكتسب فيها دلالته لمدة تزيد عن ثلاثة

قرون، قبل أن ينتقل إلى التداول داخل الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

وقد شغل هذا المصطلح ساحات ثلاثة قرون، وشهد تحولات سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية وتكنولوجية ودينية، كان لها انعكاسها المباشر على الإنسان وعلى منظومته القيمية والاعتقادية، مما جعل من الحداثة قيمة فكرية، تعتبر تحولات البنى السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والنفسية دوافع تاريخية موضوعية لظهور الحداثة. فهذه التحولات ليست هي الحداثة في حد ذاتها، فهي ليست ثورة صناعية و تكنولوجية، ولكنها سبب منطقي في حشر الثورة في مسرح الحياة الشخصية والاجتماعية) ((9)) ....

معالم التجديد في الأدب الغربي:

سعى الأدباء الغربيون في الأدب، إلى تقديم طروحات أدبية جديدة، وتصدّر تلك الطروحات المحدثة منها مثال حيوي في تأثيره في تلك الحقبة وهو الأديب الإنجليزي جيمس جويس بروايته Ulses يوليسيس التي ترجمت إلى اللغة العربية، وهي رواية استحدث فيها جويس شخصيات قلقة، لها أفكار منحرفة تتضاد مع التقاليد والدين المسيحي، وتدعو إلى التحرر من القيم الاجتماعية الموروثة التي تحدّ من حرية الإنسان وتكبت رغباته، وكانت تلك الشخصيات غرائبية التكوين في وقتها لذلك أثارت التساؤل والمتابعة، وعرضت هذه الرواية أفكارًا تدعو للإباحية الجنسية والعلاقات المثلية والإنجاب خارج الزواج...

وكل هذا تحت دعوى تحرير الفرد من كل ما هو سابق من قيم ومعتقدات الماضي....

 وكانت تلك الرواية بوابة، حيث بدأ التجديد في الأدب يرافق التجديد في بنية المجتمع الفكرية، و الأهم من ذلك أن تتحقق السعادة للفرد، بأي وسيلة كانت . لاشك أن رواية يوليسيس كانت نقديًا رواية رائدة في بنائها الفني، وخاصة أن جويس استخدم مفردات من عشر لغات، وأدخل عشرات الشخصيات الجديدة، بأحداث شديدة التشويق، وقد كان جميس جويس رائداً باستخدام تكنيك - مسار الحوار الداخليٍStream of Consciousness وقد برع في هذا المنحى الجديد بروايته يوليسيس، وبعدها تبعته الكاتبة الانكليزية فرجينيا وولف في روايتها –

الطريق الى المنارة .........To the Lighthouse ولكن أحيانًا العبقريات الفذة تفشل في جوانب عدة، فتجلب الضرر للغير دون قصد أو تخطيط مسبق.....

الإضاءة (1)

من أخطبوط الحداثة

أين نحن العرب من الحداثة….؟… تحليل ذرائعي لمفاصل تلك الفترة المظلمة التي مرت بالعالم قاطبة"((10))

عند بحثي في موضوع الحداثة، التي تأكت أنها أخطبوط سياسي استعماري ليس له علاقة بالأدب إلا من منعطف الخداع والتورية والتدليس، بعدة أذرع أطلقته الامبريالية والمخابرات الأمريكية في قلب الأمة العربية، كبادرة لاستعمار فكري يسند الاستعمار السياسي الذي يعقبه احتلال عسكري أو هيمنة، فوقعت الحداثة بين أمرين متناقضين لا ثالث لهما، أمر دعاة الحداثة الذين يتكلمون عن الموضوع باحترام وبعمق فلسفي، وأمر الفريق الثاني المعارض لأفكار الحداثة، والذي فهم اللعبة وجذورها، لذلك فهو يتكلم بواقعية تامة وقد عرى الحداثة من كل أغطيتها الغربية، حين تكلم عنها كحقائق عارية مع الانتباه لاختلاف العالمين، الغربي الذي جاءت منه، والذي يتبنى أفكارها كثوابت بأخلاقية مغربة تعكس اتجاهات وأفكار المجتمعات الغربية بشكل واقعي، يتناقض مع طبيعة العالم العربي ذو المجتمع الإسلامي المتحفظ ...

وأنا أقف في الوسط، بميل ملحوظ مع الجانب الثاني، وعلي أن أبرهن صحة موقفي، فالعالم العربي يقبل التطور والحداثة والتحديث والتنوير بشغف وانبهار، لكن بمعزل عن الفساد الأخلاقي والهرطقة و الإلحاد والاستعمار السياسي والفكري والهيمنة السياسية والاستفلال الذي تحمله الحداثة بين طياتها المتعرجة، حين بات واضحاً وجلياً للمثقف العربي، وحتى لو أبعدنا الأمر عن التجذير السياسي، فتلك الأفكار المتمردة على الأخلاق، خُلقت ليس للعالم العربي الإسلامي المتحفظ والمُسوّر بدين كالدين الإسلامي، بل لعالم آخر يناقض تماماً الأفكار العربية الإسلامية بشكل مطلق، ومن ذلك يبرز لنا بوضوح أن تصدير الحداثة لنا بشكل مستنسخ هو أمر خاطئ وخطير، يخفي خلفه آلافًا من علامات الاستفهام والتعجب.....

قيل في أعلاه عن موضوع الحداثة الكثير، هي نهضة، هي ثورة شاملة في العالم الغربي في جميع النواحي والحالات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأدبية والنفسية والسياسية والدينية، بمعنى أنها تغيير إنساني شامل لمسيرة سكان المعمورة، وقيل أنها مذهب علماني و عقيدة أو حركة تغيير وتنوير في كل شيء قديم، انطلاقًا من الأسباب التي قيّدت الإنسان و تفكيره وصنعت الحروب والدمار، حتى وصل عدد القتلى إلى خمسين مليون ضحية غير الجرحى وأصحاب الإعاقة، وبعد الكوارث الإنسانية التي خلفتها الحربين العالميين الأولى والثانية،أصبحت الحالة في أوربا لا تطاق، واتجهت الأنظار وأصبع الإتهام نحو الكنيسة والدين والسياسة والأخلاق وكل شيء سابق للحرب، فحدثت عملية التغيير بشكل عنيف في بادئ الأمر…...وبنفس الطريقة التي صنعها معكوس الحداثة في العالم الغربي، وسبّب حربين عالميتين وكوارث لا تعد ولا تحصى، بالتأكيد ستفعلها الحداثة حتماً في العالم الشرقي، نستنتج من ذلك الخبث الغربي، بأنهم لم يصدروا لنا حداثة أدبية، بل موتًا ودمارًا طالهم وكوارث عصفت بهم، يمعنى أدق، أنهم صدّروا لنا أسباباً للانهيار والحروب التي حدثت عندهم، وثاروا هم عليها والتي يختلف حالها واتجاهها في مجتمعاتنا العربية بسبب الاختلاف السسيولوجي والسايكولوجي بين المجتمعين الغربي والعربي….

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا يفعلون ذلك…!؟…. وهل يعتقدون أن العرب أغبياء وسذج إلى هذه الدرجة….أم أن لديهم أهدافًا وأطماعًا أخرى تختبئ خلف الحداثة…!؟

 أعتقد و اعتبر الغرب أن العلم هو الأساس المقوّم لتلك الحركة ذات الأفكار التنويرية، وبه سيكون الأثر كبيرًا لتخليصهم من الظلام، وأول خطوة خطَوها هي التخلص من الإقطاع وبث العدل والمساواة والتخلص من طبقات المجتمع التي كانت سائدة في أوروبا في ذلك الزمن، لدرجة أنه ظهرت في فرنسا مقولة عنيفة لفولتير /اشنقوا آخر اقطاعي بأمعاء آخر قسيس /، وهذا المبدأ جعل الأصابع تتجه نحو الدين والسياسة والالتزام الأخلاقي، وهذا حق لا يلومهم فيه أحد....وهو غطاء مكشوف لأطماع نفعية يرومون الوصول إليها…

ولذلك جعلوا العلم بديلًا للخرافات والترهات التي فرضتها الكنيسة((11) )، لتجلي الأسباب القاسية التي حطمت عرى الحياة والسلام، فانحسرت الآمال وثقلت الأحمال على كاهل الإنسان الغربي، وكان لابد من القصاص من المسببين لتلك الكوارث، ويقع الحق على كلا الجهتين، الدينية والقديم من موروثات التخلف بالتحديد، فهي التي عملت بجد ونشاط وانحراف في رسم مخططات تلك المرحلة القاسية، وحمّلوها مهمة حفر قبور الضحايا بمعاول الحروب وصناعها ….

ومن الباحثين من جعل الحداثة ثورة، ومنهم من جعلها نهضة، ومنهم من حار في تعريفها ونعتها بالانزلاقية التي ليس من المستطاع مسكها وتحديد مسارها أو حتى تعريفها، وبرأيي المتواضع البسيط هي ثورة وتغيير وتنوير فعلي للعالم الغربي فقط، وليس لنا نحن سكان العالم الثالث، لأننا نملك ثروات كبيرة وكثيرة يسيل لها لعابهم عند النظر إليها، أو مجرد التفكير فيها، فلا نحتاج حداثتهم لتغيير عقولنا وأخلاقنا ...وهذه إشارة لأصل بدايتها الفعلية، بعد الحرب العالمية الأولى وليس في القرون الوسطى كما يدعي بعض الباحثين عن بداية نشوء مصطلح الحداثة....، ولا ينكر أحد ذلك في العالم الغربي والشرقي، ومن هنا، أتفق على أنها حركة تجديد وابتكار وتغيير وتنوير، بشرط لو حافظت على الجانب الأخلاقي، وابتعدت عن الجانب المنفعي والاستغلالي، وهذا الرأي منطلق من نظرة محايدة إنسانياً، لو أبعدت السلوك الإنساني عن ساحة الصراع وهذا التطور المادي البحت عند الغرب لكانت ثورة تغيير وتنوير فعلية….لكنها في حقيقة الأمر، بداية فعلية للهيمنة الامبريالية والاستعمار الفكري والسياسي والجغرافي والاقتصادي للبحث عن أسواق لتسويق منتجاتهم الصناعية....

ولم يكن رأيي في ضدٍ لمن ثار ضد الكنيسة، لكن في ضدٍ لمن ثار على المسجد والأخلاق، لأن الفرق واضح بين الكنيسة وتعصّبها، والنظرة الإسلامية للإنسان والأخلاق واحترامها، فلو أوردت مثالًا بسيطًا على الثورة ضد الدين و الأخلاق كما ينظر لهما أصحابها، على أنهما قيود لأصحاب الحداثة، وأن الدين يحدد التفكير بالشريعة والتعاليم الإسلامية، وأن الأخلاق تقيّد الإنسان بالهدوء والخجل - فلو كان نيوتن ملتزماً دينياً، مسيحياً أو حتى مسلماً، هل يمتنع عن تساؤله بسقوط التفاحة إلى الأعلى وليس إلى الأسفل؟!، وهل يكون ممتنعاً عن التفكير إذا كان مرتبطاً أخلاقياً؟ وهل يغلق الدين أو الأخلاق فكر الإنسان ويحاسبه على التفكير فيما يفيد البشرية...؟ بمعكوس الأمر، وهل سيحاسب الله العلماء على اكتشافاتهم العلمية التي استفادت منها البشرية لكونهم غير مرتبطين بالدين والعبادة وهو القائل بعملهم العبادي( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)، تساؤلات ميتافيزيقية كثيرة بمنطق علمي لا جدال فيه....!؟

ولماذا اتخذت الحداثة مفعول الأخلاق وتأثيره على التنوير والتحديث بشكل سلبي؟ وهل معكوس الأخلاق، أي الفساد في كل مجتمع هو حداثة ….!؟، وهل الانسلاخ عن الأخلاق هو وقوف ضد الحداثة والتنوير والحرية....؟ إن الأخلاق هي عماد الإنسانية وبدونها تنهار، وهي المحرك الأساسي للعدل، والمرتكز الأساسي للديمومة، و نقيض الفوضى والظلم والفساد، يبدو أن الحداثة جاءت كضربة على رأس الأخلاق، حين تاجرت بالعهر والانحراف والاستهتار كبديل، تصوروا أنها جعلت تهديم بناء الأسرة، وتفكيك عراها، هو نوع من التحرر وإزالة القهر القاسي عن الأبناء ….!؟.... معنى ذلك أن الحداثة خرجت تماماً عن العقلانية التي يدعي أصحابها أنها أهم المرتكزات لتلك الحركة، خصوصاً بالشأن المتعلق بتفكيك الأسرة و روابطها، فاعتبرت الأبوة والأخوة والأمومة قيودًا قاسية، تقييد الأبناء وزرع نقيضها، التيه بالشوارع والمواخير والخلاعة و التعري بربع الثياب أو خلعها تماماً، والسكر والعربدة والبغي، وتناول المخدرات والفشل والتفسخ هو حرية وانطلاق وحداثة، وصار انهيار الأسرة وتهديمها مبتغىً حداثيًّا، مع العلم أنها نواة المجتمع الأساسية، والتي اعتمدت عليها الدراسات النفسية والاجتماعية، وحتى العلمية، وعلم النفس برمته جعل التفكك الأسري والانحراف الجنسي هو السبب الحقيقي في جميع الجرائم والانحرافات والأمراض النفسية حسب قوانين سجموند فرويد النفسية....

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

..................

(1) الحداثة في الأدب المعاصر ـ هل انفض سامرها، د . محمد مصطفى هدارة، مجلة الحرس الوطني ربيع الآخر 1410 هـ .

(2) عوض القرني، الحداثة في ميزان الإسلام ص 47 .

(3) د.عدنان النحوي في كتابه الحداثة من منظور إسلامي ص 13

(4) مقال الدكتور محمد مصطفى – الحداثة في الادب العربي المعاصر

(5) محاضرة الحداثة والتراث د . محمد هدارة

(6) المرايا المحدبة (من البنيوية إلى التفكيك)، د. عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة، أبريل 1998، ص. انظر

 modernité-2-  و"modernisme" في: dicorobert Inc; Montréal Canada 1993، le petit Robert وفي universalis، France 1997، (CD) encyclopeadia

(7) نفس المصدر السابق 2

(8) الدكتور محمد خضر عريف - الجداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة- ص 11 و 12

(9)- modernité / une ambiguïté spectaculaire; universalis

(10)- نقصد بالإضاءة هنا الرأي الشخص لكاتب المقال أو البحث وهذا رأي قابل للنقاش

(11) Theses on the philosophy of histry،in walter Benjamin illumination.ed arendt.new yorkschocken 1969pp280.261

 

 

mohamad husanaldaghstani(ليس الشاعر صانعا ً بمعنى الصانع اليدوي، بل هو بمعنى أسمى بكثير، ذلك الشاعر أو الخلا ّق، رجل ٌ يجمع بين الأشياء وينفخ فيها الحياة، قوة الخلق هذه هي الإبداع) .. تشارلزت دويرتي

لا أجده ُ إمتيازاً إصرار بعض الزملاء على إدراج إسم قحطان الهرمزي (**) ضمن مسمى جماعة كركوك التي تبلورت تسميتها وأُلصقت بأشخاصها من قبل رواد عدد من مقاهي بغداد من المثقفين والكتاب والشعراء والصعاليك ستينيات القرن الماضي . فقحطان لم يكن منسجماً تماماً مع قناعات وأفكار ومحاولات زملاءه آنذاك في السياسة والأدب والحياة، فلقد كان ملتصقاً بمدينته كركوك، وحريصاً على جذوره القومية، ومخلصاً لنهجه الرومانسي في التعبير والكتابة، فيما كان أغلب نظراءه (الذين كان جلـّهم يلتقون على مفاهيم اليسارويجيدون اللغة الإنكليزية) يستلهمون أساليبهم من قراءاتهم وإطلاعهم على نماذج حديثة من الأدب الغربي، وكانوا يتطلعون الى تغيير البنية الأدبية والشعرية العراقية السائدة، بإتجاه القيم والأساليب الطاغية على الساحة الأدبية، وهذا ما أكده عرّاب الجماعة وفارسها القاص الكبير جليل القيسي فيما قاله بصراحة تامة : إننا كنا (نجيد اللغة الإنكليزية، ونقرأ الروايات ونتابع الادب الحديث الذي اثر كثيراً في كتاباتنا، وبدأنا نكتب الشعر، والقصة، والمسرح بطريقة جديدة لفت انتباه الوسط الادبي في بغداد، وراحوا يقولون عنا (هؤلاء يكتبون مثل الانكليز. . كتاباتهم غريبة، معقدة، وجديدة. .)(1) .

 ورغم أن الباحث المغربي الدكتور علي العلوي يرى أن الشعر الرومانسي العربي كان متأثراً الى حدٍ بعيد بمثيله الغربي لتماثل السمات العامة بينهما من قبيل سيطرة النزعة الذاتية على النص والإحتفاء بالنفس الإنسانية وتمجيد الألم الإنساني والذاتي واللجوء الى الطبيعة وتجديد أساليب التعبير وإبداع الصور الفنية الجديدة وتسخير اللغة الشعرية لتصوير الشحنات العاطفية المتدفقة في النفوس . (2) إلا أن قحطان الهرمزي كان متفقا تماما ً مع حامل جائزة نوبل للأداب الشاعر الإنكليزي (ت . س .أليوت) في ضرورة تو ظيف الحياة اليومية في الشعر أي التأكيد على بساطة المفردة الشعرية وإجتناب الغموض دون الإضرار بقوة الأسلوب وحيويته ورشاقته :

المرأة النبية القديسة تقف أمام الباب ..

وقلبي مكنسة صلاتها ..

تكنس بها، فتفوح ..

مع الغبار ..

رائحة جسدها التي تجيد لغاتي

وأنا أتدلى كقرطين مخمورين في أذنيها .

 ولعل أعجب ما في هذه السهولة إنها فعلاً تفيض شعرا، فالتعميمات البسيطة محتشدة بالمعاني المكثفة وبساطتها ليست ببساطة مصطنعة، ولا أظن أنه بإمكان أي شعرآخر أن يكون أبسط من ذلك ‘ فالمفردة عادية ومفهومة، ولكنها نضرة ومشرقة وتأسر الإنتباه .

 وفي مجموعته الشعرية (قصائد صافينازية)، يبدو هذا السلوك الشعري بينّاً ولا يحتاج الى كبير جهد لتأكيده، فهي نصوص تقطر بنداوة الرومانسية، وتسخر اللغة الشعرية لتصوير الشحنات العاطفية المتدفقة في نفس الشاعر، الذي يبذل جهدا كبيرا لإستمالة قلب معشوقته التائهة بين تداعيات أحزانه :

... نبية من قبيلتي

تخاطبني بلغتي

وتحاور الباطن من آناي

وتتجانس مع مكبوتاتي

وتتيه

بين تداعيات أحزاني .

 إن تمسك قحطان الهرمزي بالبساطة المتناهية وفي الوقت ذاته برشاقة إنتقاءاته للكلمة الشعرية، لم يكن على حساب خصائص الشعر الحر الفنية والمعنوية في التجديد في الإيقاع أو التشكيل الموسيقي، والاهتمام بتشكيل الصورة الشعرية، وتوظيف الرمز والأسطورة، واستحضار المدينة، والتعبير عن الاغتراب والتمرد، فها هو يستلهم من (صافيناز) التي هي توأمة (هيرودياد) أميرة الشاعر السريالي (مالرميه) إمكانات تحقيق هـدف ٍعسير المنال، لكن الذى بدا واضحا ً عبر الرحلة اليسـيرة الصـعبة في نصوص المجموعة الشعرية بأن الحب ذاته كان عصيا ً على الأقتناص، فالمحيط المفعم بالصــد، والمشحون بالقنوط، والمتلفح بالإعصــار والرحيل، هـو الذى رسم مرثية ً مبكرة لحكاية حب ٍ مفجعة ولدت في كفنها عبر شبكة أفعال عضوية توالت في بداية سطور النص، فأسهمت بالفعل في إضفاء جو سايكولوجي مثير على ضفاف الحدث، وابتدعت سلسلة من الصورالحية التي تنتقل برهافة شـديدة، وتعطي الزمن زخما ً عاليا ً عمّق لحظات الإنفعـال، من خلال تحويل (الأنا) الى (هي) حين يتكلم الشاعر بلغتها، ويشي برغباتها السادية، في التلذذ بتعذيب المعشوق ومن ثم هجره، وتستسلم في الوقت ذاته لدفء رؤاه المختمر في ذلك الفعل الدرامي رغم إصرار التجاهل الذى تبديه صافيناز دون مواربة ! . وهذا ما ينسجم مع ما ذهب إليه جبرا إبراهيم جبرا : (إذا أهملت المونولوغ والذروة والدراما وطبعا الاتجاه نحو الأسطورة والرمز فأنت تهمل مميزات الشعر الحديث)، لأن على الشاعر ان يكون مكتشفا بإستمرار، ويبتعد عن شراك التقرير والمباشرة الفجة .

 تقول صافيناز في النص الذي يحمل إســمها :

غادرته عندما كبرت أجنحتي

بعد أن أحكمته بالمسامير

على خشبة الصليب

جعلته يضمر يوما ً بعد يوم

وحرمّت عليه أثماري .

 لقد أدرك الشاعر بأن وله عاشقه وبوعيه المتنامي يسبب له المزيد من الكمد والحزن، فكان الإحساس بالضــياع ثمنا ً رهيبا ً عليه أن يؤديه، لأنه أحب فأخفق، ولأن الجــذر الذى إســتمد منه طاقات التعبير وقوة الديمومة مهدد بالجفاف ! . لكنه لا يتركه في محنة الذل المهين فهو يعود ليعيد ترتيب ذهن القارئ ويعطي دفقاً لرجولته المهدورة، فالهجر كان خياره هو أولاً رغم جرحه النازف :

فغدا ً صباحا ً

عندما تأتيك أنباء هجرتي

قولي : كان

حماما ًزارني يوما ً

يطلب مأوى

ولمّا لم أأبه به حمل جناحيه الكســيرين

وطار بجرح نازفٍ

بلا ضماد .

 لنتأمل في هذا النص، البنية الحية والمتنامية التي قامت عليها الصورة والآلية التي إستخدمها الهرمزي في تتابعها بحيث تجئ نابضة بالندية، ولكن لنتسائل عمن هجر الآخر وهذا نص (حكايات زرقاء) يبيح بالمكنون :

مترنحا ً، متعثرا ً.. يسقط وينهض

شوهد الشاعر

أمام باب الحان المغلق إلى الأبد

صافينازه تزوجــت دون إرادتها

وإرتحلت الى بلاد ٍ بعيدة

وقصائدها لم تعد تنشر ! .

 هنا نتوقف عند التناقض الظاهر في تركيبة الاحداث وأزاء ما يمكن إعتباره خرقاً لقانون وحدة الموضوع، فتارة ً (صافينازه تزوجت دون إرادتها) وأخرى (حرمتُ عليه ثماري)، فالبراءة المقصودة التي يضفيها الشاعر على سيدة الحدث لا تتناغم مع القسوة المتعمدة التي تباهت بها كثيرا، والفعل كما يبدو بينا ً قد إقترن بالإرادة، وهي بدورها جسدت مشاعر النفي المقصود لحب ٍ آسر ٍغمر الفؤاد وأضناه، عابقا بتجربة العشق الفريد رطباً بمياه الحياة الجارية ..

 ولا شك أن النتائج المترتبة على فقدان الوحدة الموضوعية لا يستهان بها في النص الشعري لتأثيرها المباشر على البناء الذهني كله وعلى إنسابية التوصيل، بمعنى أن النص يفقد رشاقته ويتحول من مضمون متنامي وحي الى هيكلية مشتتة، وهذا أيضا ً ما كان يتحاشاه الشاعر نفسه، لهذا فإنه سرعان ما عاد الى المربع الآمن، .. مربع الأمنيات الجريحة، برغم تصاعد الحدث وحدّته، فالعاشق كان لا يزال يحلم :

تذكري، ما زال صدري

هو مكانك الآمـن

وإعلمي إنني لن أتوب عن هواك

 ولأنه يصرعلى البقاء في قلب المعاناة عند ملتقى الأطراف المتناقضة، بل ولا يكتفِ بذلك وإنما يفجرّ دفقة ً من الســعير في وجه القارىء عبر إستلهام قصـة قيس بن الملوح المعروف بالمجنون عندما ذهبوا به إلى حج بيت الله لينسى حبه، فوجدوه يدعوا الله هناك (اللهم عمّق حب ليلى في قلبي) فأســقط في أيديهم !! فأنظروا تماثل الحالة والتناص بين الحدثين :

ولكي أنساك أبحث عن مكان ٍ

يكون الله لي أقرب ما يكون

فأجد نفســي أمام الحجر الأسود

أريد أن أقول : إلهي ساعدني كي أنسى

ولكني أجدني أدعو : إلهي زدنــي حبــــا ًبصافينازى !! .

 إن الإحساس المرّ بالوجع ظل يقارع سطور النصوص سطرأ بعد سطر، فالحب من طرف ٍ واحد كمدٌ متصل كجمرة متقدة تحت ركام الرماد، وهوحقيقة قائمة ومتجذرة في بنيان التشــكيل المدمى للمجموعة، خاصة بعد أن جعلنا الشاعر أن نتطلع بألم إلى هوة المأساة حيث النهاية المنطقية لحـب ٍ آسـر ٍ خسـر جولاته بفروسية نادرة !

وجنازة حبي محمولة على كتفي

أواريها التراب / فيصيبني صرع ٌ جنوني

فأقع مغشيا ً على قبر حبي

ثم أنهض منشطراً على نفسي

وأدور في كل أرجاء مدينتي كركوك

لكن عيوني ويا لمصيبتي

لا تلتقي بعيون صافيناز مرة ً أخرى ! .

 علينا أن نسلم بأن حشد الصورالفرعية المتتابعة والتي هي أشبه ما تكون بلقطات كاميرا فوتوغرافية سريعة والتي تشكل في النهاية الصورة الجمعية المتكاملة لهذا النص الرغيد والباذخ بالمشاعر، يدفعنا الى أن نلم بأطراف الحدث، ويؤشر لنا في الوقت ذاته قدرة قحطان الهرمزي على تعميق سمات التفاعل بين المفردات التي توفر أمام المتلقي شكلاً تراكمياً يعين النص على الإرتقاء الى مستوى عال من الحرفية والعاطفية معاً، وهكذا فإن الأفعال المضارعة (أوراي، أقع، أنهض، أدور) تمثل الحلقات المتسلسلة التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض، وتمنحه دفقة قوية بإتجاه الأخذ بزمام الأزمة الوجدانية، عبر تحقيق شرطي وحدة الموضوع والمكان وهما من أبرز سمات البنية الشعرية الحديثة .

 إن نصوص الهرمزي إبحارٌ مضني في بحر من الأحزان، ووســيلة تعبيرية من أهم

وسائل النفس لإطلاق مكنوناتها، وهي في ظاهرها ـ كما أسلفنا ـ تسخو بكلمات ومفردات بسيطة التركيب وسلسة وأحيانا هي أقرب ما تكون إلى حديث التعامل اليومي، لكنها تحقق في النهايــة تراكما ً وتداخلا ًنفسيا ً مركبا ً ومعقدا ً يصعب الإتيان بمثله لمن لا يملك موهبة الشاعر الفذة وخبرته العميقــــة، إنه يبني نفسه في أعماق الذات عبر تجانس الأبيات والنصوص، وأنه ينجح تماما ً في جعل السهل مثيرا ً للجدل، وحافزا ً للتفكير، في صيغة دينامية مؤثرة، بل وصعب المرتقى !!

 

محمد حسين الداغستاني

.............

(*) نشر في جريدة الزمان الدولية في عددها الصادر في 6 / 1/ 2016

(**) ولد في العام 1936 ونشـر الكثير من القصائد والقصص والمسرحيات في الصـــحف المحلـية والعربية، له عدد من المجاميع المطبوعة منها (أيام شديدة البؤس) و(نخب العالم المنهار) و(كسيح أمام المرقص) و(قارب في الصحراء) و(الخروج من الجنة) والأخيرة صدرت باللغة التركمانية، توفي في نيسان من العام 2009 م اثر نوبة قلبية مفاجئة وذلك اثناء مشاركته بمؤتمر في إسطنبول بتركيا .

(1) جليل القيسي في حوار مع نوزاد إبراهيم / موسوعة ميزوبوتاميا الدورية / العددان الخامس والسادس .

(2) الباحث المغربي الدكتور علي العلوي / كتابه (الشعر العربي الحديث: من الاتباع إلى الابتداع) / مطبوعات الهلال / وجدة ـ المغرب./ 2014

 

 

abdulrazaq odaalghalibiتصدر جنس بيني جديد بعنوان: المقطوعة السردية ..

ابتكار عبد الرزاق عوده الغالبي

مقدمة:

انطلاقاً من حركة التصحيح والتجديد والحفاظ على التراث الأدبي الرصين وعودة الجنس العربي الانيق، أقدّم مشروعي هذا لشرعنة جنس أدبي جديد، أسميته / المقطوعة السردية/. لذا أضع بحثي المتواضع بين أيد أمينة، أيادي اللجنة الموقرة لدراسته وإقراره، ووضعه كجنس أدبي بيني مستحدث أو جديد، ومن الله التوفيق . تم ارفاق ثلاثة امثلة من المقاطع السردية لاطلاع اعضاء اللجنة الموقرة عليها لإعطاء ملاحظاتهم بشكل تطبيقي حسب معطيات النظرية الذرائعية….

الحدود الجنسية للمقطوعة السردية:

1- الاسم: ارتأيت أن يكون اسم هذا الجنس المقطوعة أو المقطوعة السردية، لكونه مقطوعة متماسكة سردياً من حيث تعشيق المفردات بشكل جمالي يبرز صوراً متلاحقة .

2- أُخذ هذا الجنس كفرع مستقل من القص القصير، باختلاف بنائي، حيث أنه يجمع بين الخاطرة والقص .

3- يختفي في هذا الجنس البناء الفني، ويكون اختفاؤه متعمَّداً، حيث يذوب بشكل مُعشَّق بين جمل النص.

4- يمتاز هذا النص بتوالد متتالٍ للصور الجمالية والمعاني والأفكار بمجرى منسّق مدروس.

5- يمتاز هذا الجنس بارتفاع نسبي للبناء الجمالي، حيث يصل إلى نسبة %90 وأكثر بانزياح نحو الخيال والرمز.

6- يعتمد هذا الجنس على التعبير المفرداتي(الكلامي) أكثر من التعبير(الشخصيات)، بل تفهم الشخصنة من خلال صراع شفيف يظهره الجريان المنتظم الداخلي في ذهن الكاتب Stream of consciousness.

7- يعتمد هذا الجنس على مطلع مقالي ينضوي تحت نظرية الفن للفن (الأدب للأدب)، أي تقوم المفردات بواجب الصراع المفترض فوق ديباجة النص بشكل مخبوء وظاهر شفيف، وتُحسب كأنها صراع درامي بين شخصيات، هذه الشخصيات غير موجودة في الحقيقة وإنما تتجلى بتلميحات سردية (فانتازيا).

8- يميل بشكل عميق وليس إخباري نحو الخاطرة، وبنهاية قص، يستطيع الكاتب أن يخلق لوحة أو مقطوعة موسيقية بالكلمات، وينهيها بضربة فرشاة، أو بضربة نغم.

الأمثلة: المقطوعة السردية

1- تــيه في عينيها .. / عبد الرزاق عوده الغالبي

تسنّم الليل هامتها عباءةً، جاهداً في إخفاء ما أبدع الله، وما يؤسر النفس يناظر المألوف بحتمية الجمال ووقاحة العشق، ويبرز من وراء العتمة قسراً شماتة بخيبة الليل وعجزه حين أعلن انكساره عن إخفاء النور، رغم ركوبه العناد حصاناً والهواء سيفاً والحب جهاداً، ومع ذلك كله أخذ شهيداً حين غرة وأريق إحساسه بين محراب عينيها المتشاطئتين، يتنمّر الريح وتستأسد الأشجار لكي تطرد بقسوة وخباثة ليل العباءة الرابض فوق قيم الجمال، ولو عن جزء من قمرها المبدر حتى تضيء الدنيا وتنكشف الأسرار، ويتسارع العشاق بالنفور والاختباء، كل خلف قفاه أو أصبعه .. وهذا لؤم يستيقظ ليساند الخبث والوشاية والشماتة .. يقال - والعهدة على الراوي- القمر، بجلالة قدره، واشٍ ونمام ولئيم وشامت حين يكشف خبايا ليل العشاق بنوره، وأكثرهم يفضله هلالاً أو ينحسر .. ؟!

تتحرك غيمة بيضاء بغنج ودلال وهي تلاطف الضوء كي تخفي ما بان منه في زرقة السماء الصافية، ويفرض برادوكس الألوان انتصاره البهي، حتى يأخذ الهوس مكانه من الصراع المبتّل بندى الزهور وعبق الفجر المتحرك نحو الصباح، بحركة توّاقة متسارعة شوقاً إلى خيوط الشمس التي تهمّ بالنهوض من رقادها متكاسلة وهي تتثاءب بنحول، تستبشر الزهورُ والأوراقُ استهلالَ الخيرِ كي يمنحها فسحةً كافية لترتدي أطواق الجمال الرباني القادم من وجنتيها تحت تجوال خيوط الشمس الذهبية، وأسمح لوقاحتي بمهادنةِ الموقف، وأنسلّ بهدوء خلف أخيلتي أمرِّغ مقلي في ثرائها الثر، وأكتوي بنارها المثلجة، الكامنة تحت الرماد، أرفع رأسي في أفق السحر لأستوضح ما يحدث، وأجد نفسي سابحاً في أديمه وغيوم الأحاسيس المتناثرة هنا وهناك، وأتحرك بأثيرها وكأنّ أجنحة تأبطت خواصري وحملتني طائراً نحو احمرار الشفق حين بان، وكأنه سيف تعب قد عاد من حرب ضروس خاسرة، وهو يتستّر بغمده كي يخفي نار الهزيمة وعار الفشل .. ويطوّق كلَّ شيء حمرةٌ تعاند الشفاه لثغر عروس لا تحسن التبرج .. !

مضغةٌ من بريق تنعكس من وجهها البدري تجاري الشمس بهاءاَ تدفعني بقوة نحو قدرة الخالق في خلقه هذا المخلوق، وأنا أتمتم وأهمهم دون شعور:

 –" يا لخالقها من مهندس ماهر .. !؟"

 وتداخلت الأفكار في مخيلتي المثقلة، وبدأت تتصارع وتماطل بعضها البعض حتى أصبحتْ عبئاً ثقيلاً على عقلي، حين استعرضتُ كل حقد الدنيا وكأن ثأراً بين أفكاري وأحلامي اليقظة .. أظنّ بسوساً كونية قد استوت على مسالك الموقف واستولت على نواصي الأحاسيس ودقّت إسفيناً بين الوعي والخيال، كي أبقى شارداً كما أنا، حتى لاح في أفق فكري هِنّة من ضياع بين شتات نفسي المبعثرة حين داعبت نسمة عابرة أذني، ولفح عبقها الأسطوري أنفي، فتهت قليلاً بين أثير العبق ونعومة النسيم ونسيت بسوسي قليلاً .. وصحوت من غفلتي .. ! بحثت عن نفسي الضائعة، إبرة تحت قش عثرت عليها، آخر نفس، غارقة في فوضى عارمة من الانبهار .. بدأت أتلفت حولي كمجنون تائه .. أتساءل بغباوة وتيه:

- " من أنا .. أين أنا .. !؟"

خرس اللسان وباع الكلام ونضبت الأجوبة بغيابي أنا .. أنا ليس أنا، أنا لست هناك .. ! حتى وإن كنت، كتلة من حواس غارقة في أديم السحر، بعيدة عن الوعي تماماً، منشغلة بطوفان الألوان والعبق الذي يغطي الأرجاء .. ! .. أثير لا يشبه الواقع ولا الخيال .. شيء غريب يخطو قليلاً نحو النشوة والتلذذ، أخال نفسي تارة وهي تمصمص أصابعي وأخرى شفتي .. ! .. تمنيت بعمق ودناءة بشرية أن تطول غفلتي تلك وأنفلت كلياً من زمام اليقظة، حين سحبتني هذه المرة وبقوة موجات الطوفان نحو الوعي الكامل، وعنّفتني جميع أعضائي بشدة .. إلا حواسي اللعينة فلا تزال تسبح بالنشوى والخيال بعهر ووقاحة آدمية .. !؟

خجلت أن لمحت أعضائي وشتات أفكاري وحتى ضميري المزعج، وهي تنظر نحوي بعيون تكاد تفرّ من محاجرها، وجوه تملؤها علامات الاستفهام والترقب، فجمعت أوصال شتاتي وأجزاء شجاعتي الإنسانية المبعثرة فوق جدران وباحات مخيلتي، أصبو العودة نحو هيبتي لكي أصحو من طمعي الدنيوي هذا، بدأت حواسي تستيقظ وتتسارع وتحث بعضها البعض على النهوض تحت ضربات أعضائي المتناثرة، والتي لا تزال تحت ثقل التأثير السحري، تقدمتُ خطوات نحوها وأنا أضع كفي أمام وجهي لأستر قليلاً شدة الضوء القادم من شمس محياها المشرق، وعيناي نصف مفتوحة فهي لا تقوى على مجاراة النور الصاخب القادم من شعلتيها بجسارة، ارتطمت قدمي بشيء منها فأدركت أني في دائرة الخطر حين دق ناقوس الوصول وهتفت جميع حواسي بالانتصار .. مددت يدي حتى لامست أصابعي حريراً وبدء السحر يسري في جسدي تياراً مكهرباً، صُعِقتُ، وانزلق الواقع مني من جديد ..

2- بقايا من ذكريات / عبد الرزاق عوده الغالبي

تتهامس الأسارير وتستبشر الأعضاء حين تعود ذاكرتي فرحة تقلب صفحات من سنوات العمر الهاربة تجاه الأعماق، تتسع مساحات الابتسام والسعادة وتخطو ذاكرتي نحو أيام العز والخير فيتجمّد الإحساس فوق وسادة الزمن النائم في أحضان الماضي وهو ينظر إعجاباً، ويفرد أصابعَه معي ليعد دقائق أيام نابضة بالحب والخير والعرى الثقيلة التي مسحت من عصر الانهيار المصبوغ بلون ساكنيه وطباعهم المتقلبة، فيحمرّ تارة نحو الدم ويصفرّ أخرى نحو زعاف السم، اقتضب سفري في النزول حين لمحت مخيلتي صفحة عند قاع الذكريات مُعَلَّمة بخصوصية مفرطة، أثارت الحفيظة في جميع مكونات عقلي المنغلق عليها بحرص شديد في زاوية خاصة من زوايا هذا السجل العملاق، تغطي فترة خضراء من عمر تخطّى ركام الخمسين، توقّف الزمن عندها باحترام وصمت في محراب استهلال العمر، صفحة بيضاء نقية من شروطه وهذاره المقيت، استثار ذاكرتي حماساً مخضراً بالنشاط وحيوية التحليق بدقائقها من جديد بعيون مفتوحة انبهاراً وبحثاً في صفحاتها المشرقة عن ومضة من سعادة هنا وهناك، ونكزتني واحدة بوقاحة .. !

ترتدي دوماً مدينتي سماء زرقاء تعاند صفحة الفرات الصافية الطافحة بالخير، لوحة متخمة بألوان زاهية تحاكي الطبيعة جمالاً، تتراقص صفوف النخيل عليها وكأنها مغروسة فوق وجه الماء المزجج، انعكاس حي لجمال نشط مشرئب الأعناق بريشة رسام بارع لا زال يضع اللمسات الأخيرة من ألوان الطبيعة الضاحكة والمثقلة بالبهجة حين يخلطها ببراعة والفرح والسعادة والانبهار معاً، ليسرق العقول بلون أسطوري جذاب، يؤطِّر تلك اللوحة السرمدية، يهرع أبناء المحلة ليحتل كلّ مكانه منها أي مساء، ويتحرك كورنيش الفرات الرطب كرطوبة الرطب البرحي وحلاوة الكنطار الجنوبي مع أمل مؤكد بصيد وفير من سمك طازج، بني وكطان وشبوط تتطلّع إليه مواقيد النار المنتظرة صبراً وتوقاً في بيوت الأهل السعيدة، عشاءاً يطرد الشر والهم والكرب وتعب الكفاح اليومي، ويبهج الأسارير تحت نسمات الغروب المتجه نحو الليل المضيء ببشارات اللذة الذائبة في الأفواه المحملة بالأنغام والشعر وعسل الكلام ومذاق الطعام اللذيذ فوق مائدة الله ..

أرادها الله قلوباً عامرةً بالحب فهو يشاركها البهجة بكرمه اللامحدود حين يقذف الرزق نحوها بشكل عفوي غير محسوب من سنارة أو شبك صيد أو ثمر نخلة أو حقل بعيد عن السواد في الكسب، قوت يوم يكفي ويزيد حين كانت القناعة فينا كنزاً لا يفنى ولا ينضب، وتُقبَّل الكفوف وجهاً وقفاً، أخطو نحو السابعة في طرق الخمسينات، وأنا أرافق أخي الكبير أحمل سنارة الصيد وسلة من خوص نخلة منزلنا الباسقة وهي لا تزال شامخة، فسائلها ورثت بستاناً عامراً بالبواسق يظلل محلتنا حد الساعة، أضع فيها صيد رزقنا المنتظر والمؤكد بطيبة النفس وصفاء السريرة، نأخذ مكاناً منزوياً فوق لوحة الفرات العامرة بالحركة المعطرة بعبق الرزق الزكي ومتعة الصيد الحلال، بين نسمات المساء الفراتية الهادئة حين تتعشّق مع الصدور النظيفة والمترعة بالحب تحت ضوء القمر، يقال - والعهدة على الراوي - أن السمك يعشق ضوء القمر فيتكاتف في بقع الضوء الفضية ويسهل صيده في الأيام المقمرة وخصوصاً وقت العشاء وفي الساعات الأولى من الليل!؟ وتهزّ السمكة الأولى سنارتنا وتهتز معها قلوبنا فرحاً وغبطةً، طفلة سمك، صغيرة الحجم لا تتحمل نار الشواء ولا تسدّ رمق، أفلتها من السنارة وأقذفها في النهر تحت ضحكات محملة بالسعادة والرجاء بصيد جديد، وتأتي الأخرى بعد دقائق وكأننا ننتقي صيدنا من حوض جاهز مليء بالسمك، هذه المرة كبيرة تغطي العشاء لعائلتنا وحصة الجيران وتفيض عنها، ويحضر الرضا الموقف ونتجه نحو المنزل بقناعة الغنى ونحن نعوم بموجات من الفرح والغبطة.

وتبدأ رحلة أمي وتنورها، الشخصية الطينية الشامخة بكبرياء في زاوية خاصة من ساحة البيت الوسطى هو مشهد سومري مألوف في بيوتنا الخمسينية، منصب مرموق ومكانة راقية تحسده عليها جميع قطع الأثاث في البيت، وتنظر إليه بعين الغضب والغيرة، وتبدأ رائحة الخبز والشواء وعبق الرزق وصوت غناء التنور مع صفق الأرغفة بين يديها الخيّرَتين وكأنّها تصفّق فرحاً لهدف مدريدي .. ويتناغم مرأى دخان الشاي ورائحه خدره الجسرة في ساحة البيت المفتوحة مباشرة نحو السماء الصافية، يبدأ العشاء في هذا المشهد البهي تحت ضوء الفانوس والقمر والنجوم التي نعدّها أنا وأخوتي بعد العشاء مباشرة، أيهما يعدّ أكثر نجوماً هو الفائز، وتستمرّ تلك اللعبة حتى يغفو آخر طفل فينا، تحمله أمي نحو فراشه في جو عذري هادئ رطب خال من دخان العجلات وأصوات المراوح وأجهزة التبريد، حياة هانئة مختزلة مبسطة بحب الله والناس، تملؤها العفوية والصدق والبراءة والعلائق الراقية .. وشتان ما بين الأمس واليوم ..

3- العشق الرقمي / عبد الرزاق عوده الغالبي

 نوارس من غيوم تتناثر هنا وهناك فوق بساط أزرق مختوم بمصابيح بيضاء تتدلى من سقف قاعة رياضية أو ملعب كرة قدم، الكلّ يعدو وبكل الاتجاهات خلف سراب ودون بوصلة يقال عنه المستقبل، ومنهم من وسمه بالنجاح، وبساط أخضر يمتد من تحت أقدامي نحو مصير مغلق النهايات في زحام سنوات العمر .. وقعت وأنا أجري ولكن ليس ككل المرات، بدأت أبحث عن ذاتي برأس قلمي الخجل المكسور في حربه الخاسرة وحتى قبل أن تدور رحاها .. أربعة عقود ولاح جلالها بعد انتظار طويل، هيفاء .. صورة مرسومة بحرفنة فوق جدار الخيال ويقال أنه الواقع .. أنّى يكون كذلك .. أنا لم آلف واقعاً كهذا من قبل .. جبروت من نفي .. لاءات كبيرة، تمسك مستقيماً في بوابة الغرابة بجزء من حقيقة تنتحر بين حروف ضائعة، وآهات تتبعها دوماً هاءات متكررة .. برادوكس أزلي .. مغري مبهر ..

مرة حلمت أن أجد أخرى على ورق أبيض .. كينونة من أرقام بين طيات أثير تكتنفه هالة من ألوان وكلمتين .. وتقف صامتة أمام بوابات الشرع والقانون ومقصد، تحفر في ذاكرتي معاولاً، تمزّقني فوق صورة بلا حجاب .. وأنا واجم مبهور، استهلالاً أجد نفسي رخيصاً، وأخرى فوق سحابة تأخذني عميقاً في دهاليز الكبرياء نحو سابع أرض، حتى صرت شمعة انطفأت بين عميان .. بسوساً تتجدد فوق ذراعي، أن يرسمها القدر بقلم رصاص أو عدسة أو عين موبايل وقح، وتمرّ بين أثير الله ملايين منها، إلّا في بابي تتحجّر كلّ تماثيل العظماء .. ويتوالد المحال شعوباً وقبائل .. هو الحظ الأخضر أو نصيب تائه في ساحات التحفّظ والتطفّل .. انسحبت بنصف خسائر، وتوجّهت نحو نفسي وأنا أعرف أنها نفسي ..

 مسكت بتلابيبي وبدأت أصرخ في وجهي حتى كدت أقع على الأرض حنقاً وغضباً .. فلا أريد أن أخسر حربي وأنا أعرف، لا في الحرب من رابح .. هل تقف النفس في طابور الصبر والانتظار .. ؟ .. أليس هو جرح بليغ في خاصرتي .. أن يكون البعيد فوق قارّات الله قريباً بين العينين والحاجبين .. سكناً دائماً ..

تكسّرت كلُّ الأقلام فوق دفاتري، وتبعثرت كلُّ أوراق الكون فوق مقاصدي، غريب في العين حبيب في القلم، نهر في القلب يروي عطش العشق، أملكها وأحتل صدرها قلبين وعقلها عقلين نأى جسدها عنها وتاه في خيالي حلماً وردياً يسكن جناتي، قلم لا ينضب حبره، رسام ماهر، يستعطفني أحياناً ويستلطفني أخرى، يرسمها لي بأبهى صورة وشكل، طفلة تلعب فوق صدري برجل واحدة، تتهجأ اسمي بنبرات ضحكتها المكتوبة، ترفس في خاصرتي بعنف .. احتجزتني في مصباح علاء الدين مارداً خجولاً، سدّت كلّ منافذ المصباح عنّي إلّا من بصيص ضوء أحمر محجّب اختفى خلف زجاج مظلم ..

تيه في زحام آمال مائتة سلفاً، أحياناً بين أهرامات مصر تائهاً فوق بعير، وأخرى في باب السيدة زينب أبحث عن أمل وعن سكين أذبح أحلامي، أو غافياً على ضفّة الفرات اليسرى تحت باسقة، أسألها بكبرياء .. هل رأيت مدلّلتي .. ؟ .. تضحك نخلتي حتى تكاد تنقلب على قفاها .. تلتفت وهي تأخذ نفساً عميقاً وكأنها تشم عبير عنبر ورطباً وعبقاً فردوسياً عميقاً .. أرفع رأسي ويبدأ سفري غياباً في عالم ملون عجيب، نصفه محجوب عني، أسرار شهريار بين شفاه ثغر شهرزاد الأسطوري يخفي صفين من لؤلؤ فوق مدن الجمال وأروقة الانبهار، أحلّق طيراً في سموات لا أعلم، أتنقّل بين أناس لا أعرف، أتّبع خيطاً من نور يخرج من مقل تسحر، التصق فوق لساني سؤال يدفعني بعنف يصرخ في أذني " إلى أين؟" ألتفت كالمخبول وأتابع السير ولا أزال ملتصقاً في ذاك الغربال المؤسر .. !

وتعود نوارس الغيوم تتكاثف في السماء، وتخلق رعباً في جسدي الخادر في المشهد، دقّات كالرّعد، ضربات كالطّبل .. حروباً بين ملائكة الخير والشر .. طير لا أفقه ما يجري، كسر جناحي انفلت زمامي .. أسقط فوق صورتها كياناً رقمياً .. تتلقّفني عيناها وتلفّني أرقاماً فردية وأضيع بين طيات حجابها صفراً وإلى الأبد ..

لجنة إقرار الدراسات والبحوث برآسة الأستاذ عبد الرحمن الصوفي

1- الكتورة كريمة رحالي .. المغرب

2- الأستاذ عبد الرحمن الصوفي .. المغرب

3- الأستاذة ناديا صمدي .. المغرب

4- الأستاذ محمد الطايغ .. المغرب

5- الأستاذ مراد دروزي .. المغرب

6- الأستاذة مجيدة السباعي .. . المغرب

7- الأستاذ محمد لطفي .. المغرب

8- الأستاذة سميرة شرف السباعي .. المغرب

9- الأستاذة شامة المؤذن .. .ز المغرب

10- الأستاذ سعيد نعانع .. المغرب

11- الأستاذة ابتسام الخميري .. تونس

آراء اللجنة في المقطوعة السردية

1- رأي الدكتورة كريمة رحالي/ المغرب:

أولاً وقبل كل شيء يشرفني أن أكون عضوة مع نخبة من الأساتذة الأجلّاء لتقديم ملاحظاتي الأولية حول فن أدبي جديد. ويشرفني أكثر لكوني قارئة لعمل جليل لأستاذنا عبد الرزاق الذي نحييه على كل خطوة من خطواته الإيجابية التي ساهمت في النهوض بالأدب العربي المعاصر. وعند تتبعي للمقطوعة - والتي أجهل الكثير عنها كجنس أدبي مستحدث- ونحن نعلم جيدًا أن كل جديد أدبي يحدث ثورة قلبًا وقالبًا. وأنا لم أشأ أن أخضع ملاحظاتي للبحث والتوسع لأنني ارتأيت أن أسجل انطباعاتي المباشرة للعمل كقارئة جديدة له والتي أجملها فيما يلي:

 1- من حيث الشكل:

* لوحة سردية موسيقية.

* جمعت بين الخاطرة والقص.

* وجود عنصر الاستطراد الإيجابي في غياب البناء الفني. يتنقل فيه المبدع بانسيابية وينقل معه القارئ.

* هيمنة الوصف التجريدي والتجسيدي.

* التكثيف الرمزي وهيمنة الانزياحات.

* التركيز على جمالية اللغة والتصوير.

* المزاوجة بين الأسلوب الإنشائي والخبري.الأول يكشف عن انفعالات صاحب المقطوعة والثاني يكشف لنا معطيات واقعية مخبوءة .

2- على مستوى المضمون:

* تناول تجربة الغربة، غربة الذات في الكون والزمان والمكان.

* تعبير الذات عن مشاعرها ومواقفها من نفسها ومن العالم الخارجي.

* الجمع بين الهموم الذاتية والجماعية.

* تناول جدلية الصراع بين القديم والجديد وموقع الذات العربية بينهما.

استنتاج:

هذا المولود الجديد وجد فيه المبدع ضالته واستجاب لرغباته وطموحاته حيث فتح له مجال الحرية ليطلق العنان لقلمه ويعبر عن نفسه وواقعه بكل طلاقة، إلّا

أنني أرى أنه سيخلق أزمة تواصل بينه وبين القارئ العادي، بمعنى أنه موجّه إلى فئة معينة من القراء، فئة تستطيع استجلاء مخبوءاته لأنه غني بالإيحاءات وغارق في الرمزية، خصوصًا ونحن نعيش في عالمنا العربي أزمة القراءة. إلا أنني أراه - من زاوية أخرى- أنه عمل سيرفع من مستوى القارئ وسيشركه في العملية الإبداعية عن طريق البحث عن معانيه وأفكاره العميقة وفك رموزه.ويبقى الجديد ظاهرة ملفتة سيخلق جدلًا وسيحرك الأقلام لدراسته وإخضاعه للنقد والتحليل.

وشكرًا للكتور الغالبي المحترم على هذا النبوغ الأدبي الذي يجعلنا نفتخر بك وشكرًا أيضًا لأستاذنا عبد الرحمن الصوفي على منحه لنا هذه الفرصة الثمينة للخوض في مناقشات علمية التى لا شك ستكون استفادتنا منها كبيرة جدًا.لكما مني ألف تحية عطرة ولجميع الأساتذة الأعضاء.

2- رأي الأستاذ عبدالرحمن صوفي/ المغرب:

السلام على كل أخواننا وأخواتنا في اللجنة العلمية

لقد عرض على اللجنة العلمية لإقرار الدراسات التابع لحركة التصحيح والتجديد والابتكار جنس أدبي جديد أسماه صاحبه الدكتور عبدالرزاق عودة الغالبي ب .. المقطوعة السردية .. كجنس أدبي مستحدث، ومن خلال قراءتنا للنماذج المرفقة وتأنّي في إنتاج الرأي تبين لنا ما يلي:

1- ميل المقطوعة السردية إلى الخاطرة، وليس من الخاطرة وأنواعها سواء الخاطرة الطويلة أو الخاطرة المتوسطة أوالخاطرة أو القصيرة أو الخاطرة المموسقة .

2- تميل المقطوعة السردية إلى القص وليست من أنواع القص بكل أشكاله .

3- العمق على المستوى المضمون.

4- تبدأ المقطوعة السردية بالأسلوب البنائي للخاطرة .. وتنتهي بأسلوب القص ..

5- المفردات والألفاظ هي المحركة للصراع الداخلي للمقطوعة ..

6- تعبير متمحور بدرجة كبيرة حول المفردات أكثر من التركيز على التمحور حول الشخصيات النصية .

7- تميل المقطوعة السردية نحو الانزياح والخيال والرمز ..

8- نلاحظ أن الصور والمعاني تأخذ صبغة التتالي .

9- بناء المقطوعة السردية مختلف كل الاختلاف عن الخاطرة والقصة.

10- سرد صبغته التماسك والحبك ..

فمن خلال ملاحظاتي أقر المقطوعة السردية كجنس بيني (بين الخاطرة والقصة) من ابتكار عبدالرزاق عودة الغالبي .

اللجنة العلمية لإقرار الدراسات التابع لحركة التصحيح والتجديد في الابتكار في الأدب العربي

عبدالرحمان الصوفي - المغرب

3- رأي الأستاذة نادية صمدي / المغرب:

السلام عليكم .. بدوري أتقدم إلى الدكتور عبد الرزاق الغالبي المبدع صاحب الفضل بعد الله عز وجل بكامل امتناني له .. فقد أحدث لي زوبعة ذهنية جعلتني أنفض الغبار عن قلمي ليسطر بوضوح لمسار أدبي جديد وجدنا فيه ضالتنا .. صراحة رغم أني دارسة للأدب العربي فما كان يروقني النقد الأدبي والنظريات النقدية الغربية المعروفة .. لكن وبعد أن تعرفت على النظرية الذرائعية العربية التطبيقية والتي تهدف إلى دراسة النص الرصين واستجلاء ذرره القيمية شغفت بهذه الخطوة المباركة والله المستعان ..

قرأت المقطوعة السردية كما يحلو للدكتور أن يسميها .. وشرف لي أن أقرأ لعملاق أدبي فذ .. وأول ماتبادر إلى ذهني سؤالين .. لماذا؟ ولمن؟

لماذا هذا الجنس الأدبي الجديد؟ولمن نكتبه أو من المتلقي الذي سيستهويه هذا الجنس الجديد ؟

لن أتحدث عنه من حيث الشكل/القالب .. أوالمضمون / المحتوى.فقد وفى الدكتور في مقدمته وعرف الدكتور بهذا الجنس الوليد الذي يتموقع بين الخاطرة والقص .. وتتوالد فيه الصور الجمالية كمن ينظر إلى لوحة تشكيلية متداخلة الألوان يحاول أن يفك شفرتها ويقرأ دواخلها .. تصوير لواقع بانزياحات خيالية مكثفة ورموز ودلالات وتجريدات .. فكأنك تسافر بعيدًا، وتفصل جسدك عن روحك، فتحلق بهذه الأخيرة إلى أفق الخيال الواسع بكل حرية وأريحية ..

أرجع لأطرح السؤال من جديد .. لماذا هذا اللون الجديد؟ هل للاستمتاع والترفيه فقط .. أم لتخليص الذهن من وطأة الواقع المرير فنحرره فترات وكأنه في رياضة ذهنية .. وسؤالي الثاني لمن نكتب هذا اللون الجديد؟ هل لعامة القراء ولا أظن ذلك .. هل للناشئة الشباب وأغلبهم لا تغريه الكتابات التي تنزاح نحو الخيال والرمز التي تتعب مخيلته وهو الذي اعتاد مع التيكنولوحيا الحديثة على الموجود في الحقيقة وفي الواقع ..

إنما هو جنس أدبي جديد يغري محبي الحرف .. محبي الأدب بقراءته والاستمتاع به ..

شخصيًا راقني كثيرًا ..

4- رأي الأستاذ محمد الطايع/ المغرب:

من خلال النماذج التي قرأت، يمكنني القول، أن المقطوعة السردية، قصة قصيرة تعتمد الإيحاء والشاعرية، وذلك من خلال رسم صور فنية غاية في الجمال والبهاء، تنوب بذكاء عن تقنية السرد العادي، وتبلغك مايبلغك إياه السرد الواضح، من عقدة وحل وانفراج، وكذا توفر مايوفره السرد عموما من استمتاع وتفاعل وتأثير على القارئ ..

فعلا إنها جنس مستقل بذاته، وإن كانت خاضعة لجنس القصة بشكل أو بآخر، لما توفر لها من خيط حكي ناعم، ورغم شفافيته ونعومة تشكيله الدقيق، لاينقطع، بل يظل خيط السرد القصصي ظاهرًا، لكن كظهور الهلال في ليلة غائمة، إذ أن المقطوعة، تأخذك على محمل الاستمتاع دون أن تفتقد جسر الحكي الجاد، وهو بذلك أشبه بالهدية الماسية المغلفة بورق من حرير مرصع بنجوم عقيق تتلألأ، ومخملي أعشاب شديدة الفوح، لما تعتمده من تحفيز للمخيلة، وذلك من خلال سلسلة من الصور الشديدة الرهافة والتماسك، والتوليد المسترسل، فصيغة استنبات المفردات من بعضها، تعطي إحساسًا بضمان تتابع النسق، دونما حاجة للقلق بشأنه، فثمة عقدة وحل وانفراج، وتصاعد وصراع درامي مبطن، والمقطوعة انتُهجت بهذا نهج، القول السردي غير المباشر، تمامًا كالنظر إلى الأشياء على المرايا، أو على صفحة الماء، عالم يعتمد على صناعة زواياه وأبعاده، بتقنيات الحلم والإيحاء، فيغدو الرمز والخيال، والتشبيه والتصوير مبعث أحاسيس تخلف في نفس القارئ شعورًا بالاطمئنان، للفهم، والركون للمعنى المراد تبليغه، معنى هو في مخيلة الكاتب، خط شديد الوضوح، مما يمنحه القدرة على الاحتفاظ بوهج المضمون، أشبه بشعلة نار لاتنطفئ رغم برودة الجو وعصف الأنواء، لكن الكاتب يرفض أسلوب المباشرة، وتقنية التدقيق وكل هذا لكي يضمن انسياب الحروف، أشبه بمحارات كوكبية تسبح في عمق بحر من الرؤى اللا متناهية.

المقطوعة السردية، ابن شرعي مهذب ومطيع للسيدة القصة، أو جار لها، فهي استغراق نوعي في الذاتية، وهي مشاغبة لطيفة للمحسوس والملموس معًا، وهي أيضا جسد شديد الكثافة خفيف الوزن، كثير الإيحاء والإحالة على وصف كلما كثرت ألوانه، ازداد غوصًا في النفس وتأثيرًا فيها .

لم ألاحظ في المقطوعة السردية، شخصيات ثابتة ولاحوار، فقد كتبت بطريقة بعيدة عن الإنشائي والإخباري، فيها من جمال الخاطرة، ورهافة الشعر، وتماسك السرد، مايمنحها ذاتها المستقلة، فيحق لها بذلك أن تكون جنسًا أدبيًا متفردًا بذاته، محتفيًا بكيانه الخاص .

وكخلاصة يمكنني القول أن الكاتب الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، استطاع أن يأتي بجديد، مقبول ومرغوب، يمتاز بالقدرة على الانسلاخ نسبيًا عن الأجناس الأدبية الأخرى، وفيه من الإخلاص القدر الوافر للغة والهوية العربيتين، وهو

أيضا تمرد على العادي، الممل، المليء بالإطناب، والذي تفضحه سمات التصنع في تركيب المفردات، ونحت الصور.

المقطوعة السردية عمل يستحق الثناء، والإقرار بأنه جنس أدبي قائم بذاته ..

 5- رأي الاستاذ مراد دروزي/ المغرب:

المقطوعة السردية تبحث لنفسها عن موقع وموطئ قدم في ساحة الأجناس الأدبية الأخرى، هل هي حاجة أم ترف ؟ سؤال يفرض نفسه والساحة تعج بالكثير من النماذج الإبداعية ؟ هل المقطوعة السردية حصة من شيء أو جزء من سرد لم يكتمل نموه ؟ أم هي تعبير لحالة نفسية وجدانية ذهنية وسيلتها الكلمة الجميلة وضخ جملة من الصور الجمالية والمعاني .. ؟ أو هي انعكاس لتجربة واقعية يقف من خلفها المؤلف معيدًا، أخرج فصولها ضمن بناء جمالي يثوي خلفه أفكارًا قدت على مقاس إيحائي جدًا ورمزي جدًا وخفي جدًا وزئبقي جدًا .. والقليل من يحسنون سبر أغوارها، هذا إن وفقوا في ذلك لأنها صعبة الولوج، فهي مغرقة في الذاتية وخاصة جدًا .

من هنا أقول: إن المقطوعة السردية خاطرة بامتياز، ومايميزها أنها من تأليف الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي وقد أبدع فيها . علينا أن نطرح سؤالًا آخر، من أين تأتي الأجناس ؟ بكل بساطة من أجناس أدبية، والجنس الجديد هو دائمًا تحويل وتحوير لجنس أو عدة أجناس أدبية سابقة عن طريق الاجتهاد والتغيير والقلب والزخرفة والتوليف .. وهو عمل فانتازي أي تأليف وصياغة بشكل معين وفق خيال ورؤية المؤلف نفسه، وهذا ما برز بشكل واضح في [ تيه في عينيها - بقايا من ذكريات - العشق الرقمي ] نصوص جذابة تلمس واقعًا في قلوبنا فتجذبنا جذبًا لنعيش معها في أدق تفاصيل مشاعرها، من خلال أسلوبها الجميل الرائع جدًا وفيها قدر كبير من العمق والتركيز والغوص بين فجج النفس البشرية بدرجة انزياحية كبيرة جدًا يشق على مبتدئ مثلي سبر أغوارها السحيقة، فهي كمن يشرب ماء دون أن يذهب الظمأ .

 6- رأي الأستاذة مجيدة السباعي/ المغرب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بادىء ذي بدء أحيي الأديب المبدع القدير الدكتور عبد الرزاق الغالبي ألف تحية وسلام، فلايسعني إلا أن أقول ما شاء الله،وأنحني احترامًا أمام مقدرته الأدبية

الفذة هذه، وتفوقه في تركيب أساليب مدهشة ومعاني راقية وتراكيب تتدفق شلالات بهاء معتق.

والأروع أنه أهدى به لونًا أدبيًا جديدًا ارتأى أن يجعله بين القصة والومضة وما أروع أن ننوع في أساليب ترجمة أحاسيسنا وعواطفنا بمنحى جديد راق ساحر يكسر رتابة القديم . لكن أرى أن لهذا اللون الأدبي الجديد أسلوبٌ فلسفيٌ عميقٌ مغرقٌ في جمالية الكلم ورونق المعنى، وجدٌ موغل في الدلالة والترميز ومثقل بالإيحاءات كأنه مُهدى للنخبة من المثقفين الكبار فقط ..

سوف لن يجنح لقراءته في نظري إلا ثلة قليلة من القراء، وقد لاينهون أمام ظروف هذا الزمان المشاكس والحياة اليومية العسيرة.

فاللآلىء لايقتنيها إلا القلائل المميزين.!

7- رأي الأستاذ محمد لطفي/ المغرب:

أعترف أنه جنس أدبي، ينضاف إلى الأجناس الأدبية الفنية الأخرى، غير أنه ليس بالقصة وماهو بالخاطرة ولا هو بالومضة. يستحق أن نسميه بالمقطوعة السردية،لظهور وانسياب عنصر السرد فيه، فهو جنس أدبي قائم بذاته، ومستقل بذاته، لون فني منفتح قادر على استيعاب القضايا الوجدانية والمعرفية التي يعيشها الإنسان. قادر على استيعاب التطورات والمستجدات والايقاع السريع للحياة الراهنة .. المقطوعة السردية لون أدبي فني مبتكر هنيء لمبتكرها وله براءة الابتكار، إنه الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي.

8- رأي أستاذة سميرة شرف/ المغرب:

إذا كان الأدب عمومًا تعبيرًا عن ذات المبدع في إطار ذاتي وموضوعي يستمد مشروعيته من جدواه كأداة فعالة ضمن أدوات التنفيس للتثقيف والتوجيه والترفيه والإشراك .. فإنه لاشك أن الجنس الأدبي يدخل في إطار اختيارات المبدع لقناة تصريف إبداعه، ليجد له جمهورًا واسعًا يتفاعل معه بالاستحسان والترقب لمستجداته على الساحة.

وكل ما صدر عن الإنسان من إبداعات قادته إلى تصنيف الأجناس من واقع الضرورة إلى تحديد مجال الإتقان والتمكن من أدواته والبراعة فيه والولاء له .. فنجد الشعراء والروائيين والقصاصين والمسرحيين وأصحاب الخواطر والزجالين .. وكل منهم يحاول الوفاء لجنسه معتبرًا إياه رقعة بحدود معلومة وضوابط ممكنة لجودة إبداع تندثر كلما ابتعد عنها بالزيادة أو النقصان ..

وعندما نفكر في ابتكار جنس أدبي جديد فإن حتمية التوالد تتراءى في أفق المنظر لهذا الجنس .. إذ لن ينجبه لقيطًا ومن فراغ .. لابد له أيضًا من وعاء يحتويه واسم يشار به إليه في محاولة فرزه واستقلاليته عن الأجناس المتواجدة .. حسنًا (المقطوعة السردية) سأتناول بالتحليل هذه التسمية:

المقطوعة لفظ اشتقاق من عائلة القطع والاقتطاع والتقاطع والقطيعة .. وهي دالات تعود في حمولتها الى الجذر(قطع) فإن كانت (مقطوعة:وهو اسم مفعول)فقد مورس بها فعل القطع فصارت كذلك (مقطوعة) .. ويكفي هذا اللفظ ليتضح للمتلقي أن ما سيقرأه هو بعض من شيء ارتأى صاحب الابداع أن يغنيه عنه بما سيوفره له من عوامل التكثيف والزخم في السرد باعتباره ركيزة اساسية في التسمية(المقطوعة السردية) ..

وهنا ستفرض على المتلقي القديم لهذا الجنس الجديد مساءلة الاختيار نفسه عن قيمته الأدبية مهما بلغت جودتها في إقناعه أن ما يقرأه جنس جديد!!! فيهيم في قراءته في عوالمه المألوفة مما عرفه سابقًا على أنه أقصوصة أو خاطرة .. ولا شيء في(المقطوعة السردية) سينبئه أنه أمام جنس جديد اللهم انتزاع كم أكبر من إعجابه واستحسانه لجودة عمل ارتقى شيئًا ما عن المألوف لديه ..

سيكون لزامًا على المبدع لهذا الجنس أن يعلن عنه في دفة الكتاب إلى جانب اسمه دون الوثوق التام أن المتلقي سيستعذبه لأنه فقط (مقطوعة سردية) لأن خلفيته الثقافية مشبعة بالأجناس الثابتة لديه والواضحة أمامه دون حاجة له في خليط الأجناس ..

وأخيرًا هذا كله لا يمحو رغبة الدكتور الغالبي في إغناء الساحة الثقافية العربية بجنس جديد ينضاف إلى قائمة الأجناس والتي كما صنعت لها جمهورًا .. نطمح أن يولد هذا الجنس الجديد فئة تجد فيه ضالتها من متعة الإبداع المخلص لروح العصر والتي تسعى إلى السرعة والاختصار ..

9- رأي الأستاذة شامة المؤدن / المغرب:

السلام عليكم ورحمة الله

أتقدم بتحية خاصة للأديب الكبير والمبدع المتميز الناقد عبد الرزاق الغالبي .بالنسبة لهذا اللون أو الجنس الأدبي الجديد: المقطوعة السردية وبعد قراءتي المقاطع الثلاث أرى أنها تتموقع بين الخاطرة والقصة القصيرة. جاءت بلغة ثرية غير مستهلكة، غير متكررة وتعلن إبداع صاحبها. كتابة بها نوع من التميز والارتقاء باللغة لكنها غير قريبة للفهم للقارئ العادي. ستكون المقطوعة السردية ثورة حقيقية وفي صالح وخدمة اللغة العربية. وفقكم الله .

10- رأي الأستاذ سعيد نعانع/ المغرب:

أنا كذلك من جهتي أبارك وأقر بهذا النوع الجديد من السرد إلا وهو المقطوعة السردية لصاحبها الدكتور عبدالرزاق، وتمنياتي أن تحظى بالمباركة والتبني والانتشار كصنف بيني، بين الأقصوصة والخاطرة، فأنا أرى أنها تدمج أكثر من جنسين: الخاطرة والأقصوصة والمقامة والمقالة والرسالة مع كثرة المحسنات والانزياحات والأساليب البلاغية وكثرة المضامين والموضوعات في طرح متسلسل يراعي الانساق الفكرية والوجدانية، على أي، لكل طرح مآخذه وعلله وعلاته وسيتضح ذلك عبر الإنتاجات اللاحقة لهذا الجنس الأدبي، نتمنى للمقطوعة السردية آفاقًا واعدة في إثراء المجال الأدبي العربي والله ولي التوفيق.

11- رأي الأستاذة ابتسام الخميري/ تونس:

بخصوص المقطوعة السردية

لقد أطل علينا الدكتور الراقي عبد الرزاق الغالبي بجنس أدبي جديد من حيث التسمية .. ومنذ قراءة المقطوعات الثلاث نلحظ أن اللغة شاعرية منتقاة بحرفية كبيرة ولا عجب أن كاتبها قيمة ثابتة وفاعلة في عالم النقد والإبداع ..

تتسرب إلينا بسهولة غزارة الصور المتراوحة بين الشاعرية والواقعية .. فيحضر في الأذهان ما ذكره لنا الدكتور:مرسل غالح العجمي (أستاذ النقد الأدبي جامعة الكويت) حين عرج على القصة الكويتية .. فقال: القص بوصفه فعلًا سرديًا شاملًا في التجربة الإنسانية .. والقص شامل شمول الحكي في الحياة الإنسانية .. ثم اضاف ثلاث معايير: ماهو يتعلق بالحجم والزمن واللغة المستخدمة". ونحن نقرأ المقاطع نكاد نجزم أنها قصة حداثية خاصة، وأنه ظهر الجيل الثالث في تونس .. كما أوضح لنا د. محمد القاضي في دراسته:" إنشائية القصة القصيرة". بقوله: القصة القصيرة من حيث هي جنس حواري قادر على احتواء نصوص متنوعة .. من حيث هي تعبير نثري له بالشعر مشابه كثيرة .. إن التجاء القصة القصيرة إلى أسلوب التشبيه من خلال التركيب وأسلوب الاستعارة من خلال التماثل .. وأسلوب الكناية من خلال الحوار يغدو ركنًا أساسيًا من أركان أدبيتها .. ".

هكذا نتراجع عن القول بأننا أمام قصة وإن غلب السرد .. فما جنس هذه المقطوعات؟!؟

نجد أن الشروط غير مكتملة وإن تظهر لنا الفكرة واضحة حينًا غامضة أحيانًا أخرى .. كما نلحظ أن البناء الجمالي يغيب فيه السرد وإن بدا الحوار باطنيًا بين الشخصية المركزية ..

و نحن نبحر مع الجمل نستشعر قربها من الخاطرة .. من حيث التكثيف وكثرة المحسنات البديعية من صور واستعارات وكنايات .. لكنها تقطع مع الإيجاز والقصر .. وتجنح نحو بعض التفصيلات الفنية الخاصة ..

إذن بين السرد الجميل بلغة شاعرية مكثفة وتعدد الصور. تغلب أحيانًا الموسيقى الشعرية والانزياح نحو الرمز والخيال يغلب .. إلى جانب مقياس القوة الطاغي والجدة والابتكار ملموسين بقوة .. يجعل منها مقاطع سردية تنضاف إلى الأجناس الأدبية وقد يختص بها من له قدرات هائلة في التعبير والوصف واللعب بالكلمات إن صح القول ..

فهنيئاً للمبدع المتميز الناقد عبد الرزاق الغالبي بالمقطوعة السردية كجنس جديد ..

الخاتمة:

أتمنى أن أكون قد وفقت لما يخدم لغتنا العربية، وأدبنا العربي الراقي، بعيداً عن التقليد غير الواعي وغير المدروس لأجناس أدبية دخيلة وبعيدة كل البعد عن لغتنا الألفبائية (الهجائية) وخصوصياتها، وبذات الوقت نبين أن حركة التصحيح والتجديد والابتكار بكل مؤسساتها لا يقف حاجزاً ضد التجديد والابتكار، بل ستكون رائدة ومنتجة لعقول مترعة بالإبداع الأدبي ليست بحاجة للرطانة الأجنبية، شريطة أن تكون تلك العقول مرتكزة فكرياً على أسس وحدود علمية ونقدية بحتة، من منطلق أن النقد عرّاب الأدب، والأدب عرّاب المجتمع.

تحياتي وتقديري

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

karem merza2ذكرنا في الحلقة السابقة أنّ البحور المركبة المستعملة تسعة، ثلاثة ضمتها (دائرة المختلف)، وبقت لدينا ستة تحتويها (دائرة المشتبه)، والتي تحتوي أيضاً ثلاثة بحور مهملة، إذ يتشكل كلّ بحر من دائرة المشتبه من تفعيلتين مختلفتين، إحداهما ضعف الأخرى، مرتبتين بتنسيق معين في صدر البيت، وتتكرر التشكيلة نفسها في العجز، ولا تأتي بعض البحور منها إلا مجزوءة، قبل الدخول في عمق الموضوع، لنذكر شيئا عن الدائرة المدورة.

الدائرة الخامسة - المشتبه: لماذا سُميت بالمشتبه؟

 الجواب: لاشتباه أجزائها، أما أين يقع الاشتباه؟ فهذا من حقـّك أن تـسأل عنه، إذا لم تكن داراسا ً لها، أو باحثاً فيها .

 1 - الاشتباه يقع بين:

 (مسْتفـْعَلن) مجموعة الوتد، أي فيها وتد مجموع، وسببان خفيفان (مسْ تفْ علنْ /ه /ه //ه).

 - (علن //ه) وتد مجموع، و(مسْ /ه) و(تفْ /ه) سببان خفيفان .

وبين (مسْ تفـْعَ لنْ) مفروقة الوتد، أي فيها سببان خفيفان، ووتد مفروق (مسْ تفـْعَ لنْ /ه /ه/ /ه).

- (تفـْعَ /ه/) وتد مفروق، و(مسْ/ه) و(لنْ /ه) سببان خفيفان.

2 - والاشتباه يقع أيضا:

 بين (فاعلاتن) مجموعة الوتد.

وبين (فاعَ لا تن) مفروقة الوتد.

كيف؟!

(فاعلاتن) الاولى، تتشكل من (فا /ه) و(تنْ /ه)، وهما سببان خفيفان، و(علا //ه) وهو وتد مجموع.

وبين (فاعَ لاتن) الثانية، التي تتشكل من (لا /ه) و(تن /ه)، وهما سببان خفيفان، و(فاعَ /ه/)، وهو وتد مفروق.

تتشابه البحور التي يضمّها محيط هذه الدائرة في وحدة إيقاعاتها، لأنها تعتمد على نسق إيقاعي دائري واحد للحركات والسكنات، بل تتشابه أوتاد وأسباب أجزائها (تفعيلاتها)، كما هو الحال في (مسْتفْعلنْ) و(مسْتفْعَ لنْ)، وكذلك بين (فاعلاتنْ) و(فاعَ لاتن).

ولعلمك عزيزي:

1 - إذا نقلنا الوتد المجموع (علن) من آخر تفعيلة (مستفعلن /ه /ه //ه) إلى بدايتها تصبح (مفاعيلن //ه /ه /ه) .

 2 - وإذا نقلنا السبب الخفيف (لن) من آخر تفعيلة (مستفع لن /ه /ه/ /ه) إلى بداياتها تصبح (مفعولاتُ /ه /ه /ه/) (1) .

 إذاً التفعيلات المشكلة لهذه الدائرة هي:

مسْتفْعلنْ - مسْتفْعَ لنْ - مفاعيْلنْ - مفـْعولاتُ - فاعلاتنْ - فاعَ لاتن.

وأساس تكوين الدائرة:

سببان خفيفان فوتد مجموع، فمثلها مرة ثانية، فسببان خفيفان فوتد مفروق .(2)

/ه /ه //ه / ه /ه //ه /ه /ه / ه /

 خفيف1، خفيف 2، مجموع 1، خفيف 3، خفيف 4، مجموع 2، خفيف5، خفيف 6، مفروق1

دقق معي رجاء على رمزي الحرف المتحرك (/)، والساكن (ه) من مقطع لدائرة المشتبه أعلاه:

ا - - إذا بدأت بالسببين الخفيفين الأول والثاني (/ه /ه) ثم يأتي بعدهما الوتد المجموع (//ه)، صارت التفعيلة (/ه/ه//ه ...مسْتفْعلنْ).

ب - إذا بدأت بالإنشاد من السبب الخفيف 2 (/ه)، سيأتيك بعده الوتد المجموع 1 (//ه)، سبب خفيف رقم 3، فالتفعيلة صارت (/ه //ه /ه غاعلاتن) .

ج - وإذا شرعت بالغناء من الوتد المجموع رقم 1سيأتيك يببان خفيفان رقم 3 ورقم 4، فالتفعيلة تكون (//ه /ه /ه مفاعيلن).

د - وإذا بدأت غناءك بالسبب الخيف 5، غالسبب الخفيف 6، ثم يأتيك الوتد المفروق، فشكلت التفعيلة (/ه /ه /ه/ مفعولاتُ).

هـ - وإذا شرعت بالوتد المفروق رقم 1، ثم درت على السببين الخفيفين الأول والثاني، شكلت التفعيلة (فاع لاتن /ه/ /ه /ه) ...

وهكذا دواليت تتشكل التفعيلات، ومن التفعيلات البحور، ومن البحور الغناء والشدو والطرب والحفظ، ولا يجوز لك أن تبدأ بالساكن في أي دائرة، لأن العرب لا يبدأون كلامهم بالساكن، والسلام.

 كيف تشكّل التفعيلات البحور؟:

تفعيلات كل من:

 أولاً - السريع والمنسرح والمقتضب واحدة (مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ)، وينحصر الخلاف في ترتيب هذه التفعيلات.

أ - السريع: وزن البحر السريع بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ***مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ

شاهد البيت السريع التام:

يُوزِعْنَ فِي حَافَاتِهِ بِالأَبْوَالِ***فِي مَنْزِلٍ مُسْتَوْحَشٍ رَثِّ الحَالِ

وهذا البيت شاذ؛ لأن العرب لم تستعمله تاما صحيحا، بل استعملته مكشوف أو مكسوف العروض مطويها، وموقوف الضرب مطويه (مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُلا).

ب - المنسرح: وزن البحر المنسرح بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ*** مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ

الشاهد عليه:

إِنَّ ابْنَ زَيْدٍ لا زَاْلَ مُسْتَعْمِلا ***لِلْخَيْرِ يُفْشِيْ فِيْ مِصْرِهِ الْعُرُفَاْ

مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ*** مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُمُسْتَعِلُنْ

تفعيلة الضرب (آخر تفعيلات البيت)، حصل فيها زحاف الطي، أي حذف الساكن الرابع، فأصفحت التفعيلة مطوية (مُسْتَعِلُنْ)، وبقيت تفعيلات البيت سالمة، والطي جائز هنا، لا يعدُّ عيباً في الشعر .

ج - المقتضب: وزن البحر المقتضب بحسب الدائرة العروضية:

مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ***مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

بيت المقتضب التام:

يَا مَنْ حَالَ عَنْ عَهْدِنَا بَعْدَ الْوَفَا***كَمْ لاقَيْتَ لَوْ يُنْصِفُونَا فِي الهَوَى

استعملته العرب مجزوءا، مطوي العروض والضرب.

 ثانياً - الخفيف والمجتث والمتئد تفعيلاتها الخاصة (مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ) .

أ - الخفيف: وزن البحر الخفيف بحسب الدائرة العروضية:

فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ***فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ

شاهد البيت الخفيف التام:

حَلَّ أَهْلِي مَا بَيْنَ دُرْنَا فَبَادُوا*** لِي وَحَلَّتْ عُلْوِيَّةٌ بِالسِّخَالِ

ب - المجتث: وزن البحر المجتث بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِ لُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ***مُسْتَفْعِ لُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ

شاهد البيت المجتث التام:

صَدَّتْ وَحَالَتْ سُلَيْمَى يَا خَلِيلِي*** عَنْ عَهْدِنَا لَيْتَ شِعْرِي مَا دَهَاهَا

استعملته العرب مجزوءا.

 ج - المتئد ويسمى أيضاً بالغريب، وهو مهمل، وحسب دائرته العروضية:

فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِ لُنْ ****فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِ لُنْ

 كقول بعض المولدين:

مَا لِسَلْمَى فِي الْبَرَايَا مِنْ مُشْبِهٍ*** لا ولا الْبَدْرُ المُنِيرُ المُسْتَكْمَلُ

 ثالثاً - المضارع والمنسرد والمطرد أجزاؤها المختصة بها (مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ) .

أ - المضارع: وزن البحر المضارع بحسب الدائرة العروضية:

مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ مَفَاعِيْلُنْ***مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ مَفَاعِيْلُنْ

شاهد البيت المضارع التام:

أَرَى لَيْلَى يَا خَلِيلِي قَلَتْ وَصْلِي *** وَصَدَّتْ مِنْ بَعْدِمَا قَدْ سَبَتْ عَقْلِي

استعملته العرب مجزوءا، وهو بحر نادر، أورد شاهده الخليل.

 ب - المنسرد ويسمى بالقريب، وزن بحره كما جاء في دائرة المشتبه:

مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لاتُنْ ****مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لاتُنْ

و شاهد المنسرد، كقول بعض المولدين:

لَقَدْ نَادَيْتُ أَقْوَامًا حِينَ جَابُوا***وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرٍ لَوْ أَجَابُوا

ج - المطرد أوالمشاكل، وزنه كما جاء في دائرة المشتبه:

فَاعِ لاتُنْ مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ **** فَاعِ لاتُنْ مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ

 كقول بعض المولدين:

كُنْ مُجِيرِي مِنَ الأَشْجَانِ والكَرْبِ***مَنْ مُزيلِي مِنَ الإِبْعَادِ بالقُرْبِ

فذلكة الأقوال: مجموع البحور في دائرة المشتبه تسعة، ستة منها مستعملة، وثلاثة مهملة، والمهملة هي المتئد ووالمنسرد والمطرد .

 وسبب التسمية: وسُمِّيَت هذه الدائرة بهذا الاسم لاشتباه تفاعيلها؛ إذ تشتبه - كما أسلفنا - تفعيلة: (مُسْتَفْعِلُنْ) بـ (مُسْتَفْعِ لُنْ)، و(فَاْعِلاتُنْ) بـ (فَاْعِ لاتُنْ)، على الرغم من اختلاف عدد الأسباب والأوتاد فيها، وتفاعيلها سباعية هي:

مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِ لُنْ، فَاعِلاتُنْ، فَاعِ لاتُنْ، مَفَاعِيْلُنْ، مَفْعُولاتُ.

وإلى اللقاء في حلقات مقبلات، وكلُّ قريبٍ آت ..!!!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

raheem algharbawi2قصيدة النثر فن جمالي مؤثر بدأ ظهوره بعد عصر ما بعد الحداثة؛ ليعبِّر عن تطلعات وأحلام وآراء ومواقف ومشاعر بألوان شتى من الرؤى التي تفتح مغاليق الكون عبر استشراف عوالم الجمال في دنيا الشعور، وقصيدة النثر تمتلك جاذبية معينة من خلال المعنى أو ربما ما يحققه أسلوبها جمالياً أو أنَّها تكتنز بصور مدهشة، أم بإيقاعها المؤثِّر .

فالجمال عند الإغريق ارتبط بكل مايثير الإعجاب والتقدير سواء فيما يخص ميدان الحواس أو الخصائص الروحية، فمن تعريفات الجمال التي لاحصر لها، ولعلنا نؤسس لمقالنا التعريف المادي الحسي المجرد للجمال بأنَّه وحدة العلاقات الشكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا، ومنهم من يرى أن تتوافر في الجمال صفات أساسية في الشيء الجمالي وهذه الصفات تنحصر في مفاهيم: الكمال، والانسجام، والتوافق، ثم الوحدة، والتوازن الإيقاعي، والتباين، والتنوع، والنظام، والتناظر، والرشاقة .(1)

ولكون الجمال يرتبط بالفن الإنساني لإنتاجه وإبداعه، فقد ارتبط مفهوم الجمال الفني أيضاً بالبعد الميتافيزيقي كون الفن " محاولة إنسانية ذات طابع وجداني لتفسير الطبيعة والسيطرة عليها، إذ أصبح أسلوب الفنان أشبه باكتشاف أو محاولة غزو الطبيعة وفتح مغاليقها أمام عقله ومشاعره، بل ولإمتاع حاسته الجمالية "(2) ويبدو أنَّ لشعرائنا جمالاً روحياً ينتظمه على شكل إبداع تلقائي يجسد فيه الخصوصية التي تبذخ بها رؤاهم وإن كانت هواجس وأحاسيس تعبر عن مشاعر جياشة فيها الحلم والتفاؤل أو تباريح هوى يؤججها القلب الجموح، ومن بين هؤلاء الشعراء شاعرتنا المبدعة نيران التميمي التي تعزف سمفونية الجمال في فضاء مخيالها، فقد استطاعت أن تبث مفاتن الجمال بصوره المتنوعة، مازجة بين ملامحه الحسية والمعنوية، فهي تقول:

تعال، أميري

امسحْ السنينَ العجاف من مملكتي

فبعدَك قفلتُ أبوابي ونوافذي

فذبلتْ زهوري

وتغيرتْ ألواني

...

تعلَّمتُ عشقَ الليل

أدمنتُ أحلامي؛

لأرسم عينيك بنورِ اللقاء

فهل من لقاء ؟

نجدها ترسم بمشاعرها المتوهجة مملكةً وإيَّ مملكة تحتويها ! فهي ترسم صورة الحبيب أميراً، تخاطب الغائب كأنَّه حاضرٌ عندها؛ ليمسح السنين العجاف  فبعده قفلت أبواب قلبها، لتفتح طريقاً إلى قصرها الذي يمكن أن يدخله السفراء والمريدون وابناء شعبها وخدَمُها، وهي التي كانت تعيش الازدهار حيث كانت مزهرة الروح وهاجة الوضاءة من خلال تعبيرها الآني قبل أن تفقد كل ماهو جميل فيها؛ لتبني لنا من خلال ذلك جمالية الرسالة المنسجمة من حيث ترابط الفكرة ورسم الصورة ونقل وقائع الشعور حسب ما يضفيه عليها إحساسها، وهي تنتظر الغائب الحبيب؛ ليحيي فيها ذلك الموات .

ثم تنتقل لتخبرنا أنَّها تعلَّمت عشق الليل، فأدمنت الأحلام، وهي ترسم عين الحبيب بنور اللقاء؛ لتتساءل عن لقاء أيقنته مفقوداً .

ولعلَّ الشاعرة تتحدث عن أمرٍ أكبر من ذلك، وهو فقدان الأمل الذي يفتقده اليوم جلّ الشباب وهم يبحثون عنه عساه أن يشفع لهم ظلام أيامهم، ويحررهم من الذبول والقنوط والاغتراب في عصر يلج بالضغوطات التي جعلتهم يبحثون عن ملاذات آمنة فيها بصيص من الشعور بالسعادة المُفتقدَة .

وفي نصها الآخر تقول:

بين شرفات الليل تُولد قصص وتنتهي قصص

يعزف لحن حزين

ولحن عشق جديد

تنهمر دموع الوداع

وتُخلق ابتسامةٌ بريئةٌ !

تلك هي الحياة

بين عطاءٍ وسلب .

وهكذا ترى حياة الناس وهم ينازعون وجودهم بين قصص الليل التي تتنوع حكاياتها بين لحنٍ حزين، ولحن عشقٍ جديد حيث تنهمر دموع الوداع، فالتقابلات (لحن حزين وعشق جديد، دموع الوداع وابتسامة بريئة) تشكل لنا عقداً من التباينات والتناظرات، والانسجامات الإيقاعية فيما بينها، لتحدث لنا دهشة الجمال التي طرزتها لنا مشاعر الشاعرة نيران التميمي .

أما في نصها الثالث الذي تقول فيه:

كانت تنتظر فارسها

وقت السحر؛

لتعزف لحن الفراق

المحتَضِر،

بيد أنَّ عطرها يهفو، يفوح

بين نسمات السهر

كالليل،

يعانق غفوات السمر !

بحسِّها الرومانسي الخميل تعلن انتظارها وقت السحر إشارة منها إنها مازالت طول الليل ترقب ذلك الفارس إلا أنَّ وقت السحر كان محطتها الأخيرة من ذلك الليل وهو وقت الطمأنينة لهدوئه لكنه مصدر قلقٍ ؛ لأنَّ في أطرافه إذا ما انقضى انقضى معه الانتظار ودبَّ اليأس، لذلك جعلته وقت عزفٍ للفراق الذي بات يحتضر؛ ليبلغ مرحلة التلاشي، لكن بمفارقةٍ جميلة نرى أنَّ عطرها بات ينسلُّ ولادةً وهو يفوح بين نسمات السهر، فنجده يعانق المتخيَّل مثلما هو الليل الذي يعانق غفوات السهر، إذ نجد الألفاظ: (ينتظر، الفراق، المحتضر، غفوات) جميعها تدلُّ على غياب الأمل الذي ينتظره الانسان ويبقى ممعناً له أزماناً إلا إنه ليس من كوَّةٍ سوى الاستلاب والنجوى لما هو مجهول المصير .

يتضح أنَّ القصيدة وإن نطقت رؤيةً بسيطةً إلا أنَّها تحمل مع صبواتها أكاليل من الجمال الذي يحكي ريادة الانسجام والتنوع والنظام، ثم الكمال، فالفن حسب الناقد (كروتشه) يمثل انعكاس خيال الفنان وبصيرته على الواقع . وشاعرتنا نيران التميمي أجادت بمخيلتها لأن ترقى إلى روح الجمال من خلال القصيدة، وهي تحاكي واقعها إلا أنَّها تعلو بمخيلتها على شكليته؛ لتضفي عليه تشكيلات شعرية رسمتها لنا قدراتها الفنية الطامحة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

........................

(1) ينظر: معنى الفن، هربرت ريد: 37

(2) المصدر نفسه : 300

 

 

goma abdulah1- قصيدة الشاعر السماوي الكبير:

ندى من حجر

 

جَـزِعَــتْ مـن جَـزعـي نــفــسـي

وأضـنـانـي

عِــتـابـي لـلــعــتـابْ

 

فـأنـا بـتُّ ســؤالاً مُــبـهَــمـاً

يـنـبـشُ فـي مـقــبـرةِ الأيـامِ بـحـثـاً

عـن جـوابْ

 

نَـضُـبَـتْ قـارورةُ الـعـمـرِ

سـوى

بـعـضِ حُـبـابْ

 

ونـدىً مـن حَـجَـرٍ

شـجَّ زهـورَ الـلـوزِ فـي وادي الـمـرايـا

فـالـيـنـابـيـعُ لـهـيـبٌ

والـفـراشـاتُ صـخـورٌ

والــشــذا ظُـفـرٌ ونـابْ

 

فـلـمـاذا أتـشـظّـى

حـاسِــراً عـن قـلـقِ الـرحـلـةِ

مـا بـيـن ذهـابٍ وإيـابْ ؟

 

مـا الـذي تـخـسـرُهُ الـصـحـراءُ

لـو جَـفَّ الـسـرابْ؟

 

إنـنـي الأعـمـى

فـمـا الــضــرُّ إذا أظـلــمَ صُــبـحٌ

وإذا الـبـدرُ عـن الـمـقـلـةِ غـابْ ؟

 

أشــروقٌ مُـشـمِـسٌ دون غِــيـابْ؟

شَــيَّـعَـتْ أشـذاءَهـا الـوردةُ

واشــتـاقَ تـرابـي

لـلـتـرابْ

 

خَـدَعَـتـنـي صـهـوةُ الـلـذةِ فـي مـضـمـارِ

أحـلامِ الـشـبـابْ

 

وصـهـيـلـي بـيـن كـهـفٍ وبـسـاتـيـنَ

وصـحـراءٍ وغــابْ

 

سـيـدي .. مـولايَ

هـبْـنـي شِــربـةً مـن خـمـرةِ الـعـشـقِ

تَـقـيـنـي عـطـشَ الـروحِ لـكـأسٍ مـن شــرابْ

 

وأغِـثْـنـي مـن شـيـاطـيـنـي ..

أعِـدنـي لـلـتـرابْ

 

نـقـطـةً بـيـضـاءَ فـي آخـرِ سـطـرٍ مـن كـتـابـي

فـيَـمِـيـنـي الان تـخـشـى مـن يـسـاري

حـيـن تـأتـي بـالـكـتـابْ

 

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ

وأنْ أفـتـحَ بـابْ

 

لـحـبـيـبٍ

كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً

فـي غـيـابْ

***

× اريد ادخل مباشرة في القصيدة، دون ذكر مكانة الشاعر العملاقة، في سماء الشعر . اعتقد ان القصيدة حفلت بالمتجددات، في تقنيات الشاعر وتكتيكاته في اسلوبه التعبيري، الذي يحمل قوة تعبيرية مؤثرة، حافلة بالجمالية المتألقة، في فضاءات عالم الشعر، في قوة المستفزة من الايحاء البليغ في اشاراته، وفي رنين وقع الصدى في دلالتها الدالة . القصيدة حملت رؤية الاستنباط الداخلي والوجداني، في مشاعره الداخلية الملتهبة بنار التوجع والالم، وكشف ارهاصاتها الى الظاهر والمكشوف . في صراعها الداخلي وتصديره الى الخارج الظاهر، في رؤية المفارقة ومفاهيمها ومضامينها، في ناحية التعارض والاضداد والتضاد، في داخل الصورة الشعرية نفسها، ولكنه اتخذ منحى اخر في تعاطي صيغة مفهوم المفارقة، في منحى ابداعي متألق ومتجدد، لتسليط الصورة الكامنة في الذات، التي تشتعل في نارها وشدة وقوة خلجاتها المؤلمة، في صرخات الذات المؤلمة (جزعت من جزعي نفسي / وأضناني / عتابي للعتاب) . هذا الهم المؤلم وجد ناصيته التعبيرية، في المفارقة في دلالات المستفزة داخل الذات، وتسويقها او كشفها الى الظاهر العام، او الذات الواقع الموضوعية، في اسلوب تضاد بين المعنى الباطن، والمعنى الظاهر، في مبدأ التضاد، ليوصلنا ان المكتشف الحقيقي الدال، لعمق المؤثرات الداخلية، التي طفحت على السطح، في نمطية انماط الواقع، في صيغة الصراع الناشب، بين الداخل والخارج . لذا فان الادوات التعبيرية في اشارتها الدالة، في نسيج وبناء القصيدة المركبة، على ثنائية التعاطي والتعبير، في رسم معاني الصورة الشعرية، في تقنيات وتكتيكات شعر ية متجددة، ليدل الشاعر بأنه يظل يبحث عن محطات جديدة . تحمل وشائج التعبير البليغ، بصورة فنية من الجمالية الشعرية . لذلك جاءت القصيدة، حافلة برؤية المفارقة المتجددة، في مفارقتها الوجدانية والحياتية، المدوية في صراخات الالم والتوجع (فأنا بتُ سؤالاً مبهماً / ينبشُ في مقبرة الايام بحثاً) وعلى الواقع المتضاد ان يجد (عن جواب) . لاشك ان هناك تلاعب مبدع في صيغة المفارقة والتضاد، في ناحية معادلة التوازن، الذي عرفت به مفاهيم المفارقة (سلب . ايجاب)، حتى تكمل صيغة التوازن الدلالي . لكن السماوي يقلب معادلة التوازن الدالي، الى (سلب . سلب) (ما الذي تخسره الصحراء / لو جف السراب ؟) وهذا دأب السماوي، في تحويل نمطية قواعد الانماط والاشكال الشعرية، بخلقها بروحية جديدة، فهو الباحث والصياد، عن بؤر تعبيرية في تقنياتها الحديثة، يبحث عن اكثر مرفئ ضوء كاشف لدعم الجمالية الشعرية المتوهجة، في اشاراته الدالة في قوة التأثير التعبيري المؤثر، وقد برز الشاعر الجواهري الكبير، في تعاطي اسلوب المفارقة، في قصيدته العظيمة (نامي جياع الشعب نامي . حرستك آلهة الطعامِ) . وهذا يدل في صور القصيدة الكاشفة، قوة الجرح الداخلي وألمه الحارق، في دلالاته البليغة، ان تصرخ بكل قوتها في الالم الموجع . وفي طرفي التناقض في المفارقة (إنني اعمى / فما الضرر اذا أظلم صبح)، هذه الصورة الشعرية في مفاقة السماوي الجديدة (سلبية . سلبية) اي ان هناك تنافس في رؤية السلبية . منْ هو الاسوأ، العالم الداخلي أم العالم الخارجي؟ . ولكن لابد من الاشارة . في توظيف المفارقة، ليس سهلاً، تستلزم الامكانيات المتمكنة القديرة، وكذلك الفطنة والذكاء في التلاعب في طرفي التضاد، ان يحمل خبرة معمقة في اساليب الشعر وامكانياته، حتى لا ترد بشكل معكوس في صغة استخدام المفارقة، وتوظيف محسناتها . والسماوي عملاق في كل شيء . اللغة والبلاغة والشعر، وناصية الموهبة الملهمة والفذة، لذلك يطرق طرق التجديد والتحديث، بكل قدرة فائقة ومتمكنة . ان يجسد احاسيسه الوجدانية، في اي طريقة شعرية، متألقة في الابتكار التحديث . لذا فكان قديراً في ادارة صيغة المفارقة في شكلها الجديد، في طرفي الصراع والتعارض والتضاد . وجاء الاخلال في التوازن في معادلة صيغة المفارقة، في نصية الابداع الجميل، بهذه الصور الناطقة بالف صوت واحساس يمور في نيرانه الداخلية

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ

وأنْ أفـتـحَ بـابْ

لـحـبـيـبٍ

كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً

فـي غـيـابْ

اقول لقد كان السماوي اميناً في نقل رسالة الوحي الشعري، الذي هبط عليه لدقائق معدودة، ورتل هذه القصيدة الملهمة من الالهام الشعري . واقول كان السماوي اميناً، في نقل الرسالة، دون تعديل وشطب، دون تغيير وحذف، وكانت مجلجلة في قوتها التعبيرية الدالة

ودمت في صحة وعافية والشفاء العاجل والتام

 

جمعة عبدالله

 

 

abdulrazaq odaalghalibiحتمية انحسار الحداثة تحت الضغط الذرائعي وعودة الاجناس الأدبية! .. تحليل ذرائعي لتلك الفترة المظلمة

ظهور الأجناس البينيّة الجديدة:

 و مهما كانت قوة تلك الهجمات الشرسة لفترتي الحداثة وما بعد الحداثة  بمقياس عال من الفوضى والتشتيت، فإنها لم تطرح النص الأدبي العربي أرضاً، بل بالعكس زادته قوة ورصانة على مواجهتها،  ونتج في تلك الفترة إبداعات كثيرة على ساحات الأدب العربي، بعد تغيير اتجاه هجمة الحداثة وتطويعها ومعطيات الأدب العربي، فقد تمت الاستفادة من جميع المعطيات التي جلبتها الحداثة وما بعدها، وإدخالها للأدب العربي بشكل إبداعي ينسجم وفكر الإنسان العربي، لم تجنِ تلك الفترة شيئًا من التخريب الجنسي في أجناس الأدب العربي، بل بقي العرب محافظين على أجناس أعمالهم الأدبية كالقريض ولم تستطع أيدي الرطانة العابثة ، الوصول إليه بل بالعكس، الأدب العربي هو من سخّرها لتضيء الكثير من جوانبه المظلمة، وأخذ منها الشعر الحر وطوره باتجاه الشعر الوسيط  والقصيدة النثرية..

وقد حدث أمر مهم جدًا في نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في منتصف العام ٢٠١٧ اكتشف المنهج الذرائعي الذي يحمل المعاني الأدبية المؤجلة من قبل (بد الرزاق عوده الغالبي)، ومكنه الله من الاهتداء إلى النظرية الذرائعية التي انطلقت قبل أشهر(20/5/2017) قلائل في مصر بكتابه الموسوم/ (الذرائعية في التطبيق/) () الذي طبقت فيه الناقدة السورية عبير خالد يحيي في نصوص وإصدارات مختلفة لشعراء وكتّاب كبار من مختلف الدول العربية..

وقد انبثقت عن النظرية الذرائعية في أواخر عام  2017 نظرية جديدة له والتي سماها (نظرية الأجناس البينية) وقد ظهرت خلالها أربعة أجناس بينية لحد الآن وهي:

1- القصيدة الثلاثية (3 ×3) ابتكار الدكتور حسن عوفي .. العراق

2- الموقف المقالي.. ابتكار عبد الرزاق عوده الغالبي.. العراق

3- المقطوعة السردية.. ابتكار عبد الرزاق عوده الغالبي.. العراق

4- والحوارية .. ابتكار الدكتورة عبير خالد يحيى..سوريا

 وتلك الأجناس البينية الجديدة هي وليدة لمقدرة المنهج الذرائعي على تحديد حدود الأجناس الأدبية الأصلية بدقة، وإمكانية اختراقها، كما مبين في الجدول في الشكل رقم (٥) والاشكال التالية ، فهي تتناول أجناسًا أدبية أقدامها في الواقع، وبقية أجسادها في الخيال فلا يرى منها المتلقي العادي سوى ما يراه بحقيقة بصره ومتناول فكره وبصيرته، وهو أقل ما يمكن، أما الأديب فيرى جسد الجنس الأدبي كاملًا بقدر إبداعه في إجادته الانزياح الخيالي والرمزي، و نحو تلك العوالم حين يسافر في غياهب هذا الخيال الساحر، علينا أن نتعرف على الحدود الجنسية المهمة والظاهرة لنا في الواقع على الأقل في الفصول القادمة ..

وقد شجعني هذا الإنجاز، الذي قوبل بالترحيب من بعض المجتمعات المثقفة كجامعة ستراتفورد الأمريكية في الهند، والتي منحتني والمطبقة الناقدة الذرائعية عبير خالد يحيي شهادة الدكتوراه الفخرية بعلم النقد، وكذلك تبنت النظرية الذرائعية مؤسسة الكرمة الثقافية في مصر، وهي من طبعت الكتاب الذي يحملها بين طياته (الذرائعية في التطبيق)، وقد تبنته المؤسسات الثقافية في المغرب وفتحت مدرسة لتعليم الذرائعية تسمى (مدرسة النقد الذرائعي الجديدة)، وقد قادت الحركة المكثفة في النقد الذرائعي التي قرر أتباعها وروادها وضع النهاية الحتمية للفوضى والتشكيك والتغريب والتجريب والتخريب والتفكيك  التي سببتها الهجمة الامبريالية التي سميت بالحداثة وما بعد الحداثة، وتشكيل حركة تصحيح أدبية، وقد سميت تلك الحركة الصادمة للحداثة وما بعدها (بحركة التصحيح والتجديد والابتكار) في الأدب العربي..

الهدف من تأسيس حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي، هي حركة ذرائعية تتابع الأدب العربي الرسالي الرصين الذي يخدم المجتمع العربي ، ومن أهدافها الرئيسية:

 1- إعادة الهيبة للشعر القريض،

2-  اعادة هيبة الأدب العربي الرصين،

3- اعادة الأجناس العربية الجميلة التي هجرها الأدباء في الحقبة السابقة للحركة الذرائعية، والتي أطلق عليها الباحثون فترة ما بعد الحداثة والمحصورة بين ١٩٧٠ و ١٩٩٠ التي هجر أتباعها الأجناس الأدبية العربية، بعد التعرض لهجمات عديدة وحركات تروم الانتقاص من هيبة الأدب العربي  التراثية والتعويض عنها بالنص والتناص.

4-  الثورة على  خصائص الحداثة وما بعد الحداثة اللاأخلاقية، التي ضربت الأجناس الادبية، ونشرت الفوضى في الأدب العربي، فصار النص العربي مستهدفًا،

5-  أجهضت حركة التصحيح والتجديد والابتكار التي تبنت المنهج الذرائعي بنظريته النقدية الذرائعية الكثير من المحاولات للنيل من الأجناس العربية المؤطرة، من جميع النواحي في الشكل والمضمون للنص العربي، الذي همشته جميع النظريات والمذاهب الأدبية الأجنبية المادية،

6- القضاء على تصحّر الساحة النقدية فجاءت النظرية الذرائعية ، صفعة قوية على وجه جميع النظريات التي أهملت نصوصنا العربية الرائعة، وكانت الحجة لهذا التهميش واهية تتلخص بكون النص العربي ينتمي لاصعب لغة بين جميع لغات العالم، ولم يحسبوا أنها أجمل لغات العالم قاطبة في الشكل والمضمون والتعبير..

وبعد اكتشاف المنهج الذرائعي الذي بنيت عليه النظرية العربية الذرائعية الخالصة، صار لنا الحق أن ندافع عن نصوصنا العربية المقدسة، وكتابنا المقدس، وعن تراثنا العربي اللغوي، فقد قمت بتأسيس (حركة التصحيح والتجديد والابتكار) لإعطاء هذا التغيير البداية على الساحة العربية، مع من ساندوني من مؤسسين يربطهم بالحركة الوفاء والحب والإخلاص للغة الضاد  وكما يلي:

هيكلية حركة التصحيح والتجديد والابتكار

• اللجنة الرأسية: تتكون من ثلاث أشخاص يشترط أن تكون من أقطار عربية مختلفة:

- عبد الرزاق عوده الغالبي .. العراق..المؤسس.. رئيسًا

- الدكتورة عبير خالد يحيي.. سوريا.. نائبًا

- الأستاذ عبد الرحمن الصوفي.. المغرب.. نائبًا

• الأعضاء: توزعوا كلجان متعاقبة تعمل بجدية ونشاط وإخلاص ووفاء لإقرار البحوث والدراسات والأجناس البينية المقدمة من قبل الباحثين، والتي ستقدم مستقبلًا للحركة ويعتبر هؤلاء الأعضاء هم مؤسسو الحركة الشرعيون وهم:

- الدكتور محمود حسن رئيس مجلس أمناء مؤسسة الكرمة .. مصر.. عضواً

- الدكتورة ليلى الخفاجي السامرائي .. العراق..عضواً

- الدكتور حسين عوفي.. العراق.. عضواً

- الدكتور عمارة ابراهيم.. مصر..  عضواً

- الدكتور فوزي الطائي.. العراق..عضواً

- الدكتورة رانيا الوردي.. مصر.. عضواً

- الأستاذ عثمان الطيب.. المغرب..عضواً

- الأستاذ محمد الطايع.. المغرب.. عضواً

- الأستاذة سميرة شرف السباعي.. المغرب.. عضواً

- الأستاذ محمد بوعمران.. المغرب.. عضواً

- الأستاذ محمد لطفي .. المغرب..عضواً

- الدكتورة أفكار زكي.. مصر..عضوا

- الأستاذة صفا شريف.. لبنان..عضواً

- الدكتور عبد الحكم العلامي.. مصر..عضواً

- الدكتور عزوز اسماعيل سالم.. مصر..عضواً

- الأستاذ محمد فزاري..المغرب. ..عضواً

- الاستاذة مجيدة السباعي..المغرب.. عضواً

- الاستاذة شامة المؤذن..المغرب.. عضواً

- الاستاذ  مراد دغوزي..المغرب.. عضواً

- الاستاذة ابتسام خميري..تونس.. عضواً

- الدكتور عمر الشاعر ابو محمد.. المغرب.. عضواً

- الاستاذة ناديا صمدي..المغرب.. عضواً

- الاستاذ عبد الله الحياني..اسبانيا.. عضواً

- الأستاذ فريد امهاوش..بروكسل.. عضواً

- الأستاذعمر العتيق..المغرب.. عضواً

-

كلمة أخيرة في بدعة الحداثة لابد من قولها:

لقد كتب الكثير من الباحثين عن الحداثة، وغالوا في الأمر وأعطوها أسماء كبيرة:مذهب وثورة وحركة، وتغيير وتنوير وتحديث وتجديد..  وكانوا على وشك أن

يجعلوها ديناً جديداً ، لولا قول الرسول محمد (ص) لا نبي بعدي، وأن محمداً هو خاتم النبيين والرسل، لكن، الغريب في الأمر أن كل من أعطاها  تلك الأسماء الكبيرة نسي أو تناسى اعطاء أو ذكر اسم مؤسسها إما جهلاً أو عمداً..!  فمن أعطاها اسم مذهب نسي أن يذكر أنها مذهب خامس، ولم يذكر من هو صاحبه وأتباعه، ومن أعطاها اسم الثورة أيضاً عليه أن يذكر من هو الثائر أو قائد الثورة.. وأنا أعتبر أن ما يحدث هو نوع من المغالاة بسبب الانبهار والتبعية الأجنبية..وهذا شيء معروف لكتابنا وباحثينا العرب، تحكمهم المغالاة والتبجح بمنجزات الغرب كجزء من الانبهار بموروثاتهم و مخترعاتهم، لكني أظن -وأعتقد أن ظني مؤكدٌ-  أن الدول الغربية جميعًا، قد تختلف فيما بينها بأشياء كثيرة، لكنها تلتقي بعاملين مهمين هما:

• عامل المادية:

إن جميع الدول الغربية هي دول مادية في منظورها وإيمانها ونظرتها للحياة، فهي لا تنظر نحو الواقع الإنساني إلا بمنظور مادي  بعيد عن الدين والمعتقدات والموروثات الثيولوجية، تحمل نظرتهم للأشياء بالمنطق  بالميتافيزيقي والعلماني البحت، حتى وإن كان أحدهم مؤمنًا بالوحدانية الإلهية، وتلك النظرة العلمانية تقود حتمًا للعامل الثاني:

• عامل المنفعة:

العالم الغربي عموماً يلهث خلف المصالح ، ويسعى بشكل جذري نحو المنفعة وهي أهم مرتكزات المادية لديه ، سوى كان من ناحية ماركسية كالمعسكر الاشتراكي، أو رأسمالية إن كان المعسكر الرأسمالي ، لذلك عندما وجدوا أن الدين قد صار عائقًا أمام  المنفعة ، فضربوه بإطلاق بدعة مادية، أعطوها تسمية الحداثة، فالحداثة هي في الأصل والمنشأ موجة مادية أطلقتها المخابرات الأمريكية، ترمي اللهاث وراء المنفعة بأسلوب استعماري جديد أو احتلال عسكري مقيت ، والحداثة هي الأم الحنون للاستعمار الحديث والدليل على ذلك هو:

أن جميع الذين كتبوا عن الحداثة  وأعطوها أسماءً كبيرة لم يذكروا أصلها لا بتجذير فلسفي ولا بتأصيل مصدري، ويفترض من هؤلاء الباحثون ، أن يكونوا أكثر دقة وأمانة علمية، وعلى الأقل ليتأثروا بمادية من يكتبون عنهم، ويدركوا أن الغرب يؤمنون بمبدأ (لا يخلق الشيء من العدم) ولكل  شيء أصل وخالق، وتلك هي ملاحقة ماورائية، فلماذا لا يسألون أنفسهم من أطلق الحداثة ..ولماذا..؟!؟

ولو عرفنا إجابة هذا السؤال بدقة وعلمية حينها سندرك أن الحداثة فعلا كما وصفها أصحابها، تنوير وتجديد وإضاءة وثورة ومذهب، لأننا حينها عرفنا من يكون وراءها، ومن جهة أخرى، فلو أخفقنا بإجابة هذا السؤال ولم نعرف مطلقها، إذًا هي هجمة استعمارية بحتة، مفهومها الهيمنة الامبريالية للقضاء على أحلام الشعوب واستعبادها بقصد المنفعة والنهب والسلب، وقد أطلقتها القوة الامبريالية المهيمنة والجاثمة على أنفاس الشعوب المستضعفة، وها نحن نعيش انتعاشها وتنويرها وإضاءتها الدموية بالتفجيرات المستمرة في شوارعنا العربية ، بعد أن أوغل فينا أصحابها المتنورين قتلًا و ذبحاً وإبادة جماعية، أليس تلك  هي الحقيقة  الدامغة يا مثقفي الحداثة ..؟ إذًا اشبعوا بما رزقكم الله من تلك المذاهب والثورات التنويرية المضيئة بالدم وأشلاء الأطفال والموت والتهجير والتشريد والمستقبل الأسود..هنيئاً لكم بحداثتكم، فقد فرضتموها علينا بالقسر، و كسبنا على أيديكم الكثير من التحليق بالرمزية والسريالية إلى حد الموت .. لمٓ تفعلون ذلك..؟.. ولصالح من.. ؟..جزاكم الله خيراً..!؟!

 

 

abdulrazaq odaalghalibiاشكالية التعقيد والغموض والتكثيف في الأدب العربي من وجهة نظر ذرائعية

كيف نفرق بين الأسلوب الصحفي والأسلوب الأدبي في قصة تروى من شخصين، الأول يرويها كخبر صحفي، والثاني يرويها كنص أدبي….؟

 سؤال مهم جداً يحتاج وقفة و توضيح في الإجابة، ويقودنا جوابه إلى التفريق بين الأسلوب الصحفي الإخباري التقريري الإعلامي، والأسلوب الأدبي، و هذه جدلية لم يفهمها الكثير من الناس، ومنهم بعض الأدباء، لأن الفرق بين الأسلوبين يسمى بالمعنى العام (التعقيد)، أي النص الصحفي يروى بلغة علمية بسيطة مباشرة مجردة من كل التعقيدات الجمالية، يفهمها ويرويها حتى الطفل ذو السنتين من العمر، أما الأسلوب الأدبي، فعصي على الإنسان الاعتيادي كتابته و روايته الا من خبير بالأدب، لأنه يخضع لعوامل فنية وجمالية والتي أسميناها بالتعقيد وهي:

• البناء الفني

• والبناء الجمالي

فالنص الصحفي يخضع لمبدأ الحبك، ومعنى الحبك هو احتواء النص على تشابك سردي، وعقدة وانفراج يفضي إلى نهاية ليكون الخبر الصحفي في حيز الفهم والإدراك لكونه إخبارًا فقط….

أما النص الأدبي فيأخذ البنائين معاً، البناء الفني والبناء الجمالي، وهذا هو الفرق الأول بين النص الصحفي الذي يخلو من الجمال الأدبي، والذي يتفوق عليه النص الأدبي بهذه الصفة الجمالية، وهي البلاغة من بيان وبديع وعلم الجمال والانزياحات نحو الرمز والخيال…وتلك أشياء مهمة تقر أدبيّة الكاتب، وتفرزه عن الإنسان الاعتيادي….

إذًا الصعوبة بين النصين تكمن بالبناء الجمالي المضاف للنص الأدبي، والذي يخلو منه النص الصحفي الإخباري، أما النص الأدبي وكاتبه فيتمتع بهذه السمات:

• استراتيجية الأديب

• وتكنيكه المستخدم في النص، أي طريقة الأديب في الكتابة

• وتفوق الأديب الأكاديمي وثقافته في الكتابة

• وطريقة إستيعابه و استخدامه النظريات والمدارس الأدبية

•  واجادته الأسلوب الأدبي المميز للأديب بأنواعه

 وبعد التطورات التي طرأت في الأدب في القرون الثلاث المنصرمة، دخل الأدب سبعين مدرسة ومذهب أدبي، وتلك المدارس والمذاهب أضافت الكثير للأدب، وعندها أصبح الأدب جزءًا من الفن، ودخل المدارس الفنية كما دخلها الرسم والموسيقى، ظهرت المدرسة التجريدية (abstract)، التي حررت الرسم من الشكل، وصار التعبير بالألوان بديلًا للأشكال، بنفس الأسلوب دخل الأدب التجريد وصار التعبير على الأحداث بالكلمات والجمل دون الأحداث، وكما صار الرسم بالألوان والموسيقى عزف بالأنغام، صار الأدب رسم وعزف بالكلمات، عندها يدخل النص تحت نظرية الأدب للأدب، يتكلم الأدب عن نفسه بأدواته، وأحيانًا تمزج معها نظرية الفن للفن تحت مذهب رومانسي، ترتفع نسبة الجماليات اللغوية والمعاني المؤجلة في النص حد الانبهار، حين يطفى السرد والاسلوب على عملية التبليغ، ويبرز الإبداع الادبي في السرد موازيًا للشعر، عندها يظهر نوع من الأدب يدعى (بالأدب الموازي)، وهذا النوع من الأدب يكون السرد فيه مكثفاً كما في الشعر، بمعنى ان القصة تكتب بطريقة شعرية خالية من الموسيقى، كما حصل في المقطوعة السردية التي تجمع بين النص المفتوح والقص، والتي تكتب بالأدب الموازي، تحت نظرية الفن للفن وبنسحة من المذهب الرومانسي …

إذاً من يدرك الأدب الحقيقي، ويتذوق حلاوة السرد والتعبير، وليس الحدث، سيفهم الفرق بين :

- التعقيد والغموض والتكثيف،

-  و الحدث والأسلوب الأدبي،

-  و الإخبار والسرد،

- والأسلوب والسرد،

- والاستراتيجية والتكنيك،

وتلك جميعاً تسمى بأدوات الأديب، وعلينا أيضاً أن نفرّق بين الأدب الموازي والأدب السريالي الغامض، والفرق هنا أن السريالية هدفها الغموض بحد ذاته، كهدف أساسي في مكنوناتها الفارغة، فهي رجم في الظلام، حيث يكتب صاحبها في لغة لو فهمها هو لخرج عن السريالية و تحول إلى مذهب آخر من درجات الرمزية ….

إذًا السريالية فارغة من الشكل والمضمون، أما الأدب الموازي فيحوي الشكل الجميل والمضمون الأجمل، ارهاصات الكاتب وأحاسيسه ويتميز هذا الادب بثقل الاسلوب الذي يحوي العناصر التالية:

1-اللغة

2-الفكرة

3-الصورة الادبية

4-الخيال

5-العاطفة

6-الرمز

7-التشوي

8 -البلاغة

9-علم الجمال

10-التأثير

11-خصوصية الكاتب بتقنية اسلوبية مميزة

وتلك العناصر جميعاً حين تجتمع في الاسلوب يصبح كثيفاً، والكثافة في الاسلوب هي الرصانة الادبية وتسمى نقدياً بالشكل ويزداد النص رصانة اذا اقترن الشكل بمضمون موازياً له بالتكثيف الايديولوجي الانساني، ومن هنا علينا أن ندق إسفيناً بين الأدب واللا أدب، فالأدب الحقيقي ليس إخبارًا صحفيًا وسردًا لأحداث تكررت ملايين المرات في عصر لم يبق فيه شيء لم يقال، أو حدث لم يحدث، بل الأدب إبداع وجمال يجتذب المتلقي ليس بالحدث كخبر في جريدة، لأن الأخبار اليومية بوسائل الاعلام المختلفة كفيلة بذلك، بل بالتكنيك الجمالي للأدب والتكثيف المعمد بالبلاغة والمثير للتفكير ومخاطبة العقل، وقد ولى عهد الأخبار وقصص السابقين التي أصبحت جميعها أفلام ومسلسلات مرئية، وعلينا متابعة الأدب المقروء، ونترك الأدب الإخباري الإعلامي التقريري المرئي لمشاهدي التلفزيون..

أظن أن الفرق بين الغموض والتعقيد والتكثيف صار واضحاً يهذا المقال المتواضع، أيهما من تلك التعابير الثلاث (التعقيد أو الغموض أو التكثيف) هو الأدب بعينه، وعلى الأديب أن يميز الأدب من اللاأدب…..وهذا يأخذنا نحو تساؤل أكبر من التساؤل الاول :

- إذا كان القص سرداً إخباريا لحوادث متكررة، فأين الإبداع في الأدب،،،!؟

يتبع......

يتبع

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

 

goma abdulahاسم السماوي له صدى كبير بجرسه الرنان، في عطاءه الشعري والنثري، وكل اطلالة ديوان او مجموعة شعرية او نثرية جديدة، يؤكد حضوره المتألق في جمالية الابداع الاصيل . بما يملك من خزين غزير من الخبرة والكفاءة في الخزين اللغوي والمعرفي، في رسم اسلوبية خاصة متميزة في عوالم الشعر والنثر، انه يمتلك الصفة المميزة في اسلوبية الابداع بشكل فذ وعملاق، وانه يطرق كل الاساليب والطرق المتجددة، في الصياغة والتركيب والبناء المعماري، هذه المواصفات الفذة، تؤهله ان يكون في قمة العطاء الشعري والنثري . انه بارع في تركيب الصورة الفنية، التي تحمل الدلالة والتعبير البليغ، وفي اشاراتها الرمزية، من منصات الواقع، فهو يستلهم مفردات الواقع، ليصوغها من جديد في اطار خلاق متجدد، وبرؤية فكرية ناضجة في معارفها المتنوعة، في طرق الاشكال العشق بكل مسمياته . الصوفية والوطنية والايروتيكية، يصوغها في كتلة واحدة منسجمة وملتهبة، في تألق في بؤرتها الضوئية، التي تمتلك صفة الاندهاش والتمرد والالهام، كما تألقت بنيرها في الديوان النثري (حديقة من زهور الكلمات) في عملاقية الابداع بروحية خلاقة، في ازهاره اليانعة والبراقة، في بريقها الذي يحفز مكامن الذهن، بالانشراح والدهشة التصويرية، لتكوين صورة ملهمة من الرؤية، التي تقود العشق الى الحلم والامل الى حد الالهام والعبادة . انه يزرع بذور الامل والحلم والتمرد، على الواقع المسكون بالخيبات والتحطم، لتجاوزه بروح وثابة نحو مملكة الامل والحلم، مملكة العشق، للعشاق الذين يستحقون الامل والامان، من كوة العتمة والظلام، التي خنقت الوطن لخرابه، انه يعلن حالة التمرد على هذا الواقع المأفون والمفجوع والمنكوب، انه يحول سنوات ومعاناة الغربة والاغتراب والبعد عن الوطن، ليناطح بروحية صادقة هذه الازمنة القمئية، نحو منصات الحلم والتمرد ليحولها الى الذات العامة، اي انه يصهر بوقته الذاتية في بوتقة الذات العامة لكنية الوطن، بأن يتجاوز محنته الى محنة الوطن، ليبعث روح متمردة وثابة، التي تفتش عن مرافئ آمنة، ترسو عليها سفينة الوطن بكل اقتدار، انه لا يصارع من اجل الخيال الوهم، وانما يصارع من اجل الانقاذ حطام الواقع، ليكون البديل المناسب، مملكته العشقية، القائمة على الحرية والانعتاق والتمرد، اي يحول ازمة الوطن، الى شيء ملموس من الحلم والامل، اي يبعث الروح في الواقع، ليقف على قدميه من المعاناة التي تحاصره، او ليخلقه من جديد، في تراتيل من زهور الكلمات، هذه هي فضاءات ديوانه الجديد، الذي حفل بقاموس عشقي غير مألوف في الطرح والجرأة، في الصورة المشهدية وفي بلاغتها في دلالات ايماءاتها البليغة، في مفرداتها غير مطروفة في نحتها ورسمها بصياغة كأنها خلقت من جديد، بدلالات مدهشة في التعبير والرمز، انه ينطلق من صدقه الوجداني ووضوحه الفكري . في الواقع بكل محطاته وعثراته، لذا فأنه في (حديقة من زهور الكلمات) عاشق محارب شرس، او كما يطلق عليه الناقد الكبير حسين سرمك (ساموراي) . يجيد استخدام تقنياته وادواته، ليفجرها في هالة جمالية مدهشة في مفردات العشق، ليلامس الجرح والداء الذي يعاني منه الواقع والوطن المخطوف، من التجار والسماسرة والظلاميين، من حالة صراخ وانين الاطفال، من حالة الحداد العام بالحزن والمعاناة، بينما قساوسة المنطقة الخضراء، يتنعمون بالنعيم والترف والجنة، وهم يحملون صك الغفران والمباركة من معابد البيت الابيض في واشنطن . ان هذه القراءة الثانية، تحاول الغوص في مفردات العشقية، في جانبها الوطني، وفي جانبها الايروتيكي .

1 - مفردات العشق للوطن:

- يقف بالمرصاد لفضح الطبقة السياسية الحاكمة، التي تتلاعب في مصير الوطن، وفق مشيئة عقليتها المضخمة في الفساد والنهب، بتحويل الوطن الى بضاعة تجارية معروضة للبيع والشراء و مما تأزمت الحالة الى الكفر والرفض الشديد، ان يكون الوطن لعبة للتجار والسماسرة والظلاميين، وهم لم يكفوا بزخ الشعارات الزائفة والمنافقة الى الشوارع والاعلام، التي تحولت الى اكفان، وللضحك على ذقون المغفلين، ومن هذه الحالة المأساوية، يعلن تضامنه الى مناديل العشق

لذا

آمنت بحبيبتي

وكفرت بالساسة التجار والظلاميين

معلناً

تضامني مع مناديل العشق

في حربها

ضد لافتات الشعارات والاكفان / ص 144 .

- الحالة الوخيمة الجاثمة على صدر الوطن لقطع انفاسه . تصبح الضرورة الملحة، من ان لايترك الوطن ان يسير نحو سرير الموت البطيء، لابد ان ينهض (بلال) جديد يؤذن لاعلان الفجر الجديد، ويدعو الى صلاة الفرح والانقاذ

صلاتي مؤجلة

وليس من "بلال " جديد يُقيم ُ الأذان

معلناً عن صلاة الفرح ! / ص103

- حالة التردد والوجوم والشحوب بعلامات الحزن، اصبحت علامات فارقة للوطن المنكوب . التي تظهر في سيماتها، في الجوع والحروب . التي هي من فعل طاعون (النفط)، ولا يمكن ان يكون لها حد ونهاية لهذه المحنة الوطنية والانسانية، إلا حتى تجف اخر قطرة من طاعون (النفط) الذي اصبح رصيد في ارصدة اللصوص الحكام، وللشعب نصيبه الدخان الاسود الخانق، في استغفال عقول المغفلين .

النفط الذي أشبعنا جوعاً وحروباً

متى يجف

فيغادر اللصوص

بيت مال المستغفلين ؟ / ص114

- ولا ينسى المأساة الدموية التي حدثت، في منطقة الكرادة، التي نزفت دماءاً ودخاناً بشكل غزير، من فعل الارهاب الدموي الاجرامي، الذي حول المنطقة الى حالة الحداد والحزن، ومعاناة أليمة تركت اثارها بجروح عميقة للارامل والثكالى بسقوط الشهداء الابرياء .

نهار وليل " الكرادة "

أضحيا

أكثر سواداً

من لافتات الحداد

وعباءات الارامل والثكالى

فالشموس والاقمار تساقطت

شهيداً

بعد شهيداً ! / ص124 .

- تعددت منصات الخراب في الوطن، في التشرد والهجرة الى المنافي، بالهروب من الوطن الذي اصبح جحيماً لا يطاق . لذا فهو يقترح ان المنصة المناسبة للدكتاتور، هو ان يجلس على منصة الخازوق .

الشحاذ

منصته الرصيف

 ×

أما الديكتاتور

فمنصته الخازوق

توجد فيه منصات كثيرة

لاطلاق المشردين

نحو المنافي ومعسكرات اللجوء / ص134

- يستغيث بالله، ان يعينه على محنة الوطن التي طالت اكثر من اللازم، والمآسي تحفر عميقاً في وجه الوطن، وبات لعبة بين الموت والدمار، فقد صبره النافذ من هذه المحنة الوطنية، فلم يبقى إلا الحطام وفقدان الآمان . فيتساءل مع ربه، متى يكون له وطن آمن ؟

ربٌ

أنى يكون لي وطن آمن ؟

لقد وهن الصبر مني

وبلغتٌ من الغربة عِتياً

الساسة

يتناطحون في مستنقع المحاصصة

بُكرة وعشيا ..

فاجعل لي ْ

من تهشيم قرونهم

آية ! / ص138 .

- يضع يديه على الجرح والداء، الذي يعاني منه الوطن، وقاده الى التحطم والتمزق، هم اصل العلة والداء . قساوسة سكنة المنطقة الخضراء (العشن العفن والاسن)، السماسرة الدعارة السياسية . هؤلاء الاوغاد الفاسدين، صموا أذانهم بالشمع، حتى لا يسمعوا طراخ وانين الاطفال، لكن كل حواسهم صاغية بذل وخشوع ذليل ومهين بالاهانة، الى صدى نواقيس المعبد الابيض في واشنطن

ما لقساوسة المنطقة الخضراء ؟

يسمعون

صدى نواقيس المعبد الابيض في واشنطن

ولا يسمعون

صراخ أطفال المناطق الصفراء / ص147 .

- لذلك يتمنى ان يمن عليه الله في امنية، ان يحل بدلاً من (عزرائيل) لينصب شبكة الموت، للمستنقعات الاسنة بالفساد، في دهاليز المنطقة الخضراء . عش الوباء الطاعوني في تمزيق راية الوطن نحو الخراب والتمزق .

لو أنني " عزرائيل "

لنشرت شباكي

في مستنقعات وأقبية

المنطقة الخضراء / ص156 .

- ويمارس التهكم والسخرية اللاذعة، من شعارات احزاب المحاصصة الطائفية الحاكمة، التي تملئ الشوارع، زيفاً ونفاقاً، لخداع المواطنين بهذا الترويج المزيف، لذا فيقترح عليهم حلاً منطقياً ومعقولاً، ان تكتب على الارصفة، لتدوسها احذية السابلة حتى تقرأها احذيتهم

أذا كان لابد من الشعارات

فأكتبوها

على الارصفة

لتقرأها

أحذية السابلة ! / ص173 .

- ولكنه يزرع الامل والحلم لعشاق الوطن، بأنهم هم الرابحون في النهاية، اما الباقي من حثالات الطحالب، زائلون مصيرهم مزابل القمامة . سيأتي يوماً للوطن، ان تطرز سماء الوطن بالفرشات، واقواس الفرح الربيعي، لتعود البسمة على وجه الوطن المخطوف .

والعشاق

يطرزون فضاء الوطن بالفرشات

وأقواس القزح

ومن حناجرهم يسيل

الهديل

فلا تغمسي اصبعكِ بالحبر البنفسجي

 إلا

انتقاء للعشاق الأمرين بالحدائق

والناهين عن الخنادق / ص183 .

2 - مفردات العشق الايروتيكي :

كما حفل الديوان النثري . من باقة من الازهار الايروتيكية، بشهية اللذة والاشتهاء والاغواء الساخن، وبمفردات معجمية، خلقت من جديد، في معاني ومضامين خلاقة، غير مطروقة، انها تنتمي الى قاموس السماوي المتميز في اسلوبه المدهش في الاثارة .

لهيب العشق نار مشتعلة في الروح والجسد، تبحث عن مجرات لاطفاء نيرانها، وفي دهشة خلق مفردات في محتواها الجديد، تكون مواد قابلة للاشتعال الايروتيكي في الجسد (قوس . سهم . محراث . تنور) وهي ايضاً قابلة لاطفاء نيران الشبق الجسدي وغزيرته .

مُذ انقذتني واطفائني بنارها

ونجن

قوس وسهم . .

محراث وتنور . .

ومحراب وصلاة ! / ص23 .

- وسهام اللذة الحارقة، لها نصيب من حرارة الاشتعال الطافح بفيضانه، بالتسلق نحو منصات الاشتهاء . حتى تتلاشى الامطار، لتنبت عشباً ربيعياً، في صحراء الخريف .

يوم تسلقت نخلتكِ قبلة قبلة

سقطت مغشياً عليك

من أثر اللذة

وكما يتلاشى الدخان في الاعالي

تلاشت أمطاري في واديكِ

موقظة

عشب ربيعك

في صحراء خريفي / ص35 .

- ورحيق الاشتهاء في لثم الشفاه، في الصدر الدافئ للاشتهاء واللذة .

لتُعد شفتاكِ الى شفتي

آلاف القبلاتِ

وليسترجع صدركِ دفئه

من صدري

وخصركِ الذي دثرتهُ

بملاءة من زفيري

دعيني استنشقهُ من لهاثكِ حين

أطبق أضلاعي عليك / ص47 .

- ورغبة الاشتهاء تفور وتتفجر ليشرب خمر انوثتها . ليجرب رجولته وفحولته

ولو

يشقُ ليلةٍ

 لاشرب خمر أنوثتكِ

بكأس رجولتي

كل قبلة منكِ

سأجزيكِ

بعشر أمثالها

مني / ص50

- ولا خوف في السقوط في فراش العشق واحضانه الوثيرة .

لا تخافي السقوط

فحضني وثير

كسريرك / ص64 .

 

جمعة عبدالله

 

 

abdulrazaq odaalghalibiهل النقد انشاء، أم الإنشاء نقد؟: يوماً، حين خضت غمار علم النقد بعد اطلاعي على نقود الآخرين، ودفعني الفضول حينها، و ما يقال : أن النقد علم من علوم الأدب،  قائم بذاته...تساءلت : أين العلمية في تلك المقالات النقدية الإنشائية المنتشرة في سوق النقد ، وهل النقد إنشاء أم أن العلم صار إنشاءً...!؟... والعجيب بالأمر، أن أصحابها ينعتونها (بالدراسات) النقدية ويوسمونها بأسماء رنانة وبمصطلحات غريبة، ويدخلون عليها كلمات أجنبية ليس لها صلة بما يكتبون، لا من قريب ولا من بعيد، وتحتل الصحف والمجلات والمواقع العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ولو سألت أحدهم : ما مدرستك النقدية التي تحلل عنها ....؟ ...يجيبك فوراً، الانطباعية !! ولا أدري لماذا جعلوا المنهج الانطباعي إنشاءً....؟!؟... وبدأت أقرأ كل كتاب نقدي يقع بين يدي لثلاث سنوات لأدرك شيئاً عما يدور، و ثبت لي بالبرهان القاطع :

أولاً : أن النقد علم واسع وهو أهم العلوم البحتية التي تحتضن الأدب، والعراب الحنون للأدب ، فلا يظهر اصطلاح أدبي إلا من رأس قلم نقدي، لذلك يتوجب  اتباع الطرق في تطبيقه ليصطف مع العلوم البحتية الأخرى كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم و التي تطبق بطرق علمية عديدة و مختلفة....

ثانياً : إن علم النقد هذا ليس له صلة بما يكتب بعض نقادنا من  قطع إنشائية تائهةٌ،  تقوم بتعقيد النص أكثر من توضيح الظواهر الأدبية المتخللة لمفاصله حد القاع،  تلك الكتابات هي إساءة وتجني على هذا العلم الكبير وأغلبها مترعة بأقوال لأسماء أجنبية....قال فلان وقالت فلانة، وكأن التحليل النقدي هو أقوال للآخرين دون النص ...و اتضح لي أيضاً، أن نزوح نقادنا نحو الإنشاء، مبعثه صعوبة هذا العلم المرتكز على الفلسفة ارتكازاً كلياً، لكون اللغة التي ينشأ منها الأدب العربي لا تحلل بعمق، إلا عن طريق علم مبني على التجذير الفلسفي من دال ومدلول ومفهوم، وهذا مازاد النقد صعوبة، وصار عصيّاً على مدركيه، فهو يحتاج من يدرك العلاقة الوثيقة والفرق بين العلم والفلسفة، والمفردة والمصطلح النقدي، والنص والجنس والعمل الأدبي، وذاك ما يحتاج بحثاً وتقصيّاً وقراءة مستفيضة، ثرة، عن هذا العلم الكبير الواسع  .....

ساحتنا الأدبية مترعة بالمصادر المترجمة لأي كلمة قالها أجنبي، لأننا شغوفون  وعشاق لما يقوله أي أجنبي، ونصادق عليه بعشرة أصابع حتى وإن كان كفراً، أو صاحبه أميّاً ولا يحسن حتى كتابة اسمه، ولا يمت بصلة للأدب والعلم، أما إذا كان القائل عربياً ستحل علينا الشطارة ويلتهمنا الحرص، ونكون جزءاً من عاصفة هوجاء من البحث والتقصّي حول ما قال، لا لمساندته بل لإحباطه، ونجنّد كل طاقاتنا للبحث والتقصّي حتى نثبت سفه ما يقول، إيماناً منّا بالمبدأ العربي العظيم (مغني الحي لا يطرب)، حتى  وإن كان صاحبنا أفضل المطربين، وقيل فينا-ونحن نستحق هذا القول- أننا ندفع بالناجح منا حتى يقع في الهاوية، وإن لم نجد له هاوية نحفر بأظافرنا عشرات الهاويات، ليقع في واحدة منها، لنتخلص منه ومن نجاحه المزعج ....!؟ وهذا ما عانيت منه أنا شخصياً من أقرب الأصدقاء، وأبعد الآخرين عن معرفتي، هذا الفعل ولّد سؤالاً كبيراً في داخلي : هل أننا نريد أن نثبت لأنفسنا أننا لا نفكر، وإنما نترك التفكير حكراً للأجنبي؟ ونحن نترجم ونصفق ونطبل له فقط .....!؟.... وإجابة هذا السؤال حيرتني وشكلت رأياً شخصياً في داخلي لما لمسته بيدي، قد أكون على خطأ، وأتمنى أن أكون كذلك لأدحض صراحتي الوقحة، التي تلبّست بما عانيته واقعاً ملموساً، ولو تكلمت على ما لمسته من الأصدقاء الأجانب عنا، لخرجت عن المألوف وحتى من أرديتي...!؟!

ثالثاً : أدركت أيضاً، أن ما يكتب ليس نقوداً، بل هي تعليقات نقدية وآراء إن احتلت صفحة واحدة ونصفها أو ما زاد عليها، أما الصفحتان فهي تقرير نقدي، وما تجاوز الخمس صفحات فهو مقال نقدي، وعيب أن ننعت ذلك  بالدراسة النقدية كما يفعل البعض من نقادنا، ولسبب بسيط، أن الدراسة النقدية ترتكز على منهج نقدي أو نظرية يحتل اسمها العنوان باعتمادية وأعمدة علمية تميز تلك النظرية بالتحليل  أو الدراسة والتقصي و البحث... كذلك تحتاج الدراسة النقدية إلى إغناء بحثي للأمور التي تتناص مع ما يوازيها معرفة من بطون النص، في نصوص الآخرين، التي كتبت في موضوع البحث أو  حوله، وهذا يحتاج تسميةَ المصادر التي يتناص معها النص، أو أسماء الأشخاص الذين تناص معهم الكاتب، وبشكل بحثي علمي، وهذا إغناء للنقد وحق مشروع للأديب على الناقد...

رابعاً - إن استمرار تلك الفوضى هدمت- وستلحق الباقي من أركان الأدب- بمعاول الإسفاف، ونشرت وستنشر الفوضى فيه والادعاء والتشدق والجهل والتخلف الأدبي، كما نراه الآن، وستفرز تلك التصرفات سلبيات في الأدب والنقد معاً نجملها بما يلي:

١- مادام النقد هو السلطة الحاكمة في الأدب، فإن انسحابه من الساحة الأدبية يمكّن الإسفاف والتعدّي وعدم الضبط من الانتشار بشكل واسع، وهذا الحال حتماً سيضيّع الرصانة، وينشر الجهل والتخلف الأدبي...

٢- ومن جهة أخرى، سينتشر الفقر الأدبي، بين أصحاب الأقلام ويبدأ الانزياح نحو السطحية الأدبية والخروج من العمق والرصانة نحو القصير جداً والومضة، والانسلاخ من خيمة الأدب العربي المترع بالعمق والإبداع نحو تمجيد أجناس أدبية أجنبية بسيطة، لا تنتمي لمجتمعنا أو ديننا، مثل الهايكو وغيره من الأجناس الغريبة... وهذا حدث فعلاً، ولم نكتفِ بفوضى السريالية وانسلاخها عن الواقع وانغماسها بالغموض حد الظلمة، بل رحنا نمجّد حرية النص بكسر الطوق الأخلاقي وتخريب الخلفية الأخلاقية للنصوص الرسالية بذريعة الأدب جزء لا يتجزأ من الفن، والفن لا حدود أخلاقية فيه حسب راي اصحاب الحداثة ....!؟

نسي العرب أنفسهم وأخلاقيات أدبهم ومعلقاتهم ورعيل الشعراء والعلماء والكتاب العرب، وسربلوا نحو إسفاف الرطانة و السريالية الفارغة الغارقة بالغموض والتغريب والتشتيت والفوضى والانفتاح نحو كسر الطوق الأخلاقي في  الأدب، وغرقوا مع الغارقين في بركة الحداثة وما بعد الحداثة الآثمة، التي أقصت النص العربي من التواجد في الساحة العالمية النقدية، بحجة أنه ينتمي للغة صعبة، وضربوا التجنيس  عرض الحائط، تأثراً بموجة رولان بارت، لا لشيء، أكثر من كونه أجنبي، وإختلطت الأجناس بالأجناس، وصار الكل يكتب بأجناس لا يعرفون هويتها .....

حان الآن  موعد التصحيح والعودة  نحو الوطن، بعد أن ذاق المهاجرون مرارة الهجرة نحو الغرب والذل والمهانة والانكسار الأدبي، ولاحت بالأفق شمس الصباح ، شمس الذرائعية، وهي نفحة من إخلاص للحرف الأدبي العربي، استلم تلك الرؤية النقدية ثلة من المخلصين للنص العربي، والتي اجتمعت على شرف الحرف العربي وأقسمت على الانتقام لسفك دمه، وإعادة شرفه وهيبته وهويته العربية، وقد تأسست حركة التصحيح والتجديد والابتكار من قبل تلك الثلة المخلصة للحرف العربي، وانطلقت من العراق ومصر والمغرب وسوريا الشقيقة، وأعتقد جازماً، أنهم واجهوا، و سيواجهون رياحاً صفراء و زوابعَ من أصحاب الأقلام المعوجة،وأصحاب تأليه وعبادة الصنم الأجنبي من اسم و قول مرطون ، ليس حرصاً على مسيرة الأدب الرصين، بل هو حرص على مبدأ (خالف تعرف)…… يتبع في حلقة قادمة….

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

 

husan sarmak2في عام 2008، حقّق المبدع العراقي الكبير "محمود سعيد" إنجازاً  سرديّاً عراقياً وعربياً وعالمياً فذّاً حيث اختار موقع (شؤون المكتبة – library thing) وهي مجموعة من المتطوّعين منبثّين في جميع أنحاء العالم يقوّمون كل ما يُكتب باللغة الإنجليزية أو ما يُترجم إليها (192) رواية كأفضل ما أُنتج في مجال الرواية خلال قرن كامل. وحصلت رواية محمود سعيد "أنا الذي رأى" على أربع نجوم من خمسة، لتكون إحدى أفضل إثنين وخمسين رواية في العالم. وهذا الإنجاز هو وسام يوضع على صدر الفن السردي العراقي.

وفي عام 2008 أيضاً، حقّق محمود سعيد إنجازا روائيا آخر يُضاف إلى رصيده السردي من ناحية، وإلى مسيرة الفن الروائي العراقي من ناحية أخرى، وذلك عندما أصدر "ثلاثية شيكاغو"، وهو عمل ذو نفس ملحمي، يتكون من ثلاثة أجزاء هي:

1- حافة التيه

2- أسدورا

3- زيطة وسعدان

هذه الثلاثية هي التي اخترتها لكتابي عن الفن السردي لمحمود سعيد على الرُغم من أن صلتي النقدية بمنجز محمود قد بدأت قبل ذاك بسنوات بدراسة عن روايته "زنقة بن بركة"، والسبب هو أن موضوع هذه الثلاثية أكثر إلحاحا في صلته بمتغيرات الحياة الراهنة مع علمي أن موضوعات الفن المتميز حيّة لا تموت ولا يُستنفد دورها في مرحلة معينة. فقد كُتبت ملحمة جلجامش – على سبيل المثال - من قبل شاعر عراقي سومري "مجهول" منذ أكثر من أربعة آلاف وخمس مئة سنة، وهي حيّة تتناقلها الأجيال بعد اكتشافها لأول مرة عام 1853 م . ومازلنا نتمتع وننشغل بألف ليلة وليلة وروايات دستويفسكي وفلوبير وستندال ومسرحيات سوفوكل وشكسبير وغيرها برغم مرور مئات السنين عليها. لكن الحياة الراهنة محليّا (عراقيا وعربيا) من ناحية، وعالميا من ناحية أخرى، تتطلب جهدا محايثا وموازيا من قبل المبدع الذي تحاول أغلب التيارات الغربية الحداثية وما بعد الحداثية، أن تخلع صلته بهموم مجتمعه خصوصا وآلام الإنسان المقهور في كل مكان عموما.

لقد تمسك محمود سعيد – ومنذ أعماله الأولى – بهموم ومحن الإنسان العراقي المسحوق وانتصر لها حتى وهو يرصد إنكساراته الموجعة، مؤكدا أن على الفنان أن لا يتعالى على هموم الإنسان، وأن يكون – من دون أن يغفل الإشتراطات الفنية واللغوية والجمالية طبعا – في خندق هذا الإنسان في أيّ زمان وفي أيّ مكان وتحت أقسى الظروف. وكيف لا ينتصر لإنسان أرضه، وهو الذي كان شعار حياته – ومنذ مرحلة مبكرة في نشاطه الإبداعي - ومايزال الإنتصار للإنسان المقهور في وجه الطغيان والإذلال والإنسحاق، والذي عبّر عنه بقوله:

(أنا مستعد للوقوف مع أي مظلوم حتى ينال حقه، ولو كان الظالم أخي. إنني أومن بحق كل الناس بالعيش والحياة الكريمة، مهما كانت معتقداتهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ولذا فلن ترى شخصاً متعصباً محترماً في رواياتي) (2).

ولو لاحقنا النتاج الروائي الغربي فسوف نلاحظ أن موضوعات الغالبية المطلقة من الروايات هي موضوعات فانتازية وأسطورية وبوليسية وغرائبية يكتبها أغلب الكتّاب وعينهم على هوليود. وآخر ما يتم التفكير فيه هو أن للإنسان هموما اجتماعية ونفسية واقتصادية وطبقية. والمصيبة أن بعض الكتّاب العرب قد "فهموا" اللعبة، فبدأوا في مسعاهم للحصول على ترجمة أعمالهم والإنتشار في الغرب – وهو مسعى مشروع بالتأكيد – يكتبون النصوص الروائية التي تتحدث عن الجنس والإنحرافات والقهر الطائفي والديني في مجتمعاتهم تماشيا مع الموضوعات المركزية التي تروّج لها الآلة النقدية الغربية الهائلة وهي الجنس (الشاذ منه خصوصا كالعلاقات المحارمية والجنسية المثلية) والعنف، ووصم المجتمعات العربية والإسلامية بالتخلف وقهر المرأة ومصادرة الحريّات، ونبش الجذور الطائفية والمذهبية عبر لعبة "الوثائق" والكنوز المطمورة والمتاهات على طريقة "شفرة دافنشي" الرواية "التوراتية" مثلا .. إلخ. وفي قلب المجتمع الذي يمثل الأنموذج المغوي والخارق لهذا التوجّه الهادر – وهو المجتمع الأمريكي – يقف محمود سعيد الساكن في شيكاغو منذ عقود صامدا ومصرا بعزم وثبات على إيمانه بأن الأدب يجب أن يُسخّر لملاحقة تحولات حياة الإنسان وخيباته وإحباطاته، وأن على الأديب مسؤولية كبرى في هذا العالم الجائر. وقد فرض عليه هذا الإيمان الراسخ ان يبقى على شطآن المدرسة الواقعية – طبعا ليست الواقعية الفجّة – التي هي واقعية حديثة بوصف دقيق. وارتباطا بالموقف من الواقعية وبآراء "ألن روب غرييه"، فقد عقّب الروائي "حنه مينه" في مؤتمر الروائيين العرب والفرنسيين الذي انعقد في باريس في عام 1988 على محاضرة الروائي " ألن روب غرييه" التي انحازت كما هو متوقع إلى رواية الأشياء بدلا من رواية الواقع حيث قال:

(إنني أحترم السيّد آلان روب غرييه وأقرؤه. لكني وجدت في كلامه شيئا من التناقض لعله يكون ناتجا عن الترجمة . فهو مرة يقف ضد الإلتزام ، ومرة يقول إنه لا يرفض الإلتزام . وهو يقول أيضا إن من شأن الأدب أن يطرح أسئلته على العالم . وهذا صحيح . فأي عمل أدبي وأي رواية لا يطرحان التساؤلات لا تكون لهما أية قيمة فنية . لقد حمل السيد آلان روب غرييه على الواقعية وقال إن هناك كتّاب واقع وليس كتّاب واقعية . وأنا أقول الواقعية شيء كبير في حياة الرواية. ليس في الزمن القديم فقط وإنما في الوقت الحاضر أيضا . لكن لدي هنا ملاحظة: لقد سُئل بابلو نيرودا مرة: لماذا لا تكتب عن الزهور؟ فأجاب: أنظروا إلى الدماء في شوارع الشيلي. ونحن الذين نعيش قضايا ساخنة ولاهبة لا نستطيع إلا أن نكتب عنها . نحن لا نستطيع إلا أن نقول للذين يريدون أن نكتب عن ترف الفن: انظروا الدماء في شوارع الأراضي العربية المحتلة في فلسطين . إن هذه المواضيع تفرض ذاتها علينا، وهي تحتاج إلى الواقعية الخلّاقة التي يمكن من خلالها أن تقول الرواية أشياء كثيرة ) (3) .

ومحمود سعيد لم يستطع أن يغمض عينيه عن الدماء التي سُفكت، والتي ستُسفك – وقت كتابة الثلاثية – في وطنه بفعل عدوانات الولايات المتحدة الأميركية الوحشية على العراق، وبينها حصار العشر سنوات المجرم الجائر الذي اجتث مليون إنسان من شعبه.

وبعد الإحتلال الأمريكي المجرم للعراق، وتدميره، وتحقيق التعهد الأمريكي بإعادته إلى العصور الوسطى، ظهرت روايات تنحاز بشكل مخز وسافر لهذه الواقعة اللاقانونية واللاإنسانية، وفوق ذلك تزيّن للقارىء العراقي خصوصا صورة المجتمع الغربي في بلدي العدوان الرئيسيين: الولايات المتحدة وبريطانيا، وحياة المهاجر المسترخية والموقرة وحسب قول أحد الكتاب العراقيين الذين يقيسون الوطنية بالوثائق والمعونات: بريطانيا منحتني الجواز والكرامة!! ناسيا أو متناسيا أن من لا يستطيع انتزاع كرامته في وطنه من برائن الذئاب، سيحتقره من يمنحه إياها من "جيبه" وسجلّاته في بلد غريب وهو مسترخ مع النوارس. وعلى طريقة أمهاتنا الأميّات اللاحداثيات في التعبير: (الذي يطلع من داره، يقلّ مقداره).

لكن ثلاثية محمود سعيد، هذا العمل الضخم (أكثر من 680 صفحة)، تكشف بلا تردد وبلا لبس، طبيعة المجتمع الأميركي الفردوسي الذي منّى المهاجر العراقي نفسه به طويلا، كجحيم لا يُطاق، ومصدر ضغوط جسيمة يواجهها في محاولة التكيّف مع طبيعة الحياة فيه. فبرغم توفير الجواز و"الكرامة" إلا أن الكثير من المهاجرين العراقيين – في العيّنة التي عرضها محمود سعيد على الأقل – يواجهون ضياع "دلالات" ذواتهم، في مجتمع يقوم على أساس "فصل الدال عن المدلول" ولانهائية المعنى وصولا إلى ضياعه، ويسوّي بين الإنسان والمادة .

والثلاثية أيضا هي محاولة متفرّدة للغوص في أعماق نفسية المهاجر العراقي تحديدا، وما يعانيه من مصاعب، ويواجهه من تحولات بعضها يبدو مستحيلا لأنه يخالف الطبيعة البنيوية لشخصية هذا المهاجر. فهي لا تتردّد في الإمساك الحازم بمواضع الإختلالات العميقة في شخصية المهاجر والتي يأتي مُحمّلا بها من وطنه الأم فتُربك حياته في البلاد الجديدة. وهي – أي الثلاثية -  كشفٌ لما يجري في مجتمعات هؤلاء المهاجرين من سلوكيات وصراعات وأفعال مُلتبسة ومُقلقة جعلتهم أنموذجا ينطبق عليه المثل العامي عن الكائن الذي "يضيّع المشيتين"، بكل ما يعنيه ذلك من ضياع وخيبة وصراعات. وعلى الرغم من أن المكان الذي اختاره محمود بنجاح هو "شيكاغو" الولاية الأميركية التي يعيش فيها منذ عقدين والتي عرف تفاصيلها كدليل مقتدر، إلا أن الثلاثية وخصوصا في جزءها الأخير هي بحث في معاناة المهاجر العربي إلى أي بلد غربي بشكل عام. فهو يدرك أن "الرحيل – اي رحيل – يعني قليلا من الموت".

وهناك سمات فنّية وجمالية باهرة على المستوى اللغوي والتصويري، وعلى مستويات اللعب على أوتار الضمائر الساردة وموضوعة الزمان والمكان ميّزت بناء هذا العمل بأجزائه الثلاثة التي جعلنا الروائي القدير نتعرّف على ملامحها في تحليلنا لوقائعها وسلوكيات شخصياتها وتعقيدات علاقاتها والتشابك المشوّش لعالمها الداخلي بالعالم الخارجي. تحيّ’ للمبدع الكبير "محمود سعيد".

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

 

raheem algharbawi2إنَّ الشعر هو طبيعة إيحائية يقوم على الاستبدال الذي وقفت علوم البلاغة على تلك الطبيعة، وقد تأسست على أيدي علماء العربية، لما للأدب العربي، ولغة الإعجاز القرآني من قدرة عالية على الاستبدال، وقد وقف النقد الحديث على ذلك مليَّاً كون الاستبدال من التقنيات الحديثة التي تمنح النصوص الأدبية الإبداعية قراءة مفتوحة قابلة للقراءة التأويلية، وقد أشار دسوسير في طروحاته، وهو يدرس نظام العلاقات في النصوص الأدبية والدال والمدلول وما إلى ذلك، وتلقف تلك الخطوات بعده البنيويون إلا أنهم ألبسوها أطراً تنسجم عبر المزاوجة مع الطروحات الماركسية .

ولعل نظريات التلقي التي أخذت على عاتقها طروحات الفلاسفة في الإيهام أو أماكن اللاتحديد التي طرقها انغاردن، مما جعل آيزر مؤسس المنهج أن يشير إلى الفجوة والفراغات التي ارتكز عليها منهج التلقي للنصوص الإبداعية القابلة للتأويل وانتاج ما أنتجه النص من قبل المتلقي، أي أنَّ فراغات " النص تدفع القاريء إلى عملية التصور بشروط يضعها النص " (1)، ومن ثم يأتي المتلقي لإملاء الفراغات التي يمنحها له ذلك النص، ليكون بدوره مشاركاً في إنتاج نصاً على نص المؤلِّف .

ويبدو أنَّ الثقافة الواسعة والانفجار المعرفي الهائل والتعدد والتعقيد، أباح للعقل أن يميل إلى التحليل، والبحث عن الكشف، كانت جميعها أسباباً، لأن تكون القصيدة بعيدة المضمون، عميقة الرؤى، وحرَّة القراءة،  إذ اتسمت القصيدة الحديثة بطابع البحث والكشف في أعماقها، واستشفاف معانيها، وسبر أغوارها، ولعل نموذجنا القرائي لعنوان مقالتنا، هي قصيدة الشاعرة سيليا بن مالك (سيد أوراقي) التي تقول فيها :

إلى سيد أوراق عمري المبعثرة

تعلَّمتُ أنْ اصنع من ذاكرة الوجع ترياقا

غير أبهة بالصبابة على ضجر الليل

مع انبلاج الصبح،

فالورد على خدِّه الندى يراق

استحالة أن تجعل مني أرملة حبٍّ قد احترق

أو تجعل قلبي مقبرتي وأن انطفيء

سأنثر الرماد خصباً للعقل، ليكون خلَّاقاً

في جنة روح  أرضها حبٌّ، وسماؤها نقاء .

إذ نجد الشاعرة تعبر عن مشاعرها وأحاسيسها تجاه سيد أوراقها، وهي تتعامل مع نصها بعلائق من الاستعارات التي تفشَّت بهذا النص كـ (ذاكرة الوجع، الندى يراق، أرملة حب، قلبي مقبرة، أنْ أنطفيء، جنَّة روح)، لتمنحه  بهاء من الجدَّة وسعةً في المدلول، ثم هي تشير برموز تجعل من النص أكثر قدرة على التأويل لاسيما في الرماد الذي يبعث الحياة، وهي تحيلنا الى أسطورة الفينيق لدى الإغريق الذي ينبعث من الرماد بعدما يحرق نفسه، فتداخل النص بعلاقاته هي من تساعدنا على فكِّ رموزه، ومنها لفظة (أنطفيء) قبل دلالة (الرماد) و جنَّة روح التي هي بعدها فالسعادة تحققت لدى الشاعرة الانبعاث من جديد .

ثم تعرِّج الشاعرة، لبثِّ أحاسيسها، نراها تستوحي قصة الطوفان، ويعد استيحاؤها تناصاً مع القرآن الكريم لتوسع من مديات الابعاد الدلالية التي تحتاجها القصيدة للإضمار الذي يتخفى بالرموز التي تقترحها في النص، فنراها تقول :

وأرابط صبراً

إلى أن يكسر كأس الألم الدَّهَاق

استحالة أن تفلتني وصايا النور للطوفان

والصبر فاض إلحادا به

ليكون آية الإغراق

قلت سآوي أليك

ولكن لا حضن يعصمني

فالحكمة سفينة نوح

وإن لم تحظ بنبي

ستستوي طوعاً

على جودي الكبرياء .

ومما "لاشك فيه أن التناص يوسع من فضاء القصيدة ويرفدها بطاقة إيحائية ودلالية جديدة " (2)، والتناص هو ينبوع حيوي غني للقيم الروحية الإنسانية " على رفد الشعر بمزيد من الحيوية والأصالة وتخليصه من العفوية والسذاجة والارتقاء به فنياً ووجدانياً وفكرياً  " (3) .

وشاعرتنا أخذت على عاتقها استلهام مايدعم نصها الشعري وهي تتناص مع قصة الطوفان القرآنية للانطلاق نحو فضاء دلالي يعكس مدى شمولية وعمق التجربة الشعرية الحديثة، ... إذ لاتعمد إلى الإفادة الجامدة التي تدخل في باب التقليد والتكرار وإنما تهدف إلى صوغ تلك المعطيات بما يثري عملها الجديد (4)، فالحبيب عندما أزفَ بعيداً خلف البحار وهي أرادت أن يكون حضناً دافئاً، ليعبر بها محطات الألم والقلق والضياع،  نرى شاعرتنا استوحت في قصيدتها قصة الطوفان لكنها برؤيا تختلف عنها في الأسباب، لكن رَقَتْ معها في النتائج، فهي لاتشابه أحداثها بقدسية القرآن وإيمان النبي نوح (عليه السلام )، وذلك لنفاذ صبرها حتى وصل طوفان صبرها حد الإلحاد، فأين هي والنبي لكن شاركته من أنّ تؤثر النجاة بكبريائها بينما نبي الله نجا بسفينته من الطوفان بإيمانه، فالتقيا على الجودي الذي هو موطن لجميع مخلوقات الله بما يحملون من قيم أو صفات حملتها النفوس، كي تديم الحياة بالانبعاث مرَّة وبالصمود مرَّات .

وبهذا نجد أنَّ المعنى المضمر وإن كان يتمتع بلون ٍ شفيف من العمق إلا أنَّنا وجدنا في القصيدة مايشبع قراءتنا لها، وقد تعاملت الشاعرة مع مفرداتها ببلاغة التوصيل، وهي تستوحي معاني لرؤاها وهي تقصُّ لنا تجربتها العاطفية بأسلوب أدبي مائز فاختزلت احداثها بصبرها الذي أوصلها حد الكفر بالمصير، لكنها تحدَّت الصعاب بكبريائها الذي اختزلت به مسيرة تواريخ، لتعبر إلى ضفة الأمان وهي تعيش أملاً آذن للفراق .

نتمنى للشاعرة سيليا مزيداً من الإبداع، وهي تبحر في عالم الشعري ذي البنى المضمرة وهو المطلب الفني الجمالي الذي لاغنى عنه في القصيدة الحديثة لأنَّه الأكثر انسجاماً مع طريقة التلقي الحديثة.

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...................

(1) فعل القراءة نظرية في الاستجابة الجمالية، فولفجانج آيزر : 172

(2) ظواهر أسلوبية في شعر بدوي الجبل، عصام شرتح : 175

(3) أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي المعاصر، ثائر زين الدين  : 6

(4) ينظر : الغياب في الشعر العراقي الحديث، د. عبد الخالق سلمان : 51

 

 

khadat jleed2يشهد التاريخ أن المجتمعات المتحضرة هي المجتمعات التي لها وعي بذاتها ولها وعي إيجابي لفكرة الزمن، ويقاس تقدم وتخلف المجتمعات بالمفهوم الذي يعطيه كل مجتمع لفكرة الزمان، فإذا كان المفهوم ايجابيا كان المجتمع تاريخيا فاعلا في التاريخ، أما إذا كان المفهوم سلبيا كان المجتمع لا تاريخيا منفعلا بالتاريخ، لأن المفهوم الايجابي للزمن هو الذي يعطي للتاريخ معنى وللإنسان رسالته في الحياة.

إن البحث عن معنى للتاريخ الجزائري يعني تجاوز الرؤية التقليدية للمؤرخ الجزائري العادي الذي ينظر إلى التاريخ كأحداث وقعت في زمان ومكان معين، محاولا الإجابة عن سؤال متى وقعت وأين؟ ومن تم عرضها في قالب كرنولوجي ولا شك أن هذا النمط من التاريخ قد أبدع فيه الكثير من المؤرخين الجزائريين مثل أبو القاسم سعد الله وعبد الرحمان الجيلالي وعمار بوحوش ويحي بوعزيز ومحفوظ قداش والقائمة طويلة، ناهيك عن المؤرخين الشباب والباحثين في مجال التاريخ الذين تعج بهم الجامعات الجزائرية.

إن البحث عن معنى التاريخ يعني على الصعيد المنهجي والمعرفي اعتبار التاريخ الجزائري ديمومة وصيرورة، أو كتيار انطلق من الماضي وما زال مستمرا إلى اليوم، وبالتالي فان السؤال الذي يحكم هذه النظرة هو: لماذا وقعت أحداث هذا الماضي؟ ولماذا وقعت بهذه الكيفية مع ربط النتائج بالأسباب، وما هي الأسس والمبادئ الفكرية التي تحكم حركة هذا التاريخ وتبرر صيرورتة بهذه الطريقة دون أخرى؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة يعني أننا أمام موضوع جديد لم يطرق من قبل وبطريقة أخرى نحن أمام موضوع فكري تأسيسي لم يؤسس بعد وإن أشار إليه البعض هنا وهناك دون مساءلة ودون مواجهة، يقال إن أصعب الأمور بداياتها وارتأينا هنا أن نطرح بعض الأسئلة الأساسية والمفتاحية التي من شأنها أن تنير الطريق لأي باحث يأتي في المستقبل.

إن إعتبار التاريخ الجزائري وحدة متصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل يعني أنه مرتبط بالزمن ومفهومه ونظرة الإنسان الجزائري إليه، لأن الزمن هو جوهر التاريخ فبدون وعي ايجابي بالزمن يصبح التاريخ مجموعة من الإحداث العمياء تتقاذفها الأمواج إلى أودية العبث والعدم، ولأن الإنسان هو الكائن الوحيد ذو الأبعاد الثلاثة يتذكر ماضيه وينتبه لحاضره ويتوقع مستقبله، وبناءا على هذه النظرة التاريخية { يتفق الباحثون على أن الإنسان كائن تاريخي لأنه إنما يعمل في الزمان ولا تاريخ إلا بالزمان ومن هنا ارتبطت كل نظرية في التاريخ بنظرية في الزمان والإنسان هو الوحيد بين الكائنات الحية الذي يعي الزمن فهو الوحيد ذو التاريخ}

إن الخطاب التاريخي الجزائري المعاصر لم يدرس هذه القضايا لأنها ذات طابع فكري وفلسفي ولأن المؤرخين الجزائريين لم تكن لهم تلك النظرة الشمولية التي تتيحها العلوم الإنسانية في مجال انتاج المفاهيم النظرية وكذلك الآفاق التي تفتحها المناهج المعاصرة لذلك كان زمن الخطاب بالنسبة لهم بعيدا عن زمن التاريخ، ولأن المؤرخين الجزائريين من جهة أخرى ركزوا على بعد واحد في التاريخ وهو البعد السياسي مع إغفال الجوانب الأخرى التي تشكل زمانية الإنسان وتاريخيته وإنسانيته لأن { التاريخ مرتبط في الأساس بالزمن لأن ميدان التاريخ هو الحياة في امتدادها الزمني على الأرض، ولا يصير الزمن إنسانيا إلا إذا تم التعبير عنه من خلال السرد ثمة إذن زمنان هما زمن التاريخ وزمن الحكي والسرد، إن مشكل تمثل الزمن في السرد يطرح بسبب الفرق بين زمن التاريخ وزمن الخطاب، إن زمن الخطاب زمن خطي بينما التاريخ متعدد الأبعاد، في التاريخ قد تحدث أحداث في وقت واحد}

ومن هنا كانت نظرة فلسفة التاريخ إلى التاريخ نظرة كلية شمولية في إطار مفهوم وحدة الزمن ومقولة الصيرورة وسؤال المصير لأن فلسفة التاريخ تتجاوز كل ما هو جزئي إلى ما هو كلي والتاريخ الخاص إلى التاريخ العام، أي علاقة الأمة الجزائرية بالأمم الأخرى لأن { نقطة البدء في فلسفة التاريخ تكامل بين الأجزاء وترابط بين الوقائع ويتشكل من ذلك كله ما يسمى بالتاريخ العالمي الذي يصبح مادة الفيلسوف} وعندما تكتمل أدوات البناء النظري وتنبثق النظرية الفلسفية من الشتات والركام{ يشعر فيلسوف التاريخ أنه قد أوجد الوحدة بين الأشتات والنظام في العماء والمعنى فيما يبدو غير مفهوم}

لا شك أننا بحاجة اليوم إلى فلسفة تاريخ جزائرية أصيلة نابعة من تاريخ وثقافة وهوية هذا الشعب وإلى فيلسوف يتقمص روح هذه الأمة يفكر بضميرها وينطق بلسانها لأن هناك قاعدة معرفية واجتماعية تقول إذا أراد أي مفكر أن ينظر لمجتمع ما فلا بد أن يقاسم هذا المجتمع أفكاره ومعتقداته، إننا بحاجة اليوم إلى تجربة إبن خلدون أو هيجل، نحتاج إلى فلسفة تتجاوز التاريخ الظاهر إلى التاريخ الباطن التاريخ الحقيقي الذي قال عنه إبن خلدون {وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق} وهو نفسه التاريخ الذي كان يعنيه الألماني هيجل في القرن التاسع عشر عندما قال {إن الفكرة الوحيدة التي تجلبها الفلسفة معها وهي تتأمل التاريخ هي الفكرة البسيطة عن العقل التي تقول إن العقل يسيطر على العالم وأن تاريخ العالم بالتالي يتمثل أمامنا بوصفه مسارا عقليا}

إن تعقيل التاريخ يعني محاربة الصدفة فيه ولأنه عندما نعطي للتاريخ معنى فإنكل شيء يأخذ معناه ولأننا نتفق كل الاتفاق مع إدوارد كار في كتابه ما هو التاريخ؟ وهذا عندما يقول {متى حاولنا الإجابة عن السؤال ما هو التاريخ فإن إجابتنا سوف تعكس عن وعي وبدون وعي موقفنا من الزمان وتشكل جزءا من إجابتنا عن السؤال الأكثر شمولا حول الموقف الذي نتخذه من المجتمع الذي نعيش فيه}

ومن هنا كان التساؤل المشروع والوجيه، كيف ينظر الإنسان الجزائري إلى الزمان وما هو المفهوم الذي يعطيه إياه وما هي علاقة الإنسان بالزمن؟ هل هي علاقة إيجابية أم سلبية؟ وكيف ينعكس ذلك على ثقافته وبيئته وكيف تكرس هذه المفاهيم في الواقع وهل التاريخ الجزائري تاريخ للتقدم أم تاريخ للتراجع؟ 

 

الدكتور قادة جليد

 

 

rahman khodairabasتركزت الاضواء من جديد على جُلّ أعمال الروائي الياباني كازو إيشيغورو  بعد نيله جائزة نوبل للأدب لهذا العام٢٠١٧ . والذي عبرت لجنة نوبل في معرض احتفائها بالكاتب " إنه عرَّى في رواياته، التي تتسم بقوة عاطفية كبيرة، الخواء الكامن تحت شعورنا الواهم بالعلاقة مع العالم "  كما ان الكاتب نفسه قد فوجئ بهذا الفوز الذي سيجعله في مصاف الكبار من الأدباء. وأعتقد بان تعبيره هذا ينم عن تواضع جَم. لان روايته (بقايا النهار) قد حازت سابقا على جائزة البوكر. وهي من الجوائز العريقة. علاوة على ان الرواية التي صدرت عام ١٩٨٩ قد تحولت الى فيلم سينمائي بعد أربعة أعوام. وقد حصد الفيلم حينها على سبع جوائز أوسكار. وكان من بطولة الممثل الامريكي الكبير إنتوني هوبكنز.

وفي مقابلة صحفية مع الكاتب. قال : إنه أنجزها في أربعة أسابيع. وهي فترة قياسية لإنجاز مثل هذا العمل المتقن. ويبدو ان ليس ثمة سقف زمني لإنجاز اي عمل إبداعي.

تتناول رواية (بقايا النهار) علاقة الانسان بنفسه، من خلال الارتباط الوثيق بحرفته أو إختصاص عمله، والذي يُفترض أنْ يُشكِّل جزءً من حياة المرء. ولكن عند بطل الرواية مستر ستيفنس تتحول هذه المهنة الى الهوية البديلة لذلك الانسان، والتي ترسم ملامحه وسلوكه وأدق مشاعره. ويتحول صاحبها الى مايشبه الروبوت الذي تُبَرجم كل أفعاله وسلوكياتها وحركاته. وينسحب ذلك على أفكاره وعواطفه. فهو مُستلب الإرادة الذاتية ومستلب الأحاسيس والمشاعر . إنه ظل باهت لإنسان يتحرك وفق حسابات المهنة وقوانينها.

الرواية لا تمنح نفسها الى القاريء بسهولة . فالأحداث تسيل بهدوء وتلقائية وبدون أحداث درامية. إنها الحياة بكل بساطتها وتلقائيتها وإنشغالاتها. تلك التي تدور في قصر لورد (دار لنكتون) وهو من أشهر السياسيين البريطانيين في ذلك الوقت والذي أحبطته الظروف المحيطة ما بعد معاهدة فرساي. حيث ان اللورد تعاطف مع النازية في محاولة منه لتجنيب بلاده ويلات الحرب. ولكن بريطانيا أعتبرت موقفه عارا، فماتَ كمدا. وآلت ملكية القصر الى الثري الامريكي فراداي. الذي يقترح على رئيس الخدم مستر ستيفنس أن يأخذ إجازة للبحث عن مَس كنتون الخادمة السابقة في القصر لإقناعها بالعودة الى الخدمة. وحينما تردد ستيفنس في قبول المقترح، لانه لايعرف شكل الحياة خارج القصر. ولكن إلحاح مستر فريداي جعله يقتنع بالفكرة لاسيما وانه أعار له سيارته الفاخرة لكي يقوم بهذه الرحلة. وهكذا يبدأ بقية نهار (ستيفنس) ذلك الانسان الذي قضى كل شبابه بين جدران القصر والخدمة، لعله يتحسس حياته الانسانية، أو ما تبقى منها.

وهكذا تبدأ الرواية على صعيد الذاكرة لستيفنس وهو خارج القصر لاول مرة. ومن خلال إنهمار الاحداث التي تتداعى عبرتيار الوعي، من خلال هذا الرجل الذي تختزن ذاكرته كل جزئيات القصر وجوانبه. ولكن هذه الذاكرة لم تتسع لان تتلمس أعماق ستيفنس القصية ورغباته المحبطة وأيامه التي تبخرت وهو منهمك في تلبية رغبات الاخرين .

مستر ستيفنس الذي كرٌس حياته كخادم في القصر. تحول هاجسه الى تأدية الخدمة بحذافيرها وبدون إرتكاب اية هفوة. لأنّ الكرامة الحقيقية، في عرفه، هي عدم إرتكاب اي خطأ مع مخدوميه. وان الكرامة هي إرضاء السيد المخدوم وتحقيق رغباته!.  لذا فكان صارما في تنفيذ كل شيء بتقنية عالية، حتى الجزئيات الصغيرة في العمل. فحينما سمع زميلته في القصر مس كنتون تسمي أباه باسمه الصريح أنبّ الزميلة وأجبرها على مناداة الوالد بما يليق به. اي بمناداته باسمه الرسمي. ليس دفاعا عن كرامة الابوة، بل جزء مما مما توهمه بانه جزء من كرامة المهنة. كان مستر ستيفنس يقيس الامور بمسطرة وهمه .فيقول بهذا الصدد " الكرامة شيء قد يمتلكه الفرد أو لايمتلكه نتيجة مصادفة من الطبيعة " بمعنى أن التنفيذ الحرفي والآلي لقوانين المهنة هو الذي يحدد صحتها. وبالتالي فهي في النهاية لاتمثل إرادته الذاتية التي تلاشت من خلال الالتزام الصارم بتنفيذ الواجب .

حتى والد ستيفنس العجوز كان يكابر في تقديم خدماته ويحاول ان يستعير خطوات الفرسان. ولكن سقوطه وهو يحمل الصينية قد عرَّى هذا الوهم . فاعوامه الخمسون في الخدمة لم تشفع له وتركته حطاما. وهكذا يشعر الوالد بالوهن والمرض الشديد مما يقلق ولده رئيس الخدم ستيفنس. وحينما يموت الأب كان الابن منهمكا في الخدمة. كان في قمة الحزن والخيبة ولكنه لم يمنح نفسه ان يكون إنسانا ليعبر عن بعض الحزن عن خسارته لوالده الذي مات في الطابق العلوي. بينما كان منهمكا في تقديم خدماته للضيوف في الصالة الرئيسية، دون أن يخبر احدا بموت والده كي لا يعكر صفو القصر !

وحينما استفسر منه مخدومه اللورد دارلنكتون عن ملامح حزنه. لم يشأ ان يعترف ولو للحظة بخصوصيته. فقد قال.

"المعذرة ياسيدي إنه إجهاد يوم عصيب".

كانت مَس كنتون قد تعلقت به عاطفيا وهو كذلك. ولكنه لم يستطع أن يسفح مشاعره العاطفية ولم يعبر عن لحظة عن إنسانيته. وحينما تحاصره بنظرة او سلوك عاطفي، يهرب منها بالحديث عن شؤون القصر. ذلك ببساطة لأن طبيعة مهنته إستباحت حتى أدق أحاسيسه كبشر. كانت مَس كنتون تحاول جسّ مشاعره :

سأتزوج . ولكنه بدلا من ان يعبر عن عمق مشاعره،فانه يهنؤها على فعل لم يكن مقتنعا به. وفي موقف آخر دخلت غرفته. ورأته يقرأ كتابا ورفض ان يريها عنوانه. واقتربت منه الى الحد الذي لامست أنفاسه. ولكنه بدلا من أنْ ينغمر وإياها في موقف عاطفي مفترض. فانه رفض ان تتدخل في خصوصياته. والغريب انها اعتقدت بأن الكتاب مبتذل لذا أخفاه عنها. ولكنها اكتشفت إنه رواية غرامية!

رغم أنّ أغلب القرارات السياسية التي أثّرتْ على العالم تنطلق من غرف إجتماعات ذلك المكان ولكن مستر ستيفنس الذي يستمع لكل كلمة أو جملة. أو جدل سياسي أو حوار ولكنه يتحول كالحائط. فلا يعنيه سوى ان الكؤوس والأواني كان في وضعها التقليدي وفق مقتضيات الاتكيت.

وحينما وجه اليه أحد السياسيين ثلاثة أسئلة في أحد الاجتماعات . كانت إجابته بانه لاينفع للأجابة عن مثل هذه الأسئلة. كان السياسي المحاور يريد أنْ يُثبت حجته وهي كيف لأمثال هذا الشخص ويقصد ستيفنس وغيره من عامة الناس أن يؤخذ رأيه في الاشكالات المصيرية التي تخص سياسة الدولة.

تعتمد الرواية على تيار الوعي. فحينما يُباع قصر دارلنكتون الى الامريكي فريدآي . يطلب هذا السيد الجديد من ستيفنس ان يذهب في نزهة مفتوحة، للبحث عن مَس كنتون لإقناعها بالعمل من جديد في القصر. تلك السيدة التي تزوجت زواجا غير موفق حسب ماتقول في رسائلها الى ستيفنس  .

وحينما يتردد في أخذ الإجازة لانه لايعرف الحياة خارج جدران القصر. ولكن فرداي يشجعه ويعيره سيارته الفارهة. وهكذا يبدأ مستر ستيفنس في تجربة ماتبقى من (نهاره) أو حياته التي أفلت للغروب، وهو سجين لمهنته التي كبلته بقيودها. ومع انه يبدأ نزهته في الريف الانجليزي ولكنه لايعيشون لحظة الاسترخاء والراحة، بل كان يعيش في ذاكرة الماضي، حيث يسترجع كل الحوادث والجزئيات والاحاديث والعلاقات المتشعبة في القصر وسلوك اللوردات ونقاشاتهم في حدتها او فتورها وما يعتري القصر في أوقات الذروة. وعن إحتدام العمل في القاعات الرئيسية والممرات وصالات الطعام والمطابخ وتنظيف جوانب القصر وغيرها. كل ذلك يباغت ستيفنس وهو يقود سيارته في الريف الانجليزي، حيث أن الروائي قد إستخدم في تقنيته الروائية أسلوب (الفلاش باك) الذي أتاح له أن يتحرر من التسلسل الزمني الذي يستلزمه العمل الروائي، فيقوم بتكثيف الصور واللقطات والمواقف إعتمادا على عملية الاسترجاع للأحداث من خلال ذاكرة مسترستيفنس.

وفي القرية ينفد وقود السيارة فيلجأ الى الفندق الوحيد هناك. ويكتشف دفء العلاقات الاجتماعية بين الناس . وجميع أهل القرية ظنوا أنه من عِلْيَةِ القوم وذلك من خلال أناقة ملابسه وفخامة سيارته. وكانت أسئلتهم تدورُ حول الواقع السياسي للبلد . بحيث انه سألوه فيما اذا قد إلتقى باللورد تشرشل. وكانت إجاباته مبهمة . ولا تشير الى طبيعة مهنته الحقيقية. أي أنه فعلا يلتقي بكبار المسؤولين. ولكنه غير ملزم بتوضيح طبيعة اللقاء. ولكن طبيب القرية الوحيدة الذي شكّ بان ستيفنس رئيس خدم في القصر. وحينما باغته وهو يساعده بملئ خزان سيارته بالوقود. أقر ستيفنس بانه فعلا رئيس الخدم ولكنه لم يخدع القرويين الساذجين.

لقد كانت رواية كازو إيشيغورو ذات أبعاد سيميائية على مستوى التعبير في تحليلها للشخصية. فرغم أنّ مَس كنتون لم تُعلن حبها لزميلها رئيس الخدم. ولكن كل إيماءاتها وحركاتها تُشير الى ذلك. ويصح القول على ستيفنس نفسه الذي أجهد نفسه في أن يكون ذلك الخادم المطيع ولكن حركة عيونه وإرتجاف ملامح وجهه، وهروبه الدائم وانزواءه على نفسه، تعبر عن حجم الصراع النفسي الذي يعيشه هذا البطل والذي يعجز حتى عن البوح برغبات الجسد أو تجليات الروح. إنه الاستلاب والاستعباد للروح .

لقد كانت (بقايا النهار) عملا روائيا جميلا ومتقنا. وكانت أحداثه تنهمر بهدوء وعذوبة. دون توتر او مفاجئات أو شدائد ليس فيها آلام كبيرة أو سعادات غير متوقعة. وكأنه يقدم لنا شريحة من الحياة لأناس إنغمروا بوعيهم او بدونه في لزوم أنفسهم بما لايلزم.

 

رحمن خضير عباس

 

 

لن تغيب شمس أحلامى ما دامت أنفاسى على قيد الحياة  "دماغ غريبة"

إلى من علمني  إن "الحياة إجتهاد" وحسبي في "كفاحه الشرف" أهدي المحترم "محمد جمال" المقال المتواضع هذا   "كثمرة جهودي":

إن  كان في العيش للفتى هـــدف           يوماً فــإياه عنه ينحرفُ

مــا خــاب في السـعي مبتغ املا           وكان في عيشهِ له هــدفُ

فضـــاعف الجهد ان اردت علا           فا الأجر قدر الجهود تنصرفُ

واقطف جنى الوقت قبل حيرته          فالوقت مثل الثمار تُقتطفُ

حسب الفتى في الحياة مجتهداً            وحسبه في كفاحهِ الشرفُ

وأن تكن حـالت الظــروف فلا          نيلك فيما اصابك الأسفُ

مقدمة لابد منها ...

كثر الحديث عن الطاقة الايجابية والسلبية في ظروف استثنائية تمر بها أكثر البلدان، حيث أخبار العنف والقتل والارهاب وغيرها، لذلك نحتاج الى المزيد من الطاقات الفعالة لتجعل حياتنا أجمل ومنظارنا للحياة أوسع نطاقاً، فوجدت نفسي أبحث كثيرًا عن مفهوم هذه الطاقات داخلنا، وكيف نستخرجها ونتعايش معها، نحتاج الى اناس واجهوا ظروف الحياة بشجاعة و اصبحوا من اشهر المؤثرين والمثقفين فيها.

نبدأ من أن هناك من يرى التفاضل والتكامل في الحياة عموماً شيئاً ليس بالأهمية القصوى في حياة الإنسان، ونعلم جيداً إن من يستخدم حساب التفاضل والتكامل هم الفيزيائيين والأطباء والبيولوجيين والكيميائيين ورواد الفضاء والمحلليين الاقتصاديين والتكنولوجيين وغيرهم،لكن من يخوض الحياة ويعافر فيها ويلتقي  بالكثير من الشخصيات البسيطة منها في التفكير  إلى اصعبها فهماً،يعلم ان التفاضل والتكامل ليست علوم تدرس في الرياضيات فحسب بل هي علوم لتوسيع الآفاق، بمعنى اخر (لتشغيل الدماغ).

االكثير منا قرأ  كتاب اسرار القوة الذاتية للدكتور ابراهيم الفقي والذي سلط فيه على المحاور المهمة والتي تساعد على تطوير الذات وتنمية التفكير الايجابي والذي يعتبر من أهم الكتب التي تساعدنا في تجنب الاخطاء واستثمار كل ما لديك من قدرات وامكانيات لتعيش حياة بسعادة وهناء، السؤال هنا : هل الجميع منا يعلم كيف يتحدث وكيف يتكلم فطريا ًويؤثر في الاخرين؟، الجواب سيكون كلا بالتأكيد، فالحديث الناضج المؤثر في الآخرين له قواعد وأساسيات لابد من معرفتها وممارستها والتدرب عليها من أجل التواصل الناجح والمؤثر.وطالما ردد الفيلسوف سقراط هذه العبارة وجعلها شعارًا له وهي: "اعرف نفسك"، ومعرفة الذات هي المنفذ الأول للابداع والعبقرية، وفهم الآخرين الذين من حولنا، وعملية اكتشاف الذات تحتاج إلى اختبارات، ونفس طويل؛ لأن الطريق مليء بالمشاق والإخفاقات المتراكمة التي تحتاج إلى تفتيت، والجهل بالذات جهل بالطبيعة الإنسانية وقوانينها. فالمبدع سوف يعاني من الألم، والألم بوابة للإبداع .

في كل المجتمعات هناك فئة من الشباب فقدوا الهدف، ومن ثم فقدوا الشعور بحتمية البحث عن أشياء ذات قيمة في الحياة، عكست نفوسهم وعقولهم مشاعر سلبية  قاتلة تمثلت في اللا مسؤولية والاحباط، النقمة والتخبط  وغيرها من الطاقات السلبية الكفيلة بقتل احلام جيل بأكمله، مشاعر تدمر الفئة المهمة من اي مجتمع: الشباب وأسرهم.

ولهذا السبب جاءت مقالتي هذه لتسلط  الضوء على شاب من نوع اخر، فريد من نوعه في زمن قل فيه التكامل والتفاضل الانساني،وللتوضيح سأقتبس بعض افكاره هنا في المقالة والتي عكست منظورا بسيطا في  تطوير الذات، عرفته على الصعيد الشخصي تمام المعرفة قبل سنين بأسم (دماغ غريبة) – اسم اطلقه على نفسه لسبب ان الابداع يبدأ من الاختلاف –وبمرور الوقت تيقنت جيداً أنه وضع اساسيات تكامل فطرية نابعة من ذاته دون الحاجة الى الخوض فيها اكاديمياً ... لك أن تعرف أنه جوجل في عالم الموسيقى والفن والرياضة والسياسة، عالم بحد ذاته، وجدت فيه  قوة الحوسبة .. يشد انتباهه معادلات الحياة فيعمل على حلها قدر استطاعه ...يرفض أن يسمع تنهيدة انسان ...عمل من عالم الحياة والفن مدرسة لتطوير الذات باتت غريبة لكثيرين في وقت للاسف اصبح فيها من يمتلك مقومات المثالية والتفاضل مختلفاً وغريباً، لكنه جذب الكثيرين ومن مختلف الاماكن لانه ببساطة احترم ذاته واحترم الاخر واهتم به، مبدئه وركيزته تتلخص بالمثل الاسباني : Los ojos no sirven de nada a un cerebro ciego أي ان (العينان لاتنفع بشيء لعقل أعمى).

عندما تكلم عنه، لابد ان استشهد بعبارة الدكتور ابراهيم الفقي : هو أختار الحب طريقاً للحياة، وبذلك مبدعنا (دماغ غريبة) اعطى طاقات متنوعة لمن حوله في (العلاقات الانسانية، الطاقة الذهنية، طاقة الايمان، طاقة العواطف، طاقة الارادة والقرار، طاقة قوة العقل، الطاقة الروحية ) في كلمات بسيطة، لكنها ذات معنى كبير، منح كل من عرفه وتقرب منه قوة سحرية تدفع المرء في إخراج أفضل ما لديه من قدرات ونجاح وبالتالي تحقيق السعادة : وهنا ساقتبس البعض من افكاره الذي لخصت الكثير من دروس في التنمية البشرية وتطوير الذات:

- خلاصة الحياة وتحدي الظروف بكل انواعها : (قصة حياتى في جملة واحدة، تحدى وإصرار مع الحياة والظروف والناس،من أجل ذاتى ورسالتى حتى أخر نفس)

- رسالة فيها نبذ كل انواع التفرقة والكراهية التي نلمسها في الكثير من الاحداث يومياً :(لايهمنى إسمك لايهمنى عنوانك لايهمنى لونك ولاميلادك أو مكانك لايهمنى سوى الإنسان)  .

- حتى لايصبح ما نتعلمه حبراً على ورق، يقول : ( تعلم .. إجتهد .. تطور .. قاتل من أجل وضع إسمك في المكان الذى يليق بة في الحياة وبين الناس) و( طموحك + جهدك + نجاحك + إحترامك + ذكائك =محبة وتقدير وإحترام الناس لك).

- طاقة الذهن والعقل لديه حثتني شخصياً على مراقبة أفكاري لأنها تصبح كلمات، وبالتالي ستصبح افعال، وأراقب أفعالي لأنها تصبح عادات، وعاداتي هي انعكاس لشخصيتي، علمني كيف أراقب شخصيتي  لأنها ستصبح مصيري . تعليمي لايقتصر على التعليم الحكومي لانها ستجلب لي وظيفة جيدة لكني يجب ان اعمل على التعليم الذاتي الذي سيجلب لي الثروة، (من لايملك المال ويملك العقل عاش كبيرا ومن يملك المال ولايملك العقل عاش صغيرا مهما فعل)) و(المال لايصنع عظماء)، تلك الثروة الذاتية والتي ستجعل من الانسان السمكة القوية والتي تسبح ضد التيار بينما السمكة الميتة تسبح مع التيار، والطموح المشروع ليس له حدود (من لم يرضى عن نفسة بسهولة هو أكثر الناس نجاحا بالمجتمع) و كيف ان (ضريبة نجاحك ف مستقبلك متوقفة على كم التضحيات التى ضحيتها من أجل الحصول على ذلك)

- هناك حكمة تقول أن “بعض الناس يدوم حماسهم لمدة ثلاثين دقيقة، وآخرون يدوم حماسهم لمدة ثلاثين يوماً، ولكن هؤلاء الذين يدوم حماسهم لمدة ثلاثين عاماً هم الذين يحققون النجاح في حياتهم” طاقة هذا الفنان المبدع تكمن في رسالاته التي يبعثها لمن حوله،  تكمن في قوة احلامه وتخيلاته، لانها ستكون يوما ما هي إنجازات غدك ومجدك مستقبلك ...من رأى اصراره وطموحه الذي حطم الصعاب وغيرت واقع مرير لسعادة غامرة تملاء الكون بأكمله ...بالنسبة اليه : كل الأحلام تبدأ بفكرة والفكرة لن تموت أبدا" مهما كانت المعوقات والظروف #إثبت_مكانك#... في كل خطوة الطريق بينور والحلم بيقرب والعقل بيتفتح والقلب بيطمن و الحياة رحلة أعظم ما فيها هو ( الحلم ).

- يدعوا الى الهدوء ثم الهدوء لأنه يعلم جيداً ببصيرته أن الزمن لا يجري ولكن نحن من نجري، أجسادنا وعقولنا تلهث، قلوبنا تدق بسرعة.. نتصبب عرقاً..لانتقبل  لحظات الانتظار البسيطة، تعلمت منه إن: (المتاجرة في الصبر رزق) و (كيف لى أن أحمل هم غدا" وربى موجود ويستجيب !!).. الأيام تدور، أناس يرتفعون، أناس ينخفضون، أناس يصبحون أغنياء، أناس يفتقرون، وفي النهاية العاقبة للمتقين.. التوكل على الله حالة راقية جداً وأن تأخذ بالاسباب وكأنها كل شيء : (ألي  بينة وبين ربه عمار .. حياتة دايما في إزدهار).

- طاقة الارادة والقرار لديه  تصنع الرجال عند الصعاب : (تزداد الحياة قيمة كلما زاد تعبك وإصرارك في كل ما تفعلة)..( أقع عزيمتى تنكسر أقف وأكمل خطواتي بلاقى هدفى فى قصتى شايف فى أخر الظلمه نور)،(وما الحياة إلا كموج البحر إذا يأست منها يأست منك، وكن لنفسك سند واخلق لنفسك عالمك الخاص) .

مثل هكذا شخصية (ثلاثية الابعاد في كتاباته هكذا اصفه انا) تعكس في كلامها بعداً وفي فلسفتها وتأملاتها بعداً أخر : العمق، الغموض، الكاريزما في التاثير، لاتراه بعينك فقط، انظر اليه ببصيرتك ستراه قوة هائلة، وتصميم قوي، وعاطفة شديدة يريد دائما أن يعرف لماذا وأين وبأي قدر وكل تفصيل ممكن. اضافة ذكائه الاجتماعي والذي يسمى أحياناً الذكاء العاطفي وقدرته على فهم وإدراك وملاحظة مشاعر الآخرين وحالاتهم . كل ذلك جعل منه شخص مؤثر في مجتمعه ومجتمعات اخرى. فعندما يقول ايها السادة بأن : الصمت يأس، الجنون متعة، الهدوء رفاهية، التمرد عشق، نعلم حينها انه (دماغ غريبة) فعلاً، تلك الشخصية المتفردة، المتميزة، فرزتها بيئته، تربيته ومبادئه التي هي ليست بغريبة عن المدينة الباسلة، شباب مؤثر ندر صفاته في وقتنا هذا، ويستحق ان نفرد له جزءاً من كتاباتنا، لانه قد يبدوا  لمن يقرا المقالة – ما زال فيها الحديث سيستمرلو اطلقت العنان اكثر لاقتباساته وبكل المجالات - انه سهلا وبسيطا في ملامحه لكنه صدقوني انه متميز ومن الصعب تقليده، كمن  يحمل لوحاً زجاجيا يزن بعض الكيلوغرامات، يبدوا في ظاهره للبعض عملية سهلة، لكن لو اخذ شخص عادي ما على عاتقه حمل هذا اللوح وهو غير متخصص ولايعرف تقنيات حمله والوقاية منه، لربما يجد نفسه قد جرحت يده أو ربما قطعت . ذلك السهل الممتنع الذي استطاع ان يؤمن بقدارته الذاتية وتطويرها لتصبح مركزاً للتواصل مع الاخرين وملهما لهم بكل حرفية وذوق، حب ذاته ونقلها في احلى صورها مع الآخرين. فاستحق منا كل الاحترام.

وهنا اختم مقالتي المتواضعة بمثل اسباني يلخص الكثير مما قلت : من لايفهم النظرة لن يفهم الشرح الطويل

Quien no comprende una mirada tampoco comprenderá; una larga explicación

ومازال الحديث مستمرا...

 

الدكتورة غــيداء قــيس إبراهيم

 

 

falih alhijyaجاء الاسلام ونزل القرآن الكريم ببيانه المعجز واسلوبه الشيق وبلاغته الرصينة التي ا بهرت عقول وقلوب اهل الفصاحة والحصافة من العرب فاحتل المكانة الأولي في نفوس العرب المسلمين .

فشعر صدر الاسلام ينحصر ما بين حكم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وما بين العصر الاموي ا ومن مبعث النبي محمد صلى الله وسلم الى خلافة بني اميـة ويعرف هذا العصر

(عصر صدر الاسلام) وأدب تلك الفترة هو أدب صدر الإسلام بقسميه الشعري والنثري .

ولو امعنا النظر في الثقافة العر بية قبل الإسلام نلاحظ أن الشعر مسيطر او له الكلمة الطولى على جل الحياة الثقافية . ومما لاشك فيه أن الشعرالعربي كان السجل الحافل للحياة العربية في جزيرة العرب . ثم ظهر الإسلام وانتشر في هذه الجزيرة وما حولها فاصطدم العرب برسالة جديدة وثقافة لم يألفوها وبكتاب بليغ لم يستطيعوا مجاراته اوالايتاء بآية من آياته او قول مثل قوله ا سـلوبا وبلاغة وبيانا و تحداهم علانية :

( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين * فأن لم تفعلوا – ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين *) البقرة \ 23 و24

و( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا *)

الاسراء\ 89 .

فافحمت وخرست الألسن وتراجعت اهمية الشعر ومكانة والشعراء الا انه بعد دخول الشعراء الإسلام حاول هؤلاء الشعراء محاكاة الدين الإسلامي شعراً متسربلين بعباءة الجاهلية فخرج الشعر في معظمه جاهلياً محاكاة وبناءاً واسلوبا وإن استمد بعضهم من المعاني الإسلامية كلمات ومرادافات .

اعتقد اغلب الناس أن ما جاء في القر ان الكريم حول الشعراء مقصود به ذ م الشعراء والنيل منهم وخاصة الشعراء المشركين الذين كانوا يهجون النبي محمد صلى الله عليه وسلم وينالون من المسلمين والحقيقة ان المقصود به في الآية الكريمة الواردة في سورة الشعراء:

قال الله تعالى:

(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)

الشعراء \ 2244-227

هي طريقة الشعراء ليس الشعراء أنفسهم فجاء ذكر أنهم يتبعهم الفاسدون او الغاوون لأنهم يقولون ما لا يفعلون من هجاء الناس أو مدح الزيف أو وصف الخمرة أو غيرها من الأغراض التي تتعارض ودعوة الإسلام ، خاصة الهجاء الفاحش الذي كان يقوله شعراء قريش في هجاء المسلمين وتشكيكهم في الدعوة الاسلامية وقد تأكد ذلك في الاستثناء الذي ورد في هذه الايات المباركة حيث استثنى القرآن الكريم الشعراء المسلمين :

( إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسيعلم ا لذين ظلموا اي منقلب ينقلبونْ *)

الشعراء \ 227

وهم الذين اعتبرهم القرآن الكريم هم الذين امنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا للمسلمين بأ لسنتهم بما قالوه من شعر بحق الكفار والمشركين وبما فخروا به في مدح النبي صلى الله عليه وسلم و انتصار المجاهدين من المسلمين وشهداء الاسلام . كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال:

(ان من الشعر لحكمة)

او قوله للشاعر حسان بن ثابت يحرضه على هجاء شعراء قريش الذين بقوا مشركين وكفارا :

(هاجهم وجبريل معك)

ومما يخطر على الذهن هنا قول لبيد العامري الشاعر الجاهلي

بعد اسلامه :

الحمد لله الذي لم يأتني اجلي

حتى كساني من الاسلام سربالا

او قوله :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكل نعيم لا محالة زائل

فموقف القرآن الكريم من الشعر والشعراء كان واضحا وهو موقف الاسلام فهو يعتمد تسخير الشعر لخدمة الدعوة الاسلامية ومحاربة من يقف ازاءها من الشعراء الذين قال عنهم:

(وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)

ثم ان النظرة الشاملة او العامة للاسلام (الكتاب والسنة) هو ان يكون توجه المرء الى القرآن الكريم والابتعاد عما سواه وشد المسلمين اليه دراسة وتعلما وحفـظا وتفقـها وفي كل مجالات الحياة وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال :

(لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتليء شعراً)

وفي هذا امر بالابتعاد عن الشعر وهجره الى ما هو افضل وهو القرآن الكريم . وقد ورد عن الشاعر لبيد انه قال:

(الحمد لله الذي أ بدلني بالشعر سورة البقرة)

اي حفظها وهجر الشعر لذا فأن تصدر القرآن الكريم والسنة النبوية كان له الاهتمام الغالب للإنسان المسلم حيث ان غلبة الشعر على الفرد ربما ينسيه ذكر الله تعالى والعودة الى الجاهلية ولبعض أخلاقها المذمومة وعاداتها السيئة و التي أعلن الإسلام محاربتها لذلك كان الصدى القوي الذي يرنَّ في أسماع الناس صوت الرسالة المحمدية الجديدة وفلسفتها . كان جديرا بهذا الامر بأن يوقف كل أساليب القول والتفكير إلا في هذه الرسالة نفسها .

حرص الخلفاء الراشدون على تعليم الناس القرآن الكريم وحفظه فهو خير من قول الشعر وحفظه ومع كل هذا لم ينته الشعر و لم يهمل وبقيت له مكانة في القلوب والنفوس وقد ازدادت الحاجة اليه لما عمدوا إلى تفسير القرآن الكريم وخاصة في معرفة غريب الألفاظ أو بعض المعاني فقد قيل انه روي لأبي بكر الصديق قصيدة في الحماسة وروي لعمر بن الخطاب أبياتا في الحكمة وكذلك لعثمان بن عفان . أما علي بن ابي طالب فقد كان شاعرا وروي من شعره كثير و قيل ان بعضه قاله في معركة صفين وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون اي كلهم قالوا الشعر الا انهم كانوا يمنعون الشعراء من هجاء المسلمين ا و هجو الإسلام .

كل هذه الامور جعلت تيار الشعر العام في هذا العصر يضعف ويخبو أواره وتتوارى بلاغته وبيانه في بداية هذا العصر وخاصة في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخليفتيه ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لاهتمامهم بالقرآن الكريم فقط الا انه ظل مزدهرا على شكل الشعر الجاهلي وامتدادا له الا انه عامة قد ضعف وأن غالبية الأغراض قد قل القول فيها إن لم تكن ندرت عدا بعض الأغراض التي أملتها ظروف الدولة الجديدة في هذا العصر كشعر الفتوحات الاسلامية وشعر التهاجي بين المسلمين والمشركين وشعر الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشعر رثاء المسلمين ممن استشهد في ساحات الوغى والقتال . وكان من أهم أسباب هذا الضعف عدم سهولة التكيف على تعاليم الإسلام الجديدة سلوكا واسلوبا . لذا ظل الشعراء ينتهجون الأسلوب الجاهلي صورا وأخيلة مع إدخال بعض الألفاظ الإسلامية في بداية عهد الرسول صلى الله عليه وسلم . لذا جاء شعرا ممزوجا بين أسلوب الجاهلية والمعاني الإسلامية ولم يستطع شعر صدر الاسلام ان يتحرر من قيود الشعر الجاهلي ابدا من ذلك قول الشاعر بجير بن زهير بن ابي سلمى وكان قد اسلم :  

إلى الله - لا إلى العزى ولا اللات – وخذه

فتنجوه إذا كان النجاء وتسلمُ

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت

من النار إلا طاهر القلب مسلمُ

وفي لامية اخيه كعب بن زهير في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تظهر الصياغة الجاهلية واضحة كالشمس مهما حاول اكساءها بثوب اسلامي :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ

متيم أثرها لم يفد مكبولُ

...إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلولُ

في عصبة من قريش قال قائلهم

ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف

عند اللقاء ولا ميل معازيلُ

فالشعر في هذه الفترة مهما كان مكتسيا ثوب الإيمان ملتزما بالمعاني الإسلامية ... الا انه ظل جانحا إلى أسلوب الشعر الجاهلي اخذا منه سائرا على انماطه وهذا ليس عيبا في الشعراء وإنما هم كانوا يحاولون صياغة أشعارهم على النمط الإسلامي إلى أقصى مدى ممكن لهم الا ان الفترة الزمنية للرسالة المحمدية في زمن صدر الاسلام كانت قصيرة وهي تعد اقصر العصور في التاريخ العربي والاسلامي بالإضافة إلى عدم إسلام الشعراء جميعهم في بداية الرسالة فكان من أهم الأسباب التي أدت إلى بطيء تطور الشعر في هذا العصر .

ومن خلال دراستي لشعر الشعراء في هذا العصر تبين لي هناك تأثر بدعوة الإسلام إلى درجة عالية عند حسان بن ثابت واقتباس بعض الألفاظ عند كعب بن زهير الا انه بقي مشدودا الى الشعرالجاهلي فكان شعره جاهليا في الإسلام – نسبة إلى اسلوب الشعر - .

يرجع ذلك التفاوت إلى الأسبقية في الإسلام والموهبة الشعرية المختلفة والاستعداد لتقبل الدعوة الجديدة طبقا لظروف الشاعر في الجاهلية فالحطيئة مثلا كان معروفا بالهجاء في الجاهلية لم يستطع أن يتخلص بصورة نهائية من الهجاء وإنما حبسه بعض الوقت ولم يقل فيه ثم عاد اليه . وكعب بن زهير اقتبس معظم شعره في الإسلام من الايمان الإسلامي قليلا ومن الأسلوب الجاهلي كثيرا وهكذا بقية الشعراء حيث كان اغلبهم مخضرمين فأ ثر فيهم اسلوب وطبيعة الشعر الجاهلي ولم يتمكنوا من التخلص منه فنسجوا على منواله .

 

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلدروز

 

 

ahmad alshekhawiإنّ المهتمّ أو المتتبّع لأفرازات مشهد الشعرية العربية، عبر تراكمية وتكامل أضربها المنتصفة لجودة ونوعية النّص والتي قطعت لحدّ الآن، أشواطا كبيرة فيما يتعلّق بجرأة القفز على مضايق وانزلاقات التبويبات والتصنيفات المتزمّتة التي قد تعطّل عجلة الدّفع قدما، بالقصيدة العربية نحو مراتب متقدّمة ولصيقة باشتراطات ثقافة البلورة العارية وغير المُقَنّعة للوجع العربي بدرجة أولى، بعيدا عن الانخراط في خندق المزايدات والسّجالات العقيمة التي بات جليا للكلّ مدى بطلانها، والتي طالما مارسنا تحت ذرائعها رجما و قيودا على البوح لا تُغتفر، البوح النّزيه والأقصى هشاشة وقابلية للكسر بوصفه انْرساما ناضجا وفق ترجمة حرفية لمنطوق حالنا المأزوم.

ليس ثمّة بدّ من أن يخلُص هذا المهتمّ آ خر المطاف، إلى تسارع أشكال كتابية جديدة زئبقية تنهض على هواجس تذويب المسافة بين العقدي والإنساني، تتخلّلهما تيمة العروبة كمرجعية ومنطلق جوهري لدلالة المعطى والفضاء والذات.

لعل من بين هامات هذا السّرب في انحيازه لأولويات ما تمّت الفذلكة له، الشاعر الأردني المبدع زيد الطّهراوي، لاتسام تجربته بالمناورة تحت لواء الخلطة الإبداعية المراوحة بين النّص المقفّى والتفعيلي والمنثور، التزاما بديدن الذود عن قناعات راسخة كـُرِّستْ لأجل الذود عن قضايا العروبة المصيرية الكبرى من حيث تفشّيها الموازي لنزعة إنسانية كونية لامّة انتهاء.

مذ صدور باكورة مجاميعه "هتاف أنفاس " سنة 2013، مرورا ب "سكوت" سنة2016، ولغاية ما يتحفنا به اليوم من فسيفساء كلامية مثيرة، تتلألأ بها العديد من صفحات المنابر الإعلامية.

ونسوق هنا البعض من هذه الإلتماعات لتزكية الطرح الذي وطّئنا له سلفا، نوردها حسب المتاح لنا كالتالي:

[اعـــقـــد الـــعزم فهذي أمتي  عـــانــــت المرين قبل المقتل

مــــن عدوٍ لمس الضعف بها   فـــأتــــاهـــا مـن بياض المقل

وولـــيـــد لــــم يـــزل يخنقها   بــــأكــــفّ الــيــائس المنذهل

أمـــتـــي يـا أمتي لا تجزعي   فــــســـتـــار الـــليل لم ينسدل

لم تزل فيك شموس أنهضت  غــــــــرســـة الطــهر لنيل الأمل].

..................

[هذي أكفهم إذا التحمت

غرست زهوراً مثل أوتاد

لا الجمر يقدر أن يخلفها

فحماً وينثرها كأعواد

كلا ولا الرقطاء ملمسها

يخفي السموم وذل أصفاد].

.................

[هذي الديار إلى سكناك طامحة

و نبض قلبك قنديل يواسيها

و قد عهدتك في التغريد مضطلعا

بأن تقطر أنغاما تناجيها

لن يسلو القلب ميراثا تحببه

فكل ما فيه أفواه تناديها

كأنها العطر ما غابت منائحه

في ابعد الأرض تستشري سواقيها].

...................................

[حـب الـبـلاد ولـسـت أزعــم أنــه

أسمى المحبة أو أجـازف: منبـع

قـد عـاد أحمـد بعـد طـول فراقهـا

وفـــراق مـكــة لـحـمـةً تـتـقـطـع

لـولا غـلاة القـوم مـا خرجـت بـه

نفـسٌ تجنـح فــي الــوداد وتلـمـعُ].

.......................

[ألا اثبت أيها القنديل و اثبت فوق اشجانك

و لا تصمت إذا أبصرت ضوء الشمس يسمو فوق أسمالك

و لا تتسلق الأشواك في عزم فتغمس بالكلام المر صوت الحلم في ذاتك

إذا صمتوا لأن الصمت عشش فوقهم عمرا

فكن انت الذي صمتت قوافيه فغاب بشعره دهرا

]. لأن البوح لم ينضج لينشر عطر أفكارك

.......................

[على قدر حبّي لكم سأجيء

وأمضي مع النصر نحو دمشق بحالة عشق عنيدة

وبالياسمين أنقّي جروحي

وابني مع النشء أغلى الصّروح.

واغرس في الضوء زهر قصيدة حبّ جديدة

وأهدي لها ذكرياتي البعيدة].

......................

[ أنر بالحرف درب النّاس والدنيا

  أنر بالحرف عتما غاص في ذاتك

فكيف أراك تصمتُ رغم أمواجك

غريب أنت لا أدري خنقت أم الأسى خيم

وطال شعاع أحلامك

ألا اثبت أيها القنديل واثبت فوق أشجانك

و لا تصمت إذا أبصرت ضوء الشمس

يسمو فوق أسمالك].

..................

بوذية مسعورة ووقودها

       بالشعب في كلّ البسيطة أضرما

فانشط إلى البلدان تطلب أنسها

       فأخوة الإيمان أذهلت السما

واجنح إلى البلد الحرام مشرّدا

       لتعيش في البلد الأمين منعّما

واحفظ من القرآن الكريم نورا ساطعا

      في ظلّ مكة كي تنال المغنما].        

نستشفّ ممّا تقدّم، ملمح معمارية الممارسة الشعرية لدى زيد الطهراوي، في ارتكازها على بنيات ثلاث : عقدية وعروبية وإنسانية، يتشبّع بها الخطاب ليستقرّ في الآذهان ويدغدغ الذائقة، طاعنا بلذة المزواجة بين استرجاعات تخيلية تتمّ عبرها معاودة استثمار مخزون الذاكرة والموروث بشكل عام، وإيحاءات الحداثة المسرفة في النهل من معجم المستجدّ والطارئ والعابر للتّوقعات.

إنها كتابة نورانية متشامخة تتعالى على الهمّ الأنوي، ومتسامحة تنصب منصة تفتحها في قلب الذات، لتلقّي قوالب الصياغات المتنوعة، لمعاناة أمّة بأكملها، وتكرير مفردة "الأمة" في شعر صاحبنا، لهو دال مقصود تنبض به سياقات المعنى العروبي في هذا المضمار، وينشدّ تأويليا إلى خبئ الحقل الديني الزاخر بمثاليات فجر الإسلام.

تحضرني هنا قيمة إنسانية جسّدتها دروب الهجرة النبوية الشريفة النيّرة،  والعاكسة لروح الجماعة التي تحلى بها صحابة رسول الله الأوائل، وتنافسوا تنافس الشرفاء وأهل الشّكيمة الصافية، على إذكائها لصالح الرّسالة والإنسان كما هو مستفاد وبمعنى ما من الأثر: " لئن متّ فأنا فرد، أمّا أنت فأمّة.".

لكنّها في وقتنا الرّاهن أمّة مفكّكة ضائعة تتحسّس كوة خلاصها وعلياء حيازتها للأفضل، وطبيعي جدّا، أن تناضل القصيدة في هذا الخضمّ وتجدّف وفقا لنظير كهذا تيار، وتتسرّب إلى يبابها و قفارها الموحش زخّات الندى العائدة به جوقة أكثر من سنونوة صابئة وغير متشابهة، من زيارتها الميمونة تُجنى إرهاصات الصحو المستفز للجفون وإن تمنّيا.

ليرتقي الخطو في المتاهة التعبيرية، فيبلغ مستوى ثانيا متسربلا بأبعاد عقدية لا تستنسخ المعنى الجاهز بل تسايره إلى ما وراء ألوان عوالم محتشدة بالرؤى المستحدثة والمتيحة لتجاوزات مباحة ومعالاجات مواكبة قادرة على أن تصنع توليفة مهيبة وباذخة بين الأضداد.

هي لغة للتوأمة والتعايش والتسامح، لا تمنحها سوى ربوع القصيدة المنفتحة على آفاق أجناسية تكرّم إنسانيتنا المهدورة، وتحاول أن تعيد إليها اعتبارها، ضمن حدود أدبيات معاصرة متاخمة لمسرح طقوسيات القران الاستطيقي الشاهد على بوثقة وجودية تصهر التراثي والحداثي كلاهما كي تنحو بهما صوب مناخات والجة في تشكيل ملامح المشترك الإنساني.

تجربة واعية بسائر ما تفيض به الدّلالة الدينية المتبنية لآفاق صولة النزوع الإنساني، في مدارج الرقي وثباتا على حمم هذيانات الاستغاثة للهدر القيمي الذي ما ننفكّ نعاني تبعاته المشؤومة، والثأر الإبداعي للاستنزاف الهوياتي ومفاهيم الانتماء، ناهيك عن سيمفونية العزف ملء تشظي وانكسار الذات، على أوتار المفقود، ثرثرة بقضايا مقدّسة، مستحوذة على أسئلتنا، عدل السّليبة فلسطين والتي تأتي في صلب وجعنا الكوني وغبننا الوجودي.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي   

 

 

يكثف عنوان القصة الأولى "أطفال بلد الخير" لمحمد زفزاف الواردة ضمن المجموعة القصصية الموسومة ب "العربة" مضمون القصّة نفسها، وقد تختزل دلالته الرؤية الفكرية للكاتب المتحكمة في المجموعة ككل.

جاء عنوان القصة تركيبا اسميا ف"أطفال " مبتدأ، وهو مضاف، و"بلد" مضاف إليه و"الخير " مضاف إليه كذلك .في حين أنّ الخبر يمكن تقديره انطلاقا من القصة ذاتها ب "جائعون ".

نلاحظ أن كلمة (أطفال) معرّفة بالإضافة، وليس بأل، وهناك فرق دلالي ينتج عن  حالتي التعريف هاتين .فالتعريف بأل يضفي على المعرّف سمة التّحدد والتعيّن من تلقاء ذاته .أمّا التعريف بالإضافة، فينزع عنه هذه السّمة ؛إذ يجعله مفتقرا إلى غيره، كافتقار (الأطفال) إلى خير (البلد).

إنّ العنوان يصوّر البلد كرقعة جغرافية مفتقدة، لأي بعد إنساني، فالبلد مجرّد وعاء لا غير بالنّسبة للأطفال الذين لا حق لهم في خير بلدهم .

وتتضح دلالة تعريف البلد بالإضافة عند مقابلتها بدلالة تعريف كلمة الخير.، فتعريفها بأل يدل على التّحدّد والتّعين، فخير البلد إذن، حقيقة ثابتة.وإذا كان الأطفال لا يستفيدون من ثرواته، ويتضح ذلك من قول السارد :"وهناك ثلاثة أطفال بعيدون عنه بعدّة أمتار يتحرّشون به، وهم يأكلون قشور البرتقال ". ويعانون من الجوع "لكن مع ذلك فالخير موجود، وبالرّغم من أنه موجود، فقد كان الأطفال خلف الضاوية جياعا  ".

إن هناك من يحرم الأطفال الثلاثة من إشباع جوعهم، ويستفيد من إبقائهم على الطوى، وهو ليس فردا، بل طبقة اجتماعية، مستغلة ترمز إليها القصة ب "الفيلات "

نقف بدءا من العنوان إذن ؛على موضوع القصة .بما هو تصوير لواقع الصراع الطبقي بالمغرب.

في المتن:

تصوّر القصة صراع الضاوية من أجل العيش، وذلك من خلال بيعها للبرتقال، و تحملها مسؤولية تربية ابنها تربية صالحة بمقاييسها الخاصة، هكذا تجهد نفسها لثنيه عن مرافقة أطفال الشارع، هؤلاء الذين يتضورون جوعا ؛مما يدفع بهم إلى التخطيط لسرقة بضع ليمونات من ليمون الضاوية .وحين يغير القمع على الباعة، وتفرّ الضاوية تاركة وراءها ما تبقى من سلعتها البرتقالية، يتعاورها أطفال الشارع، ويشرعون في التهامها غير عابئين بما يدور حولهم.

في المبنى :

الشخصيات:

إن الأحداث لا تقع من تلقاء ذاتها، فلابد لها من صانع يصنعها، وقصة "أطفال بلد الخير "حافلة بالشّخصيات التي تجد نفسها في حاجة إلى الاتصال بغيرها ولانفصال عنه في الآن تلبية لحاجتها، وتحقيقا لمصلحتها .وهكذا تقف شخصية "الضاوية " شاهدة على آلاف من مثيلاتها في المجتمع المغربي اللاتي تمتهن كرامتهن من أجل لقمة العيش .وهي شخصية رئيسية تمثل البؤرة المركزية لهذه القصّة، فقد اختارها القاص لتكون رمزا لطبقة اجتماعية بأسرها، وهي طبقة اجتماعية تخوض صراعا ضاريا من أجل البقاء في معركة، وإن وصفها السارد بمعركة ربع الساعة إلا أنّها في الحقيقة ترمز إلى معركة مصيرية لا مهرب للإنسانية منها ؛معركة سيتقرّر فيها مصير الإنسان ضدّ الاستلاب بكل أنواعه وأشكاله .

إن الضاوية نموذج اجتماعي يحوي أعم صفات المرأة الكادحة، المستلبة بالانعكاس الدّيني، وبسيكولوجتها إفراز لشروط وضعها الاجتماعي، فهي حادّة الانفعال، سريعة الغضب "تلتفت دائما إلى الوراء، وهي تصرخ في وجه طفلها الصغير" .أما على المستوى الجسدي، فالسارد لم يقدم إلينا أي وصف للهيئة الفيزيولوجية الجسدية لها، لكنه بالمقابل، وظف بعض الإشارات المعبّرة عن هذه الهيئة، وهي إشارات تنطق بتشييء الإنسان، كقوله "قالت الضاوية، وهي مكومة أمام ربوة من البرتقال ".إلى جانب الضاوية تحضر شخصيات أخرى، مثل الأطفال الثلاثة، وقد برز من بينهم الطفل الأسود بكل ما يحمل هذا الوصف من دلالة قدحية مرتبطة بشكل من الأشكال االعرقية للصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان.

ويرمز هذا الطفل إلى فئة عريضة جدّا تعبّر عن حركة المجتمع المغربي،  وقد ساهمت طبيعة  النظام الاقتصادي والسياسي في ظهورها، وهي فئة  المتشردين الذين ألقت بهم روافد القهر الكثيرة إلى بحر الصراع.

لقد ركّز السارد على وصف الحالة الجسدية للطفل الأسود ؛إذ قدمه إلينا بقوله:"يصرخ فيه الطفل الأسود ذو العينين الحمراوين  "فضلا عن وصفه لحالته النفسية "إلا أن قدرته على المكر لا تبدو واضحة  " .إلى جانب الشخصيتين السابقتين نجد (ابن الضاوية )الذي قدمه لنا السارد من خلال وصف هيئته الفيزيولوجية بقوله" ضعيف، نحيف .." .علاوة عن تصوير حالته النفسية "لكن الطفل نسي تلك الركلة، تمنى أن يكون بين الأطفال " .

من خلال ما سبق يبدو أن القاسم المشترك بين هذه الشخصيات هو اشتراكها في البؤس المادي والروحي.

المكان:

أطر السارد مكانيا أحداث القصة منذ البداية، فالأحداث تجري في الساحة المتواجدة خلف الحي الشعبي وأمام الحي الآخر وسط الفيلات التي تنتشر عن اليمين واليسار.وهذه الساحة الطويلة متربة محفرة.إن الساحة هنا رمز للمجتمع المغربي المنقسم على نفسه إلى طبقتين رئيسيتين:هما الطبقة المستغلّة والطبقة المستغلَّة، ويتصل هذا المكان بالرؤية الفكرية للكاتب، فالمكان شاهد في القصة  على صراع الوفرة والجوع .

تحضر الساحة في القصة إذاً ؛مقترنة بالبؤس، فالوصف الوحيد الذي أضفاه عليها السارد هو وصف "المتربة "و، هذ يعمق الصورة القاتمة اللاطبيعية لهذه الساحة التي من المفروض أن تتخللها ألوان أخرى غير لون التراب .وإذا كانت الساحة هي المكان الرئيسي إلا أن السارد يشير إلى مكانين آخرين هما :الدار، وذلك في قوله" ولبقيت في عقر داري ". وهذه الدّار تنتمي إلى العمران الشعبي إن صح التعبير، وتتقابل مع العمران البرجوازي المتمثل في  الفيلات التي تحاصر الساحة من اليمين ومن اليسار حصارا طبقيا .

الزمان:

لا يمكن تصور حدث بدون زمان ولا مكان .وإذا كنا قد لاحظنا أن المكان يتسم بطابع الازدواج في هذه القصة ؛فإننا نلاحظ بالمقابل هيمنة مطلقة للزمن الأفقي الرتيب "المادي "على الزمن العمودي الحلمي "النفسي "، وهذا ما تدعمه المؤشرات التالية:"أما عرض الفواكه فيقتصر على البرتقال لرخص ثمنه في هذا الموسم " وأيضا "وبالفعل كان هناك خير كثير هذا العام ".إن هذه الهيمنة من شأنها أن تشي بدلالات كثيرة، من بينها عمق البؤس الروحي لدى الطبقة الكادحة المغربية .وحتى عندما نعثر على بعض الإشارت الحلمية في القصة نجدها موغلة في الفقر، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه.

أشكال الصراع:

يتخذ الصراع في قصة" أطفال بلد الخير " شكلين رئيسيين هما:الصراع العمودي بين الدولة والطبقة الكادحة (الضاوية =البروليتاريا الرّثة ) والصراع الأفقي بين الأطفال الثلاثة وابن الضاوية .ويشكل الطعام موضوع الصراع ؛فالضاوية تصارع النظام من أجل كسب لقمة العيش .والأطفال الثبلاثة يصارعون ابن الضاوية، ولو من أجل ليمونة متعفنة .وتجدر الإشارة إلى أن الصراع العمودي يحدد الصراع الأفقي ويوجهه، ويتحكم في نتائجه فقد استطاع الأطفال الحصول على موضوعهم تحت نير هجوم القمع على البروليتاريا الرثة .

وإذا كان القاص قد صور الطبقة الكادحة تفر من المواجهة،  فهو لم ينطق بالكفر، فقد عكس بشكل إيجابي واقع الصراع بدون رومانسية أو فوضوية .عكس بشكل إيجابي طبيعة وعي هذه الطبقة وآلية الصراع التي تعتمدها، وهي آلية دفاعية حتما في غياب الموجه الحقيقي، إلا أن النهاية لم تخل من إشارات إيجابية تتمثل في صمود الأطفال الثلاثة، وهو ما يؤكد صحة الموضوعة الماركسية القائلة بأن الطبقة العاملة ليس لديها ما تخسره في سبيل تحررها إلا أغلالها.

 

عاتق نحلي /المغرب.

 

 

abduljabar noriربما يبدو في أختيار الروائي شوقي للعنوان الصادم والذي يعتبر من جملة (المسكوتات) التي أختارها بشجاعته المعهودة في أسقاط ورقة التوت عنها وأظهارها للمتلقي للمشاركة في أيجاد الحلول لها .

ثمّ أن مفردات الهتلية والسرسرية تعني باللغة التركية العصملية القديمة (جامعي الضرائب) وتقول الحكاية التركية عندما عيّن الوالي العثماني نخبة الهتلية لجمع الضريبة وصلت أخبارهم بأنهم لصوص وفساد أداريين وماليين، فأستبدلهم بالسرسرية فكانوا أسوء منهم في اللصوصية والحرام، وبما أن العراق كان من الولايات المهمة للأمبراطورية العثمانية فأصبحت تستعمل كلمة "الهتلية" كمفردة تعني الأنحطاط الخلقي وكنوع من الأساءة والذم لأنها تحمل مضامين اللاأخلاق، وأن الروائي أستعمل هذه المفردة كرمزية يرمي بها السلطات الحاكمة والجائرة التي تعاقبت على حكم العراق، وتتضمن الرواية أشارات للزمكنة الجغرافية والتأريخ في العراق، وببراعة المؤلف تمكن أن يغور في أعماق المجتمع العراقي حيث زواياه السوسيولوجية لسنوات المحنة حيث أختار الفترة الحرجة في حياة الأمة في ثمانينيات القرن الماضي والفترة العصيبة بين 2006. 2008 سنوات الأحتراب التي أرتقت للحرب الأهلية حيث نقطة اللاعودة .

الهتلية بناء روائي ممتع مستعرضاً الشخصية العراقية المعاصرة بكامل صورتها الواقعية الملموسة على الأرض العراقية تشق طريقها للوصول إلى التسلط على رقاب العباد  بشتى وسائل اللاأخلاق لسد النقص الذي يعانيه من الأستلاب المادي والروحي محاولة للأستئثار بالمال العام وهو الباب الذي فتحهُ شوقي للرواية للبحث عن الحل للخروج من المحنة لذلك أعتمد الروائي شوقي على أستعراض الأحداث الشاخصة وحوّلها ببراعته المعهودة في الجزئين االشروكية والخوشية إلى رموز ودلالات وصور أستعارية دقيقة الأختيارومتقنة، وأعطى لبطل الرواية الأولوية في الظهور كي يترجم واقع حال البلد المأزوم منذ سقوط العراق جغرافية وتأريخاً في 2003، أما رجال الدين يرمز لهة بالكهنة فهم أصحاب القرار في القيادات الحاكمة الذين وحدهم يمتلكون اللعب في مقدرات العباد والبلاد، وأعتمد الواقعية التعبيرية كنمط للمسار السردي في جعل المتلقي يقوم بنفسه في تركيب الرؤى والأحداث المعروضة في النص ليرجعها إلى أصولها الواقعية المشهودة فعلا على أرض الواقع، فكانت أدواتهُ أرضية الزمكنة والأحداث المتسارعة والمستلبة من قبل أنقلابات العساكر وحكومات توفيقية متلاحقة على السلطة، نجد أن البطل ينفث آهات الندم والأحباط  بشهيق وزفير بحشرجاتٍ مسموعة تترجم وخزات الجلد الذاتي في الصفحة 110.113 أنهُ لم يكن أهلاً في تقديم القربان من دمه وروحه لأيقونة الوطن المصلوب على جدار الخوف حيث يقول (.. صمتي يعني فشل آمالي وأمانيي في الأنتصار، تعرض الروائي شوقي وبشجاعة بارعة في التصدي (للمسكوتات) التي تعايش المجتمع والتي تعتبر فوبيا للكتاب والروائيين في تهيّب الأشارة أليها أرضاءاً لجهات وأغضاب جهات أخرى كالمحرمات الثلاثة (الدين والجنس والعنف السياسي) ومسائل الحلال والحرام، والخروج عن طاعة ولي الأمر والأعراف القبلية العشائرية، فالكاتب بجرأته وشجاعته البحثية تمكن الغوص في ثنايا الأعماق والكشف عن زواياها المظلمة لينتشل تلك الموروثات العقائدية والقيمية الدينية والوضعية ويعيد صياغتها جمالياً وسردياً ويقدم مثل هذا النص الأدبي الرائع .

هتلية شوقي كريم وشم في ذاكرة المجتمع العراقي

أن نزعة اللصوصية والتخريب تبدو وكأنها ظاهرة مرضية خطيرة، وأن أعمدة علماء النفس والتأريخ منهم الدكتور " على الوردي " والعلامة المؤرخ " عبدالرزاق الحسني " والعلامة المغربي أبن خلدون أكدوا على بداوة وذكورية الشعب العراقي والترسبات الأرثية القبلية التي تحملها الشخصية العراقية بالذات من خلال قساوة البيئة الصحراوية المجدبة والمستلبة والحروب والغزوات والمجاعات والفيضانات والطاعون والحكومات المستبدة كل تلك الظواهرتبلورت في أعماق اللاوعي العراقي (نزعات جرمية ولصوصية وتخريبية) وهنا يؤيّد العلامة المؤرخ عبدالرزاق الحسني تلك النزعات الهابطة والمرفوضة أجتماعياً في كتابه تأريخ الأحزاب السياسية 1908.1958بفصله الخاص بمذكرات الملك فيصل الأول أقتبس النص التالي (الشريف حسين يوصي ولده وهو ذاهب إلى العراق : يا ولدي هذا العراق لا يؤتمن فقد غدروا بعمك الحسين بن علي بن أبي طالب حيث دعوه ثم قتلوه فأذهب أليها وحدك، وكتب فيصل الأول بعد معايشته العراقيين في 1933 في نص مذكراته (... لا يوجد في العراق شعب له فكر بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية متشبعين بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للأنتفاض على أية حكومة كانت) عبدالرزاق الحسني – تأريخ العراق السياسي ج1ص12 .

أن الهتلية في عنوان الرواية ليس بالضرورة أن تكون من الطبقة الفقيرة المعدمة، بل ممكن أن تكون من الأثرياء والموسرين أو حتى من رجال الدين، وفي القاموس السياسي العراقي المعاصر كان اغلب الرموز السياسية وبطانة دكاكين الأحزاب الرثة من طبقة الهتلية أبتداءاً من العهد الملكي الذي أعتمد بعض من قادته على الشقاة في أيام التقاطعات السياسية، أما العهد الجمهوري حيث ظهر من قادتهم شقاة وبلطجية وقطاع طرق أمثال (ناظم كزار وجباركردي وعلي رضا باوه وعلي كيمياوي وعلي صالح السعدي)، اما العهد الديمقراطي ظهر لنا فيهم بعض من الهتلية واللصوص أبطال روايات هندية وأفلام الأكشن الهوليودية أمثال (أيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق وحازم الشعلان وزير الدفاع الأسبق وعبدالفلاح السوداني وزير التجارة السابق وووو) .

وأن الذاكرة العراقية تأبى مسح أهزوجة هتلية الشارع العراقي في 1941 (حلو الفرهود كون يصير يومية) هذا الشعار المعيب والمخزي ضد الطائفة اليهودية العراقية في نهب أموالهم وممتلكاتهم وقتل وجرح أكثر من ألفي مواطن يهودي عراقي (عدنان نور الدين / كتاب هتلر في الأبريق)، وتبعهُ فرهود قصور الملوك في 1958 وثم مسلسل فرهدة الأكراد الفيلية في عام 1980 أموالهم وممتلكاتهم على يد هتلية وغوغاء الشارع، وثم نفيهم خارج وطنهم العراق، وجاء دور عرض الفيلم الهندي الديمقراطي بعد 2003 يكفي أن نقول للأختصار أن البعض من هتلية الحكومة نهبوا مبلغ خرافي يقدر ب800 ملياردولار خلال 14 عام وحولوه إلى خارج الوطن المسكين، علماً أنه أكثر من ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية!!! .

 

عبد الجبارنوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مقيم في السويد