541 فجيعة الفردوسيغتسل الروائي "هيثم الشويلي"بالوجع المخضرم مع الذكريات الجميلة التي تستوطن الذاكرة، يفتتح نصه بجملة تختلط فيها الأفراح بالأحزان يقول:«الذكريات كالنبيذ الأحمر حلوة في فوات أوانها مرة في حقيقتها»، وكأنه باستحضار الأحمر هنا/النبيذ الأحمر سيأخذنا إلى عالم مليء بالدم، يتطلب أن نسكر حتى لا نشعر بالألم، ليضيف مستهلا حديثه -كعادته- مطعما سرده بالأنثى فيقول:«يقال أنكِ شيء ما..لكنكِ كنت كل الأشياء»، وعليه: من التي ألقت بهذا الكاتب/ الروائي/ البطل في لعنتها!؟ ولماذا الوجع رفيقٌ دائم  لكتابات الشويلي!؟ أهي الفجيعة حقا!؟

يراودني العنوان وأراوده بكل ما فيه من تناقضات يجتمع فيها الرعب والخوف إلى أقصاهما، ذلك أن الفردوس هي أعلى مراتب الجنة؛ فهل يحاول الروائي أن يحيلنا على أن هذه الرواية تحتضن أقسى درجات الوجع من خلال عنوان روايته:(فجيعة الفردوس!؟) ربما.. فقد افتتح هيثم سرده بآلية زمنية تبنى فيها قالبًا استرجاعيًا مشيرا إلى أقصى درجات الحزن مستحضرا الوطن، والفقد، والغربة، تارة وأقصى درجات الفرح باستحضار أنثاه تارة أخرى، ولو حاولنا الجمع بين هاتين الثنائيتين الوطن، والأنثى لوجدنا بأن الأنثى معادل موضوعي للوطن/الأم/ العراق، ولكن المفارقة تكمن في أنّ حضور الوطن كان موجعا حد النخاع، وحضور الأنثى كان مفرحا حد السكر، موجعا حد الفجيعة. وكأن الكاتب حاول من خلال أنثاه أن يودع الشق الجميل من الوطن فيها، ليقتله بعد ذلك من خلال الحرب، والدمار الذي حل به.

ينطلق الكاتب من هذه الثنائية ليكون السرد برمته استرجاعا لذكريات حصلت وانتهت، وهذا لا يلغي تخلل القصة بعض الإستباقات التي فرضتها طبيعة البناء السردي الخاص بهذه الرواية. أحداث مضت وانقضت أعاد حضورها بلسان أبطاله، بدءً من "عبد الناصر" الذي جعله يمتهن مهنة الكتابة/كاتب،"عبد الناصر" الذي تغرب عن وطنه/العراق واستقر في كندا، هاربًا من طيف الموت/ الخديعة/الفجيعة/ الدمار/الحرب، وصولا إلى"كريم كوبرا" كشخصية تلازم مستشفى الأمراض العقلية، ولكنها شخصية متفردة، مرورا بـــ"شيماء" الصحفية العراقية الناشطة ضد الفساد، والمفسدين، حيث أن معظم كتاباتها هي اقتصاص ضد المسؤولين الكبار، الذين لا يهمهم ما يحصل من انهيار في وطنهم، لينتهي بها السرد بالاغتيال من قبلهم بعد تهديدات عديدة وجهت إليها من جراء كتابتها الصحفية الناقدة للفساد والمفسدين، "شيماء" التي تلقت أولى خطوات الحب على يد "عبد الناصر" الذي ترك الوطن بعد وفاتها، "شيماء" التي كانت الوسيط  بين كل من"كوبرا"، و"عبد الناصر" في بداية السرد، فهي من اقترحت كتابة رواية عن "كوبرا" كونه شخصية تمتلك الكثير من الحكايات الصادقة والمخيفة -التي تخص الوطن- الصالحة كمادة دسمة للكتابة، وهنا تبدأ رحلة الوجع، الذكريات، الحب، الفقد، الحرب، السلام، الغربة بكل أنواعها: (غربة النفس، الغربة عن الوطن، والغربة عمّن أحببنا). وينطلق "هيثم" من الجنون كمادة ليوصلنا إلى أقصى درجات الحكمة، والعقل منطلقا من مقولة:( الحكمة تؤخذ من أفواه المجانين).

أن يسير السرد بلسان "كوبرا" الذي يقتن بمستشفى الأمراض العقلية، هو الجنون عند الجميع، وقمة العقل عند الكاتب/ عبد الناصر/ الروائي/ هيثم ليكون بذلك السرد ثنائي، يتداوله كل من "كوبرا" و"عبد الناصر"، أما "هيثم" ففي هذه الرواية هو مجرد ناقل لأحداث غيره خارج حكائي متجانس حكائي. ينغمس السارد بكل هذه التفاصيل ناقلا لنا أزمة العراق وصراعها مع السلطة الفاسدة بلسان الأنثى/شيماء التي هي في الحقيقة معادل موضوعي يحلينا على العراق. وبين الفساد والصلاح يتجلى الصراع الذي ينتصر فيه الفساد في الأخير على الصلاح، ممثلا في حقيقة اغتيال شيماء. وتنتصر فيه الحرب على السلام، والفقد على الحب، وهنا الكاتب ينتصر لفجيعته رغم كل المحاولات الكبيرة منه، والآمال التي حاول أن يجعلها تكبر في قلبه قبل عقله لجعل العراق وطن يشبه باق الأوطان، لكنها الحقيقة المرة التي تجعله يستسلم للفاجعة التي التصقت بتلابيب الكتابة، لينتهي السرد بأمل مؤجل ارتبط ببالونة سلام أطلقها الكاتب في عنان السماء/ سماء الغربة/كندا قدمتها أم لابن مجنون صفعه أثناء استرجاعه لأحداث الرواية برمتها وهو جالس يتأمل البحر، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن تلك الصفعة أفاقت العقل الباطن لـــ"عبد الناصر"، أفاقته من وهم عشش في لغته بصوت "كوبرا"/ المجنون ظاهريا/الحكيم باطنيا، وهنا يتجلى لنا بوضوح الصراع الحاصل بين العقل الظاهر والعقل الباطل، يتجلى لنا خطاب العقل والجنون ممثلا في تلك الصفعة من قبل المجنون، والتي تحيلنا على العقل في حد ذاته. أمّا تلك البالونة البيضاء فهي الأمل الهارب، في فضاء سماء غريبة غربية لا تشبهه، الأمل الدفين الذي يتضمن رسالة الكاتب للسلام/اللون الأبيض قد يكون مفادها أن العراق سيرفع رايته وسيعود المجد مرة أخرى للوطن.

إن المتأمل لهذا السرد الذي تتشابك فيه "خطابات العاقل والمجنون" يستشف بأن الكاتب أوهمنا في البداية بأن "كوبرا" مجنون، ولكنه في الحقيقة فضّل الجنون على العقل؛ أي أنه فضّل البقاء في مستشفى الأمراض العقلية، على الاستقرار في وطن عاقل والتعامل مع عقلاء!. وهذا الهروب هو حكمة لاذ بها كوبرا ليقول الكثير عن الوطن تحت مسمى الجنون، وكأن الكاتب/هيثم، والراوي/ عبد الناصر اختارا –أيضا- الجنون كوجهة لقول الحقيقة عارية دون خوف، ذلك أن البوح بالحقيقة هو موت للذات، ولعل اغتيال شيماء أكبر دليل على أن الحقيقة تموت مهما صمدت، والبوح بها عارية في وطن يستجيب للرشوة، ويخرس كل الأفواه الناطقة بالحق موتًا. وعليه فإن اختيار"كوبرا" هو اختيار حكيم، وهو قمة العقل، هو اختار الجنون ليبوح بكل الملابسات الخاطئة التي تقام جهرًا وخفية في وطنه، واختار ولاذ بعقله من هذا المجتمع المريض/المجنون، واستقر في مستشفى الأمراض العقلية الذي أصبح يمثل له حدود الوطن، وما خرج عن تلك الحدود فهو وطن آخر لا تمثله سوى الحدود الجغرافية. وبذلك نفهم بأن كوبرا في هذا السرد هو صدى صوت الكاتب والراوي عبد الناصر، وكأن الذي لم يستطع البوح به الكاتب والراوي خوفا من فجيعة الموت، قالاه بصوت كوبرا.

وعليه ينتصر خطاب الجنون/العقل، على العقل/ الجنون. وتنتصر الكتابة الإبداعية/التي يعتبرها الكثيرون -ضرب من ضروب الجنون- على الواقع المر، وتنقل الحقيقة/ حقيقة الواقع/ الوطن/ الحقيقة عارية في ثوب إبداعي جميل دون أي ضرر، وكأن الكاتب أراد أن يحيلنا -بعد أن قتل شيماء واغتيالها/ التي تمثل صوت الحق-، على أن الحقيقة تبقى عارية مهما أراد الآخرون قتلها، وأن صوت الحق سيجد ألف طريق ليمر وينصر الوطن، ولعل هذا ما مربطه بالنهاية/ الأمل، والسلام المأمول مستقبلا/ البالونة البيضاء.

 

بقلم: د. رحمة الله أوريسي/ الجزائر- ورقلــة

 

الكبير الداديسييبدو أن ذائقة أدبية غدت تتكون في السنوات الأخير، بخلق أشكال تعبيرية تتناسب وتغييرات المجتمع،  ولعل من أقرب  تلك الأشكال لخصوصية عصر السرعة، ما أضحى يعرف بالقصة القصيرة جدا، هذه الكتابة التي تقوم على التكثيف والإيجاز وتقديم نص مركز في  جمل مختصرة موحية يقتصر فيها الكتاب على أقل عدد ممكن من الشخصيات. مع تكثيف الحوار والاستغناء عنه إذا أمكن. واختزال الحدث القصصي بشكل يكاد يغيب فيه المكان والزمان.. وهو ما يحيل  لغتها سهاما موجهة نحو الأهداف التي يحددها الكتاب، ناهيك عن تنامي تعاطي الأجيال الصاعدة مع هذه الكتابة الحديثة في أدبنا وهو ما غدا يفرض علينا كنقاد ضرورة الانتباه لما يتشكل حولنا، ومقاربة هذه القدرة الخارقة  للجيل الناشئ على  اختزال كل مظاهر صراعات المجتمع في هذه الكتابة المكروسكوبية، بدل صم الآذان عنها، والاكتفاء بالحنين إلى الأشكال التعبيرية التقليدية التي يتآكل  يوما بعد يوم عدد المقبلين عليها، وهو ما يبشر باحتمال تربع القصة القصيرة جدا على عرش الثقافة العربية المستقبلية واحتمال إزاحة الرواية التي أزاحت الشعر من على صهوة الثقافة العربية،  ولنقرب القارئ من خصوصية هذه الكتابة الزئبقية نواصل النبش في بعض المجموعات القصصية للقصة القصيرة جدا لنقف اليوم على مجموعة (عندما يزهر الحزن) للقصاص المغربي عبد الغفور خوى متسائلين عن مدى إمكانية هذه الكتابة المختزلة عن معالجة القضايا الكبرى التي تؤرق بال المفكرين؟؟ وإلى أي حد يستطيع الإيجاز المختصر تعويض الإطناب المفصل في  مقاربة قضايا متشعبة مثل الدين، الجنس والصراع الطبقي؟؟

المجموعة القصصية (عندما يزهر الحزن) مجموعة تقلب تصورات كل من له رأي سلبي حول القصة القصيرة جدا، لما يتداخل فيها من نقد صريح  للفكر للخرافي، واستغلال الدين، وإشادة بالفكر الفلسفي العقلاني بطريقة تخلخل الموروث والحاضر مع  الانفتاح على الأسطورة، التاريخ، الدين، السياسة، الأدب، التصوف، علم الكلام... وهو ما يتطلب من القارئ أن يكون مسلحا بثقافة موسوعية وإلا انفلتت منه خيوط هذه الكتابة المجهرية...

(عندما يزهر الحزن) مجموعة قصصية صادرة  في طبعتها الأولى عن مؤسسة الرحاب الحديثة بيروت لبنان 2018، وعلى الرغم من الإغراء  والجاذبية التي تفرضها العتبات القرائية والمؤشرات الخارجية على القارئ، خاصة عنوان المجموعة الاستعاري، وصورة  الغلاف الحبلى بالدلالات والقراءات وهو ما يشرع تلك العتبات على فضاءات من التأويل لا حدود لها، وعلى تصور فرضيات قرائية بعيدة المدى، قبل أن يجد القارئ نفسه في متن مجموعة أكثر عمقا وإغراء، لذلك سنغض الطرف، ونتجاوز الوقوف على هذه العتبات، لنبحر بالقارئ في ثنايا  هذه الكبسولة المكثفة،  ونسافر به من خلالها في تاريخ الأديان والفلسفة والفكر عموما ....

(عندما يزهر الحزن) مجموعة قصصية تضم 53 قصة قصيرة جدا  بعناوين مشحونة بكل المعاني السلبية التي يمكن أن يتخيلها عاقل منها هذه العناوين (مروق/ القتل /  خدعة/  هروب/  هجرة/ يتم/ إبادة/ طرد/ مؤامرة/ خوف/ عبودية / عبودية متجدرة /  انتحار/   تحول /غايات متباينة/   حرمان / تناقض/ انفجار/ قتيلان / إدراك متأخر/ لغو/ وأد/ تجسيم/ سفور/  ترهيب/ تبرير / انتهازية/ اعتقال/  الفئران التي تضخمت/  نباح ....)

المجموعة كما يبدو من عناوين قصصها نقد قوي وصريح لقيم متجذرة في مجتمعاتنا العربية خاصة ما يتعلق منها بالتالوت المحرم (الجنس، الدين، والصراع الطبقي) لتجعل المجموعة من الإنسان  بؤرة اهتمامها؛ ماضيه  حاضره ومستقبله  منذ نزول آدم إلى الأرض، وقتل قابيل لهابيل  إلى الآن، وما يتشكل في الحاضر المعاش أمام أزمة القيم  التي تستفحل يوما بعد يوم فتخلخل بعض ما كنا نعتقده مسلمات ثابتة في تحقيق النجاح في الحياة، كاعتبار العمل والمثابرة السبيل الأوحد للنجاح  والتفوق، لتقدم لنا المجموعةُ  النملةَ رمز الكد  والعمل وهي تقف على باب الصرار (رمز الكسل والغناء) تستجدي كرمه ليردها خائبة ويـ(نصحها بامتهان الغناء فالصراصير تغني وتربح مالا وفيرا) ص 19  واقع تغيرت في الأرض تحت أقدامنا، والسماء فوق رؤوسنا دون أن ندري أسباب هذه التغيير لنستمع لبطل  إحدى قصص المجموعة لما تطلع إلى السماء ألفاها خلت من العصافير التي كانت تزينها... (بحث عن السر جاءه الخبر اليقين : صارت للقطط أجنحة) ص 20، هكذا أمسى واقعنا  يعرف ظهور  أشياء غريبة غير مألوفة في عاداتنا وتقاليدنا فهذا البطل لما أمعن النظر في الواقع  لم يجد سوى (الديار على عروشها خاوية، رأى إخوة يرمون بأخيهم في غيابات الجب رأى أُسُودًا تولي الأدبار وخراف تلاحقها، رأى الشعراء يتوسلون خبزا حافيا  رأى مومسا تقود بغالا بخيط عنكبوت...) ص 45 هذه التغييرات وغيرها في المجموعة كثيرة أصبحت  تفرض علينا  تغيير السؤال الفلسفي؛ إذ لم تجد إحدى بطلات المجموعة  اي جواب عن سؤال هل ينحدر الإنسان فعلا من اصول حيوانية؟ سوى القول: (ليس المهم من أي ن ينحدر الإنسان. لكن المهم هو إلى أين ينحدر؟) ص 13.

أمام تنوع وتعدد تيمات المجموعة القصصية وتنوع طرق مقاربتها لعناصر الثالوث المحرم (الجنس، الدين والصراع الطبقي)، وخوفا من إغراق القارئ في بحث مطول سنكتفي بإطلالة على  نقد المجموعة للفكر الديني، وتوظيفها  لبعض القَصص والإحالات الدينية وتكييفها مع الواقع المعاش، ذلك أن ساردوا قصص المجموعة استلهموا الكثير من الإيحاءات الدينية للتعبير عما يعيشه العالم العربي اليوم بطريقة فنية دالة  فتعالوا نرى كيف استطاع مجموعة (عندما يزهر الحزن) توظيف هذه الإحالات الدينية، وتلك القصص والنصوص الغائبة في رصد ذبذبات الواقع:

للتعبير عن موقف القاص من الهمجية الصهيونية وظف قصص عدد من الأنبياء  فقال في قصة " إسراء"  وبعد  أن بين في جملة وحيدة كيف خُسِفت الأرض  بقوم لوط وأغرق الطوفان قوم نوح  وبعد أن أصبح المكان خلاء (أسري بكتائب جند قبائل الأشكيناز والسافرديم إلى بيت المقدس لإحياء سنن القتل) ص 11، مع الإشارة إلى أن معظم القصص الذي وظفها السارد  ربطها بالقتل؛  وللتعبير عن تكميم الأفواه  وخنق حرية التعبير استحضر  تسميم وقتل الغوغائيين لسقراط بتهمة إفساد أخلاق الشباب  مستلهماً قصة المسيح ابن مريم كما وردت في القرآن فقال في سقراط: (وما قتلوه وما سمموه وما وضعوا في القبر سوى قميصه) ص 15 لتكون للإحالات القرآنية دلالة تعبيرية تتناسل خلفها الدلالات...

وبطريقة فنية استوحى  من قصة موسى ما يخدم موقفه من الهجرة السرية فقال السارد في قصة "هجرة": (خرج الجمع الغفير يبغي أرضا لا يظلم فيها أحد، ولما وجدوا البحر أمامهم قالوا إنا لمدركون، لكن زعيمهم فلق البحر نصفين ومع طلوع الشمس  لفظ البحر عشرات الجثث) 17، هذه الجملة القصية تختزل معان يستحيل الإحاطة بها جميعا في مقال مهما كان حجمه إذا ما أردنا الجواب عن أسئلة سبب خروج هذا الجمع؟ ومن هو الزعيم الذي فلق البحر؟؟  وعن نتائج الهجرة خاصة غير الشرعية منها ؟؟؟

وقد يعسر على إنسان بسيط أن يجد علاقة بين قصة سليمان وأحداث 11 شتنبر  لكن عند قراءة القصة القصيرة جدا  (مؤامرة    twin towers) يدرك القارئ كيف تمكنت هذه القصة بجمل مختزلة من تشبيه إسقاط الإرهابيين للبرجين التوأم في الأحداث  بقرض الدويبة لعصا موسى فيماثل بين هيبة سليمان في عصرة وهيبة امريكا اليوم  وبين وضاعة الدويبة ووضاعة الإرهابيين  لنستمع له في هذا التشبيه  يقول: (برجان عظيمان يتهاويان، جثة سليمان وهيبته تسقطان. لما مات سليمان الحكيم انتفض الإنس والجن لكن دويبة الأرض الصغيرة ظلت هادئة رغم أنها هي التي قرضت عصاه فتهاوت الجثة  وتهاوت معها الهيبة) ص22  وكما وظف علاقة  الدويبة بسليمان  لإبراز موقفه من  الفكر  الداعشي، عاد لقصة سليمان والنمل لتكريس نفس الموقف فقال في قصة سفور (لما اقترب قوم الدواعش صاحت النملة: أيتها النملات ادخلن بيوتكن أو أدلين من جلابيبكن. ضحك كبير الدواعش  وداسها بحذائه الثقيل  ثم قال: " هذا جزاؤك يا سافرة")ص47 وهي إشارة ذكرية  ذكية من الساردة لعلاقة الفكر الذيني بالجسد العاري ولو كان جسد نملة...

ولتصوير ما مأساوية الواقع العربي، وتأرجح الحلم العربي بين اليأس والأمل  تم توظيف القميص بالنهل من قصة يوسف عليه السلام وقصة عثمان بن عفان حيث حضور القميص بدلالات مختلفة عبر عنها السارد  في قصة " قميصان" بقوله (رمى البشير بقميص يوسف على وجه يعقوب فانجلى عن عينيه العمى لكن لما رأى الناعي بقميص عثمان على وجه الأمة أصيب بالعمى) ص40

هكذا يتناسل توظيف المجموعة لقصص القرآن بهدف نقد الواقع ونقد الفكر الديني التقليدي سواء تعلق الأمر بالقضايا الاجتماعية البسيطة كعلاقة الرجل والمرأة مثلا وخصوصية المرأة في هذه العلاقة كما في قصة (كبرياء) ص 42، أو تعلق الأمر بالقضايا الدينية الصرفة كمسألة تجسيد الإله في المسيحية كما  ورد في قصة (تجسيم) التي سخرت من فكرة تجسيم الإله بطرقة فنية . ورد في القصة: (بعد أن أقنع الأب هنري مارتن البدو بأن المسيح هو الله امتلأ قلبه غيضا لما سأله مزارع (إذن الإله يتغوط؟) ص 47

إن انتقاد الفكر الديني لم يجعل المجموعة القصصية تقف عند قصص القرآن بل انفتحت على علم الكلام والفرق الكلامية والتصوف وما تعرض له بعض المفكرين والمتصوفة في تاريخ الإسلام أثناء تعاملهم مع الأسئلة المحرجة واستغلال بعضهم للوضع بالصمت أو التحالف مع الحاكمين: فقال في قصة "ترهيب" : (هل يستطيع الله ان يرسل نبيا بعد محمد ؟ هل يجوز بناء مجسم للكعبة للطواف حوله بغرض الحج؟ بالجواب على السؤال الأول  قتل السهروردي. وبالجواب على السؤال الثاني صلب الحلاج. لهذا صمت النفري) ص49، لإبراز جبن الفكر الديني التقليدي  وعجزه عن الإقناع صوره في صورة المجبول على قتل معارضيه والتنكيل بهم دون شفقة  ففي قصة "تعبد" تبرز المجموعة  كيف تم قتل عدد من العلماء بدعوى التقرب إلى الله: (صلبوا الحلاج على خشبة قديمة. ذبحوا الجعد بن درهم عند قدم المنبر، قطعوا أوصال ابن المقفع مبتسمين، أحرقوا جثة لسان الدين بن الخطيب مكبرين. ثم رفعوا الآذان وصلوا في المسجد الكبير جماعة) ص 50، لتعيد المجموعة الكرة في قصة " تعبد أيضا" وتبرز أن الفكر الديني لا يقبل من يوجه إليه النقد وأن الحكام قد يباركون تلك الأفعال: (لما جهر الشيخ بالحق قطعوا لسانه وشنقوه على جذع نخلة. لما نبههم العالم إلى أخطائهم، دفنوه حيا في رمال الصحراء. لما انتهى الحول  تجهزوا لحج البيت الحرام على نفقة الحاكم بأمر الله) ص 51 ...

هكذا تواصل المجموعة هجومها على الفكر الديني التقليدي الذي يطبق القصاص على السارقين  الصغار الذين يسرقون في العلن دون السارقين الكبار الذين يسرقون في السر، فيبرز ورطة السياف وتبريره للسرقة بنص شرعي  في قصة "تبرير" التي ورد فيها": (لما هموا بقطع يده صاح في وجه السياف : أسارق السر يقطع يد سارق العلن. أجابه السياف  ويحك أما سمعت بالحديث " إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا) ص52.   ومن مظاهر الفكر الديني التي تنتقده المجموعة، ركون بعض رجال الدين للانتهازية  وانحيازهم  دائما للفئة المنتصرة، كما فعل بطل القصة (انتهازية) لما (أغلق باب بيته عليه وقال: الصلاة وراء هذا إثم  وسماط ذا أدسم، اللهم انصر من انتصر سأصلي وراء من غلب) ص53، ولجوء البعض منه إلى التقية والنفاق وإظهار عكس ما يبطنون  فيطبقون الإقصاء ويرفعون شعار الديمقراطية هكذا تواطأت المجموعة على قتله عالم  لأنه قرأ (إذا الموؤودة سئلت باي ذنب قتلت) وفي قصر العدالة احتفلوا بالذكرى السنوية  لحقوق الإنسان) ... وحتى أئمة المساجد لم يسلم من انتقاد المجموعة فألفياناها توجه سهام نفدها للخطباء فقالتفي  خطيب الجمعة يقصة "لغو": (قال " ومن لغى فلا جمعة له ".. ثم بدأ حصة أخرى من جلد اللغة والدين والتاريخ وكل الباقيات الصالحات بأقصى درجات اللغو) ص45

هذه إذن بعض السهام التي وجهتها المجموعة للفكر الدين العقيم المستفيد من الوضع القائم،  والمتخالف مع التحالف الطبقي المسيطر والذي جرفه تيار العولمة والنظام العالمي الجديد،  لتقل الأصوات المعارضة فلم  يعد من المارقين إلا النزر القليل  هكذا انبطح الجميع وبعد النداء (اجتمعت الأعراب أمام باب الهيكل إلا حنظلة فكان من المارقين) ص9 ومن أبى واستكبر تواطأت عليه القوى الحاكمة، والتواطؤ متأصل في المستفيدين من الوضع فمنذ قتل قابيل لهابيل  (تواطأت الأرض لما شربت دم القتيل) وشارك الغراب في محو آثار الجريمة)  دون أن ينال المجرم والمتواطئ جزاءهما فإلى اليوم  (الأرض لم تحجل)  و(الغراب إلى اليوم لم يشب) 10 بهذه التواطؤ  تحول المجتمع غابة لم يعد فيها سوى  الثعالب والخنازير  بما ترمز إليه هذه الحيوانات من مكر، خديعة وخِسَّة فقال:  (لما اجتمعت الثعالب ذات مساء لمناقشة أمر يهم الغابة كلها  تلصص على الجميع ... فلم يجد سوى قطيع خنازير) 12  لذلك كان طبيعي أن يسود الظلم وتبقى أدلة القتل شاهدة على ما نعيشه فبعد أن دمرت العاصفة كل شيء بما فيها سجن المدينة (لم تستطع العاصفة حل عقدة حبل المشنقة التي كانت منصوبة في ساحته)،

إن مجموعة (عندما يزهر الحزن) تعود بالقارئ إلى الكتابة الإيديولوجية التي تقارب  تحالف السلطة والفكر الديني لقمع  كل المعارضين، وطمس الحقائق  ولنر كيف استعار عن ذلك  بهذه الصورة في قصة خوف (كل الحمام الذي كان في الأيكة افترسته النسور الصلعاء كل الحملان التي كانت ترتع إلى سفح الجبل أبادتها الذئاب أما الهدهد الذي كان يأتي بالخبر اليقين فقد سملوا عينيه) ص 23 وهو ما جعل (حاميها حراميها) وحول حراس بيت المال  إلى  سراق بيت مال الأمة  الذين (يطالبون بتوزيع الغنيمة بالعدل)

لقد استطاعت المجموعة تعرية الواقع  تبيان  مدى قوة التحالف الطبقي المهيمن مما جعل الطبقات المقهورة تقبل واقعها، ولا حيلة للمغلوب أمام الغالب،  وما عليه سوى التصفيق للأسياد حتى وإن كان إيذاؤهم لا يحتمل  كما في هذه اللوحة المعبرة في قصة "استبداد"  التي يتسلى فيها سيد  بقتل صبي (قتل صبيا رميا بالسهام  صفق الأب طويلا لمهارة سيده العظيمة في الرماية) ص26 إنه واقع ألف فيه العبد العبودية  واستعصى عليه المطالبة بحقوقه، بل استعصى عليه التمتع بها في خياب السيد  (فتح باب القفص وذهب إلى عمله .. لما عاد مساء وجد القفص لا يزال مفتوحا والعصفورة البيضاء لم تبرح مكانها) ص28، وحتى إذا ما سأل  السيد تابعه : هل أنت راض عن عبوديتك  يجيبه (فداك سيدي أنا مرتاح جدا أقسم لك بديننا الحنيف) ص27

هذا هو الواقع الذي تقدمه مجموعة "عندما يزهر الحزن" للقصاص عبد الغفور خوى، الذي يرجع السبب في ماساوية الواقع إلى تفشي الأمية وتراجع نسبة القراءة  وهو ما عبر عنه في قصة "القراءة" عندما قارن بين قتل الفلاحين  لدود القز داخل الشرنقات لإحراج الحرير سالما  وبين قتل الملاك للفلاحين ليؤكد أن (المأساة مستمرة لأن المزارعين لا يقرأون الشعر والدود لا يقرأ أصلا) ص30، ويبين أن التحالف الطبقي يتلون مع المواقع  فلما (قررت الخراف أن لا تبقى خرافا  منذ ذلك التاريخ لم تعذ الذئاب ذئابا) ص33  هذه بعض أسباب مأساوية الواقع  مع غياب أي مؤشر إيجابيينبئ بتحسن الأحوال  ما دام (لم يبق بحديقتنا سوى النباتات الشوكية  أما الأزهار الجميلة فقد سرقوها في غفلة منها) ص32  هذه المعطيات وغيرها جعلت  السارد لا يرى شيئا في الأفق سوى (شمس حارقة والمدينة تعلق على أبوابها المشانق تسائل ما جدوى التطلع إلى أعلى؟) ص31 .

وأن ما نعيشه ليس سوى نتيجة طبيعية  لسنوات الجمر والرصاص التي ذاق فيها المغاربة كل أنواع العذاب وجعلت مَن كان طفلا أنئذ يمر بجانب بناية ويسمع صراخا عندما كبر وقرأ عن سنوات الرصاص فهم ما كان يجري داخل البناية (لكنه لم يعد يفهم ما يجرى حوله) ص43 . إن السنوات التي كان فيها الأفراد يعتقلون  بدون سبب ولأسباب تافهة كإلقاء القبض على  بطل  قصة "اعتقال"  بتهمة:  (في بيتك أشخاص مشبوهون : غيفارا، أبو در الغفاري  مالك بن الريب وكل الأشرار) ص55 سنوات الجمر والرصاص إذن هي السبب في ابتعاد الشباب عن السياسة، وهي السبب في  مأساوية وفظاعة الواقع، مأساوية  حتمت على السارد التوقف عن السرد  وفسح المجال للكاتب ليعتذر للقراء فقال في نهاية قصة (خوف): (عذرا السارد لم يستطع إتمام الحكاية) ص 23 ، وقال في قصة "انتحار" (نكاية بنقاد القصة القصيرة جدا فإني بوصفي كاتبا سأقطع حبل المشنقة قبل أن تحل الكارثة) 29

ما يستنتج إذن هو أن القصة القصيرة جدا شكل تعبيري رغم قزميته فإنه قادر على احتواء قضايا وإشكالات كبرى، وأن المشكل ليس في طول أو قصر القصة، إنما في عمق المعالجة، والقدرة على اختزال الفكرة، وتسديد الضربة لتصيب الهدف المنشود.

 

الكبير الداديسي

 

537 ترتريقول الروائي والكاتب الروسي نابوكوف (1977-1899من أشهر أعماله رواية لوليتا): لا أعتقد بأن أية سيرة ذاتية قادرة على الكشف عن خبايا حياتي الخاصة .

يعود بي الروائي نزار عبد الستار الى هذا القول، وأنا أقرأ روايته (تِرتِر) الصادرة مؤخراً عن دار (نوفل) للنشر، فهو السارد والصحفي المعروف، إلا ان نزار يكشف عن مواهب أخرى له، لأن الرواية تقدم كاتبها في أقوى حالات تدفقه، مستثمراً رصيده المعرفي في التاريخ، والهندسة المعمارية، وتصميم الأزياء والإكسسوارات، والأثاث والديكور، والخبرة في الألوان، ومهتماً بنسج الملابس، هذه الخصوصية لا تترسخ إلا عبر تراكم الخبرة .

جمع نزار كل هذه المؤهلات لبناء سردي وفق آليات الإنشغال في التنقيب والبحث عن الأعماق بدقّة ومهارة وصبر، ليحقق التمايز في الشكل وإستثمار التناقضات حيث تأتلف بما يشبه الغرابة لخلخلة الحياة الإعتيادية، بواقع سحري يجمع الحقيقة بالأسطورة، الصدق بالخيال، الحضارة في قلب التخلف، فتاوى دينية في مواجهة رياح العلم والحضارة، توجهات وطنية وإنسانية، وأخرى تآمرية ومتخلفة، مع التداخل في الوصف المغرق بالشعرية والتفاصيل .

يمكن أن توصف رواية (ترتر) انها رواية (السؤال)، فالروائي وضع المتلقي منذ البدء في حيرة السؤال، يبحث عن المعاني والرموز والدلالات، (ترتر) التي لم ترد سوى أربع مرات في الرواية، ما تأثيرها في تشكيل الأحداث؟ وما معنى إختيارها عنواناً للرواية، آينور هانز الشخصية المحورية الرئيسة في الرواية، وعشيقها رودولف الذي إنتحر في السجن لأسباب غامضة، هو الآخر موضع تساؤل .

خصوصية ترتر بإختيار موضوعاً من تاريخ العراق وتراثه الغني بالروافد، فالرواية تتناول فترة زمنية تبدأ في اسطنبول 1898 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية وإحتلال الإنكليز للموصل 1918، عشر سنوات هو زمن الرواية، إتخذت منه محوراً لحركة الأحداث المتزامنة أو المتناوبة، ووضعت نفسها في إطار مكاني محدد (الموصل – المدينة)، وإقتضت الضرورة نقل الفعل السردي من الزمان الى المكان، لإعطاء حركة أوسع وخصوصية أعمق لواقعية الكتابة .

الكتابة عن الماضي رغم صعوبتها، إلّا انها تظل أكثر متعة وحيادية من الكتابة عن الحاضر، التي تبدو مثل الكتابة عن رمال متحركة، ومن هنا صعوبتها، كتابة عن عالم لم يعد قائماً، لذا إزدهرت الرواية التي إهتمت بالزمن، كما إزدهر الوعي النقدي فيها، وتشعب الإهتمام بأساليبها الفنية الرامية الى إعادة ترتيبه وإسترجاعه .

( آينور هانز) إبنة الضابط الألماني الذي قتل خطأً في ميدان الرماية، بعد ولادتها بسنة وأربعة أشهر، أمها نريمان المسلمة التي تزوجت ثانية من منير باشا، تعمل في وكالة توماس كوك الألمانية كمرشدة سياحية، يختارها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لمهات التمهيد لمد سكة حديد برلين- بغداد في الموصل، تنفذ آينور إرادة السلطان بالسفر إلى الموصل، في ظل ظروف الصراع بين الإنكليز والفرنسيين والألمان، ومخاوف الدولة العثمانية من متغيرات العصر، وما تضمره تلك الدول من أطماع إستعمارية، تباشر آينور بتنفيذ مشاريعها في المدينة، بتأسيس صناعة نسيجية، ومساعدة التجار الألمان على العمل والتوسع نحو بغداد والبصرة، وإنشاء مستشفى وأسواق جديدة، وجمعيات علمية، والتخطيط لبناء جامعة الموصل . فشرعت بالإندماج بالحياة الموصلية والتعلق بأهلها ونسائها، والشغف بجسرها وشوارعها، يؤازرها عدد من الخبراء والأصدقاء نساءً ورجالاً، كروغر هايس، شاؤول جلعادي، الطبيب جرجيس غزالة، حارسها تابور، وخادمتها بريتا، وجليلة السعرتي إبنة الوالي، والعازف زكريا .تزداد تعلقاً بساعات الفجر الموصلية، تمتلكها رعشة هادئة وهي تستنشق رائحة نهر دجلة .

رواية(ترتر)، ولدت في وسط معمار بشري متنوع، فهي رواية (الموصل)، لاتنفصل عنها، مثلما لاتنفصل (يوليسيس) عن دبلن، والبحث عن الزمن المفقود عن باريس، وأعمال كافكا عن براغ، (جعلت آينور الموصل تبدو كمدينة مريبة، فبينما وجوه الناس متغضنة بالتعب، والطرقات مسننة بمتيبسات الطين، ومختنقة بالغبار، كان متجرها للملبوسات في شارع الكورنيش، وسوق الألمان في باب الطوب يشيعان الترفع، ويبدوان كعلامتين على لعنة قادمة) .

سعت الرواية إلى التسجيل والتوثيق لمرحلة سياسة مرّ بها العراق، وإعتمد الروائي الموروث شكلا ومضموناً، لكنه تدّخل في الذوات الإنسانية، باحثاً عن يقينيات جديدة، مضيفاَ ذلك إلى السجل التاريخي والجمالي للإنسان، فلجأ إلى فرض أشكاله ومضامينه وبُناه، يجرّب الرموز ويعود للأساطير فضلاً عن إستعانته بتقنيات الكتابة الحديثة .وسط مناخ سياسي وإجتماعي دائم الحركة لايعرف السكون، صراع يستمد مادته من طبيعة العقلية التي تتعارض مع مشاريع آينور الإنسانية، ومغامراتها التي تمضي بها نحو النهاية المحتومة، رجال الدين يسكتون عن نهب خزينة الولاية، ويغضبون لبيع ملابس داخلية شفافة !تُهاجم مؤسسات آينور وتُحرق الأسواق، وتهدد حياتها مع تصاعد هجمة معاداة التطور، (كانت آينور حزينة العقل متورطة القلب، تتوق للخلاص، تتمنى ان تنثر القروش التي تملكها على الأرض عند باب الجسر ليلتقطها كل عابر)، يخاطبها السلطان بعد عودتها الى اسطنبول : لقد أثبت أنك أشجع من جيشي السادس .

يحضر الجنس في الكثير من فصول الرواية، وأغلب المشاهد لها علاقة بحضور رودولف المتخيل، فهل سعى النص إلى تصوير الجسد كقيمة فنية ؟ وكانت اللغة الجنسية تخفي قمعاً من نوع آخر؟ أم أنها تمنح المتخيل واقعيته ؟ فيبدو العالم الروائي الوهمي حقيقياً .(رودولف يدقق في عري آينور قارئاً طالع العالم في برعم بظرها الوردي، يعتقد رودولف ان النوم أربع ساعات بساقين متلاصقين يخمّر المهبل)، وأمثلة من هذا المستوى كثيرة في الرواية، بلغة لاتبدو متقاطعة مع لغة النص، وكلاهما تكشفان عن الحقيقة الإنسانية في عريها الفاضح، زيف المجتمع ونفاق الاخلاق، بوصفها ستائر (تِرتِر) ملونة لإخفاء البشاعات المضمرة . فالرواية هنا شكل معرفي تتداخل فيه الأجناس، في لغة سرد مؤطر بمناخ تاريخي، فحققت خصوصيتها الفنية كرواية بهوية عراقية، وبنفَس محلي صميم مع فرادة التجربة الإنسانية وتميزها .

 

جمال العتابي

 

صالح الطائينجح العالم الغربي في تجاوز أكبر عقدتين في الوجود، فنجح فيما بعد في تشكيل رؤى جديدة مكنته من التربع على عرش التحضر والتقدم العلمي، الأولى هي نجاحه في التخلص من أسر التاريخ، والانطلاق في فضاءات اللحظة الحاضرة. ومن ثم نجاحه في تبديل وتغيير المفاهيم والمصطلحات الموروثة، ووضع مفاهيم ومصطلحات جديدة، تتماهى مع نمط حياته غير التقليدي، على خلاف باقي الشعوب الأخرى ومنها الشعوب العربية والإسلامية، ولاسيما الشعب العراقي؛ الذي يتمسك بمصطلحات ومفاهيم الموروث إلى درجة القداسة، ويقدس اللحظة التاريخية إلى درجة الجنون، حتى أنه لا يتمكن من إيجاد نفسه إلا من خلال نافذة التاريخ المفعمة بالشعارات، يطل من خلالها على دنياه الحاضرة، ليجري المقارنات والمقاربات، ليترجم حالة الأسر التاريخي التي يرفض التحرر منها، إلى درجة أنه يعتقد أن الابتعاد عنها عدة أمتار، سيلقي به في مفازة الربع الخالي بلا دليل.

لقد حاول بعض الأدباء تقليد الغرب في منهجهم التجديدي، دون أن يلتفتوا إلى هذه الجنبة، وخصوصيات الواقع، فجاء نتاجهم خديجا مهددا بالموت، ونجح غيرهم في توظيف هذه العلاقة وفق أطر كينونة الواقع لخلق واقع جديد، يسعى إلى إحداث عصف ذهني، ربما يُمكِن العربي من التمرد على قيود التاريخ، والانطلاق في عالم اللحظة. صحيح أنه أسلوب طارح للإشكالات، ولكن طالما أن له القدرة على تحويل  الإشكال إلى مشكلة والمشكلة إلى صعقة مثل صعقة الكهرباء، وقدحة مثل قدحة البرق، فهو ممكن أن ينجح في إحداث التغيير الذي نسعى وراءه. فالقطيعة مع الموروث ربما تحيل المرء إلى شجرة بلا جذور تهزها أبسط النسمات، لكن الاتكاء على الموروث وترك المعاصرة يحدث هشاشة في كينونة الواقع تعرضه إلى التهشم، ولا عذر لمن يدعي أن الموروث سلبنا فرصة التقدم، واننا يجب أن نفارقه إذا أردنا أن نخلق عالما مختلفا، فأنت إذا كنت ترغب أن يكون الحاضر مختلفا عن الماضي، ادرس الماضي، مثلما يرى "سبينوزا".

الأديب العراقي الكبير شوقي كريم حسن صاحب التجربة الأدبية الثرة، أحد الذين أبدعوا في هذا المجال، وتمكن وبجدارة من توظيف الموروث لدعم المعاصرة والتجديد، وله مؤلفات كثيرة تشهد له بذلك، جاءت عناوينها لتعلن للملأ تفاهة ما يتمسكون به؛ وهو يرى: "أنَ فشلَنا يجعلُنا نتمسكُ بأزمنةٍ كاذبةٍ، ونمجدُ أزمنةً نعرفُ جيداً إنها مجردُ عذاباتٍ لأناسٍ عاشُوها بتفاصيلِها، التأريخُ محضُ أكاذيبٍ، يصنعُها العقلُ الذي يبحثُ عن حبلِ إنجادِ، وهو يرى أيامَهُ تحاولُ إغراقِهِ في لججٍ مجنونةٍ" (ص8)، ولذا جاء بأيقونات تاريخية لينطلق من خلالها إلى دنيا الحرية، في الأقل هذا ما يصادفك عند بوابة الدخول إلى دنيا شوقي؛ التي تبدو في منتهى الفوضى، فوضى متعمدة جيء بها لتخلق عاملا إيحائيا معبرا، قد يبدو من الصعوبة بمكان أن نميز في داخله بين الصح والخطأ؛ في سعينا وراء الحلول. ومثلما يرى جيل دولوز في كتابه البرغسونية، تعريب أسامة الحاج: نحن لا نخطئ حين نعتقد بأن الصحيح والخطأ يتعلقان فقط بالحلول، لا يبتدئان إلا مع الحلول".

إن من الحقائق التي يجب أن لا نفوتها هي ملاحظة "برغسون" التي قال فيها:  "إن الإدراك والتذكار يتداخلان دائما". ونحن عادة ندرك الأشياء حينما تكون موجودة، أما تلك التي لا تشخص أمام نواظرنا فتثير فينا الكثير من الشك والحيرة.

من هنا أعتقد أن شوقي كان يعرف ماذا يعمل، وكان يحاول أن يحسن الصنعة لكي لا ينتقدها أحد، كان يشكو تلك القيود التي تشدنا إلى الأمس إلى درجة الاستعباد: "لهذا ترانا معلقينَ بسعفِ نخيلِ الأجدادِ، ووصاياهم، والمباهاةِ بماضٍ تليدٍ يثيرُ القيءَ، ويكشفُ عن مدى سفالاتِ أولئكَ الأجدادِ الذين ارتاحوا لمرأى الدمِ، وأدمنُوا الترحالَ إليهِ" (ص7)

كان يشعر بوطأة التاريخ علينا، وبثقله الملقى على عاتقنا، يراه يحمل القيود التي يربطنا بها إليه فلا نستطيع فكاكا منه، إلى درجة اليأس من التخلص من هذه العلاقة المشوهة التي تستصغر الإنسان وتقزِّمه وتسلب كيانه: "لا أحدَ يستطيعُ الانتصارَ على ماضيهِ.. الماضي هو رباطُنا الوحيدُ في اسطبلاتِ حياتِنا الحاضرةِ.. نصهلُ .. نرفسُ الأرضَ محتجينَ، لكنَ الأرضَ تشدُنا إلى عمقِ الدمِ الذي ارتوَتهُ" (ص7).

قد تبدو الرواية مضجرة حينما يتفلسف الروائي، لكن شوقي حول الفلسفة إلى ملهاة يشتهيها القارئ، ويبحث عنها في تلافيف جمله القصيرة المترعة بالنشاط: "ولكني موقناً تمامَ الإيقانِ أني واحدٌ من أعظمِ الهاتكينَ لنورِ الأسرارِ ، والباحثينَ عن عبورٍ لابُدَ منه" (ص6) لم اجد روائيا معاصرا يتحدث بهذه اللغة التي تفتح مغاليق الرؤى على عالم من خيال جامح هده العطش يبحث عن شربة يقين تبل شفاه قلبه.

حالة العجز التي تقعد الإنسان عن السعي وراء طموحه قد تكون وليدة علاقة بينه وبين ماضيه الممتد على عمق التاريخ، وهنا يأتي الفيلسوف من خلال العبث في مناطق المسكوت عنه ليلاعب المخيال ويخترق حجب الخيال ليعيد تراتبية الفهم وفق رؤى أقل ما يقال عنها أنها مغرقة بنوع من الفلسفة المحببة، فهو يهزا ممن يبحثون عن فرص مؤاتية، ويعتقد أن المؤاتاة يخلقها الإنسان نفسه: "كلُ الفرصِ يمكنُ أَن تُسميها مؤاتيةً، أذا ما عرفتَ كيفَ تستغلُ حضورَها الشيطاني. مخيلتُكَ التي أعطبَتها الحروبُ، والبارا تُ، والسياسةُ ، والأغاني التي تبعثُ على اليأسِ" (ص7).

شوقي لا يسير على الإسفلت ليصل إلى حي أو مدينة جغرافية، بل يأخذ بيد القارئ إلى عمق الموروث، إلى "طرقاتٌ موحشةٌ تمتدُ إلى عمقِ الأجدادِ"(ص6) ليريه فقط أنه أفضل منهم بالرغم من المعاناة التي يعيشها، والمشكلات الزائفة المحيطة به، يرى جيل دولوز أن المشكلات الزائفة نوعان: مشكلات غير موجودة، تتحدد بكون عناصرها بالذات إنما تستتبع خلطا بين الـ(مع) والـ(إلا) ومشكلات أسيء طرحها.

تجدر الملاحظة هنا أنه حتى على المستوى الأكاديمي هنالك تمييز بين العلوم الإنسانية، (المقصود بها الفطرية)، والعلوم الاجتماعية (المقصود بها الاكتسابية)، ويرى "جان بياجيه": أن هذا التمييز لا يكون له معنى إلا إذا تمكنا من أن نفصل لدى الإنسان ما يتصل بتكوين طبيعته بوجه عام، وما يتصل بمجتمعه بوجه خاص. وأولئك الذين يسعون إلى الفصل بين رؤية الروائي الفنية ورؤيته الاجتماعية فاتهم أن المادة في طبيعتها واحدة، أما ما يفسر تنوع الموجودات واختلافها فهي حركة الأجزاء المكونة للمادة وحجمها وهيئتها وترتيبها مثلما يرى "ديكارت".

إن الموضوع برمته يحتاج إلى نوع من الجرأة الوقحة، جرأة تبيح لك أن تتحدث عما تراه في الآخرين، ولا يرونه هم في أنفسهم، فنحن يمكننا أن نرى بسهولة في الآخرين ما لا نهتم أو نجرؤ على رؤيته في أنفسنا؛ مثلما قال "أوليفر ساكس". من هنا قد تكون جملا مثل: (كلُ ما أطلبُهُ، مساعدةُ فشلي على النهوضِ) و(دعينا ندخلُ المعبدَ  سويةً، نرتلُ ما تيسرَ من آياتِ رِضانا، حتى وأن كانَت كاذبةً) و(منذُ زمنٍ طويل، وأنا أربي اللحظاتِ في برجِ أفكارِي،  أدارِيها، أمنحُها الأمنَ، والطمأنينةَ ، وألونُ ريشَها بأعذبِ ألوانِ الحناجرِ، ولكنها بغفلةٍ تفتحُ بابَ البرجِ، وتغادر) و(التفريطُ بمجنونٍ مثلي، لا يمنحُ الحياةَ سوى الكثيرِ من السوادِ ، والخيبةِ ، الشعراءُ والمجانينُ هم  آياتُ خلقِ البياضِ الذي يمنحُ الاستمرارَ) و(الاختيارُ صعبٌ.. والوعي بهذا الاختيارِ هو المحنةُ التي يجبُ اجتيازَها لا تتصور إني راضٍ عن كلِ تلكَ الابتكاراتِ التي تثيُر دهشةَ الجميعِ ، لعبةً أمارسُها من أجلِ تحطيمِ تلكَ الأصنامِ التي لا أجدُ لها ثمةَ ضرورةٍ في حياتِنا) و(حاولتُ مراراً أن أقنعَ نفسي بضرورةِ تجاوزُ السؤالِ باتجاه الإجاباتِ فأعطانِي الارتباك، وسامَ الفشلِ) [ص9ـ10]، ومئات غيرها تمتد على طول صفحات الرواية، أحد أهم المؤشرات على نمط النَفَس الفلسفي الذي ينهجه شوقي في رواياته، وهو نمط يصعب العثور عليه بمثل هذه الكثافة المفرطة لدى الآخرين من كتاب الرواية لا العراقيين وحدهم بل والعرب أيضا، فقبالة هذا الكم من رمزية الفلسفة تجد لدى روائيين مشهورين أضغاث كلام خال من الدهشة على خلاف شوقي الذي لا يقدم كلمته إلى القارئ إلا بعد أن يعريها كليا ليتيح له النظر إلى أبعادها غير المرئية!

لقد تطبع الناس على الكلام، واصبح الكلام أحد اهم ركائز العلاقات الإنسانية، ولكنه حينما يخرج عن طوره، يتحول إلى معول هدام يقوض العلاقة بين البشر أو يستثير غريزيتها العدوانية، من هنا يرى "سبينوزا" أن العالم سيكون مكانا أسعد، لو امتلك الناس قدرة على الصمت بنفس قدرتهم على الكلام. وقد تأتي الروايات كأداة تشد القارئ إليها لكي يقرأ ويتوقف عن الكلام. وهي ليست دعوة للصمت الأبدي وإنما محاولة لاستثارة الغرائز، يعتقد "جيل دولوز" أننا حين نسأل: لماذا شيء ما أفضل من لا شيء؟ أو لماذا النظام بدلا من الفوضى؟ أو لماذا هذا بدلا من ذاك ـ ذاك الذي كان ممكنا أيضا؟ نقع في العيب نفسه، نخلط بين الزائد والناقص، نتصرف كما لو أن اللاوجود كان قائما قبل الوجود، والفوضى قبل النظام، والممكن قبل المستحيل.

لقد حاول شوقي أدلجة أطراس الحديث لتخرج عن طور المألوف إلى الإدهاش العميق بعيدا عن سباتية الوصف الفوضوي الثقيل الذي يشعرك بالملل، فأنت لابد وأن تشعر بجمل مثل: "والروحُ تنظرُ إلى امتداد الدربِ علَها تلمحُ مشيتَكَ المتعثرةَ .. لا يمكنُ أن نبقى هكذا.. ترممُ أوصالي ، وتتوضأُ بمكرِ إبنِ آوى بضوءِ صمتي الذي لا يستقرُ عندَ تلكَ اللحظاتِ المأبونةِ" (ص12) و "كلُ ما أطلبُهُ بعضاً من خمرِ الأملِ .. وأغنيةً تحاولُ تدجينَ طائرِ الروحِ  الغاضبِ" (ص12) تدغدغ تلافيف دماغك كقط يحد مخالبه متحفزا للهجوم على فريسة يعرف أنها صعبة المراس!

في أغلب رواياته يحاول شوقي التحرش بالموروث الديني، وربما الإيحاء إلى أن الإنسان ليس ابن الإله، بل ابن الحرب، ربما لأن الإنسان لا يوجد إلا بعد حرب ساخنة بين رجل وامرأة في لحظات بوهيمية غير واضحة الملامح، وفي اللحظة التي يوجد فيها، يشهر سيفه محاولا فك قيود أسر يمتد إلى تسعة أشهر، وحينما يتحرر ويخرج إلى الشمس، يجد المحيطين به يبحثون عن غاياتهم من خلاله، مما يكلفه خوض حرب أخرى، وتستمر حروبه إلى أن يجردوه من سيفه ودرعه ورمحه ليهيئوه إلى الرحيل الأبدي، وهو ما وصفه شوقي بقوله: "لا أحدَ يستطيعُ القضاءَ على الألمِ أو الشيخوخةِ، واحتضارِ الموتِ، إننا هنا من أجلِ أن نفقدَ حضارةَ أرواحِنا .. هذا ديدنُ الحروبِ"(ص15).

ويرى شوقي أن وجوده في عالم المحسوس الدنيوي أكثر صدقا من تلك الصور المتخيلة عن العالم الافتراضي الآخر الذي سنذهب إليه، ولذا قال: "لا معنى لحياةٍ لا تهمُني بشيءٍ ولا أريد أن أتوغل داخلَ تلكَ الصورِ المتخيلةِ .. الواقعُ ما يهمُني... تلكَ الأنهارِ المملؤةِ خمراً والجميلاتُ الباذخاتُ بالرغبةِ لا أحتاجُ إليهنَ ... كلُ ما احتاجَهُ العودةَ من حيثُ أتيتُ لحقيقةِ وجودي ووجودِكَ"(ص16).

من هنا قد يرى البعض أن المضمون الروائي لشوقي يحاول تغريب النص الديني وربما الهزء به ولو من طرف خفي، لانضواء رواياته على كم كبير من المفردات والإيحاءات والإشارات الإلحادية أو القريبة منها مضمونا، إن هذه الملاحظة لا يمكن أن تصدق بالمرة، ولا تصدقوا أن فردا ولد وترع في بيئة شعبية فقيرة بسيطة، يملك الجرأة ليتحدى عظمة الإله، فهذا المخلوق حتى في أشد لحظات تمرده تجد في داخله خوفا خفيا لا يعرف كنهه غيره، إن كان سابتا نهارا ولا يتبين ملامحه الآخرون، فإنه يتغول ليلا ليتحول إلى قلق يقض المضاجع، والإنسان يتجنب مواطن القلق عادة ليهنأ بساعات هدوء.

إن أسلوب التهكم بالعقائد ليس جديدا، فهو تاريخي بامتياز، ولكن غاياته تختلف من مرحلة إلى أخرى. وبرأيي لم يكن أفلاطون متجنيا عندما قال: "كل إنسان مسؤول عن مصيره" فهو حينما روى مغامرات (الأرمني) في الكتاب العاشر من الجمهورية، أراد أن يقول: إن كل إنسان مسؤول عن اختياراته، والآلهة لا دخل لها... الله برئ، ونحن نكون قدرنا" وهذه وإن كانت قد صيغت بأسلوب جريء إلا أنها تشير في معناها إلى حقيقة دينية، قال تعالى عنها: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} وقال رسول الله عنها: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".

هكذا هو شوقي، حاول أخذ بعض الحقائق الدينية اليقينية، ثم أعاد صياغتها على لسان أبطال رواياته بأسلوبه الجريء، فبدت وكأنها استهزاء باليقين الديني، أما الغاية من ذلك فهي محاولة قريبة من منهج ماركس الذي سعى عبر رؤاه إلى القضاء على الطبقية في المجتمع. لقد تحولت هذه الرؤى إلى فكر أخلاقي معاصر يعتبره المجتمع حقا مكتسبا من ضمن الحريات الأساسية التي أسس لها سبينوزا في كتابه اللاهوتي السياسي، من خلال قوله: "إن العدالة تعتبر الأشخاص متساوين، وتصون بالتساوي حق كل واحد منهم" وهي فكرة المشاركة المتساوية في الحقوق الأساسية التي دعا إليه جان جاك روسو في "العقد الاجتماعي". إن من العدالة والإنصاف أن نتقبل رؤى المحيطين بنا أو في الأقل نكف عن انتقادها في ذات الوقت الذي نتقبل فيه رؤى الآخرين ونعتبرها من المسلمات ونحولها إلى مناهج علمية في مؤسساتنا التعليمية. ومن هنا بدا شوقي متمردا على المعتقد الديني! ولكنه أذكى من أن يدعي العداء مع الدين أو يدعو إلى مواجهتهن فالعلاقة بين الإنسان والدين ليست بتلك السذاجة التي يراها البعض، وهي على مدى تاريخ الإنسانية كانت ثيمة كاملة الوضوح، ليس بمقدور أحد إنكار حقيقتها، وهو الأمر الذي استدعى الحكماء والفلاسفة إلى التأكيد على تلك الرابطة الغريبة بأقوال فيها الكثير من الحدية المفرطة، ليقول " شيشرون": "ليس من أمة مهما توغلت في التوحش، إلا ولها إله تعبده حتى ولو جهلت من تعبده". ويقول "سينيكا": "فكرة الاله فطرة في الجميع حتى أنه لا يوجد شعب، مهما خلا من الشرائع والأخلاق أن يخلو من الإيمان بإله. ويقول "فولتير": "اذا ساْلنا زرادشت وسولون وسقراط وشيشرون نجدهم قد عبدوا سيدا وقاضيا وأباً. فهذه العبارة ضرورية للإنسان، وهي للألفة رباط مقدس، وللعدل أساس وطيد، وللشر لجام كابح، وللخير رجاء صالح. ولو لم يكن هذا الاله موجوداً لدعت الضرورة إلى أن يُختَرَع وجوده.

يرى بعض المتخصصين بعلم النفس أن الإنسان مجبول على الخوف، ولاسيما الخوف من المجهول، وقد انتبه شوقي لهذه الجنبة فهو من جهة جاء بعبارات تدل على شجاعة متطرفة، فالشجاعة ألوان وأنواع وأكثرها تطرفا هي أن يتساوى الموت مع الحياة في قلب إنسان، وهذا ما قال عنه: "دعنا نغادرُ المكانَ مادامَ الموتُ يشبهُ الموتَ واللحظةُ تشبهُ اللحظةَ"(ص17) لكنه في محطات أخرى أراد أن يبين أنه مثل غيره من البشر يحب الحياة مثلما يحبونها، ويخاف عليها مثلما يخافون، إلى درجة أنه يرفض الولوج إلى المجهول دون أن تأخذه قشعريرة الخوف فترتعد أوصاله، وهي السمة التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وهو ما قال عنه: "الأبوابُ تخيفُني لأنها تشكلُ مجهولاً مفزعاً بالنسبةِ لي"(ص51) لكن ذلك لا يعني أكثر من لحظة تردد دافعها التحرز والبحث عن موطئ القدم بدل أن يلقي بها العبث حيث لا ترغب، فالتحدي من سمات شوقي، تجده ماثلا في كثير من أقوال أبطاله التي هي أقواله وسيرته: "الخيارُ الوحيدُ الذي كانَ يلوحُ بكلتا يديهِ أمامي، هو أن  تمتدَ أصابعي الأوهن من ورقِ الخسِ لتطرقَ بابَ المجهولِ"(ص52) فثمة روح مجازفة تقبع هناك في أعماقه، تدفعه دائما إلى تقحم النقاط الأشد خطورة بحثا عن الذات: "علمَتني الليالي إنَ أجملَ ما يمكنُ لكائنٍ مثلي أن يعيشَهُ، هي تلكَ الرفساتِ البريئةِ التي تحاولُ اختراقَ ظلمتِها من أجلِ الوصولِ الى بوابةِ ضوءٍ لا تعرفُ الى أينَ تتجهُ به"(ص53).

إن هذا التناقض الغريب الذي يبدو محشوا بالتردد والمغامرة والطيش، ينهار أمامك مثل تل من رمال حينما تستمع إلى صراخ شوقي الذي يعترف من خلاله على معلمه الأوحد وكأنه معتقل برئ يقف معصوب العينين واليدين أمام محقق مديرية الأمن العامة: "علمَتني الليالي إنَ أجملَ ما يمكنُ لكائنٍ مثلي ان يعيشَهُ ، هي تلكَ الرفساتِ البريئةِ التي تحاولُ اختراقَ ظلمتِها من أجلِ الوصولِ الى بوابةِ ضوءٍ لا تعرفُ الى أينَ تتجهُ به"(ص56) وهذا ليس تصنعا، فالذين عاشوا بين الأزقة والشوارع والسواتر حيث يتصارع الفقر والفضيلة، كل منهما يريد أن ينتصر، لا يخرجون من الحياة بأقل من حملة الشهادات العليا إدراكا للحقيقة، بل قد يتفوقون عليهم لأن المعاناة تسهم في تطبيع الإنسان على معايشة كل الظروف، مثلما لم يفعل أي إنسان آخر: "أحاولُ ارتداءَ حرارةَ الأيامِ التي عشتُها بين الأزقةِ والشوارعِ والسواترِ هناكَ، لكني  لا أجدُ غيرَ بقايا رمادٍ، وخرقٍ باليةٍ، ومعابدٍ لا تفوهُ بشيءٍ، الرؤيا في لحظاتٍ كهذهِ لا تتضحُ أبداً، تتبدلُ عندَ أولِ خطوةٍ تخطوها"(ص61).

إن الصراع المرير الذي عاشه جيل النصف الثاني من القرن العشرين من العراقيين، جعل صروح الفلسفة تتهاوى أمام عظمة خلودهم الجريء، لترتشف من ريق تجربتهم دروسا تغنيها حينا من الدهر، فهم جازفوا بخوض تجربة التجديد، لا تنصلا عن حمل الأمانة، وإنما رفضا للحمل الثقيل الذي ألقته الأمانة على ظهورهم دون أن تقدم لهم شيئا ينفعهم في تجربتهم الحياتية: "المحنةُ أن تمحوَ كلَ ما تنتمي إليهِ، محاولاً تشييدُ ذكرياتٍ  جديدةً"(ص60) لذا أرى أن من حق هذا الجيل أن يكون وصيا على من جاء بعده، لا بالشكل القسري الإكراهي المتداول، بل من خلال بث الحكمة عبر كلمات جميلة لتولد محملة بوصايا العشق والحياة، وتستقبل بفرح مثل أي وليد طبيعي آخر، فالإنسان لا يمكن أن يتماهى مع إنسانيته إلا من خلال الحكمة:

إياكَ وأن تحني رأسَكَ ..

- ظِل مثلَ نخلةٍ لا تنكسرُ

- واصنع من يديكَ جناحينِ لتحلقَ بهما إلى حيثُ تشاءُ..

- لا تغسل وجهَكَ بغيرِ عسلِ الابتسامِ

- وأمنح عينيكَ ضوءَ كلِ  الاشتهاءاتِ التي يمكنُ لكَ أن تنسجَ خيوطَها حولَ غموضِكَ الباعثِ على السؤالِ...

- إياكَ والصمتَ عندَ خرائبِ الإجابات لأنَ الإجابات سرُ معارفٍ عاطلةٍ..

- ذكورةٌ ميتةٌ لا تمنحُكَ غيرَ العجزِ والفشلِ..

- انغمس ما استطعتَ  في بحارِ الأسئلةِ الحارةِ الدسمةِ...

- وحاذر... حاذر أينما أخذَتكَ الأرضُ أن تستسلمَ لوجعٍ، أو تمنحَ نفسَكَ لأنثى تعلمُكَ الاستسلامَ!! (ص62).

ولا أدري كيف سيتمكن الإنسان من إشهار إنسانيته أمام الناس دون أن يعمل وفق قواعد هذه الفلسفة التي تعلم الإنسان كيف يعيش حياته دون أن يسمح لأحد أن يصادر منه حريته! وشوقي هو الآخر لا يدري كيف، ولذا تجده يتساءل بحرقة: "لا تعرفُ لِكَم أحبُ تلكَ اللحظاتِ التي تمنحُني بعضَ إنسانيتي، لديَ الكثيرُ مما أقصُهُ، وأحكيهُ، وأتقيئُهُ، وأبوحُ  بِهِ، وأمارسُهُ بجنونِ الغاطسِ، الباحثِ عن منقذٍ"(ص63). إذ يرى شوقي أن السكون يجعل الفكر مترهلا لا يصلح لشيء: "تتناهبُني أمواجُ السيرِ إلى حيثُ يمكنُ لي أن أحقق بعضَ من آمالي"(ص67). فكم هو محزن أن "أتلمسُ بعضي، فلا أجدُ غيرَ أحلامٍ شبهِ ميتةٍ"(ص67) هكذا ينظر شوقي إلى نفسه، تماما مثل من ينظر من ثقب باب قديم، عششت فيه العناكب منذ زمن نوح، لأنه اعتقد أن "الروحُ التي كانَت تقاومُ الأغراءَ، انغمسَت في بركِ التمنياتِ والأحلامِ"(ص69) هكذا هو يبحث عن سعادة الآخرين ليفقد الكثير من سعادته، يقول "إريك هوفر": "البحث عن السعادة أحد مصادر عدم السعادة".

إن من خفايا رواية "قنزة ونزة" التي نمارس طقوس قراءتها الآن بصمت جنائزي، أنها تبدو متمردة على الأفكار التقليدية: الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، لكنها لمن يفهم غورها، جاءت لتؤدلج كل هذه المسميات وفق التطويع الواقعي للخبر الروائي، ففي الحديث الشريف: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان". قد يمر حتى دون أن تتنبه إلى تحذيراته، لكن حينما يتطوع الأديب ليرسم تلك الصورة وفق رؤى أدبية محشورة بعناية، سوف يستهوي القارئ الفطن إلى التفكر بالموضوع من زاوية أخرى، ولذا نجده يترجم الحديث إلى لغة أدبية، فيقول: "مخبولٌ من يجدُ أنثى تقاسمُهُ المكانَ تحتَ ظلِ شجرةٍ دونما رقيبٍ ولا تزحفُ أفاعيهِ صوبَ أعماقِها... ما الذي يجسدُ الرجولةَ حينئذٍ... وما الذي يجسدُ الأنوثةَ أيضاً"(ص78). وهذا لا يعني أنه يستهين بقدسية الحديث بقدر تطوعه لإيصال الحديث وفق رؤية حداثوية قد تبدو مفعمة بالتمرد، في الأقل أرى أني فهمت الموضوع وفق هذه الرؤية!. فشوقي رجل صاحب إرادة قوية ويرى "شوبنهور" أن الإرادة تخلق عددا لا نهائيا من الطبائع المعقولة".

تكررت هذه الصورة في مكان آخر من الرواية ضمن جملة: "الأنثى التي تتعودُ تلويثَ جسدِها عن قصدِ الخيانةِ، وعدمِ الاحترامِ، أنثى بالنسبة ليّ لا تستحقُ الحياةَ... الجسدُ هبةٌ رائعةٌ لا يجبُ أن يشبهَ أرضاً تداسُ كلَ هنيهةِ وقتٍ" (ص171) فكم من آية وكم من حديث نهيا عن الزنا وعن تنازل المرأة عن قدسيتها من أجل متعة زائلة، وهي النصوص التي وظفها شوقي، ونجح في ذلك. فالذي أراه ان شوقي يؤمن بما قاله  "تشارلز كينجزلي": "اجعلها عادة كل ليلة ألا تنام إلا إذا استطعت أن تجعل شخصا واحدا ممن قابلت ذلك اليوم: أحكم، أو أسعد، أو أفضل"

إن سؤالا مثل: (ما الذي يمكنُ أن افعلَهُ الآنَ) حينما يتكرر وكأنه يستفز القارئ، فهو ما سيفاجئه ما إن يدخل إلى المناطق المظلمة، لينتصب أمامه غولا من قصص ألف ليلة وليلة، وهذا ينبيك بالجهد الذي بذله شوقي عند صياغته لأفكار تلك الرواية، فالرواية ليست مجرد سرد أدبي للإمتاع والإدهاش، كلا، الرواية رؤية فلسفية تحاول تبسيط الأمور طالما أنها مكتوبة للجميع، ومن حق الجميع استباحة أجوائها! فالرجل بالرغم من مسحة التحرر البادية على أسلوبه في الكتابة واشتغالاته الأدبية الأخرى، يحمل في أعماق ذكرياته رؤى عاش أجوائها ردحا من الزمن الجميل، وهذا ما صوره عن مرافقته لعمته حينما كان صغيرا لزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب، بقول: "حينَ  تكمشُ أصابعي لمعانَ الفضةِ، تنهارُ كلُ الحكاياتِ التي  أدمنتُ سماعَها، أجدُ ثمةَ رفساتٍ  تهدمُ جدرانَ وحدتِي، رفساتٌ تتكررُ، وأيادٍ تمسحُ جبهةَ  المواساةِ، وحدي أقتعدُ الأرضَ، أقتعدُ لحظاتِ انبهاري، طاردةً كلَ المخاوفِ، والآلامِ، والوحشةِ  أسمعُهُ يهمسُ في أذني لا تجعلي الظلامَ خيارَكِ"(ص80). وهذا هو الرجع.. الصدى الأزلي، يكرر نفسه كدفقات بركان شبه خامد، تنطلق بين حين وآخر لتعلن أن في البركان الذي يبدو ميتا، لا زالت ثمة حياة! إنه الإصرار الباعث على التحدي، قال "فان كوخ": "اذا سمعت صوتا بداخلك يقول: انك لا تستطيع الرسم، فهذا يعني: ارسم وسيصمت ذلك الصوت بداخلك للأبد"

أما شخصية نابليون التي تمتد على طول الرواية فهي مجرد اقتباس لشخصية الكاتب نفسه، فنابليون هو شوقي، ويتحدث على لسان شوقي، وينقل أفكاره ورؤاه واعتقاداته، لكن دون أن يؤثر ذلك على سير أحداث الرواية؛ التي كان نابليون أحد شخوصها الفاعلة، أما الفلسفة الثورية التي يحملها فهي الدعوة إلى الضحك رغم المعاناة: "الناسُ رغمُ أحزانِهم يضحكونَ لتبديدَ المحنةِ"(ص182) فالحياة تحد لا حدود له، ولا يمكن إيقاف زخمه، والتحديات سلبتنا الكثير من أحلامنا، ولكن: "يا لَها من تحدياتٍ حولَت إنسانيتَنا إلى هذياناتٍ"(ص182). وهذا تمثيل رائع لحالة الحرب التي يعيشها الإنسان مع الموجودات الأخرى حتى وإن لم تكن هناك إشارات إلى وجود هذه الحرب على أرض الواقع، يقول "سبينوزا": "إن غياب الحرب لا يعني السلام".

إن "ويليام فيذر" حينما قال: "الكثير من الناس يضيعون نصيبهم من السعادة، ليس لأنهم لم يجدوها، ولكن لأنهم لم يتوقفوا للاستمتاع بها" أوحى لشوقي أن يتولى مهمة إيقاف الناس ليستمعوا لسعادتهم المرتقبة، ويستمتعوا بأوقاتهم، فالإنسان على رأي "أوليفر ساكس" لا يشعر بالوحدة أبدا عندما يكون مستمتعا بوقته.

 

صالح الطائي

 

 

ساطع الجميليهايكو او هانيكو (في اليابانية) هو نوع من الشعر الياباني

يحاول شاعر الهايكو من خلال الفاظ بسيطة سهلة المعنى والتعبير عن مشاعر جياشة او احاسيس عميقة، وتتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط بمثابة عبارة .

القصيدة القصيرة او الومضة تعبر تعبيرا غير مباشر عن افكار تخص الذات والحياة والحرية والوطن والوجود من خلال تركيز الجهد الشعري داخل قصيدة قصيرة منجزة هي

(قصيدة الومضة) ذات الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة . (لقمان محمود)

الشاعر ناهض الخياط على الرغم من اصداراته الشعرية العديدة لكنه يحلم بالكثير والجديد الذي يحاول ان يشبع طموحاته الشعرية التي باتت لا تقف عند مجموعه جديدة يصدرها لاحقا تحمل جديد ابداعاته ، ويشكل الولع بالنصوص الجديدة هاجساً كبيرا لدى الشاعر الذي له القدرة على ان يحشد الصور الفنية على مدى يوصل مضمون النص في منطقة الشروع الاولى للقصيدة .

اتناول في هذه الورقة مجموعة جديدة للشاعر بعنوان (ايها البرق ..... انت انا) وهي عبارة عن مجموعه كبيرة من الومضات الشعرية او القصيدة القصيرة جداً لدى الشاعر يتعاطاها الكثير من الشعراء لسهولة الايصال والعفوية واللفظ البسيط وهو فن شعري يعود بالأصل الى جذور يابانية ثم تم تداوله بشكل واسع فأصبح عالمي الاداء لكن لكل شاعر اشاراته واستهلالاته في هذا المجال ،

فالليل اخذ حيزا من ومضات الشاعر :

هنالك في الليل الجميل

لكل نافذةٍ لغتها ........ !  ص 6

للنافذة ارتباط وجودي مع الليل على ارض الواقع كارتباط النجوم في ليل الافق والنوافذ ونجوم من خلالها نرى تناثر تسكعاته الجميلة هنا وهناك ولغة النافذة ليكن القمر الداخل من حلال او الازهار المتدلية من الشرفات .

تلك الاغصان المتدلية في الليل

ضفائره ........ ص 7

صورة تعبيريه اخرى لليل بدلالة مايحتضن من مروج وحدائق غناء.

وتحتوي المجموعة على الكثير من الومضات الحافلة بالليل وكان من الممكن للشاعر جمع بعضها في قصيدة واحدة لكنه أثر ان ينشرها بين الومضات الخاصة بالأغراض الاخرى

يأخذ الشاعر حيزاً كبيرا او حصة الاسد من ومضات الشاعر بعد الليل فمنها يقول :

جلس الشاعر طويلا بين الورود

ثم قال

لن انهض

حتى احملها في داخلي ص 8

نلاحظ حرص الشاعر على تأكيده في جملة غضناً وورداً كرسالة سلام وجمال الى المجتمعات لانه يرهن نفسه رسولاً ونبياً للجمال وحريصاً على السمو الانساني .

تاخذ الجميلة اضافة الى الليل والشاعر تأخذ حيزاً ليس بالهين من تفاصيل المجموعه الشعرية لما لها اكثر من دلالة وعلى الاكثر فالدلالة المعروفه بالمباشر بالفاتنه التي تثير الانتباه وهذا ما بين ومعروف من معنى النص السهل اللغة ذات الوقع الجمالي فهو يقول في ذلك :-

(لا تحدقوا بالجميلة هكذا

فالشمس تؤذي العيون) ص 23

يتعرض النص انف الذكر لعملية انتقالية كبيرة في المعنى قد اغدقت عليه الكثير من المهارة الشعرية التي يمتاز بها الشاعر الخياط

لقصيدة الومضة اتجاه اخر ربما فالشاعر يريد من خلال اللحظة الشعرية المختزلة للاخر يبطي ايصال مغزى او فعل قصيدته وهذا يجري من خلال تعريفة شعرية هي الاكثر اختزالا من الومضة فقد جاء من خلال قصيدتين للشاعر

في ظهيرة قائضة

والشمس في سمت رأسي

عدمت ظلي

هل انا غير موجود ! ص 31

فهو اي الشاعر يريد ان يجري تعريفا للظل فيقول :

(الظل ساعة الظهيرة يدخل حيز الجسد)

كذلك الحال في قصيدة اخرى يوصف بها الحلم !

(الكوابيس كالجبناء

لا تهاجمني

الا حين أكون اعزلا) ص 45

وكأنه يريد ان يقول ويعرف الحلم او حاله حين يكون من حضرة الحلم يريدان يقول (عندما داهمني الحلم  هربت خياراتي)

قصيدته التي خصت الشعر اعترافاً صريحا بتربعه عرش الوجود الابداعي وكأنه يفرض لغته لترتدي خفايا ومكامن الاثر الكوني بسرمدية الزمن ودهوره الممتدة بلا حدود يتربع الشعر منهجاً يستفز الابداع اسلوباً عالمياً في تجذيره الوجدان البشري فهو يقول :

أصعد القطار والسفينه والطائرة

دون جواز وتذكرة

بهذا اصدر الشعر

قراره الاخير ........

اخيرا الشاعر ناهض الخياط يضيف منجزاً أخر لإبداعاته ومنجزاته الشعرية المتواصلة ضمن المشهد العراقي والعربي يزيدها ذروة وإشارات لطرائق الابداع الشعري يرسله الى الى المتلقي بسهولة واعدة دوماً

 

ساطع الجميلي

 

 

عبد الله الفيفيإن الفنون قد نبتتْ على هوامش الشِّعر، الذي صاحب الإنسان منذ طفولة العمر، وطفولة الزمان؛ مع الأغنية والآهة والحاجة البشريَّة. فلقد ولد فنّ الشِّعر- حسب تاريخ الفنون ونشأتها- قبل أيِّ فنٍّ مركَّب آخر. وإنما نشأت الفنون بتطوّر الكائن الإنساني، فردًا وجماعة وحضارة. بل لقد وُلِد بعض تلك الفنون شِعرًا، وظلَّ المسرح شِعريًّا إلى عهدٍ قريب، على سبيل المثال. وجاءت الرواية فنًّا حديثًا، ورث الملحمة الشِّعريَّة. هذا في البُعد التاريخي. ولا يُقارَن- من بَعدُ- أيّ فنٍّ بصريٍّ أو سمعيٍّ أو حركيٍّ بفنٍّ لغويّ. وما أظن أحدًا يُجادل في أن اللغة هي الإنسان، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى. وعليه، فإن من الحق القول إن أهميَّة الشِّعر الاستثنائيَّة تتمثَّل في أنه الفنّ اللغويّ الأوّل والأعرق والأسمى والأبقى. من هنا كان الشِّعر، تاريخيًّا ونفسيًّا، ألصق بالذات الإنسانيَّة والضمير الجمعي، وأصدق معبِّرٍ عنهما، وظلّ أقرب ملامسة للنفس، وأكثر مخاطبة- في إطاره العامّ لا النخبويّ- لكلّ الفئات والطبقات، منذ أغاني هدهدة الأطفال إلى دندنة الشيخ الهرِم في منافي العمر وسباسب الأفول!

ومن المعروف تاريخيًّا، لدى العرب ولدى غيرهم، أن إسهام الشِّعر في المدّ الثوري، ضِدّ الظلم، والاستعمار، والعدوان، لا نظير له في فنون القول الأخرى، فضلًا عن الفنون غير القوليَّة. حتى إن مصطلح "الشِّعريَّة" الذي يُضفَى على روحانيَّة الفنون وتأثيرها الجماهيري، إنما يُشتقّ من طبيعة الشِّعر تلك.

قد يقول قائل: إن السينما اليوم تفعل مثل ذلك. وأقول: إنها لم تفعل ذلك إلَّا باقتباسها مشعل الطبيعة "الشِّعريَّة"، المحرِّكة بمزيج سِحرها وحكمتها، من الشِّعر. وهي تُحدِث ما تُحدِث بصفةٍ وقتيَّة، واستهلاكيَّة، سرعان ما يعفّي عليها الزمن ويبتلعها التاريخ، ولا تضاهي بحال من الأحوال تأثير قصيدة خالدة لشاعر عاش قبل مئات السنين أو آلاف السنين، تظلّ تشكِّل الذاكرة والشخصيَّة والوجدان والمواقف، إنْ بحقٍّ أو باطل.

ولـمَّا كانت للشِّعر تلك المكانة، فلا غرو أن يرتبط بالهويَّة، وبمكوِّن الشخصيَّة القوميَّة. ومن ثَمَّ يصبح المساس به مساسًا في الصميم بالقِوام النوعي، وبالمختلف الثقافي، وبأُفهوم التعدُّديَّة الحضاريَّة. بل يصبح مساسًا بالإنسان من حيث هو إنسان حُرّ، لا عبد، أو آلة. وليس هذا شأن الشِّعر في الثقافة العربيَّة وحدها، بل شأنه في الثقافات الإنسانيَّة كافَّة، حتى إن اللغات لتُنسب إلى الشعراء، كما تُنسب إليهم العرقيَّات والمأثورات.

لا يمكن لامرئٍ، بالضرورة، أن يتوجَّس خيفةً على الهويَّة العربيَّة حينما نستبدل العَرضة النجديَّة بالديسكو، أو برقصة الباليه، أو حينما تقع زوبعةٌ في مجال الفنِّ التشكيلي، أو حتى في الطُّرز المعماريَّة. لأن تلك تظلّ فنونًا خارجيَّة، لا تتعلَّق باللغة، وطرائق التفكير، والتعبير، والذائقة اللغويَّة الخاصَّة. بيد أن البراكين تتفجَّر حينما يتعلَّق الشأن بالشِّعر وأصوله الفنِّـيَّة. لأجل ذلك فإنّ من الابتسار (المـُغرِض) عزو المعارضة لتحطيم البيت الشِّعري العربي إلى تفعيلات، أو معارضة انتماء النثر إلى الشِّعر، إلى محض التعصُّب للقديم، أو الضيق بالجديد! نعم هناك نِسَب من تلك العوامل مخامِرة، غير أن المخامِر الأدق والأعمق هو شعور الإنسان بأنها قد انتُهكت استقلاليَّته بانتهاك عالمه الشِّعري، ودُمِّر رصيده الإنساني، وذُوِّب تميُّزه، واختُرق اختلافه، ودُجِّنت لغته في لغات الآخَرين، وخُنِق صوته، وطُعِن في مقتل، وباختصار: قد "أُخرب بيته وبيت الذين خلَّفوه!" تمامًا كما تفعل إسرائيل بتجريف بيوت الفلسطينيِّين؛ ومِن وراء البيت الشِّعري تنهدّ البيوت. أ وليس من الدالّ أن بداية الشِّعر الحُرّ- 1946- هي نفسها بداية النكبات العربيَّة وخراب البيت العربي؟! ولأمرٍ من هذا سمَّى العرب السطر الشِّعريَّ "بيتًا"؛ إذ هو للعربي بمثابة بيته، ومسكنه الذي تأوي إليه طيور الشكوى. والبيت قد يعبَّر به في العربيَّة عن الزوج أيضًا، ذكرًا أو أنثى. أفلا يقاوم مَن فُعِلت به الأفاعيل، ويثور مَن ثُلَّت على رأسه العروش؟!

تلك هي العلاقة الحميمة بين الإنسان وبين الشِّعر، وتلك هي مكانة الشِّعر الاستثنائيَّة التي أهَّلته ليوصف بـ"ديوان العرب"، لا لما يحمل من تاريخٍ أو معلومات، كما سار الفهم الساذج لمقولة ابن الخطّاب. مكانة يجدها الإنسان البسيط في نفسه، ويعيها، لا شعوريًّا، دونما حاجة إلى كبير حِجاجٍ أو تفلسف، ما ظلَّ غيورًا على نفسه وعِرضه وماله. 

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

محمد شداد الحراقبعنوان مستفز للقارئ ومثير للفضول عنون القاص الشاب رضوان بن يشرق باكورة أعماله القصصية، مقتحما بهذا المنجز الأدبي مضمار الكتابة الأدبية متسلحا بقراءاته للأعمال الروائية، ومستثمرا لتجاربه الحياتية باعتباره شابا حالما بالتغيير، عاش كل الإحباطات المؤلمة التي تطارد الخريجين الجدد، وعانق الحياة البائسة في أبشع صورها.  يطل علينا هذا القاص من الهامش الذي يعشقه ويستحم بنوره، وينوب عن كل المقيمين فيه، لإسماع صوت البؤس، ويرسم صور التعاسة، ويترجم لغة التجاعيد الغائرة التي تسكن وجوه الطيبين.

خاض الكاتب هذه التجربة الإبداعية قصد إنجاز تصوير فني لواقع مؤلم يتكرر في كل مجتمع طبقي ظالم. تصوير دقيق لجراحات طبقة من الناس فضلوا الصمت وآثروا الانسحاب بعدما انتصبت في وجوههم كل علامات المنع والحرمان من الحق في حياة كريمة مستقرة. ولذلك تجده يمنح الفرصة لهؤلاء البسطاء كي يسمعوا صوتهم، وأحيانا  نراه ينوب عنهم للحديث باسمهم والبوح بما تختزنه جراب ذاكرتهم، وبث ما يستقر في أغوار قلوبهم. وقد ساعده احتكاكه اليومي بالناس في سبر أغوار الصمت الموحش، ومكنه من التسلل إلى تلك الأعماق المظلمة للإصغاء إلى النبضات المتلاحقة والأصوات الحادة الصاخبة التي تهدر في الخفاء. ولهذا فالمجموعة القصصية(لعنة طنجة) هي في جيناتها التكوينية، سجل للأحلام الموؤودة، تصوير ذكي لحالة الضياع والإخفاق بعد سنوات طويلة من الأمل والانتظار. (لعنة طنجة) مذكرات شاب محبط يعشق الهامش الذي احتواه، وتتغذى خلاياه بعرق البسطاء القابعين في الظل، وبرائحة القهر المنبعثة من الزوايا المظلمة والهوامش المتوارية عن الأعين في مدينة جاحدة متسترة بأردية الحداثة الوافدة.

لعنة طنجة- وإن كانت عنوانا لإحدى قصص هذه المجموعة- فإنها تشكل العبارة المفتاح التي تمهد الطريق لكل قارئ لهذا المنجز القصصي، وتسهل عليه الولوج  إلى عالم مكتظ بالإحباطات المتلاحقة والإخفاقات المتتالية . فهذه العبارة تختزل كل المعاني التي تحيل على الخيبة والغربة والإخفاق والإحباط والمعاناة وسوء الحظ في مدينة عاقة لأهلها، مدينة تتبرج لضيوفها وتلتفت إلى كل وافد طارئ دون قيد أو شرط . طنجة الجديدة المقنّعة بأقنعة مستوردة دخيلة زائفة، تختلف عن صورتها القديمة البهية . تختلف كليا عن المدينة الهادئة الحالمة التي وفد إليها عمالقة العالم منذ التاريخ القديم. المدينة.. جنة الأرض التي كانت مع مرور الأزمنة ملتقى الأدباء ومقصد الفلاسفة والفنانين ومستقر السياسيين والمناضلين ورجال التاريخ الكبار. طنجة.. الأحضان الدافئة التي عشقها (عبد الله كنون) و(محمد شكري) و(بول باولز) و(جون جيني)، و(دي لاكروا)، و(سكور سيزي). طنجة.. الأم الولود التي أنجبت (ابن بطوطة)، و(عبد الرحمن اليوسفي)، و(علي يعتة)، و(الطاهر بن جلون)،  وعلماء (العائلة الصديقية)، واللائحة طويلة. طنجة.. الثقافة الراقية التي عشقها الملوك والأثرياء والمشاهير. طنجة المدينة الفاتنة ذات الخصوصية المعمارية والبشرية والخلقية التي تميزها عن مدن العالم. طنجة التنوع والاندماج والتفتح والتمدن والأصالة والوقار. طنجة البساطة والطيبة والشهامة والنبل والسمو. طنجة القناعة والعفاف والعفة والحياء.... 

اليوم نجد هذه المدينة الساحرة بحمولتها الحضارية والتاريخية وبإرثها الإنساني والجمالي، قد مسخت تفاصيلها وصارت تتمرد على ذاتها، وتتنكر لماضيها، وتخلع عنها فستان العروس، لتصبح مستباحة متبرجة مثقلة بالمساحيق التي تخفي عيوبها وتشوهاتها.   تفتح كل المنافذ حتى يسهل اغتصابها من طرب الغرباء.  ولفرط تمردها المغالي على تاريخها الجميل، أصابت أبناءها بالعار والاغتراب وبلعنات يومية لا تنتهي. تحولت إلى بحر آدمي وعمراني هائج صاخب لا تهدأ أمواجه ولا تنقضي أهواله ولا تفنى عجائبه. غيرت جلدها كثعبان مرقط مثير، فصارت  تتحرش بالأغنياء من كل الأجناس، وتتبرج لهم صباح مساء، وتهيئ لهم أسباب المتعة الزائفة والسعادة العابرة، وفي المقابل تعرض بكل قسوة عن أبنائها يوما بعد يوم، وتسلمهم قرابين لنيران اليأس والبؤس، وتزرع في أعماقهم المرارة والرغبة في الانسحاب والهروبّ، حتى ذابت ملامحهم وتغير لسانهم وتشوهت طبائعهم، وغرقوا في بحار التخدير والجريمة والهجرة والعدمية.  طنجة التي صارت عالما صارما جديدا غريبا لا يعترف بالانتماءات ولا يؤمن بالخصوصيات. أضحت فضاء غامضا تذوب فيه الملامح وتختلط فيه الهويات. وكل من ألقاه القدر بهذا العالم الهادر الموحش، سيعيش تائها بين سراديبه، هائما في متاهاته، غريبا في شوارعه وفضاءاته، باحثا عن إحساس بوجوده واعتراف بذاته.

هذه الغربة القاسية التي تحيط بأهل طنجة في مدينتهم، جعلتهم يتساءلون عن سر هذا التحول الفجائي، عن الإرادة الخفية التي نزعت طنجة من أهلها قهرا وقسرا. فصار أغلبهم يميلون إلى الاعتقاد بأنهم أصيبوا بلعنة حب غير متبادل. حب من طرف واحد. بلعنة تتشكل في الكثير من الظواهر والمظاهر والصور. لعنة حكمت عليهم بالانزواء والعزلة وسوء الحظ. ولذلك تجدهم يعتصمون بمعاقلهم الأخيرة، يلوذون بالهامش وبالأحياء الفقيرة ويخفون أوجاعهم في المقاهي الشعبية. هناك يتحررون من سطوة الاغتراب ومن متاهة الضياع.  هناك يتنفسون ما تبقى من هواء الانتماء حتى لا يصيبهم الاختناق. هناك فقط يجدون الإحساس بشيء يشبه الوجود. ففي تلك الهوامش يحس المرء بامتداد أوردة التاريخ وبالحضور الدائم والمستمر لأزمنة حية خالدة تأبى الانسحاب.  تسحره الأحياء المتداخلة، والبنايات المتشابهة، والأمكنة المدهشة المدغدغة للأحلام. ينساق بدون إرادة منه مع جاذبية البساطة الناضحة من جباه الناس البسطاء الطيبين. يتجاوب بسرعة مع نمط عيشهم ومع طقوس الحياة في مجتمعهم المتواضع. تحتويه بسهولة سعة صدورهم وصفاء طبائعهم ومتانة العلاقات الاجتماعية القائمة بينهم. أمكنة حبلى بحكايات أزمنة بائدة، تتشبث بالحياة في الخفاء. حافلة بصدى السنين، مليئة بالتاريخ .. هذا العمران العنيد عايش السنوات الأولى من ميلاد حاضرة عملاقة متعددة الأوجه والألسن والأشكال والأذواق والانتظارات. شهد عن كثب انتصاب أبراج سامقة لحاضرة ثائرة متوهجة خصبة ولود، تتكاثر يوميا وتتناسل بشتى الطرق، فتنجب مزيدا من الحجر والبشر والضجر، وتمنح بدهاء بليغ كثيرا من الأحلام والأوهام والسراب. صارت مع مرور الزمن فتاة عنيدة متمردة تغيّر جلبابها القديم الموروث، وتتبرج بجرأة مبالغة وتحدٍّ متطرف أمام أنظار العالم، وتطل من شرفة الحداثة سافرة متغنجة مستعيرة كل مظاهر الزينة والتجديد، ومهيأة للانفلات والتخلص من كل قيود الأصالة وأوتاد الماضي. تتّسع أفقيا وعموديا، وتتمرد على كل جاذبية قوية تحاول أن تكبح تطرفها العنيف أو أن تحدَّ من اندفاعها المغالي. يقصدها عشاق الثراء ومقتنصو الفرص وطُلاّب المتعة وعبيد الجاه من أهل البدو والحضر، لكن عمقها الشعبي المتواري في الهامش لم يتفاعل كثيرا مع مشاريع التجديد المستوردة، ولم يستجب بسرعة لرسائل الإغواء ولنداءات الإغراء المحملة مع رياح الحداثة. لم يفتح صدره ولم يشرّع أبوابه للقيم الجديدة الوافدة مع تلك الهبّات المهيجة للغرائز والمدغدغة للحواس والمثيرة للأحلام.

      حاول القاص بن يشرق مقاربة هذا العالم الصاخب المليء بالمآسي والزوابع النفسية والفواجع الاجتماعية، فاختار من الأحداث ما يرسم به لوحات كئيبة قاتمة، تكشف جزءا من واقعه المرير، وتترجم ذلك التمزق النفسي الذي يعيشه الشباب في هذه المدينة المغتصبة. ولذلك نجده مهتما كثيرا باختيار الشخصيات والفضاءات، كما نجده مهتما أيضا بالتنويع  في بناء قصصه وصياغة عالمها الجمالي، وذلك  بين الارتباط بالواقعية تارة، وبين الارتماء في ساحل النصوص الفانطستيكية والهتشكوكية والكتابة الساخرة تارة أخرى، ليرسل رسالة ضمنية تختزل الحياة كلها في صور شتى للمعاناة، وتقدم تبريرا لاشتداد الرغبة في الانفلات من مغناطيس الواقع الذي لا يرحم البسطاء. وكأنه رأى في النص العجائبي الساخر والمشوق ملاذا آمنا يحتمي فيه كل من اكتوى بلهيب الحياة اليومية في ظل سيادة الظلم والتهميش والأنانية وعدم تكافؤ الفرص. كما كان الكاتب ذكيا في اقتناص شخصيات قصصه لأنه لم يبحث عنهم بعيدا، لأنهم جزء من الصور الآدمية التي تؤثث الوسط الذي ينتمي إليه. فأغلب الشخوص في قصصه تنتمي إلى الشريحة المسحوقة التي تقاوم كثيرا لتعيش، تكد وتجد ليستمر نبض الحياة، و لكنها أحيانا تضعف وتنسحب وتستسلم لسطوة اليأس فتلجأ إلى الانتحار. يحضر رواد المقاهي الشعبية والسكارى والمنحرفون وتجار المخدرات وتجار البشر والطلبة وأصحاب المهن البسيطة. هذه الشريحة من النماذج البشرية تجمعها قواسم مشتركة عديدة. الإحساس بالاغتراب في مدينة إسمنية جاحدة. الإحساس بالظلم في وسط رأسمالي متغول محتكر للثروة والمناصب. الإحساس بالدونية في مجتمع مادي أناني لا يرحم الضعفاء. الشعور بالإحباط والخيبة وسوء الحظ. الرغبة في مقاومة الواقع والتمرد على مؤسساته. التطلع إلى عالم مثالي تسود فيه العدالة والديموقراطية وتتحقق فيه الأحلام، عالم ساحر يطل على أبناء طنجة يوميا. يتحرش بهم. يستفزهم. عالم يوجد خلف المتوسط في الضفة الأخرى.

يقدم الكاتب صورا كئيبة من الواقع في شكل مجموعة من الثنائيات الضدية: الواقع/ الحلم. الماضي/ الحاضر. الذات/ الآخر. الإيجابية/ السلبية. الحظ/ الخيبة. الجوهر/ المظهر. وفي ثنايا هذه الثنائيات نجد الكاتب يمرر رسائله وانتقاداته السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وهي في الغالب مواقف رافضة غاضبة ثائرة. ليؤكد في النهاية بان الهامش في حاجة إلى الكرامة قبل الخبز، وفي حاجة إلى الانتماء قبل الانتشاء.

أما الفضاءات المكانية فأغلبها ينتمي للهامش. تتقدمها المقاهي الشعبية وبعض الفضاءات التي يتردد عليها البسطاء. وهي شاهدة على تجارب حياتية مؤلمة وحكايات موجعة لشريحة اجتماعية مكتئبة حكمت عليها قوانين الرأسمالية المتغولة بالتواري طوال اليوم في الزوايا المظلمة والاستحمام بسحب الدخان وارتشاف كؤوس القهوة بعيدا عن أعين المحظوظين الوافدين المغتنمين للفرص والذين استباحوا كل قطعة جميلة أو معلمة تاريخية في هذه المدينة فحولوا فضاءها إلى استثمارات تبرر أرصدتهم المشبوهة،  وأقاموا أبراجا إسمنية باردة لا روح فيها ولا حياة ولا ذكرى. مشاريع خاصة ينتفعون هم وأبناؤهم بعائداتها تحت أنظار أبناء المدينة. وكأن الكاتب يقدم بهذه المجموعة القصصية صورة لطنجة المشوّهة التي اغتصبها أصحاب المال وأرباب العقار ورواد الملاهي وصالات القمار وتجار المخدرات الذين اغتنوا وشيدوا ثروتهم  بعرق البسطاء وكدهم، فتركوهم يجترون المرارة والندامة ويعانقون الخيبة والضياع.

ولذلك فإن هذه المجموعة القصصية الحاملة لهموم البسطاء والمعبرة عن معاناتهم وأحلامهم المغتصبة، تقدم للقارئ المغربي وجها جديدا لمدينة طنجة. وجها مختلفا عما عهدناه في الأعمال الأدبية الأخرى. وجها لا يمكن أن يدرك بشاعته وقبحه إلا أبناء هذه المدينة المغتصبة. وجها مقنعا بألف قناع، وقد استطاعت هذه المجموعة أن تنزع بعض هذه الأقنعة لتظهر الصورة البشعة لمدينة صارت تفقد بهاءها يوما بعد يوم وتتنكر لماضيها المجيد. مدينة جاحدة تنتحر فيها الفضيلة على مقصلة المال والثراء. فهل يمكن أن تعيد الكنطيسة الثرية الأمريكية ( باربرا هايتن) ما قالته سابقا عن طنجة بقولها: الجنة هنا ..الجنة هنا.. الجنة هنا؟؟ وهل يمكن أن يعيد (بول باولز) رأيه في طنجة حينما قال: (يعيش المرء في هدوء وبدون استعجال)؟؟؟؟ 

وأخيرا أختم بعبارة قالها أحد أبناء طنجة الأوفياء نيابة عن كل أبناء هذه المدينة، وهو  الأستاذ عثمان بن شقرون في إحدى تدويناته: (أموت وفي قلبي شيء من طنجة).

 

د محمد شداد الحراق

 

زيد الشهيدفي حاضرةِ الاغراض التي يتداولها الشعراء يأخذُ الرثاءُ شكلَ حاجةٍ تفرضُ وجودَها، طاغيةً علىَ مشاعر تحتدم تحت لهيب نار تتأجج.. تعابث الذاكرة صور تحمل طابع الفقد الأبدي.. وبهذا يكون الانفجارُ هائلاً.. تفيضُ بعدهُ القريحة بكل ما تمتلك من مفردات، وما تعرض من بوح، فيأتي الكشف بلا مقيدات،،، تتلاشىَ العوائق، ونرىَ إلى الرثاء فنجده فخراً أو مدحاً. إذْ قلمّا نواجه رثاءً خلا من هذين الغرضين . فلا رثاء يُكرّس مكاناً، ويحدد علوّاً إنْ لم توازه خِصال تحمل من الإشراق ما يبيض له وجه المرُأى (أما آنَ لصخرٍ أنْ يفلت من زمام الشعر ليدخل حومةَ النثر، فنقول فيه إنّه كان أخاً لتماضر من أبيها؛ وأنها عندما مات – بعد طعنةٍ قاتلة استمرت عاماً كاملاً – شرعت تندبه لأعوامٍ طوالٍ رثاءً رديفاً للمدح / توازياً لحثيث السمو الفخري) :

أعينيَّ جوداً ولا تجمدا

ألا تبكيان لصخر الندىِ؟

ألا تبكيان الجريءَ الجميل

ألا تبكيان الفتىَ السيدا؟ !

 انفلاتاً من الشعر لم يكن صخرُ اسماً لتُعليه تماضر، وتجسِّد توصيفات معانيه وما تؤول غليه حروفه، إنمّا كان موافق تترىَ وخِصالاً تقطع علىَ مبررات النسيان مثولها .

تأتي إليه – إلىَ صخر – هي المتزوجة من رجل مُسرفٍ أهرق ما لديه، وما لديها، فيتقاسم الأخ – غير الشقيق – مع أختَه ما يملك مرةً، وأخرىَ، وأخرىَ .. هل ثمةَ من كرم ويثار وسعةِ بال، واحترام أحاسيس ما يتجاوز فعلَ صخر حتىَ يبررّ للخنساء احتساب أخيها كأي أخ ترتبط ُ وأباه برباط الدم ليس غير؟ ! .. ألم يكن لها الحقّ في أنْ ترتي وتفاخر، مكررّة الاسم كما لو كان هو القصيدة؟ !

تبكي خنُاسُ علىَ صخرٍ وحقَّ لها .

إذْ رابها الدهرُ إنّ الدهرَ ضرّارُ .

وإنَّ صخراً لو الينا وسيدنا .

وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّارُ

وإنّ صخراً لمقدام إذا ركبوا

وإنّ صخراً إذا جاعوا لعقّارُ

وإنّ صخراً لتأتمُّ الهُداة به

كأنه علمُ في رأسه نارُ

قوامُ منتصب، وهامةٌ عالية .. شموخٌ يرسمُ أنفةً . كأنّا بتماضر تقفُ أمام إشهاد الشعراء، مواجهةً الحشد المنصت / المستمع تدفعهم زائفتهم لتعقّب مفرداتٍ وصور هذه الرافلة على ثرى الكلمات .. تمسك بقلبِ الحجر لتستحثُّ جذوته، وتلوي عنقَ الزمن لتعلو فوق كاهله متنبئةً بأنَّ ما سيكون لها – لاحقاً – من الصفحات كُثرُ، ومن الاكبار ما يضجّج النفوس اعتزازاً .. امرأةٌ تمنح مثلاً حييّاً للاعتزام وعدم الإنكار تبني ذكرى جارفة على بركان ذاكرة وهيجة .

(2)

1- رثاء تلوذ ما وراء كلماته مقاصد دفينة لنيل مآرب مبتغاه، تجد ابتداءاتها من انبثاق الحدث .. والحدث هنا لا يأتي مُتكرراً وبمناسبات متتالية يمسكها الشاعر فيتلاعب بالتعامل معها، إنّما يجيء ليعلن وجوده من خلال مفاجأة غير محسوبة يفجرّها قدرٌ متوارٍ / غير مرئي، تدخل من باب الوفاة أو القتل .. وفي رثاء يُظهر بارومتر الشعور زخمَ الفجيعة أقل وطأة، والألم ليس ذاك الموغل في أنسجة الروح كواءاً، إذْ المُرثى لا يمت بصلة للراثي وإنْ بدت المفردات ناضحة بالأسى والكمد مشوبة بالفخر والاعتزاز؛ وإن بدأ القاتل شاعراً عَلماً كالمتنبي في رثائه لأمِّ سيف الدولة الحمدانيِ :

أطابَ النفسُ أنكِ مُتِّ موتاً

تمنتهُ البواقي والخوالي .

يمرُ بقبرِكِ العافي فيبكي

ويشَغلهُ البكاءُ عن السؤالِ

ولو كانَ النساءُ كمن فقدنا

لفُضَّلت النساءُ علىَ الرجال

وما التأنيث لأسم الشمس عيبُ

ولا التذكير فخرُ للهلال

2- رثاءُ شخصٍ أكله الندم وأرهقه العذل فاستعانَ بالترجيّ طلباً لعفو رثائي .. فردُ لا يأخذ بالنصح، ولا يألوا تأثراً بالرجاء .. يخطو تحت غمامة غواية تسيُّره كالحالم، مُقاداً بهيمنةٍ تفتقدُ زمنيتَها، حتىَ إذا آل الوصل إلى زوال الفعل الخادر، وبان القول اليقين أدرك تخوم التعب والإنهاك والضنىَ .. عندها يتقدم القلبُ المتأوهُ لأبن زريق البغدادي – المطعون بالخيبة – صوب الحبيبة الناصحة :

لا تعذليهِ فأنَّ العذل يولِعُهُ

قد قلتِ حقّاً ولكنْ ليس يسمعَهُ

جاوزتِ في لومهِ حدّاً أضرَّ به

من حيثُ قدَرّت أنّ اللومَ ينفعهُ

فاستعملي الرفقَ في تأنيبهِ فهو

مُضنَ القلب موجَعِهُ

3- رثاءُ نفسٍ أسقطتها شباكُ الوقيعةِ في يم الضحك الذي هو واجهة لسعادةٍ مختلفة ظنّها الإنسان الفردُ تحمل من استمراريتها ما يجعلها سابحةً في ديمومةٍ لا تعرف اقيانوس الانتهاء.. ولا تدرك برازخ التوقف، حتى إذا أستمر الزمن يدور في دوّامة التكرار، ثم الملل أكتشف هذا البائس / المخدوع أنّ ما أرتكبَ من ضحك كانَ من عداد السفاهة، فينطوي منكفئاً / مدحوراً يرثي هاته النفس محمولاً علىَ أكف لوم الأيام :

ضحٍكنا وكان الضّحكُ منّا سفاهةً

وخيرُ لسكّانِ البسيطة أنْ يبكوا

تحطمنا الأيام حتىَ كأننا

زجاجُ ولكنْ لا يعادُ له سبكُ

إذاً يأتي رثاء المعرّي علىَ لسان صورة المفردات واصفة كينونة المخلوق عبرَ عدميّةٍ تفشي البؤسَ العميم الذي بمثابة خاتمة تراجيدية تعكس الرثاء الكلّي للوجود .

 

زيد الشهيد

 

حسين سرمك حسن(الحكم على إنسان بالحياة أسوأ من الحكم عليه بالموت)

ديزي الأمير

قصة (البيت العربي السعيد)

مبكر وشاسع الأصداء هم الغربة والاغتراب الذي سيطر على المجموعتين القصصيتين الأوليين في حياة المبدعة العراقية " ديزي الأمير ". فمن الناحية الزمنية صدرت المجموعة الأولى للكاتبة " البلد البعيد الذي تحب " عام 1969 – وأعيد طبعها لمرة الثانية في عام 1979. أما المجموعة الثانية " البيت العربي السعيد " فقد صدرت عام 1975وأعيد طبعها للمرة الثالثة عام 1979 . أما من ناحية سعة الهم وسيطرته على انشغالات الكاتبة، فيكفينا القول أن المجموعة الأولى قد ضمت تسع قصص من مجموع ثلاث عشرة قصة، ثم تصاعد هذا الهم في المجموعة الثانية ليكون الموضوعة المركزية في عشر قصص من مجموع اثنتى عشرة قصة!! . لكن ما هو أكثر أهمية هو تلك الحياة الموحشة الكئيبة لبطلاتها – وأغلب بطلات الأمير من النساء – والتي توصل إليها هواجس الإغتراب التي يكون فيها الفرد غريب الوجه واليد واللسان، لا يستطيع التفاهم مع من حوله، بل لا يتواصل معهم، ويعجز عن تأسيس علاقات إنسانية دافئة مع الآخرين . تصبح مقولة أرسطو التقليدية " الإنسان حيوان اجتماعي " لعنة، حيث يدفع المجتمع ببطلة القصة إلى المزيد من العزلة، ويحشرها في زاوية خانقة تصير فردوسها المليء بالعذاب والإحباط .

والغربة والاغتراب لغويا من غرب غربا أي ذهب وغرب فلان عنا: تنحّى، وغرب في سفره: تمادى، وغرب غروبا الرجل: تباعد، وغرب نزح عن الوطن، ومنه الغروب والمغرب والغرابة والغراب وشدة الوجع والمبالغة في الشيء (المنجد في اللغة – ص 547و548) . وكلها متضمنة في سلوك شخصيات ديزي الأمير القصصية وسماتها الأساسية، سواء من اغتربت عن وطنها – بعدت جغرافيا وتأسس على البعد الشعور بالوحشة والعزلة، أو التي بعدت نفسيا عن الآخرين وهي في وطنها وبين أناسها فعاشت المحنة ذاتها . 1– مجموعة " البلد البعيد الذي تحب ": وبالمناسبة لا توجد قصة بهذا العنوان في المجموعة، إنه عنوان إطاري يحدد الإنشغال الرئيسي في قصص المجموعة، ودلالاته وإيحاءاته حاضر في أغلب قصص المجموعة بدءا من القصة الأولى

أ‌- قصة " المرحلة الرابعة ": التي تتحدث عن امرأة مغتربة تعاني من روتين حياتها اليومي المقيت . وقد قطعت شوطا في المراحل الثلاث من عملية جرد وتنظيف وإعادة تنظيم حوائج الخزانة الأسبوعي . ومصادفة (انزلقت من الكيس صورة ملونة التقطت لها في ذاك " البلد البعيد الذي تحب " .. كانت جالسة في قارب تجذيف – ص 7و8) . في الصورة تبدو ممتلئة بالحياة والأمل والتفاؤل . لا يبدو ذلك على وجهها حسب بل حتى على ملابسها الجميلة . لكن الآن لم يبق أي شيء . ومن خلال مراجعة مصائر مفردات الصورة: الفستان الأخضر والمعطف والحقيبة الصغيرة .. والأهم الشخص الذي لا تظهر منه سوى كفه الممسكة بالسيجارة، يتأكد لديها خواء عالمها الراهن .. وحقيقة أن كل شيء محكوم عليه بالزوال: (تطلعت في المرآة تفتش عن الماضي، وهناك في المرآة رأت كفها الأخرى تتعاون مع الأولى على تمزيق الصورة قطعا صغيرة .. ثم أصغر .. فأصغر . . وأصغر . انتهت من المرحلة الرابعة والأخيرة لعملية الجرد الأسبوعي للخزانة – ص 11) . إنه جرد محتويات خزانة حياة خاوية استنفدت سعاداتها وامتص الزمن محتوياتها النابضة بلا رحمة .

ب – قصة " السجادة الصغيرة ": تتحدث عن فتاة مسحوقة الإرادة، ممسوخة الوجود . تعاهد نفسها على أن لا تعود إلى بيت عمها وزوجته اللذين يستغلانها، وأن تحقق ذاتها كما تريد . لقد استبدت زوجة عمها بكل شيء بعد وفاة أمها وانتقالها للعيش مع عمها . حتى السجادة الصغيرة العائدة لأمها جعلتها مداسا عند الباب، وحين حاولت تغيير مكانها نهرتها زوجة عمها . وفي رحلتها من بيت ابنة عمها، وخالتها وصديقتها يتأكد لديها أن كل من حولها استغلاليون أو في أبسط الأحوال أنانيون مكتفون بحالهم أو منافقون يمالئون التظاهر بالسعادة، ولا يستطيعون الإحساس بهموم الآخرين من خلال التعاطف الإنساني العميق . في النهاية تعود صاغرة إلى بيت عمها .

ج – قصة " ضباب " هي ليست حكاية الضباب الفعلي الكثيف الذي أحاط ببطلتها وجعلها تتيه عن بيتها في البلد الغريب الذي تعيش فيه ولكنها قصة ضباب الغربة الذي يحيد بمدارك الفرد الغريب ويشوش إدراكاته . فقد ردت بحدة على دعوة الرجل الأسمر لمشاهدة فيلم سوية، واعتبرتها إهانة لها هي المسلحة بقيم المجتمع الشرقي الذي أتت منه . لم تفكر لحظة في أنه قد يكون وحيدا مثلها ويبحث عن رفقة . لم ينقشع ضباب حساسية الغريب الذي لف وجودها إلا عندما تاهت ليلا وأصابها القلق وتمنت أن تجد أي إنسان تكلمه حالها حال الرجل الذي صبت عليه غضبها قبل قليل .

د – في قصة " صلاة المائدة " تتعرف "هناء" الصغيرة على زيف الحياة والمجتمع وبضمنه عائلتها، وظلمهم لعمتها التي عاشت وماتت عانسا، تعتني بأبناء أخيها . وتقارن بين أمها التي أعطتها الحياة كل شيء فكانت راضية عن الله وشعارها " الله محبة "، وبين عمتها المغدورة التي بخلت عليها الحياة بكل شيء وصار شعارها المكتوم " الله لا يريد أن يراني " . وتتذكر أن عمتها لم تكن تصغي لصلاة المائدة في حياتها . تشكر من هي المحاطة بالخسارات من كل جانب ولماذا؟ . بعد وفاة العمة تنفجر هناء في وجه أفراد عائلتها: (لن أصلي معكم بعد الآن .. لن أصلي لله وفاء لعمتي لأنه لم يزر غرفتها أبدا – ص 78) .

هـ - في قصة " رسالة إلى جدتي " تعيد القاصة إلى أذهاننا محنة كون العراقي " حيوانا سياسيا " والوصف أصلا لأرسطو . فالمرأة المغتربة تهرب من الحب والعلاقات وكأنها تقترف إثما كبيرا، لأنها منهمة بأوضاع وطنها وأمتها السياسية . وتندهش فتاة البلد الغريب التي أرادت قبل قليل أن تلقي بنفسها إلى الأرض كي تحصل على اهتمام أحد، من الفتاة المغتربة الهاربة ممن يحبونها . إنها البنية المعصوبة التي جعلت المواطن السياسي بلا قلب معتقدا أن الانشغالات الحبية تعيق مشروعه السياسي، ناسيا أن لب خراب حياة شعبه هو فقدان القدرة على الحب لدى من يقودونه . كيف يهتم سياسي بالشعب / العائلة الأكبر، وليس لديه عائلة أصغر يحدب عليها؟ . لكن مشكلة الإبداع وحسنته الكبرى في الوقت نفسه تتمثل في " التخريج الخلّاق والماكر " لانجراحاتنا المخاتلة: تواصل البطلة رسالتها الموجهة إلى جدتها من مغتربها والتي استهلت بها قصتها: (وستنظرين يا جدتي في عيني تنتظرين خيرا . ليس في عيني يا جدتي غير القلق . القلق الذي لا تعرفين، والسفر يزيد منه . لقد رفضته يا جدتي لأنه .. لأنه لا يأرق .. إنه لا يعرف معنى التوتر والهرب – ص 140) . في أكثر من قصة تحاول ديزي الإيحاء إلينا بأن الإنهمام بتردي الحال العام وبلادة الإنسان يوصل إلى التوتر والقلق وحتى معاقرة الحبوب المهدئة، وبذلك من تحصيل الحاصل أن يكون السياسي قلقا . ولكن التحليل النفسي الذي لا يعرف المهادنة في الغوص لكشف ما مسكوت عنه يرى أن الفرد يتجه إلى السياسة لأنه قلق ويأرق، ويعيش تحت ضغوط التوتر والهرب، لأنه لم يحل عقد شبكة علاقاته بأطراف المثلث الأوديبي . يتأكد ذلك، ولكن بصورة مراوغة في القصة الأولى من المجموعة الثانية وهي قصة " عمّة رفيق ":

2- مجموعة " البيت العربي السعيد ":

أ – قصة " عمّة رفيق ": وهي من أمهات الأدب القصصي النفسي السياسي رغم قصرها: إحدى عشرة صفحة من القطع الصغير . وبالمناسبة فإن من أهم السمات الأسلوبية والفنية لأدب ديزي الأمير هو التكثيف والتركيز، ولهذا تأتي قصصها ومقالاتها أيضا قصيرة موجزة ورشيقة تماما . وأعتقد أن هذه القصة وقصة " بيت رابع " هما أطول قصتين كتبتهما ديزي في المجموعتين . وقصة عمّة رفيق تتحدث عن مناضلة ضحت بكل شيء من أجل قضية أخيها السياسية حتى لم يعد لها وجود شخصي مستقل غير مرتبط بالسياسة والنضال الذي ضيّع حتى اسمها، فصارت تلقب بـ " عمّة رفيق " أي عمة ابن أخيها المناضل الذي سمى ابنه تسمية نضالية . لم يكن يتاح لها العناية بنفسها وفق أدنى المقاييس الأنثوية . حتى أصابعها خشنة كأصابع الرجال . حتى الجد يبرّر عدم استحسان تبرجها مثل زوجة أخيها بالقول: (إنها زوجة ويجب أن تتزين لزوجها لترضيه . أما أنت فهل ترضين أن تتزيني لأصدقاء أخيك؟ وماذ يقول الناس لو اهتم بك أحد هؤلاء؟ ولو .. ولو لا سمح الله، قال أخوها، أحبك واحد منهم، فهذا معناه أنني أشركتك في مهمتنا الوطنية لأجد لك زوجا . أنت محصنة ضد كل هذا بتصرفك الرصين وكفاك فخرا أنك أخت الرجال ... وضحك فرحا: أليس كذلك يا عمّة رفيق؟ . – ص 9) . إن التبرير يتضمن معاني خطيرة من القدرة على القتل . هذه هي الشخصيات النيكروفيلية التي وصفها " إريك فروم " في كتابه " تشريح التدميرية البشرية " . يلاحظ فروم أن تشرشل لديه نزعات تدميرية خطيرة لأنه خلال زيارته إلى إحدى الدول الأفريقية كان يقتل الذباب بالمضرب على مائدة العشاء . والمناضل " أبو رفيق " هو أسوأ أنموذج من هذا . إنه لم يكتفي بقتل مستقبل أخته، مثل ذبابة على مائدة عشاء الحياة، بل تصرف بصورة منافقة وحقيرة حين عطل حياتها الشخصية المشروعة، وتزوج هو وأنجب . كان يعود من سفراته النضالية إلى الخارج محملا بالهدايا إلى زوجته وأولاده، وبالكتب السياسية لأخته . زوجته، هو المناضل الذي من المفترض أن يصنع المستقبل لشعبه بالعلم والمثابرة، تقرأ الفنجان . إن نمطا من العلاقة المحارمية المغلفة بالحرص السياسي والمديح القبلي الغبي هو الذي خرب حياة قطاع واسع من النساء " المناضلات " . لقد جعلوهن – على طريقة " غوار الطوشي " - يتبنين القضية حتى الذبول ورحيل قطار الشباب والعنفوان . حتى في صدر الإسلام كانت المجاهدة تقاتل وتتزوج . أي جيل سياسي معصوب وشديد الأذى على الإنسانية هذا الذي يرى أن الحب يعطل مسيرة الشعب؟ . حتى مسيرة قطيع الأغنام تتعطل حين يفتقد الحب بين أفرادها الأغبياء؟ . وقد انتزع الأخ المناضل القدرة على الحب من نفس أقرب الناس إليه وهي أخته، فكيف سيزرعها في نفس أبناء شعبه؟ . والأخت المحبطة اتي أرهقها النضال الآن في بلد غريب، تتعاطى العلاج الطبيعي في الحمامات المعدنية لمداراة أجزاء جسدها المتعبة، وتهمل أجزاء روحها السقيمة بالنضال الكريه . النضال يصبح عبئا كريها حين يميت روح مناضله . لقد حاولت عمة رفيق أن تحجب شخصيتها الحقيقية في هذا البلد الغريب لكي لا يقولون " تبرجزوا " . وهذا مظهر عصابي مضاف . حتى الطبيب الغريب كان يتساءل: " ما تراها تعمل حتى أصيبت بكل هذا الإجهاد؟ وهذا التوتر؟ " . العمل عبادة، وتنفيس وتفريج ووصفة للصحة النفسية . فأي عمل ملعون هذا يحطم صحة الإنسان وشخصيته؟ إنه النضال العربي اللعين . يخرّب السياسيون حيوات عائلاتهم أولا، ليتهيأوا لتخريب حياة شعوبهم . هذا قانون . وهذه المناضلة التي اعتقد رفاقها فخرا أن يلقبوها بـ " أخت الرجال "، وهي سبّة موجعة . وهاهي تقف وحيدة في البلد الغريب، وفي فترة الغروب الذي سيليه الليل الطويل ... تقرّر الدخول إلى بار الفندق .. تدخل غير مسلحة بأبسط المهارات الإنسانية في مثل هذه المواقف . وهذه رسالة ديزي الأمير الكبرى: هؤلاء المناضلون الذين يتصدون في الشرق لتغيير قضايا الكون الكبيرة، عاجزون عن الجلوس في مطعم متحضر .. بل هم مهملون لا أحد يلتفت إلى نضالهم ولا لقضاياهم ... الحياة بسيطة .. هكذا .. مثل إشكالية طلب كأس النبيذ بعد العشاء .. و" أخت الرجال " التي كانت منزوية خلف ظلال أخيها الشيخ المناضل، انكشفت " أخوتها الرجالية " و " عمة رفيقها " بصورة فاجعة .. لقد خرجت مهملة من البار، ولتعبر القاصة عن حالها المنكسر أبلغ تعبير بالعودة إلى المصعد الذي أنزلها إلى البار: (المصعد لا يزال هناك موجودا واقفا فارغا، ولكنه كان يتكلم – ص 15) . تتساءل ديزي، وهي عاشت فعلا جحيم هذه التجربة المهلكة المغوية بصورة مباشرة أو غير مباشرة: (ما معنى أن لا تنادى باسمها؟ أبعد كل هذا النضال ونكران الذات والتضحية لم تتوصل حتى أن تسمى باسمها؟ أتراه شرفا أن لا تكون امرأة؟ فقط؟ لمَ هي أخت الرجال؟ ولمَ هي عمة طفل وليست .. وليست زوجة رجل؟ - ص 11) . تتخفى الأنثى العشتارية المعطاء والخالقة خلف الظل المنافق للذكر المتنفج الطفيلي، الذي لايد له في " ولادته " النضالية، مثلما هي الولادة البايولوجية التي تتحمل عذاباتها الإلهة الأم، وقد سئل أبو الحسن: صف لنا الموت؟ قال: انظروا إلى المرأة حين تلد . حتى هذا الامتياز ضيعه المناضل تحت براقع التضحية التي هو أول من لا يفهم حقيقتها الأصيلة . قصة " عمة رفيق " يجب أن تُدرّس في كليات علم النفس وفي معاهد العلوم السياسية لكي يعرف المناضلون الجدد أنهم إذا لم يكونوا عشاقا كبارا مخلصين لحبيباتهم، لن يصبحوا مخلّصين لشعوبهم . وإذا لم يحبوا ويتزوجوا وينجبوا، فإنهم سوف ينقمون لاشعوريا على شعبهم الولود الخصب الذي تذكرهم تفاعليته الحياتية الخلاقة بانخصائهم وعجزهم . وعلى أساس هذه الركائز المعصوبة لا يمكن أبدا إشادة قوائم البيت العربي السعيد في البلد الذي تحب . وهذه الرؤية ستنقلنا إلى القصة المكملة ؛ قصة "البيت العربي السعيد"، ولو راجعنا مجموعتي ديزي بدقة وتمعن لوجدنا أن خيطا خفيا، لكن ملموسا نفسيا، يربط حلقات قصص المجموعتين وكأننا أمام كتاب قصصي متكامل

ب – قصة "البيت العربي السعيد": هل يمكن أن يكون الإغتراب لذيذا؟ . في هذه القصة تقدم ديزي الأمير إجابة فريدة من خلال صورة موازية للحياة الواقعية – وفي الصور الإبداعية المتخيلة الموازية لصور الحياة الفعلية تكمن عظمة الإبداع، فكم جريمة قتل أب مثل قتل الأب كارامازوف شاهدناها في حياتنا خصوصا في ملحقاتها التفسيرية ولم ترتجف لها أوصال لاشعورنا؟ –، وتتمثل هذه الصورة في بطلة القصة " وحيدة " – وأغلب قصص ديزي تحكى بضمير الغائب، وقد تكون هذه آلية لتعميق هوة التواطؤ النفسي المضلّل – التي تقف الآن وحيدة .. مغتربة حتى عن نفسها .. وعمّن حولها .. يستولي عليها شعور ممض بأن اليوم كالأيام الفائتة والأيام الآتية . خواء في خواء في خواء .. والخواء يتصاعد ويتسع مع كل محاولة تقرب مع أي أنموذج بشري . ها هو زوجها يدعوها للحديث مع زوجة صديقه التقدمي التي لا تستطيع الجلوس مع الرجال لأنها محجبة !! . زوجة مناضل تقدمي لا تفقه شيئا سوى أن أم زوجها راضية عنها !! . وفي محاولة تصافقية يجهضها إنهاك الإرادة تحاول "وحيدة " وهو اسم بطلة القصة - ولاحظ رمزية الإسم لإمرأة غير قادرة على التكيف مع الوسط المريض، تعيش " وحيدة" رغم أنها محاطة بمجموعات من البشر؛ لكنهم البشر المهادنون المتخاذلون - تحاول أن تسأل ضيفتها: (لم لا تمزقين عباءتك؟ أتراك ولدت محجبة؟ أم تولدي عارية؟ أيهما أقرب إلى الطبيعة؟: العري أم الحجاب؟ - ص 41). البيت العربي السعيد في حقيقته ليس سعيدا لأنه قائم على علاقات منافقة ومواقف تدليسية انتهازية وفهم شديد الخطأ لدور الإنسان في الحياة خصوصا المرأة . هذه ضيفة جاءت مع زوجها ومعها ولدان وفي بطنها ثالث، وتركت في البيت سبعة !! . وهي والسيدة الكبيرة تنظران لأهمية الكثرة في الإنجاب، ووحيدة تتمتم مع نفسها بآراء معاكسة لكل ما يطرح أمامها . لكنها لا تستطيع إعلان آراءها الجسورة الجريئة والصحيحة، لأن اللائي يسمعنها سوف يؤولن أقوالها كدعوة للفجور والاستهتار . آراؤها فريدة ولا نتوقع منها في مجتمع اعتاد على قوانين العيب والتبعية والتقليد إلى أن تشعر بأنها مرفوضة فتزداد عزلة عن الآخرين، وتتعب أعصابها فلا تجد ما يعينها غير الأقراص المهدئة . ترى من يتحمل رأيا مثل هذا: (قطعت السيدة الكبيرة صلاتها وجاءت تساهم في الحديث . رددت زوجة التقدمي كلامها عن إعجاب امرأة العم بها فطربت السيدة الكبيرة: رضى الله من رضا الوالدين . قالت وحيدة: والرضى عن النفس؟ وعادت يداها تعبثان بشعرها فتغلغل الهواء فيه . – هل تصلين؟ طبعا – هل تصومين؟ طبعا – كسبت الدنيا والآخرة . ضحكت وحيدة بصوت عال فاستدارت المرأتان إليها . لم تسألاها لمَ تضحك؟ فالضحكة المستنكرة يهمل أمرها. هذا انفعال آني سرعان ما يتلوه صمت راض. سمعت نفسها تقول: لم تكسبا الدنيا ولن تكسبا الآخرة . الصدق مع النفس هو الدنيا والآخرة، الانسجام – ص 42) . هي الساموراي الرومانسي الأخير إذا جاز الوصف في حياة رتيبة قاتلة كلها رياء . وبيتها محطة لوجبات من المدعوين الثرثارين . ومع كل حوار بليد تعلق تعليقا جريئا مع نفسها، وتلاعب شعر رأسها بأصابعها إشارة إلى الإكتفاء النرجسي بالذات الأنثوية الباهرة التي تستميت للحفاظ عليها من أن تنطمر تحت ركام الإعتياد والمساومات المنافقة والإنحطاط بالجسد إلى درك الإحتقار كماكنة حيوانية . هي لا تتزين ولا تلبس المصوغات .. في حين تصبغ زوجة التقدمي وجهها بقناع ملون وأصابع يدها مزنرة بالخواتم المعبأة بأقذار العمل البيتي . (لا وقت لديها للنظافة . سيدة بيت فاضلة يشغلها العمل عن النظافة . النظافة؟ هي طاهرة تقوم بواجباتها الدينية، فأين عد النظافة في هذا؟ – ص 42) . وحيدة هي بقية عشتارية غير متوجة وسط جموع النسوة اللاتي يطأطئن هاماتهن ويباركن مهانتهن في عصر الحريم . هي استثناء في الصدق مع الذات والشفافية الآسرة في زمن القاعدة فيه الزيف والمراوغة والمهادنات الماكرة . ما العمل؟ الحل لدى وحيدة هو أن تتوحد مع ذاتها، وتنسجم مع جسدها / الأصل / الطبيعة / الخصب / الوجود .. وفي محراب هذا التوحد المقدس تتأسس الديانة الأصل .. الديانة العشتارية .. ديانة الماء والرحم الأمومي الحاني .. الفردوس الأزلي .. وهناك تكون الصلاة الروحية الحقيقية .. وهناك تستغني وحيدة الإلهة المتوحدة في رحم الماء عن الدنيا والآخرة: (فجأة انتاب وحيدة فرح طاغ وانتظرت بصبر نافد فراغ البيت ... أغلقت الباب بالمزلاج من الداخل واستلقت على أول مقعد صادفته . رمت فردة الحذاء . ودفعت بالأخرى بعيدا . قامت إلى النافذة . أسدلت ستائرها، وإلى الثانية والأخريات كذلك، وأضاءت النور . نزعت جواربها ومشت حافية . فتحت أزرار ثوبها، وتركته يتساقط عنها . سارت في أرجاء البيت غرفة بعد غرفة . تسمع صوت الصمت . أصغت إلى الجدران العارية، وركزت عينيها على الكراسي الفارغة . دخلت الحمام فتحت الدوش وحنفية الحوض واستلقت فيه . رذاذ الماء يتساقط عليها، والماء يعلو .. يغطيها .. ومن غناء الماء وصلتها الصلاة – ص 47و48) .

وتمعن الكاتبة في رفع الغطاء عن الآفات السرطانية التي تتآكل ركائز البيت العربي السعيد وتمسخ وجود أفراده كما هو الحال في قصص: "

القادم الجديد " حيث تضيع حياة ومستقبل البنت الكبيرة بلا رحمة بسبب إنشغال الأبوين بالتكثير "الأرنبي" الذي تقع مسؤولية إعالته على كاهلها (هي المستغلة تأتي بالعلف اليومي لها وللآخرين – ص 29) . ورغم ذلك يوافق الأب على خطبة أختها الصغرى خلافا للمعايير الإجتماعية المرعية التي يتلاعب بها دعاتها المنافقون حسب أهوائهم ومصالحهم .

وكذلك في قصة (وفاة دودة) التي تقيم فيها القاصة مقابلة رمزية رائعة بين معضلة نبتة البيت التي بدأت تحتضر بفعل دودة كانت تقضمها، وبين محنة إبنة العائلة التي تزوجت واغتربت وتعاني الأمرين من معاملة أم زوجها . كل ذلك يتم عبر حركات متوازية بين الدودة التي تعود بعد قتلها لتلتهم أوراق النبتة الخضراء، ورسائل البنت المتكررة التي تخبر عائلتها فيها بأن لا حل لمعضلتها وأنها في طريقها إلى الهلاك . دودتان .. لا فرق بينهما حتى لو كانت الأخرى قد نفخ الله فيها من روحه للأسف . وفي نهاية عدوانية متشفية ترتاح العائلة من هم المراقبة وحسرة الإحباط عندما تقتله النبتة نهائيا، مثلما ترتاح البنت بموت أم زوجها (سطعت الشمس على الشرفة، ولمعت المزروعات الريّانة مزهوة بنضارتها، والزهور الملونة ترفع أعناقها شاكرة – ص 57) . وفي قصة (كان وكان وكان) تلتقط مأزق بطلتها مع حبيبها الذي يربك علاقتهما حد القطيعة بسبب ضبابية أفعاله التي ألهبت الشكوك في نفسها. وعلى المسار المكمل – الغربة في الخارج، خارج الوطن – تقلّب القاصة، وباقتدار، هذه المحنة على وجوهها المختلفة في قصص: "الشعر المستعار"، "بيت رابع" و"مفتاح الباب الحديدي".

في الختام أقول أنه صحيح أن المبدعة ديزي الأمير قد كتبت نصوصها هذه عن تجارب قد تكون عاشتها شخصيا، أو عايشتها، أو ابتكرتها، إلا أنها قدمت نصوصا تعد أنموذجا في كتابة ما أسميته من قبل " البساطة المركبة " . وهي في هذه النصوص تقدم – وقبل أكثر من أربعين عاما - وصفات نفسية قصصية علاجية لنا .. نحن المُعذبين في أرض الغربة والإغتراب .

 

د. حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

يتسم مفهوم الزمن بدلالات سيميائية عدّة، منها (جوهرية/ بسيطة، مفهومة/ غامضة، حدوث/ تجدد، حضور/غياب، اقامة/ مكوث، البقاء/ بنوعيه (الماضي، والحاضر).

يمثل الزمن العنصر الفعال في بناء سردية الرواية، ولاينهض حضوره إلا بعنصر المكان؛ لأن الفضاء السردي شريكان لاينفصلنان، وهي طبيعة فلسفية ترتبط بتكوين الإنسان وقضية تكوينه الأول.

يختلف الزمن الروائي في اجبارية حضوره من روائي الى اخر؛ لكنه يحقق اجبارية توظيفه؛ لأنه عصب المتن السردي، من دونه ينعدم وجود متن كتابي.

ولايكتمل حضوره-الزمن- إذا ماارتبط بالوجود؛لأنهما مترادفان؛لأن الوجود يمثل الحياة، والحياة ترتبط بالزمن، وبين الزمن والوجود، تتكرر دوامة الحياة اليومية، منذ نشأة ابونا (ادم)، وامنا(حواء).

شكلت هذه الماديات المجانية والمعاشة منذ الأزل القاعدة الرئيسة في تكوين بذرة المتن السردي للرواية.

يبدأ السرد هنا أزمته من البداية، فـ (هيت لك.. أقليماً)، إذ يحاول العنوان هنا التقاط الصورة من الواقع المعاش، ورب سائل عندما يستوقفه معنى (أقليماً) الذي يقترب مفهومة من منطقة سكانية، إلا أن مفهومه داخل الروايةجاء ليجسد عن طريقه قضية (اول جريمة قتل في الاسلام) وضمير المجتمع، فإن توظيف لغة الشكوى والشجن والقطع الذي حدث في كتابة صياغة العنوان الروائي لم يأت من فراغ، أنما من صراعات ذاتية خالجت الكاتبة اولاً، وذات الأخر ثانياً، وبين هذا وذاك ضاعت الأمم وتفرقت الشعوب، وكأنها احبت استقطاب قضية القتل الأولى التي سجلها التاريخ، وهيأت للبشرية قضية متوارثة نمت بإزاء الأيجابية في تسجيل حضورها، استثمار الروائية لهذه القضية جاء بقصدية عالية، و سجل ذكاءها حضوره المثمر في تدوين النص بغية نقل حجم الدموية المعاشة أنياً.

إن استثمار قضية (قابيل/هابيل)، واختلافهما في قضية زواج قابيل من اخته التي من المفروض ان تتزوج من هابيل، إلا أن جمالها سجل وجوده في نشأة الخلاف بين الأخوين، ليغدر الأخ بإخيه، ويودي به قتيلاً، سجلت هذه القضية بنية مركزية ومادة مجانية في بناء الكثير من الكتابات الأبداعية.

تسترجع الزمن الماضي، عن طريق دلالاتها السيميائة(قابيل/هابيل، ادم/حواء، الألهة/ اوروك/ حفيد جلجامش، نبي الله يوسف/امرأة العزيز- نلتمسها عن طريق العنونة وتناصها مع قوله تعالى{وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك}-، الخلاف في دلالة توأمة أخت (قابيل) إقليميا /إقليما/ إقليما بنت أروى).

وقد فسر النص القرآني هذه القضية القديمة زمانياً، والمعاشة بماضيها وحاضرها بيننا، بطريقة مفهومة ومبسطة؛لأنها تسير نحو حدث واحد.

تنقلت الرواية بين هذه الظروف الزمانية، بلغة ابتعدت عن جفوة البلاغة وتعقيدها.

وانتهت بسلسلة الدومية المعاشة، واحداث العراق المميتة نلتقطها عن طريق شخصية (عاشور).

اخيراً، الروائية اجادت في توظيف التاريخ وسلسلة دمويته المتعبة، وابدعت في رسم الزمن وتدرجه، بلغة سردية اقتربت من القص في نقل الأحداث بفضائها، من دون الأسهاب المثقل، ليأتي السرد بلغة ناطقة لأحداث الزمن الماضي، ثم يدون دموية بلدها العراق، الذي ابتلى بسلسلة تاريخية موجوعة تارةً، ومثمرة تارةً اخرى، اثمارها يأتي عندما اجادت في استثمار زمنية تراثه (اوروك)، و( حفيد جلجامش أودول كلاما).

 

بقلم: وسن مرشد

 

عدنان الظاهرمَنْ هو الجبلاوي؟ أجاب نجيب محفوظ وأيّده الدكتور أحمد كمال أبو المجد أنَّ الجبلاوي هو الدين أو يرمز للدين فهل كان الرجلان صادقين فيما قالا؟ سنرى.

ثمَّ، وتحت ضغط وتهديدات بعض مشايخ الأزهر أُضطر المرحوم نجيب للقول إنَّ المجتمع يتحرك على محورين لا ينفصلان هما الدين والعلم . أُثبّتُ ما قال الرجلان وما قالا هو في نظري من باب التقية أي إتقاء الشرور والمخاطر .

(وفي إطار " أولاد حارتنا فإنني فهمتُ شخصية " عرفة " بأنها رمزٌ للعلم المجرّد .. وليست رمزاً لعالم بعينه، كما فهمتُ شخصية " الجبلاوي " على أنها تعبيرٌ عن الدين وليست بحال من الأحوال تشخيصاً رمزياً للخالق سبحانه وهو أمرٌ يتنزهُ عنه الأستاذ " نجيب محفوظ " ولا يقتضيه أي اعتبار أدبي فضلاً عن أنْ يستسيغه أو يقبله / الدكتور أحمد كمال أبو المجد / الصفحة 583 من الرواية).

(إنَّ كتاباتي كلها، القديم منها والجديد، تتمسكُ بهذين المحورين: الإسلام الذيس هو منبع قيم الخير في أمتّنا، والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا . وأحبُّ أنْ أقولَ: إنه حتى رواية " أولاد حارتنا " التي أساء البعضُ فهمها لم تخرج عن هذه الرؤية . ولقد كان المغزى الكبير الذي توّجتُ به أحداثها .. أنَّ الناس حين تخلوا عن الدين ممثلاً في " الجبلاوي " وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ممثلاً في "عرفة" أنْ يديروا حياتهم على أرضهم (التي هي حارتنا) .. إكتشفوا أنَّ العلمَ بغير الدين قد تحوّل إلى أداة شر،وأنه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم .. فعادوا من جديد يبحثون عن " الجبلاوي " / نجيب محفوظ / الصفحة 587 من الرواية) .

في إمكان أي قارئ لرواية أولاد حارتنا أنْ يفهم وأنْ يفسّر هذه الرواية تفسيرات شتّى مُغايرة فهي حمّالة أوجه . هذا حق القارئ يمارسه حسب ثقافته واجتهاده وقدرته على الغوص عميقاً واستكناه بواطن الأمور وكشف ما يُخفي كاتب النص وما يختفي بين السطور . قال نجيب محفوظ رأيه فيما كتب فأعطانا حرية أنْ نكتب ما رأينا في روايته فحقوقنا متساوية . في الفصل الخاص الذي يحمل عنوان (أدهم، أي آدم / الصفحة 11) كلام صريحٌ واضح فيه حوارات بين الجبلاوي وكل من ولديه الأكبر إدريس أي إبليس، والآخر أدهم أي آدم . هل للدين أبناء ومن هم أبناء هذا الدين وعن أي دين تكلم كاتب الرواية؟ ثم هل كان هناك ثمّة من دين في بدايات خلق الإنسان سواء في جنّة الخلد [أين مكانها الدقيق؟] وبعد معصية آدم وحوّاء لأمر الرب وهبوطهما إلى الأرض عقوبةً لمخالفتهما الأمر؟ أي دين؟ فالأديان السماوية معروفة . نقرأ ما قال نجيب محفوظ في الفصل الذي خصصه لأدهم {مقتطفات متفرقة}:

(.. ويوماً دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتاني المتصل بسلاملك الحديقة . وجاء الأبناء جميعاً، إدريس وعبّاس ورضوان وجليل وأدهم في جلابيبهم الحريرية فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لا يكادون ينظرون نحوه إلاّ خِلسةً .. وهو يبدو بطوله وعرضه خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط ... وما يقلقهم إلاّ أنه جبّارٌ في البيت كما هو جبّارٌ في الخلاء .. وقال بصوت خشن عميق ..

ـ أرى من المستحسن أنْ يقومَ غيري بإدارة الوقف .. وقد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليديرَ الوقف تحت إشرافي ... فغضوا الأبصار حذراً من أنْ يقرأَ ما في نفوسهم إلاّ إدريس فقد قال بإصرار.

ـ ولكنني الأخ الأكبر . فقال الجبلاوي مستاءً: أظن أنني أعلم ذلك، فأنا الذي أنجبتك) . ما يضع نجيب أمام عيوننا في هذه الأقوال؟ أليس هذا مشهد من مشاهد ما ورد في قرآننا من آياتٍ تصف الجنة وما فيها وما جرى هناك من نقاش حامٍ بين الله وإبليس؟ فلنقرأ سورة الأعراف. أترك هذه النقطة فربما أعودُ إليها بعد أنْ أفرغ من استعراض الكثير من جزئيات الرواية .

لا ريبَ أنَّ نجيب محفوظ كاتب بارع في السرد القصصي والحكائي وله نفس طويل جداً في استحضار دقائق الأمور الحياتية ووصف ما لا يخطر على بال الناس . غير أنه في روايته الطويلة هذه [593 صفحات] لم يشأ أنْ يقيد نفسه تقييداً حرفياً بالحقائق المعروفة والمكتوبة في كتب الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية ثم الإسلام . أخذ نُبذاً وفقراتٍ منها ثم صاغ منها وحولها قصصاً وحكايا وترك للقارئ أمر ردّها لأصولها كما وردت في كتب الديانات . إنه بهذا يضع القارئ العارف بما في الكتب الثلاثة بين أمرين لا ثالثَ لهما . إما أنْ يخضع جزئيات الرواية للتأويلات وفق ما يعرف عن هذه الأديان وما جاء في كتبها أو أنْ يعتبرَ الرواية برمتها مجموعة قصص مصممة في الأصل كحكايا للأطفال تقصها عليهم جدّاتهم قبيل النوم . نعم، وجدتها تصلح قصصاً للأطفال وهذا لا يُنقص من قدر المرحوم نجيب .

آدم وغواية إبليس /

حاول الروائي صاحب أولاد حارتنا أنْ يُعيد قصة خلق الإنسان إعتباراً من عصيان أبينا آدم [أدهم] لأمر ربه حيث أغواه إبليس [إدريس] فحلت عليه وزوجه حوّاء [أُميمة] اللعنة وأُهبطا إلى الأرض مُستقراً لهما وفيها لهما ولذرّيتهما متاع (قال اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ ولكم في الأرض مُستقرٌ ومتاعٌ إلى حين . قال فيها تَحيونَ وفيها تموتونَ ومنها تُخرجون / الآيتان 25 و 26 من سورة الأعراف). في مستقرهما الجديد على الأرض أنجب أبوانا قدري [قابيل] وهُمام [هابيل] كما أنجب إدريس [إبليس] بنتاً أسماها هنداً ! لا أحد يعرف أنَّ إبليس تزوج وأنجب خاصة وأنَّ ربّه لم يُخرجه من الجنة بل أبقاه هناك حسب طلبه إلى يوم يُبعثون (قال ما منعك ألاّ تسجدَ إذْ أمرتكَ قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين . قال فاهبطْ منها فما يكونُ لك أنْ تتكبّرَ فيها فاخرجْ إنّكَ من الصاغرين . قال انظرني إلى يوم يُبعثون . قال إنّكَ من المُنظرين / الآيات 12 و 13 و 14 من سورة الأعراف). إذاً ما كان إبليس يوماً على الأرض فكيف تزوج وأنجب ومن كانت زوجه؟ يلوحُ لي أنَّ كاتب هذه الرواية أراد أنْ يبالغ في سوء خلق وطبع إبليس وأنه لم يمت ولم يختفِ بل وتزوج قابيلُ قاتلُ أخيه هابيل من إبنته هند ليقول نجيب ـ وقد قال بالفعل ـ إنَّ قسماً كبيراً من البشر هم من ذريّة قتلة وأشرار فهذا قابيل القاتلُ وهذه هند إبنة العاصي والغاوي إبليس فمن وكيف ستكونُ ذريّتهم ومن سيخلفون؟ (وفي تواريخ متقاربة ودّعَ الحياةَ أدهم فأميمة ثم إدريس . وكبر الأطفال وعاد قدري بعد غيبة طويلة ومعه هند . نشأوا {كتبها نجيب بشكل نشئوا .. وله طريقته الخاصة في كتابة الهمزة تخالف ما يعرفه العراقيون عن رسمها وضبطها} جنباً إلى جنب وخالطوا غيرهم فازدادوا بهم عدداً. وانتشر العمرانُ بفضل أموال الوقف فارتسمت في صفحة الوجود حارتنا. ومن هؤلاءِ وأؤلئك جاء أبناءُ حارتنا / الصفحة 119).

لاحظتُ اجتهاد نجيب في اختياره للأسماء أنْ تكونَ قريبة أو مشتقة أو شبيهة بالأسماء الأصل . فأدهم هو آدم وآدم مشتق من الأديم وكانت بشرته سمراء أو داكنة كما يصفون . وكذلك الأدهم . أميمة هي حوّاء أم الجميع وأميمة مصغر أم. قدري هو قابيل القاتل وهُمام هو هابيل القتيل . وإدريس هو إبليس فهل من شك في أسلوب نجيب في إختياره لأسماء شخوص روايته؟ سنرى الكثير من ذلك كلما توغلنا في أحداث الرواية أبعد وأكثر .

قصة نبي اليهود موسى [جبل]

قفز نجيب محفوظ قفزة طولية شاسعة في مداها الزمني حيث انتقل من آدم وما أحاق به من عقاب صارم جرّاء مخالفته لأمر ربه .. إنتقل إلى حِقبة موسى ونشأته في قصر فرعون مصر تحت رعاية زوجه الهانم . أجاد الكاتب في صياغة ورسم مفاصل وأحداث هذا الفصل ولا من عجب ! فهو يروي بأساليب روائية ناجحة تأريخ بني إسرائيل في مصر وهرب موسى إلى أرض مدين إثر قتله لرجل من رعية آل فرعون أي من غير شيعته بني إسرائيل . أفاض نجيب هنا مستعيناً بما قرأ في العديد من سور القرآن حول مولد موسى وتبني زوج

الفرعون له وهربه وزواجه من إحدى بنات شُعيب في أرض مدين أو مديان . ثم إنقاذه لقومه اليهود بني إسرائيل . ذهب خيال نجيب به إلى تخوم بعيدة غير متوقعة منها مثلاً أنَّ موسى غدا في مدين وفي بيت حميّه شُعيب صائد وحاوي ثعابين يعرف كيف يسحرها ويحركها كيفما يشاء بل حتى ويمسخ عصاه حيّة تسعى وتلتقم ثعابين سَحرة الفرعون . تلك آيات أقنعت الفرعون أنَّ موسى نبيٌّ ذو آيات ربانية . شُعيب إذاً كان حاوي ومدرّب وساحر ثعابين ومنه أخذ موسى أسرار الصنعة . هذا أمر جديد لم يسمع به أحدٌ لا من قبلُ ولا من بعدُ . نسخ نجيب في هذا الفصلَ الخاصَّ بموسى وقد أسماه [جبل] لأنه سمع كلام ربّه في قمة جبل حوريب أو سيناء .. نسخ حرفياً تقريباً ما ورد في القرآن حول هذا الجزء من حياة موسى . نجدُ التفاصيل الدقيقة في سورتي طه والقصص . فمن سورة القصص (وأوحينا إلى أم موسى أنْ ارضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيهِ في اليمِ ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادوه إليكِ وجاعلوه من المُرسلين. فالتقطه آل فرعونَ ليكونَ لهم عدوّاً وحَزَناً إنَّ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا خاطئين. وقالت امرأةُ فرعونَ قُرّتُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه عسى أنْ ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون... ودخلَ المدينةَ على حين غفلةٍ من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّهِ فاستغاثه الذي من شيعتهِ على الذي من عدوّهِ فوكزه موسى فقضى عليهِ قال هذا من عمل الشيطانِ إنّهُ عدوٌّ مُضلٌّ مبين... وجاء رجلٌ من أقصى المدينةِ يسعى قال يا موسى إنَّ الملأَ يأتمرون بكَ ليقتلوكَ فاخرجْ إني لكَ من الناصحين ... ولمّا توجّهَ تِلقاءَ مَدينَ قال عسى ربّي أنْ يهديني سواءَ السبيل . ولما وردَ ماءَ مَدينَ وجد عليه أُمّةً من الناس يسقون . ووجد من دونهم امرأتين تذودانِ قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتّى يُصدرَ الرِعاعُ وأبونا شيخٌ كبير . فسقى لهما ثم تولّى إلى الظلِّ فقال ربِّ إني لما أنزلتَ إليَ من خيرٍ فقيرٌ . فجاءت إحداهما تمشي على استحياءٍ قالت إنَّ أبي يدعوك ليُجزيكَ أجرَ ما سقيتَ لنا فلما جاءهُ وقصَّ عليه القَصصَ قال لا تخفْ نجوتَ من القومِ الظالمين . قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إنَّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمين. قال إني أريدُ أنْ أُنكِحك إحدى ابنتي هاتينِ ... / من سورة القصص). لم يخرج نجيب محفوظ عن جوهر ما ورد في هذه الآيات من تفاصيل إلاّ قليلاً وحسب ما تقتضيه آليات وخيالات السرد القصصي ومقتضيات الإثارة الدرامية . إستغرق هذا الفصلُ الأجزاء 24 إلى 43 غطّت الصفحات 120 حتى 221 أي أكثر من مائة صفحة بصفحة واحدة .هذا هو موسى نجيب محفوظ وقد أعطاه قدره التأريخي المعروف بشأن إنقاذه بني إسرائيل من ظلم آل فرعون فقال في ختام هذا الفصل [كان أول من ثار على الظلم في حارتنا . وأول من حظيَ بلقيا الواقف بعد اعتزاله.. ولبث بين آله مثالاً للعدل والقوة والنظام . أجلْ لم يهتم بالآخرين من أبناء حارتنا ..] . {وأول من حظيَ بلقيا الواقف بعد اعتزاله ..} قصد محفوظ بقوله هذا قصة ما حصل لموسى فوق جبل حوريب إذْ ناداه ربّه كما ورد تفصيلاً في سورة الأعراف (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّهُ قال ربِ أرني انظرْ إليكَ قال لن تراني ولكنْ انظرْ إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربُّهُ للجبلِ جعله دكّاً وخرَّ موسى صَعِقاً فلما أفاقَ قال سبحانكَ تُبتُ إليكَ وأنا أوّلُ المؤمنين / الآية 143) . هذا أمر طبيعي فنجيب محفوظ قرأ القرآن ويعرف ما فيه من سور وآيات لذا قد استعار ما قرأ واستوعب وصاغه بقوالب تنسجم مع الخط العام لروايته وإنْ جاءت هذه الإستعارات مجزوءة ورمزية لكنَّ أصلها شديد الوضوح .

هل توخّى نجيب محفوظ في كتابته الفصل الخاص بموسى ... هل توخّى عرض التأريخ وإعادة قراءته بأسلوب روائي بما يحقق طموحاته الشخصية ككاتب قصصي وروائي أم أنه رام قاصداً مجاملة اليهود تمهيداً لترشيحه لجائزة نوبل في الأدب؟ أم لا هذا ولا ذاك، إنما كتب هذا الفصل حسب مقتضيات روايته التي تناول فيها قصة خلق الإنسان ومن ثم تدرّج البشرية في سلّم الأديان الواحد تلو الآخر إبتداءً بالديانة اليهودية فالمسيحية ثم الإسلام آخرها؟ لم يأتِ محفوظ بجديد ـ من وجهة نظري ـ في سعيه وجهده الكبير والمضني لإعادة كتابة التأريخ ولا سيّما تأريخ الأديان الثلاثة المعروفة. لم أجد ما يشوّقني فيما كتب عن الأنبياء الثلاثة موسى " جَبَلْ " وعيسى " رفاعة " ثم محمد " قاسم " . لم يقدّم للأديان رؤى جديدة ولا دلّنا على وسائل تحديثها حتى تنسجم وتلائم مقتضيات حياتنا المعاصرة. ما كان قصده إذاً من الرجوع إلى الوراء لآلاف السنين وسرد ما وقع حينذاك وما جرى من أحداث ووقائع وفق منهج خيالي لا يخلو من الترميز والإشارات التي فشلت في إضاءة خفايا تلكم الحقب ولم تخدم القارئ في معرفة أسرارها ومغازيها وأسباب تكليف أناس بعينهم ليكونوا رُسلاً او أنبياءً يعرّفون الناس على ربّهم وتعليماته وشرائعه ونواميسه . لا يكفي أنْ يكونَ موسى رجلاً قوي الشخصية تحدّى مَنْ ربّاه في قصره طالباً منه تحرير بني إسرائيل والكف عن ظلمهم وتسخيرهم وقتل الذكور من بين مواليدهم الجُدد واستحياء نسائهم . لا يكفي أنْ يقول لنا نجيب أنَّ عيسى كان رجلاً عفيفاً جميل الصورة وفاقد القدرة الجنسية طيّب القلب يحب الناس حتى أنه تزوّج من امرأة عاهرة أسماها ياسمينة وما كان معروفاً عن عيسى أنه تزوّج في حياته سوى تعلّق ماريا المجدلية به وعطفه عليها وتساهله معها بعد أنْ دافع عنها وأنقذها من غضب وربما بطش رجال ذلك الزمان في قوله الشهير [مَن كان منكم بلا خطيئة فليرمِ نفسه بحجر] . سأتكلم عنه وعن نبينا محمد كلاّ في الفصل الخاص به .

عيسى المسيح [رفاعة]

(الصفحات 222 حتى 321 ... مائة صفحة إلاّ واحدة، أي أنَّ موسى وعيسى شغلا في الكتاب عدداً متساوياً من الصفحات فهل لذلك من دلالة؟) .

شافعي وعبدة: كيف جعل نجيب محفوظ عيسى المسيح نجّاراً أخذ الصنعة عن أبيه " شافعي "؟ أستعرض إستطراداً ما قالت الأناجيل في مولد عيسى لا لأسبب للراحل نجيب محفوظ والمعجبين بفنه الروائي حرجاً ولكنْ من أجل معرفة الدوافع التي كانت تحرّكه وأغرته في النأي عمّا نعرف وما قرأنا في الكتب ذات العلاقة سواء في موضوع ولادة عيسى وفي غيره من الموضوعات الشائكة تأريخياً ودينياً . في إنجيل متّى [أما ولادة يسوعَ المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريمُ مخطوبةً ليوسفَ قبل أنْ يجتمعا وُجدتْ حُبلى من الروح القدس / الإصحاح الأول]. نقرأ في إنجيل مرقص [أليس هو النجّارُ إبن مريمَ وأخو يعقوبَ ويوُسي ويهوذا وسِمعان. أوَليست أخواتُهُ ههنا عندنا / الإصحاح السادس]. وما جاء في إنجيل لوقا [...فصعدَ يوسفُ أيضاً من الجليلِ من مدينة الناصرة إلى اليهوديّة إلى مدينة داوُد التي تُدعى بيت لَحم لكونه من بيت داوُد وعشيرته ليُكتتبَ مع مريمَ امرأتهِ المخطوبة وهي حُبلى. وبينما هما هناكَ تمّتْ أيامها لتلدَ. فولدت ابنها البِكرَ وقمّطتهُ وأضجعته في المِذودِ إذْ لم يكنْ لهما موضعٌ في المنزل / الإصحاح الثاني]. أما ما جاء في إنجيل يوحنا فيما يخص علاقة يسوع المسيح بيوسف فهو كما يلي [... فيلُبِسُ وجدَ نثنائيلَ وقال لهُ وجدنا الذي كتبَ عنه موسى في الناموسِ والأنبياءُ يسوعَ ابنَ يوُسفَ الذي من الناصرة / الإصحاح الأول]. لم يدخل هذا الإنجيل في تفاصيل ما يُسمّى بمعجزة خلق أو مولد عيسى المسيح فاكتفى بالقول " يسوع إبن يوسف " . لم يقطعْ إنجيلٌ أو أحدٌ أنَّ يوسف النجّارَ كان قد دخل بمريم فحملت منه بعيسى فكيف نتقبل فكرة أنَّ المسيح هو إبن يوسف؟ هذا هو الإشكال الحقيقي والجدّي في تفسير وفهم نص إنجيل يوحنا القائل {يسوع إبن يوسف} فأنجيلُ متّى قال {لمّا كانت مريمُ مخطوبةً ليوسفَ قبل أنْ يجتمعا وُجدت حُبلى من الروح القدس}. لقد مال نجيب محفوظ إلى أضعف ركن في قصة عيسى المسيح من حيث المولد والمهنة. جعل النجّار شافعي أباه وعبدة أمّه . لم يتفق المسيحيون جميعهم حول هذا الموضوع بل وأغلبهم يكذّبه ويستنكره خاصة الكاثوليك منهم أصحاب الثالوث المعروف [الأب والأبن وروح القدس] فعيسى عند هؤلاء هو إبن الله وليس إبن بشر إسمه يوسف النجّار. جعل الكاتبُ عيسى المسيحَ إبناً لرجل يمتهن النجارة دعاه " شفيع ". لماذا خالف محفوظ غالبية المسيحيين وخالف نصوص القرآن الواردة في سورة مريم وكانت امرأة عذراء لم يمسسها بشرٌ وما كانت بغيّا؟ (قالت أنّى يكونُ لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيّا / الآية 20). قد يكون الكاتب على قناعة أنَّ عيسى رجلٌ جاء الدنيا كغيره مثل سائر البشر وله أمٌّ وله أبٌ وأنا أحترم قناعته هذه وأشاركه في صحتها وأرفض وجهات النظر الأخرى . طريق ولادتنا الطبيعي معروف وشروطه كذلك معروفة فلِمَ يشذُّ واحدٌ منّا ويختص بطريقه الخاص والوحيد غير المسبوق؟ كان موسى قبله بشراً سويّاً وهكذا كان الرسول محمدٌ رجلاً أنجبه أبٌ وأم معروفان . سوى أنَّ اعتراضي على طرح نجيب محفوظ ينبعُ من تشكيكي في أهمية أنْ يكونَ لعيسى مهنة نجارة يمتهنها أخذها عن أبيه يوسف النجار لملاقاة شروط الحياة ومتطلباتها من مأكل ومسكن وملبس وما إلى ذلك . كان عيسى زاهداً في الطعام قليلاً ما يتناول المتوفر منه . كان الخبزُ كفاف يومه يجود به عليه أنصاره ومحبّوه وحواريوه . فهل زادته حِرفة النجارة ثراءً أو جاهاً أو هيأت له إمتيازات إجتماعية يسّرت له سُبل نشر تعاليم دينه؟ الجواب كلاّ ! إختار نجيب محفوظ هذا الخط الأوسط الثالث بذكاء وتصميم. رفض فكرة أنَ عيسى هو إبنُ الله متّبِعاً ما ورد في قرآننا من نفي قطعي لهذه الفكرة [ما كان لله أنْ يتخذَ من وَلَدٍ سُبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقولُ له كنْ فيكون / سورة مريم الآية 25] . [لقد كفرَ الذين قالوا إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحدٌ وإنْ لم ينتَهوا عمّا يقولونَ لَيَمسّنَّ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم / سورة المائدة الآية 73] . [لو أرادَ اللهُ أنْ يتخذَ ولداً لأصطفى مما يخلقُ ما يشاءُ سُبحانَهُ هو اللهُ الواحدُ القهّارُ / سورة الزمَرْ الآية 4] . [وقلِ الحمدُ للهِ الذي لم يتخذَ وَلَداً ولم يكنْ له شريكٌ في المُلكِ ولم يكنْ له وليٌّ من الذُلِّ وكبّرهُ تكبيرا / سورة الإسراء الآية 111] . [وقالوا اتخذَ الرحمنُ وَلَداً سُبحانَهُ بلْ عِبادٌ مُكْرَمون / سورة الأنبياء الآية 26] . [وإذْ قال اللهُ يا عيسى ابنَ مريمَ ءأنتَ قلتَ للناسِ اتخذوني وأمّي إلهينِ من دون اللهِ قال سُبحانكَ ما يكونُ لي أنْ أقولَ ما ليس بحقٍّ إنْ كنتُ قُلتهُ فقد عَلِمتَهُ تعلمُ ما في نفسي ولا أعلمُ ما في نفسكَ إنكَ أنتَ علاّمُ الغُيوب / سورة المائدة الآية 116] . في القرآن آيات أخرى غير قليلة تؤكد هذه المضامين وتنفي أنْ يكون المسيحُ إلهاً أو ابن الله أو ثالث ثلاثة . إلتزم نجيب محفوظ بهذا الخط ولم يحدْ عنه . لكنه رفض الفكرة الأخرى التي جاء بها القرآن ووردت في غير قليل من الآيات، تلك القاضية أنَّ عيسى المسيح هو نفخة من روح الله في جسد والدته مريم العذراء التي لم يمسسها بشرٌ أو أنه كلمة من الله ألقاها إلى مريمَ [يا أهلَ الكتابِ لا تغلوا في دينكمْ ولا تقولوا على الله إلاّ الحقَّ إنما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكلمتهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه فآمنوا بالله ورُسُله ولا تقولوا ثلاثةٌ انتهوا خيراً لكمْ إنمّا اللهُ إلهٌ واحدٌ سُبحانه أنْ يكونَ له وَلَدٌ له ما في السماواتِ وما في الأرضِ وكفى باللهِ وكيلا / سورة النساء الآية 171] . هناك آيات أخرى لا تخرجُ عن مضمون هذه الآية . رفض نجيب إذاً كلتا الفرضيتين بشأن خلق عيسى فانتهج السبيل الطبيعي السوي منْ أنَّ لكل مولود لا بدَّ من أبٍ وأم. رفض فكرة الإعجاز في مولد عيسى كما لم يقبل فكرة أنْ يكون عيسى نتاج كلمة أو نفخة روحٍ إلهية . ألا يكفي هذان الموقفان الصارمان لتجريم نجيب ومنع تداول روايته في مجتمع مصري عيون مشايخ الأزهر فيه كبيرة مفتوحة على آخرها؟

إشكالية أخرى ما وجدتها معقولة في هذا الكتاب . أعني زواج عيسى [رفاعة] من المومس ياسمينة . هل زاده هذا الزواج رفعةً أو أعطاه ميزات لا يمكنه الإستغناء عنها؟ وهل يليق بنبي رسول يحمل رسالة عظيمة للبشرية ... هل يليق به أنْ يقترنً بمومس؟ كانت تزور تحت جنح الظلام عشيقاً لها شقيّاً، فتوّة، من بلطجية أحد أحياء الحارة إسمه بيّومي [منذُ قليل رأيتها خارجة من باب بيت بيومي الخلفي، تبعتها إلى هنا ثم سألتها عمّا كانت تفعله في بيت الفتوّة فتبين لي سكرها. كانت رائحة الخمر تخرجُ من فيها فتملأ الدهليز. أفلتت مني وأغلقت على نفسها الباب. والآن سلوا أنفسكم عما يمكن أنْ تفعله امرأةٌ سكرانة في بيت فتوّة] . سأختصر ما جاء بهذا الصدد في الصفحتين 265 و 266 وأترك للقارئ العارف بالأناجيل المسيحية فُرصة أنْ يقارن وأنْ يستنتج [وتتابعت الأصواتُ في غضب: أطردوها من حي آل جبل . يجب أنْ تُجلد قبل طردها. أقتلوها قتلاً... لكنَّ رفاعة سُمع وهو يسألُ أباه: أليس الأولى بهم يا أبي أنْ يصبّوا غضبهم على بيومي المُعتدي؟ ... فأفلت من يد أبيه وشقَّ طريقه إلى بيت ياسمينة وهتف برجاء: رحمةً بضعفها وذعرها... وناداه شافعي بحرارة لكنه لم يُبالِ وأجاب زيتونة: الله يسامحك ثم للجميع: إرحموها وافعلوا بي ما تشاؤون {كتبها نجيب تشاءون !}، ألا تحرّكُ الإستغاثات قلوبكم؟! ... فتساءل رفاعة: هل يُرضيكم أنْ أتزوجَ منها؟] . كم عدداً من الرسل أمثال عيسى تحتاج البشرية لإنقاذ ملايين المومسات بالزواج منهنَّ يا نجيب محفوظ؟ لم يتزوج المسيحُ من المرأة الزانية التي أراد الكَتبةُ والفريسيون رجمها حسب شريعة موسى في الناموس إنما قال لهم قولته الأكثر شهرة (مَنْ كان منكم بلا خطيئةٍ فليرمها بحجر ... قال لها يا امرأة أين هم أولئك المُشتكون عليك. أما دانك أحدٌ. فقالت لا أحدَ يا سيّدُ. فقالَ لها يسوعُ ولا أنا أدينكِ. اذهبي ولا تُخطئي أيضاً / إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن). كما أنه لم يتزوج المرأة الأخرى التي دهنت قدميه بفاخر العطور ثم بلّتهما بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها (وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة إذْ علمتْ أنه مُتكئٌ في بيت الفريسيِّ جاءت بقارورة طيبٍ ووقفت عند قدميهِ من ورائهِ باكيةً وابتدأتْ تبلُّ قدميهِ بالدموع وكانت تمسحهما بشعرِ رأسها وتقبّلُ قَدميهِ وتدهنهما بالطيب / إنجيل لوقا الإصحاح السابع).

ربط نجيب محفوظ بين رفاعة وعيسى بذكره بشئ من التفصيل قدرات رفاعة على إخراج العفاريت وإنقاذ مرضاها منها وإشفاء المريض والأكمه والأبرص وإحياء الموتى مما قرأنا في القرآن والأناجيل [قالت ربِّ أنّى يكونُ لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلكَ اللهُ يخلقُ ما يشاءُ إذا قضى أمراً فإنمّا يقولُ له كنْ فيكونُ. ويُعلّمهُ الكتابَ والحِكمةَ والتوراةَ والإنجيل. ورسولاً إلى بني إسرائيلَ أني قد جئتكمْ بآيةٍ من ربّكمْ أخلُقُ لكمْ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ فانفخُ فيهِ فيكونُ طيراً بإذنِ اللهِ وأبرْئُ الأكمَهَ والأبرصَ وأُحيي الموتى بإذنِ اللهِ وأُنبئكمْ بما تأكلون وما تدّخرونَ في بيوتكمْ إنَّ في ذلكَ لآيةً لكمْ إنْ كنتم مؤمنينَ / سورة آل عمران الآيتان 47 و 48] . في الأناجيل الكثير من هذا القول الذي ينسب للمسيح من الخوارق ما لا يتقبله عقل إنسان سليم . المهم .. أنَّ نجيب محفوظ أفاد من هذه الأساطير ليرسم صورةً قريبة مما قيل في هذه الكتب {السماوية} عن معجزات المسيح الذي دعاه في روايته " رفاعة " والرفاعية فرقة من المتصوفة معروفون بترويض الأفاعي واستخلاص سمومها لعلاج بعض العلل أو لخلطها مع التبغ والحشيشة وهي خلطة شهيرة معروفة بين مشايخ الطُرق وخاصة في إيران . تُضاهي كلمة " رفاعي " معنى الحكيم أو الطبيب المداوي من العلل والأمراض وهذا ما كان ولم يزلْ معروفاً عن المسيح . رفاعة في رواية نجيب قادرٌ على إخراج العفاريت من الناس أي يخلّصهم مما في نفوسهم من شرور ويُنقّيهم من ذنوبهم وخطاياهم فهو إذاً نبيٌّ ورسول . هكذا أدخلنا نجيب محفوظ في طور المسيحية بعد يهودية موسى أو جبل . مثال واحد ورد في إنجيل متّى [ولما صار المساءُ قدّموا إليه مجانينَ كثيرينَ فأخرجَ الأرواحَ بكلمة وجميعَ المرضى شفاهم] . وهذا هو رفاعة أولاد حارتنا .

نهاية حياة رفاعة (عيسى): شذّ نجيب محفوظ كثيراً عن رواية مقتل عيسى صلباً من قبل اليهود وهي رواية معروفة على أوسع نطاق جاءت تفاصيلها في الإصحاحين السابع والعشرين والثامن والعشرين من إنجيل متى، وفي الإصحاحين الخامس عشر والسادس عشر من إنجيل مرقس. صورة مقتل عيسى في أولاد حارتنا هي صورة بدائية ومتخلّفة جداً مقارنة بما جاء في الإنجيلين سالفي الذِكْر. رسم هذان الإنجيلان صورة حيّة رائعة متحركة لأحداث محاكمة وصلب المسيح وما رافق ذلك الصلب من تمثيل به حيّاً وتعذيب وأخيراً ما قيل في أمر قيامته حتى أنَّ قرآننا قال قولته في مصير عيسى المسيح [وقولِهم إنّا قتلنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ اللهِ وما قتلوهُ وما صَلَبوهُ ولكنْ شُبّهَ لهمْ وإنَّ الذين اختلفوا فيهِ لَفي شكٍّ منهُ ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباعِ الظنِ وما قتلوهُ يقيناً بل رفعه اللهُ إليهِ وكان اللهُ عزيزاً حكيماً / سورة النساء الآية 157]. قد يقولُ قائلٌ إنَّ أولادَ حارتنا هي رواية لا تتقيد بالأحداث التأريخية تقيّداً حرفياً وهذا صحيح ولكنْ، المفروض والمتوقع أنْ تصوّر الروايات والفن والأدب عموماً ... أنْ تصورها وتخرجها بأشكال وصياغات وصور تبدو أفضل من حقائقها المروية والمعروفة . هذه هي رسالة الروائي والفنان والأديب وإلاّ فليتركوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر كما قال المسيحُ لمن أراد توريطه أمام حكام زمانه. المفروض أنْ يتفوقَ نجيب محفوظ في سرده وإعادة صوغه لتأريخ الأديان وما حصل فيها ... أنْ يتفوق فيما سرد وأنْ يعلو بها إلى حيث المُتوقع من الإبداعات في تجديد الرؤية لما كان قد وقع وإخراجها بأفضل أشكال وأُطر. كانت معالجة محفوظ لحادث مقتل رفاعة {عيسى} معالجة سوقية هابطة المستوى ومقززة للنفس لدى مقارنتها بمشاهد محاكمة عيسى أمام الوالي بيلاطُس بحضور الكَهَنة والشيوخ .

أنقلُ ما جاء في إنجيل متّى من وصف لمشهد محاكمة يسوع ليتمكن قارئ رواية أولاد حارتنا أنْ يعقدَ مقارنة بينها وبين العرض الذي قدّمه نجيب محفوظ لها [وكان الوالي مُعتاداً في العيد أنْ يُطلقَ للجمع أسيراً واحداً مَنْ أرادوه. وكان لهم حينئذٍ أسيرٌ مشهورٌ يُسمّى باراباس. ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطُس مَنْ تريدون أنْ أُطلقَ لكم باراباس أم يسوع الذي يُدعى المسيح. لأنه علمَ أنهم أسلموه حَسَداً. وإذْ كان جالساً على كرسيّ الولاية أرسلتْ إليه امرأته قائلةً إيّاكَ وذلك البارّ. لأني تألّمتُ اليومَ كثيراً في حُلمٍ من أجله. ولكنَّ رؤساءَ الكَهَنة والشيوخ حرّضوا الجموعَ على أنْ يطلبوا باراباس ويُهلكوا يسوع. فأجابَ الوالي وقال لهم مَنْ مِن الإثنين تريدون أنْ أُطلقَ لكم. فقالوا باراباس. قال لهم بيلاطُس فماذا أفعلُ بيسوعَ الذي يُدعى المسيح. قال له الجميعُ ليُصلبَ. فقال الوالي وأيَّ شرٍّ عملَ. فكانوا يزدادون صُراخاً قائلينَ ليُصلبَ. فلمّا رأى بيلاطُس أنّه لا ينفعُ شيئاً بل بالحري يحدثُ شَغبٌ أخذَ ماءً وغسلَ يديهِ قُدّام الجميع قائلاً إنّي بريءٌ من دمِ هذا البار. أَبصروا أنتمْ. فأجاب جميعُ الشعب وقالوا دمُهُ علينا وعلى أولادنا. حينئذٍ أطلقَ لهم باراباسَ. وأمّا يسوعُ فجلده وأسلمهُ ليُصلبّ. فأخذَ عسكرُ الوالي يسوعَ إلى دار الولايةِ وجمعوا عليه كلَّ الكَتَبة. فعرّوهُ وألبسوه رداءً قرمزيّاً. وضفروا إكليلاً من شوكٍ ووضعوهُ على رأسه وقَصبةً في يمينه. وكانوا يجثونَ قدّامهُ ويستهزئون به قائلين السلامُ يا ملكَ اليهود. وبصقوا عليهِ وأخذوا القصبةَ وضربوهُ على رأسهِ. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الرداءَ وألبسوهُ ثيابَهُ ومضوا به للصلب / الإصحاح السابع والعشرون من إنجيل متّى].

فليتابع القارئ الكريم بقية ما ورد في هذا الإصحاح من تفصيلات صلب يسوع

وما جرّعوه من خل ممرور وما وضعوا فوق رأسه من إكليل شوك. أقرأ الإصحاح السابع والعشرين من إنجيل متّى فيأخذني العجب حتى كأني أمام فيلم سينمائي بالألوان زاخر بالحركة والحيوية ونظام دمقراطي كأنه نظامٌ حديث معاصر يُعطى المسيح فيه حق الدفاع عن نفسه في محاكمة علنية يشهدها جمهور واسع من أعداء المسيح يسألهم الوالي بيلاطُس هل يُطلق سراحَ الأسير باراباس أو المسيح؟ قالوا باراباس . في وسط هذا المشهد الملحمي والدرامي معاً يحضر مشهدٌ آخرُ يشقُّ الأحداث شقّاً فيه أروع العبر والمفاجآت التي أفاد منها شكسبير في مسرحياته ... أعني معارضة زوج الوالي وتحذيرها له من مغبّة قتل عيسى المسيح (إنجيل متّى الإصحاح السابع والعشرون). فما قال نجيب محفوظ في مقتل مسيحه رفاعة وكيف صور الحادث؟ أنقلُ بعض ما قصَّ حول هذه الواقعة الأليمة [... وأوغلوا في الخلاء فثقُلت خطواتهم فوق الرمال. وشعر رفاعة {عيسى} بالغربة في الخلاء وذكر أنَّ امرأةً خانتهُ {هي زوجه ياسمينة} وأنَّ الأصحابَ لاذوا بالفرار. أراد أنْ يلتفتَ إلى الوراء صوب البيت ولكنَّ يد بيّومي دفعته في ظهره بغتةً فسقط على وجهه. ورفع بيومي نبّوته وهتف: معلم خنفس؟ فرفع الرجل نبّوته قائلاً معك إلى النهاية يا معلم. وتساءل رفاعة في يأس لماذا تبغون قتلي؟ فهوى بيومي بنبوته على رأسه بشدة فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف من أعماقه " يا جبلاوي " ! وفي اللحظة التالية كان نبوت خنفس يصيب عنقه، واستبقت النبابيتُ. وساد صمت لم تسمع خلاله إلاّ حشرجة. وأخذت الأيدي تحفر الأرض بقوة في الظلام].

< فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف يا جبلاوي > . أليس هذا الكلام هو عين ما جاء في أنجيل متّى بعد صلب المسيح << ونحو التاسعة صرخَ يسوعُ بصوتٍ عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شَبَقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني. صرخة يا جبلاوي هي بالضبط صرخة إلهي إلهي فكيف افترى نجيب محفوظ وادّعى أنَّ جبلاوي هو الدين وليس الله؟ على كل حال ... يتحمل المرحوم في عالمه الآخر عاقبة ما كتبَ وقال وما ادّعى . كل ما كتبه في أولاد حارتنا هو ضد الدين وليس دفاعاً عنه. كان مُلحداً وكان مثل سلمان رشدي في آياته الشيطانية وإنْ جاء هذا بعده بعقود.

الإسلام / النبي محمد [قاسم]

322 ـ 465

 

عدنان الظاهر

نيسان 2011

 

احمد الشيخاويإذا كانت الرواية في أبسط توصيفاتها، أقلّه بالنسبة لنا في ما يطبع فصول مشهدنا الإبداعي العربي، وكيف أنه يرتكز على القصيدة بوصفها ديوان العرب، كما هو شائع ومعروف، فإنما هي، أي الرواية مجرد دخيل ووافد،  مع أن مغلب التجارب اليوم باتت تنزع صوب هذا الجنس التعبيري، وتسخّر له الجوائز والأموال، لتحفيز الكتابة فيه والانتماء إليه.

علما أنّ ثمة إشكالات جمة تطرح، وأسئلة غزيرة، لم تزل عالقة، دون وجود إجابات شافية لها، لحد الآن فيما يرتبط بجدلية التقليد وخصوصية بصمة المنتج الروائي العربي.

قصدت القول أنّ جنس الرواية مهما سطعت أنجمه في سماء مشهدنا الأدبي، يقبع في قفص اتهام، ويرميه المهتمون بأجناسية الأدب وأشكاله، بلعنة التبعية للآخر وتقليده، تكريسا لصوت غريب عن أبجديات لغة الضاد وهويتها.

لا يعني هذا أني ضد الرواية، كون الانفتاح ضرورة وجودية، ولا تطور للمجتمعات في غيابه أو إغفال وظيفته المحورية.لكني ضد من يهجرون الشعر والقصة باعتبارهما دعامتين أساسيتين، في الهوية الثقافية العربية، إجمالا، خاصة، إذا كان مثل هؤلاء، قادرين على العطاء فيهما، ليسقطوا بالنهاية في فخّ تصنع الكتابة الروائية، ويهيمن وازعهم التجاري، في هذا المضمار، ويزيد تعطّشهم إلى الجوائز السخية المعدة أصلا لأهداف خسيسة، مخربة للعقل العربي، عاصفة بروح القصة والشعر.

يعد القاص العراقي علي السباعي، أحد أبرز الأصوات، وقد استطاع إخراج السرد العربي من كلاسيكيته، والتأسيس لمنظومة مفاهيمية جديدة، تخلخل قناعاتنا، ومجمل ما تنشدّ إليه الذاكرة العربية، في لحمتها بهذا الفن الذي يحلّ ثانيا، من حيث التراتبية، لا المفاضلة، في الحقل الأدبي العربي والثقافي على حد سواء.

كونه أفلح في إذكاء الذائقة والوعي، ضمن الحدود التواصلية في الممارسة الإبداعية الرصينة الواعية، باعتماد هذا النوع التعبيري الذي هو القصة والأقصوصة، الأكثر شعبية واتّساعا، ووفّق نوعا ما في انتشال تركيبة من المعارف والفنيات، إلى آفاق أرحب للكتابة وترجمة المكنون.

إنه فكاك نوعي وموضعي، من مأزق قشيب السرد وقواعده المرتكنة إلى أس عقلي رجعي وماضوي، منزو ومغلق بالتمام، يرفض الانفتاح كشرط أساسي للخدمة الإبداعية، على نطاق إنساني لام.

نقرأ لعلي السباعي، في موضع من مجموعة (بنات الخائبات) قوله: [أثناء ذلك حضر جنوده، وجوههم واحدة، أشبه بلوحة جمهور بلا وجوه للفنان تسونهيسا كيموا، برفقتهم فتاة ترتدي عباءة سوداء فوق بدلة زفافها يحيط بها الجنود مثل إحاطة الغيوم بالبدر، سألت ذات يوم جدّتي لأمي:"لماذا ترتدي العروس ليلة زفافها بدلة بيضاء؟". قالت جدتي : " أن الأرواح الشريرة تحلق ليلة الزفاف بكثرة فوق رأس العروس، لذا ترتدي العروس بدلة بيضاء تطرد بها الأرواح الشريرة لكون الأرواح الشريرة تخاف البياض".](ص)17.

وإذن من نظير هذه الأسلوبية، وانبثاقا عنها، تتوالد وتتناسل دوال معنى المختلف، في الكتابة السردية العراقية عموما، ولدى علي السباعي بشكل خاص.

معاني تزلزل وتفكك وعينا في جملة ما حقنتنا به الرؤى العميقة، لقصص ضاربة في متون الأرشيف القصصي العربي، على اختلاف وتنوع خطاباته، مقدّسة كانت أم رمزية أم قائمة على الاصطدام الحضاري، في دورته الفلكية، وكذلك زخم التعالق والتواشج مع التجارب الإنسانية الأخرى، ومن ثم رفد التاريخ الجمالي والأدبي المعرفي، تبعا لتعاقب وتوالي الحساسيات والأجيال.

في مدينة عريقة كبغداد، ووطن عروبي كالعراق، لا معنى للبياض الأليق بأعياد التاريخ العربي في ذبحاته المكرورة، وأعياد نزيف إنسانية الكائن وانكسار هويته، عند عتبات الإيديولوجية المنقوشة بغطرسة وسادية الطغاة، سوى ذلكم المعنى المتسامي بالبياض، درجات في الغيب والجنائزية والغرائبية، المُشعْرِنة للواقعي، تماما، كما يحصل مع علي السباعي، في أكثر من مناسبة، وثلة من طينته، سواء بين المجايلين له، أو من سبقوه، أو في سرب من يجدفون وفقا لتيار القصيدة الحداثية التي وهبت نفسها، لما راح يدعي " ميليشيا الثقافة" في تمجيد رهيب للخراب، ونضال مستعر ضد راهن الدموية والفوضى والاضطراب.

نقتبس له، من موضع آخر، عن مجموعة (زليخات يوسف)، الومضة التالية: [ تخلصت مريم حبيبتك من ذاتها ـــــــ فرديتها وتوحّدت معك، خرجت ذاتها لتدخل بذاتك، غادرت حبيبتك ظمأها إلى ارتوائك، إلى وجودها المليء بك...لهذا أصبحت كما يصفك ابن عربي...

لكنهم كانوا يرددون دوما:لا يهم لون القط مادام يصطاد الفئران، من يومها وأنا أغني على ليلاي، ولم آخذ ثأرها ولا ثأر جدي، وتفرّق دمها، وضاعت هيبتها أمام أنفسنا، قبل أن تضيع بين بطون وأفخاذ القبائل](2).

باعتماد كهذه تقنيات وميكانيزمات، تكتمل خيوط اللعبة السردية، لدى القاص علي السباعي، كإنسان واع جدا بقوانين وقيود وإكراهات الراهن، وكذات في ظمأ سرمدي، لينابيع الموروث، بحيث لا يكّف ينهل من عوالم الموغل في الذاكرة، ليستثمره استثمارا ذكيا، حسب ما تنتج وتثوّرُ عنه لغة جديدة ومعانٍ قريبة جدا من الإدراك العربي، متوسلا خطاب الانغماس في كتابة نوعية مختلفة، تحتفي بالبياض وترسم عوالم للمعنى الشارد أو الهارب، مثلما ترسمه، ذات مشكّكة وقلقة، تدفع بثقافة البياض، في انجذاب واع، إلى أولويات الانتماء، آفاقا واعدة ونضرة تزرع في عقل وقلب المتلقي العربي، حيثما تواجد، آمل كتابة البياض والثأر، لا كما تمليهما الذاكرة، وإن انتعشت الأنامل بمخزونها، لا بل كتابة ذات تتنفّس ملء الرئة، فن القصة، وترتقي به فوق الحياة، كعنوان فلسفي ووجودي، لعالم نناضل من أجل قلب معاييره وبتر يد سلطته، كضرب من انقلاب إبداعي يمنح البياض والثأر طوباوية وغائية أكثر.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.....................

هامش:

(1) عن قصة فرائس بثياب الفرح، مجموعة بنات الخائبات، ص17.

(2) عن قصة مريم البلقاء، مجموعة زليخات يوسف، ص 7.

* أنظر المجاميع القصصية لعلي السباعي.

 

523 صخرة نيرمونداترصُدُ رواية "صخرة نيرموندا" (ط1 2016)، الصادرة للكاتب بكر سباتين عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمّان، سقوط يافا بيد قطعان العصابات الصهيونية من خلال تتبع مصائر عدد من أبنائها وأبناء القرى التابعة لها.

الرواية، إلى ذلك، تلقي ضوءاً على الآليات الاستيطانية الاحتلالية الإحلالية التي اتبعتها الوكالة اليهودية مستفيدة من الدعم البريطاني غير المحدود والتواطؤ الدوليّ (وحتى العربيّ) غير المخفيّ.

وبدون تهويل أو تدليس، تضع الرواية يدها على جرح عميق يتعلق بكثير من اليهود الذين كانوا يقيمون في فلسطين، إذ تبيّن عند المواجهة الكبرى أنهم كانوا رأس حربة للعصابات الصهيونية (داوود نموذجاً). وقد فعلوا ذلك بدوافع متباينة منها الأطماع الذاتية، الاستلاب للخرافات والشعوذة والأساطير البائدة. وهم، بعمومهم يتسمون بالخسة والغدر وطعن مفهوم حسن الجوار بالظهر تماماً.

في المقابل فإن طيبة الفلسطيني على وجه العموم، المترافقة مع بساطةٍ موجعةٍ عند كثير من أهل القرى، ساعدت هؤلاء الذين كانوا يقيمون بين ظهرانيّ أهل يافا وحيفا وعكا والبلاد، بتحقيق مكائدهم، وعدم اكتشاف حقيقتهم المتوارية خلف أقنعتهم، إلا بعد فوات الأوان.

بمراوحة بين سردية روائية مشوّقة، وبين إنشائية بلاغية ممهورة بنفسٍ شعريٍّ لافت، وبين خطابية قيمية فرضت مكانها داخل صفحات الرواية، يقدم بكر سباتين وثيقة من لحم ودم وقصص ناس وحكايات أمكنة، حول ضياع يافا، وحول ماهية أحلامها قبل هذا الضياع، دون أن ينسى الروائي توثيق موقفه الأخلاقي من بعض مظاهر المدنية والتحرر الذي كانت يافا تتمتع بها، رائياً، على ما يبدو، أن التحرر ليس بعدد كؤوس الخمر التي يمكن أن يحتسيها واحد من سهارى يافا أو مدّعي الثقافة والتحضر في حاراتها وأحيائها وداخل مقاهيها وملاهيها ومطاعمها التي لا يبخل سباتين بتعدادها ووصف أجوائها، ورسم خريطة دقيقة وأمينة للطرق الموصلة إليها (بمعنى الشوارع والأحياء والأمكنة المحيطة من جهة، وبمعنى الظروف والتداعيات والدوافع والمعطيات التي يمكن أن تقود شاب أو تاجر أو موظف أو يائس أو فلاح إليها وإلى أجواء العتمة والمجون والضياع القابعة هناك).

ثمة محاولة جادة داخل متن الرواية للإحاطة بمختلف الظروف والمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والوطنية والأخلاقية والمعرفية التي كانت سائدة خلال عقد من الزمان (على الأقل) قبل اغتصاب يافا وطرد معظم أهلها منها.

يسجّل للرواية: الدراية الدقيقة العميقة بمختلف جغرافيا يافا ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، دراية شملت مختلف نواحيها والمعالم الأهم في كل ناحية من تلك النواحي، من مساجد ومبان حكومية ومدارس ومؤسسات وكنائس ومحاصيل وغابات وأنهر وشواطي وأبراج وقلاع وأحياء ومناطق وأجواء بحر وبحارة وحتى بعض البيوت  الرئيسية، خصوصاً بيوت الحجر ومن ثم نوع هذا الحجر، وبعض التفاصيل داخل تلك البيوت، ومستوى الخدمات المدنية التي كانت قد وصلتها المدينة (درّة القلادة الفلسطينية كما وصفها سباتين)، ووجود خط قطار فيها، وكذلك وجود بنوك وخدمة هاتف وانتشار السيارات فيها إلى جوار عربات الخيل. كما تطرق للمراكب في البحر والمنارة هناك (الفنار) ومكاتب الشحن وشركات الاستيراد والتصدير.

كما يسجل لها الدراية العميقة لما كان وصله كثير من أبناء عائلاتها من درجات علمية ومهن أكاديمية من محامين وأطباء ومهندسين ومحاسبين. طبقة التجار وكذلك طبقة الأعيان ورجال الدين (السيد كنعان وبطرس نماذجاً).

ويسجل لها أيضاً أنسنة الصراع الذي دار فيها بين مختلف مكوناتها وقيمها من جهة، وبين العصابات الصهيونية بعد ذلك من جهة ثانية.

من النقاط التي تسجل لصالح الرواية إلى ذلك، تثمين صاحبها دور المرأة الفلسطينية إنْ في النضال (بلقيس نموذجاً) أو في العمل (زكية نموذجاً) أو في العلم (منى نموذجاً) أو في تعزيز أركان الصمود (زوجة كنعان نموذجاً) أو في القدرة على القيادة وتسلّم زمام المبادرة (بلقيس نموذجاً)، وليس أخيراً تثمينه عواطفها الصادحة الصادقة الجياشة لصالح الحب الجليل والمحبة المقبلة على الرجل وإيلائه (أمّاً وحبيبة وزوجة وشقيقة وبنتاً) قدراً غير محتجبٍ من الاهتمام والرعاية والحدب والاحتضان (كلهن نماذجاً).

كما يصعب نسيان تسليط الرواية ضوءاً ساطعاً على التناغم الحقيقيّ العميق بين مكونات الشعب الفلسطيني، دون أن يتجاوز سباتين أمانته عند تطرقه للتقسيمات الطبقية التي كانت موجودة فعلاً بين فلاح ومدني، يافي أو لداوي، وتاجر وأجير وغير ذلك من التقسيمات. وكذا تسليطه الضوء على الانتماء الوطني لأبنائها المسيحيين وحتى بعض أبناء الطوائف اليهودية المختلفة، وتبيينه الموازييك المتنوّع الذي كانته يافا، وتمددها كمساحة وفضاء باذخ وزاهر لأبناء الدول العربية القريبة منها وللسياح، ومنافستها في هذا السياق لكثير من المدن الساحلية.

ويؤخذ عليها: عدم تمحيصها بدقة في طبيعة الدور الصهيوني للشيوعية في ذلك الوقت (وفي هذا السياق أحيلك صديقي بكر إلى الفيلم الوثائقي "قرب النهر" للمخرج نزار حسن).

عدم إبحارها بحجم المؤامرة كي يفهم المتلقي كيف ضاعت يافا من يد عشاقها المجنونين بها (سعد نموذجاً) العاشقين لكل تفصيلة من تفاصيلها (كنعان وأسرته نموذجاً).

عدم الإسهاب في مواجهة عسكرية واحدة على الأقل، لتفنيد مقولة إن الشعب الفلسطيني باع بلاده دون أدنى مقاومة.

باستثناء المكانة الرمزية الأسطورية لصخرة نيرموندا، وباستثناء تمسك كثير من شخوص الرواية بالصلاة وإظهار الراوي لتدينهم، وباستثناء حكايا الجدات وأجوائهن وقصص الغولة والشاطر حسن وباقي هذا النوع من قصص ما قبل النوم، فقد غاب إلى حد ملحوظ، رصدٌ موسعٌ للمواسم والطقوس الشعبية والأغنيات والمأكولات والأزياء التراثية والحرف اليدوية وغيرها، وكذا رصد عادات يافا في الأفراح والأطراح، وشعائر الجنائز وطقوس الطهور وما إلى ذلك.

الخلاصة هي أن "صخرة نيرموندا" تتجلى كصيحة تنبيه ونداء هِمّةٍ فحواها أن غربان النعيق لن تبرح سماءنا إلا بشحذ الإرادة والإعلاء من شأن المقاومة، ومنطق الصلابة الجسورة الشجاعة الواعية الملتزمة، في وجه عدوٍّ غاشمٍ مُتَسَلِّحٍ بالخرافة والأكاذيب، ومستفيدٍ من تواطؤ العالم. عدوٌّ لا يفهم غير لغة القوة، ولن يدحره عن ربوعنا إلا بطولات أصحاب الحق والأرض والذاكرة.

 

محمد جميل خضر

 

قصي الصافيقيل أن روايات دستوفسكي هي حشدٌ من الأفكار على هيئة شخصيات، فهو يحمل كل شخصية رؤيتها الفكرية وفلسفتها الخاصة بالحياة، ويتركها تتناظر وتتصارع على مستوى الحوار والحدث، بينما يقف هو على مسافة واحدة من كل منها، وكأنه ينضم إلى قرائه منتظراً نتائج تلك الصراعات. حياديته تجاه شخصياته تجعل الصراع الفكري داخل الرواية أكثر ثراءً وعمقاً، وربما هذا ما رمى إليه تولستوي بقوله أن دستوفسكي يخلق شخصياته دون أن يعيش معها .

المفتش الكبير -ألفصل الخامس من روايه الأخوة كرامازوف - يتضمن أفكاراً ترتقي إلى مستوى النظرية في سايكولوجية الفرد و نزوعه إلى الخضوع والتضحية بحريته مقابل إلقاء أوزار المسؤولية عن كاهله والشعور بالأمان تحت ظل قوةٍ تحميه وترعاه (الرؤية التي سيطورها اريك فروم في كتابه الرائع "الهروب من الحرية " بعد أكثر من نصف قرن). يرى فرويد أن روايه الأخوة كرامازوف قد بلغت ذروتها الإبداعية في هذا ألفصل، وقد صنف الرواية مع أوديب سفوكليس وهاملت شكسبير على أنها أرقى ماكتب في تأريخ الأدب العالمي.

يبدأ ألفصل بقصيدة ايفان الملحد وهو يتلوها على اسماع أخيه اليوشا المؤمن، والقصيدة مستوحاة من قصة غوايات المسيح الواردة في إنجيل يوحنا، وتبدأ بعودة المسيح إلى اشبيلية أثناء محاكم التفتيش، فيلتف حوله الناس تغمرهم البهجة والسرور، حتى يظهر الكاردينال كبير محاكم التفتيش، وكان قد فرغ لتوه من حرق مئة من الزنادقة، فينفض الجمهور عن المسيح وفي حركة واحدة يسجدون للكاردينال الذي يشير بدوره على حراسه فيعتقلونه في سجن إنفرادي . ويبدأ المفتش الكبير بتأنيب المسيح على أن أفكاره المثالية عن الحرية قد سببت ضياع الإنسان وتعاسته، لأن الحرية لا تتسق مع طبيعة الإنسان بل ستكون عبئاً عليه لايطيق إحتماله :

(من الذي خرب القطيع في طرقٍ مجهولة؟).... (ألم تكن تردد على مسامعهم بغير كلال ولا ملال "لقد جئتكم بالحرية ").. (تريد أن تمضي إلى الناس خالي اليدين ألا من وعدٍ بالحرية....لايفهمونها عدا أنهم يخشونها ويخافون منها).. (سوف يعجبون بنا ويعدوننا الهة، لأننا رضينا أن نكون قادتهم، أن نحمل عنهم عبء حريتهم وان نسيطر عليهم ...فلا رغبةً أقوى ولا هم أبقى لدى الإنسان الذي أصبح حراً من هم العثور على سيد يحكمه).

الأسئلة الثلاثة وطبيعة السلطة:

بعد ذلك يلوم المسيح على رفضه العروض الثلاثة التي عرضها عليه الشيطان، زاعماً أن كل المفكرين والفلاسفة مجتمعين لايمكن أن يدركوا الحكمة الكامنة في اسئلة الروح الجبار (الشيطان)، تلك الأسئلة التي أدركت طبيعة الإنسان وعجزه، وقدمت علاجاً لتعاسته وآلامه، بينما رفضها المسيح على أنها غوايات: (فهل تظن أن كل حكمة الأرض مجتمعةً في هؤلاء الرجال يمكن أن تتصور شيئاً يشبه بقوته وعمقه تلك الأسئلة الثلاثة التي القاها عليك في الصحراء ذلك الروح القوي العميق )...(فالأسئلة الثلاثة تشتمل في ذاتها كل التأريخ المقبل للإنسانية، وتقدم رموزاً ثلاثة تنحل فيها جميع تناقضات الطبيعة الإنسانية، التي لاسبيل إلى حلها)..فما هي تلك الأسئلة وماهي دلالاتها الرمزية .

السؤال الأول: سأل الشيطان المسيح أن كان قادراً على تحويل الحجارة إلى خبز حتى يؤمن به الناس، فكان الجواب "ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان ". الخبز هنا كناية عن إنتاج وتوزيع الثروة والهيمنة على الإقتصاد وهو المرتكز الأول للسلطة ..(هذه الحجارة في الصحراء الوعرة حولها إلى خبز تهرع إليك ألانسانية كقطيع جائع ).. (حين سيلقون الخبز من أيدينا، سيرون حق الرؤية أنهم هم الذين انتجوه بعملهم، وإننا أخذناه منهم لنوزعه بدون أي معجزة فلم نقلب الحجارة الى خبز، ولكنهم سيغتبطون لأنهم أطعموا على أيدينا).

السؤال الثاني :وضع الشيطان المسيح على سقف المعبد، وسأله أن كان قادراً أن يرمي بنفسه، فتتلقفه الملائكة وترفعه الى السماء وهكذا سيصدقه الناس، فما كان من المسيح إلا أن رفض ذلك أيضاً، فالإيمان يجب أن يكون خالصاً وليس مشروطاً بالمعجزات. المعجزة تخطف لب الإنسان وتفتن عقله، ولذا فهي المرتكز الثاني للسلطة في تعاملها مع العالم الغرائزي للإنسان، ولا حاجة بنا للقول أن الغيبيات والإعجاز وأسطرة الفكر ليس حكراً على السلطة الدينية فقط، بل هي من أهم أدوات أي سلطة لتعبئة الحشود ... (سوف تتخدر عقولهم وتدمع أعينهم كالنساء.)... (لن ينسوا قط أن الخبز الذي صنعوه هم أنفسهم، كان بدوننا سيتحول إلى حجارة) .

السؤال الثالث: من على قمة جبلٍ شاهق أشار الشيطان إلى ممالك وإمبراطوريات العالم، وسأل المسيح لم لا يوحدها في مملكة واحدة ويكون حاكمها، وعندها تتبعه البشرية جمعاء، فرفض المسيح على أنه لم يأت ليكون حاكماً بل مبشراً بالحرية. من الواضح أن عرض الشيطان الأخير يشير إلى المرتكز الثالث للسلطة، ألا وهو جبروت السلطان والقوه والأجهزة اللازمة لإخضاع الجماهير وتأمين هيمنة الطبقة الحاكمة .

يقول المفتش الكبير أن كنيسته بحكمتها أخذت بعرض الشيطان لأنه الأكثر واقعية من يوتوبيا المسيح المثالية، مع أنها حكمت بإسم المسيح (لقد قبلنا أن نأخذ من يديه روما وأن نأخذ السيف من قيصر).

ربما يعترض البعض على أني قد شطحت بعيداً بتأويل النص، إلا أن المفتش كان واضحاً في قوله (ليس على الأرض إلا قوى ثلاث تستطيع وحدها أن تتغلب على ضمير هؤلاء المتمردين الضعاف قروناً، وأن تخضعهم في سبيل سعادتهم نفسها، ألا وهي: المعجزة والسر والسلطة).

اريك فروم والحرية:

لقد وضع دستوفسكي يده على ظاهرة سيكولوجية هامة، ستكون موضوع بحث لعلماء النفس والسوسيولوجيين من بعده، وخاصةً بعد إنتشار الأنظمة الفاشية والشمولية في القرن العشرين، فقد أصبح تخلي الجماهير عن حرياتها والإلتفاف حول أنظمة تعدها بالأمان والإزدهار لغزاً سبب صداعاً للمفكرين، وكان اريك فروم من أهم من بحث في هذا الموضوع في محاولته دراسة دور الجماهير في النظام النازي في كتابه الشهير " الخوف من الحرية fear of freedom ". يبدأ فروم بوضع الأساس البايو- سيكولوجي للظاهرة، والمتمثل بإنفصال الطفل عن أمه، ثم فطامه، وأخيراً شعوره بالإستقلال عند البلوغ وفقده لرعاية الكبار، عندها يشعر بالوحدة والقلق والتوتر. قصة آدم تحمل دلالةً رمزية لهذه الظاهرة، فعندما طرد الإنسان من الجنة، إمتلك لأول مرة حرية ألإختيار بعيداً عن رعاية الرب، و صار عليه أن يتخذقراراته لوحده ولأول مرة في جميع شؤون حياته. وتخبرنا القصة أنه صار يشعر بالوحدة والتوتر والإرتباك، وكان أيضاً خائفاً من الحيوانات -التي كان يعيش معها من قبل- ومن صوت الريح، وكان خجلاً يحاول تغطية عريه في الغابة، ثم ينقلنا فروم إلى عمق التأريخ ليضع الظاهرة في اطارها التأريخي، فيدرس نموها ضمن مناخاتها الإقتصادية والإجتماعية، على إعتبار أن التأريخ يصنع الإنسان بالقدر الذي يصنع فيه الإنسان التأريخ. ظاهرة خوف الإنسان من حريته وميله للتخلي عنها للأقوى مقابل حمايته، نشأت -حسب اريك فروم - مع نشوء ونمو ألفردانية individuation أو نمو شعور الإنسان بذاته والإحساس باستقلاله عن الجماعة.

في العصر الوسيط كان مصير الإنسان يتحدد بالمولد، ولم يعرف ألشعور بالفردانية بالمعنى المعاصر، لأن المواطن يتحدد دوره ضمن الجماعة ووفق علاقات النظام الإقطاعي. فالفلاح يولد على أرض عمل فيها أبوه وأجداده وعليه إلتزامات مالية وأجتماعية محددة للملك والمالك والكنيسة ولا قبل له أن يغير شيئاً من نمط حياته، أما المهني فهو مرتبط بنقابة لديها قوانين صارمة لحفظ أسرار المهنة وتحديد كمية ونوعية الإنتاج لحماية أصحاب المهن، لامعنى للحديث إذاً عن ذات الفرد وهي منصهرة في ذات المجموع ومحكومة بقوانين صارمة وثابتة. خلاصة القول أن شعور الفرد بالعصور الوسطى لم يرق إلى ألشعور بذاته ككيان مستقل عن الجماعة. بدأ ألشعور بالأنا لدى الاوروبي في عصر النهضة، ولم يكن ذلك بسبب النهوض الثقافي فقط، بل لإنتعاش التجارة التي فتحت آفاقاً واسعةً للتنافس على إستثمار الفرص وكسب الأرباح، وتنامى ألشعور بالفردانية أكثر مع نمو وإزدهار النظام الرأسمالي القائم على مسؤولية الفرد لا الجماعة، والذي إفتتح عالماً جديداً يحكمه التنافس المحموم والتسابق لتحقيق المنافع الفردية، وبدأ العالم القديم يتزعزع والعلاقات الإقطاعية تنهار أمام الإنجازات الحضارية للرأسمالية الصاعدة. الفلاحون وجدوا أنفسهم خارج الأرض التي عملوا فيها أجيالاً، وصار عليهم أن يبحثوا عن أي عمل في أي مكان، وأن يديروا شؤون حياتهم بأنفسهم ويالخيارات والفرص الجديدة المتاحة لهم، أما أصحاب المهن فإن نقاباتهم قد إنهارت لعدم قدرتها على إحتكار السلع اليدوية والتحكم بالإنتاج لحماية أعضائها، لأنها لاتستطيع التنافس باي شكل من الأشكال مع المصانع الحديثة آنذاك، لذا فعلى أصحاب المهن أيضاً أن يبحثوا عن عمل في المصانع وأن يتخذوا قراراتهم بأنفسهم . إذن فقدإكتسب الفرد شيئاً من حرية ألإختيار ونمت تطلعاته لمستقبله الشخصي من جانب، إلا أنه أصبح مسؤولاً عن أي قرار يتخذه يرافقه القلق، خشية الفشل والخسارة في عالم يسوده التنافس المحموم، وكأن الجميع في حرب مع الجميع بتعبير هوبز . أما من الناحية الدينية فإن الإصلاح الديني قد ألغى الكنيسة كوسيط بين الإنسان والرب، وأعطى الحرية للإنسان ليتوجه مباشرةً بالدعاء والإستغفار له، بعبارة أخرى بمنح الإنسان حرية الإتصال بالرب وضعت البروتستانتية المؤمن وجهاً لوجه مع السماء، ليتحمل هو وحده مسؤولية هذا التواصل، بينما كانت الكنيسة تطمئنه وتهدئ من روعه على الدوام، تؤكد مثلاً أن الجميع أطفال الرب وأحبته، وأن الإعتراف يمحو الذنوب بعد دفع حصتها من المدخول طبعاً . خلاصة القول أن الحرية بالعالم الجديد يرافقها وزر المسؤولية الفردية، بما تسببه من خوف وتوتر في عالم لايرحم من يخطئ أو يسهو أو يتقاعس . الخوف من الحرية هذا هو مصدر نزوع الإنسان للتخلي عن حريته للأقوى مقابل أن يعيش تحت ظلال رعايته وحمايته. لتعميم المفهوم فأن إنعدام التوازن بين تضخم الإحساس بالفردانية وأرتفاع سقف الطموح الفردي من جهة، وعجز النظام الإقتصادي والإجتماعي من توفير فرص حقيقية لإشباع تلك الطموحات من جهة أخرى، يعمل على شيوع هذه الظاهرة الخطيرة التي استغلتها الأنظمة الفاشية والشمولية في حشد الحشود الخائفة من حريتها تحت جناحها لتنفيذ برامجها التدميرية. لقد لخص المفتش الكبير في روايه دستوفسكي هذه الظاهرة بقوله (.. سينتهون إلى أن يرموا حريتهم على أقدامنا قائلين " إستعبدونا ولكن أطعمونا "......... سوف يتراصون حولنا خائفين كما تتراص أفراخ الدجاجة حول أمها ).

 

قصي الصافي

 

 

قراءة العنوان باعتباره عتبة عليا: يكشف عنوان القصيدة عن فاعلية شبه الجملة "في الليل" وهو خبر للقصيدة التي تشكل مبتدأً، أي وضع السياب الخاص، ولذا فالقصيدة تتحدث عن المرض، وعن العزلة، وعن الغرفة، وعن الستائر المسدلة، وعن الأصدقاء الغائبين، وعن الطريق الموحشة، وعن الأم، وعن كفنها ولحدها، وعن عزرائيل وما تبع ذلك، وكلها حالات تحدث في الماضي، في حين أن القصيدة مستقبلية وموشاة بسوف، وكأنها المبتدأ المتأخر لما سوف يجرى.

لو أعدنا قراءة القصيدة، نجد عنوانها موجود في كل بيت من أبياتها تقريباً، وبصيغ ودلالات مختلفة. فالغرفة الموصدة، ليل، والصمت العميق، ليل، والستائر المسدلة ليل، والتنصت ليل..الخ من أبيات القصيدة، مما يعني أن مفردة الليل المولدة تغطي سياقات النص كلها.لكن البنية التي ولدها الليل تأخذ صيغاً شعرية مختلفة، فهي ليست ظلمة بل موت ووحشة ووهم، ومقبرة، وزاد الموتى، وكفن مهترئ، وغياب للشمس، ودروب للوهم، هذه الصيغ وغيرها مشحونة بدلالات الليل وفلسفته، فأعطت للقصيدة مساحات من التأمل.

يكشف العنوان عن بنية أخرى، فهو معرفة وليس نكرة، وهذا يدل على أن مرض السياب علني ومعلوم، وأن صيغ الليل التي أحاطت بالقصيدة، هي من نتاج هذه العلنية. فلو كانت القصيدة تتحدث عن مجهول، لتحولت الصيغ السردية من الذات إلى الآخر، لكن ما يجعل القصيدة حية ومقترنة بالسياب، هو أن كل مفردة منها تحيلك إلى جزئية من حياته.

ينفتح العنوان على النص فنجده يتألف من 34 بيتاً شعريا ً، تتناوب على سردها ثلاث شخصيات هي: الشاعر، والأم، والراوي. وهو ما يشكل بنية درامية ثلاثية مكتملة العناصر. ويدل "في الليل" على بنية زمكانية هي الظلمة مصحوبة بغرفة موصدة وقبر. والظلمة بمعناها الأوسع هي العماء. نحن إذن امام ثلاثة شخوص يُستحضرون من أزمنة مختلفة، وفي أمكنة مختلفة، ليروون لنا حدثا درامياً. وثمة جمهور يوجه له الخطاب شعرا وليس حكاية وهو ما يقربنا من الأسطورة.وثمة خطة يعمل على تنفيذها القراء لترسيم مكان الأحداث، حيث تتباين درجات الضوء والظلمة تبعاً لأجواء وشحنات القصيدة. فتصبح رؤيتها حافزا على قرائن لصور مختلفة تتراى أمام أبصارنا. وفي مسرح الغرفة الموصدة الأبواب والشبابيك، ستائر، وأثواب سود، وفزاعات، وأكفان، وماء يجري في الأعماق، ونبات الخرّوب.

استكشاف المتن الشعري

هذه الترسيمة المكانية، تؤلف ثيمة التناقض بين مستويات القصيدة لصناعة مشهد واقعي لمسرح يكون "الوهم" فيه على طريقة بيراندللو هو الشكل الفني. والمسرحية التي تتشكل امامنا تتألف من أربع لوحات:

لوحة أولى: تلك التي يتحدث الشاعر فيها عن غرفته الموصدة وما يتبعها من أوصاف.

لوحة ثانية: توصف لنا الطريق واللحد وغياب الأصدقاء.

لوحة ثالثة: حديث أمه وهي في لحدها.

ولوحة رابعة: هي العودة إلى الغرفة بعد أن لبس ثيابه في الوهم وخرج إليها.

هذه الثيمة المكانية لتوزيع القصيدة تسهل لنا عملية تركيب مشاهدها، إننا في مسرح واقعي / خيالي ولكن أدواته عرائس، وليست شخصيات حقيقية. فالكل موتى حتى الأصدقاء الغائبين. أما الجمهور الذي يشاهد العرض فهو جمهورالموتى، الذين سيشاركون في رسم المتن المكاني الكوني لعالم الأموات. ثمة خيوط ممتدة من الغرفة الموصدة إلى الخارج، حيث المقبرة هي البؤرة المكانية للقصيدة، منها تنطلق وإليها تعود الأفعال. أحد هذه الخيوط يعلم لنا الطريق الموصل بين الغرفة والمقبرة."ربّ طريق" والآخر يعلم لنا الفزاعات التي تتوسد الظلمة وقد وضعت عليها ملابس الشاعر المهترئة." وأثوابي كمفزِّعِ بستانٍ، سودُ " والثالث يعلم لنا الستائرالمسدلة التي تمنع الضوء الخارجي من الدخول، " وستائرُ شبّاكي مرخاةٌ" .. والرابع يدخل إلى اللحد، حيث الأم ناهضة من نومها، "ألا ترمي أثوابَكَ ؟ والبَسْ من كَفَني" والخيط الخامس يشكل لنا عزرائيل وهو يرف الكفن الممزق، "عزريل الحائكُ، إذْ يبلى ، يرفوهُ

. تعالَ ونمْ عندي " والخيط السادس خيط الوهم الذي يخرج الشاعر فيه من غرفته قاصداً المقبرة حيث يلقى الأم فيها، " سَآخِذُ دربي في الوهمِ" والخيط السابع يجسد لنا نبات الخروب وجريان الماء الآتي من أعماق ظلمة الكون، "خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟ والماءُ ستنهلُهُ نَهلا من صدرِ الأرضِ " والخيط الثامن هو يوم صياح الديك منذراً بيوم الحشر، حيث تنهض الموتى من أعماق العالم السفلي ناشدة الأمل الذي قصدته عشتار في رحلتها بحثاً عن تموز كي توقظ منه كل إخضرار الأرض وربيعها، " لهُتافِ الديكِ إذا دوّى في الآفاقِِ" والخيط التاسع هو الخروب الذي لا ينبت إلا في المقابر كما نعرف نحن أبناء الجنوب وهناك عدد آخر من الخيوط التي يحركها الشاعر وهو على سرير المرض في إحدى مستشفيات لندن، حيث يختلط الوهم بالحقيقة، الصحو بالغياب، الموت بالحياة، المدينة بالمطر، اللحد بالكفن، الغرفة الموصدة بالقبر، ...الخ هذه الخيوط اللاعبة في مسرح الأشباح المكانية تؤلف قصيدة " في الليل" التي أغلقت أبوابها الخارجية لتفتحها على العالم السفلي.

عبارات الإستهلال

يستهل السياب قصيدته بـ ببيت غامض

الغرفة موصدة الباب

الكلمات الثلاث التي تضمنها الإستهلال هيمنت على كل صور القصيدة:

كلمة الغرفة، نجدها ممثلة بـ: الأعماق، الموت، الصمت، المقبرة، صدرالأرض، اللحد، النهر، وكلها مقفلة ولا أمل بالعثور على مفتاح لها.

وكلمة الوصد، تتمثل في: الصمت، التنصت، الترصد، الهمس، اللبس، النهل، الرمي، الوهم، وغيرها. وهي أفعال متكورة، تولد نفسها بنفسها، وتدور في فلك ضيق من الحركة. لذا فهي باطنية.

أما الباب فيتمثل بـ : الشباك المغلق، الطريق المسدود، البستان المهجر، والصديق الذي لن يأتي، الآفاق المستحيلة، وغيرها.وكلها صور مغلقة أيضاً.

يتكرر الإستهلال مرة ثانية في البيت الثاني عشر، وهذه المرة سيتحث فيه عن القبر. ويعني ذلك أن فعل الإستهلال شمل غرفة السياب وهي في الأعلى، ويشمل الآن قبر الأم وهي في الأسفل، فيصبح الإستهلال مهيمناً على قسمي القصيدة.

ثيمة القفل المغلق، وإستحالة الحصول مفتاح له، هي الصورة المركزية التي تحرك كل الأفعال ولو أعدنا النظر ثانية في مفردات الإستهلال ومشتقاتها سنجدها مقفلة.فالقسم الأول من القصيدة الخاص بالسياب نجد القفل على هيأة : الشباك وقد أسدلت ستائرة، والطرق وقد قطعت، والصديق وقد آفل، ، ولم يكف عند هذا الحد، فقد سحب القفل تأثيره، على الثياب السود، والليل الموحش، والصمت العميق، وكلها مفردات العالم العلوي. ثم يكرر ثيمة القفل ثانية فيشمل القسم الثاني من القصيدة وينزل به هذه المرة إلى قبرالأم ولحدها وهنا تحاول الأم إنقاذ ابنها أملا في أن تأتيه بالمفتاح: عزرائيل الذي سيرف الكفن، واللحد الذي سيمتلئ بالزاد وبالماء وبالخروب، والفراش الذي سيكون لحافه، وبالأمل للخلاص من الموت بيوم الحشر.لكن لا أمل بالحصول على أي مفتاح للنجاة.فنجد الوهم يلحم القسمين في البيتين الأخرين من القصيدة:

سَآخِذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أُمّي.

 

بلال الدواح من المغرب

 

 

517 احزان صائغ الطينوهو ينثر مواعيده في الهواء

قال: منذ حزن لم اطرق ابواب الدينونة

كان منزلي النائم في الاعالي

ونوافذي التي ادخرت اوهام العشاق

كتبي التي خانتها الارضة

وخطاي الثقيلة ماشحت بوجهها ليالي العسر

واطراس مياهي في رزنامة القتلى

(كل ذلك هواء في شبك)

يدخلنا الشاعر "جبار الكواز" في عمق تجربة شعرية جديدة ، مؤكد هي امتداد لدواوينه السابقة وهي تجربة الاغتراب وانقسام الذات وهي تيمة تتجلى عبر معظم قصائد الديوان ومفردات القصيدة ومكوناتها لغة وصور وغير ذلك ، تجليات الاغتراب والبناء الشعري في ديوانه ” أحزان صائغ الطين” تصريح بالأفكار المجردة ، وفضح وكشف فني عن خبايا الذات.

اقتباس:

هكذا

بلااستذان

ابحث عن شجرة

غادرتني في طفولة

حيث انت

لما تكوني هناك

ولم اكن هناك ايضا

وماكنا يوما معا...ص22

فالأنا المغتربة هنا المفتتح المباشر والظاهرة.الأنا المغتربة للشاعر هي بمثابة الرحم الذي يخرج منه أجنة الديوان ، حيث تلعب الصورة الشعرية دورا بارزا في استجلاء هذه الرؤية والصورة بهذا المفهوم تصبح هي القصيدة كاملة من ألفها إلى يائها ، وهذا نلاحظه في معظم قصائد الديوان ، فالقصيدة عند الشاعر تشكل في مجموعها صورة كلية ، بيد أن هذه القصائد تتنوع بين الطول والقصر وإن كان يغلب على الديوان القصائد القصيرة والطويلة والسردية .

اقتباس:

ورقة ورقة تسقط الروح في الفراغ

ويصير الكلام عسلا والهواء ذباب

لاالصمت حصى

ولاالاسئلة جناح المنافي

هكذا قالت الشمس نملة

والظلال الى كاسها نائمات

لم يحن الوقت لابرة الموت

فالمدى كشفت عريها موجة في الفرات...ص65

«أحزان صائغ الطين» والتي اختار الشاعر نصوصه بعناية فائقة، ألفاظ من ممكنات جمالية يوسع ألشاعر حدودها من أجل الإقامة في شعرية مفتوحة تعمل على هدم كل التصورات الجاهزة للكتابة الشعرية، وعلاقة تلك النصوص شكليا بتجاوز الحدود بين الأجناس الأدبية أو انفتاحها مع نصوصه الشعرية ؛ أي الوصول الى القصيدة الشعرية المنفتحة والتي تجعل من نصوصه مرآة مخاتلة ترى نفسها فيها وفق شعرية الأثر المفتوح هنا يعمل الشاعر في بناء هذه الحدود الجديدة من طريق استثمار المكون السردي في قصائد العمل، وذلك باستخدام اللغة الشعرية، والميل نحو المجاز، وتشكيل الصورة الشعرية بكل ألوانها. هذا مما لا يخفى على القارئ، بينما يقلقه أن يرى التعبير الشعري يكتسب صوغاً مختلفاً، وهذا الصوغ يظهر في الاعتماد أكثر على المكون السردي بكل حيثياته في بناء القصيدة، وبناء شكلها، وبناء أسئلتها الجمالية. ويتضح هذا المكون في بناء الوصف بوصفه تقنية من تقنيات القصيدة أيضاً.

اقتباس:

من موت المؤجل/استيقظ في زقاق الرماد مندهشا/تلمس اكفان اصابعه المنقوعة بالدم كانت لؤلؤة القبر تدير الراح على زوبعة الافواه/وتلعن زمنا صار الاعمى فيه ضبعا مذؤوبا/ياضيعة النساء/السحنة لن تفتح مائدة للدود /وخيط التابوت الذي قيس على شبرك يابروكست/ماعاد يداجن ليكون البيت او الموت او المقهى/خمسة اعوام وقلبك تنور يتهدج فيه الفيء يمج الحقد على غيمات عجلى ستطيل الهمس بلا جدوى...ص 85

في هذه النصوص نجد هذا الهاجس السردي/الاسطوري حاضرا، والذي ينقل إلينا مظهراً من مظاهر التجريب في الاشتباك مع الوصف ، المزج بين الوصف الذي هو من طبيعة سردية، والصورة الشعرية التي تعتمد على التصوير البلاغي ، حتى أننا نستطيع أن نقول إن الجزء من الوصف السردي الواقعي يمهد للجزء الذي يتعلق بالوصف الشعري. ويتجلى أيضاً المكون السردي في الاعتماد على عنصر الحكاية.أي أن القصيدة تحكي أكثر من اعتمادها على الوصف، أو أنها تنقل إلينا بعض الخصائص التي تميز شيئاً، أو موضوعاً ما،ومن الخصائص التي تلفت الانتباه في العمل، استمرار الحكي من قصيدة إلى أخرى، بمعنى أن الحكي لا ينتهي بانتهاء القصيدة، بل يستمر في القصيدة التي تأتي بعدها مباشرة، ما يعني أن قصيدة ما تكمل قصيدة أخرى في طريقة الحكي، وفي الموضوع الواحد، أي أن القصيدة تكون جزءاً من قصيدة غيرها.

اقتباس:

قميص مردوخ في قفص الضباب

قميص جلجامش في غيابة المياه

قميص انكيدو الذي تنسجه الرياح من غيوم

قميص عثمان على الرماح

قميص يوسف الذي صيره الكهان سجنا وكفن...ص118

هنا النص يتقاطع فيه جمال اللغة واستعارة النص السردي التراثي والاسطوري والذي يؤكد على استمراره في خلق شعر لا يعرف حدودا ولا ينغلق في تصور معين، الشاعر هنا يحاول خلق عالم شعري متحرر بالمعني الحرفي للكلمة، فهذا الديوان استمرار للفلسفة الشعرية الباحثة عن الجمال في اللغة والشكل، ايضا هو فرصة للتأمل والرؤية والدهشة تتحول فيها الألفاظ إلى ما يشبه اللوحة الفنية، تحمل كل ألوان الحلم والحياة. ويستمد الشاعر خياله الشعري.النصو تتأرجح بين ماض وحاضر يكاد ينفلت من سياج الذاكرة. والتعبير عن الحالة النفسية جراء الذاكرة/التاريخ ، لا يقل عن كونه عملا فنيا ينتصر فيه الإحساس بالآخر على لحظات اعادة القراءة والتي عادة ما تكون مرادفا للانتظار والغياب.

اقتباس:

لاسوادها الذي يقطر

ولابياضها في مشكاته

اوهماني بالجنون

فما زلت بما تساقط من ظلي

افرك روحي بالنجوم

ولن اسجد الالمحياها

الظماى....178

واخيرااقول ومن خلال هذه النصوص فالشاعر يحاول خلق مشاهد شعرية مختلفة ترتبط بالحرية والمراة بالذات الشخصية المتمردة ولكل أشكال التابوهات في الشعر. كما أن الشاعر يبحث عن خلق متنفس جديد؛ وشكل جديد قادر على عكس حالته النفسية بتوظيف اساليب فنية تداخل فيه الشعري بالسردي شكلا والتاريخي بالأسطوري موضوعا..

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

يرتبط التحديث بالخلق، والابتكار، والخروج عن المألوف والسائد. وينبثق بتظافر مجموعة من العوامل، ولعل أبرزها تلك المؤثرات الخارجية التي تنتج بسبب تفاعل وتأثر الذات الشاعرة بنتاج ثقافي آخر، له سبق في التطور والتحديث.

دفع النقاد في المغرب بالشعراء إلى ركوب حركة التجديد والبحث عن آفاق مغايرة تستشرف أشكالا فنية، وموضوعات لها ارتباط بروح العصر. يقول عبد الجليل ناظم: " تعرض النقاد منذ محمد بلعباس القباج إلى الشعر المغربي باعتباره شعرا تقليديا، وبالتالي طالبوا الشعراء بمواكبة حركة التجديد والتخلي عن مناحي القول الموروثة" [1] من ثم واكب الشعراء المغاربة التحولات التي عرفها الشعر الحديث من التقليدية والرومانسية، إلى الشعر المعاصر، وانخرطوا في سؤال الشعر الحديث وقضاياه. فانقسم شعراء التحديث داخل المغرب إلى فئتين؛ فئة عانقت الشرق واعتبرته مرجعها الأسمى. وفئة عانقت النموذج الغربي، وجعلت منه متنفس حريتها، للتخلص من الضغوطات الاجتماعية والثقافية والشعرية. ومن تجليات هذين الرغبتين ظهور خطاب الشاعريين المؤسسين للتحديث الشعري، واندماجهم في التجربة الشعرية التقليدية، وتجلي الخطاب المضاد الذي مثله الشعراء الشبان، كمواجهة التقاليد الشعرية. يقول محمد بنيس:" منذ أواسط العشرينيات أدركت الشبيبة المغربية أن النموذج الشعري التقليدي السائد هو شعر بعيد عنها، وقد جعلت منه فترة ما يسمى عادة ب"الانحطاط" مجرد قوالب عروضية وتراكيب لغوية فارغة من كل تجربة إنسانية، لها صيحة الإبداع، ومسافة الحرية، ولذلك اتجهت هذه الشبيبة نحو البحث عن لغة أخرى، وعن سمة جديدة لهذا الفعل اللغوي الفريد، يتجاوب مع مد"النهضة" الشعرية العربية في المشرق، ويدخل في مغامراته الأولى لإعادة صياغة الرؤية إلى الوجود والموجودات، واستبطان الحساسية الآخذة في التبلور بفعل التبدلات التي أصبحت تشترط النسيج المغربي اجتماعيا وسياسيا وتاريخيا " [2].

فاختيار الشعرراء لهذا الاتجاه جعلهم يتواجدون في الأمكنة الرحيمة لهم ولاختيارهم الشعري الحر، معتبرين الذات ومعانقة الشعر العالمي منطلقهم." فكان الجواب الرومانسي، رغم حيائه أكثر قدرة على ما يرسخ صورة مجتمع جديد، يعاني من ضغط التقاليد الشعرية، فيما هو يتوق لتبني معالم الحرية وأسس الاندماج في نهضة الشرق، التي كانت مصر نموذجها العربي، وترقي الغرب، مستوحيا، هذه المرة نماذج شعرية أوروبية مترجمة إلى العربية خاصة لشعراء مثل فيكتور هيجو ولامارتين، شيلي وكيتس، غوتة وبوشكين(...) وهكذا انبثقت جماعة من الشعراء المغاربة يمثلها كل من عبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم بنثابت، ومحمد الحلوي، وعبد القادر حسن، ثم اتسعت فيما بعد لتشمل محمد الصباغ، وعبد القادر المقدم، ومحمد السرغيني . وهذه أسماء باختلاف الأعمار والأساليب، ولدت مناخا شعريا، له الأنين، والهمس، والغربة، والمناجاة... أي هذا السياج العاطفي الذي يجعل من الرومانسيين عائلة واحدة.

لقد بدا الاندماج في الحركة الرومانسية العربية واضحا لدى هذا الجيل (جيل الأربعينيات) الذي اتسعت أمكنة تواجده، في كل من تطوان والعرائش وطنجة وفاس والرباط، ومراكش، كما حقق تواصلا بينه عبر المجلات والصحف التي كانت تصدر في كل من تطوان والعرائش والرباط على الخصوص، وهو ما منحه حماية من القدماء ووحد لغته وفضاءه الشعريين" [3].

لقد وجد خطاب التحديث الشعري الذي مثله الشعراء الشبان حوافزَه في النموذج الغربي الأوروبي، وحققوا تواصلا بينهم، وهو ما منحهم حماية من القدماء . وعلى لسانهم بدأ اختيار الرؤية الحرة لشعر يعلن عن نفسه، عبر خطابات وإشكالات انطوت على الوعي بأزمة الشعر ومحنته وحريته وحيويته وإنسانيته، وفي علاقاته بالأخلاق والمؤسسات السياسية الكابحة لجموحه.

و" عبروا بذوقهم الجديد وباطلاعهم على الآداب الغربية عن مبدع متلق من نوع آخر، يرفض الوضوح والصراحة الموهومة ولايتجاوب إلا مع ما يبعث في النفس الشعور الغامض والسؤال الجموح" [4].فالحرية في الإبداع والتغني بالجمال والطبيعة والاغتراب جعلت مجموعة من الشعراء يعلنون عن ضرورة التجديد، وارتياد آفاق شعرية جديدة، لها ألق الذات ورحابة الانفتاح على الثقافة الأوروبية.

لا يمكننا أن نفهم التحديث الشعري إلا كصرخة ذوات حرة لها الحقائق والجمالية والرؤية الخاصة للعالم والمجتمع والتاريخ الحديثين، ضمن أوضاع تاريخية ثقافية كابتة، تلغي الحقائق الشعرية المتعددة. لقد نسجت استراتيجية التحديث الشعري لحظاتها، من خلال المشروع الثقافي لمجلة السلام، الذي يكشف عن الاحساس بالتحول الحضاري المشروط بدعامة مركزية، هي دعامة الأدب والشعر: " الأدب الحي المعبر عن سعادة الإنسانية وشقائها، الأدب المفصح عن آمال النفوس وآلامها، والشعر المطرب للأرواح المتعطشة إلى الفضيلة في سمائها، والحرية في عليائها" [5]، ويعتبر بيانا ثقافيا للحداثة المغربية. يضم موجهات تنطبق على الرؤية إلى التحديث الشعري من زاوية شمولية . تتحقق بالشعر الحرية.لذلك كان هذا الخطاب دليلا على شيء حديث أخذ يتبلور في المجتمع المغربي، وهو الأدب الحي؛ أي الشعر الجديد.

أعلن هؤلاء الشعراء الحديثون عن رؤيتهم المغايرة للغة، بتبني اختيار الذات المنفتحة على المرجعية الأوروبية كنموذج صالح لتأسيس وعي ومجتمع جديدين، " وتحرير الأدب من استعماره التقليدي "[6].

وشكل اختيارهم للذات، وتركيزهم على العبقرية والفردانية والحرية رؤية حديثة عصفت بالذوق الثقافي العام، الذي ترسخت فيه قيم التقليد أكثر مما ترسخت فيه قيم الذوات المبدعة والخلاقة. يقول عبد الكريم بن ثابت:"إن أعز مخلوقات الله عند الله هم الذين رزقهم المو هبة الخالقة، ومنحهم القدرة على الإبداع الفني في هذه الحياة وبذلك اكتسبوا بعض صفات الخالق الأكبر والمبدع الأعظم وهي الخلود" [7]. فالشاعر هو الفرادة والنبوة الشعرية. ومن خلال هذا التصور الأسمى للشعر تعرض التحديث الشعري لدى الشعراء لعدم الفهم من قبل النقاد والمجتمع، وخولهم غياب الفهم أن يعيشوا متفرقين وعاشقين لمن يسمع خطابهم الجديد، ومن بينهم نما محمد الصباغ ؛ ذاك الشاعر الذي لم يحتف به وطنه، فيما احتضنته لبنان وإسبانيا بحرارة نادرة، بإصدار أول أعماله الشعرية باللغة الإسبانية، حماية من سلطة التقليد في بلده. وكان الاعتراف هناك، قبل أن يكون هنا في المغرب، ورأى فيه المركز الــثـقـــافي (لبنان) صيحة هادرة وعينا جديدة لرؤية العالم في خفاياه، " شاعر يعيد خلق اللغة (...) يجب أن يكتشفه الأدباء العرب خارج المغرب أيضا" [8].بهذه الدهشة استقبله المركز الثقافي، وكان الاحتفاء ثم الأمر إلى اكتشاف الهدير. يقول محمد الصباغ في رحلته مع التحديث الشعري: " لم أكن مفهوما في المغرب، ووجدت في لبنان التشجيع والمؤازرة، لما اخترت لبنان، اخترت الحفاوة، اخترت الحرية ورؤيتي الخاصة للأشياء، التي لا ندركها ببصيرة الطين، اخترت الوفاء لحبيبي جبران " [9].

توجه محمد الصباغ، لحظة تآلف أوضاع الثقافة والمجتمع في ترسيخ التقليد بالمغرب، نحو مرجعين ثقافيين، هما الشعراللبناني والإسباني. وحقق هذا التوجه انفتاحا وتجاوبا مغربيا ولبنانيا و إسبانيا، له فرادة الذات، حيث كان هذا اللقاء انفصالا شعريا عن المؤسسة الثقافية السائدة في المغرب. لقد احتفى الأدباء المشارقة في لبنان وأمريكا بهذه الصيحة التحديثية، بمتابعة ما يكتبه محمد الصباغ فكان من نتائج هذه الرعاية تقديم بولس سلامة لكتاب العبير الملتهب، الصادر بتطوان سنة 1953، وتقديم ميخائيل نعيمة لكتاب اللهاث الجريح، الصادر بتطوان سنة 1955.

وتتوسع دائرة التواصل الشعري بهجرة الشعر العربي الحديث إلى القارىء الإسباني، بعد ما كان مجهولا من طرفه، بفضل مبادرة محمد الصباغ، كما يقول خاثينطو لوبث كورخي:" لا يمكننا أن نوفي بالشكر الشاعر الشاب المغربي محمد الصباغ، الذي بدأ يوقظ في الإسبانيين الرغبة في الإهتمام بالشعر العربي في القرن العشرين"64.

وفي هذا الصدد يقول خوسي لوبنيث:" إن محمد الصباغ جسر بين البلدين، المغرب و إسبانيا، عبر رحلاته المتتالية لإسبانيا وعبر اهتمامه الشخصي والدراسي بالشعراء، فتنطي الكسندري وخيرارد ودييغو وخوسي ييرو، ومن خلال نشره بالمجلات (...) التي تشهد على ذلك"[10].

تنبع أهمية محمد الصباغ في مسعى التحديث الشعري من كونه خرق بنية الشعر العربي التقليدية، واقتحم تجربتين شعريتين ؛هما التجربة الرومانسية المشرقية، ممثلة في لبنان، والتجربة الشعرية الإسبانية الحديثة، ممثلة في كبار شعراء إسبانيا، بعدما كانت التجربتان لا مفكرا فيهما من طرف التقليدية الشعرية بالمغرب.

إن المسعى التحديثي لدى محمد الصباغ انفرد بعدم خضوعه للرومانسية العربية في المركز، وبعدم استنساخه لها. لقد شملته لبنان بالرعاية وكذا إسبانيا، ولكنه اختار أن يكون، عبر لقائه وحواره مع هذين النصين الغائبين، نصا مغربيا حديثا، له خصوصيته.  هاجر محمد الصباغ، بلهجة الخرق لموانع التحديث الشعري بالمغرب، نحو لبنان وأمريكا وإسبانيا. وقد ضمن اختيار الاختراق، في دوال الموت والهجرة والشعور الحر، فتنة بغدران الماء . ولهذا يقول في قصيدة " أنا مَيِّتٌ ":

أنا مَيِّتٌ فهل تُرْجىَ حياتي؟

[...]

أنا مَيِّتٌ وفي الموت سِحْرٌ وأحْلامٌ، رهْبِةً وسكينَةٌ، فكلما ذهَبْتُ في

الشارع رأيْتُ أجساماً محنَّطَةً، تسوقُها رنَّاتٌ متقطِّعَةٌٌ، وموسيقى موجعةٌ،...[11] .

أعلن محمد الصباغ عن صرخته بجرأة نابعة من ذات عشقت حريتها و حرية الخيال والحياة، فكانت المواجهة بينه وبين التقليد، من أجل اختراق بنية الشعر المغربي التقليدي . وهذا ما تشف عنه بنية العنوان" آن لأقول لكم": "نعم، آن الأوان لأقول متمردا ولا رقيب يراقبني ولا ضميريخزني إلا أشباح"جبران"(...) إنكم لا تلمسون أخيلتي، لأنها في شرعكم تفقد روح الأبدية، ولأنها تنخر في عقيدتكم و تتلاشى في هذا الجو البعيد الشقة عن مصدر هذه التصورات و الأخيلة. افعلوا ما شئتم فإني معاهد نفسي و ضمير حبيبي "جبران"

مصغ إلي أني لا أحيد عن مبدئي، ولا ألتوي عن عزيمتي ". 67ينم هذا الخطاب عن سلطة التقليد التي تواجه المدى الحر لمحمد الصباغ، وهو" يخترق، رمزيا، سيطرة التقليد"68، ويتوجه نحو تبني رؤية متحررة لفعل الكتابة الشعرية، " لذلك قال عنه عبد الكبير الخطيبي: " إن محمد الصباغ ينهج طريق الرومانسية الغربية خلال القرن التاسع عشر، سواء في طرائقه الأساسية أو في أبسط تعابيره. على أن حالة هذا الأديب تعتبر ظاهرة منفردة في الأدب المغربي " [12]، وينفتح على الشعر الإسباني بدل الانكفاء على الذات، كما كان حال البنية التقليدية، وبدل إعادة إنتاج بقايا الرومانسية في المركز الشعري،على النحو الذي استسلم له الرومانـسـيون المغاربة [13].

ضمن محمد الصباغ للشعر العربي الحديث بالمغرب، من خلال اختراقه البنية التقليدية للشعر المغربي وانفتاحه على لبنان وإسبانيا، أن يخرج من التجاهل الذي مارسه المشارقة عليه، بعدما كان لا مفكرا فيه من قبل المركز الثقافي. وهو انفتاح أسمع صوت المحيط الشعري بجرأة في لبنان، وكان التجاوب والحوار. وكان من بين أهم نتائجه تقديم أهم شعراء لبنان ( ميخائيل نعيمة وبولس سلامة ) لأعمال الشاعر محمد الصباغ، ورعايتها، وفهم رهانها التحديثي. يقول ميخائيل نعيمة في تقديمه لكتاب اللهاث الجريح: " في المغرب العربي نهضة أدبية تبشر بالخير، ومن ألمع رجالها اليوم محمد الصباغ. فهو كاتب تتفجر عواطفه وأفكاره من شق قلمه عنيفة، صاخبة . ولذلك تراه يتنكب العادي والمألوف من قوالب البيان . إذ ا نظم فبغير وزن وقافية كما تشهد مجـموعته الشعرية الـمـتــرجمة إلـــى الإســبـــانية بــعــنوان El Arbol De Feuego ( شجرة النار) وقد صدرت في هذا العام . وإذا نثر كسا مفرداته وعباراته حللا من الألوان بين زاهية وقاتمة، ثم أطلقها تدرج على أوتار تعددت مفاتيحها وتنوعت قراراتها.

أما القرار الغالب في نظمه ونثره، فهو الأسى – أسى الأمل المخدوع والحلم الهارب. وذلك هو شأن الرومانطيقيين(...) ومحمد الصباغ لا يشذعنهم . فهو واحد منهم .إلا أنه في تأسيه،

يأتيك أحيانا بالاستعارة النافرة، والتشبيه المبتكر، والنغمة الشجية"71. و جاء في تقديم بولس

سلامة للعبير الملتهب:" وتراه (محمد الصباغ) في الآونة التي يعدل فيها الشعراء عن الأوزان المألوفة، من الجناس والتناسب يعود بالنثر إلى المطابقة والمعادلة في الجمل، بحيث يفصل االموجة على قدر أختها، ثم إن صاحبنا يحفل بالمعنى فيفرط في المبنى، مهملا الربط بين الجمل، ملتزما في ذلك سمت أسـتاذه( جبران). يتطلع(الصباغ)إلى أبعد من التطور الذي تجيء به السنون (...) لذلك تراه يهيب ببني قومه ليصبح (المغرب)غربا منهجه الحضارة، ويظل شرقا من جهة الروح والإيمان، وتراه على افتتانه بالجمال أينما وجد"[14].

كان الرهان التحديثي عند محمد الصباغ أوسع من رقعة العالم العربي، ليمتد إلى إسبانيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، ونما حواره المتواصل مع أعضاء الرابطة القلمية بنيويورك (1920- 1933)، وأعضاء العصبة الأندلسية بسان باولو ( 1922)، وأعضاء الرابطة الأدبية في بوينس آيرس ( 1949- 1951) .

اكتمل مشهد التحديث الشعري عند محمد الصباغ عبر رحلة التجاوب بينه وبين شعراء لبنان وإسبانيا والمهاجر الأمريكية. فبفضل هذا التجاوب والانفتاح الشعري مارس محمد الصباغ هدما للنموذج الثقافي والشعري بالمغرب، واختار مسار التحرر من مؤسسة ثقافية تقليدية وكابتة لحقيقة الشعر دون أن يؤسس عملا نظريا متكاملا، أو تصورا شاملا للتحديث الشعري. باستثناء عدد من المراسلات والتقديمات لبعض أعمال أدباء من لبنان وإسبانيا، وبعض الحوارات القليلة.لقد فتح اختيار النموذجين الثقافيين، لبنان وإسبانيا، لمحمد الصباغ آفاق التعرف على شساعة الآداب العالمية، والخروج من بنية التقليد إلى الكتابة كمفهوم واسع. كما أن مفهومه للشعر يلمس من خلال خطابه المفتوح مع هؤلاء الشعراء. ولعل كتاب اللهاث الجريح يكشف عن هدير اختراق بنية التقليد الشعري، وعن محاولة الخروج من أسر النموذج الثقافي المغربي والعربي. لهذا اختار نموذجا ثقافيا غربيا ورأى في الشعر المهجري مدى حرا، وإلى ذلك اتجه: " ألا بورك ذلك النسر الجبار، الذي أطلق جناحيه في سوامق الغرب .ثم عاد إلى وكره، إلى عش الشمس، متمردا ناقما، ثائرا. منددا بما ألفه كُتَابنا ( الثموديون) وشعراؤنا الوزانون(...) ذلكم هو" ميخائيل نعيمة" الذي حمل إلينا أنفاسا جديدة انتعش بها أدبنا الحديث، فأصبح يساير قليلا الآداب الغربية. لربما قد اتهم بتعصبي للآداب الأجنبية. على أن هذه التهمة لا تصيب من عقيدتي في شيء. فأنا من المعجبين بالرسالة الأدبية الغربية عمقا، وأداء، وحيوية" [15].

يكشف هذا الخطاب عن عدم انسجام محمد الصباغ مع الخطاب الشعري التقليدي الذي يمجد الشعر القائم على " عمود الشعر"، ومع النموذج الثقافي الذي يلغي الشاعر في علاقاته الحرة باللغة والحياة، " ها هو الغرب قد سبقنا إلى كتابته( الشعر الحر أو المنثور) منذ أجيال بعيدة. فهذه إسبانيا بشعرائها، ومجلات شعرها، لا تفرق أبدا بين االشعر المنظوم، والشعر المنثور (...) فحبذا يوم نسمع فيه شاعرنا يوقع ألحانه على الأوزان التي يختارها قلبه، وتميل إليها نفسه، دون أن يرى ذاته مربوطا بلوازم العروض والقوافي. حبذا يوم لا نعبد فيه الهيئة الخارجية(...) ونفتح لشعرائنا مجالا للخيال والتعبير لا تحصره قافية،ولا يقيده روي " [16] .

عبر خطاب يعيد الرؤية للذات والموجودات والحياة واجمال والحقيقة والنبوة، أبرم محمد الصباغ حوارا مع مدى الحداثة الشعرية، منخرطا في إبدال شعري رومانسي، له القطيعة مع تصور الشعرية التقليدية، وله التسمية الفريدة لمفاهيم الحداثة الشعرية، النابعة من حرية الذات.

ورغم أن محمد الصباغ يشارك المغامرة الرومانسية العربية في التغني بالحرية والجمال، فإنه كان مختلفا في تسمية زمانه ومكانه وتاريخه الموسوم بألق وماء الذات الكاتبة.حيث ينبني النص الشعري عنده عبر متخيل شعري مولد وناظم التفاعل الدوال الشعرية، له الرؤيا والحلم واللاوعي وفوران الحياة .ومن ثم اختار محمد الصباغ مفهوم الشعر النابع من حرية الذات والخيال وعفوية الحياة.

بحث محمد الصباغ، مقتفيا أثر جبران، عن المسارات التي تخوله كتابة المختلف، بطرائق نصية لا تركن إلى القوالب المتداولة للبيت الشعري، الذي أبدله ببيت شعري مفتوح على اللغة ودفق الخيال؛" فالتخلي عن الأركان المكينة ( الوزن والقافية والبيت الشعري) التي كانت رسختها النظرية الشعرية العربية منذ أقدم عهودها لفائدة طرائق الإيقاع الجديدة والرؤية الإنسانية في بناء الخطاب على مبدأ الحرية، جعلت ممارسته منطلق مشروع تحديثي سخر محمد الصباغ لكتابته وبناء نصه طرائق جديدة سواء انتهت إلى تسميات الشعر المرسل أو الشعر المنثور أو المقطع الشعري، أو إلى اعتبارها قصيدة وحسب"[17] .

تهيأت الكتابة الشعرية عند محمد الصباغ في رغبة تحرر شعرها من سلطة البيت التقليدي، واعتمادها كتابة المقطع والشذرة، والتخلص من الطريقة المتداولة في بناء القصيدة ووحدتها. فشكلت أولى كتاباته: العبير الملتهب ( 1953) شجرة النار(1954) وأنا والقمر( 1956) متنا رومانسيا بنيت نصوصه بالعناصر التي استخلصتها التجربة الفردية من استبطان الأحاسيس الذاتية واختبار اللغة بما هي عبارة يركبها الشاعر لصوغ خطابه الخاص، تجاه الإنسان [18].

ويتجسد الأفق الذي اشتغلت عليه ممارسة محمد الصباغ في الانتماء إلى الفضاء الشعري المفتوح على تعدد الروافد أمام القصيدة، وهو فضاء لغوي ومعرفي أمد الشاعر بعناصر التأثير والتبادل الثقافي، وفيه تعرف على شعراء رومانسيين اعتنى بترجمة بعض قصائدهم، واحتفى بممارساتهم وبالأدب الأوروبي الحديث في كتاباته.

تأثر محمد الصباغ بالشاعر الإسباني فثينطي ألكسندري، خاصة فيما يتعلق بالشعر المنثور. والأكيد أن الحوار الذي دار بين الشاعرين حول المفاهيم الشعرية في كل من إسبانيا والمغرب كان حافزا وباعثا على دفع محمد الصباغ إلى البحث عن طرائق جديدة ومغايرة لكتابة الشعر، تساير اللحظة الحداثية الكونية. فمن جملة الأسئلة التي وجهها فثينطي ألكسندري لمحمد الصباغ كان استفساره حول غياب الشعر المنثور عن الساحة الأدبية العربية، وفي ذلك يقول: " وكنت ألاحظ اهتمامه الكبير بالشعر العربي المعاصر منصتا وسائلا. لقد طال استغرابه عندما أجبت عن سؤاله حول الشعر المنثور، ذاكرا له بصراحة: أسفا أن نرى الأقلام الشعرية العربية، مازالت سجينة بين النونيات، والداليات ..." [19].ويبدو جواب محمد الصباغ متأثرا بأفكار ميخائيل نعيمة، الذي دعا إلى التحرر من الأوزان والقوافي.إذ يقول في الشعر:" الشعر الجميل خلق لاصناعة "[20]، ويقول أيضا:" الشعرور: يغرق في البحرالبسيط، وهو يستغيث، ويستنجد متعلقا بالوزن: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن.أما الشاعر فيطوي " البحر الطويل" بقذفة واحدة، حتى يتعلق بأغصان القمرغير ملتفت إلى الوزن..." [21]

جاءت صرخة محمد الصباغ في مجموعته اللهاث الجريح مبرزة وعيه الشعري الباحث عن تحرر الشعر العربي، وضرورة إبدال الأنموذج الشعري العالمي والإسباني منه بالخصوص بالعربي، قال:" هاهو الغرب قد سبقنا إلى كتابته منذ أجيال بعيدة. فهذه إسبانيا بشعرائها، ومجلات شعرها. لا تفرق أبدا بين الشعر المنظوم، والشعر المنثور.والمائة في المائة من شعرائها المعاصرين يكتبونه"[22]. فبقدر ما تعكس كلمة محمد الصباغ تصوره لمفهوم الشعر ووضعه في المغرب على عتبة الإبدال الرومانسي في كتابة قصيدة النثر، بقدر ما تحين ذلك عند الشاعر نفسه بالعلاقة مع الشعر الإسباني والصلة بشعرائه المعاصرين.

تكشفت إرادة تحرير الشعر عند محمد الصباغ من خلال إبدال التصورات النظرية المتصلة بمفهومه وممارسته. توسل ذلك بالابتعاد عن الأنموذج التقليدي السائد، وبالإطلاع على الشعر الأوروبي لا سيما الشعر الإسباني وترجمته إلى العربية.لذلك كان الانتقال من القصيدة ( في تحديدها التقليدي كمجموعة أبيات) إلى الشعر بالإطلاق إبدالا رئيسا لمفهوم الممارسة، التي صارت شعرا يعتمد الخيال، به يقول الشاعر لغته ويقترب من جوهر الوجود وقيم الجمال والفن.

تعتبر العلاقات الأدبية التي نسجها محمد الصباغ مع أبرز الأسماء الأدبية المشرقية في المهجر، ثم مع الأعلام الإبداعية الإسبانية ملمحا مبرزا في سياق التحولات التحديثية التي طبعت كتاباته.كما يشكل اختراقه للحدود القائمة بين الشعر والنثر منعطفا حداثيا، حيث " عرفت الرومانسية، في العالم، باختراق الحدود بين الشعر والنثر، عن طريق إدخال الشعر إلى النثر، ثم بتمجيد النثر وهدم الحواجز بين الأجناس الأدبية"[23].

كان للتوظيفات الجديدة لتشكيلات اللغة عند محمد الصباغ أثر في تميزه، وكذا في إبداعيته التحديثية، وبخاصة في تعامله مع المفردة، وفي صياغته للجملة الأدبية، التي أصبحت تؤسس على الإنزياح، كعنصر متطور لمفهوم الكتابة.

واعتمد بنية إيقاعية داخلية لنسق الكتابة، تستمد مقوماتها من نفس الذات الكاتبة. ويمكن اعتبار توظيف هذا الإيقاع من ركائز الكتابة الحداثية، وذلك حين تصير الذات منكتبة في بياضها، أي في دالها الأكبر، والذي لا يمكن أن يكون سوى إيقاعها.

بهذا يؤسس محمد الصباغ معمارية القصيدة، التي هي الذات في حرية الحياة، ويمارس هدما للغة ولتصور الشعر القائم على الخيال المعقول وشعر الصناعة والمعنى القبلي، مستندا إلى الخيال في حريته، وإلى الذات في عفويتها وفورانها، مؤسسا خطابا شعريا له حدود الاختراق لمفاهيم الشعرية التقليدية.كما يقدم مفهوما للكتابة اللاغية لأي حدود، مشتركا مع الخطاب الرومانسي العربي في اعتبار الشعر خلقا وحرية وخيالا، مادته الطبيعة والجمال. واعتباره نبوة وتقدما وحقيقة، نابعين من ذات شاعرة بعالم جديد وأسئلة حديثة.

إن استراتيجية التحديث عند محمد الصباغ استراتيجية جديدة، سعت لبناء رؤية تختلف عن رؤية التقليدية للشعر العربي، وهو بهذا يرسخ رؤية حديثةللغة والتاريخ والمجتمع، رافضا لمقاييس الصناعة في الشعر . تكمن أهمية محمد الصباغ التحديثية في المغرب، كما يقول عبد الجبار السحيمي، في كون أن له تلك " الكتابة التي تقيم عوالمها من أقاليم مغايرة تكبر على القراءة التقليدية واللغة التقليدية" .[24]ويجسد علاقته بالكلمة والقلم والكتابة بصور متعددة، فالكتابة نسغ وجود بالنسبة إليه لا يمكن تركها .يقول: " شيء مني يموت، في اليوم الذي أتخلى فيه عن قلمي "[25]. وظيفتها هي التعبير عن الذات والإفصاح عن الباطن، يقول:" على مقياس عمق الكلمة، تجنح أبعاد آفاقها . فالكلمة التي توغل في مزلاجها مفتاح نفسك ولا يدور، فهي كلمة فيها عطب "[26]. وإذا كانت وظيفة الكتابة عند محمد الصباغ ترتبط بالتعبير عن الذات، فإنه يدعو إلى عدم الرضا عما تخطه يد المبدع، لأن الإبداع مرتبط بالسعي إلى معانقة الجميل والجيد أبدا، والرضا عن الذات يسيء إلى الإبداع، يقول:" ألا ترضى عن أعماقك وترفضها، ولو تسلقت أعنان النجاح ذلك جانب مهم من الإبداع المتحفز فيك"[27].

ولربما كان للكتابة عند محمد الصباغ هذا الدور، وهذه الوظيفة في تجاوز الأنماط التقليدية جماليا ومعرفيا، وخلق نماذج إبداعية جيدة، تسهم في بلورة وعي تحديثي يعانق التحولات التاريخية. وهذا ما عبر عنه جورج لوكاتش قائلا:" إن للأدب والفن وظائف ومهام محددة، ومن أول هذه الوظائف قدرة الإبداع على تكثيف الوعي البشري لمعرفة العالم المحيط، وتوجيهه عبر خلق نماذج جيدة تتجاوز الأشكال التقليدية جماليا ومعرفيا"[28].

الشعر الحر، الشعر المنثور، الكتابة ...، علامات على اعتماد الغريب كمعيار في التعامل مع الأشكال الشعرية. وهي، في جميع الحالات، تدعونا لاسترجاع تاريخ المغامرة الشعرية، في المغرب، باسم التحديث، أو الحداثة . ليست التسميات هي التي نسترجع، بل ما حملته معها من رج متواصل للقيم، وتأكيد على أحقية التعلم من الآخر، الغربي، الحديث، في مجتمع له عطش الحرية.

بفضل كل ذلك أصبحت القصيدة المغربية الحديثة تتقدم نحو حوار عميق مع ثقافات شعرية مختلفة في العالم.هكذا،تأثر الشاعر الرومانسي المغربي محمد الصباغ بالرومانسية العربية، في كل من المشرق والمهاجر الأمريكية. وبقدر ما كان تأثره بها قويا وصلته بها مترسخة، في توضيح وجهة النظر الجديدة للشعر والشاعر والقصيدة، بقدر ما عاش علاقة استكشاف وصراع مع الذات والآخر، بحثا عن جواب على ما كانت عليه القصيدة المغربية، في تاريخها وفي حركتها التقليدية.

 

بلال الدواح - استاذ باحث من المغرب

............................

[1]- عبد الجليل ناظم، نقد الشعر في المغرب الحديث، دار توبقال للنشر، االدار البيضاء،ط.1، 1992، ص، 10.

[2]- محمد بنيس، الشعر المغربي الحديث والقراءة العاشقة، مجلة بصمات، ع.1، 1985،ص:56.

[3]- نفسه، ص: 57.

[4]- عبد الجليل ناظم، الخطاب النقدي المغربي ومآزق التأسيس، مجلة الفكر الديمقراطي، العدد7، صيف 1989، ص: 157- 158.

[5]- محمد داود، مبدأنا وغايتنا، مجلة الثقافة الجديدة، ع.17، س .5، 1980، ص: 111.

[6]- محمد الصباغ، ميخائيل نعيمة في الترجمة الإسبانية لديوانه، مجلة دعوة الحق، ع،.7، س.2، ص: 68.

[7]- عبد الكريم ن ثابت، الفنان الخالق، حديث مصباح، كتاب البعث، الكتاب التاسع، تونس، يونيو 1957، ص: 36.

[8]- غادة السمان، عن كتاب، محمد الصباغ بأقلام النقاد والأدباء، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط.1، 1980،ص: 25.

[9]- عبد المالك عليوي، الشعر الحديث في شمال المغرب: من الثلاثينيات إلى الخمسينيات، رسالة مرقونة بكلية الآداب و العلوم الإنسانية، الرباط، السنة الجامعية:1997- 1998،ص: 214.

64- خاثينطو لوبث كورخي، شعر محمد الصباغ في اللغة الإسبانية و علاقاته الأدبية و صداقاته مع الشعراء الإسبانيين المعاصرين، آفاق، ع.3، 1990، ص: 149.

65- عبد المالك عليوي، الشعر الحيث في شمال المغرب من الثلاثينيات إلى الخمسينيات، ص: 215.

66- عبد الجليل ناظم، ديوان الشعر المغربي الرومانسي، منشورات وزارة الثقافة، المغرب، ط.1، 2003، ص: 185.

67- محمد االصباغ، العبير الملتهب، المطبعة الحسنية، تطوان، المغرب، 30- 1- 1953،ص.45/46.

68- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته و إبدالاتها، ج.4، مساءلة الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط.1، 1991، ص: 120 .

69- نفسه، ص: 120.

70- نفسه،ص.121.

71- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، ج.3، وزارة الثقافة والاتصال، ط.1، 2001،ص.147.

72- بولس سلامة، تصدير العبير الملتهب، المطبعة الحسنية، تطوان، ط.1، 1953،ص: 5.

73- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، الجزء الثالث، ص: 270.

74- نفسه، ص: 271.

75- يوسف ناوري، الشعر الحديث في المغرب العربي،ج 1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،ط.1، 2006، ص: 217.

76- نفسه، ص:218.

77- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، ج.3، ص: 271.

78- محمد الصباغ، شجرة محار، الأعمال الكاملة، ج.3، ص:142.

79- محمد الصباغ، شموع على الطريق، الأعمال الكاملة،ج.2، ص:47.

80- محمد الصباغ، اللهاث الجريح، الأعمال الكاملة، ج.3، ص: 271.

81- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته و إبدالاتها،ج.2، الرومانسية العربية، ص: 33.

82- عبد الجبار السحيمي، محمد الصباغ هو الذي كشف في لغتنا العربية مفاتن جسدها وشبقيته، آفاق،ع.3، س.1990، ص: .136.

83- محمد الصباغ، شجرة محار، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، ط.1972، ص: 97.

84- نفسه، ص.127

85- نفسه،ص:130.

86- جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة: حنا الشاعر، دار الأندلس،ط.1982،ص: 41.

 

أول ما سطرته في المقالة كان يوم 27 ديسمبر 2017، وتوقفت عن الكتابة في أوائل يناير، ثم عدت لأكتب في أول فبراير، ثم لأتوقف طويلًا بعد أن كتبت عن قاسم، وعدت أخيرًا لأختم المقال وأنشره لأول مرة في ذكرى أستاذنا نجيب محفوظ في الخميس 30 أغسطس 2018.

ملحوظة: يُقال إن المعنى في بطن الشاعر، وكل قارئ للأدب تكون له قراءته الخاصة وفهمه الخاص لما يقرأ، والتي قد يتفق أو يختلف معه فيها غيره، وإليكم قراءتي لـ "أولاد حارتنا".

***

يعد نجيب محفوظ أشهر أدباء مصر والعالم العربي، وهو الوحيد من بينهم الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عن مجمل أعماله.

درس نجيب محفوظ الفلسفة -وليس اللغة العربية- في كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان لتأثير دراسة الفلسفة أثرها البارز في كتاباته. كان بحق بيدبا القرن العشرين، ولكنه لم يستخدم الحيوانات كرموز بل كان البشر أدواته. يمكن القول إنه عندما تقرأ قصة لمحفوظ فأنت تقرأ قصتين في ذات الوقت، قصة ظاهرة تخفي تحتها قصة أخرى لن تعطيك نفسها إلا إذا نجحت في فك الرموز. وعليك أن تتابع نسيجي كلا القصتين المضفورتين بعبقرية، تتقاطعان أحيانًا وتفترقان كثيرًا.

لكن المصريين لا يدركون حقًا قيمة هذا الرجل. شعب أغلبيته لا تقرأ، ومن يقرأ روايات يقرأ تلك ‏النوعيات العاطفية التي لا يشبهها أدب محفوظ. وحتى من يقرأون له قليل منهم من يفهم ‏العمق في رواياته. لا يعرفون أن قيمة الرجل أن تجد مصر في كل ما يكتب. تجد ‏الإنسان المصري بكل صوره ونماذجه؛ فالعالمية تنبع من الإغراق في المحلية. لكننا في أدب محفوظ لا نجد الإنسان المصري فقط، وإنما نجد حكايات الإنسان على الأرض، والإنسان المصري ستار فقط استُخدم في رسم التفاصيل. النزعة الإنسانية في أدب محفوظ أوضح من ألا يراها بصير.

ومحفوظ حسب علمي معروف في الدوائر الثقافية ‏العالمية منذ ستينات القرن العشرين، لكن من لا يتذوقون الأدب ولا يفهمون الفلسفة لا يدركون قيمة الرجل، ويبحثون عن أسباب أخرى تبرر فوزه ‏بالجائزة.‏ ولو كانوا يدركون قيمة محفوظ ما أثارتهم تلك الأقاويل المتناثرة عنه كل حين باحثين عن ‏سبب آخر لعالميته!

لعل أشهر روايات محفوظ وأكثرها خلافية هي "أولاد حارتنا". نُشرت "أولاد حارتنا" أول مرة في حلقات في جريدة الأهرام عام 1959. و"أولاد حارتنا" هي روايته التي حاكى فيها أهم وأعظم قصص الإنسان على ظهر الأرض، قصة استخلاف الإنسان وبعثة أصحاب الرسالات الثلاث. وكان السبب الرئيسي لما طال هذه الرواية من اتهامات أن استخدام الرموز فيها كان واضحًا صريحًا! لم يبذل محفوظ أي جهد لإخفائها، بل اجتهد أن يكون التشابه بين قصته الرمزية وحقيقة ما ترمز إليه سافرًا، كما تخيّر أسماء أبطال قصته استلهامًا من عناصر القصص الديني التي حاكاها.

لم يكن محفوظ في ذلك بدعًا، فكثيرون سبقوه ولحقوه في استخدام الترميز لتجسيد قصصًا مستوحاة من قصص الأنبياء، وبعضها تحول إلى أعمال سينمائية أو تليفزيونية، مثل قصة يوسف عليه السلام في "المصير" أو في قصة لثروت أباظة التي حُولت إلى مسلسل تليفزيوني في الثمانينيات، ولم يكد يشعر بها أحد.

ومن أشهر تلك الأعمال الدرامية "الحج متولي"؛ ذلك الرجل التاجر الفقير الأمين الذي تزوج في بدء حياته من امرأة غنية ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ثم إذا به يُعدِّد بعد وفاتها!

لكن العوام غالبًا لا تدرك على مستوى الشعور معاني الرموز التي يريدها الأدباء من خلف ظاهر القصص إلا إن نبههم أحد، حتى لو استشعروا المعنى في مستوى اللا شعور. كمثال على ذلك: من أشهر الأفلام التي يكاد يعرفها كل مصري "شيء من الخوف" وقد تمت كتابته وإخراجه بعد حرب 1967، ولكن تُرى كم من بينهم من وعى من تكون "فؤادة" ومن هو "عتريس"؟ كم ممن شاهدوا العمل يفهم معنى تلك الصيحات التي خرج بها أهل البلدة في تظاهرات قائلين: "زواج عتريس من فؤادة باطل"؟! وكأنها ردٌ على المظاهرات الزائفة التي خرجت تطلب من عبد الناصر البقاء! محفوظ أيضًا كان ممن رمز لمصر وعبد الناصر في أعماله، وأشهرها "بداية ونهاية" و "ميرامار"، ولعله رمز إليهما أيضًا في "أولاد حارتنا".

بل وأحيانًا استُخدم التصريح في محاكاة القصص الديني كما فعل توفيق الحكيم في "أهل الكهف"، والذي يبدو ظاهريًا من الاسم.

ما لا يدركه العوام أن كل قصة حقيقية أو روائية فيها شيء ما يشبه تلك القصص السماوية، أو هي ذاتها القصص السماوية مع اختلاف التفاصيل، شئنا ذلك أم أبينا. أدركناه أم لم ندرك. على سبيل المثال فإن أي قصة تتحدث عن صراع الخير والشر، ما هي إلا استلهام لقصة آدم وإبليس، أو قصة قابيل وهابيل؛ التوأمين اللذين خُلقا من رحم واحد لأب واحد في ساعة واحدة ليمثلا وجود الخير والشر في النفس البشرية، ألا تذكرهما عندما تقرأ رواية "د/جيكل ومستر هايد"؟ والأدب الغربي مليء بهذه الأمثلة، فليس غريبًا على الإطلاق أن تحمل إحدى شخصيات الرواية سمات إحدى الشخصيات المقدسة؛ وإلا فهل كان سانتياجو بطل رواية "العجوز والبحر" لإرنست هيمنجواي إلا صورة معاصرة للمسيح وآلامه؟!

وكم من أديب استخدم تلك الحبكة القصصية لعائلة كبيرة فيها جد وأجيال من أبنائه وأحفاده في أعماله، وكم من قصة طُرد فيها الابن من بيت أبيه وغضب عليه، لكن ما خص "أولاد حارتنا" إضافة لوضوح ما يرمز إليه الكاتب، كان إكثاره من تلك الرموز، فمحفوظ لم يتناول قصة نبي واحد وحسب، ويداخل معها حوادث وتفاصيل لا علاقة لها بقصته كي يخفف الوقع، بل عرض عدة قصص متتالية لأشهر الأنبياء، وحرص على أن تكون التفاصيل الأساسية مقتبسة من القصة الأصلية. وتكاملية تلك التفاصيل الرئيسية وتتابعها هو سبب إشكالية "أولاد حارتنا". كانت "أولاد حارتنا" أقرب ما تكون لقصة الخلق باستخدام رموز أدبية! وسكان الحارة هم سكان الأرض، وسكان الأحياء الثلاثة التي تكونت تباعًا بها هم أتباع الديانات السماوية الثلاث.

وهو مع ذلك لا يهتم بمحاكاة كل تفصيل في القصة المقدسة بل فقط تلك التفاصيل الرئيسية التي تؤخذ منها العِبر. بل إن من يقرأ الرواية يستشعر أن الأديب رغم استغراقه في نقل جميع الملامح الرئيسية إلى قصته إلا أنه حرص على أن تكون قصته لبشر عاديين وأعطاها تفاصيل تبعد عن القدسية وتدخل القارئ في جو القصة الأرضية؛ فتنسيه هالة القدسية، فهنا امرأة تلد، وهناك مشهد لبيع خيار، ورجل عابث يغني للحظة تنسينا أن هذا العابث في الأساس كان رمزًا لإبليس، ونساء وأطفال في الحارة، بل وصل الأمر حد وصف الحيوانات والحشرات. والحديث في بداية القصة وأصل الحكاية يأتي عن رابطة أبوية وكيف تمزقت، وليس عن علاقة عبودية بين عبد وإله.

آفة حارتنا النسيان، وحارتنا هي حارة الحكايات؛ هكذا قال محفوظ؛ لذا كانت شخصية الشاعر على القهوة ليقص على الناس الحكايات،‏ كما كان مخدر الحشيش الغارق فيه سكان الحارة سبيلاً لتبرير ذلك النسيان وسببًا لانشغالهم عن الشاعر أثناء قصِّه؛ فالدنيا تلاهي والبشر ملهيون!

يقول محفوظ في بدء قصة قاسم: "ما أعرف أولاد حارتنا بالحكايات، فما لهم لا يعتبرون!". ولأن البشر ينسون ما أراد لهم الله أن يتعلموه كانت "أولاد حارتنا". رواية مليئة بكل تفصيل يلزمك أن تتدبر فيه في محاكاة صارخة لقصص مقدسة بعد أن جلبها محفوظ من عليائها وألبسها لحمًا ودمًا وجعلها قصصًا يمكن أن تراها في حياتك. كانت الرواية صرخة ضد الظلم المستشري في الحارة (على ظهر الأرض) وإعلاءً لقيمة العدل، وكان أبطالها هم هؤلاء الصارخين.

كان الجبلاوي أحد الشخوص الرئيسية في الرواية، وهو مشرع القوانين الحاكمة للحارة والمنظمة لوقفه الذي يُدر ريعه على الجميع، وهو من يختار من بين أولاده من ينفذ أوامره ويدعو لها. كانت شروط الواقف العشرة رمزًا للخطايا العشر التي لا يجب أن يتخطاها أحد، ولكن كان البشر دائمًا يفعلون!

والجبلاوي، صاحب الوقف الذي بُنيت فيه الحارة -كما صوّره محفوظ- رمز للمهابة والعدالة، للقوة والحكمة، رمز للجبروت والعظمة، ومع ذلك -وكما وصفه محفوظ في أحد المواضع- فلا شيء يعادل شدته إلا رحمته. وهو مع عزلته بعيدًا عن الحارة في البيت الكبير، يعرف كل صغيرة وكبيرة تدور فيها. والكلمات القليلة المسيئة التي أتت عن الجبلاوي كانت على لسان إدريس (إبليس) المطرود من نعيمه، لكنها كانت موجهة لشخص الأب المتوهم في تلك القصة الأرضية وليس الإله. كما أتت كلمات مثلها على لسان قدري (قابيل) رمز الشر الإنساني، وكانت أيضًا موجهة لشخص الجبلاوي الجد. وأحيانًا يتساءل بعض شخوص القصة لماذا يُتركون يتصرفون دون تدخل رغم أنهم يخطئون؟ فنداء العاجزين عليه أحيانًا "يا جبلاوي" والذي لا يقابله رد من جانبه طالما لا يفعلون شيئًا يغيرون به واقعهم، هو سخط من محفوظ على سلبيتهم في مواجهة الشر، والحقيقة أن الجبلاوي أرادهم أحرارًا، ومعروف موقف محفوظ من مسألة الجبر والاختيار واعتقاده بمسئولية الإنسان عن أفعاله؛ ذلك الموقف الذي برز كأشد ما يكون في رواية "الطريق".

وكانت شخصية الجبلاوي المتجسدة الحاضرة في حوادث القصة -والتي رأى فيها كثيرون رمزًا لله سبحانه وتعالى- سببًا رئيسيًا للاتهامات التي طالت "أولاد حارتنا". أرى أن محفوظ اضطر إلى أن تكون رمزية الإله أو الدين حاضرة وليست غائبة كما كان الحال في روايات أخرى كـ "الطريق"، وإن كان من الواضح أن الجبلاوي يمثل قيمة الإله أو لنقل أنه الدين كقيمة، فهو يمثله كفكرة وليس كجسد، رغم تشخيصه في القصة، وكان محفوظ حريصًا على أن يجعل ظهورها على مسرح الحوادث عندما تستدعي الضرورة فقط، ولو كان بالإمكان أن يستبدلها برمز أو مكان كالتكية في "الحرافيش" أو يُغيِّبها لفعل، ولكن التجسيد فُرض عليه لاستكمال أركان القصة. هذا ليس تبريرًا بل تفسير.

مع ذلك، ورغم علمي بوجود شخصية الجبلاوي ودلالتها في بدء الرواية فقد صُدمت عندما واجهتها في صفحات الرواية، وأزعجتني عندما وجدت الحوارات أمامي، قبل أن أتبين أنها ترمز للدين أكثر مما هي تشخيصًا للإله، لكنني مع ذلك لا يمكن أن أصف شعوري بالحنق، والدليل أنني أكملت القراءة.

ولنقل أنه كان بإمكانه بالفعل أن يستريح من عناء بدء القصة في البيت الكبير الذي يمثل الجنة، وتكليف أدهم دونًا عن إخوته بإدارة الأملاك، ثم طرد إدريس ومن بعده أدهم بعد أن وسوس له إدريس. كان بالإمكان أن تبدأ الحكاية بأدهم وهو يعيش عيشة الشظف في البرية، ثم يتذكر سعادته السابقة في البيت الكبير، وتأتي قصة طرده وأخيه دون تفاصيل. لكن بدء القصة على النحو الذي بدأ به محفوظ يجعل البيت الكبير (الجنة) حقيقة واقعة كانت ماثلة، وليست مجرد خيال يُحكى عنه في أنحاء القصة. هذا دليل تصديق بوجود تلك الجنة وليس جحد لها. هذا البيت الذي عبّر عنه محفوظ بأنه "لا عزة لنا إلا به ولا تعاسة إلا بسبب منه".

كانت حارة الجبلاوي في نظر من يحيون خارجها حارة الفتوات، حارة القوة، لكن لم ينظر لها من يعيشون فيها على النحو نفسه. كانوا تعساء. قلَّ أن رأوا فيها أثرًا لقوة تصنع الخير. كانت العدالة الاجتماعية غائبة عنها دائمًا سوى في الفترات القليلة التي قادها فيها الأخيار.

اهتم محفوظ بمحاكاة التفاصيل الرئيسية لقصص الأنبياء الذين ذكرهم وليس كل تفصيل. كان أدهم وجبل ورفاعة وقاسم أخيارًا، وكان يقابلهم إدريس والفتوات وناظر الحارة كرموز للشر. كان اختيار اسم كل منهم لتسهيل الدلالة عليه، ولم يكن في اختيار أي اسم إساءة. كان هؤلاء الأبطال الرئيسيون، وكل منهم صاحب قصة رئيسية ضمن حوادث الرواية، ورغم وقوع حوادث قصة كل منهم في زمن يختلف عن زمن الآخر إلا أن كل منهم هو امتداد للآخر، جاء لإصلاح ما فسد في الفترة الفاصلة بينه وبين من سبقه.

وكان جبل المقطم –والمعروف عنه أنه غراس أهل الجنة- في خلفية تلك القصة المحاكية، ويبدو شاهدًا على أبطالها كل حين. وكانت الصخرة التي يلتقي عندها هند وقدري رمزًا للخطيئة البشرية طوال القصة؛ فعندها كانا يأثمان، وعندها قتل قدري (قابيل) همام (هابيل)، وعندها قتل جبل (موسى) الفتوة لإنقاذ رجل من أهله، كما كانت رمزًا للنفحات الإلهية عندما تهبط على الأرض، فعندها توقفت العائلة المهاجرة حيث كانت تحمل الأم برفاعة (المسيح)، وعندها كان يخلو رفاعة بنفسه عندما تزيد همومه بسبب أحوال الحارة، ثم صار يجتمع عندها بأصدقائه (حوارييه)، وعندها قُتِل. وعندها كان يجلس قاسم (محمد) الصبي وهو يرعى الغنم، وعندها كان يخلو بنفسه، ثم عندها قابل قنديل (جبريل) خادم الجبلاوي.

في "أولاد حارتنا" لا أشتم رائحة كفر أو إلحاد حتى أشك مجرد شك أن محفوظ قد كتبها في مرحلة ما من حياته كالتي مر بها كثير من مفكرينا في شبابهم كمصطفى محمود أو العقاد، كما أن الرجل كتبها وهو في الخمسينات من عمره. بل أتعجب ممن رأوا في الرواية كفرًا!

مرة ثانية، لم أستشعر أي رغبة لمحفوظ في الإساءة، بل في بللورة نقاط هامة ربما رآها أهم ما في تلك القصص التي حكاها، وأن هناك تشابهات بينها وبين قصص من واقعنا، وأن البشر لم يتعلموا أبدًا منها دروسًا هامة كان ينبغي عليهم تعلمها؛ فآفة حارتنا النسيان، لذا أكملت القراءة، لكن لنقل أنني شعرت بالارتياح بعد أن غادرتني شخصية الجبلاوي سريعًا بعد ظهورها القوي في بدء القصة، وتمنيت صادقة ألا تعاود الظهور، وقد كان إلى حد بعيد فلم يُظهرها محفوظ بعد إلا ما ندر عندما يحين حديثها مع أحد أبطال حارتنا، وكنت أرى فيها حينها تلك الشخصية الأرضية التي شخّصها الكاتب حتى أنني كنت أجتهد في التركيز على استكشاف الرموز التي وضعها كي أستمر في تتبع خيط القصة الخفية عوضًا عن القصة الظاهرية، حتى كانت الصدمة الكبرى بموت الجبلاوي في ختام القصة، لكن كانت رمزيته وقتها واضحة. كان يمثل قيمة الدين في مقابل قيمة العلم.

 

أدهم (آدم)

أول فصول الرواية تحكي عن أدهم أو (آدم) كما رمز له محفوظ أو كما جسّده محفوظ بيننا كإنسان عادي بعد نزع القدسية عنه.

كان أدهم في رواية محفوظ آخر أبناء الجبلاوي مولدًا، وأقلهم حظًا في الأمهات. كانت أمه جارية سوداء. كان إخوة أدهم في المقابل أبناء هانم. رمزية الأم هنا كانت التعبير الذي عبّر من خلاله الأديب عن أصل آدم الطيني بإزاء الأصل النوراني لإخوته.

لكن أدهم مع ذلك قد تميز عن إخوته بأنه الوحيد فيهم الذي تعلم؛ ولأجل هذا العلم الذي حظي به دونهم تم اختياره ليدير الوقف. إذًا فقد بدأت القصة بتقدير الدين للعلم وتمجيده، وسنرى أنها ستنتهي بتقديره أيضًا.

أعجبني ارتباط وجود أدهم بالبيت الكبير وحديقته التي تمثل الجنة التي طُرد منها بالسيادة، وأنه لم يفهم معنى الشقاء إلا بعد خروجه منه أو (منها) بعد وسوسة أخيه الأكبر إدريس –والذي يرمز للشيطان- ووسوسة زوجته أميمة -التي رمزت لحواء-. أعجبني أكثر حنين أدهم إلى تلك الجنة ورغبته الصادقة في العودة إليها واستشعاره الندم على فقدها.

في لحظات يبدو فيها محفوظ كما لو كان متعاطفًا مع إدريس الأخ الأكبر؛ والذي طُرد من البيت لمّا رأى تفضيل أدهم عليه، وقد لفتني ادعاء إدريس أنه تعلم الفظاظة مع الناس من موقف طرده من البيت الكبير! لكن محفوظ مع ذلك حريص على إبراز الفروق بين أدهم وإدريس. إدريس عندما طُرد من البيت تواقح ولم يبد خجلًا ولا ندمًا على ما بدر منه من خطأ، بل أسرف على نفسه وتمادى في ارتكاب المزيد من الأخطاء، وهو ما لم يفعله أدهم. كما أن المرأة التي مع إدريس حملت من الزنا، أما أدهم فكان قد تزوج من أميمة.

في حوار أدهم مع أميمة زوجته عن قيمة العمل، ومقارنته حاله في البيت الكبير حيث طيب العيش بلا عمل وكد، بالشقاء الذي يحياه مع العمل الكاد، كان أدهم يرى العمل لعنة، وكان يحلم بالعودة إلى البيت الكبير الذي يمثل الجنة.

هنا ظهر أن لإدريس رمزية أخرى في الرواية أوسع من كونه إبليس شيطان الجن، فقد امتهن إدريس بعد طرده قبل أدهم من البيت كل ما يُزري من عمل، فلم يعمل عملًا شريفًا قط، وتحصل من ذلك على مال أوفر مما تحصل عليه أدهم بعد طرده. أيضًا في تعاملهما مع الناس بدا الاختلاف بينهما. هنا كان إدريس رمزًا للشر البشري وليس فقط للشيطان، أو ربما يصاحب القارئ هذا الشعور في تلك المرحلة من الرواية بعدما نجح الكاتب في إبعاد خياله عن قدسية القصة الأصلية إلى واقعية القصة الأرضية التي بناها محفوظ محاكاة لها.

والحوار عن العمل في الحارة سنراه يتكرر بعد ذلك بين جبل (موسى) وزوجته، فهو يحلم بجنة بلا كد وشقاء، وزوجته تفيقه من أحلامه. كما سيعاود محفوظ بحث ذات الفكرة في قصة قاسم (محمد) بعد أن انقلب حاله إلى الرخاء بعد زواجه، لكن حال أهل الحارة السيء كان يتعسه، وكذا في قصة عرفة (رمز العلم) بعد أن سكن وزوجته بيتًا هو صورة مصغرة من البيت الكبير.

قدري وهمام (قابيل وهابيل)

كان الأخوان التوأم قدري وهمام أو (قابيل وهابيل) -بعد ظهورهما في القصة- الرمز الحقيقي والأوضح لتواجد الخير والشر في النفس الإنسانية، وليس الأخوين أدهم وإدريس (آدم وإبليس)، وحواراتهما كانت موحية كأن الملاك والشيطان يتحاوران في نفس واحدة.

كانت الفروق بينهما بادية في تقييمهما للجبلاوي. وبينما والدهما أدهم لا يذكر الجبلاوي إلا بالإجلال، يبرر همام ذلك بأنه مؤمن بعدالة ما نزل به من عقاب، بينما يرى قدري أنه فقط طامع في عفوه. الأهم أن همام يتفق مع أبيه في إجلال الجبلاوي بينما يوافق قدري عمه إدريس ويتسافه في حق الجبلاوي، ولا يعجبه أباه؛ فهو يكرر ادعاءات عمه إدريس عن فظاظة الجبلاوي وأنه وعمه ليسا إلا على الشاكلة نفسها!

أجمل لافتة من محفوظ في هذا الحوار كانت عندما واجه همام قدري بأنه يبطش بالناس لأسباب أهون مما استحق عليه أباهما العقاب! وقد أكد محفوظ على هذا المعنى مرارًا، فكأنه أراد أن يقول إن الظالم الذي لا يتورع عن البطش بغيره من البشر لا يرى نفسه مستحقًا للعقاب ممن هو أعلى منه قدرًا مهما أجرم، بينما الودود الطيب يندم على أدنى شيء تقترفه يداه، ويتقبل ما يلحقه من جزاء عليه.

في الجزء التالي من قصة التوأم بدت تصرفات محفوظ وعدم اقتباسه مواقف القصة الأصلية المقدسة كما هي. كان التمييز بين همام (الخير) وقدري (الشر) في السماح لهمام وحده بالذهاب إلى البيت الكبير (الجنة)، فليس ثمة قربان أو ما يشبهه. كانت الدعوة التي وُجهت لهمام دون قدري للذهاب إلى البيت الكبير تكرارًا للمشهد الأول عندما احتج إدريس على تكليف أدهم وحده بالاعتناء بالوقف. كان سبب دعوة همام وحده لدخول البيت الكبير، واستبعاد أخيه قدري وهند ابنة عمهما إدريس؛ كونهما ملوثان بالعار لعلاقتهما الآثمة، وهذا البيت (الجنة) لا يدخله من لوث نفسه.

عند زيارة همام للبيت الكبير وحديقته أجاد محفوظ في وصف مشاعره، فكأنه ينتمي إليه رغم أنها أول مرة يخطوه فيها، وكأن أدهم عاش في الحديقة (الجنة) ليورث ذريته محبتها والتوق إليها. وظهر بعدها العرض لهمام بأن يعيش في هذا البيت ويتزوج فيه بفتاة جميلة.

كما كان مشهد قتل قدري لهمام خطأ مخالفًا تمامًا للمشهد في القصة المقدسة، فلا خلاف على الفتاة التي أحبها قدري، ولكنه حسد من قدري لهمام لأنه سيحظى بدخول البيت الكبير، بينما قُضي عليه باستمرار العذاب والعناء خارجه.

الدرس الأكبر هنا جاء في حوار أدهم مع ابنه القاتل، عندما اكتشف أن الشر لا يوجد فقط في كوخ إدريس (إبليس)، الذي لا يزيد نصيبه من الشر على أن يعربد ويوسوس، بل هناك قدرة خفية كبرى على الشر داخل كوخه (داخل النفس البشرية)، وهي القدرة على القتل التي لا يقترف إدريس مثلها!

والأهم كان مشهد عفو الجبلاوي عن خطيئة أدهم تقديرًا لندمه. جاء العفو عن أدهم عندما شارف على الموت. مات أدهم وأميمة وإدريس، ووُعِد أدهم بأن يكون الوقف لذريته كلهم، فهل كان؟!

جبل (موسى)

بدأ هذا الفصل بوصف الحارة بعد أن اختطت وتوسعت وزاد سكانها. والحارة هي رمز الأرض المعمورة على اتساعها. تلك الحارة التي يصفها محفوظ أنها لم تعرف العدالة أو السلام منذ أن طُرد أدهم وأميمة من البيت الكبير.

الملاحظ هنا أن محفوظ، وبعد أن قطع كل هذه المسافة من الرواية حتى كساها لحمًا ودمًا، وصارت قصة آدمية كققصنا، حتى أنك تدقق كثيرًا لتعرف إلى من ترمز الشخصيات الرئيسية –والتي لم أدركها إلا بعد ظهور شخصية جبل-، ورغم عدم وجود ضرورة درامية لاستمرار وجود الجبلاوي كشخصية مستترة وسط قصته الأرضية إلا أن رمزيته الإلهية الأولى حالت دون اختفائه تمامًا من المشهد، فالجبلاوي موجود في بيته، وإن كان لا يتدخل في سير الحوادث إلا في لحظات حاسمة.

كان أهم ما في حارتنا في هذه المرحلة هم الفتوات، وهم فئة من الآدميين يعيشون على مص دماء غيرهم من الكادحين. كان هؤلاء الفتوات من ذرية إدريس. ويساويهم في الأهمية ناظر الوقف، وقد مثّل فرعون في قصة جبل، الذي اطمأن إلى حماية الفتوات، وبلغ بهم قمة الهرم الاستغلالي. واختفى العدل والرحمة والشهامة والزهد والنزاهة من حياة الناس، وعاش الناس في فقر وذل صابرين. وكان من أكثر ما يلفت هو تلك المسبحة التي لا تغادر يد ناظر الوقف، وهي دلالة على تمسح الطغاة كثيرًا بالدين.

ثم بدأت ثورة آل حمدان (بني إسرائيل)، وقرروا أن يشكوا إلى ناظر الوقف كونه أيضًا من أبناء أدهم وأميمة؛ فهو قريبهم. ورغم الضنك الذي عاشه هؤلاء الفقراء من أبناء أدهم لم يتدخل الجبلاوي.

هنا تظهر شخصية جبل (موسى)، وهو من آل حمدان، ولكن ربّته هدى هانم زوجة ناظر الوقف (امرأة فرعون) في بيتها. جبل لم يكن لقيطًا كما في قصة موسى، واكتفى محفوظ بالتشبيه؛ فحكى أن هدى هانم زوجة الناظر قد وجدته يسبح وهو صغير في بركة ماء عوضًا عن تابوت الماء في النهر في القصة الأصلية، فعلمت أنه يتيم وضمته إليها.

كان اختيار الاسم عبقريًا، فالجبل هو أقوى ما خلق الله، كما أنه مشتق من اسم الجبلاوي، ولهذا دلالته على ما يصر عليه اليهود من أنهم شعب الله المختار. كما أن عنوان رسالة موسى كان "القوة".

المهم أن جبل ذاته الذي يحتدم لديه الصراع بين أهله المظلومين وبين أولياء نعمته هو من يتعجب في بداية الأمر لعدم تدخل الجبلاوي!

ثم إذا بجبل يقتل أحد الفتوات خطأ أثناء تخليصه أحد أقاربه من آل حمدان من بين يديه. ولمّا اختفى الفتوة سعى كبير الفتوات لدى الناظر لأجل السماح بتأديب آل حمدان مرة ثانية لشكه أنهم قتلوا ذاك الفتوة، فكان مشهد تخيير جبل بين البقاء في بيت الناظر واللحاق بأهله من آل حمدان. أعاد هذا المشهد التذكير بمشهد طرد أدهم وأميمة من البيت الكبير.

كان جبل في قصة محفوظ رمزًا للشهامة والنجدة في نجدته لقريبه المظلوم من يد الفتوة، ثم في هربه خوفًا على أهله لأنه قتل لإنقاذ واحد منهم، ثم في مشهد نجدته للفتاتين في السوق المزدحم وسقايته لهما، وهو المشهد المحاكي لما في القصة المقدسة.

ثم كانت دعوة أبيهما له، ثم زواجه من إحداهما. كانت مهنة أبي الفتاتين ليست إلا رمزًا لإدخال الثعبان في حكاية محفوظ؛ فقد كان أبوهما حاويًا! وامتهن جبل مهنة حميه حتى وجده دعبس، وهو الرجل الذي قتل لأجله الفتوة. وكما لم يكن الثعبان أكثر من خلفية للقصة، فقد كان الراعي وغنمه في جوار جبل عند حواره مع دعبس، بعد أن وجده صدفة ليخبره بتطورات الحوادث في الحارة بعد غيابه.

كانت عودة جبل في قصة محفوظ إلى الحارة لأنه أدرك أنه لا مقام له إلا فيها، وهذا معاكس للهدف من عودة موسى في القصة المقدسة، فما عاد موسى إلا ليأخذ قومه ويساعدهم على الهجرة. والأهم أنها كانت عودة بأمر الجبلاوي بعد أن قابله ووعده بالنجاح، ورأى جبل في هذا مؤشرًا على أن آل حمدان أحب أهل الحارة للجبلاوي.

في قصة محفوظ لم يكن ثمة أثر لشخصية هارون؛ فهي تفصيل لا داعي له وفقًا للهدف من الرواية؛ كما لم يأتِ ذكر أي تفصيل مقارب لتلك الابتلاءات التي ابتُلي بها قوم فرعون؛ فلا ضفادع ولا قمل ولا دم ولا.... فقط كانت الثعابين استحضارًا لملمح رئيسي في القصة الأصلية وتوظيف له في دور يخالف دوره الأصلي، وإن كان يشترك معه في إرعاب هؤلاء الطغاة.

بعد أن واجه جبل الناظر أول الأمر وحده في محضر من هدى هانم، ابتكر محفوظ وسيلة لتقريب القصتين وهي مهنة جبل للحواية، ودعوته من قبل الناظر لطرد الثعابين التي انتشرت في الحارة، والتي استغلها ليأخذ مقابلًا لتلك الخدمة وعدًا وكلمة شرف بحفظ كرامة آل حمدان وحقهم في الوقف. ولم ينس جبل أن يخبر الهانم التي ربته أنه لولا حاجة أهله ما اشترط شرطًا فيه خدمة لها، وهذه لفتة تؤكد شهامة جبل عند محفوظ، وإن كانت كلمة الشرف تلك لم تكن أكثر من كلمة لم يتم الوفاء بها من قِبل الناظر.

كان مشهد الحفرة المغطاة التي سقط فيها الفتوات، الذي اصطنعه محفوظ ليحاكي انشقاق البحر في القصة المقدسة رائعًا. كان أرضيًا لا علاقة له بالمعجزات، استخدم فيه البشر ذكاءهم واجتماع أمرهم مع قائد يأتمرون بأمره على عدوهم؛ فنجحوا ونجوا، وهي إشارة أقوى من أي استلهام لحدث أشبه بالمعجزة طالما نتحدث عن قصة تقترب من الواقع البشري.

على العكس من القصة المقدسة لم يكن الناظر (فرعون) ضمن من هاجموا ربع آل حمدان وسقطوا في الحفرة وماتوا. ونجد مشهدًا يواجه فيه جبل الناظر والهانم زوجته مرة أخرى بعد مقتل الفتوات معاودًا المطالبة بحقوق آل حمدان، واستطاع أن يحصل على حقوقهم. لكن هل رضوا بقسمته العادلة بينهم التي لم ترعَ تفاوت منازلهم؟! وماذا عن حقوق باقي أهل الحارة الذين لم يوص بهم الجبلاوي جبل؟! هذه الأخيرة إشارة لخصوصية رسالة موسى في بني إسرائيل.

في مشهد مهيب أصر فيه جبل على أن يقتص رجل ضعيف المنزلة من آل حمدان من دعبس؛ وهو الرجل الذي قتل جبل الفتوة لأجله، ويبدو صديقه؛ فالعين بالعين. يتحدث محفوظ عن ضرورة إقامة العدل، ويدافع عن القصاص فليس بقسوة إلا على المعتدي، وهو في المقابل رحمة بصاحب الحق. ويذكر بأن البشر لا يكرهون الفتونة إلا عندما تكون عليهم، أما إن رأى أحدهم في نفسه قوة فهو يسارع إلى ظلم من هو أضعف منه. غضب جبل واشتد غضبه لأجل ذلك، هنا جبل لم يعد رمزًا للشهامة فقط بل رمزًا للقوة العادلة.

صاروا آل جبل بعد أن كانوا آل حمدان. لبث جبل فيهم رمزًا للعدالة والقوة وإقامة النظام حتى مات، لكنه لم يهتم بحقوق باقي أهل الحارة، وإن لم يعتدِ عليهم.

رفاعة (المسيح)

ذهب عهد جبل ونسيت الحارة القوة العادلة؛ فآفة حارتنا النسيان. عادت القسمة ضيزى بينهم في الأرزاق، ووُلِد فتوات جُدد، حتى خاف الناس على مواليدهم الخطف.

يبدأ الفصل برجل نجار من آل جبل يهرب من الحارة إلى سوق المقطم بامرأة حُبلى، والتي توشك أن تضع حملها؛ مخافة أن يُسلب الوليد كما فُعل بطفل آخر.

ولا يحكي محفوظ أي شيء عن حياة الثلاثة في منفاهم الاختياري حيث أمنوا، ولكنه يلتفت مباشرة إلى عودتهم إلى الحارة بعد أن شب الغلام ومات الفتوة الذي كان الهرب مخافة منه.

بعد عودته إلى الحارة يبدأ الشاب رفاعة في التعرف عليها كونه لم يخبرها من قبل. كان غرام رفاعة الاستماع إلى حكايات الشاعر، وأحاديث زوجته أم بخاطرها عن العفاريت. بدأت تعلمه أسرارها. كانت تقول: لكل إنسان عفريت هو سيده. لكل عفريت دواءه، لكن ما دواء ناظر الوقف وفتواته؟

دارت حوارات كثيرة تتحدث عما ينقص الحارة، وبينما آل جبل يتحسرون على عهد جبل حيث كانت القوة العادلة، لم يكن رفاعة ناظرًا إلى الوقف وتوزيع الأنصبة كما كان ينظر جبل. اعتقد أنه لم تكن مطالبة جبل بالحق في الوقف طمعًا فيه في ذاته وإنما طمعًا في تلك الحياة الهانئة التي طالما حلم أدهم في العودة إليها، ولكن كان ظن جبل أن تلك الحياة الغنّاء لن تُنال إلا بالقوة العادلة بين الجميع. على العكس منه فرفاعة يظن أن ما ينقص الحارة حقًا هو الرحمة.

ويبدو من حديث رفاعة في البداية ذات الاستفسارات عن اختفاء الجبلاوي التي سبق أن تحدث بها جبل قبل أن يرى الجبلاوي، ثم كانت غيبة رفاعة في الخلاء ثم عودته فجأة، ثم إعلانه لأبيه أنه كان جالسًا بجوار سور البيت الكبير، وأنه سمع صوتًا ظنه صوت الجبلاوي. اللافت هنا هو العبارات الوجيزة الحاملة لفلسفة ترك البشر لأقدارهم، فبينما يطالب رفاعة الجبلاوي بالتدخل لإنصاف المظلومين، يخبره الجبلاوي أن عليه هو أن يفعل، عليه أن يعرف سر قوته، وألا يظن بنفسه الضعف، فلا يظن ذلك إلا الأغبياء.

كان أول موقف يقفه رفاعة دفاعًا عن الضعفاء رحمة بهم دفاعه عن ياسمينة الفتاة اللعوب التي تفاوتت آراؤهم ما بين جلدها أو قتلها بعد أن رُؤيت تخرج من بيت فتوة الحارة. لم يسمح لهم رفاعة بذلك في موقف يُذكِّر بموقف المسيح من المجدلية عندما قال لمن أرادوا رجمها: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". وفي قصة محفوظ كان تخليصه إياها بزواجه منها، وإن كان زواجًا شكليًا يرمز إلى الرهبنة في المسيحية.

على العكس من جبل، لم يخص رفاعة آل جبل باهتمامه. كان ذلك في أول أمره فقط، لكنه بعد ذلك أدرك أن ليس هناك معنى لفكرة أن آل جبل هم أفضل الناس، واقتنع أن الطيبين يمكن أن يكونوا من أي قوم، وهذا رمز لعمومية الدعوة إلى المسيحية وتبشيريتها على عكس خصوصية اليهودية في بني إسرائيل. كما كان انتقاله إلى حي آخر بجانب حي جبل رمزًا لنشوء المسيحية كديانة مستقلة إلى جانب اليهودية.

قرر رفاعة أن يذهب إلى المرضى لطرد العفاريت (الشرور الداخلية) منهم. بينما جبل كان يخرج الثعابين من الجحور كان رفاعة يخرج العفاريت من النفوس. بالنسبة لرفاعة كانت القوة الحقيقية التي ينشدها هي أن يحارب كل إنسان عفريته الداخلي، أن يجاهد نفسه، وليست قوة الفتونة. هذا هو الفرق بين رسالة رفاعة ورسالة جبل.

لم ير رفاعة السعادة في القوة والجاه. لكن بالرغم من أن رفاعة لم يتحدث مطلقًا عن الوقف، ولم يدع الناس إلى الثورة على الفتوات، إلا أن خبر اتصاله بالجبلاوي قد وصل إلى أسماعهم وأزعجهم، فبدأ الفتوات في التحرش به؛ خاصة فتوة الحي الذي يسكنه، والذي فوجئ بمحبة ضعفاء الحي لرفاعة ودفاعهم عنه حتى هاجموه ولم يأبهوا! زاد هذا الموقف من مخاوف ناظر الوقف والفتوات أن يزداد حب الناس في الحارة بأكملها لرفاعة حتى يجتمعوا تحت قيادته ويبدأوا المطالبة بالوقف.

في حواره مع الفتوات وناظر الوقف أصر رفاعة على ألا أهمية لديه للقوة والجاه وليسا هدفه، بل ولم يعترف أن مفهومه عن السعادة هذا قد سمعه من الجبلاوي. كان الفتوات في المقابل تارة يتهمونه بأنه ما هو إلا عاجز عن امتلاك القوة والجاه وليس أنه غير مكترث بهما. تارة أخرى يتهمونه أنه يوحي للناس أنهم مرضى وأنه شافيهم.

جاءت رفاعة الخيانة في قصة محفوظ من ياسمينة، تلك التي أنقذها من الموت وتزوجها رأفة بها. وشت به إلى كبير الفتوات أنه سيهرب ومعه أصحابه من بيته إلى بيت أحدهم عبر أسطح البيوت المتلاصقة قبل الفجر. ولم يفت محفوظ ذكر اجتماعه بهم للعشاء. هنا تشتد المحاكاة بين نسيجي القصتين؛ قصة محفوظ والقصة الدينية الإسلامية والمسيحية.

ولأن ياسمينة قد خانته فقد علم الفتوات بموعد وطريقة هروب رفاعة وأصحابه، فهاجموهم على السطح، فهرب الأصحاب، واقتيد رفاعة إلى الخلاء وقتله الفتوات غربي صخرة هند ثم دفنوه، بعدها أتى أصحابه فاستخرجوا جثته وحملوها حتى دفنوها بالمقابر. ثم كان أن ظفروا بياسمينة الخائنة وقتلوها. نجاح الفتوات في قتله جاء محاكاة للقصة من المنظور المسيحي.

أما أصحابه فقرروا إعادته إلى الحياة عن طريق الاتصال بمحبيه، وتلقينهم أسرار علمه لتخليص الأنفس من العفاريت. كانت تلك هي القيامة التي اختارها محفوظ في قصته البشرية.

ثم كان أن انتقم أحد أصحابه من الفتوات، وقتلوا منهم تباعًا، وزاد هؤلاء في إرهاب أهل الحارة حتى اشتعلت الثورة، ووصل الأمر إلى القتال. انتصر فيها أصحاب رفاعة، وصار لهم مكانة، وعلت مكانة رفاعة إلى ما لم يكن يحلم به في حياته، خاصة بعد ما تناقله بعض الناس عن أن الجبلاوي قد حمل جثته ودفنها في حديقته الغنّاء. وظهر اختلاف بين أهل الحارة حول مصير رفاعة، وهو مماثل لاختلاف البشر حول طبيعة المسيح ومصير المسيح.

لم يفت محفوظ الإشارة إلى اختلاف أصحاب رفاعة من بعده، فمنهم من أصر على أن رسالته هي مداواة المرضى واحتقار القوة والجاه، ومنهم من قرر عدم الزواج مثله، أما صاحبه الذي حارب الفتوات بعده فكان أقرب إلى خُطا جبل وكان يؤمن بالقوة العادلة، وأنه ما أن توزع الأنصبة بين الناس بالعدل فهو الخير، ولكن السعادة ممكنة بدونه.

قاسم (محمد)

بدأ الفصل بوصف للحارة التي يبدو أنه لا تختلف فيها سوى التفاصيل؛ فهذا الجبلاوي في البيت الكبير لا يظهر، وناظر الوقف وفتوة الحارة وباقي فتوات الأحياء الفرعية، وحال الناس كما هو لأن الظلم ما يلبث أن يعود.

لكن بالرغم من ذلك كان لافتًا أنه لم يعد حي جبل (اليهود) وحده من له الفخر، ولكن كان لحي رفاعة (المسيحيون) مثله. مع الفارق أن حي جبل كانوا شديدي الفخر بأن الجبلاوي لم يكلم أحدًا سوى جبل؛ ولهذا –ووفقًا لتعبير محفوظ- قلّ أن أحبهم أحد.

من وسط الأحياء الأخرى التي ليس لها قيمة ظهر قاسم في حي الجرابيع. يروي محفوظ قصته منذ كان صبيًا يتيمًا في حجر عمه وزوجة عمه. بالرغم من ذلك كان له قرابة بفتوة حيهم، فهو نسيب في أهله.

كان المعلم يحيى من حي رفاعة، وقد أعطى الطفل قاسم حجابًا ليحفظه. وهو مشهد يحاكي به محفوظ لقاء الراهب بحيرا بالرسول محمد في صباه.

ولم يخل كلام المعلم يحيى من حديث عن رفاعة (المسيح)، فكيف نبت بهذا التسامح في تلك الحارة؟ وكيف أن آل جبل (اليهود) لا زالوا يحقدون عليه على العكس من آل رفاعة (المسيحيون) الذين يقدسونه. ثم كان السؤال الذي وجهه للصبي: هل تحب أن تكون مثل رفاعة أم فتوة؟ ولم يستطع الصبي أن يجيب عليه لصغر سنه، لكنه في شبابه عرف كيف يمسك العصا من المنتصف فتجتمع له القوة والمحبة.

في مشهد رعي قاسم للغنم وظّف محفوظ المفارقة بين حنانه على غنماته التي يرعاها وقسوة الفتوات على أهل حارته. كان قاسم كرفاعة محبًا ودودًا لا تمتد يده بأذى نحو مخلوق، لكن كان أكبر فارق بين قاسم ورفاعة في رأي المعلم يحيى أن قاسم يحب النساء، ولم ير قاسم في ذلك عيبًا. وتطور الحوار ليشمل مقارنة بين جبل ورفاعة أيضًا. كان حديثًا عن الطيبين القليلين في حارتنا!

كان قاسم يرعى فيما يرعى نعجة للسيدة قمر (السيدة خديجة)، وهي سيدة غنية من حيهم. كانت أربعينية جميلة محتشمة، وحنونة عطوفة على قاسم الذي افتقد حنان الأم في صغره.

كان حسن ابن عمه أصغر منه، كان طويل القامة متين البناء، ويحب ابن عمه حبًا جمًا. وواضح تمامًا أنه رمز لسيدنا علي. وكان لقاسم أيضًا صديق عطوف نحيل في مثل سنة يسمى صادق، وهو رمز للصدِّيق أبي بكر.

حدث أن سُرقت محفظة أحد الرجال في الحارة، واختلف الفتوات على أي الأحياء يبدأ بها التفتيش للعثور على المحفظة، ثم جاء تدخل قاسم ليفض الخلاف ويعطي الحل ليكون محاكاة درامية لمشهد خلاف سادة قريش على نقل الحجر الأسود عندما تهدمت الكعبة في عهد الجاهلية وأعادوا بناءها، والذي كان أول حدث برزت فيه حكمة سيدنا محمد، وعلا به قدره. كان حادث سرقة المحفظة سببًا لإعجاب الناس بحكمة قاسم، وهو ما تخوف منه عليه المعلم يحيى أن يستفز الفتوات.

لكن هذا الحدث كان أيضًا المفتاح الدرامي الذي استخدمه محفوظ ليكون بداية إعجاب السيدة قمر بقاسم، وحديث جاريتها معه عن أمر الزواج بها، فقد صار في منزلة الفتوات دون سفك دماء، وهذا ما أعجب السيدة الكريمة التي طالما رفضت أكابر رجال الحي، فرأت في تهذيبه الكفاية، كما أن لديها من المال الكفاية. وفي هذا محاكاة لأمانة سيدنا محمد وصدقه اللذين كانا سبب إعجاب السيدة خديجة به.

وكان قاسم عند ظن السيدة، بل وعند ظن عمها الذي كان يدير تجارتها قبل زواجها؛ فكان أمينًا على أموالها، وفيًا لها. لم ير في حبها له وسيلة للاستغلال.

كان حوار قاسم مع صادق وحسن ومع نفسه عن السعادة موحيًا. فأدهم (آدم) كان يحلم بالفراغ والمال كونهما طريقًا للسعادة، ولكنه هو (قاسم) صار بعد أن حظي بهما يهرب إلى العمل كأنما يهرب من نفسه، لأن تعاسة الآخرين تفسد عليه سعادته. ويثق فوق ذلك أن أدهم لو كان مثله لضاق ذرعًا بتلك السعادة ولسعى نحو العمل. وتساءل قاسم، لماذا لا ينعم بالسعادة المتاحة؟ كان متأكدًا أن هذا التساؤل قد حيّر جبل كما حيّر رفاعة. وكان لهذا أثره في نزهات صار يقوم بها في الخلاء بدءًا من الأصيل وإلى الليل.

في إحدى المرات افتقدوه حتى عثروا عليه في كوخ المعلم يحيى. عثر عليه جيران للمعلم عند صخرة هند، وهو مغمى عليه، فحملوه إلى كوخ المعلم، الذي تركه لينام بعد أن أفاقه من إغماءته، ليحكي بعد ذلك لقمر في بيته عما حدث له عند صخرة هند.

كانت ليلة من ليالي بداية الشهر يظهر فيها هلال، وكان اختيارًا موحيًا من محفوظ؛ فالهلال ليس فقط رمزًا إسلاميًا بل لأن لقاءه بقنديل خادم الجبلاوي عند الصخرة –والذي أُغمي عليه بعده- كان بداية لقصته الحقيقية التي سيسير فيها على درب جبل ورفاعة، ليكمل ما بدآه، بعد أن اختاره الجبلاوي. برر قنديل له ذلك بأنه لعله اختاره لحكمته يوم السرقة ولأمانته في بيته. والمشهد كله محاكاة من محفوظ للقاء الرسول محمد الأول بجبريل في غار حراء، حيث كان يتعبد منعزلًا عن قومه.

كانت قمر أول من حكى لها قاسم سره فصدّقته، كما كانت خديجة أول من حكى لها محمد. وكان المهم في رسالة الجبلاوي لقاسم تأكيده على العدل والمساواة بين البشر وعدم السماح لفئة بالاستئساد على البقية -وهذا جوهر رسالة محمد-. بهذا تتحقق الكرامة التي طلبها جبل، ويسود الحب الذي دعا إليه رفاعة، ويصبح حلم أدهم بالسعادة حقيقة. والأهم أن الجبلاوي كلّفه أن يحقق ذلك بنفسه! وكان هذا كفيلًا بانقضاء عهد الدعة والراحة.

كان أول من صدّقه بعدها صادق (أبو بكر) وحسن (علي). بينما ظن عم زوجته أنه يريد أن يكون لحي الجرابيع نصيب في الوقف، ويريد أن يكون فتوة وناظرًا للحي. كان تخوف عم زوجته وعمه أن يقتله الأقوياء ويهزأ به الضعفاء، وأن الجبلاوي لن ينصره، ثم لماذا يكلف أحدًا بتحقيق المساواة بين رعاياه ولا يحققها بنفسه؟! وهو تساؤل مكرر سبق أن سُئل لجبل ولرفاعة. وهو نواة القصة في رأيي، فما أراد محفوظ قوله إنه ما لم يتحرك فضلاء البشر ويكونوا فاعلين إيجابيين لن يتزحزح الشر.

وصل الأمر بقاسم أن فسّر كلام خادم الجبلاوي بأن المساواة يجب أن تشمل النساء أيضًا. كانت هذه إضافة لم يسبق أن تحدث عنها جبل أو رفاعة.

كانت مهمة قاسم أصعب من مهمتي جبل ورفاعة، فهي تخص الحارة كلها وليس حيًا من الأحياء (فرسالة الإسلام عامة). وكان سبيله لتحقيقها مزيجًا من سبيلي جبل ورفاعة، سيرفع النبابيت كما رفعها جبل (موسى) لأجل تحقق الرحمة التي نادى بها رفاعة (المسيح)؛ فقوة جبل عند الضرورة وحب رفاعة في جميع الأحوال. قوة للقضاء على الفتونة وليس لأجل نيلها أو إرسائها. وإن تحقق ما يريد لا حاجة بالحارة إلى أن يأتي أحد بعده، فهو الخاتم.

كان النادي الرياضي الذي افتتحه قاسم في حوش بيته بغرض جمع الشباب لتقوية أبدانهم وأرواحهم، وبذا يجمع عُصبة حوله. وهي إشارة إلى اهتمام الإسلام بالجسد وليس الروح فحسب كما هي النظرة المسيحية.

واقترح صادق عليه دعوة المتعطلين والمتسولين، فتحمسوا لألعابه وأقواله. وكان من أقربهم إليه عجرمة وشعبان وأبو فصادة وحمروش. وهذه إشارة أخرى إلى اتباع الضعفاء لمحمد فهم أكثر من يفتقد المساواة.

ونتيجة لكلمة زلق بها لسان عجرمة. تخوفوا من عواقب الكلمة، وذهب قاسم إلى محام شرعي وأخبره عن نيته في رفع قضية بخصوص الوقف، مع تأجيل رفع الدعوى إلى حين، فإذا بالمحامي النذل الذي قبض مقدم الأتعاب هو الذي يكشف ما يهدف إليه من مساواة بين أهل الحارة، ويشي بالأمر إلى ناظر الوقف وفتوة الحارة.

دار حوار طويل بين قاسم والناظر، ظهرت فيه شخصية لم يحسب أنها موجودة داخله، وأعلن للناظر أنه لا يريد شيئًا من الوقف لنفسه وإنما يريد العدل للجميع! وبذا تتحقق شروط الواقف. وكانت العاقبة أن سُجن قاسم في بيته ومُنع أصحابه من زيارته إلا ابن عمه حسن. وقام فتوة حي الجرابيع بمضايقة أصحابه، ومنعهم من الاقتراب من بيته، بل طالته هو أيضًا المضايقات. وهذا شكل من أشكال المحاكاة لعزل قريش محمد وأصحابه في شِعب أبي طالب.

أما أعجب ما لاقاه قاسم كان تكذيب آل جبل وآل رفاعة به، وهي إشارة إلى تكذيب أهل الكتاب برسالة محمد. وكان فتوتا الحيين يدعيان لأهل حيهما زورًا أن قاسم ينتقص من جبل ورفاعة!

وكان أن مات شعبان، أحد أتباع قاسم، بعد أن ضربه فتوة الحي. وبعده قرروا الهجرة دفعًا للأذى عنهم، وأن يقيموا ناديهم في الخلاء حتى يكثر عددهم ويعلو أمرهم. ولأن الشجاعة هي أخطر ما يلزم حارتنا فقد قرروا أن تكون القوة سبيلهم لتحقيق العدل والرحمة والسلام.

لكن قاسم ذاته لم يبرح داره، ومرضت قمر مرضًا أخفته عنه في بدايته، حتى اشتد عليها، ثم كانت النهاية المحتومة. ورغم عزاء الناظر والفتوات له، فقد كانوا يخفون غدرًا. بعد موت قمر علم قاسم أن مؤامرة تُحاك لقتله، فخطط للهجرة هو أيضًا. وكانت بدرية أخت صادق الصغرى هي مرساله إليه ليخبره بأمر المؤامرة وترتيب الهجرة سويًا.

كان هربه منهم معجزًا لكن محفوظ لم يعتنِ بإدخال تفاصيل في حوادث قصته تشبه حوادث القصة الأصلية لهجرة سيدنا محمد إلى المدينة المنورة. فقط هو هرب منهم فلم يروه رغم قربه منهم؛ إذ هبط من السطح بعدما كانوا قد دخلوا شقته، وأفضى به السلم إلى حوش المنزل ومنه إلى شوارع الحارة. وهذا هو وجه الشبه الوحيد حيث يذكرنا بخروج الرسول محمد أمام المشركين المحاصرين لداره الذين عجزوا عن رؤيته. وكانت لمحفوظ إضافاته الدرامية التي أوضحت أنهم حاولوا ملاحقة قاسم أثناء هربه مثلما حاول المشركون قديمًا ملاحقة سيدنا محمد. واستقر بقاسم وأصحابه المقام في حيهم الجديد فوق جبل المقطم. واستقبله من كان قد سبقهم إليه من أصحابه وهم يهللون وينشدون. ثم كان زواجه ببدرية (السيدة عائشة).

كان هجومهم على زفة فتوة حيهم سوارس بعد أن كثر عددهم، أول هجمة يعلنون فيها قوتهم، وانتقموا للقتيل شعبان بقتل سوارس. كان هجوم قاسم ليس لأجل الفتونة بل للقضاء على الفتونة. كان يُقاتل للقضاء على عهد الدم والإرهاب! ثم كانت الغنيمة عندما ساق الغنّام أغنام الحي إليهم فوق الجبل معلنًا انضمامه إليهم، فكانت عوضًا عن أموالهم التي نهبها الفتوات منهم في الحارة. والمشهد بأكمله يحاكي التفاصيل الرئيسية ونتيجة المعركة في غزوة بدر.

لكن لم تكن محاولة فتوات الحارة الانتقام محاكية لغزوة أحد في نتيجتها، وإنما اقتصرت المحاكاة على تفاصيل المعركة، فأنصار قاسم أعلى الجبل، مع استبدال الرمي بالحجارة كبديل للرمي بالسهام، كما أن أنصار قاسم انخدعوا بالهجوم عليهم من الناحية الأخرى البعيدة من الجبل! ثم كادوا ينهزمون عندما حاول البقية الباقية من رجال الحارة الصعود من الجهة المعتادة إلى أعلى الممر الموصل إلى حي قاسم فوق الجبل، وكان هناك رماة الحجارة يحاولون منعهم من الصعود، ولم يتركوا أماكنهم كما ترك الرماة أماكنهم في غزوة أحد لأن محفوظ أراده نصرًا ثانيًا لقاسم وأنصاره. وإن كانت المعركة السابقة قُتل فيها فتوة حي الجرابيع سوارس، فهذه المعركة قُتل فيها فتوة الحارة أجمع لهيطة، ليفر فتوتا حي جبل وحي رفاعة مع من فر، ويتفقا أمام ناظر الوقف على عدم التنافس على فتونة الحارة، ويتعاهدا على ذلك. أما حي الجرابيع (حي قاسم) فقد هاجر عن بكرة أبيه والتحقوا بابن حيهم المنتصر. وهذه تفاصيل درامية من محفوظ لم يلتزم فيها بالخط الرئيسي الذي اعتمده في روايته؛ بعدم التشعيب في تفاصيل رئيسية لا يوجد ما يحاكيها في القصة الواقعية.

ثم كان اتفاق الناظر مع فتوتي حي جبل وحي رفاعة؛ جلطة وحجاج، على أن يستبدلوا خطتهم للقضاء على قاسم وأتباعه بعد أن كثروا؛ وذلك بأن يحاصروهم لا أن يقاتلوهم؛ فيمنعوا عنهم الخروج من المسلكين المفضيين إلى الموضع الذي يتحصنون به من الجبل. وكان هذا محاكاة لفكرة غزوة الخندق.

لكن في الليلة السابقة على تنفيذ خطة الحصار قُتل حجاج فتوة حي رفاعة! واتجهت الأنظار إلى جلطة فتوة حي جبل؛ اتهامًا بأنه من فعلها لتخلص له الفتونة، وعلى إثر ذلك نشبت معركة بين رجال ونساء حيي جبل ورفاعة، وانتفض الرفاعية ضد فكرة أن يُقتل فتوتهم ثم يحكمهم فتوة من حي جبل.

ولكن فجأة ظهر قاسم ومعه رجاله داخلين الحارة من أجنابها، معلنًا أنه لا يريد أذى لأحد، وإنما أن يكون الجميع أبناء حارة واحدة، والوقف للجميع. بالرغم من ذلك رفض جلطة وعصبة قليلة معه وقاتل دفاعًا عن فتونته حتى هزمه قاسم ورجاله. كانت تلك آخر معركة خاضها قاسم وانتصر فيها، وتم نصره بأن صار ناظر الحارة بعد هرب الناظر. صارت الحارة لأول مرة بلا ناظر يستغل ولا فتوة يستذل، بل يحكمها سيد بأخلاقه. وهذا هو المشهد الذي حاكى به محفوظ فتح مكة وسيادة المسلمين العالم في عهدهم الأول.

وكان المشهد التالي الذي اختاره محفوظ ليحاكيه في قصة قاسم هو مشهد حجة الوداع، وهو حدث ولا شك عظيم. كان موقع الحج هو بيت الجبلاوي، حيث وقف قاسم أمام البيت الكبير، ودعا جميع أهل الحارة رجالًا ونساءً من الأحياء كافة، فتجمعوا حتى اكتظ بهم المكان، فلا تمييز بين أهل حي وحي، أو بين فرد وفرد، أو بين رجل وامرأة. ووعدهم بالعدل والمساواة، وصدق ففعل؛ حيث وزّع ريع الوقف على الجميع بالعدل، ونعِم الجميع بالوحدة والسعادة والمساواة.

وصف محفوظ لقاسم كان رائعًا. قال فيه: "رأى الجرابيع فيه طرازًا من الرجل لم يوجد مثله من قبل، ولن يُوجد مثله من بعد. جمع بين القوة والرقة، والحكمة والبساطة، والمهابة والمحبة، والسيادة والتواضع، والنظارة والأمانة، وإلى ذلك كله كان ظريفًا بشوشًا أنيقًا، وعشيرًا تطيب مودته، فضلًا عن ذوقه الجميل وحبه الغناء والنكتة". وافتخر به الجرابيع حتى عُرف حيهم بحي قاسم، وهو ما يحاكي أن المسلمين يُعرفون بأمة محمد.

تحدث محفوظ أيضًا عن تزوجه مرات أخرى مع حبه لبدرية، ولم تكن الحارة بحاجة إلى تفسير وتعليل لذلك. ونعمت الحارة فترة بالسلام حتى ظنوا أن النسيان لم يعد آفتها!

عرفة

بانتهاء محفوظ من قصة قاسم يكون قد حاكى التفاصيل الرئيسية في قصص الديانات السماوية الثلاث. وبعد أن انتهى من قصّ ما يتعلق بعهد كان يسيطر فيه الدين على حياة البشر بدأ بسرد القصة الأخيرة، وهي قصة عرفة؛ ذلك الفتى مجهول النسب من جهة الأب الذي فارقت أمه الحارة قديمًا، ولا يعرف أباه، لكنه فقط يعرف أنه ينتمي إلى الجبلاوي؛ فهو جده، مثلما هو جد جميع سكان الحارة.

قدم عرفة إلى الحارة بعد زمن قاسم بفترة، وبعد أن ساءت الأحوال مرة أخرى كعادتها في الحارة، وعاد البؤس يعشش بين أركانها، وناظر الحي الجديد والفتوات الجُدد يعيثون فيها فسادًا. وكان الناس ما بين مُغيَّب الوعي وراضٍ بالمكتوب وحالم بانصلاح الحال مرة أخرى. يفاخر أهل كل حي من الأحياء الثلاثة بالحارة برجلهم الهمام، لكنهم لا يجاوزون الفخر بهم، بينما أفعالهم أبعد ما تكون عما يفاخرون به!

لم يكن عرفة رمزًا لشخص كما كان الحال بالنسبة لجبل ورفاعة وقاسم، بل كان رمزًا لقيمة مقابلة لقيمة الجبلاوي؛ فكما كان الجبلاوي رمزًا للدين، فهو أي عرفة كان رمز العلم، والذي كان محل استهزاء أهل الحارة في البداية!

ولأن عرفة رمز للعلم بماديته، لم يقبل أن يصدق بأمر الجبلاوي (الدين) والحكاوى التي تشيع عن جبل ورفاعة وقاسم دون أن يرى بعينه، رغم أن عهد قاسم كان قريبًا، وكان ممن عاصروه من لا زال حيًا يتحسر عليه. والعلم كما نعلم لا يُصدق إلا بما يُشاهد ويُجرب. أراد عرفة أن يطلع على الشروط العشرة بنفسه، والموجودة في الكتاب الذي طُرد بسببه أدهم من البيت الكبير إن صحت الحكايات! بل وكان يُشكك أنه في الغالب كتاب سحر، ومنه اكتسب الجبلاوي قوته! وهي إشارات لتشكيك الملاحدة في زماننا فيما جاءت به الأديان وفي شخوص الأنبياء وصدق الحكايات التي تُروى عنهم. لأجل ذلك سعى عرفة إلى الوصول إلى البيت الكبير عن طريق نفق حفره موصل لحديقته. وقتل عرفة عن غير قصد خادمًا للجبلاوي، حزن عليه الجبلاوي فمات!

ولهذا الحدث تصورات كثيرة وأحيانًا متعاكسة عن الرؤى التي يراها محفوظ لعلاقة الدين بالعلم. عرفة الذي يرمز للعلم متيقن أنه ينتمي للجبلاوي رمز الدين، والعلم أيضًا يُعرِّف بالدين ويوصل إليه؛ فعن طريقه وصل عرفة إلى حديقة البيت الكبير (الجنة)، ودخل الغرفة الصغيرة التي توجد بها الشروط العشرة، وهو التصرف الذي كان سببًا في غضب الجبلاوي في بدء الحكاية على أدهم، وطرده له، وحرمانه من التمتع بحديقة البيت الكبير. لكن العلم وإن اقتحم خلوة الدين، ثم إنه أوصل إلى الدين، فقد ظل للدين لديه رهبة، وفي ذات الوقت واجهه بشكل غير مباشر، أدى إلى قتله كرمز مؤثر في حياة الناس، وبقاء أثر منه فقط. وربما يمكن القول إن العلم عندما واجه الدين كان أقرب إلى التصديق به، فعرفة كان يستحضر كل ما ذكرته الحكايات عن البيت الكبير والجبلاوي أثناء اقتحامه للبيت! وهو ما لا يتفق مع محاولاته السابقة للإنكار!

ويظهر إيمان محفوظ المعروف عنه بمسئولية الإنسان عن أفعاله وإيجابيته على الأرض، والذي يتداخل مع معنى الاستخلاف الإلهي عنده، فالابن الطيب يجب أن يحل محل أبيه، أن يكونه! على عكس الأبناء الأشرار (الفتوات) والأبناء اللاهين الذين يصورهم منغمسين في المخدرات وشتى صنوف العربدة.

اللافت أن علم عرفة –ذلك الذي تعارك مع الدين- لم يكن علمًا حقيقيًا، بل كان سحرًا وأحجبة وخلطات! وكانت أم عرفة الراحلة عرّافة تقرأ الودع وتعرف الطالع، واسمها جحشة! كما أن عرفة تحول إلى خادم للشر الأعظم (الناظر)، بينما هو يدعي رغبته في القضاء على شر الفتوات! وربما كان في هذا الوصف بمجمله بعض تشكيك من محفوظ في طبيعة العلم الزائفة التي كان يُروج لها في عصره!

الأعجب هو توهم عرفة تحت تأثير المخدر أن الجبلاوي حمّل خادمته وصية أن تخبره أن جده مات راضٍ عنه! فهل هو تعبير عن حالة اضطراب الضمير الإنساني بعد أن قل أثر الدين أم أنه إعلان لموافقة الدين على مساعي العلم رغم أنها قد تخطئ؟! وتبرئة للعلم على لسان الخادمة بأن أحدًا لم يقتل الجبلاوي!

بعد موت الجبلاوي، قرر عرفة أن يبدأ في تنفيذ خطته بالقضاء على الفتوات على طريقته، وبدأ بقتل فتوة الحارة الأكبر سعد الدين، واستغل إحدى قاروراته السحرية فألقاها وانفجرت لإحراق وإبعاد مطارديه. بعدها يخبر الناظر عرفة أنه يعرف أنه السبب في موت الجبلاوي ومقتل فتوة الحارة، وأنه يريد أن يستعين بعلمه وقدرته على صناعة تلك القوارير الحارقة التي ألقاها على من طاردوه للقضاء على الفتوات (الشر). والناظر وإن كان شرًا مثلهم إلا أن شره ذو طبيعة خاصة تفرض الاستبداد بطريقة ناعمة تخلو من الإذلال الذي كان طريق الفتوات، وهي إشارة للتغيرات الحادثة في عالمنا المعاصر، ليس في علاقات الأفراد وحسب، بل وفي علاقات الدول.

بالتالي لم يكن عرفة (العلم) سببًا في القضاء على سطوة الدين في النفوس وحسب، بل كان سبيلًا أيضًا للقضاء على الفتوات (شر الاستذلال)، أي أنه حل محل الدين، فقديمًا قام جبل ورفاعة وقاسم المحملون برسالة الدين بمواجهة الفتوات والقضاء عليهم، واليوم يحل عرفة محلهم، لكنه في الوقت نفسه يسهم في تكريس صورة صنف آخر من الشر لم يكن شره مستطيرًا من قبل؛ متمثلًا في سطوة الناظر، وبالتالي فقد فشل في مهمة القضاء على الشر التي سبق أن نجح فيها جبل ورفاعة وقاسم.

وعلى الهامش، كان صراع فتوات الأحياء الثلاثة بعد قتل فتوة الحارة، ثم تنحي حي جبل بعد مقتل فتوتهم وأعوانه، إشارة إلى انتشار الديانتين الإسلامية والمسيحية بين البشر، وبعد أن أظهرت القرعة أن السيادة ستكون لحي قاسم تغيرت الحوادث وقُتل، فصارت فتونة الحارة لفتوة حي رفاعة، وهو مناظر لتحول السيادة إلى الغرب المسيحي في عالمنا، بعد أن كانت لأمة المسلمين. ثم استخدم الناظر قوارير عرفة الحارقة للقضاء على آخر الفتوات! ويعلن انتهاء عهدهم، ولم ينس بعدها أن يوعز إلى خدمه أن يشوا بعرفة إلى سكان الحارة بأنه هو سبب كل تلك المصائب المتلاحقة. لكن بقي الاثنان –الناظر (القوة) وعرفة (العلم) كل منهما بحاجة للآخر!

انتقل عرفة وزوجته وأخيه إلى بيت فتوة الحارة الخالي، والذي هو نسخة مصغرة من البيت الكبير الذي طُرد منه أدهم، وعاش باقي عمره يتحسر على مفارقته. وكانت زوجة عرفة تتساءل عن سبب عدم سعادتها فيه، وكانت أقرب الإجابات إليها أنها استشعرته سجنًا بعد كراهية الناس لهم. ثم أثم عرفة مع إحدى الخادمات مثلما فعل إدريس قديمًا! فتركت له البيت وأقامت في حجرة صغيرة وجدت فيها راحة البال!

لعل المقابلة بين الدين والعلم في بداية الفصل الأخير من الرواية قد خففت التصور الذي يمكن أن يكون قد صاحب شخصية الجبلاوي حتى ما قبل الفصل الأخير بأن الجبلاوي رمزًا لله، ليتضح لنا أنه رمز لقيمة أكثر مما هو رمز لله، والقيمة المقصودة هي الدين. ثم في حديثه عنه في نهاية الفصل، نجد محفوظ يتحدث عنه كرجل ميت، وكلنا مهما عمّرنا ميتون؛ كلنا أموات وأبناء أموات! وكان جزءًا من حديث طويل عن الحياة والموت، يتصور فيه عرفة أنه يمكن أن يقف أمام الموت مانعًا له! لتأتي المفارقة بعدها بأن عرفة ذاته سيموت!

يُذكِّر عرفة الناظر بضرورة العدالة في تقسيم الوقف على أهل الحارة، ثم بعد ذلك يقرر أن يهرب بعيدًا عن بيته الذي صار سجنًا؛ يهرب بعيدًا عن الحارة. وكان ذلك تأثرًا بفكرة رضا جده عنه رغم اقتحام بيته ومقتل خادمه، لكن من المستحيل أن يرضي جده معاونته للناظر أصل الشرور. إنه العلم بعد أن أخطأ يحاول تصحيح مساره مستمدًا عزيمته من رضا الدين! ولا أدري لماذا ذكرني هذا الموقف بألفريد نوبل مخترع الديناميت الذي كفّر عن ذنبه بتدشين جائزته للسلام!

يتلف عرفة كل شيئ قبل أن يهرب عدا كراسة علومه التي تحوي أسراره، لكن يلاحقه رجال الناظر، ثم يقتله الناظر هو وزوجته، يعود بعدها صديقه حنش إلى الحارة للبحث عن كراسة العلوم التي ألقاها عرفة قبل مقتله، ولا يعلم أحد على وجه اليقين هل عثر عليها حنش أم لا. وتتحول تلك الكراسة إلى الأمل الوحيد لدى أهالي الحارة للخلاص من الناظر.

تعقيب

كانت "أولاد حارتنا" أول رواية يكتبها نجيب محفوظ بعد ثورة 1952، بعد انقطاع عن الكتابة دام سبعة أعوام. وتعتبر أولى روايات مرحلته الأدبية الثانية، حيث من الواضح أن الظروف السياسية الاستبدادية التي سادت مصر بعد الثورة قد أرغمته على التحول من الواقعية الاجتماعية إلى الواقعية الرمزية إن كان يريد أن يستمر في الكتابة، ويستمر ضميرًا حيًا يرصد واقع مجتمعه ومتغيراته، وأن يسلم في الوقت نفسه. ظهر الفيلسوف الأديب وتنحى الأديب الخالص.

كانت أخلاق المجتمع تنحدر بعد الثورة، وبدأ الهزؤ بالدين؛ حتى تجرأ عبد الناصر على أوقاف المسلمين، واتهم قضاة المحاكم الشرعية الذين وقفوا أمامه بأقذر الاتهامات، صاحب ذلك حديث متزايد عن العلم، واتجاه نحو المعسكر الشيوعي الإلحادي. ولم يكن موت الجبلاوي (الدين) بسبب عرفة (العلم)، حتى عاد الناس يتمنون عودة عهد الجبلاوي إلا تحذيرًا من محفوظ من سطوة العلم إذا حكم النفوس وحده، وما يمكن أن يكون لذلك من أثر سيئ على المجتمع.

كما كانت نهاية الرواية منذرة بسطوع شرٍ آخر (الناظر) بعد انتهاء شر الفتوات، والذي حسبه الناس قديمًا أسوأ الشرور! وعلى حد وصف محفوظ "بدا المستقبل قاتمًا أو أشد قتامة مما كان بعد أن تركزت السلطة في يد واحدة قاسية". وفي رأيي كان هذا إشارة إلى ما ظهر للناس من بلايا في عهد عبد الناصر، والذي تفاءلوا به خيرًا في أوله. بل إن الرواية كلها تقوم على فكرة أنه ما أن تنصلح أحوال الناس في الحارة ويستبشروا إلا وتعود الأمور أسوأ مما كانت، فتعود الحياة البائسة لسكان الحارة نتيجة عدم اتباع تعاليم وتشاريع الدين (تنفيذ وصايا الجبلاوي)، والآن صار الأمر أسوأ وتم القضاء على الجبلاوي (الدين)، ولم يقتصر الأمر على عدم تنفيذ تشريعاته.

لكن ختام الرواية أيضًا كان تمجيدًا للعلم؛ فرآه أهل الحارة أملهم الوحيد في الخلاص الموعود من ظلم الناظر. هنا تتحول المقابلة لتكون بين العلم والاستبداد. هذه المقابلة ستتضح أكثر في رواية "بداية ونهاية" التي تحكي حال أسرة كانت في أسوا حال، وضعت أملها أولًا في ابنها الذي أراد دخول الحربية، وأجّل ابنها الأكبر أحلامه بدخول الجامعة، لتضيع أحلامهم في الضابط الأناني، ولا تنصلح أحوالهم إلا بعمل أخيه وانتسابه للجامعة في ذات الوقت. ثم أن هذا الضابط كان يحب فتاة متعلمة ولم يستطع أن يستدرجها إلى الخطيئة، بينما انخدعت أخته الجاهلة وفقدت شرفها. ونجد الفكرة تتكرر مرة أخرى في "ميرامار" التي كتبها محفوظ بعد نكبة 1967؛ فالفتاة الريفية الجاهلة بعد أن أضاعها الحنجوري المتشدق قررت أن تتسلح بالعلم لتفيق من كسرتها.

ربما كان أيضًا غدر الناظر بعرفة بعد أن ساعده في القضاء على الفتوات رمزًا إلى غدر عبد الناصر بكثير ممن ساعدوه للوصول إلى الحكم.

كان آخر ما سطره محفوظ في "أولاد حارتنا": "استحوذ الخوف على الناظر ورجاله، فبثوا العيون في الأركان، وفتشوا المساكن والدكاكين، وفرضوا أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصي للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب، لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر. واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضرّ بهم العسف قالوا: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرينّ في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب".

ختامًا أقول: أن تقرأ لنجيب محفوظ يعني أن تكرس عقلك وتوقظ حواسك لتفهم، فرواياته ليست مجلة ميكي تقرأها وأنت تتسلى وبجانبك قرطاس بُشار، فإن لم تكن قادرًا على ذلك فارحم نفسك وارحم الرجل من تأويلاتك وسوء ظنونك. كل من أساء فهم محفوظ كان ذلك بسبب قراءته السطحية له خاصة روايات مرحلته الأدبية الثانية حيث شاعت الرموز وانشغل بالجانب الروحاني؛ تلك الرمزية التي يستحيل أن تُفهم إلا من خلال قراءة فلسفية متعمقة. وربما كانت الرموز في "أولاد حارتنا" أوضح بكثير من روايات أخرى، وهو ما جر عليه المشاكل.

محفوظ لم يقصد بروايته الإساءة لا لله ولا لأنبيائه. لم يكن فيها تكذيب بالجنة، بل حنين إلى تلك الحديقة التي تغنى بها الشعراء طوال القصة، والتي مات أدهم حسرة عليها. لم يكن سلمان رشدي ولا قريب منه.

يقول محفوظ على لسان عرفة: "ماذا علّمتك رباب الشاعر؟ وُجِد في الماضي رجال أمثال جبل ورفاعة وقاسم، فماذا يمنع أن يجيء أمثالهم في المستقبل؟".

أقول: كان لكل قوم من الأقوام السابقة رسول، ثم بعد أن اتسع عمران الأرض واتصل البشر صارت الحاجة لرسول واحد، ولا حاجة لرسول من بعده! فهل سألت نفسك، لماذا توقفت بعثة الأنبياء؟ وهل الله يظلمنا بعدم إرسال مزيد من الرسل لهدايتنا؟

الحقيقة أنه تعالى لم يظلمنا لأنه لا حاجة بنا لمزيد من الرسل، وفي قصص من سبق من العِبر ما يكفينا، وكل منا يستطيع أن يتمثلهم. لكن هل يتمثل كل منا مواقف الأنبياء حين يُوضع في مواقف مشابهة لما وُضعوا فيه؟ هل يكون آدم ليبدي ندمه عندما يذنب أم يُصر على خطيئته ليكون إبليس؟ هل يكون موسى عندما يواجه الفراعين أو يكون محمد حين يضع استراتيجية لحربهم؟ ولعل محفوظ ما كتب تلك الرواية إلا ليقول للناس: يمكنكم أن تواجهوا الفراعين!

مشكلة البشر أن أغلبهم لا تصقله الحكايا، ولا يتعلم إلا من كيسه، بعد أن يدفع الثمن ويمر بخبراته وتجاربه الخاصة، وكأنه يرمي المخزون البشري من الحكمة، ويُصر أن يبدأ من الصفر!

أراد محفوظ أن يقول في "أولاد حارتنا": لا جديد تحت الشمس. تاريخ الإنسان على الأرض منذ أن بدأ هو القصص نفسها، مع اختلاف الشخوص والتفاصيل الدقيقة. لكنكم لا تعتبرون!

أتساءل فقط: كيف رأيتموها كفرًا؟! جريئة هي، ولكنها ليست كفرًا.

 

د. منى زيتون

 

رحمن خضير عباسلعلها الرواية الأولى للكاتب الألماني المبدع باتريك زوسكند. والتي أصدرها عام ١٩٨٥. وقد أثارت ضجة كبيرة في حينها، واعتبرت من أكثر الروايات رواجا ونجاحا في ألمانيا، فقد تُرجمت إلى ٤٧ لغةً ومنها العربية. كما تحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج الألماني توم تايكور .

ومن الغريب أنّ الكاتب اختار عصرا مختلفا عن عصره ومكانا مختلفا ايضا، ذلك لأن الرواية تنتمي إلى الحياة الفرنسية في القرن الثامن عشر . ويبدأ الحدث بمخاض لإمرأة من القاع الباريسي، وحالما يخرج الجنين، حتى ترميه برفق كي تتخلص منه، بين ركام العفونة المتسربة من بقايا فُتات السمك المرمي والقاذورات المتكومة،والتي تتسرب نحو المجاري. وما أن يشمّ وليدُها نسمة الهواء الأولى، وهو يمرّ من ظلمة روحها إلى عتمة الحياة، حتى يصرخ بقوة وكأنه يتمسك بالبقاء، ويرفض الموت. ولكن هذه الصرخة التي أنقذته من العفونة والمياه الآسنة، قادت أمَّه إلى المقصلة بتهمة قتل وليدها.

ويتم نقله إلى الكنيسة التي أعطته اسم (جان باتيست غرنوي)، ثم أودعته لدى مرضعة لقاء أجور يدفعها الراهب. لكن المرضعة أرجعته بعد فترة وجيزة، وهي ترفض كل العروض في البقاء عندها، بحجة غرابة الطفل وقدرته المتناهية في امتصاص حليبها، وافتقاره إلى الرائحة. مما يجعل الراهب حائرا بين إيمانه ببراءة الطفولة وبين شكه في حالة الطفل غرنوي، فيذهب به إلى دار أيتام السيدة (غايار) التي تحتاج إلى المال وتعيش على حافة الفقر، ولا يهمها طبيعة الطفل الذي تقوم برعايته . ولكن غرنوي الذي عرف خطواته الاولى في هذه الدار، بقي معزولا ومكروها من قِبَل بقية الأيتام،الذين حاولوا قتله خنقا. لكنٌه كان عسيرا على الموت . وحينما بلغ التاسعة من العمر، باعته السيدة المربية إلى الدباغ (غريمال) . وهو شخص متطرف في قسوته وجشعه وفقر مشاعره مع من يعمل معه.

وبقي غرنوي يعمل بين الجلود وبقايا اللحوم المتفسخة، من الصباح حتى الليل دون استراحة . وظلّ على هذه الحالة دون شكوى أو تذمر، وحينما أرسله الدباغُ ذات يومٍ ليحمل مجموعة من الجلود إلى (العطّار بالديني)، الذي كان في حالة نفسية وتجارية بائسة، حيث كسدت تجارته، لعدم قدرته على انتاج عطور جيّدة . لكنّ غرنوي الذي عاش في عفونة الدباغة، وجد ضالته في هذه العطّارة حيث الروائح التي تدركها حاسة شمّه الحادة، فعرض على العطار أن يشتغل لديه ولكن بالديني رفضه، وطالبه بالخروج من المحل. بيد أنّ غرنوي الذاهل بين الروائح يتجاهل أمر الطرد، ويقوم بتكوين خلطة من قوارير الزهور .

هذه الخلطة التي جعلت بالديني مسمرا في دهشته، فسارع إلى عرض مبلغ من المال على الدباغ ليتخلى عن غرنوي. الذي أبدع في اكتشاف عطور من مقادير عفوية ومقاييس خاضعة للشم، وليس بالحسابات والمقادير التي تعوّد عليها العطارون .

وهكذا بقي هذا الطفل المشوّه والقميء في محل بالديني للعطور، فساهم في إنعاش تجارة العطور لسنوات، مما أنقذ بالديني من الإفلاس واليأس.

وفي احتفالات (سان جرمان) ، وبينما الناس منشغلون في احتفالات دينية باذخة. رأى فتاة جميلة تبيع الورد. كانت رائحة جسدها تجذبه، وحينما اختلى بها، كان مفتونا برائحتها مما جعله يباغتها بقوة وحشية، فأسلمت الروح بين قبضته التي تعصر روحها وأنفاسها، وهو مذهول باستنشاق الجسد الطري . وهكذا تبدأ خطوته الأولى لتلمس جوهر العطر البشري .

حصل غرنوي أخيرا على حريته من العمل في عطارة بالديني، لقاءَ منحه وصفات مزج العطور، ليترك باريس، ويتجه الى الجبال، وليمارس العزلة التي استمرت سبع سنين. وكأنه حيوانٌ يعتاش على بقايا ما يحيط به من حياة قاحلة في الكهوف النائية. وهناك في هذا النأي والعزلة ووحشة الطبيعة، يكتشف غرنوي أنه عديم الرائحة .

حينما ملّ من العزلة والتأمّل، تسلل إلى أحد المدن، ففوجئ أهل المدينة بمنظره الذي يوحي بأنه أقرب إلى حيوانات الغاب. ولكن أحد أصحاب التجارب العلمية، وهو الماركيز إسبيناز الذي جعل غرنوي مادة لتجاربه في إعادة الشباب، الذي حاول تطبيق نظريته القائمة على طرد الغازات الشرّيرة من الإنسان لإحلال الغازات الحيوية.

ولم يكتف الماركيز بذلك بل قام برحلة ميدانية إلى الجبل لتحقيق نظريته . ولكنه أختفى على إثر عاصفة ثلجية في قمم الجبال، حتى نشأت خرافة مضحكة بعد موته، وهي أنّ الماركيز قد " توحّد على قمة الجبل مع الفلوديوم الحيوي"

وصل غرنوي إلى مدينة غراس، ووجد عملا في مزرعة لصنع العطور من أنواع الزهور. وبينما كان الناس مشغولين عنه. كان يفكر بإنتاج عطره الخاص الذي يختلف عن كل عطور العالم. إنه عطر سحري يعتمد على امتزاج رحيق الزهور برائحة أجساد العذراوات، لذلك بدأ خطته بالبحث عن أجمل عذراوات المدينة. وليمزج رائحتهن في إكسيره. لذلك بلغ ضحاياه أربع وعشرين فتاة، فدبّ الرعب في أرجاء المدينة لهذا القتل الغريب والمرعب. فأصبح الجميع يبحث عن القاتل المجهول. ولم يتبادر إلى ذهن أي واحد من شرطة المدينة وسكانها أن غرنوي هو القاتل، لأنه لا يمكن أن يُثير أقلّ الشبهات، وهو ذلك الرجل القميء والمهمل والذي يعمل بدون هوادة لجمع أكداس الزهور، ثم القيام بصهرها وتحويلها إلى سوائل عطرية.

وبينما كانت مدينة غراس تعيش رعبها. كان هو الوحيد الذي يستعجل الزمن لإضافة العطر الخامس والعشرين. من خلال ابنة المستشار (ريتشي) ذات الستة عشر ربيعا. وقد شعر ريتشي بالخوف على بنته لورا، فهرب بها بعيدا باتجاه الجبال. ولكن حاسة شم غرنوي التي لا تُخطئ، لاحقت قافلة المستشار ريتشي الساعي إلى إنقاذ لورا من موت مُحتمل. وكانت حاسة الشم هي التي قادته إلى غرفة لورا، حيث تأمل جسدها الجميل، ثمٌ قتلها بضربة على رأسها، وجزّ خصلات شعرها كما فعل ببقية ضحاياه.

وحينما اكتشف ريتشي خبر موت بنته الوحيدة جنّ جنونه، حتى تمّ القبض على القاتل غرنوي، الذي اعترف بهدوء وبدون اكتراث عن كل جرائمه . وقد حُكم عليه بالصلب في الساحة العامة لمدينة غاراس. فاجتمع اهالي المدينة جميعا، في احتفال باذخ ومهيب للتشفي بموت القاتل .

وحينما وقف غرنوي على منصة الإعدام، سكب شيئا من العطر على نفسه، مما جعل الجلاد يخرّ ساجدا ويطلب الصفح، أمّا الجمهور فقد تحوّل من صراخ الكراهية نحو القاتل إلى طلب الرحمة والمحبة منه !. وحينما تحرر غرنوي من أغلاله نظر إلى الناس نظرة معينة مستعينا بالعطر السحري، فتركهم منجذبين إلى بعضهم، ومنهمكين في ممارسة الجنس، والتعري في مشهد إباحي داعر .

بعد ذلك انسحب غرنوي من الساحة، مغادرا المدينة قبل أن يتبخر أثر العطر. ووصل الى باريس، ليذهب مباشرة الى السوق والمقبرة الذي شهد ولادته، فصب ما تبقى من العطر على جسده مما جعل حشد الباعة والصيادين والعاهرات،يحفٌون به ويمزقونه حبًّا، حتى وكأنه يذوب ويتلاشى بين هذا الحشد الذي التهمه .وهكذا تنتهي أحداث هذه الرواية بموت غريب وسحري لغرنوي .

جاءت رواية العطر مكتنزة بحدة معانيها وشساعة أخيلتها . فقد كانت تدور حول ثيمة جديدة في الأدب الروائي، وهي هيمنة (الرائحة) كحاسة محورية في الحياة، ليس بوصف العطر مادة جمالية فقط، بل بمعانيه الأكثر غورا، فهو الجوهر والهوية السامية التي تحملها المخلوقات سواءً الإنسانية أو النباتية أوالحيوانية.

يُعبّر العطر في الرواية عن السمات الحقيقية لجوهر الشيء، فهذا الطفل الذي سقط أثناء المخاض، في أقذر الأمكنة وأكثرها عفونة. كان بدون هوية عطرية، ولكنه يصبح من أكثر الناس قدرة على فهم العطر ومدلولاته .

غرنوي الذي يولد في وسط العفونة بلا رائحة، وبلا إفرازات طبيعية، زنخة أو معتدلة أو طيبة. لذلك فهو وجود نشاز في عالم الإفرازات الطبيعية. ولكي يؤكد هذا الإنسان وجوده، يتحول إلى النقيض في عملية الانجذاب إلى النقيض . لذلك فامتلاكه حاسة شم غير طبيعية، قد عبّرت عن خوائه العطري، الذي حاول الالتصاق ومطاردة الروائح الأخرى التي تتسرب إلى أنفه أو كما قال الكاتب باتريك :

" فما الفائدة، حتى وإن ظهر أمام العالم بعطره كإله، إِنْ لم يكن قادرًا على شمّ نفسه "  لقد ظهر غرنوي البائس،والذي لا تاريخ له، والذي ينتمي إلى القاع الاجتماعي، وكأنه يبحث عن نقيضه، من خلال قدرته على شمّ الروائح، والتمييز الدقيق بينها .

تلك الروائح التي تحوٌلت إلى لغة مهيمنة، وعلامة قادرة على تغيير العواطف والمواقف، كما حدث لغرنوي أثناء محاولة الحكم عليه، والاقتصاص منه بمحاولة صلبه بطريقة تحطيم عظامه بإثنتي عشرة ضربة بواسطة قضيب حديدي، ثم تركه على الصليب ليموت ببطء.

لقد نقلنا الكاتب إلى عوالم غرائبية ساحرة، تتعارض مع المنطق، وتنأى عن العقل، ولكنها مبهرةٌ في صياغاتها وإقناعها ورمزيتها.

فهذا الرجل الضعيف والقميء والمهمل والذي يعيش على حافة الحياة، يتحول إلى بطل أسطوري، يجترح المعجزات، وقد شبهه الكاتب بالقرادة التي تصبر على الجوع والعزلة، متربصة وما أن تحصل على الضحية، حتى تقوم بشرب دمها وتدميرها.

العطرُ في الرواية : سمةٌ وخاصيّة وجوهر. ولكن هذا العطر يبقى ضيّقا في دلالاته إلا إذا إتّحد بعطور منتقاة أخرى، كما أثبت سلوكه في (عطّارة بالديني) حيث استطاع تأليف مجموعة عطور ذات رائحة مؤثرة على الذوق الأرستقراطي ، لذلك لاقت رواجا كبيرا في المجتمع الباريسي. لكنّ غرنوي أراد للرائحة أن تصبح ذات فعل سحري، فتتحول من مجرد نسمة رقيقة، تداعب حاسة الشمّ إلى سلوك وعاطفة، فتقوم بالتغلغل في العواطف البشرية وتحويلها إلى النقيض.

فقد نجا غرنوي المحاط بآلاف الحاقدين على جرائمه، والداعين إلى موته بأقصى الأساليب عنفا، فحولهم إلى محبين له خاشعين لإرادته، خاضعين لرغباته الدفينة التي جعلتهم يمارسون الجنس في حالة من الذهول وغياب الوعي ويقظة الرغبات.

لقد كان ثمن هذا العطر مجموعة مختارة من خمس وعشرين عيٌنة جمالية من فتيات عذراوات يمتلكن جمالا ساحرا، استطاع هذا القرادة التافهة (غرنوي) أن يستخلص من عصارتهن القدرة السحرية، التي مزجها لصناعة فكرة التفوّق. والتي جعلت المستشار ريتشي المفجوع بموت ابنته الجميلة لورا، يتوسل به أن يكون إبنا له بالتبني.

لقد استطاع الكاتب، أنْ يقنع القارئ بهذه الفنتازيا المُتخيلة، على أنها قابلة للتصديق، لاسيما وأنه قد شحن النص بمعلومات دقيقة في صناعة العطور، من خلال أنواع الزهور المتنوعة، والمواد التي تدخل في مزجها، وعملية غليها وتفاعلاتها، وكيفية تحويل هذه الكميات الكبيرة من النباتات إلى مواد تشعّ بالعطر.

ورغم الأخيلة الذي طفحت به الرواية، ولكنه تتكأ على ركام ثري من أسرار العطور وتأثيراتها.

وهذا شيء غير غريب عن طبيعة العطور، ألم تصنع فرنسا عطرا نسائيا، أُطلقَ عليه (صائد الرجال) لقدرته على جذب الرجال إلى المرأة التي تتعطر به.

وأخيرا يمكن القول: إنّ الكاتب باتريك سوزينك منح القارئ مُتعةً استثنائية، في خلق أكثر المشاهد الغرائبية قدرة على التصديق من خلال سحر السرد.

 

رحمن خضير عباس

 

تنتمي ايقونة الشعر الجميل -الأصيل- نازك الملائكة، الى عائلة مثقفة تمتلك من كتابة الشعر وفنونه الشيء الكثير.

 وانجذب سمعها منذ الصغر الى واقع هذه البيئة المثقفة التي تحتضنها، وانشأت لذاتها وجوداً عايش الماضي والحاضر والمستقبل.

 سيطرت لغة الشجن والغربة والألم على الكثير من شعرها، لعلة معروفة من القاصي والداني، ولاتحتاج الى اعمال الذهن ؛لأن الجواب حاضر وهو محاكاتها العراق، وجملة الضغط المسلط عليه.

 مما أسس هذا الشجن جملة من القصائد التي امتزجت بالغربة الذاتية، وغربة الذات الأخر.

تقول في قصيدة (غرباء)

أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنـا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا؟ا

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاء

 كثر ورود الغربة والشجن في شعر الشعراء، وتوظيفها في عنوانات قصائدهم، ولعل في هذهِ الظاهرة اللغوية مجال لدراسة هذا النص، ففي هذه الأبيات لا تكتفي الشاعرة بالتعبير عن كرهها الشديد للغربة، ولا تكتفي بإخبارنا بطريقة مباشرة وتقريرية، بل تستعمل في حوارها لغة ايجابية غير مباشرة بغية التأثير على القارئ بكل قوة وفاعلية، وهذهِ اللغة بدورها تمكن الشاعرة من إيصال أفكارها .

يتحرك النص باتجاه سردي تكنيكي غاية في الدقة عن طريق حركة ثلاثية للشخصيات والزمان والمكان، ومع كل هذهِ الحركة والمقولات نجد أنَّ مساحة الغربة وشجنها تتحرك بإطار مضمر، عن طريق فعل الأمر(اطفىء)، الذي يمثل صورة ضد قناعة الشخصية الموجوعة، وإذ تتحرك الشخصيات-داخل لغة القصيدة- التي تمثل شخصية واحد، فنجن بإزاء تشابه شخصاني، تضيع فيها الحدود على تقدير مساحة الشخصية الأصل / أمام الشخصيات الأخرى، بحيث يفضي هذا الأمر إلى صراع من نوع جديد بين الشخص المتعدد الوجوه، وهي اشارة إلى سلطة الغربة التي تخلق صورها المتعددة في كل مكان .

 جاء النص هنا نتيجة حوار دائر بين الشاعرة وغربتها الداخلية، أو حوار دائر في مخيلة الشاعرة وغربتها/شجنها، إذ يشف هذا الحوار تخوف (الشاعرة) وارتباكها الذي وصل إلى (أمر اطفاء الشمعة)، واستفهام مطالبتها (فما معنى السنا؟) لتكن الإجابة (يسقط الضوء)- وظفت الفعل المضارع للتأكيد على استمرارية الحدث-، وهي إجابة تشي بهز قناعات نازك والتقليل من قيمة اجابتها المضطربة، لتدفعها هذهِ الإجابة لسؤال ثانٍ (يسقط الضوء على بعض شظايا من رجاء).  ليأتي الجواب (سميت (سميت نحن وادعوها انا)، فهي إجابة تشي باضطراب الذات -المباشر والعلني-، فلغة القصيدة نجدها قائمة على لغة الشجن الممزوجة بين غربتين، (مللا ونحن هنا مثل الضياء) كأن هذا النص دلالة على رغبة كسر لحاجز غربتهاعندما وصفتها بـ (الضياء)، أو كأنَّه مسار لتحريك النص ومجرى الأحداث نحو نقطة تحول(غرباء)، نبرة استهزاء وشماتة جاءت على لسان ذاتها الساردة للشعر، لتشعر مصطلح (الغربة) بالأهانة والاحتقار، فالقصيدة جاءت لتوضح لنا حقيقة الوضع المأساوي الذي يمر به الإنسان العربي في وطنه، والشاعرة أرادت إيصال فكرة بأنَّ الغربة شخص مهمش وجبان، تظلم الإنسان وتسجل حضورها الأجباري والطوعي عندما تشعره بغربته داخل وطنه، وهي اقسى انواع الغربة والشجن، وغربته خارج وطنه، ...الخ .

 

بقلم: وسن مرشد