احمد عواد الخزاعيعملية تحويل الحكاية إلى نص فني تحتاج للمرور بعدة مراحل، أهمها (السرد، اللغة، الأسلوب، المكان، الزمان) وخضوعها لتقنيات السرد (الحوار، الوصف،...) وما أطلق عليه جيرار جنت، المفارقات الزمنية (الارتداد او الاستذكار، القفز، المنلوجات الداخلية، المشاهد الصامتة) كل هذه الخلطة، بإمكانها أن تحول الحكاية من مادة خام إلى قصة، تتمتع بمواصفات العمل السردي الأدبي، يتذوقها القارئ وتؤثر فيه ويتفاعل معها، لكن هنالك عنصر مهم يجب أن يؤطر هذا التحول التسلسلي للحكاية ويعمل على تغيير بعض ملامحها المجردة، ليجعلها أكثر تقبلا وتشويقا وحرفية، هذا العنصر هو (الخيال) .. يقول الروائي المصري نجيب محفوظ (الخيال هو همزة الوصل بين الواقع والقصة) ..أي لا يمكن في كثير من الأحيان نقل الواقع بصورته الفجة المجردة، ما لم نضفي عليه شيء من الخيال والتصرف التقني والفني، وتغيير بعض ملامحه، لإضفاء طابع جمالي إبداعي عليه، فالمخيلة تمثل (وعيا حميما غير مألوف) كما يعبر عن ذلك (يونك).. تفرض نفسها على النص بطريقة وأخرى.

في المجموعة القصصية (رأس للإيجار) للقاص كريم صبح والصادرة سنة 2018 .. نلاحظ وجود مجموعة كبيرة من الحكايات، التي تمثل أفقا واسعا لحراك اجتماعي أنساني فطري، تعددت ثيماتها وتنوعت، استطاع كريم صبح، ترويض هذه الحكايات وتهذيبها ووضعها في قالب سردي قصصي محكم، استند إلى شروط كتابة القصة وركائزها المهمة.. فكانت نصوص مجموعته تقارب تجارب حياتية تكررت عبر التاريخ، ضمن متوالية إنسانية خضعت لعوامل البيئة والدين والتراث، إلا انه أعاد تشكيلها وصياغتها برؤية فنية أكثر عمقا وتعبيرا، منطلقا من بعدين متقاطعين:

الحداثة وما بعدها وتأثيراتها على الإنسان المعاصر.. والتراث والحكايات الشعبية .. شكل هذا التعالق بين هاذين البعدين تركيبة متجانسة، مستثمرا خبرته الأكاديمية والفنية لصياغتها وفق مبدأ فاليري (الذئب هو مجموعة من الخراف المهضومة).. أي إن ما قدم ألينا في رأس للإيجار هو نتاج ومحصلة لتجارب إنسانية تراكمية، مرت عبر متوالية اجتماعية وتاريخية، لتتمظهر بنصوص ورؤى جديدة وفق أسلوب فني حداثي، كما عبر عن ذلك الناقد جيرالد برنس (وظيفة القص تحويل الواقع الفج إلى عمل فني) احتوت المجموعة على 42 قصة تنوعت بين القصص القصيرة جدا، والتي استهلت بها المجموعة وبين قصص قصيرة، وأخرى امتدت أفقيا لأكثر من 20 صفحة، غلب عليها الأسلوب التقليدي (بداية، عقدة، حل)، والبناء العضوي المترابط والرصين للنصوص.

تميزت النصوص بكثرة الأسماء التي وردت فيها (أسماء أشخاص، أسماء أماكن) ..ذكر الأسماء يعد إثقالا للسرد في الفن القصصي، او ما يطاق عليه اصطلاحيا (إثقال براءة النص) أي وضع إضافات لا مبرر لها، وليس ذات معنى أو دلالة، كون الأسماء في الفن القصصي تورد لسببين :-

الأول: تذكر أسماء الأشخاص والأماكن لدلالة قصدية، أي أن تحمل تلك الأسماء دلالات قصدية، الهدف منها الإشارة إلى طائفة أو دين أو أو مكان، يحمل قصدية دينية او قبلية او أثنية او سياسية.. في رأس للإيجار حمل الجانب الأكبر من الأسماء هذا المنحى القصدي، وتخلى عنه في بعضها اليسير.

الثاني: تذكر الأسماء للدلالة الرمزية، أي استخدام أسماء تعطي إيحاءا رمزيا ومعنويا واعتباريا، بسبب تأثيرها الديني أو السياسي او الاجتماعي أو التاريخي.. بحيث يعمل هذا الاسم على إكمال وتعضيد ما يسعى القاص إلى إيصاله.

أهم نصوص المجموعة:

1- قصة (مدفن): مثل هذا النص جدلية تاريخية عاشتها الإنسانية لقرون طويلة، وشكلت المادة الخام لكل الأديان السماوية والوضعية منها، هذه الجدلية هي الصراع القائم بين الفضيلة والرذيلة .. تحدث النص عن نفس حائرة، تبحث عن ذاتها في ظل هذا الصراع الغير متكافئ بين الإنسان وغرائزه ..الرجل الذي يسكن بجوار ملهى ليلي، ينتهي هذا الصراع بانتصار هذه الغرائز (ترى من يدفن أولا أو بالأحرى من منا سيدفن الآخر أنا أم هي ؟ هي أنثى طبعا ولن أكون البادئ في واد الإناث في القرن الواحد والعشرين).

2- قصة الرجال يليقون بالسواد: يعد هذا النص جزء من أدب الحرب، الذي حاول القاص فيه تسليط الضوء على إحدى نتائجها المأساوية وتأثيرها على النفس الإنسانية ..سارد ضمني يروي قصة حبه لفتاة من طرف واحد، بعد أن لاحظ اهتمامها به ومراقبتها له، من بعيد طنا منه إنها تحبه بعدها يكتشف إنها كانت تنظر إليه لأنه يشبه أخيها الذي استشهد في معركة تحرير الموصل .. كانت لغة النص سلسة وإيقاعها هادئ، كأغلب قصص المجموعة، كما تميز النص باستهلاله بسؤال فلسفي حجاجي (هل هي لعبة أقدار أحكمت تدابيرها أم مصادفات ولود ؟.

تكررت قصص الحرب وتداعياتها في مجموعة رأس للإيجار (قطا، الضفة الأقصى للموت، الزنبق يقتل مرتين).

3- قصة (عمو) المهملة: استخدم القاص في هذا النص أسلوب الحكواتي في طرقة سرده، مع زجه بمقاربات لغوية وإيحائية تتماها مع قصص ألف ليلة وليلة، كما في هذا النص (فاحذروا يا سادتي الرجال فقد تبع ذلك الحديث خطوة تمارا المفهومة والمسوغة في قاموس النساء).

تحدث النص عن مفارقة اجتماعية مألوفة في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة، الفتاة التي تغير نمطية حياتها واهتماماتها وشكلها وطريقة لبسها، لأنها سمعت من نساء الحي بان جارهم المدرس الذي تراقبه منذ زمن يبحث عن امرأة للزواج.

4- قصة ذهب مع الريح: يحمل العنوان تناص لغوي مع الرواية العالمية (ذهب مع الريح) للروائية الأمريكية (مارغريت ميتشل) التي كتبتها إبان الحرب الأهلية الأمريكية، وهذا التناص اقتصر على العنوان فقد، ولم يستطيل إلى فحوى أحداث الرواية أو ثيمتها.. تميز النص بغرائبيته حيث شكل جزء من موروث فلكلوري شعبي، يحمل قيمة اعتبارية، حتى انه ذهب مذهب المثل، لاحتوائه على دلالة رمزية، استخدم القاص لغة هجينة بين الفصحى والشعبية .. تبدأ القصة بحوار باللهجة الشعبية بين شخصين مجهولين الهدف منه هو إبراز ملامح شخصية البطل (فرج)، وقد أطلق الناقد غريسمان على هذه التقنية مصطلح (أدوات التواصل النصي) وتستخدم هذه التقنية لنشر معلومات ضرورية عن بعض أبطال النص، لتعريف القارئ بخلفيتهم الاجتماعية والنفسية والبيئة التي انطلقوا منها.. يتحدث النص عن رجل اخرج ريح في حضرة شيخ العشيرة، فشاعت فعلته المشينة هذه في نظر أعرافهم القبلية، لتبقى ترافقه لسنوات طويلة، بالرغم من هربه منها وتركه لأهله وقريته كل تلك السنوات، وهذا ما أشار إليه البطل في مشهد صامت في حوارية مع نفسه (ياحسرتي كتب علي الغربة حتى النهاية، لا لسرقة أو اغتصاب أو قتل أو شجار سوى ريح أطلقتها مثل الكل، وضرطة أخرجتها مثل الكل لا اقل ولا أكثر).

5- قصة الواوي وصاحب الجلالة: بدت بعض نصوص المجموعة على إنها تسجيل وتوثيق لأحداث تاريخية حقيقية، حدثت بالفعل عزز هذا التصور ذكر الأسماء والأماكن، والتفاصيل الدقيقة للإحداث وتداعياتها.. كما في هذه القصة، التي تحكي عن ثعلب اصطاده الجنود الانكليز إثناء احتلالهم للعراق 1918 في إحدى بساتين شيخ عشيرة .. فتحول هذا الحادث الى شرارة ثورة، أدت إلى وقوع تصادم عسكري بين القبائل والانكليز ثأرا للثعلب، الذي أسروه وأرسلوه إلى ملك انكلترا كهدية ..كان النص عبارة عن حوارية طويلة بين شخصين يعملان في مجال البحث التاريخي، تم سرد هذه الأحداث من خلالهما عبر عملية استرجاع لتاريخ العراق الحديث، حاول القاص من خلالهما خلق حالة من التعالق التاريخي بين الماضي والحاضر.. أي الربط بين هذه الحادثة ومعركة تحرير الموصل من يد الإرهاب.. تضمن النص بعض الأشعار والأهازيج الشعبية، إضافة إلى أن لغته اتسمت بالحماسة والانفعالية، وأخذت منحا خطابيا في بعض محطاتها.

6- التوأم والقس: نص يحتاج إلى التوقف عنده، كونه نص ماراثونيا من حيث تشعب أحداثه وكثرة تفاصيلها، وتعدد أبطاله، قياسا بفن القص، الذي يعتمد الاختزال والتكثيف ووحدة الموضوع ..كان بالإمكان أن يتحول هذا النص الى رواية ناجحة، لغرائبية الأحداث وتشعبها ، ولقيمتها التاريخية والاعتبارية في الذاكرة الجمعية للعراقيين ..يحكي النص قصة طفلين مسيحي ومسلم، اضطرتهما الظروف لان يعيشا معا .. الأول كان مصابا بالتقزم والشلل والآخر أعمى .. ليعيشا مجموعة من الأحداث والتداعيات، قادتهما إلى انعطافات كبيرة ومفصلية في حياتهما في المجتمع البصري في عشرينيات القرن الماضي، لينتهي هذا المخاض العسير بموتهما وحيدين منبوذين.. تميز النص ببنائه الهرمي الرصين، وهذا ما أشار إليه الناقد عبد الجبار عباس (يفترض التنظيم التركيبي وجود حادثة سابقة ومقدرة وأخرى لاحقة مخمنة وأخرى متوسطة بينهما، تعتبر قمة التنظيم، وتسمى الضربة).. هذا التسلسل المنطقي للأحداث تم عبر مراحل هي:

1- موت أبويهما بتلك الطريقة الدراماتيكية.

2- اعتناء جوزفين المربية البريطانية بهما.

3- عملهما في المقهى.

4- اتهام سمير المسيحي المعاق بالتجسس، ونبذهما كلاهما من قبل المجتمع البصري.

يبدأ النص بعتبة سردية هي اقرب إلى الروبرتاج التسجيلي، عن مدينة البصرة مكان الأحداث وساحتها .. حيث استعرض القاص بإسهاب تاريخها وعرف بمناطقها وإحيائها المهمة، وتفاصيل عن حياة أهلها وطرق معيشتهم آنذاك، مما اكسبه بعدا واقعيا انطباعيا على الرغم من غرائبية الحدث الذي شكل عموده الفقري.. كما في هذا النص الذي يشرح فيه القاص معنى كلمة عشار (العشار – التي عرفت بهذا الاسم لأنها الموضع الذي يؤخذ فيه العشر من ثمن البضاعة المستوردة، أو المصدرة ...)..وكذلك احتوى النص على ذكر تواريخ وأحداث بالتفصيل، وتضمين قصص جانبية في مقاربة ميتا سردية نادرة الحدوث في الفن القصصي، استخدمها القاص لتعضيد نصه الرئيسي مثل قصص (القس برادلي، جوزفين المربية) .. يشير النص إلى قصدية استطاع القاص إيصالها عبر هذه العلاقة الغربية التي جمعت بطلي النص (سمير المسيحي المشلول وبشير المسلم الأعمى) من خلال التأكيد على وحدة المحنة والمصير اللذان جمعاهما، بعد ان فرقتهما الهويات والانتماءات الفرعية، الاثنية والعرقية..وقد أشار القاص إلى هذا المعنى، عندما استعرض طريقة حياتهما وكيف اعتمد احدهما على الآخر كي يواجها مصاعب الحياة..(ضعفهما المشترك أصبح قوة، وصار احدهما يكمل الآخر، وقد جربا ان يقاوما قسوة اختبار الحياة بضعفهما، فسمير القزم المشلول المحمول على ظهر بشير، اعتمد على الأخير في تنقلاته في شوارع البصرة، في حين اعتمد بشير الأعمى على سمير في إرشاده على الطريق).. كما ان هناك إشارات على طبيعة التعايش السلمي الذي كان سائدا في المجتمع العراقي آنذاك، بين الطوائف والاثنيات المختلفة، كما في هذا الحوار الذي دار بين القس برادلي وسمير المسيحي:

- لا أنا ولا هو نهتم بعقيدة الإنسان المسلم والمسيحي والصابئي واليهودي في هذه المدينة كلهم يعيشون تحت مظلة التسامح.

7- ذاكرة المكير: نص يتناول قصة حب تنتهي بالفشل، بعد أن رفض أهل (سمر) حبيبة البطل وزميلته في الدراسة زواجهما .. العتبة الأولى للنص تبدأ بركوب البطل القطار العائد من الناصرية الى بغداد، وهنا تحدث المفارقة السردية، عندما يشاركه مقعده رجل مسن يحمل جهاز تسجيل .. يسمعه خلال رحلتهما، أغنية المكير للفنان ياس خضر، وقصتها التي مثلت عملية تضمين ميتا سردي، سار بموازاة النص الرئيسي وتقاطع معه في دلالته القصدية والاعتبارية.. تميزت لغة النص بشاعريتها وإيقاعها الهادئ الحزين ..كما كانت هناك إشارات حسية للمكان وتأثيره النفسي على الإنسان، لذلك يمكن اعتبار قصة المكير من قصص التشيؤ.. أي إنها تمثل عملية امتزاج وتعالق بين الإنسان والأشياء، المحيطة به.. كما أشارت إلى ذلك ناتالي ساروت بقولها (إن القصة الشيئية هي ردود أفعال حسية ونفسية، بين الإنسان والأشياء، حيث يهتم الوصف القولي بالتكيف للمكان، والتكيف الانفعالي لردة فعل البشر إزاء الأشياء).

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

abdulreda aliليس سهلاً أن يكتبَ ناقدٌ إيجازاً للإبداعِ الشعريِّ في العراق لقرنٍ كاملٍ خلال بضعةِ أوراق، فالأمرُ قميـنٌ بالتريثِ، والتروي، والحيطةِ قبل تأصيلِ القولِ في التقويم والحكم احتراساً من الوقوع في خطل ِ الأحكام، وتحقيقاً لقدرٍ أكبرَ من الموضوعية.

فالمرحلةُ طويلة، والشعراء كثر، والمحطات التي ينبغي الوقوف عندها عديدة، والقصائد المفصليّة التي حرَّكتْ ماءَ البركة، وشكَّلتْ مساهمة في حركة التحديث بداءة ً من مرحلة الإحياء، وحتى مرحلة النصوص المفتوحة في نهاية القرن الماضي مختلفُ فيها، مما جعل أكثرَ آراء النقادِ تنصبُّ على الحقبِ التي ارتقت إلى مستوى التحولات، وضمَّتْ بين جناحيها أجيالاً من المبدعين، فكان الحديثُ عن الأجيالِ أكثرَ إقناعاً منهجياً من غيره، فأشير إلى إنجازاتها مجتمعةً، مع الاعتراف ببعضِ الجهودِ الفرديَّةِ على استحياء.

ومع أنَّ معظمَ الأسماءِ الشعريةِ الواردة في هذا الإيجاز تمثلُ مختلف الأجيال، إلا أن الحديثَ عنها، وعن إنجازاتها سيتخذ أكثر من منحى، فحين لا يكون للإنجاز أثر مهم في الخطاب الشعري فالمعوّلُ عليه منهجياً تأشيرُ سمات الحقبةِ، وما أفرزتْهُ من تلك الألوان الداكنة أو الباهتة في الأداء، والتوصيلِ، وحين يشكِّـلُ الإنجازُ أداءً مؤثراً، ويرتقي إلى رؤى فاعلةٍ، فإنَّ الضرورةَ تقتضي بعد تأشير خصائصِ تلك المرحلة ومميزاتها الوقوف عند أهم الأسماء الفاعلة فيها، وتبيين ما كان لها من ثراء في حركة الحداثة الشعرية في العراق، فضلاً عن أن هذا المنهج لا يرى من الموضوعية غضَّ النظر النقدي عن محاولات فردية محدودة خالفت السائد، وقدمت صرعاتٍ جديدةً ظلت محصورةً في نطاق أسمائها دون أنْ يُكتب لها الانتشارُ ، سواء أكانت تلك المحاولات في رسم القصيدة شكلياً، أم في التلاعب المقصود باللغة، وتكسيرها، والميل أحياناً إلى الخروج عن قواعدها مع سبق الإصرار والترصد.

*******

ـ 1 ـ

كان الشعر في العراق في القرن التاسع عشر امتداداً للحقبة التي يُطلق عليها بـ (حقبة الاجترار) أو (الانحطاط) إذ اتَّصفَ الأدبُ فيها بالعقمِ، وعدم التطور، والتراجع شيئاً فشيئاً دون الالتفات إلى دورهِ الفاعلِ في الحياةِ الثقافيةِ، والاجتماعية، والحضارية، وكان الشعر أكثر الأنواع الأدبية تراجعاً، لأنَّ الشعراءَ اعتمدوا في نظمهم على مواهبهم فقط دون أن يطوروها بالاكتساب، فنضبت قرائحُهم بمرور الزمن، وجفَّتْ منابعُهم التخيليّة لابتعادِها عن الصقل، وظلوا يكرّرون أنفسهم، ويقلدُ بعضهم بعضاً، ولم يلتفتوا إلى دور الفن في الحياة.

وقد ارتبط الشاعرُ بالبيوتات العريقة، والأمراء والحكام، وكان همُّه الأول وشأوه الأقصى إرضاءَ ممدوحهِ، لأنه يعيش على هباته، وما تجود به يداه. من هنا كان التكسبُ هدفاً من أهداف الشعر لدى جلِّ الشعراء، ومتى أصبح التكسبُ هدفاً في الشعر فاقرأْ على هذا الشعر السلام.

وكان الشاعر يهيئ نفسه لممدوحه قبل حصولِ المناسبات، فينظم قصائدَ عديدةً مختلفة الأغراض، سواء أكانت أفراحاً، أم أتراحاً، وحينَ تحينُ المناسبةُ المعيَّنةُ يُخرج قصيدته المهيأة سلفاً بعد أن يضيفَ إليها بضعةَ أبياتٍ لتحديد المناسبة، أو الأسماء الواجب توافرها في القصيدة، وهكذا يفعل في قصائد الرثاء، فقد هيأ نفسه لكتابةِ أكثر من قصيدة يُسبغُ فيها على المرثي أنواعاً من الصفات الكريمة، والمآثر الحميدة، وحين تقع الفاجعة يُضيف إليها بضعة أبيات لتتناسب والحالة التي سيقف فيها الشاعر منشداً بين يدي ممدوحه، أو من يريد تقديم التعزية إليه.

والشاعر لا يرتجي تطويرَ فنِّهِ الشعري بقدر ما يرتجي عطايا ممدوحه، وهو يرفضُ أحياناً استحسان الممدوحِ لشعره، لأنه يطلبُ حسناته:

كلما قلتُ قالَ: أحسـنتَ قولاً

وبـ (أحسنتَ) لا يباعُ الدقيقُ(1)

لم يكن الشاعر في هذه الحقبة راغباً في الاكتسابِ المعرفي الذي يطور استعداده، وأدواتهِ الفنية، لذلك كان يلجأ إلى بعض الألاعيبِ البلاغية ليضيِّعَ فيها وقته الواسع، ظناً منه أنها تشي بقدراته الفنية، فيلجأ إلى كتابة الأحاجي نظماً، أو يعمد إلى تخميس أبيات صديقٍ من مجايليه، أو تشطيرِ بعضها الآخر، فشاعتْ هذه الظواهر عند الجميع، حتى حسبها بعضهم من السمات الجوهرية في تلك الحقبة.

أمّا إذا تصدّت بعض جماهير الشعب لقسوةِ حاكم ظالمٍ، أو لجور والٍ متعسِّفٍ، ورفضت الإذعانَ لقراراته الجائرةِ، وأعلنتِ الحربَ عليه، فأنَّ هؤلاء الشعراءَ يتسابقون في تقديم التحريض على الثوار (وهم أبناء جلدتهم)، وحثِّ الولاة على محاربتهم، وقمع صوت الثورة فيهم، ثم يقدمون التهاني، والتبريكات إليهم بعد أن يتم إخماد تلك الحركات، ويحتفلون بالانتصار عليها، وعلى قادتها من أبناء شعبهم المظلوم، وكأنهم ليسوا من أبنائه، أو كأنهم يحاربون عدواً خارجياً، (ويستعدون لاستقبال الوالي عندما يعود منتصراً ظافراً تاركاً وراءه الأشلاء، والدماء وخراب البيوت!!)(2) فكان إسرافهم الشديد في مدح الولاة خلال تلك الانتفاضات الداخلية قد جعلهم عرضة للّوم والتقريع، والنقد الشديد، وسُبّة في تاريخ الشعر في العراق، لأنَّ تلك الانتفاضات لا تفسر إلا أنَّها ردّةُ فعل لفساد الحكم، وسوء النظام، فلِمَ كان الشعراء متبرعين في شتم القبائل، والثائرين منها خاصة؟ إنَّ الجواب ليكمن في ضيقهم من الحياة، وفي حاجتهم إلى هبات الوالي وعطاياه، فبعضهم كان في جواره، أو مستخدماً لديه في وظيفة من الوظائف الصغيرة(3) ومثل هذا الارتباط يؤدي إلى فقدان حرية الشاعر، وجعله سوط القمع المعلق بيد وليّ النعم.

   ومن الذين أسهموا في الحطِّ من قيمِ الشاعر، والشاعرية الشيخ صالح التميمي، وعبد الباقي العمري، وعبد الغفار الأخرس، ومن وقع في الدائرةِ نفسِها وكان سبّةً في تاريخ الإبداعِ في العراق.

*******

ـ 2 ـ

كرّست الحقبةُ الإحيائيَّة، أو ما سُميَ بعصر النهضة في العراق أسماء شعرية ً كان لها دورها الوطني الفاعل في نشر الوعي النضالي ضد سياسة القمع، وسلب الحريات، وربط العراق بعجلة المحتل الأجنبي، وإذا كانت الصورة قد غشيتها العتمَة إبّان الحكم العثماني، فإنها وضحت تماماً إبّان التصدي للإنجليز.

وعلى الرغم من أنّ جلّ الأسماء الشعرية كانت من بيئات دينية، إلا أنها كانت على وعيٍ تامٍ بما يجري في الدهاليز المظلمة لقوى الشر التي كانت بريطانيا العظمى ممثلةً له آنذاك، فكان لابدَّ للشعر من أن يتمترسَ مع الشاعر في خندق واحد، دفاعاً عن الحرية، وتحقيقاً لنيل الاستقلال، فقاد محمد سعيد الحبوبي (1849 ـ 1915م) الجيش الشعبي لمحاربة الإنجليز في منطقة الشعيبة سنة 1914م، وكان عبد المحسن الكاظمي (1865 ـ 1935م) قد غادر العراق سنة 1898م بعد أن ضيق عليه الحكم العثماني، حين عرّى بشعره سياسته القمعية، في حين ظلّ محمد رضا الشبيبي (1889 ـ 1965م) واحداً من أجرأ دعاة الحرية، فضلاً عن جهاده في محاربة الإنجليز في منطقة الشعيبة، وكان محمد مهدي البصير (1896 ـ 1974م) شاعرَ الثورةِ العراقية سنة 1920م بلا منازع، وصوتَها المدوي في جميع المحافلِ، كما كان محمد صالح بحر العلوم (1908 ـ 1992م) شاعرَ الشعبِ والمتصدي لعملاء الاستعمار وأذنابه طوال الحقبة التي عاشها.

وإذا كانت الأفعال النضالية لهؤلاء الشعراء، ومواقفهم الوطنية قد غطّت على إبداعهم الشعري، وكُرّسوا بوصفهم مثقفين، ومفكرين، وتنويريين تصادميين يدعون إلى تخليص شعبهم، ووطنهم من الاستلاب، والهيمنة الاستعمارية، فأنَّ هذه الحقبةَ نفسها كرّست شاعرين آخرين هما: جميل صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936م) ومعروف عبد الغني الرصافي (1875 ـ 1945م) بوصفهما شاعرين للهداية والإصلاح بالنظم لا بالأفعال.

ويكاد الإجماعُ ينعقد في الخطاب النقديِّ على أن ما قدمه الزهاوي، والرصافي في الخطاب الشعري هو أقرب إلى دائرة الإصلاح منه إلى دائرة الإشعاع الجمالي في الإبداع(4) . علماً أن الرجلين قد تناولا موضوعات حيويةً في تلك الحقبة، فدافعا عن المظلومين وخصَّا الفقراء، والأرامل، واليتامى بهذا الدفاع، وسايرا صناعات العصر، واكتشافاته، ووقفا مع المرأة في الدفاع عن حقها في التعلم، والعمل، ونيل الحقوق بوصفها النصف المؤثر من المجتمع، وأسهما في التنوير الحضاري وإن كان نسبياً، وكانت لهما دعوات في الخروج على السائد، وتخطيه، كدعوة الزهاوي إلى الشعر المرسل، والتفلسف في الشعر، ودعوة الرصافي إلى سفور المرأة، والانقلاب على العادات والتقاليد البالية، والدعوة إلى معانقة الأفكار الثورية.

غير أن كلّ تلك الدعوات كانت خُطباً وعظيّةً نُظمتْ شعراً، وتمّ الاهتمام بالمعنى على حساب المبنى، فغابت جماليات النسيج، وفقد الشعر ماءَهُ، وغلبت الخطابيّة التقريرية على الإدهاش والإثارة.

ومع كل هذا، فإن القارئ الفاحص لهذا الخطاب لا يعدم وجود محاولات شعرية (وإن كانت قليلة جدّاً) شكلت رؤى رمزية مقبولة، إن لم نقل ساذجة في هذا الخطاب، ولعلّ قصيدة الزهاوي (إنّا غريبانِ ها هنا) تشي بذلك، فقد أفاد فيها الشاعر من الخطاب السردي، وجعلها قصّةً تدور بين شخصيتين هما: الشاعر، وشخصية الشيخ الذي يتعرض لشتائم الناس، وسخريتهم، وحين يقتربُ الشاعرُ منه، ويسألُ عن شخصيته، يجيبه: أحدُهم بأنه الحقُّ، وأنه غريبٌ في هذه البلاد.

ولما كان الزهاوي يرى نفسه غريباً كالحق في أمته، فإنّ التواصل يتم بينهما عبر هذا التشابه:

لقد كنتُ فــي دربٍ ببغدادَ ماشياً

وبغداد فيــــها للمـشاةِ دروبُ

فصادفتُ شيخاً قد حنى الدهرُ ظهرَهُ

له فوقَ مســتنِّ الطريقِ دبــيبُ

يســـيرُ الهُوينا والجماهيرُ خلفهُ

يســــبونَهُ والشيخُ ليس يُجيبُ

فســـاءلتُ من هذا فقالَ مجاوبٌ:

هو الحقُّ جاءَ اليوم فهوَ غريــبُ

فقلت له:( إنّا غريـــبانِ ههنا)

وكلُّ غريــبٍ للغريبِ نســـيبُ

وعلى الرغم ممّا في البيت الأخير من تناصٍّ في التضمين،إلّا أنَّ هذه القصّة الشعريّة قد تكلّفت سرديّةَ الوصف الفجِّ على حساب حيويّة الأداء المؤثّر.

*******

ومع أنَّ شعراءَ هذه الحقبة قد ترسّموا خطى التقليد للأسلوب القديم محاولين أحياءه بالابتعاد عن التكلف بالصياغة فكرّسوا هادين ناصحين وعّاظاً، إلا أنَّ هذه الحقبة نفَسها شهِدت ولادةَ شاعرٍ خطيرٍ يعدُّ أمهرَ شعراء العربيّة في انتقاء الحرف، وأكثرَهم قدرة على تطويعِ الشعر لإرادته، وأقدرَهم على البناء الجمالي للنسيج، هو محمد مهدي الجواهريّ (1900 ـ 1997م*)، فقد كان الشاعرَ البنَّاءَ، والصانعَ الحاذق، والمصور الملهم، فهو موسوعةٌ لغويةٌ حيّة⁽⁵⁾.

لقد كان الجواهري شاعراً وطنياً تصادميّاً، لم ينسِه الشعرُ نضاله الوطني، بل جعلَ شعره وسيلةً لهذا النضال، فقارعَ به الاستعمار والرجعيين، وألهبَ به عقولَ الشبيبة، وقلوبها، فاندفعت الجماهيرُ تردّدُ قصائدَهُ في كلِّ محفلٍ ومناسبة، ولن يرى قارئُ تاريخ العراق حياً كما في شعره، فهو متنبِّي العصر، وعلينا أن ننتظر ما بين المتنبِّي والجواهري من زمن... في أقلِّ تقدير، كما يقول عليّ جواد الطاهر⁽⁶⁾.

والحديث عن شعر الجواهري: نسيجاً، وصوراً، وإيقاعاً يطول، ويتشعب، لكنَّ الوقوف عند ظاهرة التناصِّ في شعره من جانب، ومحاولة تجاوزه لمفاهيم بعضِ الأغراض الشعريةِ من جانبٍ ثان حريٌّ بالذكر.

فالتناصُّ في شعره يدلُّ على ثقافةٍ عميقة لاسيما حين تلفتُ صوره الانتباه إلى ما كان من تفاعلٍ بينه و شاعره الذي يتناصّ معه شعرياً، لكنه وإنْ كان أميناً في إشاراته، إلى ذلك التناصِّ وصوره فإنه يدهش القارئ بفاعلية تناصِّه، وقدرتهِ على تجاوزِ صور شعرائه وإنْ احتفى بها. على أنَّ ذلك التناصَّ لا يردُ في شعر الجواهري إلا تلميحاً، وهو ميزة انفرد بها، ومثّلت تطوراً في منجزِ التضمينِ بلاغياً.

ولعلَّ أهمَّ أمثلتها (يا دجلة الخير)⁽⁷⁾، فحين أراد الشاعرُ إكمال لوحة بغداد عن طريق تداعي الصور أشار إلى أنها كانت ملعبَ أبي نواس وفضاءَ استجمامه، هنا كانت حافظةُ الشاعر طريقاً إلى التناصّ تمثلاً إشاريّاً، وليسَ تضميناً نصيَّاً في قوله:

يا أمَّ تلك التي من (ألفِ ليلتِها)

للآن يعبقُ عطرٌ فــي التلاحينِ

يا مستجمَّ (النُواسيِّ) الذي لبستْ

به الحضارةُ ثوباً وشيَ (هارونِ)

الغاسلِ الهمَّ في ثغرٍ، وفـي حببٍ

والملبــسِ العقلَ أزياءَ المجانينِ

والســـاحبِ الزقَّ يأباهُ ويكرهُهُ

والمنفقِ اليــومَ يُفـدى بالثلاثينِ

والراهنِ الســابريَّ الخزَّ في قدحٍ

والملهمِ الفنَّ مــــن لهوٍ أفانينِ

والمسمعِ الدهرَ، والدُّنيا وسـاكنَها

قرعَ النواقيـسِ في عيدِ الشعانينِ

ففي قول الجواهري: (الساحبِ الزقَّ يأباه ويكرههُ) تناصٌّ مع قول أبي نواس:

قد أسـحبُ الزقَّ يأباني وأكرههُ

حتـى لهُ في أديمِ الأرضِ أخدودُ

وقول الجواهري: (المنفق اليوم يفدى بالثلاثينِ): تناصٌّ مع قول أبي نواس:

نزلنا علــى أنَّ المُقامَ ثلاثـة ٌ

فطابت لنا حتى أقمنا بها (شهرا)

وقول الجواهري:

والراهنِ السابريَّ الخزَّ في قدحٍ

والملهمِ الفنَّ مــن لهوٍ أفانينِ

تناصٌّ مع أبي نواس وقد رهنَ ثيابه الثمينةَ كلَّها، من جملتها خلع خلفاء العباسيين عليه في قوله:

وبعتُ قميصاً سابريّاً وجبَّة ً

وبعتُ رداءً معلـمَ الطرفينِ

ثلاثينَ ديناراً جياداً دخرتُها

فأفنيتُها حتـى شرِبتُ بدينِ

(تنظر: حاشية القصيدة)

ومثل هذا التناصِّ يمكنُ أن يكونَ دليلاً لدرسِ شعر الجواهري في الوقوفِ على مصادر ثقافتهِ، ومدى عمقها التراثي.

وعلى الرغم من تفاعل الجواهري مع التراث الأصيل تفاعلا مثيراً، إلا أنَّ المثير فيه أيضاً تجاوزه لمفاهيم بعض الأغراض الشعرية للقصيدة التقليدية كالرثاء والمديح، وما في حكمهما، فهو يقدم صورةَ المرثي، أو الممدوحِ على نحوٍ غير مألوف، أو غريب، أو مخالف ، لذلك تجيءُ صورُه غريبةً غيرَ مألوفة، لتخرجَ عما كان سائداً في البنية التقليدية؛ من هنا كان شعرُ الجواهري لصيقاً بروحِ العصر، وتحولاتِ التحديث فيه، وإنْ ظل قالبُه كلاسيكياً، وهي ميزةٌ أخرى تضافُ إلى ميزات شعره الذي وصفه معظم النقاد بالكلاسيكي المجدد، أو آخر عمالقة الكلاسيكية الجديدة بنيةً وأداءً.

ولتقريبِ هذه الفكرة نشيرُ إلى قصيدة (فتى الفتيان... المتنبي) فقد طُلِبَ إلى الجواهري أن يشاركَ في مهرجان المتنبِّي في ذكراه الألفية سنة 1977م في بغداد، فأنشدَ الجواهري هذه المرثيّةَ بعد ألفِ عام على رحيل المتنبِّي، لكنها لم تكن مرثيّةً مألوفة أبداً، فقد أطلَّ المتنبِّي من خلالها علينا مقاتلاً معاصراً، بل قُل: فدائياً يقدمُ روحه من أجل أن يعيش الآخرون، فيختزلُ الزمنَ، ويلوي عنانَهُ بتحديه له، فيشتطُّ قاصفاً حيناً، ورقيقاً في حين آخر. معلناً أنه والدهر لدّانِ، بل هو الدولةُ التي تعالت على جميع الكيانات بقاءً وثباتاً:  

تحدّى الموتَ واختزلَ الزمانا

فتـىً لوّى من الزمنِ العِنانا

فتىً خبطَ الدُنـى والناسَ طُراً

وآلـــى أنْ يكونهما فكانا...

◉◉◉

دماً صاغَ الحروفَ مجنحاتٍ

رهافاً، مشــرئباتٍ، حساناً

يردنَ حياضَــهُ ينبوعَ فكرٍ

ويحضنَّ اليراعـة َ والبنانا

◉◉◉

وعاطـى رملَها مـن أصغريهِ

عيونَ الشـــعرِ تبرقُ والحنانا

وأبقــــى فوقها دمَهُ ليسقي

هنـاك (بشعبِ بوّانٍ) حصانا

فقد كرِهَ الطعانَ وكــانَ أدرى

بأنَّكَ ـ وهْوَ ـ مذبوحٌ طِعانا⁽⁸⁾

*******

ـ 3 ـ

الحداثةُ موقفٌ فكريٌّ من الحياة قبل أي شيء آخر، يتخذهُ أفرادٌ يؤمنون بضرورة التغيير، وإحداث الجديد، داعين إلى تطوير الحياة وتجاوز السائد المألوف إلى ما هو مغاير، ومبتدع.

وحين يجد هذا الموقف الفكري لهؤلاء الأفراد صدىً مؤيداً لأطاريحهم التنظيريّة، وآرائهم الفكرية، فإن هذا الموقف الجديد يصبح ظاهرةً حيويةً لا يمكنُ التهوينُ من شأنها أو إغفالها.

إنَّ الإيمان بالتطور هو الذي يقودُ إلى الحداثة، أما الركونُ إلى المسلمات وتقديس السائد بحجة المحافظة على الأصول فهو يقود إلى السكونيّة، واجترار القديم ليس غير.

على أن التحديثَ يجب أن ينطلق موقفاً قبل أن يكون رغبةً، إذ ينبغي أن يبدأ اللاحقُ من حيث انتهى السابق،لا على سبيل التقليد الفج،والتكرار الممل،إنَّما على نحوٍ من الإضافة الفاعلة والابتداع.

إنَّ محاولة تحديث شعرنا العربيّ اليوم لم تكن وليدة عصرنا هذا إنّما كان لها إرهاصات قديمة دلّت على أنَّ العقليّة العربيّة كانت ترفض تكرار السائد، والتقليد الأعمى، ووجد من الشعراء قديماً من كان يدعو إلى التجديد،واختراق قوانين النظم،لاسيّما ما كان من أثرِ شعراءِ الموشّحات في الأندلس من تجديد في الإيقاع دعت إليه الآفاق الحضاريّة الجديدة، فضلاً عمّا قام به بعض شعراء العصر العبّاسي من محاولات الخروج على المألوف، وعدم الانصياع حرفيّاً لقوانين الشعريّة العربيّة،ولعلّ في ما ذكرته بعض المظان الأدبيّة القديمة من محاولات أبي تمّام في مخالفة شعراء عصره في إيراد البديع المتّشح بالغموض المقصود فنيّاً، ومحاولة أبي نواس في استهجان المقدّمات الطلليّة،ومحاولة أبي العتاهية في الخروج على الأوزان الخليليّة ما يؤكّد ما ألمحنا إليه من رغبة في البحث عن الجديد، وتفعيل حركة الإبداع في حياة الأمّة⁽⁹⁾.

ومع أنّ الحداثة موقف فكريّ، فإنّها تطرح أيضاً تصوّراً جديداً للواقع التاريخي، والتراثي يتمثّل في الدعوة إلى حريّة الإنسان المبدع في التعبير وخلق شروط استلهام التراث، وتوظيفه في حركة الإبداع.

من هنا فإنَّ الحداثةَ تدعو إلى التأسيس للإبداع الجديد، تقنيّةً وفكراً، ورؤية كونيّة شاملة، منطلقةً من نقاط التنويرِ الإيجابيّة التي حملها التراث إلى أبنائه المبدعين.

يبدو أنَّ شعراءَ التحديث في العراق في مرحلةِ الريادة، وأعني بهم : بدر شاكر السيّاب، ونازك الملائكة، وبُلند الحيدري، وعبد الوهاب البياتي كانوا أسرع استجابة من غيرهم لضرورة التغيير، وإحداث الجديد، والبحث عن شكلٍ شعريٍّ بكر.

على أنّنا يجب أن نعترفَ أنّ محاولاتٍ عديدةً قد جرت قبل محاولاتهم لكنّها انطفأت ولم يُكتب لها النجاح، باستثناء محاولة عليّ أحمد باكثير الشاعر اليمني الحضرمي، حين ترجم مسرحيّة شكسبير(روميو وجوليت) شعريّاً، وحين ألّفَ مسرحيَّـته الشعريّةَ (إخناتون ونفر تيتي) إذ صاغ ذينك العملين على وفق رؤيةٍ جديدةٍ تقوم على وحدة التفعيلة لا على وحدة البيت، لكنّ أحداً لم يلتفتْ إليهما سوى بدر شاكر السيّاب.

   ليس معنى هذا أن هذا الشكلَ الشعريَّ الجديدَ قد تمَّ التوصّـلُ إليه مصادفةً فرديّة ً، وأنَّ المبدعين لم يكونوا على وعيٍ بمرحلتِهم،إنما كان هذا الإنجاز بعد معاناة كثيرة،ومحاولات عديدة للخروج من نمطيّة التكرار إلى أفقِ التطورِ الحضاري.

ويمكنُ إجمالُ أهمِّ الأسبابِ التي دعت المبدعين في العراق إلى البحث عن هذا الشكلِ الجديد بالآتي:

كان المثقفُ العربيُّ بوجهٍ خاص يعاني استلاباً ثقافياً، وفكرياً، واقتصادياً، وكان وراء هذا الاستلاب الاستعمار والهيمنة الإمبريالية، وحين انتهت الحربُ العالمية الثانيةُ سنة 1945م أعلن عن رفضهِ للواقع الذي كان يعيشه، رافضاً من خلاله هذا الاستلاب علناً فثار على واقعهِ، وتصادم مع البنى الفوقيّة معلناً عدم رضاه، وتبرمه من المسلماتِ التي كانت قد عشَّشتْ في طيات حياته، فدعا إلى التطور، وترك الاعتماد على ما كان سائداً من أعرافٍ ثقافية، ورأى أنَّ الثورةَ على النمطِ القديمِ جزءٌ من منهج فكري يتخذهُ المثقف الواعي المستلب لتحقيق تطوّره الحضاري ثقافياً، إيماناً منه أنَّ الأمة التي لا تؤمن بالتطور يُحكم عليها بالموت، وإنْ كان بطيئاً.

وعلى وفق هذا المنهج شملت ثورتهم الأوزان السائدة آنذاك، ورأوا فيها هندسيّةً صارمة، وأُطراً تقيِّدُ الانطلاقَ نحو التجديد، فثاروا على الأوزان الخليلية، ودعوا إلى تجديدها واهتموا بالبناء الفنِّي للقصيدة، كما اهتموا بالبناء الهيكلي لها، فأدخلوا في القصيدة المقدمة، والعرض، والنهاية، وجعلوا ذلك ضمن الهيكل. والهياكل عندهم مختلفةٌ لكنَّ أبرزَها على وفق رؤية نازك الملائكة¹⁰⁾ لا تخرج عن :

     ـ الهيكل المسطح: وهو الذي يخلو من الحركة والزمن.

     ـ الهيكل الهرمي: وهو الذي يستند إلى الحركة والزمن.

     ـ الهيكل الذهني: وهو الذي يشملُ على حركة لا تقترنُ بزمن.

   وكان من إنجازاتهم:

أولاً: التقنيةُ القصصيَّة:

ففي قصيدة نازك الملائكة الموسومة بـ (الخيط المشدود في شجرة السرو)¹¹ المكتوبة سنة 1948م، قصة شعرية تعدُّ من بواكير الشعرِ الذي اعتمد على تقنية السرد، وهي تصوّرُ حكايةَ حبٍّ مأساويةً أدارتها في سبعةِ محاور كان محورُها السابعُ دقيقاً في تكثيف الفجيعة:

ثمّ ها أنتَ هنا دونَ حراكْ

متعباً توشِكُ أنْ تنهارَ في أرضِ الممرِّ

طرفُـكَ الحائرُ مشدودٌ هناكْ

عندَ خيطٍ شُدَّ في السروةِ يطوي ألفَ سرِّ

ذلك الخيط ُ الغريبْ

ذلك اللغزُ المريبْ

إنَّهُ كلُّ بقايا حبِّكَ الذاوي الكئيبْ

إن الخيطَ في القصيدةِ رمزٌ للحبِّ، لذلك كانت الشاعرةُ موفقةً حين جعلت الحبيب يقطعهُ، ويلفهُ على إبهامهِ، ويعودُ به من غير وعيٍ منه، لأنَّ قيامه بذلك تلميحٌ إلى تحمله مسؤولية ما حدث، فكان أنْ عاد بهِ مقطوعاً، وهو تلميحٌ آخر إلى الانفصامِ الذي لم يعد يمتلك بعدهُ غير الذكرى التي حاول الاحتفاظ بها:¹²

ويراكَ الليلُ تمشي عائداً

في يديكَ الخيط ُ والرعشة ُ والعِرقُ المدوّي

(إنها ماتت) .. وتمضي شارداً

عابثاً بالخيطِ تطويهِ وتلوي

حولَ إبهامِكَ أخراهُ فلا شيءَ سواهُ

كلّ ما أبقى لك الحبُّ العميقْ

هو هذا الخيطُ واللفظ ُ الصفيقْ

لفظ ُ(ماتتْ) وانطوى كلُّ هتافٍ ما عداهُ

ثانياً: الأسطورة:

أدخلَ روّادُ التحديثِ الأسطورةَ في شعرهم لكونها أعلى مراحلِ الرمزِ، وجعلوا وظائفها بين محورين:

المحور الأول: الوظيفة الجمالية.

المحور الثاني: الوظيفة السياسية.

وكان بدر شاكر السياب أسبقَهم ارتهاناً بها، وإنْ شاركهم في بعضِ الرموز، أو شاركوه بها، كإجماعهم على رمزي (تموز) القتيل ، وحبيبته (عشتار) لذلك يعدُّ السياب أول من طوَّرَ الاستخدامَ الأسطوريَّ، وجعله استخداماً فنيّاً، وأول من وظّفَ الأسطورةَ في الشعر الجديد، ثم تبعه الشعراءُ الآخرون.

إنَّ السيابَ حين وظّفَ الأسطورةَ في شعره لم ينظرْ إليها كما نظرَ إليها إنسانُها البدائيُّ، إنَّما حمَّلها موقفَ الفعلِ الخلاق، لذلك لم يكتفِ بتوظيفها فنياً، إنما حوَّرها، وحمّلَ بعضَها مضامين جديدة، ومن تلك المضامين:

     1ـ التوحُدُ بالأسطورة.

     2ـ قلبُ الأسطورة.

     3ـ مزجُ الأسطورة بغيرها¹³ .

ومن أمثلة التوحد بالأسطورة قصيدتا (المسيح بعد الصلب) و (رحل النهار) ففي الأولى يوحِّد السياب بين رمزي (تموز) و (السيد المسيح) عليه السلام، ثم يتوحّدُ بهما من خلال مناجاة نفسية درامية ذات وقع جنائزي:

متُّ كي يؤكلَ الخبزُ باسمي

لكي يزرعوني مع الموسمِ

كم حياةٍ سأحيا: ففي كلِّ حفرةْ

صرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرةْ

صرتُ جيلاً من الناسِ: في كلِّ قلبٍ دمي

قطرةٌ منهُ أو بعضُ قطرةْ ¹⁴⁾ .

وفي الثانية (رحل النهار) يوحِّدُ فيها بين رمزي (السندباد البحري العربي) و (عوليس) الإغريقي، ثم يتوحَّدُ بهما. ففي القصيدةِ صورُ انتظارِ حبيبته له بما يُشبه انتظار (بنيلوب) لــ (عوليس) في الأوديسّة.

ولما كان رمز السندباد يقارب من حيثُ الملمحُ الشعريُّ رمز (عوليس) فقد آثر أنْ يتبناهُ في التصريح لكونه عربياً، ولأن صورة ارتحاله الدائم ماثلة أكثر من (عوليس) في وجدان القارئ العربي، غير أنّ المتلقي الفاحصَ لا يجد في رمز السندباد ما يمنع من عدّهِ (عوليس) لأن جوّ القصيدة يعبر عن ذلك بوضوح:

رحلَ النهارْ

ها إنهُ انطفأتْ ذبالتُهُ على أُفقٍ توهَّجَ دون نارْ

وجلستِ تنتظرينَ عودةَ سندبادَ من السِّفارْ

والبحرُ يصرخُ من ورائِك بالعواصفِ والرعودْ

هو لن يعودْ

أوّما علمتِ بأنهُ أسرتْهُ آلهة ُ البحارْ؟

في قلعةٍ سوداءَ .. في جُزرٍ من الدم ِوالمحارْ

هوَ لن يعودْ

رحلَ النهارْ

فلترحلي .. هوَ لن يعودْ.¹⁵⁾

فالسندباد لم تكن لهُ زوجة تنتظرهُ كما كانت (بنيلوب) تنتظر (عوليس) ولأن آلهة البحار ترتبط بمغامرات (عوليس) أو (يولسيس) وبجوِّ الأسطورة بخلاف رحلات السندباد.

ثالثاً: القناع:

كان عبد الوهاب البياتي من أبرز المجدّدين، وأكثرَ المُساهمين في عملية التحديث، وكان واحداً من أبرزِ الملهمين في اكتشافِ دور القناع في التعبير الشعري، فحمَّلهُ همومَ الشاعر، وموقفهُ من الصراع في عالم اليوم، وجعلهُ يتحدثُ عن أخطر شواغل المبدع، ومعاناته، وما يحسُّ به من ضيرٍ وعنَتْ، فكان صوتُ القناعِ عنده يحملُ همومَ العصرِ، وهمومَ الشاعر، وهموم الإنسان في آن واحد، وتعد قصيدته (عن وضاح اليمن)¹⁶⁾ تعبيراً عن الأزمة التي يعيشها المثقفُ في عالمنا العربيِّ المتقلب في المواقف، فحوّلَ البياتي وضاحَ اليمن منشوراً سريَّاً قادراً على الوصولِ إلى الجميع، حتى بيت الخليفة، وصولاً إلى زعزعةِ الثوابت، وتحقيقِ هدف الإبداع في خلخلة الواقع المعيش،ومحاولة الانقلاب عليه؛ أملاً في تحقيقِ عالمٍ أفضل، بعيداً عن القهر والشعور بالاستلاب، لهذا يُحكمُ على القصيدة /المنشور بالموتِ خوفاً من افتضاح ِ ما تحمله من سرٍّ قد يؤدي كشفُهُ إلى زعزعةِ السلطةِ إنْ لم يسقطْها، فيُحْكمُ على القصيدة بالدفنِ، على الرغم من أنها غازلت السلطة مراراً، ويُصبحُ غيرُ المألوفِ مألوفاً في حالة خطيرة مثل هذه، إذ لا يحكم على (ديدمونة) التي اتهمت بممارسة الحبِّ زمناً بالموت، إنَّما يُحكَمُ على من غازلها، فتتحولُ الغيرةُ القاتلةُ في عُطيل إلى صالحِ ديدمونة ¹⁷⁾ .

عطيلُ كان قاتلاً سفاحْ

لكنَّ ديدمونة ْ

في هذه المرةِ لن تموتْ

أنتَ إذن تموتْ

أنت إذن تموتْ.

رابعاً : تداخلُ الأصواتِ والأزمنة درامياً:

ومن الظواهر الفنية التي أنجزتها حركةُ التحديث الشعري الأولى في العراق ظاهرة (تداخل الأصوات والأزمنة درامياً) وخير مثالٍ لها قصيدة بلند الحيدري الموسومة بـ (حوار عبر الأبعاد الثلاثة) إذ أدارها ضمن ثلاثةِ أصواتٍ عبَّرتْ عن علاقة الإنسان المأزومِ بالذات والموضوع والمطلق، (ينظر: الحوار الذي أدارهُ قاسم حَوَل مع الشاعر في مستهل ديوان الحيدري.)

وإذا كانت الذاتُ الشاعرةُ قد عمدت إلى تداخلِ تلك الأصوات في حركةِ البحث عن يقينٍ لمستقبل الإنسان المحبطِ في صراعه داخلَ ذاتهِ من جانب، وقيود الواقع الصادمِ للذاتِ من جانب ثان رغبةً في تحقيق فلسفة الفرد ذهنياً وعقائدياً، فإنَّ ما حققَ للنصِّ دراميته العالية تمثَّلَ في تداخلِ أزمنةِ النصِّ مع تلك الأصوات الثلاثة فيه، فحين ابتدأ النصُّ يفلسفُ علاقة الإنسان بذاته في الصوت الأول بدأت معه زمنيّةُ التداخلِ مع علاقته في المطلق في الصوت الثالث، تاركاً الصوت الثاني الذي عبَّرَ عن علاقة الإنسان بالموضوع يتشحُ زمناً واقعياً مرفوضاً من حيثُ القيمة الفكرية، لذلك كان يمثل بُعداً زمنياً متخلفاً، وبهذا التداخل الزمنيِّ بين الصوتين الأول والثالث تمكَّنَ الشاعرُ من أن يوصل إلى متلقيه افتراضهُ اليقيني من أن الله تعالى هو الحقُّ المطلق الذي تدور حوله تلك الأصوات وتتداخل فيما بينها:

والحقُّ هو البعدُ المتحركُ بين الأشياء

بينَ الإنسانِ

وظلِّ الإنسانْ

بين الزمنِ المتغلغلِ في الداخل

والزمنِ المتخثرِ في الخارج

يارب فمن ... بعُدَ عنكَ ... لم يركْ

ياربُّ ومَنْ ... قرُبَ منكَ ... لم يركْ

والقائلُ:

إنِّي، أنا الربُّ لم يركْ ¹⁸⁾.

خامساً: الرمز:

إنَّ الذاتَ الشاعرةَ قد تبيحُ لنفسها أن تعبِّرَ عن دواخلها بأساليب ملتوية مبهمة لكنها لا ترى في هذا الإبهام هدفاً مقصوداً، إنَّما هو جزءٌ من حياة النفس البشرية وصورة من صور الحياة¹⁹⁾.

فالرمز يدلُّ على معاناةٍ مختبئةٍ في نفس المبدع لا يريد التصريحَ بها، إنَّما يقودُهُ إليها لاوعيُهُ وأحلامهُ الباطنية، وتكونُ مهمَّةُ النقدِ أساساً في تحليل تلك الرموز، وتفسير اتجاهات اللاشعور على وفق ما يعتقده الناقد صواباً في كشفه للألفاظ الموحية، وعلاقة تلك الألفاظ بعوالم الأعماق الغامضة، وتحويل رموز معينة، من محليةٍ صرف، أو خصوصية مغلقة إلى رحابٍ إنسانية عالمية دالةٍ لا يجيء غفلاً من صانعها، إنَّما عن وعيٍ عامدٍ وإدراكٍ رصينٍ، ومعاناة حقه. ²⁰⁾

وهذا ما فعله جيلُ الرادةِ على نحوٍ جعل تلك الرموز مشحونةً برؤى فاعلة، لاسيما في (جيكوريات) السياب، و (عائشة) االبياتي.

جيكوريات السياب:

فالسيَّابُ هو أسبقُ شاعرٍ عربيٍّ معاصر ارتهن بالأزمة الحضارية وتعامل مع (ثيمات) العناصر الطبيعية تعاملاً رمزيَّاً، فارتفع باللفظة الدالة عليها إلى مستوىً سحريٍّ أعطت دفقها الشعري في معمار القصيدة الحديثة، وأكسبتها ضروباً من رؤى إبداعية موحية.

ليس معنى هذا أن السيَّابَ اقتصر على تلك الرموز الطبيعية حسب، إنما نعني تفرده فيها، لأنَّهُ كان قد استخدم العديد من الرموز التي شاركه فيها غيره، لاسيما ما أفاده من الميثولوجيا والقصص الديني، وما كان منها لصيقاً بالعذاب والتضحية، والنماء، كـ (تموز) و (عشتار) و (ادونيس) و (بعل) و (لاة) و (عوليس) و (المسيح) وغير ذلك، لكن تفرَّدَه كان في رمزين ِ ليس غير، هما: ( جيكور) و (بويب) فأصبحت قصائده الجيكوريّة (نسبة إلى جيكور) تمثل يوتوبيا السياب، ومدينته الخيالية، أو مدينته الفاضلة، وغدت جيكور رمزاً لإرَم ذاتِ العماد المعاصرة، وغدا السياب فيها شدَّادَ العصرِ الذي يبني يوتوبياه بالكلام لا بالذهب، والياقوت، والزبرجد، ففي قصيدة (مرحى غيلان) (21) يفجر صوتُ ابنه (غيلان) فيه تداعيات سريعة، فكأنَّ عودةَ الصوتِ إليه كانت عودةَ تموزَ إلى الحياة في الربيع ، حيث تتفجرُ الأنهارُ ، وتكبرُ البراعمُ (22) ولكن أين؟ إنها تحديداً في مدينة الحلم جيكور التي تتطلع إلى مثاليتها لتنقذه، وتنقذ البشر من أحزانهم وشعورهم بالإحباط:

جيكورُ من شفتيكَ تولدُ، من دمائِكَ، في دمائي

فتحيلُ أعمدةَ المدينة ْ

أشجارَ توتٍ في الربيعِ، ومن شوارعِها الحزينة ْ

تتفجرُ الأنهارُ، أسمعُ من شوارعِها الحزينة ْ

ورقَ البرعمِ، وهو يكبُرُ أو يمصُّ ندى الصباحْ

والنسغُ في الشجراتِ يهمسُ، والسنابل في الرياحْ

تَعِـدُ الرحى بطعامِهنّ.

كأنَّ أوردةَ السماءْ

تتنفسُ الدمَ في عروقي، والكواكب في دمائي.

أما (بويب) وهو نهر صغيرٌ حزينٌ في قرية الشاعر فإنه غدا جزءاً من تكوينه الوجودي، وقد توحَّدا سويةً، فغدا بويبُ السيابَ، وغدا السيابُ بويباً، فهو حين يرقدُ في قاعه ميتاً يهبُ الحياة لبويب تضحيةً من أجلِ إعادة البعث والخلق، لكنَّ النهرَ يبادله الفداء، فيعطي دمه للبشر، وتكون النتيجة فداءً بفداء:

أنا في قرارِ بويب أرقدُ، في فراشٍ من رمالِهْ

من طينهِ المعطورِ، والدمُ من عروقي في زلالِهْ

ينثالُ كي يهبَ الحياةَ لكلِ أعراقِ النخيلْ

◉◉◉

وأنا بويبُ أذوبُ في فرحي وأرقدُ في قراري.(23)

وهذه التضحيةُ المتبادلةُ تذكرنا بمقولة (بيكيت) في مواجهة الموت داخل كاتدرائية (كانتر بري) كي ينالَ (بيكيت) أكاليل الشهادة، ويرتفعَ إلى مصافِ النسّاكِ والأبرار:

(دمَه أعطى لشراءِ حياتي)

مشيراً بذلك إلى فكرة التضحية المسيحية. (24)

إنَّ (جيكور) و (بويب) ظلا لصيقينِ بالسياب، وشكَّلا خصوصيةً في تجربته الرمزية، فلم يعودا كالرموز الأخرى مشاعينِ لبقيةِ الشعراء من أبناء جيله، أو للجيلِ الذي جاء بعده، لأن تحويلَ السياب لذينِـِكَ العنصرينِ الطبيعيين رمزينِ فاعلينِ في تجربته الإبداعية على نحو من الابتكار الشخصي جعلَ الرمزينِ بمنأى عن الشراكة، وبات الذي يشربُ من بويب لا يستطيعُ أن يدَّعي حقاً فيه.

عائشة البياتي:

في شعر البياتي رموزٌ عديدةٌ بعضُها شاركه فيها آخرون، وبعضُها ما زال يوظّفُ حتى هذا اليوم، غير أنَّ رموزَ المرأة التي وظَّفها البياتي قد تأرجحت بين ما كان منها عامَّاً، وما كان خاصَّاً: فـ (خزامى) و (هند) و (عشتار) و (عين الشمس) وغيرها ظلت عامَّةً مشاعةً بين الجميع، سواء أكان قد تمَّ استخدامُها فنياً، أم إشارياً، لكنَّ: (قمر شيراز) و (لارا) و (عائشة) توحَّدت سويةً لتعلنَ عن رمزٍ موحَّدٍ يلتصقُ بالبياتي وحده، ويشكِّلُ تفرداً في النهاية مبتعداً عن جغرافية الشعراء المستلهمين لها مسافات ليس من السهل قياسُها.

إن توحُّدَ هذه الرموز بـ (عائشة) حصراً كان لهُ ما يبرره، فعلى الرغم من كلِّ إيحاءاته الإنسانية الاسمية، فقد غدا موحياً بالأسطورية، إذ تطور استخداماً ليشي بالأبدية امتداداً، ثم يشكلُ أخيراً مدينة العشقِ التي حلم الشاعر بها، وأرادها وطناً له ولكلِّ حبيباته.

   والبياتي في توحيده لهذه الرموز في رمز واحدٍ ينطلقُ من وعيٍ عامدٍ ليشكّلَ خصوصية استخدامه، فهو يرى في(عائشة) رمزاً زمنياً وأبدياً، فمن حيث كونه زمنيّاً فلأنه اسم لامرأة من لحم ودم، ومن حيث كونه أبديّاً فلأنه تطوَّرَ محلياً فامتدَّ من عشتار السومرية إلى عشتروت الفينيقية ، ثم تحوَّلَ إلى (عائشة) بعد ظهور الإسلام في الحاضنة العربية(25).

إنَّ عائشةَ في شعر البياتي رمزٌ للأنوثة والثورة والأسطورة، إنها صنوٌ للتصوف، لذا فهو يراها مركباً إنسانياً جديداً وُلِـدَ من كلِّ الأشياء وأصبح كائناً جديداً ستولدُ منه أشياء جديدة (أيضاً) ولعلَّ التوحّدَ والتحوّلَ والتعيّنَ هو الذي يقررُ مصيرَ هذه الرموز، ويعطيها مساحةً أوسعَ على خارطةِ الشعر وهو يواصلُ رحلته.(26)

إنَّ قصيدة (بستان عائشة) تكشف، كما يقول الشاعر، عن أن هذا البستان كان مدينةً مسحورةً، لذلك كانَ عربُ الشمالِ وهم يحجون إلى نهر (الخابور) كلَّ عامٍ في فصل الربيع لا ينسون أن يقدموا للنهر (الخابور) الأضاحيَ والقرابين لكي يفتحَ لهم أبوابَ هذه المدينة المسحورة (البستان) لكن ذلك كان يجري دون جدوى.(27)

بستانُ عائشة على (الخابور)

كان مدينة ً مسحورة ً

عربُ الشمالْ

يتطلعونَ إلى قلاعِ حصونِها

ويواصلونَ البحثَ عن ابوابِها

ويقدمونَ ضحيّةً للنهرِ في فصل ِالربيع

لعلَّ أبوابَ المدينةِ

تستجيبُ لهمْ

فتُفتحُ/ كلما داروا

اختفى البستانُ

واختفتِ الحصونْ

فإذا خبا نجمُ الصباحْ

عادوا إلى (حلب ٍ) لينتظروا

ويبكوا ألفَ عام

فلعلهم في رحلةٍ أخرى إلى (الخابور)

يفتتحونها

ولعلَّهم لا يفلحون. (28)

إنَّ عودةَ عربِ الشمال، إلى حلب باكين وهم ينتظرون ألف عام أخرى لكي يحجوا إلى مدينتهم المسحورة بحثاً عن بواباتها يذكرنا بمدينة (إرم ذات العماد) التي لا تظهر إلّا مرّة ً واحدة ً كلَّ أربعين سنة، وسعيدٌ من يستطيع أن يهتدي إلى بابها.

إنَّ رمزَ عائشةَ هذا تحول من محليته، وآدميته إلى رمز إنساني عام، فأضحت خصوصيته المرتبطة بالمبدع محلياً قادرة على الانتشار عالمياً بسحر التأثير الذي أحدثته، ولم يكن هذا ليتمّ من غير قدرة المبدع على تقديم الرمز متقناً.(29)

*******

وينبغي لنا ونحن نشير إلى إنجازات جيل الريادة التحديثيّة في العراق ألا تنسى ذكرَ رائدين ِ منسيين ِ في هذا الجيل، فقد أغفلَ النقدُ ذكرهما دون وجه حق، وهما: شاذل طاقة (1929 ـ 1974م) ومحمود المحروق (1930 ـ 1994م) فقد ساهما في تحديث القصيدة عن وعيٍ ودرايةٍ، وظلا يرفدان حركة الحداثة بإبداعهما طوال عمرهما الفني، ويبدو أنَّ ابتعادَهما عن العاصمة بغداد من جانب، وعدم وصول إنتاجهما إليها حال دون ذلك، وإلا كيفَ نفسِّـرُ هذا الإغفال(30) .!

أصدر شاذل طاقة ديوانهُ الأول (المساء الأخير) في العام 1950م، وأشار في مقدمته إلى محاولاته التحديثية من غير أن يجد المصطلح الكفيل بها، لكنَّه شرح للقارئ فكرة تلك التجارب الجديدة نظريَّاً، ونحن نظنُّ أنَّ تلك التجاربَ قد كُتبتْ قبل نشرها بعامين، أو عام في الأقل، ومما جاء في مقدمة الديوان قوله: ( فلقد جريتُ في عدد من قصائد الديوان على نسق منطلق، لا يتقيَّـدُ بقافية موحدة، ولا يلتزم عدداً معيناً من تفعيلات البحور، فإنك تجد في البيت الواحد تفعيلة، أو تفعيلتين، ولعلك تجد في آخر خمسة، وفي آخر أكثر، أو أقل، ولعلَّ من حقي أن أؤكد للقارئ أنَّ هذا الضربَ من الشعر ليس مرسلاً، ولا مطلقاً من جميع القيود، ولكنْ يلتزمُ شيئاً، وينطلق عن أشياء .) (31)

ومن يُخضِعُ بعضَ قصائد الديوان للقراءة الجادة، والتحليل العروضي يكتشف أنّ محاولات شاذل في ابتداع العروض كانت أسبق من غيرها زمنياً، فهو لم يكتفِ بإيراد الأسلوب التفعيلي الجديد، إنما أجرى تنوعاتٍ ذكيَّةً على إيقاع القصيدة الواحدة مستفيداً من تفعيلاتها المركبة، ومثل تلك التنويعات في البحور المركبة تأخرت عند جيل الريادة كثيراً.

ففي قصيدة (غضب) إفادةٌ جميلةٌ من تنويعات تفعيلة الرمل، فمرةً يستخدم أجزاء التفعيلة، ومرةً تقوده التفعيلة إلى بحر الخفيف، وفي ثالثة إلى ممدود التفعيلة دون أن نحسَّ خللاً:

اصعدي للسماءْ ... فاعلاتُنْ فعولْ

واهبطي للترابْ ... فاعلاتن فعولْ

لم يكنْ لي رجاءْ ... فاعلاتن فعولْ

في الهوى والعذابْ ... فاعلاتن فعولْ

فاغضبي، وأحنقي وعودي إليّا ... فاعلاتُنْ مفاعِلُنْ فاعلاتُنْ

بعد حينْ ... فاعِلانْ

أمَّا محاولاتُ محمود المحروق، لاسيّما في قصيدته (ظلام) المنشورة في جريدة (صوت الكرخ) في العام 1949م، فإنَّها وإنْ لم تكن بتلك التنويعات العروضية لشاذل، فإنَّ شكلها العروضيَ الجديدَ يتيحُ لها الدخولَ في تلك الريادة:

أسارى شبابْ

تمّردَ فوقَ الترابْ

وعربَدَ بالأمنياتْ

وفي سكرةِ الحــالمِ

تنفَّـسَ ليلُ العذابْ (32)

*******

ومن المجايلين لحركةِ الريادة (وإن لم يكونا ضمنَ دائرتها)، شاعرانِ مهمّانِ في حركة الحداثة الشعرية، هما: حسين مردان (1927 ـ 1974م) ورشيد ياسين (1929ـ 2012م) فقد كانا متمردينِ على الواقع الثقافيِّ آنذاك، جريئينِ في رفضِ السائد الذي كرسته مرحلةُ الإحياء، وإنْ اختلفا في أخلاقِ الشعر فكرياً.

كان حسين مردان يعلنُ عن أفكارٍ متطرِّفةٍ في الشعرِ والأدب، ويألفُ حياةَ التشرد بتلذذٍ وارتياحٍ، لكونهِ كان كما يقول: (عبد حريّة لا تطاق) إلى جانب شعورٍ مركَّزٍ، ومرعبٍ بالوحدة، ونرجسيّةٍ لا تتورعُ عن التباهي العلني بصاحبِها، ولعلَّ إهداءَه ديوانه الأول (قصائد عارية) المطبوع في العام 1949م إلى نفسه ما يكشفُ عن تلك النرجسيةِ العالية إذ قالَ في الإهداء: (لم أحبَّ شيئاً مثلما أحببتُ نفسي، فإلى المارد الجبار الملتفِّ بثياب الضباب، إلى الشاعرِ الثائرِ والمفكرِ الحرِّ، إلى حسين مردان.)

والمتَـتبِّـعُ لشعرِ حسين مردان، ومقالاته يلحظُ توكيده الشخصي لتشرُّده،ِ واعترافه بعدم الاكتراث بالقيمِ والتقاليدِ الاجتماعية، فقولهُ: ( أنا رجل شارعٍ حقيقيّ، بل أكثر من ذلك، إنَّـني شيخُ المشردين في العراق، وفي العالم) (33) يبيح لنفسهِ شعرياً أن يقول:

لعنةً جئتُ للحياةِ وأمضي

مثلما جئتُ لعنة ً للقبورِ

هكذا قد خُلقتُ وحشاً حقيراً

فتغنيتُ بالنشيدِ الحقيرِ.(34)

إذ يُشبّهُ مجيئهُ باللعنة، ونفسَهُ بالوحشِ الحقيرِ دناءةً في القول والعمل، ولعلَّ هذه الآراءَ المغالية، والنفثات الشعرية، وغيرها هي التي أدخلته السجنَ أربعَ مراتٍ، فقد كان يحيا حياةًً عاريةً من غير قناع، وربما قادتهُ تلك الحياة إلى بوهيمية شعرية لا وجودَ لها في شعر غيره :

كم ليلةٍ قضَّيتُها متسهِّداً

كالكلب ِ يلعَـقُ مرشفي قدميكِ

أمّا أنا فكما أختبرتِ فلمْ أجدْ

أشهى وأجملَ من شذى أبطيكِ. (35)

وللتاريخ نقول: إنَّ حسين مردان كان أسبق شاعرٍ كتبَ قصيدة النثر في العراق، ودعا إليها، لكنَّهُ كان يسميها بـ (النثر المركز)، ويبدو أنه خشيَ من تسميتها بـ (قصيدة النثر) طوالَ حياته.

أما رشيد ياسين فهو على النقيضِ التام من حسين مردان، فقد كان (حتى رحيله إلى الرفيق الأعلى) ذا شخصيّةٍ كلّها اعتداد، واعتدال، وحصافة في الفكر، والنقدِ، والشاعريّة؛ أمّا اهتمامُهُ بحداثة النصِّ الشعري، والارتقاءِ به إلى مستوى تحولات الواقعِ، فيكشفُ عنها الشعرُ المشحونُ بالدلالات الرمزية، والعمقِ في اللغة، واتساعٍ مديات الإيقاعِ في القصيدة، واستخدام تقنيات السردِ في الأداء والتوصيل.

ولعلَّ قصيدته (الدمية الحزينة) خيرُ دليلٍ على ذلك، إذ تألّفتْ من حوارية تدورُ بين بطلِ القصيدةِ والدمية، وهما ينتظرانِ سيدةَ البيتِ الغائبةَ، لكنَّ هذه الحوارية استخدمت تقنية (المونولوج الدرامي) فكلاهما (البطل والدمية) يخاطبُ الآخر داخلياً:

ـ قالت ستغيبُ ثلاثة أيام !

أترى كم يوماً مرَّ ؟ ..

وهذا الصمتُ .. أتشعُرُ كمْ هوَ قاسٍ ومخيفْ ؟!

يدهِشُني أنكَ تمضي لتنام !

إنّ رشيد ياسين يظلُّ شاعراً كبيراً، وإنْ لم ينصفْهُ النقدُ، مع أنه من أبرزِ شعراءِ جيل السيَّاب، ومناصريه في معاركة الأدبية، الأمرُ الذي يثيرُ سؤالاً حائراً عن هذا التعتيمِ غيرِ المبرَّرِ، ففي مجموعته (الموت في الصحراء)(36) قدّمَ نصوصاً غنيّةً في تقنية (المونولوج الدرامي) المناجاة، سواء في القصائد التي وظَّفَ فيها الرموزَ الإغريقيةَ مثل (ديونيس) و (أوليس) أم في تلك التي وظّف فيها أحداثاً، وأثاراً إبداعية مثل (قلعة السينور) و (الغصن الذهبي) وغيرهما، لكنَّ أحداً من النقادِ لم يجرؤْ على الاقتراب منها تحليلاً، وتفسيراً، وتقويماً، ويبدو أن للسياسةِ شأناً في ذلك.

*******

وقبل الانتقالِ من هذا المحورِ لابدّ أنْ نشيرَ إلى شاعرينِ آخرينِ مهمّينِ في هذه الحقبة هما: محمود البريكان (1931 – 2002م)، و عبد الرزاق عبد الواحد (1930 – 2015م.) ويعدّانِ من أشهرِ الشعراء الذين كتبوا القصيدةَ الكلاسيكية الجديدة، والقصيدة الحديثة، وإنْ اختلفا رؤيةً، فقد اهتمَّ الأوّلُ بالإنسانِ، وحملَ هموم المتعبينَ المسحوقينَ في كلِّ مجالاتِ الحياة، في حين كرّسَ الثاني إبداعه لخدمةِ الطغيانِ، والدفاعِ عن الدكتاتوريّةِ، وإن خصَّ في بعضِ قصائدهِ ذاتَهُ الشاعرةَ بأجملِ صورهِ المبدعة، كما في قصيدة (زيارة) التي يخاطبُ فيها ملكَ الموت طالباً منه أن يترفّقَ به حين يزوره، متضرِّعاً إليه ألاّ يوقظَ أولادَهُ حينِ يستلُّ منه الروح:

من دون ِميعادِ

من دونِ أنْ تُقلِـقَ أولادي

أطرقْ عليَّ البابْ

أكونُ في مكتبتي في مُعظمِ الأحيانْ

اجلسْ كأيِّ زائرٍ وسوفَ لا أسألُ لا ماذا ولا من أينْ

وحينما تُبصرُني مغرورَقَ العينينْ

خذْ من يدي الكتابْ

أعدْهُ لو تسمحُ دونَ ضجّةٍ للرفِّ حيثُ كانْ

وعندما تخرجُ لا توقظ ْ ببيتي أحدا

لأنَّ من أفجعِ ما تبصرُهُ العيونْ

وجوهَ أولاديَ حينَ يعلمونْ

في حين كرّسَ البريكان شعرَهُ لتصويرِ معاناة المهمَّـشينَ، كما في (حادثة في المرفأ) التي يصوِّرُ فيها ذراعاً طويلةً لرافعةٍ حديديّةٍ تهوي على أحدِ عمالِ المرفأ بكلِّ ما تحمله من كتلِ الصُّلبِ، والحديد، فتحيله (دماً يسيل) .

لكنّ القصّةَ لا تنتهي بمقتلِ العاملِ، وتصويرِ لحظةِ سقوطِ الذراع عليه، أنَّما في مايردُ من سردٍ مثيرٍ بعد الحادثةِ يتلمَّسُ دقائقَ الأشياءِ ، فزملاءُ القتيل من العمال لا يعرفونَ عنه غيرَ اسمهِ الأول، وليس أكثر من أنَّه أبٌ لبنات، وليس له بنون ، وحين يتفحصونَ جيوبَ ملابسِه لا يجدونَ فيها غيرَ ظرفٍ عتيقٍ فيه رسالتانِ، وبضعةٌ من نقودٍ معدنيّةٍ تلوثتْ بدمه القاني، هي كلُّ ما خرج به من حياتهِ المهانة:

"من يعرفُ الآنَ القتيلْ "؟

إلا اسمه . حتى أسمِه بتمامهِ لا يعرفون!

ويقالُ إنَّ لهُ بناتٍ في مكانٍ يجهلونَهْ.

ناءٍ ، وليس لهُ بنونْ

في جيبهِ ظرفٌ عتيقْ

ورسالتانِ، وفي جيوبِ ردائهِ الخلِقِ، الرقيقْ

وجدوا نثاراً من نقودْ

هيَ كلُّ ما استبقاهُ من أيامِ غربتهِ الطويلةْ

ومن المهانة ِ – والضياعْ

قطعاً مدوّرةً صقيلة ْ

بيضاً سوى نقطٍ بلونِ الجمرِ من دمهِ المضاعْ.

*******

ـ 4 ـ

شهدتِ الستينياتُ في العراق تحولاتٍ سياسيةً خطيرةً متشنجةً أدَّت إلى نكساتٍ في كلِّ مساراتِ الحياة والفن، فانحسرتْ عن مسرحِ الحياةِ والإبداع أنهارٌ كانت راغبةً في تغيير حالةِ الجدب المنتشر، وصولاً إلى تحقيق حالةٍ من الخِصبِ الفكريِّ، والإبداعِ الفاعلِ، وقد تعددت أسبابُ ذلك وتنوّعتْ، لكنَّ أهمَّ عاملينِ فيها هما: حدوثُ انقلاب 8 شباط الأسود في العام 1963م، وما تلاهُ من أحداثٍ قمعيَّةٍ، وقيام بعض الدوريات الأدبية لاسيما مجلة (الآداب) البيروتية بالدعوةِ إلى نشرِ الأدبِ السوداويِّ المتشحِ بالسأمِ من الحياة، والنظرة القاتمة، وإشاعةِ العدميّة.

وفي خلالِ تلك الفوضى، وذلك الجدْبِ المميتِ خلتِ الساحاتُ الأدبيَّةُ من الأقلامِ المبدعةِ الحقّة، بعدَ أن زُجَّ بالكثيرِ منها في السجون، والمعتقلات، وبعد أن كانَ نصيبُ القسم الباقي (منها) المطاردة والتشرد.

وفي خلالِ هذا الغياب الأدبيِّ المفروضِ قسراً اعتلى منابرَ الأدبِ أناسٌ كانوا من صنعِ هذه المرحلةِ، فحاولوا أن يجعلوا الساحةَ الثقافيةَ ميداناً للخواءِ المتآكلِ الذي لا علاقة له بالحرية، والمجتمع، وما أصابه من ظلم، وجورٍ غير سوداويةٍ متأتيةٍ من غيابِ الوعي الفكريِّ لأبعاد ذلك التحرك، فأنتشرَ الغثُّ من النتاج الذي لا تعرفُ له مضموناً، ولا هدفاً غير تسطيرِ الكلماتِ على نحو يوحي بالهلوسة، فظهرتْ نصوصٌ تلمّحُ إلى وجودية من نوعٍ خاص، لا تجدُ في معجمِها غير العدمِ، والسأم، والعبث، فظنَّ كثيرٌ من الأدباءِ الشبابِ الذين كانوا في مرحلةِ التخمّرِ، أنَّ سمةَ العصرِ، وهذه الحقبة بالذات هي هذه الرؤيةُ السوداويةُ للحياة، وعندما بدأوا المشاركةَ كانوا ضحايا تلك الرؤيةِ المزيّفةِ دون وعيٍ منهم، فتورطوا بحسنِ نيَّـةٍ في تلك الرؤيةِ المريضة، وأنتجوا أدباً أسموه بالسوريالي تارةً، وأدبِ الضياعِ والخيبة تارةً أخرى، وظلوا سادرينَ في ذلك الاتجاه حتى حصولِ نكبةِ الخامس من حزيران في العام 1967م، التي أدتْ نتائجُها إلى الثورةِ على كل المسلّمات، السياسية ، والفكرية، والأدبيّة المثبطة، فكان أن أنهزمَ الخواءُ، والجْدبُ القاحلُ، وعاد تموز ثانيةً إلى الحياة مبشراً بالستينيين الذين أشعلوا فتيل التغيير.(37)

لقد قدّمَ الستينيونَ إبداعاً ذا أفقٍ مغاير، وارتقوا بنصوصِهم إلى مستوى التحولاتِ التي شهدها الواقع، سواء أكان ذلك في الصياغة اللغوية، أم في التقنيةِ الأسلوبية، أم في دلالات الرمز، أم في حركة الإيقاع الداخلي.

ففي اللغةِ كانت جملُهم مصاغةً بمهارةٍ أعلى، وفي التقنية الأسلوبية أفادوا مما قدَّمهُ الفنُّ القصصيُّ من إدخال (المونولوج الدرامي) و (الديالوج) و (الراوية/ العليم أو الموضوعيّ) في القصيدة الدراميّة، وفي الرمزِ كانت دلالاتُهم مشحونةً بتأويلاتٍ فاعلةٍ في الأداءِ التعبيري، وفي الإيقاع الداخليِّ شدَدوا على التدويرِ السائبِ، وتكوينِ التجمعاتِ الصوتيةِ المتماثلةِ، أو المتجانسة، وصولاً إلى تحقيقِ حيويّةِ الإيقاعِ الخفيِّ.

ومع أنَّ جلَّ الستينيينَ قد شربوا من (بويبِ) السيابِ، إلا أنَّهم رفضوا الاعترافَ بذلك، بل أنَّ بعضَهم جاهر بأنه قد تجاوزَ مرحلةِ السيَّاب، أو أنه لم يكنْ قد تأثَّرَ بتجربتهِ، ومثلُ هكذا إدعاء يذكرُنا بقولةِ أندريه بريتون: (حين يتعلقُ الأمرُ بالتمرّدِ ينبغي ألا يحتاج أحدٌ منا إلى أسلاف)..

إنَّ الستينيينَ جيلٌ كبيرٌ، وإنجازاتُهُ ضخمة، وحيويةٌ، والرداءةُ في إبداعهِ قليلة، ولعلَّ الإحاطةَ في (ما لَهُ وما عليه) تقتضي كتاباً في الخطابِ النقديّ، فقد كانوا أشدَّ صرامة على اختراقِ السائدِ، والانطلاقِ إلى آفاقِ التجريب، وإحداثِ الجديد، ووضح ذلك في رؤى عديدة ، في بنية النصِّ، وفلسفتِه، وإيقاعهِ؛ فقد مثَّـلت تجاربُ فاضل العزاوي الثورةَ على الإيقاع الخارجيِّ في كتابتهِ للنصِّ المفتوح ، وحققَ حسب الشيخ جعفر الانبهارَ والدهشةَ في القصيدةِ المدورة (في أكثرَ من ديوان) وعمد سعدي يوسف إلى ما يُسمَّى بقصائد (القرين) لاسيَّما في ديوانه (الأخضر بن يوسف ومشاغلهُ)، وأدهشَ سامي مهدي متلقيه في تقنيةِ السردِ في تجاربهِ المدورة، لاسيَّما تلك التي وظّفَ فيها الحكاياتِ التراثيةَ، والآثارَ الإبداعيةَ الإنسانيةَ في (سعادة عوليس) و (بريد القارات)، وأسهمَ فوزي كريم في تحقيقِ تشابكِ الأصواتِ في قصائد اللمحة، وتقديم النصِّ ذي الدلالةِ العميقة، وتمكَّـنَ صلاح نيازي من تحقيقِ التداخلِ الإيقاعي المثير في ( وهم الأسماء) وكشفَ فيه عن اقتدارٍ في تطويعِ الإيقاعِ العام لحيويةِ التعبير، واعتنتْ ريشةُ حميد سعيد برسم الشخصيةِ في بعديها: الفكريّ والإنسانيّ ، والمحَ ياسين طه حافظ إلى إمكانيةِ جعل الراوية مصدرَ التفلسفِ في القصيدة، وكرَّسَ عبد الأمير الحصيري الشعر لمعاناةِ المحبطِ في عدم قدرتِه على التغيير، وتفرَّدَ محمد سعيد الصكَّار في خلقِ قناع خاص به (حين تعزُّ قولة الحق، ويتلجلجُ اللسان في نطقها) فأوجدَ (أيام عبد الحقِّ البغدادي ) الشجاعِ الذي يلوذُ به في كثيرٍ من الأحيان، وكانَ سركون بولص شديدَ الولع بمعانقةِ أعماقِ النفس، والولوجِ إلى داخل أعماقِ البطلِ المنكفئ على ذاتهِ قبل تحوله خالصاً إلى كتابةِ قصيدة النثر التي تنفَّـسَ فيها مؤيد الراوي الصعداءَ دون أن يكونَ له تاريخٌ شعريٌّ في قصيدة الشطرين، أو شعر التفعيلة.³⁸⁾

أما بقية هذا الجيل فأبرزهم : يوسف الصائغ، ومحمَّد عليّ الخفاجي، ومحمَّد حسين آل ياسين، وخالد علي مصطفى، وصادق الصائغ، وعبد الرحمن طهمازي، ومالك المطلبي، ومظفر النواب، ورشدي العامل، وعمران القيسي، وجليل حيدر، ويحيى السماوي، وخالد يوسف، وعبد الكريم كاصد، وخالد الحليّ، وعليّ جعفر العلاق، وعليّ الحلّي، ومحمّد جميل شلش، وعبد اللطيف أطيمش، وشيركو بيكس، وشفيق الكمالي، وعبد اللطيف بندر أوغلو، ومحمّد البدري، وبدر خان السندي، وعبد الإله الصائغ، وسعيد جاسم الزبيدي، وخسرو الجاف، ومعد الجبوري، ومحسن أطيمش، وغيرهم الكثير.

أما شعراءُ قصيدةِ النثرالذين أخلصوا الامتثالَ لصرعتها، وتفاوتوا في منحاها الأدائي بين الغموضِ الشفافِ، والإبهامِ المستغلقِ إلى حدِّ الحذلقةِ الشكلية (أحياناً)، والتجريدِ الذي يجدُ ولعهُ بالبلاغة اللفظية، فأبرزُهم: عبد القادر الجنابي، وسلمان داود محمّد، وسلام كاظم، وجواد الحطّاب، وكاظم الحجّاج، وهاتف جنابي، وغيرهم الكثير.

وإذا كان عبد القادر الجنابي معنياً بتكسيرِ اللغة، مفاخراً بالخروجِ على قواعدها، لا يقيمُ وزناً للمعنى بوصفهِ سوريالي النزعة، فإنَّ رعد عبد القادر يميلُ إلى هلوسةٍ في تفتيتِ الجملةِ، وترسيمها، حتى أنه من جراءِ هذا الترسيمِ الصوري للألفاظ لم يستطع تقديمَ ديوانه (جوائز السنة الكبيسة) للمطبعة، لأنَّ تلك الترسيمات: من دوائر ، ومستطيلات، وعقارب ساعة، ونجوم، وغيرها تحتاجُ إلى خطاط يرسمُ الحروف، لذلك كتبَها عنه حكمت الحاج خطيّاً.

وقبلَ ختامِ هذه القراءة الموجزة ينبغي الإشادةُ بما قدّمه (ويقدّمه) جيلُ السبعينيّات والثمانينيّات من إنجازٍ مثّلَ تطوّراً إيجابيَّاً مهمّاً في نموِّ القصيدةِ الجديدة، وأعادَ لها ماء الشعر، وجعلها تُثير الدهشةَ في بنيتِها اللغويّة، وطاقتها التعبيريّة، وتوترها الدرامي، ولعلَّ دراسةَ شعراءِ ذينِـكَ الجيلينِ تحتاج قراءةً أخرى، لتوصيف ما كان للجيلينِ،وما عليهما.

●●●●●

أ.د. عبد الرضا عليّ

.........................

إحــــــــالات

(*) فرزة من كتابنا ( قيثارة أورفيوس) دار العارف للمطبوعات، بيروت، 2017.

(1) ينظر: د. عليّ عباس علوان (تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجماليات النسيج)، في أكثر من موضع، وزارة الإعلام، بغداد (د.ت).

(2) إبراهيم الوائلي/ الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر، 129، ط2، مط المعارف، بغداد، 1978م.

(3) نفسه، 128.

(4) ينظر: د. جلال الخياط (الشعر العراقي الحديث مرحلة وتطور) 53، دار صادر، بيروت،1970م.

(5) ينظر: د.مهدي المخزومي (في لغة الجواهري) ضمن كتاب (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات) جامعة الموصل 1980م.

(6) تُنظر مقالته (هو الجواهري) 14 ـ 20، نفسه.

(7) نُشرت في الجزء الخامس من ديوان الجواهري، 81، طبعة وزارة الثقافة والإعلام، حققه وأشرف على طبعه لجنة من الأساتذة.

(8) قصيدة (فتى الفتيان... المتنبي) ألقى الشاعر قسماً منها في الأمسية الشعرية التي أقيمت في قاعة ابن النديم لمناسبة مهرجان المتنبي، مساء الاثنين 7تشرين الثاني، 1977م.

(9) لإفادة في قضيَّة محاولة التحديث كانت من أكثر من مرجع، لاسيّما مقدّمة الدكتور عبد الهادي محبوبة لكتاب نازك الملائكة (قضايا الشعر العاصر) في طبعتهِ السادسة /دار العلم للملايين/1981م، ينظر: ص:9.

(10) ينظر: قضايا الشعر المعاصر، 234 ـ 241، ط6، دار العلم للملايين، بيروت، 1981م.

(11) ديوان نازك الملائكة، مج2: 195، ط2، دار العودة بيروت، 1979م.

(12) ينظر: د. عبد الرضا عليّ، نازك الملائكة دراسة ومختارات، 75 ـ 77، دار الشؤون الثقافية بغداد، 1987م.

(13) ينظر: عبد الرضا عليّ، الأسطورة في شعر السياب، في أكثر من موضع، ط2، دار الرائد العربيّ، بيروت، 1984م.

(14) ديوان بدر شاكر السياب، 457، دار العودة، بيروت، 1971م.

(15) نفسه،229.

(16) عبد الوهاب البياتي، (الأعمال الكاملة) مج2: 230، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وغاليري الفينيق، بيروت، 1995م.

(17) ينظر: د. عبد الرضا عليّ، (دراسات في الشعر العربي المعاصر، القناع، التوليف، الأصول)   40 ـ 46، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1995م.

(18) حوار عبر الأبعاد الثلاثة، قصيدة مطوّلة، 1972م.

(19) ينظر: مقدمة نازك الملائكة لديوان" شظايا ورماد"، مج2: 22.

(20) د. عبد الرضا عليّ، نازك الملائكة الناقدة، 171، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1995م.

(21) ديوان بدر شاكر السياب، مج1 : 325.

(22) ينظر للباحث: الأسطورة في شعر السياب، 97.

(23) ديوان بدر شاكر السياب، 324.

(24) ينظر للباحث: دراسات في الشعر العربي المعاصر، 130.

(25) عبد الوهاب البياتي (ينابيع الشمس) 168، ط1، دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق، 1999م.

(26) نفسه، 166.

(27) نفسه، 168.

(28) الأعمال الشعرية، مج2 : 487.

(29) ينظر للباحث: جدلية العالمية والمحلية في استخدام الرموز، وقائع مؤتمر (الأدب العربي والعالمية) 4 ـ 7 ديسمبر، 1999م، المجلس الأعلى للثقافة، مصر.

(30) عاش الشاعران حياتهما الأولى في مدينة (نينوى) شمالي العراق.

(31) مقدمة (المساء الأخير) 22 ـ 23، ديوان (شاذل طاقة)، جمع وإعداد سعد البزاز، وزارة الإعلام، بغداد، 1977م.

(32) ينظر للباحث: ظلام القيثارة نصٌّ لرائد منسي آخر، مجلة الأقلام البغدادية، 126 ـ 129، العدد 1/2، لسنة 1993م.

(33) حسين مردان: الأزهار تورق داخل الصاعقة، 36، منشورات وزارة الإعلام، بغداد، 1972م. (34) و (35) قصائد عارية، 36 ـ 37، ط2، دار المعارف، بغداد، 1955م.

(36) دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986م.

(37) ينظر للباحث:عبد الرحمن مجيد الربيعي بين الرواية والقصَّةِ القصيرة،37ـ 38، المؤسَّسة العربيَّ للدراسات والنشر، بيروت/1976م.

(38) ينظر: فوزي كريم، ثياب الإمبراطور 4، ص73، مجلة (اللحظة الشعرية) العددان:5 ـ 6/1994م.

صالح الرزوقيعود قصي الشيخ عسكر في روايته الجديدة (ألقي إليك بحجر) لمشكلة الأفراد مع النظام. وحكاية الرواية هي عن مساح أرض (جيولوجي) يهديه رجل أعمى حجرا أخضر مزرقا، ثم يموت. ومن خلال العودة بالذاكرة للخلف، لأيام ما قبل الغزو، وبالتحديد حرب الكويت وإيران، يكشف عن رزايا الحرب والفساد وعن انعكاس الخلاف بين المذاهب على بنية وتركيب الأسرة الواحدة.

ويبدو منذ البداية أن الرواية تضع الفرد بمواجهة عالم متكامل من القوانين والأعراف. ولكنها لا تسمح لهذا الفرد بالاختيار بين الاتجاهات الموجودة أمامه. وتفرض عليه التعريف بنفسه. بمعنى أن مشاكل النظام، وانعكاسات السياسة الدولية على سوق السياسة في الداخل، كانت تعمل على تعريفنا ببطل الرواية، والذي أرى أنه مندوب عن الروائي نفسه.

وأكاد أقول الرواية عند الشيخ عسكر هي بطلها فقط. وإذا تقاسم أفراد الأسرة البطولة في (قصة عائلة)، فقد حمل هذا العبء في (نهر جاسم) مسقط رأسه. ولكنه فيما تبقى من أعمال قصيرة ومتوسطة الطول تكفلت الشخصية المركزية بهذا الدور. وحاولت بناء عالم من العلاقات التي توفر المضمون والشكل للعمل كله.

وفي (ألقي إليك بحجر) يعتمد الشيخ عسكر على ثلاثة أنواع من التناقضات التي تطور الأحداث، وتنقلها من مستوى الوصف والمشاهدة لمستوى الصراع.

الأول هو الاختلاف والتناحر بين أفراد الأسرة. والعائلة في مفهوم هذه الرواية يختلف تماما عن مفهومه في أعماله السابقة مثل (قصة عائلة) أو (رسالة). ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب النوعية.

فـ (قصة عائلة) هي نافذة على عالم الانقلابات العسكرية ابتداء من إسقاط النظام الملكي وحتى وصول القوميين العرب للحكم. وهذا يعني أن العائلة هي بطل ومسرح أحداث أيضا. وكل ما كان يجري في الشارع له انعكاس أو موجة مرتدة على أحد أفرادها. وهكذا تلعب العائلة لعبة الثقب الذي استغله هنري باربوس في روايته (الجحيم) من أجل تثبيت المكان وتوسيع رقعة الأحداث والتطورات.

أما في (رسالة) فالعائلة لا تدل على معنى الأسرة. وإنما على شبكة العلاقات ذاتها، كل تأثير وتأثر يشكل نواة لعائلة افتراضية، وهذا مفهوم بضوء شريط الأحداث. فالبطل كان منفصلا عن أسرته، ويعيش في حالة تشرد واغتراب. وهو ضيف أو أنه وافد على عالم بديل.

لكن في (ألقي إليك بحجر) نحن أمام المفهوم الكلاسيكي للعائلة. حتى أن بطل الرواية يعزو للعشيرة دورا أساسيا في تحديد مصير أفرادها.

يقول بهذا المعنى: العشيرة وقرابة الدم حبل النجاة. (فصل 4- المحترم).

ثم يضيف لاحقا: من لا عشيرة له تأكله الوحوش (مصدر سابق).

ثم يختم هذا المونولوج بقوله: الأهل والأقارب سلاح يحمينا (مصدر سابق).

ومن الواضح أنه يقصد رابطة الدم، أو مفهوم العصبية الخلدونية.

وأعتقد أن (ألقي إليك بحجر) هي نموذج مثالي وتطبيقي لمفهوم فرويد عن الرواية العائلية. فالصراع ينجم من الخلاف على أحضان الأم. والأحداث تتطور ابتداء من تكوين عقدة التلصص لدى الابن الأول. والاستبداد ينشأ انطلاقا من مشكلة الأب الأوديبي ودوره في تشكيل اللغة ثم تحديد معنى "آخر غيري" أو القانون، أو المجاز المنفصل عن تخيلات ورغبات الذات.

التناقض الثاني هو تحول نظام المعرفة. ويوجد في الرواية عدد من الشروخ أو التصدعات، ومنها انقلاب صدام حسين على أحمد حسن البكر، والانتقال بمفهوم السلطة من الحزب القائد للشخص القائد. ثم غزو أمريكا لبغداد، وانتقام الاسلاميين من بقايا النظام.

لكن العنف لم يكن يتحرك شاقوليا فقط، بل عموديا أيضا. الضحية كان يحل محل الجلاد وبالعكس. و بلغة الرواية: طالبو الثأر من المتضررين كانوا أيضا لقمة سائغة لبقايا النظام السابق وحلفائهم السلفيين. (فصل 6- القفص).

وتكشف هنا اللغة عن نفسها، ويغيب التعبير المجازي، وتحل محله لغة مباشرة تعبر عن روح الانتقام، والأهم من ذلك عن مشكلة البلاد مع التخلف، وسيطرة إنسان من بعد واحد على مقاليد الأمور. و بتعبير آخر لا يوجد في هذا المستوى خطاب ولا نظام تفكير، ولكن ردود أفعال عنفية. ويمكن القول إن كل شيء يبدو راديكاليا، ويؤمن بمبدأ واحد وهو التصفية والنفي أو الإلغاء.

أما التناقض الثالث والأخير فقد كان بين عناصر الطبيعة..

الحجر ضد الماء، ومخلوقات البحار ضد اليابسة، ثم الأرض مقابل الهواء. و أعتقد أن هذا المحور هو الأوفر حظا في النجاح الفني. فقد تمكن الشيخ عسكر هنا من بناء منظومة مشاعر وأفكار حولت أحداث الرواية من جانبها المباشر (وصف وحوار) لجانبها التأويلي والمجازي، ولا سيما حينما كانت تفسر الواقع بالخرافة، كألوان الأحجار المائية الملونة. وأشكال الصخور في منطقة الهور. وانتحار الطيور التي تسقط في الفخ.

حتى أنه يلخص هذا المحور بقوله على لسان بطل الرواية: إنني أجد الخرافة تتمثل بشكل واقع أمامي (مصدر سابق).

ثم يضيف من باب التأكيد: إني حين أنفي الخرافة أوغل فيها (فصل 9- عواء).

لقد تألق الشيخ عسكر في هذا المضمار، وترك لنا جيوبا شفافة تصور مجتمع جنوب بلاده، وبالأخص الكتلة البشرية البسيطة والمحرومة من المزايا والتي تعتاش على ضفاف مياه الخليج، فالثروة الوحيدة هنا هي الطبيعة والإنسان الأعزل.

كما أنه استطاع أن يصور لنا الطرفين بصورة حامل ومحمول لأسطورة عن المقاومة ضد التخلف والعبودية.

و لتقريب الصورة للأذهان كانت صورة الخليج ثم الأهوار والحياة المائية وصراع الصيادين مع الطبيعة وكائناتها إعادة تركيب (مع تحديثات) لأسطورة عبد الرحمن منيف في روايته المحزنة والمتألقة (حين تركنا الجسر).

ولكن منيف كان يبني على أصداء الهزيمة العسكرية على أرض فلسطين ثم سقوط عواصم المواجهة الأساسية. بينما يأخذنا الشيخ عسكر لما وراء هذه العقدة، التي أرى أنها رهاب خصاء حضاري، ويطورها لعقدة اغتصاب الأب الفرويدي البديل للأم غير الفرويدية.

وأعتقد أن صورة الحجرة الملونة، وما تتضمنه من أساطير وافتراضات، كانت هي الفخ الذي ورط بديل الأب ببقايا الأم. لقد كان الغزو بمثابة نيكروفيليا (كائنات حية وغازية تقتات على بقايا حضارة ميتة). وقد لعب الشيخ عسكر بهذه الرموز وأعاد بناء وإحياء الماضي من خلال هدم الحاضر المزيف.

هل كان سلفيا في طرحه لهذه الأفكار؟.

لا أعتقد ذلك.

فمنظومة المقاومة والإلغاء كانت أصيلة، وهي تشمل الفكر الاستعماري بشكليه الأساسين: الغزو والاحتلال، والاستبداد الذي يستعمر الإرادة الحرة ويفرض عليها عقلا جاهزا ومسبق الصنع. ومهما حاولت تبريره تجد أنه عقل غير تجريبي ويحاكي نفسه، ومكتوب عليه الفشل أو الجمود.

 

صالح الرزوق

 

ahmad alkhozaiأهم ما ميز المجموعة القصصية (قصة حب مفخخة)، الصادرة سنة 2018 عن دار سطور، هو وجود نسقين حكائيين متزامنين فيها، يعبران عن وجهتي نظر لكاتبين، يتقاطعان من حيث البناء التكويني والنفسي، ويلتقيان فكريا وفق رؤية اقتربت بدرجة يمكن أن يقال عنها (رؤية مشتركة)، إن وجود القاصة حذام يوسف طاهر والقاص محمد عواد الخزاعي في عمل مشترك، حتم عليهما من ان يجدا مقتربات فكرية تنبثق عنها رؤية سردية، تقود إلى ما يمكن أن نطلق عليه في عالم السرد (بالتوافقية)، أي الوصول إلى توافقات في كيفية صياغة ورسم الشخصية القصصية المشتركة بينهما، والعوامل المؤثرة فيها، وطبيعة الأحداث التي تشكل المبنى الحكائي للنصوص، وكيفية وضع خواتيم تعادلية لها.. وهذا يتطلب تنازل كل منهما عن بعض متبنياته وخصوصيته كسارد، ويشتغل مع الآخر ضمن المشتركات وحلقات الالتقاء فقط، حتى تغدوا نصوصهم منسجمة مع نفسها، ولا تعاني من الإرباك أو التناقض.. إن المدرسة التوافقية أو التعادلية، هي منهج أيدلوجي سردي انتهجه بعض كتاب السرد في خمسينيات القرن الماضي، نتيجة المتغيرات السياسية والفكرية والاجتماعية التي حدثت في بعض بلداننا العربية، ومنها مصر حيث يعد توفيق الحكيم رائد هذه المدرسة، والتي حاول من خلالها التأقلم مع الوضع الجديد بعد ثورة 1952 في مصر، هذا التأقلم الذي اضطره للنزول من برجه العاجي والتنصل من نزعته الارستقراطية، التي نشأ عليها وإيجاد طرق سردية تنتهج الوسطية في صياغتها للأحداث، وفق رؤية تعتمد التوافق في صناعة الاحداث، لايوجد فيها غالب أو مغلوب، لمعظم الصراعات التقليدية القائمة آنذاك بين (الرأسمالية والبروليتاريا والمرأة والرجل والإقطاع والفلاحين)، وقد اتضح ذلك جليا في مسرحيتي (ايزيس والصفقة).. في مجموعة قصة حب مفخخة نجد حضور واضح لسمة التوافقية، في صياغة الرؤى والافكار، وبالأخص في القصص الثلاث المشتركة.

تتألف المجموعة من ثلاث أقسام رئيسية وهي (القصص المشتركة، قصص حذام يوسف طاهر، قصص محمد عواد الخزاعي).

أولا: القصص المشتركة

1- قصة حب مفخخة: النص يمثل تناص ومقاربة فكرية مع رواية (الدون خي شوت) للروائي الاسباني سيرفانتس، مع اختلاف في طبيعة الأحداث في كلا النصين .. الفتاة الفقيرة التي تصارع الكتل الكونكريتية في محاولة يائسة منها لإزاحتها عن مكانها، لأنها تقف عائقا ماديا ونفسيا بوجه معيشتها وأحلامها.. كانت لغة النص سهلة مرنة، وإيقاع سير الأحداث هادئا، مع طغيان للنزعة التشيخوفية الميالة إلى إظهار المعانات الإنسانية في ذروتها، وجود خال البطلة المقعد وولعه بالتحف بالرغم من فقره وعجزه، اضفى على النص طابعا حميميا ينزع إلى التأصيل الاجتماعي.. هناك إشكالية رافقت النص، وهي كثرة استخدام ضمير الغائب، فقد تكرر بصورة ملفتة للنظر، كما في العبارات الآتية (وهي تعبر الشارع، وهي مبتسمة، وهو يعزف،....) وكذلك تكرار المفردات ذاتها في الجمل المتتالية (تعبر، انتظار، السيارات، الانفجارات، أحلام، كتل،....) هذا التكرار يعد إسهابا يربك سياق النص وانسيابيته، ويعد اثقالا لبراءته.

2- قصة مظلة إسمنتية: تطرق هذا النص إلى علاقة إنسانية جميلة، بين رجل مرور وفتاة انتهت هذه العلاقة بخطوبتهما.. تعد هذه القصة من النصوص القلائل التي انتهت بنهاية سعيدة في المجموعة، استخدم فيها القاصين أسلوبا سرديا تقليديا مباشرا (بداية وعقدة وحل)، واستعانا بإحدى أنواع العلائق السردية والتي أطلق عليها جيرار جنت (العلاقة الايجابية النامية)، أي المنتجة.. كان النص خاليا من أي حدث محوري حقيقي، وحلت محله أنماط سببية ساهمت في خلق نهاية تشير إلى نشوء حدث وهو خطوبتهما، وهذا ما أشار إليه الناقد جيرالد برنس بقوله (الحدث هو وجود سلسلة من الوقائع المتصلة التي تتسم بالدلالة تتلاحق من خلال بداية وعقدة وحل).. حملت خاتمة النص سمة المفاجئة والصدمة، على الرغم من وجود تمهيد لهذه الخاتمة قد سبقها، ولا مبرر لوجوده، وكان الأحرى ترك السياق الحكائي يأخذ مداه حتى يصل إلى ذروته ليفجر المفاجئة (مثل كل يوم بدا بتنظيم الشارع مع زميل له، وهو يترقب إشارتها بالترحيب، ولكن هذه المرة إشارة فرح وإعلان لقصة حبهم توجت بخاتم خطوبة، ووسط ضحكات وتعليقات صديقاتها، تمر من جانب الشارع وتشير له بالخاتم).

3- قصة واد ابتسامة: تميزت ثيمات النصوص المشتركة الثلاث بوجود المرأة كركيزة أساسية لها، في هذا النص المرأة كانت فتاة مكافحة طيبة تحب الآخرين، تتهم فجأة بشرفها فيقودها هذا الاتهام إلى القتل على يد أهلها وعشيرتها.. شهد إيقاع النص تذبذب تلائم مع طبيعة الأحداث القائمة والمتسارعة فيه، التي خضعت لمتوالية سردية اعتمدت تقنية القفز الزمني (عمل- اتهامات- حبس – قائمة ممنوعات- تهديد- قتل) وهذا ما يطلق عليه اصطلاحا (النسق التتابعي) أي تسير الأحداث ضمن تتابع زمني متسلسل ولا وجود لارتداد زمني فيها وفق النسق التقليدي.

ثانيا: قصص حذام يوسف طاهر

يعد أدب الحرب ردة فعل الإنسانية الأولى اتجاه القتل، والرسومات التي وجدت في كهوف الإنسان البدائي، تمثل أولى تجليات ردة الفعل هذه، ويصنفه بعض النقاد، بأنه عملية جلد للذات تمارسها الشعوب لتسلط الضوء على الماسي والنكبات التي تخلفها الحروب وتداعياتها، للحيلولة دون تكرارها.. ومن الملاحظ أن اغلب نصوص حذام يوسف طاهر، هي جزء من هذا الأدب المهم وسأتناول بعض تلك النصوص:

1- قصة أحلام الرماد: تصوير لزاوية مظلمة ومأساوية من مجزرة سبايكر التي حدثت في صيف 2014 في مدينة تكريت العراقية، حين أقدم الإرهاب على إعدام أكثر من 1700 جدني عراقي اعزل بدم بارد.. النص يمثل مشهد صامت، بطله جندي عاش تلك المحنة التي انتهت بمقتله.. حمل النص مجموعة تساؤلات جدلية طرحها ذلك الجندي، وهو في مسيره إلى حتفه، كان بالإمكان الاستعاضة عنها بسؤال واحد يحمل دلالتها جميعا.. اتصف النص بكونه واقعي ومتزامن لأن أحداثه قريبة من زمن الكتابة، وهذا يكسبه شيء من التفاعل والتعاطف من قبل المتلقي، كونه عاش زمن الحدث وتداعياته. 2- عبث: نص تهكمي يحمل شيء من السخرية والكوميديا السوداء، وضع في إطار حكائي، غلبت عليه صيغة التساؤلات التي حمل بعضها طابع فلسفي، يطرحها على نفسه جندي عراقي هارب من الخدمة العسكرية إبان النظام السابق، وهو يفكر في الانتحار للخلاص من سطوة النظام ومن حياته الاجتماعية البائسة، وهو يعيش محنة محاولة أمه إجباره على الزواج من ابنة عمه، وإلحاح حبيبته عليه بالزواج، ينتهي هذا الصراع الداخلي، بقراره الهرب إلى مناطق الاهوار في جنوب العراق، والعيش هناك بعيدا عن الجميع .. وجود الأسماء في النص أمر غير مجدي، ولا تحمل أي دلالة تخدم النص وقصديته.

3- هلوسات معاون طبي: يبدأ النص بسؤال يطرحه البطل على نفسه القلقة (مالذي يمكنني تقديمه لهؤلاء ؟)، ثم يلي هذا السؤال عدة أسئلة أخرى، تبين بؤرة التأزم القائمة في النص، حين يقف البطل عاجزا أمام عدد كبير من جرحى الحرب في إحدى الحروب العبثية التي خاضها العراق في تاريخه المعاصر، النص يمثل مشهد اجتزأ من الواقع، لينقل ألينا صورة ذهنية، شكلها البطل للحظة التأزم التي يعيشها، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحا (قص الهذيان)، الذي يتميز بكون أفعاله غير حقيقية، أي غير مادية، وزمن القص فيه افتراضيا.

ثالثاً: قصص محمد عواد الخزاعي

كانت نصوص محمد عواد الخزاعي، تحمل ملامح قص (التشيؤ)، بحسب مصطلح القاصة ناتالي ساروت، وهذا النوع من القص يتميز بارتباط ابطال نصوصه بالأماكن والأشياء المحيطة بهم، حيث تشكل دلالات المكان تأثيرا كبيرا على نفسياتهم وحراكهم الاجتماعي، كما في قصص (غربة، المومس، عرابيد الهور، أحلام في حقيبة، الدماء تصلي،...)..وساتناول بعض هذه النصوص:

1- قصة المسبحة: لحظة تداعي حر لرجل محبط أضاع مسبحته التي تمثل بقايا ارث أبيه.. ويمكن تعريف التداعي الحر (ترك البطل يعبر عن نفسه بصيغة موندرامية، دون تكلف ودون الالتزام بأدوات القص، بداية وعقدة وحل).. تخلل هذا التداعي الحر عملية ارتداد للماضي القريب، تستحضر الحدث المحوري للنص، وهو فشله في الاحتفاظ بخطيبته، بعد ان صارحته بأنها تعيش على ذكرى رجل آخر، وتذكره انه أعطاها مسبحة أبيه لتستفتي فيها مستقبل علاقتهم.

2- المومس: قصة قصيرة جدا، مشهد صامت ينقله إلينا سارد خارجي، يصور فيه ليلة من ليالي مومس، تقف عند نافذة غرفتها بانتظار زبائنها.. كان القاص موفقا في نقل المشهد ودلالاته وانزياحاته النفسية، عبر عملية تكثيف، تجلت بوضوح في الخاتمة، التي اختزلت حياة هذه المرأة بكل ماسيها وإخفاقاتها (انزوت الأرداف وضمرت النهود وحتى أصباغ المكياج أصبحت ثقلا على وجهها المتعب).

3- غربة : سارد ضمني، يحكي تفاصيل رحلته عن مدينته، بسبب الإحباط والهزيمة النفسية التي يعانيهما، يلتقي بمومس تشاركه رحلته إلى المجهول في عربة قطار، يقرران بعد حوار طويل بينهما، ان يعيشا معا.. تميز هذا النص بقدرة القاص على وضع حد ثقافي ومعرفي فاصل بين البطلين، تمثل بالفرق الواضح في مستوى اللغة التي تحدثا بها، أثناء حواراتهما، وهذا أمر يحسب له، كون هذا الأمر يعد مطب سرديا يقع فيه الكثير من الساردين حتى المتمرسين منهم:

- ماذا تقرا؟

- وهل تفهمين ما اقرأ؟

- لا.. ولكنه التطفل لطريق لا ينتهي إلا بعد ساعات.

- أنها رواية اسمها الساعة الخامسة والعشرون.

4- قصة عرابيد الهور: نص ينقلنا الى أجواء الهور لكن برؤية مغايرة عن المألوف ..أي رؤية مغايرة لما تحمله الذاكرة الجمعية لهذه المنطقة الجميلة والغنية بمياهها وخضرتها، فطبيعة الحدث الرئيسي قد حولت هذا المكان الجميل من (اليف) الى مكان (معادي).. يحكي النص مأساة جندي هارب من الخدمة العسكرية إبان النظام السابق، وهذه الثيمة مقاربة لقصة حذام يوسف (عبث)، يلقى القبض على هذا الجندي ويعدم رميا بالرصاص في منطقة سكناه وهي الهور.. كان العنوان يمثل نصا موازيا للمتن من حيث الدلالة، كون (العربيد) وهو الأفعى، حيوان تميزت به هذه البيئة العذراء، واستحضاره بهذه الطريقة بأن يكون شاهدا وحيدا على مقتل البطل، هي إشارة لتجذر البطل بهذه البيئة، ورمزية مثيولوجية للخلود.. كان مستوى الخطاب فوق مستوى المتكلم، والتي تشير أحداث النص على انه كان رجل ريفي بسيط، لكن اللغة التي تحدث بها، كانت متقدمة نخبوية، تحمل طابع خطابي ثوري واعي، لا يتلائم مع الوجه العام لمثل هكذا شخصية، وكان بالإمكان خفض مستوى اللغة قليلا، أو الإشارة إلى أن هذا النوع من اللغة العالية المستوى، كانت تعبر عن لسان حال الموقف الذي يمر به البطل.. علما أن القاص قام بالتنويه في بداية النص، الى ان البطل هو من كان يتحدث:

(أوهم عقله انه يحلم يهذي يعوي ألما يصرخ بالهور هل قئتني؟).

 ثم نجده في نهاية النص، قد أشار إلى أن هذه اللغة المتقدمة كانت تمثل تعبيرا لغويا للقاص نفسه، عن المشهد المأساوي الذي عاشه البطل:

(هذا ماقالته عيناه الغائرتان بعذابات فجره الدامي).

الخاتمة:

أود الإشارة، إلى أن المجموعة القصصية (قصة حب مفخخة)، للقاصين.. حذام يوسف طاهر، و محمد عواد الخزاعي، قد تضمنت ثلاثة انواع من الشخصيات القصصية المختلفة:

1- شخصيات القصص الثلاث المشتركة: كانت حالمة، عاشقة، مسالمة، متفائلة، بالرغم من أن اغلبها كان يعيش حياة بائسة صعبة، واًلت مصائرها إلى نهايات مأساوية.. (شخصيات رومانطيقية).

2- شخصيات قصص حذام يوسف طاهر: مشاكسة، جدلية، تعمد على إثارة بؤر التأزم، عبر طرحها للأسئلة المتكررة (شخصيات ديناميكية قلقة).

3- شخصيات قصص محمد عواد الخزاعي: مثقفة.. لكنها مهزومة نفسيا، ومحبطة، تعاني استلابا قسيرا، وغربة روحية (شخصيات مؤدلجة مبدئية).

 

احمد عواد الخزاعي

 

khoulod albadriإن ميثاقك مكتوب في قلبي ولن أنقضه أبدا.

مدخل أول: كانت ”رواية التعليم التاريخي” مرحلة ضرورية وممهدة لرواية ” النضج ” التي تناولت التاريخ بأحداثه وشخوصه وملامحه تناولا فنيا متكاملا، ووفقا لأسس واضحة ومعروفة، تعارف عليها كتاب الرواية في الغرب، ونقلناها نحن في الشرق واصطلحنا على اتباعها وتحكيمها فيما يقدم من أعمال روائية. ولم تكن مصادفة أن يكون الكتاب الذين أبدعوا في الرواية التاريخية الناضجة فنيّا من جيل الروائيين البناة ومن تلاهم ممن ساروا على نهج الرواد، واستلهموا خطاهم، واستطاعوا أن يتلافوا جوانب القصور والتقصير في البناء الروائي.. واستفادوا في الوقت نفسه بمعطيات الرواية الناضجة في العالم، ولذا استطاعوا أن يكتبوا رواية فنية ناضجة تتحقق فيها عناصر البناء الروائي المتكامل: لغة وحوارّا وشخصية وحدثا وحبكة وتشويقا، واستطاعوا في الوقت نفسه أن يوظفوا أحداث التاريخ وشخصياته ..”الرواية التاريخية في أدبنا الحديث دراسة تطبيقية د. حلمي محمد القاعود .

لفت انتباهي قصيدة لطالما رددناها وتغنت بها أصوات مطربينا.

” قالوا أحب القس سلامة

وهو التقي الورع الطاهر

كأنما لم يدر طعم الهوى

والحب إلا الرجل الفاجر

يا قوم أني بشرا مثلكم

وفاطري ربكم الفاطر

لي كبد تهفو كأكبادكم

ولي فؤاد مثلكم شاعر”

هذه القصيدة التي تأخذنا لجدلية كبيرة وتساؤل أكبر، هل يحق لمن تمثلت بهم القداسة وحظوا بها، وكانت هالة تميزوا بها عن المحيط الذي كانوا يتواجدون فيه، هل يحق لهم الصبابة والعشق والهوى، أم يجب عليهم أن يتمسكوا بفضيلة ميزتهم عن غيرهم من البشر!؟ فحبتهم هذه الخصلة الكبيرة، وهي السيطرة على النفس البشرية، أليست هي الأمارة بالسوء، والتي يجب أن لا نركن لها أبدا، أعني النفس طبعا، كما ورد عن النبي في الحديث النبوي الشريف ” … اللهم ولا تكلني لنفسي طرفة عين أبدا .. ” أن نطلق على أحد ما لفظة قديس أو قديسة، فماذا نعني بهذه الكلمة التي تحمل في ثناياها تصورات أخذناها عن هذا الشخص الذي وهبناه هذه التسمية، وهل هناك قداسة إشكالية لهؤلاء الأشخاص!؟ ولأن هذه الصفة كتبت عليهم فلابد لهم أن يبتعدوا عن العشق والهوى، وإلاّ فنحن نزيح عنهم هذه الصفة، كأنما نسقطها عنهم لا لشيء غير أن قلب أحدهم امتلأ صبابة ووجدا فهام بمن يحب؟ ولابد للقديس من قلب قُد من الصخر ليحافظ على هذه الهبة ، قصة القس وسلامة قصة قديمة في بطون الأدب العربي، وكلنا نعرفها تقريبا، لكن لا مانع من التذكير بها فهي قصة لطيفة وبها عبرة كبيرة، ويقال أنها غير حقيقية كنوع من الأسطورة. وما يهمنا هنا هو الرواية التي كتبها ” احمد باكثير ” والتي كان عنوانها ” سلامة القس ” وهنا سأعرف بالكاتب ببعض السطور قبل الدخول إلى عالم الرواية، والقصة التاريخية التي تناقلتها الشفاه قصة الحب الخالد.

علي احمد باكثير: شاعر وكاتب مسرحي وروائي ومترجم من اليمن. ولد عام 1910 ، في أندونيسيا لأبوين عربيين من حضرموت، كان يجيد عدة لغات، له روايات عديدة ومن أهمها الروايات التاريخية، منها ” وا إسلاماه ” و” ” سلامة القس “.

الرواية التاريخية من جرجي زيدان إلى نجيب محفوظ ، تلك الروايات التي كانت حكايات، وقصص كانت في بطون كتب الأدب العربي. يدونها لنا أولئك الكتاب بصيغ مختلفة، كلا حسب رؤيته وأسلوبه مع المحافظة على الأحداث الرئيسية في القصة الحقيقية، تتضمن رواياتهم سيّر أشخاص، وأبطال تلك الحقبة القديمة من الزمن. إذن ما المغزى من أعادة صياغة تلك القصص والأحداث في العصر الحديث؟ ثمة أمر آخر أن تلك القصص والحكايات والشخصيات لا زالت تدخل في عالم الرواية القديم والمعاصر، ولم يزد عليها الكاتب إلا أسلوبه وحنكته في سرد تلك الأحداث، ورواية علي احمد باكثير من هذه الراويات التي أخذت صدا واسعا، والذي لم يقرأ الرواية فهو حتما شاهد الفلم الذي مثلته السيدة أم كلثوم، والمأخوذ عن تلك الرواية. قصة القس وهو “عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ” وعشقه للجارية سلامة، وتحول هذا العشق إلى حب عذري، صاغها الكاتب بأسلوب جميل حيث نقرأ في بداية الرواية، استشهاده بالآية القرآنية ” بسم الله الرحمن الرحيم ” ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه “.

كان المدخل للرواية وصف لحياة عبد الرحمن وكيف يتمسك بالعبادة وقراءة القرآن مغالبا الصلاة على غفوة تأخذه إليها متذكرا أمه المتوفاة، وكيف كانت توقظه للصلاة وتعمل كل شيء في سبيل تفرغه للدرس. على الجانب الآخر يُظهر لنا الكاتب الجارية المتثاقلة عن النهوض من الفراش، المتمسكة باللحاف وقد شغلها الغناء حتى ساعات الصباح، تستمع له في بيت جارها ابن سهيل، توقظها سيدتها العجوز بعدما يئست من استيقاظها: ” فتنهدت العجوز وقالت في لهجة يشوبها الاستنكار والشماتة : ” نعم .. أي شيء يأتينا من أهل المدينة إلا هذا ؟ أوّاه من فساد الزمان!”

” آه يا مولاتي ما أعذب صوتها وأجمل غناءها ”

” هل كنت تتسمعين إليها ؟ ويل لك، لماذا لم تسدّي أذنيك وتنامي؟”

انفجرت الجارية ضاحكة ضحكات متقطعة، كأنها تستغرب هذا القول هل من وسعي ذلك؟ إن صوتها يا مولاتي ليتسرّب إلى أذني كما يتسرب الأمل الحُلو _ كما يهبُ النسيم العذب _ كما يداعب النعاس الأجفان !”.

وأخذت الجارية تتثنى وتميل رأسها يمنة ويسرة ثم …..” وطفقت ترقص في انتشاء وغنج وهي تغني:

” ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة …” وتعدو سلامة للمرعى مع شويهاتها وهي تترنم باللحن ، يسمعها أحد الرعاة والمسمى حكيم، فيقبل عليها ويدور الحديث بينهما عن الغناء، يتفقا من خلاله على أن يعلمها أصول الغناء ولكن بمقابل ” قال حكيم وقد عاد إلى مكانه الأول: ” حسنا سأعلمك كل يوم لحنا أو لحنين على أن تعطيني قبلة على كل لحن “. فأجابته ضاحكة: ” قبلت شرطك يا ماكر”. فابتسم حكيم ابتسامة الظافر وقال:” إذن فهاتي القبلة التي استحققتها عندك باللحن الذي علّمتك إياه الآن “.

ولكن سلامة لم تعدم الرد المقنع إذ قالت: ” إنك علّمتنيه قبل أن نبرم بيننا هذا الاتفاق، فليس لك أن تطالبني بشيء بعد “. ويغلب حب الغناء على سلامة وتترنم بالغناء في بيت مولاها فيقرر بيعها، لتمارس الغناء بعدما دربت عليه وتعلمته فأصبح مولاها الجديد لا يفارقها، ويرى عبد الرحمن حلما فيتطير من هذا الحلم ” خرج عبد الرحمن بن أبي عمار ذات يوم إلى المسجد لشهود صلاة الصبح كعادته، فلما انتهى من الصلاة وأخذ في الدعاء تذّكر الحلم الذي رآه في منامه الليلة البارحة فامتلأ قلبه رعبا، وقال ” اللهم إني أعوذ بك أن تضلني بعد الهدى ” وتلا المعوذتين ثم قال ” اللهم اجعلها أضغاث أحلام “. لكنها لم تكن أضغاثا للأحلام وإنما تجلت حقيقة عندما سمع صوتا هو نفس الصوت الذي سمعه في الحلم، صوت سلامة وهي تغني:

” إذا وجدت أوار الحب في كبدي

ذهبت نحو سقاء الماء أبترد!

هبني بردت ببرد الماء ظاهره

فمن لنار على الأحشاء تتقد؟”

الجميل في الرواية أنها تضمنت مقاطعا شعرية، والتي كانت تمس وتلامس الحالة. وهذا التوظيف للشعر طبعا يكون في خدمة الرواية التاريخية. خاصة إذا كانت عن قصة مغنية تتغنى بالشعر، الحوار والتداعيات التي يمر بها عبد الرحمن في اليقظة والحلم، وقصة العشق المشوقة بين المغنية سلامة والقس، والتي مثلت الحب العفيف الرومانسي. تدخل سلامة على القس فيرى فيها المرأة التي رآها في الحلم ” فانبهر عبد الرحمن وجعل ينظر إليها مذهوبا زائغ البصر كأنه ينظر إلى شيء آخر غيرها، إذ تمثلت له صورة المرأة التي رآها في منامه المزعج، وخيل إليه أنه يسمع صوتها وهي تقول: ” يا عبد الرحمن أنقذني .. يا عبد الرحمن أغثني !”. ” وشغف عبد الرحمن بسلامة، فكان يحلم بها ليله ونهاره، ويتسلل طيفها إليه حتى في صلاته وقيامه، وقامت بين نفسه الزاهدة الناسكة وبين نفسه المتفتحة للحياة حرب عوان صلي بنارها، وكان وقودها من روحه وجسمه، وشقي بها شقاء لم يشق قبله مثله، كما سعد بها سعادة لم يجد لها من قبل مثيلا “. وسار خبر الحب بين الناس وكتبت فيه القصائد ”

” الآن فليعلن من شاء تهيامه

قد وقع القس في حب سلامة

لم يحمه الحبّا صيامه الدائم

وخوفه الربا وليله القائم ”

وتنتهي قصة العشق حيث ِبيعت سلامة عدة مرات، ولم يستطع القس الحصول على الثمن الذي سيستردها به رغم بيعه لضيعة كان يملكها، وعمله بالتجارة، يتفقا أخيرا بعد رحلة شاقة من العذاب والصبر والسفر على التأسي في الحياة الدنيا على أن الله سيجمعهما في الحياة الآخرة.

أقول لقلبي كلما زاد خفقه

إلام يعنيك الأسى والتذكر؟

تصبّر فصاح القلب هبني احتملته

بصبر فما يجدي عليّ التصبّر؟

 

قراءة : خلود البدري

....................

يقول القس لسلامة بعدما يأس من الحصول عليها ” لعلك تذكرين قول الله تعالى ” الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين” .

 

 

جمعة عبد اللهينفرد الشاعر بسمات خاصة في تجربته الشعرية في لونه الشعري المتفرد، في اسلوبية تعود وتنتمي اليه، وهي تخالف العام الدارج والشائع في الواقع الشعري العام . انه يشق طريقه الخاص بكل اقتدار، بخبرة ومعرفة في اللعبة الشعرية واصولها ونظمها وتكتيكاتها، وفي سماتها الجمالية الفنية اوالشكلانية، ولكن دون جمالية تعبيرية واضحة المعالم في عوالمها ومكوناتها، اي ان القصيدة هي نتيجة خمرة او عجينة تقدح في شراراتها في الذهن، في تداعيات الخيال اللاشعوري، او العقل اللاواعي في تراكيباته الغرائبية . ويلعب عليها في النحت والتركيب اللغوي والبلاغي، في صياغة صور الخيال من باطن العقل اللاشعوري، يطلق عنانه بكل حرية، ان يكون تخيلاته وصوره الفنية. وشيء طبيعي ان ينقسم قراء قصيدته الى ثلاثة اصناف، بخليط غير متجاس بينهم، ليس في تأويل القصيدة (وهو احد ابرز مقومات ابداعات الشعر) وانما في البنية التكوينية للقصيدة بشكل عام، في المفهوم القرائية للقصيدة . الصنف الاول . يعتبرها غريبة غير مفهومة وغير مستساغة . الصنف الثاني يحاول التعبير عن المجاملة الاخوانية، في التحية والاطراء الاخواني، وبعضهم لم يفهم القصيدة بشكل عام، إلا النزر القليل جداً، ولاتعتمد في النظرة التقيمية في التعليق المطلوب . الصنف الثالث يكون مفهوماً جاداً، في تقيمه الموضوعي، لانه يستذوق جماليتها الفنية، ولكن دون جماليتها التعبيرية، الذي هو مفقود، او يتوضح بالنزر القليل، كأن الشاعر من انصار (المعنى في قلب الشاعر) . ولكن الشاعر جمال مصطفى، يوظف ببراعة معرفته الواسعة، في العروض الشعرية وبحورها . اي ان قصيدته تنتمي الى شعر الخليلي، في الوزن والقافية والموسيقى . هي موجودة بكل ابداع، لكن نعرف الفرق الشاسع بين موسيقى وموسيقى . مثلاً : الموسيقى بدون محتوى، وخاصة الموسيقى الحديثة، مع موسيقى التي تملك محتوى . مثل عند المطربين والملحنين الكبار . التي تملك المحتوى والاحساس والمشاعر، التي تداعب هواجس الوجدان في الايقاع والنغمة الجرسية . لذا فأن الموسيقى في الشعر لها سمات تعبيرية، وتوجهات جمالية في المحتوى التعبيري في تراكيبها، التي تملك الحس الفني والتعبيري معاً . لذلك قصيدة الشاعر جمال مصطفى، تمتلك الخاصية الاولى (الفنية) وتفتقر الخاصية الثانية (التعبيرية والمحتوى الايحائي) . لذلك فأن قصيدته هي نتاج التلاعب والنحت اللغوي، والتداعيات الخيالية في الصور الفنية التي يلعب بها الخيال، التي تتكون من الفكرة المختمرة، ويظل يماطل او يبني عليها عليها تداعياتها الشعرية الغرائبية، حتى اخر بيت شعري في القصيدة، ولا يفصح عن الفكرة التكوينية، اي المعنى يظل في ذهن الشاعر، لانها نتاج تكوينات الخيال اللاشعوري، ونستطيع ان نطلق على قصائده، بأنها قصائد بلا ضفاف في عوالمها وتضاريسها التكوينية، التي تشحن في اللامعنى . لان القصيدة مقوماتها تستند على ركيزتين . الجمال الفني والجمال التعبيري، مثلاً على سبيل المثال سمات الاسلوبية التعبيرية عند الشاعر الكبير (السياب) نتلمس حريق المعاناة والاحزان والآهات الغريب عن الوطن البعيد، في الظروف القاهرة . بينما نجد الاسلوبية التعبيرية للشاعر السماوي الكبير، التحفيز الهائل في شحن وايقاظ الذهن، بالفعل اللازم لتمزيق ثوب الركود والقنوط واليأس، ويعطي الدافع المعنوي الهائل في المشاعر والاحاسيس، في تمزيق شرنقات الواقع، لينطلق بعزيمة الى الحلم في مملكة العشق، لتكون البديل المنتظر، على جراحات الواقع . وكلا الشاعرين (السياب والسماوي) شعرهما موجه الى العام الاشمل والاوسع من القراء . بينما شعر جمال مصطفى موجه الى العام المحدود والقليل، الى فئة محدودة من نخبة المثقفين . وحتى هذه النخبة القليلة، تتذوق الحس او المجال الجمالي الفني للقصيدة، اما الجمال التعبيري، فهو في شحة النزر القليل، يقطر بالقطارة . لان حسب قناعات الشاعر جمال مصطفى، يريد ان يتميز عن موجودات الشعر في الواقع العام، في تياراته وموجاته الموجودة، في الاعم الاشمل، التي يتقاسمها . الشعر الرومانسي، والشعر السياسي، رغم ان هناك من بعض الشعراء يمزج في وعاء واحد، الرومانسية والسياسة. او السياسة والايروسية . لذلك ان قصيدة جمال مصطفى، لا تنتمي الى هذه الاصناف او الموجات او التيارات المتداولة . واعتبر ظاهرة قصائد الشاعر جمال مصطفى، ظاهرة صحية، في التنوع الشعري الموجود في الواقع. انه يشق طريقه الخاص، في سمات الشعر اللاشعوري

 

جمعة عبدالله

 

 

صالح الرزوقبعد انطلاق البيروسترويكا والتبشير بعالم جديد، يذكرني بمبدأ أوغلو التركي في تصفير المشاكل، دخلت المنطقة في دوامة من المتغيرات، وانسحب ذلك على الأدب والرواية بشكل أساسي. فالرواية أصلا هي فن أزمة. وضمن هذا الإطار أنظر لروايتين صدرتا بالتزامن هما (مقتل بائع الكتب) لسعد محمد رحيم و(غراميات بائع متجول) لبرهان الخطيب. وإذا كان لا يمكننا وضع العملين في سلة واحدة، ببساطة لأن رحيم هو غير الخطيب، فإن الحكاية متماثلة. وتدور حول بائع كتب يتجول بين الشرق والغرب، ثم ينتهي في رواية رحيم بمقتل غامض، وهو أصل الحكاية أو الدافع للأحداث. بينما يهرب في رواية الخطيب من موسكو إلى استوكهولم بحثا عن الأمان والاستقرار. غير أن الحكاية في أي عمل فني ليس خاتمة المطاف. فالأسلوب وطريقة بناء الشخصيات لهما نصيب الأسد في أي دراسة أو تحليل. ولا شك أن العملين كانا على وجه نقيض، ولا يوجد بينهما أي شيء مشترك.

كان أسلوب رحيم بلا مواربة مع ما بعد الحداثة. فالأحداث موزعة على عدة أطوار وأمكنة، والعلاقة بين الشخصيات طارئة، وقد اختار رحيم بطلين لعمله.

* صحافي يروي كل شيء من وجهة نظره. وهذا مستوى أول. وكان محكوما عليه أن يدور في حلقات مغلقة داخل البلاد، بين بغداد وبعقوبة والسعدية، وهي من ضواحي بعقوبة.

* وبائع الكتب. وهو شاعر فاشل ومغمور. وتجول بين براغ وباريس وستراسبورغ، وتورط بغرام فاشل قبل أن يعود لينهي أيام حياته بشكل فاجع ومأساوي.

والغموض جزء لا يمكن أن تفصله عن عاطفة الرواية كلها. مع الظلام تجد طبقة كتيمة وكامدة من غبار ودخان المعارك. وهناك الفراغات التي تفصل بين أطوار بائع الكتب من لحظة السفر وحتى مقتله. وقد تكفل أول شخصية بإعادة ترتيب أجزاء الشخصية الثانية، كما نفعل في الدومينو، واستعمل بقايا الميت لرسم صورته. بتعبير آخر لجأ لما يسميه الفكتوريون الذاكرة المفقودة. ورمز لها بالمذكرات (جريا على أساليب روايات عصر النهضة والتنوير ثم بدايات الثورة الصناعية). وأضاف لها اكتشافات ثورة عصر المعلومات مثل أشرطة التسجيل والفيديو. وخلال هذا التنقيب (أو الحفر في نظام معرفة الشخص الغائب) كان الصحافي يقترب شيئا فشيئا من الشاعر، ويتماهى معه، وأحيانا يحاكي ظروف حياته.

بتعبير آخر كان الحي يقلد الميت، أو أن الحاضر يعيد إحياء الماضي. ويبدو لي أن ما جرى هو حالة تلبس واستيلاء شيء موجود على متعلقات شيء ميت. وبتفسير بسيط، ودون ضغط على السياق، أرى أن الاستعمار بشكله الحاضر (في زمن الرواية) تكفل بتحويل الروح إلى حضارة أو مجتمع إنتاج مديني.. وكأن الرواية اعتراف بدور الاستعمار في التأسيس لتاريخ نشوء المدينة العربية.

وبهذا المعنى يقول: التاريخ هو ما نقرأه ونفهمه. ص 30. ويضيف نحن ندين بوجودنا للكتب والنساء والمدن. ص30 ولذلك المدن تنهض وتزدهر في أحضان الإثم. ص 30.

وربما كان سعد رحيم يعتقد أن خطأ الحضارة مثل أخطاء الوجود البشري، وهناك تلازم بين الواقع والخطيئة. ويقول بهذا المعنى على لسان مرزوق (بائع الكتب) إن الحضارة ليست نظيفة مثل التخلف. ص 32.

وإذا قرأت جيدا كتابه عن أساطير ورواد التنوير ستنتبه أنه يشترط الصدام مع الاستعمار لبناء حضارة المدينة العربية وتعريف الإرادة (و هي تساوي لديه الحرية الواعية وليس الغرائز والرغبات وفوضى االشعور الباطن). ولا يوجد شيء غريب في هذا التفسير. فسعد رحيم في كل كتاباته مشغول بالدعوة لعصر التنوير الثاني، وبالأخص أن مشروع الفكر العربي قد مني بالفشل، ولم يحصد غير الخيبات المتتالية، وآخرها عودة الاستعمار. لقد غير اسمه وشكله فقط، من انتداب إلى تحرير.

وهذا هو موضوع الرواية الحقيقي، تحرير بغداد من نفسها، وتحرير الإنسان العربي من إرادته، وتغييبه بالموت أو بالدوران في حلقات مفرغة من الخراب واللاجدوى والعبث. وبهذه الرؤية يمكنني النظر للشخصيتين على أنهما شيء واحد. الميت كان يبحث عن الاستعمار وراء الحدود ليحقق شرط بناء المعرفة. والحي يبحث عن خلاصة خبرات الميت ليححقق شرط إدراك المعرفة. وليس هناك فرق يذكر بين الحالتين، سوى أن الأول له غاية ذاتية، والثاني له هدف موضوعي. وهذا يضمن لمعارفنا أن تكون خيالا أو ظلا سقراطيا لسلسلة تجارب الأجيال السابقة. بتعبير آخر الواقع المعيش هو الخيال. والواقع الافتراضي أو رواسب التجربة التاريخية هي الخيال المرتسم على جدار التطور.

وأستطيع أن أفهم ذلك بضوء ولع سعد رحيم بألعاب الحداثة المستمرة أو ما بعد الحداثة. حتى أن بطله الأول كان لا يوفر فرصة إلا ويذكر أسماء رموز مولعة بالظلام وقوة الصناعة مثل موراكامي وكونديرا ...

إن حداثة رحيم ملحمية وتؤسس لسلسة من مغامرات يؤديها إنسان بسيط يخاطر بحياته مثل أي بهلوان يقفز على السلك المشدود في السيرك.

وهذا يفتح لنا الباب، لماذا لا نقول البواية، على وسعها، للنظر في رواية الخطيب. كان أسلوب العمل لا يخلو من توابل ومقبلات الروايات الغربية. ويمكن أن نتابع مشاهد عراك تشترك فيه نساء جميلات بثياب مشدودة ومغرية. أو مشاهد طائرات هيلوكوبتر تطارد سيارة على أتوستراد. ناهيك عن المغامرات التي استغرقت ربع الرواية في غرف النوم، وما تتضمنه من تعرية ووصف لأجزاء حساسة من المرأة والرجل.

وإذا كان لا بد من توضيح، أذكر هنا جون لو كاري الذي اهتم بالجاسوسية ومشاكل الحرب الباردة بين المعسكرين. وغراهام غرين ولا سيما رواياته المصنفة بين أعمال التسلية والتشويق مثل عمله المعروف (رجلنا في هافانا) أو روايته الكاثوليكية (بندقية للبيع).

كان الخطيب لا يخلو في ألعابه الفنية من الضرب على وترين حساسين.

الأول تفتيح البنية المغلقة لرواية القرن التاسع عشر تمهيدا لتخفيف بعض الأحمال الثقيلة عنها. وقد نجح بذلك أيما نجاح في بواكيره ولا سيما (شقة في شارع أبي نواس)، ثم في (ضباب في الظهيرة).

الثاني تصعيد المشكلة الأزلية بين الشك والإيمان. وهنا كان الشك بالنظام. أما الإيمان فقد ركز على مجموعة عناصر هي بمستوى ماهيات، ومنها الشغف بمصادر اللذة الحسية، والتحويل الفرويدي لفكرة السعادة من تلامس إلى اتصال، أو من سعادة مكانية لسعادة زمنية، يعني روحية.

وفي النهاية جاءت الرواية بكتلة واحدة. كانت تتطور ضمن نفس المربع الأول. وقدمت لنا حاملا وحيدا لا ثاني له، وهو البطل المركزي. ولكنه كان مشتتا، وفي حالة محاسبة أو مراجعة للذات، ولم يخجل من أن يوجه سهام النقد اللاذع لنفسه. وأول خمسين صفحة هي أصلا نقد وإيروتيكا. وإن لم يكن البطل بتمام عريه في السرير بين أحضان هيلينا، فهو يناجي خياله أو ظله، أو أنه يوبخه على ما في رأسه من أفكار. فهل كان يرى أن حياته بحاجة لتنقية، لفلتر، لعمليات تنظيف من أورام لا تراها بعينك وتشعر بها بذهنك وقلبك؟؟.

أعتقد ذلك!!.

ووصلت مناجاته واحتجاجه على ذاته لدرجة مناجاة هاملت للأرواح. وهذا مفصل هام آخر في هذه الرواية التجريبية. فقد كانت تدعو للإصلاح على طريقة أبطال ديكنز، ولذلك هي رواية تفكيك لا تركيب، وشخصياتها تتماهى مع نفسها فقط، ولا تكرر غيرها.

وهذا هو أهم فرق بين العملين.

فنحن أمام حكاية بلد يلملم جراحه ويحاول أن ينهض من تحت طبقات الرماد ومن بين ألسنة النار، ومعها حكايات حب مؤسفة أو مؤجلة، وضمن إطار محزن ورمادي (رحيم).

مقابل حكاية أفراد من عوالم تتقاطع ولا تتوازى، وكل فرد يحمل معه أخطاء نظامه وأصوله الطبقية والعرقية، وفي إطار تراجيدي يذكرنا بالمأساة السوداء التي منحها شكسبير كل جهده (الخطيب).

ولذلك كان مشروع سعد رحيم يقوم على تماهي الأجزاء مع الكل، بينما مشروع برهان الخطيب يعمد لتعليب أفكار كل شخصية بصورة واحدة. وقد سهل ذلك علينا مهمة التنقيب فيها، واكتشاف مستويات كانت مدمجة وحان الوقت لتتداعى (على طريقة التساقط والتفكك الذي قدمه غينوا إشيبي في "الأشياء تتداعى").

 

صالح الرزوق

 

 

26 صخرة نيرموندا1- مضمون الرواية: صخرة نيرموندا رواية الوجع الفلسطيني .. رواية الظروف التي أدت إليه ..

تحكي الرواية، وبأسلوب فيه الكثير من الشاعرية والتفاصيل الحية للمكان، قصة حب سعد الخبايا ليافا .. لنيرموندا المعادل التاريخي ليافا .. لبلقيس حاضر يافا المحاصر .. لعبير المستقبل الضائع المبحوث عنه ..

تحكي حركة حياته كفلسطيني يتعلق بمدينته، ومن خلالها بكل فلسطين، يتشبث بحبه لها ويضحي من أجلها ..

مع حكايته تحكي حياة كل الفلسطينيين الذين واجهوا بكل ما أمكنهم فعله أولئك الصهاينة الذين كانوا يعملون بشتى الوسائل على تهجير الفلسطينيين والحلول محلهم ..

تحكي كيف انتقل سعد الخبايا من حال الخوف والذاتية، التي لا تتجاوز حدود التفكير في عيش أسرته التي صار معيلها بعد موت أبيه، إلى حال الوعي النقيض، وعي وجوب الارتباط بالآخرين من أبناء بلده والعمل معهم على مواجهة مكائد الصهاينة، وذلك منذ لحظة إخبار الطفلة عبير له بأن أباها يريد قتلها ثم غيابها المفاجئ عن عينيه بعيدا ..

تبرز الرواية في سيرته الكثير من خبايا التاريخ .. خيانة بعض الفلسطينيين لبلدهم وأهاليهم .. خيانتهم لقضية الوطن الذي يخطط الصهاينة للاستيلاء عليه، إما لنقص في وعيهم أو لأنانيتهم وبحثهم من خلالها عن مصالحهم الخاصة، ليس إلا .. تعاونهم مع الصهاينة أحيانا .. خيانة بعض الأنظمة العربية لفلسطين وخضوعها لإرادة الإنجليز في إنشاء وطن للصهاينة في فلسطين .. . دور الإنجليز والأمريكان في تمكين الصهاينة من تحقيق مرادهم ..

2- بنية الرواية:

لتعميق إبراز مختلف أبعاد الرواية تاريخيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، وتحقيق التكامل بيت شكلها ومضامينها، ركز الروائي في بناء روايته على العناصر التالية:

*-استرجاع الماضي كطريق لوعي الحاضر وإدراك تداعياته:

منذ اللحظة التي رأى فيها سعد الخبايا الطفلة عبير شبيهة أمها بلقيس راح وهو يسن السكاكين يسن ذاكرته أيضا في عملية استرجاعية لولبية لحياته قبل تلك اللحظة ..

منذ تلك اللحظة يبدأ فعله في حاضره بحثا عن عبير .. بحثا عن بلقيس .. منذها تلك اللحظة يبدأ وعيه بما يجري .. ينتقل من حال إلى نقيضها .. يصير مهموما بمدينته .. بمستقبلها .. يتفاعل مع الآخرين من المهمومين مثله، يخططون لما يرونه وسيلة فعالة لمواجهة الصهاينة الذين كانوا يتدفقون ومن كل الجهات، على يافا، وينفذون ما يخططون ..

هكذا إذن بني بكر روايته على أساس المزاوجة في الأحداث بين الحاضر والماضي، بدأ من هذا الحاضر ..

تُرى هذه المزاوجة كذلك في أسماء شخصيات الرواية .. وظف أسماء شخصيات هي ابنة حاضرها، مثل: الباشا بطرس والمحامية منى إبنته والاستاذ كنعان وابنه عزمي وعبد الجواد .. وظف أسماء أخرى استقاها من التاريخ: نورميندا وداود وبلقيس ..

كل تلك الأحداث التي انطلق في عرضها منذ تلك اللحظة متوجها إلى الماضي تارة وإلى الحاضر تارة أخرى، كان الهدف منها التوجه إلى المستقبل خوفا عليه وعملا من ثمة على الحفاظ عليه حيا في نفوس وعقول الفلسطينينن، وعملا على بنائه بما يجعله يتحقق فعلا ..

بدون مستقبل يجذبنا إليه ويدفعنا إلى العمل من أجل بنائه ينتهي كل شيء .. تمتلئ النفوس باليأس .. واليأس هو وسيلة الخضوع للأمر الواقع ..

من هنا رأينا بحث سعد عن بلقيس وطفلتها عبير .. بلقيس وعبير هما مستقبل سعد .. مستقبله القريب ومستقبله البعيد .. وسعد ليس فردا منعزلا .. إنه الآخرون ..

من هنا كان اشتراكهم في البحث معه عنهما ..

الصراع : وقد تمظهر في جوانب عدة:

أ- صراع نفسي في شخص سعد الخبايا بين الخوف الذي تحكم فيه طويلا بفعل عوامل كثيرة تربوية (حكايات الأغوال وما إليها من حكايات خرافية زرعت الخوف في نفسه منذ صغره) واجتماعية (فقر أسرته ووجود نفسه المعيل الوحيد لها)، من جهة، ووعيه النصالي الذي كان يتشكل تدريجيا بفعل تجاربه في الحياة، ممثلا في حتمية مواجهة ما كان يتربص بيافا (فلسطين ككل) مع الآخرين من الذين يحملون نفس وعيه ..

ب- صراع مع الفقر (اجتماعي)، حيث هو في حاجة ماسة إلى العمل ليعيل اسرته، وقد مر بأعمال عديدة كانت تنتهي دائما تقريبا بما يجعلها أعمالا مؤقته ومحاصرة بما يجعلها تفشل في النهاية ..

ج- صراع مع الجهل، حيث غادر المدرسة مبكرا، وهو ما جعله لا يفهم الحياة على حقيقتها إلا بعد اندماجه في الحياة وتجاربها ..

د- صراع مع الآخرين .. مع خطاف ابن وطنه الضائع في عالم تغييب عقله (الخمور والمخدرات) .. مع داود المحتال الصهيوني والذي عرفه على حقيقته بعد تنبيه الآخرين له، من جهة، وتتبع وملاحظة سلوكه المتناقض المضر بالاخرين من ابناء فلسطين، وبه هو بالذات ( سعد) ..

ه- صراع مع الصهاينة ممثلين في المهاجرين السريين والمقيمين الذي شكلوا وحدات مسلحة تعمل على تخويف الفلسطينيين والقيام ببعض الأعمال المؤذية لهم، ودفعهم من ثمة إلى مغادرة يافا ببيع منازلهم وممتلكاتهم تارة وبالخروج منها دون مقابل سوى بقاء أجسادهم على قيد الحياة ..

و- لا يكتفي الروائي بكل هذه الصراعات الخاصة بسعد والعالم الذي يتحرك فيه .. يوسع الروائي من دائرة الصراع في روايته .. هناك صراع أميرة يافا نيرموندا مع الغزاة .. هناك صراع بلقيس مع زوجيها ومع الصهاينة أيضا .. هناك صراع الوقواق الوافد مع الطيور الوطنية .. إلخ ..

الصراع بكل هذا الزخم يجعل من الرواية رواية حية أكثر حركة وأكثر تاثيرا، خاصة وقد ارتبط ( الصراع) في كل تجلياته بالخير والشر .. حيث سعد ومن في صفه يمثلون الخيربامتياز، وحيث داود ومن في صفه من الصهاينة ومعاونيهم من خائني القضية يمثلون الشر، بامتياز أيضا ..

* إبراز جمال يافا من خلال سكناتها وسكانها وعلاقاتهم ببعضهم البعض، حيث نجد اعتناء السكان ببيوتهم وتجميلها وبملابسهم وحتى بأخلاقهم، واعتباره يافا مدينةعالمية بكل ما تتمتع بها من حياة تجعلها تضاهي مختلف مدن العالم الحية ..

وكأنه بذلك يعطينا السبب الذي يجعل الصهاينة يعملون المستحيل من اجل الاستيلاء عليها وجعلها من ثمة مدينة خاضعة لهم ..

من مظاهر الجمال في الرواية:

- "فتعجبه تلك البيوت الحجرية التي غطي بعضها بالسقوف المائلة، وقد رصفت بالقرميد الأحمر، فتتكئ على بعضها بعض في تدرج أخذ يتناهى حتى شارع الميناء .. بينما تطل شر فاتها المزخرفة بالمشربيات أوالمفتوحة على السماء وقد أحيطت بعناية سيدات المدينة اللواتي عرفن مداعبة الأشجار المتسلقة على الجدران الحجرية، كاللبلاب و الياطمين، أو الأزهار البيتية المزروعة في أصص معلقة على جوانب السلالم المكشوفة، أو مركونة على حواف المشربيات من حبق ومتسلقات خضر" .. من الرواية ..

– "وتتهادى حمرة الشمس وه يتصعد رويد ا، فيتدرج وجه الباشا مع كواشف الصباح المبكر وكأنه أمام امرأة تستحم في بحر منتعش، والصبا الناعم جعل يلفح الوجوه، يعطر الأجواء بأريج الزهور من حبق، وأقحوان، وشقائق النعمان، والياطمين، وكرمة العنب التي تظلل حديقة القصر من تحت شرفاته المكشوفة أو المظللة بعقود حجرية تميل إلى الاصفرار" .. من الرواية ..

– يافا مدينة البرتقال بامتياز .. لذلك تقابل المقيم فيها والزائر لها رائحة البرتقال في كل أمكنتها .. في أسواقها وحاراتها وشوارعها .. في أريافها وقراها .. في بحرها أيضا، حيث ينقل البرتقال من هناك إلى مختلف مناطق فلسطين الأخرى ..

- في يافا – آنذاك- كان الناس يتعايشون مع بعضهم البعض مسلمين ومسيحيين ويهودا ولا دينيين في انسجام تام .. يتقبلون بعضهم البعض .. كل واحد منهم يحترم الآخرين مهما كان اختلافهم المعتقدي أو الفكري .. في يافا أيضا ملاه وخمارات .. مساجد وكنائس ..

يمكن القول بأن يافا كانت مدينة مفتوحة على الحياة .. على العالم .. على التنوع ..

للأسف، جاء الصهاينة وراحوا يعملون على محاصرتها وتضييق العيش فيها بعنصريتهم وحقدهم وعملهم على تفريغها من كل مباهجها .. من كل جمالها الإنساني ..

3- دلالات الأسماء في الرواية:

- سعد الخبايا: السعد من السعادة .. الخبايا ما تخبئه الأرض .. ما تخبئه الأرض عادة لا يكون إلا مفيدا .. جميلا وبهيا .. يبدأ هذا البهي وهو يشق الأرض ليرى نور الحياة ضعيفا .. لكنه سرعان ما يتفاعل مع عناصر الطبيعة الأخرى ويتقوى .. شجرا كان أو عشبا .. هكذا كان حال سعد الخبايا .. ضعيفا في شبابه .. جبانا .. خجولا .. حين تفاعل مع الحياة ومر بالكثير من تجاربها تقوى .. قوته كانت في وعيه وانخراطه من ثمة في النضال ضد أولئك الغرباء الذين كانوا يأتون من شتات الأرض مهاجرين سريين يعملون وبشتى الوسائل على جعل فلسطين وطنا لهم ..

سعد الخبايا كان اكثر تعلقا بفلسطين .. ابتعاده عنها يعني موته .. لهذا فضل الموت فيها .. اطلب الموت توهب لك الحياة .. الموت في فلسطين يعني الحياة في الذين سيأتون .. الموت فيها إعطاء الشجاعة للآخرين ليحرصوا على البقاء والنضال من أجل مستقبلهم هنا لا هناك ..

يقول سعد الخبايا من خلال موته حاملا سلاحه مواجها أعداء وطنه لا وطن بدون تضحية .. لا مستقبل بدونها ..

- نيرموندا: فتاة أسطورية كنعانية فلسطينية، تقول الحكاية بأنها كانت اميرة على يافا .. ولأنها واجهت غزاة مدينتها بشجاعة نادرة فقد عمل الغزاة بعد أن انتصروا عليها في النهاية على ربطها بصخرة على الشاطئ وتركوها هناك حتى ماتت .. ماتت في بلدها .. ضحت بحياتها دفاعا عن بلدها .. ومن ثمة سميت الصخرة باسمها .. إنها بمعنى ما رمز لفلسطين الماضي .. فلسطين التاريخ .. فلسطين الراسخة كالصخرة في مكانها .. الصخرة التي لا تتزحزح .. في الرواية تعلق بها سعد الخبايا .. أحبها .. ملأ بها ذاكرته .. لهذا عندما أصيب برصاص الأعداء توجه إليها حيث صخرتها .. عانق الصخرة ومات .. وكأن التاريخ يعيد نفسه ..

كان بإمكان الروائي أن لا يكتفي بالإشارة إلى نيرموندا .. ذاك فعل الشعر .. كان بإمكانه وهو يزاوج بين الحاضر والماضي أن يفصِّل في حكاية نورميندا في صراعها مع الغزاة، وأن يوجد إلى جانب نورميندا شخصية تاريخية شبيهة لسعد الحاضر، تساهم بشكل فعال في مواجهة أولئك الغزاة إلى جانب نورميندا ومن معها ..

مؤكد أن ذلك كان سيعطي للرواية جمالا وعمقا أكثر .. لكن الروائي لم يفعل .. مع أن ذلك الفعل كان في مقدوره هو الروائي المتمكن ..

- بلقيس: في الرواية تحيل إلى الحاضر، حاضر فلسطين .. إنها فلسطين الحاضر .. تعرضت للخيانة من زوجها الأول ثم زوجها الثاني .. كلا الزوجين كانا مغيبي العقل .. دل الروائي على غياب عقليهما بانخراطهما في عالم المخدرات أساسا .. انجبت من الأول عبيرا .. ومن الثاني سحر .. لم يذكر اسم الأول، اسم الثاني كان خطافا .. تطلقت من الإثنين .. هي من فعلت الطلاق .. فلسطين الحاضر ترفض من يخونها .. كلاهما كانا صديقين لداود ..

أحبها سعد من أول نظرة .. ولم تنتبه إلى حبه .. كان جبانا ولا وعي له .. لم يكن يثير أدنى اهتمام .. حين التقاها تعلقت به .. خططا معا، ولو بالصمت، على أن يكونا معا .. مستقبلا واحدا .. فكرا في جمع البنتين والعيش معا .. لم يتحقق لهما ذلك الحلم .. كان نقيض حلمهما أقوى .. قتل سعد .. وكانت هي في الطريق إلى مواجهة أعدائها ..

لم يقل الروائي بأنها ماتت .. فلسطين لا تموت .. أبدا، لا تموت ..

يطرح السؤال: لماذا اختار الروائي اسم بلقيس ليطلقه على تلك المرأة التي رافق طيفها سعد الخبايا منذ ان رآها لأول مرة، ورافقته حقيقة منذ أن التقيا في مزرعة النحل؟ ..

بلقيس، كما نعرف، اسم تاريخي يحيل إلى ملكة سبأ التي تقول الرواية الصهيونية عنها بأنها قدمت إلى الملك سليمان ملك إسرائيل الذي كان يخضع لحكمه الإنس والجن وأنها دخلت وقومها دينه بعد أن تأكدت من حكمته ..

في الرواية كانت بلقيس الحاضر نقيض بلقيس الرواية الصهيونية .. كانت هي فلسطين المناضلة .. وكان الحكيم سعد الخبايا .. كأن الروائي أراد أن يحيل إلى تزييف التاريخ لدى أولئك الصهاينة خدمة لإيديولوجيتهم التي تتناقض وحقائق التاريخ ..

-عبير وأختها سحر: ترمزان لمستقبل فلسطين البهي المتنوع في بهائه .. عبير أخذها أبوها من أمها بلقيس .. وحسب الرواية هي كانت عند جدتها اخيرا .. انتبه سعد للشبه بينها وبلقيس .. خاف عليها كثيرا حين أخبرته بان اباها يريد قتلها .. أبوها هو الحاضر الفلسطيني كما يمثله البعض من الخونة الذين صادقوا الصهاينة ولم ينتبهوا إلى خطورة ما يفعلون وما يسرون .. كانت منطلق تلك التغيرات التي طرأت على سعد .. الخوف على مستقبل فلسطين كان طريق تغير وعي سعد وانخراطه من ثمة في النضال ..

لن تضيع عبير .. لن يختفي المستقبل .. لن يزول .. لم نتأكد من وجودها عند جدتها .. سيحتفظ التاريخ بأن فلسطين للفلسطينيين ..

اختها سحر أصرت الأسرة التي أُخذت إليها .. التي احتمت بها حين فارقت أمها على البقاء في فلسطين .. مستقبل فلسطين هو إذن فيها .. لا خارجها ..

- خطاف: الزوج الثاني لبلقيس .. كان رجلا سيء السمعة .. سكيرا .. واقعا في حبائل داود .. حين يكتشف ما تقوم به وكالات الهجرة الصهيونية يقتل بمكيدة هيأها له داود .. يحيل اسمه إلى سلوك الخطف .. الخطف الذي يعني في وجه من وجوهه الاستيلاء على ما ليس له .. أو على الأقل ما ليس كله له .. لقد كان كبير بحارة يافا آنذاك والمتحكم في الكثير من بحارتها ..

من خلال سلوكه ومن اسمه أيضا ندرك انه يرمز لأولئك الذين غيبوا وعيهم بما يحدث في واقعهم ووقعوا في فخ أعدائهم وأعداء وطنهم وشعبهم .. هؤلاء الناس يمكن التحكم فيهم من قبل أولئك الأعداء .. ومتى بدأ وعيهم يتشكل يُنهى وجودهم .. وهو ما حدث لخطاف ..

ربما لهذا لم تطلب بلقيس الطلاق منه إلا بعد ظهور طليقها الأول الذي يبدو أنه كان أسوء بكثير منه، بدليل انه اعتبر داود أخا له، ومطالبته بنزع حضانة ابنتهما عبير منها ..

- داود: الشخصية التي كانت أكثر تواجدا في الطرف الآخر .. طرف الصهاينة ..

ككل الصهاينة كان داوود شخصية محتالة .. مزدوجة التواجد .. تسير على الحبل بين الطرفين .. تظهر للفلسطينيين في الكثير من الحالات شخصية خدومة .. محبة للخير وفاعلة إياه .. هكذا هي في الظاهر .. في السر هي شخصية تعمل لتمكن للصهاينة من تحقيق حلمهم بجعل فلسطين وطنهم القومي كما وعدتهم إنجلترا .. احتال حتى على سعد لفترة ما .. لكنه انكشف له .. حين انكشفت حقيقته غاب في السر .. أدرك أنه صار مكشوفا .. وأن الفلسطينيين يبحثون عنه للانتقام منه ..

تمكن الروائي وبإحكام عال ودقيق من جعله شخصية حققت دورها في الرواية بشكل مدروس متقن .. تماما كما فعل مع شخصية سعد ..

تحيل شخصية داود إلى النبي داود .. أو الملك داود كما يراه الصهاينة .. داود (حسب الرواية اليهودية) "أحد ملوك إسرائيل .. ومملكة إسرائيل (إسم مملكة جاء ذكرها في التوراة كمملكة لجميع أسباط بني إسرائيل الإثني عشرة، سماها باحثو التوراة بـمملكة إسرائيل الموحدة للتفريق بينها وبين مملكة إسرائيل التي انفصلت عنها لاحقاً (إضافةً إلى مملكة يهوذا) .. هذه المملكة الموحدة حكمها كل من شاول، وداود وسليمان، وتوصف هذه المملكة في سفري صموئيل الأول والثاني كاتحاد لأسباطيي إسرائيل. ومن تحليل نصوص السفرين، يقدر معظم دارسي العهد القديم تبعأً لما ورد فيه فترة وجود هذه المملكة الموحدة بأكثر من 100 عام، أي منذ سنة 1050 قبل الميلاد وحتى سنة 930 قبل الميلاد تقريبا ..

كانت المملكة حسب النصوص التوراتية تمثل الجزء الجنوبي الغربي لبلاد الشام، أي منطقة فلسطين، ولكن لا تشمل الفينيقية والأراضي الساحلية الجنوبية التي خضعت لسلطة الفلسطينيين وباقي شعوب البحر .. اسم "مملكة إسرائيل الموحدة" لا يدل على دولة إسرائيل الموجودة حاليا في الشرق الأوسط، غير أن اليهود المعاصرين يظنون أنفسهم أبناء مملكة يهوذا الجنوبية التي انفصلت حسب الرواية التناخية عن مملكة إسرائيل الموحدة، ويرى معظمهم الأحداث التي جرت على هذه المملكة المفترضة كجزء من تاريخ اتباع الديانة اليهودية ودولة إسرائيل الحالية التي يفترض بها أن تكون دولة اتباع الديانة اليهودية، كما يتم تدريس ذلك في مناهجهم الدراسية. وهذا هو أحد أسباب اختيار اسم "إسرائيل" للدولة اليهودية عند تأسيسها عام 1948 .. ) .. عن ويكيبيديا- الموسوعة الحرة" ..

تشير نفس الموسوعة إلى أن الكنعانيين كانوا أول من استوطن المنطقة وذلك منذ 3300 ق م .. بينما تواجد اليهود فيها حوالي الـ10 قرون ق م ..

ربما كان قصد الروائي من استعمال اسم داود في الرواية الإشارة إلى كل ذلك، من جهة، والإحالة إلى أن ما يقع في الراهن من صراع هو صراع له جذوره التاريخية المرتبطة بتحايل الصهاينة وتزييفهم لأحداث التاريخ دائما .. ودائما يُتعمد ذلك التزييف لأغراض إيديولوجية يخفون بها حقيقتهم ويغيبون بها حقائق التاريخ ..

يمكن أن نضيف أيضا:داود كإسم يحيل إلى الدود .. الدود ينشأ وينتشر عادة في تفسخ الأجساد البشرية وفي تعفن المأكولات .. وفي فلسطين انتشر التعفن بشكل كبير.خيانات من كل الجهات .. بيع وشراء في القضية .. استغل الصهاينة كل ذلك وراحوا ينتشرون ..

- طائر الواقواق: شخصية ليست بشرية .. إنه طائر .. وطائر ماكر في الأساس .. ربطه الروائي بشخصية داود التي تعرفنا عليها سابقا .. يتميز هذا الطائر بوضع بيوضه في اعشاش الطيور الأخرى في غفلة منها .. حين يخرج فرخه إلى الحياة ويمتلك القوة يطرد اهل العش ويحتله .. تماما كما يفعل الصهاينة ..

الفرق بين الإثنين أن ما يقوم به الطائر سلوك طبيعي فيه .. بينما الصهاينة بشر .. ويفترض أن سلوكهم لا يختلف عن سلوك كل البشر الآخرين .. لكن ما يفعلونه لا يختلف في شيء عما يفعله ذلك الطائر ..

واضح أن الربط بين داود وكل الصهاينة من خلاله وذلك الطائر ما هو إلا إشارة من الروائي بأن عمل الصهاينة على احتلال بلاد الاخرين، متى تمكنوا من امتلاك القوة، وطردهم منها هو سلوك متأصل فيهم، وأنهم لن يتخلوا عنه إلا بمواجهتهم بقوة توازي قوتهم وتفوقها .. و ..

"مِن أجلك يا سحر لا بد أن نعيش هنا ..

يافا لن تغادرنا؛ فكيف نعيش دونها!؟". ص 261 ..

هكذا تنتهي الرواية لتؤكد بأن يافا فلسطينية .. وسوف تبقى فلسطينية .. وإلى الأبد

 

الطيب طهوري

..................

بكر السباتين روائي وفنان تشكيلي أردني من أصل فلسطيني ..

 

 

ahmad alshekhawiتنثر آفاقا قزحية، هذه المجموعة الصادرة سنة 2015 عن مطبعة وراقة بلال/فاس، وتدغدغ بألوانها المرِحة، معلنة إفلاسا ذاتيا من ضرب خاص،ومجدّفة وفق تيار ماضوية كتومة ومتحفظة جدّا على طقوسيات هذا المفقود الذي ما ينفكّ يعاود هيمنته على الذاكرة،ممارسا عليها لونا استنطاقيا أو بالأحرى تحفيزيا موجّها نحو كلّ دال عن طفولة ما،عبرتنا بمختلف تفاصيلها، على نحو مشوه للوجوه وناقر بأريحية وتوهّج وتضوع الفصول داخل هذه الحلقة المفقودة،سائر ما يكمن خلف هذه المقامرة الزجلية، وهي تزاول على الذائقة استعراضا أميل ما يكون إلى البرزخية الواعية المستفزّة لحقول الدّفين وكيف أنه طوانا ولمّا نزل مفتقرين إلى الكفاءة والأهلية المخوّلة لاصطدام رجولي نغنم من خلاله بعضا مما قد يعوّض عن العابر والمفقود من ملائكية الذات والمكان والوجوه.

من ثمّ، فخاخ العتبة جمّة، من حيث أهمية التّسربل بدوال تنعت ولا تسمّي، تضمر ولا تظهر، تنسف ولا تلملم، كي تمكّن لانثيالاتها الأخطبوطية،باستقطابنا إلى أبراج الفهم المضاد القاذف بنا ملء الذاكرة الطفولية والانكسار الأنوي، مباشرة في غياهب المغيّب أو المتواري في رحم التيمة الفردوسية وما تحيل عليه من عوالم مفجّرة لربيع التواؤم الإنساني الصرف،ناطقا بمتوالية مناقب لا تسرق من الطبع الآدمي السوي فقط، بقدر ما تترعه بمعسول فلسفة الروح المنصهرة في الجماعة.

إن مجرّد الأثر الذي يخلّفه اصطدامنا المخملي الأولي بعتبة الديوان، يعدّل بوصلة السفر في بحبوحة الإنساني الذي طالما التزمت به روح الجماعة داخل تخوم الرّيف المغربي،وأرست مواويله ضامنة به معطيات التكتّل والتكافل الاجتماعي وإرسالية الدعابة المجدّدة للنفس النضالي،تبعا لثالوث القوة والمحبّة والاستقرار.

إنه وبالتوغل تدريجيا في متون المجموعة، يتبين جليا،نورانية الإرث،وكيف أنّا وبلا مبالاة، ضيّعناه، لائذين بالذي هو أدنى،وهو نزر ممّا جنته علينا تبعية اتكال، وانفتاح أعمى طامس للهوية، ومهجّن للسلالة، مغتصب للملامح.

لنا عودة،بعد نتملّى الاقتباسات أسفله :

" جناني

ورد وزهر

ما تفتّح

تسنّى عين الصباح

تنور

تسنّى البشارة"

...................

"بسمة بلون جديد

تبصرها العين ترتاح

تنسيك الهم

وشلة حوايج مخفية،

عشق ضاوي ف القلب لاح

فيه جوارحي مجلية،

طوير صغير ب المحبة صداح

نغمة صداحه قوية،

وردف جنان العمر

منه تسقات الاجباح،

وفاضت ب عشق

الارواح به مروية"

....................

" فلتات لحظة مني

لذاتي

غواتها

تفكرات

كاع اللي فات

بكات

ضحكات

داز عمر مني

ل هاد النهار مستني

لمه

ف كمه

حسبه من الايام

فيه صورة من السكات

كبرات

وهو مات"

......................

" بوح أخاطري بوح

اجبد الغارقة ف الروح

اكشف سرّك

سري

وسر الروح

وسري بنا نغزلوا لكلام"

..................

" نعطيك الشوق فتوح

ها عار الخاطر

اعطفي

يا ولفي

تبرد مجامر الكية

قوافي البوح

المعنى حاضر

حرفي

إلى يكفي

فوق الروح هدية.

واش الورد يكفيك

ولا ندير محج تواليك

كل يوم موسم

كاع الناس تزور

تتبرك بك

إلى انت راضية

وتكون كاملة حروفي ليك

واش المحبة تكفيك؟

القلب رحبة،

والخاطر فرشتو ليك."

لا يمكن أن تتيح هذه الفسحة لتأويل المجرود في الالتماعات الآنفة، شيئا أكثر من المسرحة الطوباوية لخصوصيات المحلّي، بدرجة أولى، وهي شعرية تمتح بالأساس من لونان للحظة الهاربة مبطنة بثقافة كائن الشرق في هذه المملكة السعيدة.

وهي ظاهرة تكرّس لها الأعراس، بشكل خاص، تزمجر بها إيقاعات " النهايري" و " العلاوي" في خضمّ توليفة بديعة وتناغم تام للميكانيزم الموسيقي المختوم بتواشجات الأشجى موقّعا بالمناوبات على الناي والمزمار.

يجرّ هذا إلى محمومية الليالي الصفية داخل تراب العمق، معتّقة الظلال، فضلا عمّا يمكن أن تساويه لحظات مواجهة البكارة والتنعّم باللذة الأولى من على أبراج المبارك والمباح،بمعزل بالطبع عن منطق ووثنية التعطّش للدم العذري مغريا بامتحانات ما قبيل ولوج عش الزيجة، حسب المتعارف عليه من لدن كهذه قبائل تنتمي إلى جهة ما تحاول اختزاله ذاتية شاعرنا ها هنا.

" التباريح" أو الخطاب الزجلي المقتضب والمكتفّ الفاصل بين النوتة الموسيقية والأخرى في مثل هذه الأعراس التي تنصب لها الخيام، وتستضيف الخاص والعام، بل وتكون الأغلبية من الأسراب المراهقة التي لم توجّه لها دعوة بالأساس.

هي محافل يطغى عليها ميسم الملكية العامة، تدشّن فصولا من الإيروتيكية وتكرار ما دأب عليه الأولون في صناعة الفرحة والفرجة ونشر ثقافة المحبة والتساكن والتآزر والتزاور والتصافي والإخاء.

لا يمكن لشاعرنا أن ينعزل عن كهذه أجواء، إذ ليس ثمة بد من أن يسكب في قصائده،من عذب وبرود طقوس مابه تنبض ذاكرته المشدودة إلى وراء وردي راحت ملامحنا تتعثر بمطبات ومنغّصات تناسيه وتغافله وتجاهله التام.

صورة للبياض تتّسع، حدّ ابتلاع جنان المحبة، مزدانا بشخوصه وكل من زرعوا في الذاكرة مثل هذه الثقافة التي تحاور إنسانيتنا على مضض.

بشرى متروكة،ومسبّة تذكيها هذه الفسيفساء الزجلية،مؤججة فينا الحنين إلى ما يحاكي فراديس نفتقدها وهي مقيمة فينا،لا مسافات تفصلنا عنها، سوى ما به الجرح هدل،و به قلب السنبلة وشى، وهتكت تلاوين ماهيته القصيدة.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

 

قراءة في كتاب عبد السلام أزيار: "آليات التفاعل النصي ودورها في التجنيس الأدبي"

تجيب نظريات التفاعل النصي، مثل نظرية التناص ونظرية الحوارية، عن أسئلة مهمة بخصوص علاقة النص بالعوالم الخارجية. فالنص من منظور التفاعل النصي، يتكون في العالم ويكتسب صفة الوجود بما يقيمه من صلات مع نصوص تتشكل في صور متباينة: نص لغوي مكتوب _ ثقافة شفهية تراثية _ عقائد _ أساطير ... فقدر النص هو التفاعل مع العالم والثقافة والتاريخ تبنيا ورفضا.

وقد استند الباحث عبد السلام أزيار في كتابه "آليات التفاعل النصي ودورها في التجنيس الأدبي" (دار كنوز المعرفة، ط1، 2015) إلى هذه القاعدة النظرية في مقاربته لرسالة ابن شهيد الأندلسي المسماة "التوابع والزوابع" على مستويات البناء والمقاصد ومنزع الكتابة. وهذا الاختيار المنهجي يبدو معقولا للغاية، لأن رسالة التوابع عُرفت عند دارسي الأدب بما تثيره من أسئلة لها صلة بالتفاعل النصي، وأهم ما يشهد على ذلك الجدلُ الذي قام بين الدارسين حول ممكنات التأثير والتأثر التي وصلت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري برسالة التوابع. من هنا نقول إن نص التطبيق الذي درسه الباحث يحتاج فعلا إلى من يطرقه من باب طبيعته التفاعلية.

1- التفاعل النصي: النظرية والأدوات

عرض الباحث أزيار المدونة النظرية التي استعان بها لإنجاز مهمته بتبصر ودراية؛ فلا "يمكن معالجة مفهوم التفاعل النصي من دون ضبط المفاهيم الموازية له، والتي تشاركه الفعالية النصية من حيث هي تأثير متبادل بين الخطابات". وقد اجتهد الباحث في بيان تصورات كل من الحوارية والتناص ونظرية التلقي، وجميهعا مشارب نقدية تهتم بالتفاعل النصي وتقدم إجابات بخصوص العلاقات التي تقوم بين النصوص. وإلى جانب ذلك خصص الباحث محورا مقتضبا بين فيه حضور التفاعل النصي في النظرية البلاغية. وإذا تتبعنا ما جاء في هذا المحور سنتبين أن الباحث يُخضع البلاغة _ مفاهيم الإيتوس والباتوس والمخاطَب _ لتصورات نظرية التلقي، وهذه النظرية يبدو تضخمها واضحا في الكتاب قيد المناقشة، فقد خصها الباحث بحديث طويل بين فيه أصولها ومفاهيمها واهتمامها بتفاعل النصوص. يقول عبد السلام أزيار: " وهي تلتقي _ يقصد البلاغة الأرسطية _ مع بلاغة التلقي في اهتمام كل منهما بالقارئ وقدرته، وبالنص وانفتاحه. كما أنهما تلتقيان مع بلاغة الحجاج (!!) في التعامل مع النص قراءة وتأويلا، لأن النص هو نسيج من الفضاءات والفجوات التي يجب ملؤها، أو كان مبدعه يتوقع أن تمتلئ، لأن النص آلية تعيش على فائض قيمة المعنى الذي يدخله فيه المتلقي". ويقول عن مفهوم الإيتوس إنه "يوازي التفاعل النصي في المعرفة من حيث هي دراية عند الكاتب / المؤلف بالنصوص، وتوظيف المقروء النصي أثناء الكتابة بما يؤدي إلى إقناع القارئ بجدارة الكاتب والنص الـــمُنتج معا".

من حق أي باحث أن ينطلق من الجهاز النظري الذي يقتنع بفعاليته في مجال المقاربة التحليلية، والباحث أزيار توفق إلى حد بعيد في استنطاق البعد التفاعلي في رسالة التوابع بتوظيف آليات مستخلصة من نظرية التلقي، مثل آلية القارئ المنتج وآلية المسافة الجمالية. لكن النظرية البلاغية لم تحضر بالصورة المنتظرة في كتاب الباحث. فلا يستقيم أن نجعل المخاطب في البلاغة يوازي القارئ في نظرية التلقي؛ فالمخاطب مُطالب بالتأثر والاقتناع، أما القارئ فيستهدفه النص بكونه مساهما في بناء الأفكار وملء الفجوات وتحديد الدلالات؛ أي إنه جزء من عملية الصياغة النصية. وبتعبير آخر، تتعذر المساواة بين عمل الإقناع الحجاجي الذي يطلب تعاون المخاطب من أجل تحقيق غرض عملي_ وعمل الصياغة الأدبية الذي يطلب تعاون القارئ من أجل إتمام إنتاج النص. وبسبب إغفال مثل هذه التمييزات، وبسبب صهر البلاغة في نظرية التلقي، وجدنا البلاغة في كتاب عبد السلام أزيار تحضر لتغيب، وهذا ما حدث في فصل الكتاب النظري على الأقل.

فكيف يمكن استحضار النظرية البلاغية في معرض دراسة التفاعل النصي في رسالة التوابع والزوابع؟

وبما أن البلاغة نظرية في تحليل الخطاب تتمثل وظيفتها في دراسة وسائل الإقناع فإنها ستهتم بالنصوص التي ينفتح عليها صاحب الخطاب من جانب اندغامها في الطاقة الحجاجية. فالتفاعل النصي في البلاغة استراتيجية حجاجية يحكمها مقصد الإقناع. وقد انفتح ابن شهيد الأندلسي في رسالة التوابع على نصوص عديدة ليعارضها ويتفوق عليها، أو ليبني نصا ساخرا ... فالانفتاح على النصوص بالنسبة إليه وسيلة من وسائل إثبات تفوقه في مجال الأدب. وهذه أمور بيَّنها عبد السلام أزيار بتفصيل... هنا إذن يمكن أن تتدخل البلاغة لتمارس مهمتها في الكشف عن الطاقة الإقناعية التي يختزنها التفاعل النصي.

وبصفة عامة يمكن دراسة رسالة التوابع تفاعليا انطلاقا من مستويات متعددة لها صلة بسؤال الوظيفة: ما وظيفة التفاعل النصي في رسالة التوابع؟ وما جاء في كتاب الباحث أزيار بخصوص هذا السؤال رأيت تقسيمه إلى ثلاثة أقسام تقابلها ثلاث نظريات تهتم بتحليل الخطاب:

• وظيفة البناء والصياغة. فقد انفتح ابن شهيد على أنماط سردية تراثية، خاصة ما جاء في قصة حادث الإسراء والمعراج، وأنشأ بالتفاعل معها حكايته القائمة على توظيف عوالم الدهشة والسفر المتخيل واستدعاء شخصيات مفارقة لعالم الإنسان. يبحث هذا المستوى من التفاعل النصي عن جوانب الإبداعية في استحضار النصوص والتماهي معها، ونظرية التناص قادرة على إضاءة طريق هذا البحث بما تقترحه من إضاءات ترتبط بكيفيات تعالق النصوص.

• وظيفة الحجاج. وقد أشار الباحث أزيار إلى هذه الوظيفة في فصول كتابه التطبيقية. حصل ذلك أثناء تحليله للنصوص التي استدعاها ابن شهيد محاكاة أو معارضة ليثبت لخصومه مقدرته الأدبية المتميزة. وإن التفاعلات النصية من هذا النوع غرضها الإثبات الحجاجي الذي يتلخص في الإقناع بأهمية نصوص ابن شهيد الأدبية، وهنا يمكن أن تحضر النظرية البلاغية لتدرس كيفيات المحاججة بالتفاعل النصي على هذا الغرض الإقناعي.

• وظيفة الكشف عن الصراع الإيديولوجي. ورسالة التوابع تزخر بتقابلات فكرية حول موضوعات كثيرة، منها موضوع أصل الإبداع الشعري، هل يعود إلى النحو والبيان أم إلى الفطرة والإلهام. ولعل نظرية الحوارية تقدر على إعانة هذا المستوى من البحث دراسة وتحليلا.

2- منزع ابن شهيد في الكتابة:

يقول عبد السلام أزيار: " إن كل كاتب يخضع لنظام الكتابة السائد في عصره، منه يستقي الأسس والمبادئ، ويتماثل معه استجابة لدوافع المتلقي، ويختلف معه في الآن نفسه ضمانا لخاصية التميز". رأيت هنا أن أوظف مصطلح "المنزع" الذي يشير به حازم القرطاجني إلى خصوصية الصياغة الشعرية على مستويات الأسلوب ونظم الكلام وترتيب المعاني والتصرف فيها. والشاعر الموفق في رأي حازم هو من يتخذ لنفسه منزعا يكون مأخذا في "بنية نظمه وصيغة عباراته وما يتخذه أبدا كالقانون في ذلك". والباحث أزيار في وضعه لرسالة التوابع ضمن دائرة الإنتاج النصي النثري العربي القديم كان يبحث عن منزع ابن شهيد في الكتابة، فصحيح أن هذا الكاتب الأندلسي خضع لسلطة الكتابة في عصره برافديها المحلي والمشرقي، غير أنه احتفظ لنفسه بمنزع كتابي متفرد كشف جوانبه المهمة عبد السلام أزيار.

يرتبط البحث في خصوصية الكتابة انطلاقا من المدخل التفاعلي بحركية الأجناس الأدبية وتطورها، فمعنى أن يَخضع الكاتب لنظام الكتابة السائد في عصره ويخرج عنه في الآن نفسه؛ معنى ذلك أنه يساهم في تطوير الجنس الأدبي الذي يكتب فيه؛ يتمثل ثوابته ويعمل على تجاوزها باقتراح بدائل إبداعية جديدة. وحينما نتحدث عن سلطة الجنس الأدبي فإننا لا نقصد سلطة بثوابت مجردة، بل نقصد جملة من النصوص المؤسسة التي رسخت ثوابت جنس أدبي محدد. فعملية مخالفة الجنس الأدبي والثورة عنه تتم تفاعليا بواسطة استدعاء النصوص السابقة بنية المحاكاة أو المخالفة. من هنا نفهم كيف ربط عبد السلام أزيار بين التفاعل النصي والتجنيس الأدبي؛ ففي رأيه يمكن الإمساك بالهوية الأجناسية لرسالة التربيع بتحليل تفاعلها مع مدونة النص النثري العربي القديم.

بين عبد السلام أزيار خصائص منزع الكتابة لدى ابن شهيد في رسالة التوابع، ثم بنى على ذلك نتائج لها صله بالهوية الأجناسية للرسالة المدروسة. يذكر الباحث أن ابن شهيد، وهذه خاصية يشترك فيها مع ابن حزم الأندلسي، حكمته نزعة نرجسية في الكتابة؛ إذ نجده في رسالة التوابع " قد حاول أن يضع صناعتيه (الشعر والنثر) في مكانة تفوق ما أبدعه جميع أدباء الشعر والنثر القدامى والمحدثين بالمشرق والمغرب على السواء". وهذه النزعة وجه من وجوه إحساس الكتاب الأندلسيين بشخصيتهم الحضارية واعتدادهم بذواتهم الإبداعية أمام الإبداع المشرقي.

ويذكر أزيار أيضا أن الكتابة في رسالة التوابع تتميز بتوظيفها لأساليب كتاب العربية كالجاحظ وعبد الحميد وبديع الزمان الهمذاني. وغاية ابن شهيد من هذا المنزع أن يباهي "غيره من الأدباء ويبزهم في مجال أسلوبي أكثر صنعة، وكذا في بناء التعبير على نحو تظهر معه المقدرة على التفنن في الأساليب".

ومن أهم ما ذكره الباحث في باب منزع الكتابة في رسالة التوابع ما يلي:

- توسل الوصف بالفعل السردي

- توظيف الرموز ( الجن _ الحيوانات ...)

- التقريب بين الشعر والنثر

- تراوح النص بين خطابي الترسل والسرد

ولأن البحث في التفاعل النصي لا يقتصر على تحليل الموضوعات وصيغ بناء النص، فإن الباحث أزيار حاول أن يبين ما يتميز به بناء العبارة في رسالة التوابع. وهذا المسعى يلزم الباحث بمباشرة تحليل أسلوبي دقيق يظهر ما يتفرد به النص على مستويات تركيب الجملة وتقابل الوحدات اللغوية والتصوير ... غير أن ما وقفنا عليه في هذا الصدد لم يتجاوز الملاحظات العامة. يقول عبد السلام أزيار محللا مشهدا وصفيا في رسالة التوابع: "لقد تفنن أبو عامر في هذا الوصف إلى حد الروعة الفنية، ويظهر ذلك في دقة الملاحظة، وواقعية المشاهد مع خفة الروح وأناقة الأسلوب".

يكشف هذا النص عن نية الباحث في تقريب الخصوصية الأسلوبية لرسالة التوابع، إلا أن الكفاية التفسيرية التي سخرها لهذا الغرض اقتصرت على تسجيل مواقف ذوقية خالصة لا يمكن لها إثبات معطيات دقيقة تثبت تميز الأسلوب وخصوصيته.

يضيف عبد السلام أزيار إلى مظاهر تميز رسالة التوابع المذكورة ملاحظات متعلقة بالصراع البوليفوني؛ إذ يرى أن رسالة التوابع هي أول نص "يقيم البوليفونية على أرض تفاعل نصي ذي مضمون جمالي غايته إقامة وجهات النظر حول طرائق الكتابة". ونموذج هذا الصراع الجمالي ذلك الحوار الذي دار بين الإوزة وصاحب رسالة التوابع حول الشعر، هل هو عائد إلى النحو والغريب، أم هو عائد إلى الإلهام؟". وتكمن أهمية هذه الملاحظة في كونها تنبه إلى حدوث تحول في النثر العربي القديم على مستوى القضايا التي يتناولها. وبكلمات أخرى تقول هذه الملاحظة إن الأدب النثري القديم، ابتداء من رسالة التوابع، امتدت حدوده إلى مناقشة مشكلاته الخاصة. غير أن سؤال الأصل يصعب الحسم فيه دائما. وإقرار هذه الصعوبة يترسخ أكثر إذا علمنا أن المقامة الجاحظية لبديع الزمان الهمذاني، وهي نص يسبق رسالة التوابع زمنا، انطوت بدورها على بوليفونية جمالية موضوعها أدب الجاحظ.

 

حسن الطويل

 

 

جمعة عبد اللهبراعة الروائي (محمد حياوي) ابدع في رسم تقاسيم الكابوس العراقي، في ظل الاحتلال الامريكي . في الاسترشاف والاستقراء الموضوعي، من ينابيع الواقع المزري والمرير، في مستجداته الجديدة، في تسلط الاحزاب الدينية على مقاليد السلطة، واطلاق العنان للميليشيات الدينية المتشددة والمتطرفة، في تخريب البنية الاجتماعية، في المفاهيم والقيم التي سقطت في قاع الحضيض، مما جعل عصابات الجريمة والارهاب، ان تشدد في تدهور الانفلات الامني، نحو التدهور الكبير، لتبقى هي مسيطرة على الشارع، لتخنق الحياة في الرعب والفزع، وجعل الخوف يجري في عروق الناس، وجعلهم دمى وألعوبة، للقنص والاقتناص والانتهاك. وخاصة على الشرائح الفقيرة، المعدومة والمسحوقة والمهمشة والمهملة، المحرومة من ابسط شروط الحياة، لتكون جزء من الخراب العام، وكذلك التشديد في انتهاك المرأة بالظلم والانتهاك والاذلال . هذه المفاهيم الجديدة، التي جاءت مع الاحتلال الامريكي، بمباركة الاحزاب الدينية الحاكمة، التي دفعت الى العنف باقسى اشكال الخراب، نحو اشعال الحروب الاهلية الداخلية . مما برزت ظواهر جديدة في ممارسة العنف الدموي، في الواقع اليومي، تحت مظلة الدين والفضيلة. هكذا تجسدت مضامين المتن الروائي لرواية (خان الشابندر) التي ترجمت التراجيدية الخراب العراقي، في لوحة العنف الفنتازي . في صورة اليوتوبيا الدمار .

لاشك ان الروائي (محمد حياوي) تألق في في اسلوب ومنهجية النص الروائي، في مزج الواقع والخيال، في وعاء واحد، لتخرج منه منصات السرد / الحكائي، في الحبكة الفنية القديرة، في اسلوب فني متقن بتقنياته الابداعية، الفنية والتعبيرية، وفي ادارة دفة مسار الاحداث بتقنية منتظمة ومتناسقة . وفي تحريك شخوص الرواية، ان تتحرك بالفعل المأزوم، نتيجة لشظايا الازمة العامة، التي اجتاحت الحياة والوجود . في واقع يعيش تحت وطئة الانفجارات الدموية اليومية . والحرية المطلقة لعصابات الجريمة والارهاب .

- - المتن الروائي يشير الى مغترب عراقي (علي موحان) كاتب وصحفي . يزور بغداد بعد غياب اكثر من عشرين عاماً . وخلال تجواله في مناطق بغداد القديمة، يواجه فعل الصدمة العنيفة، للخراب المروع للواقع والمحطم والمزري، في السقوط الى الانحطاط في القيم، التي اصابت العراق في منحره، في ظل الاحتلال الامريكي . في واقع يعم به الخراب في كل مكان . ليجد فظاعة الواقع المعاشي المتدهور الى اسفل درجات البؤس والفقر المدقع، ليجد الحزن المؤلم على وجوه الناس . . يأخذه صديقه الى قلب بغداد منطقة (الحيدرخانة) التي تحولت الى خرائب، وبيوت قديمة أيلة للسقوط، وبقايا خرائب شاخصة تبكي زمنها الراحل، مثل (خان الشابندر)، في الوقائع تصويرية، ويعتزم اجراء بحث اجتماعي وصحفي لواقع دور الدعارة، والاطلاع على الجوانب الاجتماعية لبنات الهوى، ويلتقي في احد دور الدعارة العائدة الى (أم صبيح) ليعرف عن قرب هواجس احلامهن وتطلعهن الى الحياة، وكيفية بيع الجسد لكل شاري (- أنا .. أريد ان اعمل بحثاً اجتماعياً .

- ماذا تقصد ببحث اجتماعي؟

- كنت مراراً من هنا صدفة، فاقترح صديق لي الدخول الى البيت والاطلاع عالمكم .

ضحكت ضحكة خافتة وقالت معلقة

- عالم الفضيلة تقصد؟

- لا . عالم القصص الحزينة والاحلام المحبطة والامنيات الذابلة) ص26 .

وخلال انصهاره بالاحداث الغرائبية للواقع المعاشي والمزري الذي يتعايشه يومياً، تجسدت له بوضوح كامل مشاهد البؤس، المشحونة في مأساة الواقع المرير .

اهم شخوص الرواية:

- نيفين: صديقة (علي موحان) صحفية وتشتغل معه في الجريدة، وتعتني به بشكل خاص . سافر زوجها مع ابنها الى استراليا كمهاجر وتركها وحدها، التي رفضت السفر بسبب امها المريضة والمسنة، لقد فضلت البقاء على السفر الى استراليا .

- ضوية: كانت في عمر 13 او 14 سنة، تتفاجئ في احدى الليالي، بأن والدها يريد اغتصابها بالزنى المحرم، واجرم بفعلته الشنيعة، وترك ابنته في رعب وشلل مروع، وجدت نفسها تسيل منها الدماء بين فخذيها، وكتمت الامر بدواعي الخوف والرعب، واعتقدت أمها ان الدماء نتيجة العادة الشهرية، لكن والدها واصل فعل الاغتصاب بالفحشاء الزنى لمدة اربعة شهور، وحين ظهرت عوامل الحمل، وخشية من الفضيحة، اوصى امها ان تأخذها الى بغداد وتتركها هناك للقدر . اجهضت وتنقلت بعد ذلك في بيوت الدعارة . حتى استقر بها الحال في بيت (م صبيح) .

- هند: مدرسة جغرافيا . قتل زوجها في انتفاضة عام 1991، من قبل رجال الحرس الجمهوري . وظلت تتنقل في الحياة الصعبة والبائسة مع ابنتها، . وبعد الاحتلال الامريكي عملت كمترجمة، وتعرفت على احد الجنود النيوزلانديين، وعدها بالمساعدة على الهجرة الى نيوزلاندا . لكن سوء الحظ انتقلت وحدة الجندي النيوزلاندي . وضاع الوعد . وفي احدى الليالي، دهم بيتها رجال المليشيات . واقتادوها الى مكان الاعدام بتهمة جريمة التعاون مع المحتل . وهناك استطاعت ان تفلت من حكم الاعدام . وتنقلات في العمل في الفنادق ودور الدعارة . حتى وصلت الى بيت (ام صبيح) . ارتبطت بعلاقة حميمة مع الصحفي (علي موحان) ووجدت فيه ضالتها المنشودة والغائبة . الذي يمكن ان ينقذها من هذا البئر الخسيس، الذي وقعت فيه، في بيع جسدها لكل شاري (لا أكره الرجال . أنا لست معقدة صدقني . أنا فقط أنتقم من جسدي بالنوم مع هؤلاء الحثالات، لانه سبب لي جميع تلك المآسي واصلني الى هذه الحال) ص35 . هذه مرارتها من واقعها المزري، لكنها تظل متعللة بحب الحياة والامل . لكي تتغلب على خساراتها وانكساراتها الحزينة، في الانتقام من الجسد بهذا الاذلال وبهذه الطريقة (ألم أقل لك؟ هذا الاذلال الذي قصدته، حتى تصدقني عندما اقول لك اذلال) ص38 . لانها عانت بمرارة البؤس والاحتقار والاذلال. فلم تجد الرجل الذي يسمع ندوب شكواها، ويحترم آهاتها ومشاعرها . لذلك وجدت الاحترام والعاطفة الملتهبة بالحب من (علي موحان) لذلك اطلقت طيور احلامها لتغرد . وتجد نفسها في عاطفة جديدة ترقص في قلبها زهواً، انه يعاملها باحترام، الذي فقدته منذ سنوات طويلة، فكان الرجل يعاملونه كحيوانة متعة جنسية، ويفرغون سمومهم ويمضون دون مبالاة، لذلك فأن (علي موحان) ايقظ كرامتها التي دفنتها منذ اعوام طويلة، واعاد بريق احلامها المشتهاة . لكن رغم هذه الانفعالات الاحلامية التي تداعبها وتراقصها، تواجه الخشية الحزينة في اعماق وجدانها، تشعر بالقلق والخيبة، قد تنطفئ هذه الانوار، لذلك تبوح له بالخوف من الاتي الذي قد يخطف احلامها (ان احببتنا لو بعض الوقت . لن نتركك تغادر سالماً) ص8 . وتفشي عباراتها القلبية، تدل هي من اعماق هواجسها (- لكننا سننقذ روحك من الغرق والتحطيم .

- اي غرق؟

- الغرق في الحياة الفاسدة، حيث يلتهم عقلك وروحك، ولكن مع ذلك سنحبك، كما لم يفعل احد من قبل) ص8

- زينب بائعة الكعك: الطفلة بعمر 13 او 14 سنة، تعيل اخوتها الاربعة الصغار، بعد وفاة والديها، فظلت وحدها تكافح في سد رمق الجوع عن اخوتها الصغار، وفي دواخلها تحلم ان تذهب الى المدرسة مثل الفتيات بقدر عمرها . لكن القدر خطفها وهي حانية على قبر امها، بقذيفة صاروخية عشوائية سقطت في داخل المقبرة، لتحولها الى اشلاء متناثرة .

- ابو حسنين المصري: مصلح الفوانيس والمدافئ . جاء من مصر بحلم كبير في العيش بحياة كريمة في العراق . وسكن في القرية العصرية (الخالصة) التي أنشأها صدام، للاخوة الفلاحين المصريين، في مدينة (الخالص) . قتل ابنه في قادسية صدام، ثم ماتت أمه حزناً وكمداً على ابنها . فظل وحيداً فاقد الامل، كل امنيته ان يدفن قرب عائلته .

- اخلاص (لوصة) حلمها ان تتطهر في النهر وتغسل خطاياها، وهي تساهم مع الاخريات في اعالة الايتام، من مهنة الدعارة . وتحلم بحياة خالية من العنف والدماء . وهي تشتغل في بيت (ام صبيح) ومرة جاءها شيخ مسن ملتحي، من عصابة (ملا جليل)، اراد ان يشبع شبقه الجنسي . فقال لها، بأنه يريد جماعاً شرعياً وحلالاً، فجلس على الارض وطلب منها تردد وراءه فقال (زوجتك نفسي أنا العاقلة الراشدة . لوصة بنت مجر، على مهر معجل قدره دينار، ومؤخر قدره عشرة دنانير، ترددت وراءه . قال . الآن اصبحتِ حلالي، انزعي ثيابك، فخلعت ثيابها، اما هو فاكتفى برفع جلبابه الى الاعلى ونام فوقها، تقول لوصة . ما ان لامس عضوه فخذها حتى اطلق شخيراً طويلاً، ونهض معيداً جلبابه وقبل ان يخرج . قال لها أنتِ طالق بثلاثة يا لوصة بنت مجر، وخرج فنادت وراءه الملعونة، والمؤخر يا شيخ؟) ص111 .

- عصابة ملا جليل: العصابة الدينية المتشددة، التي تفرض الجباية والفدية من الاهالي، في سبيل بقاءهم احياء يرزقون . وفرض ضرائب على بيوت الدعارة لتعمل شرعاً تحت حمايتهم، بدفع ضريبة (الفرج) .

- تتارع الاحداث الدراماتيكية في بتنازع العصابات على مراكز نفوذ المناطق . ويتم طرد عصابة (ملا جليل) من منطقة (الحيدرخانة) وتحل عصابة دينية اخرى، متشددة بالتطرف . وفي زيارة (علي موحان) الى بيت (أم صبيح) يجد الجريمة الدموية المروعة امامه في بشاعتها الهمجية . فقد هجم رجال الميليشيات على البنات، بالسكاكين والسواطير الطويلة، في ارتكاب جريمة الذبح . توسلن وبكين بالرحمة بهن . ولكن فعلوا جريمتهم الوحشية الخسيسة بقتل (هند . ضوية . اخلاص، ام صبيح) . بقطع رؤوسهن وتعليقها على الجدران، بكل خسة ودنائة همجية، مخالفة حتى لشرائع السماء الدينية، حتى السماء احتجت بغضب، وذرفت دموع المطر لثلاثة ايام متواصلة (جسدي طازج مثل اوراق الحناء . اخضر من الخارج، لكنه لحم نيئ من الداخل / رحيلة موسكا . شاعرة افغانية شابة . قتهلها رجال طالبان) . هؤلاء الوحوش الذين يرتكبون الجرائم المروعة، بأسم الدين والفضيلة، في هذه الظلامية المتشددة والمتطرفة، يدفعنا الى التساؤل الوجيه، منْ هو اقرب الى الفصيلة . رجل الدين الذي يمارس العنف الدموي، في القتل والذبح و ويهدد الناس بالموت والرعب؟ أم العاهرة التي تحمل مأساة انسانية، وهي ضحية المجتمع الظالم، الذي دفعها الى طريق الفحشاء؟ وهي تحمل الجور والاهانة والاذلال والتهديد بالقتل؟ . منْ المسؤول عن الرعب الفنتازي الاحزاب الدينية؟ أم العاهرات المسالمات، لا يملكن سوى بيع الجسد؟

 

- رواية (خان الشابندر) الروائي محمد حياوي

- اصدار: دار الادب . بيروت

- الطبعة الاولى . عام 2915

- 175 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

rasol balawi2الملخص: يُعدّ التكرار ظاهرة فنيّة عرفها الشعر العربي منذ القديم، وأقبل علی توظيفها كبار الشعراء، للتعبير عن أفكارهم وتطلّعاتهم؛ فالتكرار يحمل في أثنائه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق، ويُعدّ وسیلة من وسائل تشكیل الموسیقی الداخلیة. ظاهرة التكرار من الظواهر المهمّة والمثيرة في قصائد الشاعر العراقي علي مجيد البديري. التكرار في شعره أضفی جمالاً فنيّاً وثراءً دلاليّاً، وإيقاعاً ترنمياً، وقد أخرجه من السطحية إلی الظرافة والبراعة الفنيّة؛ وأسهم في خلق أجواء مموسقة تدفع القارئ إلی التلذّذ والتمتّع بالنص وتبعده عن التعب والملل والرتابة. لقد استخدم البديري ظاهرة التكرار بأنواعها الثلاثة، وهي الحرف (الصوت)، والكلمة، والعبارة؛ وقد تفنّن في استخدام التكرار في تجربته الشعرية التي بصدد دراستها. وإنّنا في هذا البحث وفقاً للمنهج الوصفي – التحليلي، نهدف إلی استكشاف الطاقات التعبيرية والمثيرات الفنيّة الكامنة وراء هذه الظاهرة الأسلوبيّة اللافتة للنظر في ديوانه الموسوم بـ "من بين طينٍ وعطش" الصادر عام 2012م.

الكلمات المفتاحية: الأسلوب؛ التكرار، الدلالة، علي مجيد البديري.

المقدمة:

ظاهرة التكرار تُعدّ من الظواهر البارزة فی النص، ولا شكّ أنها ترتبط بعلاقةٍ ما مع صاحب النص، فهو من خلال التكرار یحاول تأكید فكرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره. يُعدّ التكرار وسیلة من وسائل تشكیل الموسیقی الداخلیة؛ وهو لا يقوم على مجرد تكرار الحرف/ اللفظ/ العبارة في السياق الشعريّ، بل ما يتركه هذا التكرار من أثر انفعاليّ في نفْس المتلقّي، وقد يُظهر جانباً من الموقف النفسيّ والانفعاليّ، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلّا من خلال دراسة التكرار داخل النص الشعريّ الذي ورد فيه، فكل تكرار يحمل في أثنائهِ دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعريّ. التكرار من أهمّ الأدوات الجماليّة التي تساعد الشاعر علی تشكيل موقفه وتصويره، ولابدّ أن يركّز الشاعر في تكراره، كي لا يصبح التكرار مجرد حشو، فالشاعر إذا كرّر وألحّ فقد أظهر للمتلقّي أهميّة ما يكرّره مع الإهتمام بما بعده، كي تتجّدد العلاقات، وتثري الدلالات وينمو البناء الشعري (1).

ومن الشعراء الذين دأبوا علی استخدام هذه التقنيّة الفنيّة ببراعة واتقان هو الشاعر العراقيّ الدكتور علي مجيد البديريّ[1]؛ فقد وجد في هذه الظاهرة طاقات شعورية وفنيّة لرفد نصوصه الشعرية، فوظّف الكثير من الآليات الفنية الحداثية للتعبیر عن تميّزه الإبداعيّ روحياً وأسلوبياً، بحيث تتماشی مع روح العصر، وتطلّعات الشاعر وطموحاته. لقد استطاع البديريّ من خلال تجربته أن يستكمل تخليق الشعريّة الحداثية وشحنها بطاقات وآليات وتقنيات تشكيليّة وخطيّة، اشتغل عليها بمهارة وحذق؛ فهو واحد من الشعراء المبدعين الذين تفرّدوا في نهجهم الشعريّ بأسلوبية جمالية خاصة؛ وقد تفنّن في تقنية التكرار، وجعلها مرآة عاكسة لتوهّجه الروحيّ.

أسئلة البحث:

في هذه الدراسة نطرح سؤالين ونحاول مناقشتهما في أثناء البحث:

- أولاً: ما هي أبرز الخصائص الفنيّة لأسلوب التكرار في شعر علي البديريّ؟

- ثانياً: ما هي أسباب ومبررات لجوء الشاعر في توظیف ظاهرة التكرار وما مدی فاعليتها في النص؟

ظاهرة التكرار:

يُعدّ التكرار ظاهرة فنيّة تحفيزية تثري دلالات النص، وتزيد الخطاب جمالاً وائتلافاً نسقياً. يرتبط التكرار بالتأكيد من جانب، وبالإطناب من جانب آخر، مع ما به من خصائص يمتاز بها من الجميع. لأسلوب التكرار أهمية خاصة إذ هو: أسلوب تعبيري يصوّر انفعالات النفس وخلجاتها، واللفظ المكرَّر فيه هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة، لاتّصاله الوثيق بالوجدان؛ فالمتكلّم إنّما يكرّر ما يثير اهتماماً عنده، وهو يحبّ في الوقت نفسه أن ينقله إلى نفوس مخاطبيه، أو مَن هم في حكم المخاطبين ممّن يصل القول إليهم على بُعد الزمان والمكان (3). ولذا اتُّخذ التكرار وسيلة لتحقيق الموسيقى، التي هي بلا شك «أقوى وسائل الإيحاء، وأقربُ إلى الدلالات اللغوية النفسيّة في سيولة أنغامها» (4).

يتحقّق التكرار في النصّ عبر أشكال عدّة، منها:

1- تكرار الحرف: وهو يقتضي تكرار حروف بعينها في الكلام، ممّا يعطي الألفاظ التي ترد فيها تلك الحروف أبعاداً تكشف عن حالة الشاعر النفسية.

2- تكرار اللفظة: وهو تكرار الألفاظ الواردة في الكلام لإغناء دلالاتها، وإكسابها قوةً تأثيرية.

3- تكرار الترکيب: وهو تكرار يُظهر الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة بوصفها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم، فضلاً عمّا تحقّقه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه.

كان التكرار بأنواعه الثلاثة عند الشاعر علي البديري مثيراً للانتباه، وداعياً للإهتمام بالشيء المكرّر، وقد حقّق تفاعلاً عاطفياً وشعورياً وإيقاعيّاً مع المتلقّي بأشكاله کافة سواءً كان تكرار حرف أو كلمة، أو عبارة. وأيّاً كانت صور هذا التكرار، فإنّه سلّط الضوء على بعض الجوانب اللاشعورية في نفْس الشاعر، والتي تلحّ عليه كأنّه لا يودّ مجاوزة العبارة المكرّرة إلى غيرها .

تكرار الحرف:

تكرار الحرف الواحد الذي هو من بنية الكلمة، وهذا النوع من التكرار لا يقتصر دوره على مجرد تحسين الكلام، بل يمكن أن يكون من الوسائل المهمّة التي تترك أثراً عضوياً في أداء المضمون. يُعدّ هذا التكرار أبسط أنواع التكرار، لقلّة ما تحمله هذه الحروف من معانٍ وقيمٍ شعورية، قد لا ترتقي إلى مستوى تأثير الأفعال والأسماء والتراكيب. يؤدي تكرارُ الحروفِ دوراً عظيماً في الموسيقى اللفظيّة، فقد تشترك الكلمات في حرف واحد أو أكثر، ويكون لهذا الاشتراك فائدة موسيقيّة عظيمة، وقيمة نغميّة جليلة تؤدّي إلى زيادة ربط الأداء بالمضمون (5).

والتكرار الصوتيّ ناتج من تكرار الحروف التي تعدّ بمنزلة المادّة الرئيسة التي تثري الإيقاع الداخلي للنصّ بلون خاصّ، و«يحمل في ثناياه قيمة دلالية، إذ يضيف إلى موسيقية العبارة نغمات جديدة» (6). يُعَدّ التكرار الصوتيّ من مثيرات البديريّ، وهو أدنی أشكال التكرار، إذ يكرّر الشاعر أصواتاً بعينها، رغبة في إبراز الجانب الإيقاعيّ النغميّ للتركيب؛ وهذا الأسلوب في التشكيل الشعريّ يسهم في تنغيم الجملة ويبرز الجانب الدلاليّ أو النفسيّ للنصّ في كثير من الأحيان (7).

فتكرار الحرف «من أبسط أنواع التكرار وأقلّها أهميّة في الدلالة، وقد يلجأ إليه الشاعر بدوافع شعورية، لتعزيز الإيقاع في محاولة منه لمحاكاة الحدث الذي يتناوله، وربما جاء للشاعر عفواً دون قصد» (8). وأمثلة هذا النوع في شعر علي البديري كثيرة.

قام الشاعر في النصّ التالي بتكرار حرف السين:

أُصغي،

فأطلقُ قدمينِ لاهثتينِ

ولا أعودُ بغير رائحةٍ ذابلة،

ولا أستجيرُ،

ولا أقبضُ أغصاني،

ولا أُبدلُ جسداً

تخسرُ، باستمرار، جرارُه المثقوبةُ زيتها..

ولا يستريح! (9)

في هذا المقطع الشعري كرّر الشاعر حرف السين وهو حرف مموسق بجرس إيقاعي ترتاح له الأذن. لا يخفی أنّ تكرار الحرف لا يمكن أن يخضع لقواعد نقدية ثابتة يمكن تعميمها على النصوص الشعريّة للشاعر، لاختلاف طبيعة الأسلوب والدلالة التي يحدثها كلّ حرف ضمن السياق في النص الواحد، وإن كان تأثير الحرف الموسيقي لا يرتقى في قوّته إلى تأثير الكلمة. لكن مع هذا فإنّ تكرار الحرف يحقّق أثراً واضحاً في ذهن المتلقّي، يجعله متهيّئاً للدخول إلى عمق النص الشعريّ.

وقد جاء في الشاهد التالي:

الجسدُ الشائخ

ينثُّ غباراً بارداً

يسند رأسه إلی الموسيقی الرمل (10)

فعلی الرغم من قلّة الكلمات المستخدمة في هذا النص، تكرّر حرف السين 4 مرّات. وفي الشطر الأخير في سياق الحديث عن الموسيقی تكرّر الحرف 3مرّات وهو حرف مموسق يحدث إيقاعاً ترنّميّاً ترتاح له الأذن، ويشدّ المتلقي نحو المعنی التي يريد الشاعر التعبير عنه.

إضربْ بعَصا العِشقِ

وردةَ صدرِكَ النَّائمةِ

واغسِلْ صباحَكَ

بـ «قلْ هو الله»

تنبجسُ قوافلُ الشُّموسِ

وتُفردُ روحُك أجنحةَ الوَجد

ستملأُ عُروقَ العَصافيرِ

بمرايا البَهجةِ

يسّاقطُ منكَ النَّخلُ

مَطراً

يَسيلُ

يَملأُ سَماواتِ الكتابةِ بالسَّنابل (11)

فقد كرّر حرف السين في هذا النص، وهو يتحدّث عن العشق والصباح والوجد والبهجة وتساقط المطر/ الحياة، فلاشك هذا الحرف سيساعد علی تلطيف الجو، وشدّ المتلقّي وتفاعله مع الفرحة التي يريد الشاعر التعبير عنها.

وقد كرّر حرف القاف في المقبوس التالي:

القطارُ الغائرُ في الجليد

عند فمهِ الأزرق

طبقٌ من لُهاثٍ،

وأحشاءُ حقيبة..

ممرودة! (12)

فقد كرّر الشاعر الفونيم "ق" وهو من حروف الإطباق، ويؤدّي إلی تفخيم الموسيقی. ولعل الشاعر يكرّر هذا الصامت تكراراً شعورياً؛ لأنّ «الإطباق قضية نفسية» (13). يمكننا القول: إنّ هذا التنويع في بناء الأصوات يحقّق وحدة صوتية متناغمة ومنسجمة، يكسب الكلمات قيمة جمالية من خلال جرسها المميّز، وانسجامها، وتناسقها (14).

كرّر هذا الفونيم في مايلي أيضاً:

ما لي كلّما توضأ قلبي

تعلقتِ الغفلةُ بأطرافه

كالقراد!

كلّما قُلتُ:

أقبِل عليّ بوجهك يا حنّان!

هرولَ دَمي بعيداً

عن

بابك..! (15)

كرّر الشاعر في هذا النصّ حرف "القاف" 5 مرّات. وله أيضاً:

أخاتلُ عصافيرها الفاتكة،

أتسلقُ هجيرَها،

وحين يرتدي الليلُ

حفيفَ قميصها،

أقشِّرُ الطريق ...

إلی مدائنها المترعةِ

بالبرتقال. (16)

فهذا الحرف أسهم بتكراره في إعطاء النص نغماً موسيقيّاً داخل العبارات من خلال المفردات.

وقد إلحّ البديريّ علی تكرار حرف التاء:

ربما..

حين تصومُ التلالُ عن اشتهاء الفاكهةِ،

والبهجةُ عن التواصلِ،

والرغباتُ عن ابتكار تينها الساخنِ...؟

ربما..

ربما سيصحو العشقُ في النهاية

بعيداً عن فراديسِ اللذة الآثمة ... (17)

نلحظ في هذه الأشطر أنّ تكرار حرف التاء أعطى النصّ نغماً موسيقيّاً داخليّاً وزخماً دلاليّاً، لما له من وقع في الآذان والأسماع، وهو من الحروف المهموسة التي توحي بنوع من الحزن والكآبة. وقد كرّر الشاعر في هذا السياق «ربما» للدلالة علی مدی الشك والتردّد.

وقد اعتمد الشاعر في بعض الأحيان على تكرار حروف المعاني، ففي المقبوس التالي قام بتكرار حرف العطف (و) وأداة النفي (لا) بشكل رأسي متتابع:

أُصغي،

فأطلقُ قدمينِ لاهثتينِ

ولا أعودُ بغير رائحةٍ ذابلة،

ولا أستجيرُ،

ولا أقبضُ أغصاني،

ولا أُبدلُ جسداً

تخسرُ، باستمرار، جرارُه المثقوبةُ زيتها..

ولا يستريح! (18)

تنوّعت التكرارات في هذه القصيدة، منها تكرار حرف السين الذي مرّ ذكره، وتكرار حرف العطف (واو) وحرف النفي "لا". ويبدو أنّ هذا التنوّع في التكرار قد أغنى الإيقاع الدلاليّ للقصيدة، فتكرار (ولا...) تأكيد للمعنى الذي يحاول الشاعر إيصاله، وهو عبارة عن الرفض البات، فضلاً عن الإيقاع النغميّ والموسيقيّ الذي يدعم المعنی؛ وقد حقّق انسجاماً إیقاعیاً یمتاز بقوّة تأكیدیة تعبّر عن رفض المتكلّم. جاء تكرار (ولا...) بنسق جماليّ في شكل عمودي ليقرّ بأهميّة التأثير البصري وفاعلية دلالته؛ ففي كلّ مرّة یأتي مع الفعل المخاطب لیشكّل بذلك توكیداً للنفي.

تكرار الكلمة:

يمتلك تكرار الكلمة في النصّ أثراً عظيماً في موسَقَته. إذ تکون القيمة السمعيّة لهذا التكرار أكبر من قيمة تكرار الحرف الواحد في الكلمة. ويكون هذا التكرار ناتجاً عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، حيث تأتي مرّة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، فضلاً عن ما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النصّ الشعريّ. و«هذا النوع من أبسط أنواع التكرار وأكثرها شيوعاً بين أشكاله المختلفة» (19) و«تكرار الكلمات يمنح النصّ إمتداداً وتنامياً في الصور والأحداث لذلك يعدّ نقطة إرتكاز أساسية لتوالد الصور والأحداث وتنامي حركة النصّ» (20).

وممّا لاشك فيه أنّ الكلمات تتكوّن من أصوات وطاقات لذلك فإنّ أحسن إستخدام الكلمات المكرّرة يضفي على النصّ حلية إيقاعية ودلالة موحية. ولا يفوتنا هنا الإنتباه بأنّ «القاعدة الأساسية في التكرار أنّ اللفظ المكرّر ينبغي أن يكون وثيق الإرتباط بالمعنى العامّ وإلّا كان لفظية متكلّفة لا سبيل إلى قبولها. كما أنّه لابدّ أن يخضع لكل ما يخضع له النصّ عموماً من قواعد ذوقية وجمالية» (21). إنّنا في ما يلي قمنا بدراسة تكرار الكلمات بنوعيّه (الإسمي والفعلي) وجئنا بنماذج من ديوان الشاعر.

قام البديري بتكرار الأسماء في شعره ليستقطب المتلقّي إلی دلالات النص ومداليله المفتوحة؛ فـ «تكرار الأسماء يترك بصمة في ذهن القارئ، من خلال تواتره في النص، وتوصيفه الحال الشعورية بثبات واستقرار وتنامٍ جمالي» (22).

كرّر الشاعر لفظة "أمي" في مستهلّ المقاطع التالية:

أمي...

أأخبرتُكِ أم لا

أني شَعرتُ بطريقِ المدرسة

مُكتظاً بكوابيسِ الحَصبَةِ هذا الصباح...!

.................

أمي...

لقد خبّأتُ القراءةَ تحتَ السَّريرْ

أمي...

لا تخرُجي

إليّ. (23)

كرّر هذه اللفظة 3مرّات مشفوعة بثلاث نقاط (أمي...) ليبقی النص مفتوحاً علی التأويلات والتكهنات.

وقد كرّر مفردة "الكلمات" في القصيدة الآتية:

يَصطبغُ ماءُ الحُروف

بألوانِ الثيابِ والوجوهِ والبناياتِ والأشجارِ والبضائع،

والسَّياراتِ والشَّوارعِ والصِّور، واللافتاتِ والتَماثيل..

يَصطبغُ المَاءُ

بالكلماتِ المُلوَّنةِ

كلمات الباعةِ، والمتبضعين، وَصْفات الأطباء

عقود البَيع، أخبار الصُّحفِ،

كلمات الشِّعاراتِ على الجُدران، وفي السَّاحاتِ على الجِّباهِ والأكفِّ

يَغلي بالشَّتائم والمَدائحِ

بكلماتِ التملُّقِ، والنِّفاقِ، والحُبِّ، والبُغضِ، والازدِراء

........... (24)

وفي ما يلي كرّر لفظة "قطرة":

قُبَلُ الصخورِ

لفرطِ الحياةِ

تَنزلقُ عَبْرَ فجوةٍ في الليلِ

قَطرةً

قَطرةً

تُبللُ الأغنياتِ الحَبيسة

في خلايا الأرضِ

وتوقظُ الأبديَّة. (25)

فتكرار مفردة "قطرة" بصورة متتاليّة ورأسيّة يدلّ علی الهطول والنزول والتساقط المستمر، فهذه القطرات المتتابعة تُبلل الأغنيات المحبوسة في الأرض وسوف تؤدّي إلی يقظة الأبديّة.

هذا وقد كرّر الشاعر الأفعال بكثافة في ديوانه. ولا يخفی أنّ تكرار الأفعال في الجملة الشعرية يترک أثراً مهمّاً في بث الائتلاف والتناغم النسقيّ بين إيقاعات القصيدة علی اختلاف أنساقها الشعرية، وتمظهراتها اللغوية، ومثيراتها النسقيّة ضمن السياق، فالقارئ يستهويه تكرار الفعل، إذا كان مقوّماً من مقوّمات النبض الشعوري والإحساس الدافق بالمعاناة والتجربة (26). الفعل إذا تكرّر في المقطع الواحد، أو في القصيدة كلّها، فلاشك أنّ هناك غرضاً أو معنیً ما يؤدّيه هذا التكرار، ولا يكون الفعل المكرّر مجرد نسق زمني، أو حدث محدّد فارغ من التكثيف الدلاليّ، أو التدفّق الشعوريّ أو الترنم الإيقاعيّ.

ومن أمثلة هذا النوع من التكرار نجده حاضراً في نصوص الدكتور علي البديري:

سَالَ طعمُ الفِكرةِ أسودَ

حينَ قرَّرَ أنْ يموتَ

استلَّ عُوداً من حَصيرةِ جوعِهِ،

ورفضِهِ،

وفاقتِهِ..

نفخَ فيه من نارِه

تلوَّى

تلوَّى

تلوَّى... حتى انكمَشَ

محضَ فكرةٍ سوداءَ

لا تكترثُ لدخانِها العُيونُ الشَّاهِقةْ (27)

فقد كرّر فعل (تلوّی) بصورة رأسية متتالية ليدلّ بذلك علی مدی الالتواء الحاصل، فهذه الكلمة بظلالها تشي بتجدّد الالتواء. ومن الأمثلة الأخرى لهذا النوع من التكرار:

هذه الرَّغبة

- بأشواكِها الحُمرِ -

تَرشُ فُلفُلَ صَدري،

أشتعلُ...لليلٍ مُشتهى،

فأكتمُ.

أشتعلُ..

أشتعلُ..

فينبجسُ الطريقُ

بلوحاتِهِ الكثار... (28)

تكرار فعل "أشتعلُ" بصورة رأسيّة ومتموّجة يدلّ علی مدی هذا الاشتعال والتوهّج. والنقاط بعد الفعل (أشتعلُ..) تساعد علی هذا المعنی الذي يريد الشاعر التعبير عنه. وفي النصّ الآتي:

........

... ثم رأيتُه معجوناً بالرَّصاصِ

على الشاطئ...

صدقوني

رأيتُ قلبَه مُندَلقاً..

على الرمال،

ينبضُ..

رأيتُه ينبضُ

ثِقْ بي رجاءً...!

لا أدري ما ستقولُه

لكنني رأيتُ البحرَ - فعلاً -

يجمدُ،

والرجلَ المنخورَ بالرصاصِ...

يَغيبُ

في فجوةٍ منه. (29)

قام الشاعر بتكرار فعل "رأيت" تأكيد الاخبار والتقرير، فهول المنظر، ولعل استنكار المخاطب له يتطلّب من الشاعر هذا التكرار المكثّف.

وما يلحق بتكرار الكلمة ما يُسمّی بالتكرار الصرفيّ، حيث تتوالی في الجملة أو المقطع كلمات: أسماء أو أفعال، علی وزن صرفي واحد، وهو تكرار يوفّر للنص إيقاعاً موسيقياً مؤثراً؛ و«كما يخضع لهندسة عاطفية فإنّه يخضع أيضاً لهندسة موسيقيّة» (30). ثمّة شبه اتفاق علی أنّ التنظيم الصرفي في الشعر يخلق الإيقاع بوصفه نظاماً من الأٌوات المتوالية في زمن معين (31). التكرار الصرفيّ لا يخلو من علاقة بنفسية الشاعر، إذ إنّ اختيار اللفظ يجسّد الحالة النفسية للشاعر ساعة الإبداع. ومن نماذجه في ديوان البديري:

يَتقلَّبُ

يَمَرُّ/ يَضَرُّ/ يَبيَضُّ/ يَصفَرُّ/ يَسوَدُّ..

يَسخنُ/ يَبردُ/ يَمدُ/ يَذوبُ/ يَسخنُ.. (32)

الأفعال المضارعة في هذا السياق تمنح الدلالة تجدّداً واستمرارية، وتؤكّد السياق وتدعمه، فضلاً عن الصيغة الصرفية في هذه الأفعال، فيها جناس ساعد البناء النصي علی جرس العبارة وإيحائها. وقد حقّق هذا التكرار الفني نوعاً من التوازي البصريّ الأفقيّ، وأسهم في تعميق الدلالة، وإخصاب طاقاتها الإيقاعيّة.

تكرار الترکيب:

تكرار الترکيب أو الجملة هو تكرار يعكس الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة بوصفه مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم، فضلاً عمّا تحقّقه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه؛ وربّما تكون هذه العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنصّ، فضلاً عن المهمّة النغمية التي يؤدّيها التكرار، وهذا النوع نجده حاضراً في قصائد كثيرة في ديوان الدكتور البديريّ.

ويحتاج تكرار الترکيب إلى مهارة ودقّة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه، فيجيء في مكانه اللائق، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات؛ لأنّه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت، وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيريّ. يعدّ تكرار الكلمة في النصّ، وتكرار الجملة في السياق ذا أثر عظيم في توافر الجانب الموسيقيّ، ولهذا التكرار من القيمة السمعيّة ما هو أكبر ممّا هو لتكرار الحرف الواحد في الكلمة أو في الكلام (33).

وقد عمد الشاعر إلی هذا النوع من التكرار في شعره:

قد تعودُ المنازلُ مساءً

بمؤونةٍ كافيةٍ من الأرصفة...

لستُ متأكداً...

لستُ متأكداً بعدُ من لهفةٍ

تحطُّ على كتفيَّ (34)

فقد كرّر جملة (لستُ متأكداً) المتشكّلة من الفعل الناقص (ليس) وإسمه وخبره، لنفي التأكّد. يعمل تكرار هذه اللازمة على ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنّها قالب فني متكامل في نسق شعريّ متناسق. يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعنى وتجعله أصيلاً، إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه، وأن يجيء في موضعه، بحيث يؤدّي خدمة فنيّة ثابتة على مستوى النص تعتمد بنحوٍ أساسي على الصدى أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكّده أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية.

وفي قصيدة (بين جناحيّ... كلعنةٍ) كرّر الشاعر (ما لي كلّما) وهي صيغة استفهام تأتي صادمة للقارئ ومثيره:

ما لي كُلَّما فتحتُ عَينيَّ

أبْصَرتُ المَكانَ

يَنكتُ عَن ثيابِه

خَطايايَ!

........

ما لي كُلَّما تَوضَأ قلبي

تَعلقتِ الغَفلةُ بأطرافِهِ

كالقَراد!

.........

ما لِي كُلَّما بَكيتُ

غلَتْ خرائطُ النَّبيذِ في صَدري

.........

ما لي كُلَّما ألقَمتُ فَمي حَجَراً

سالَ

لُعابي،

وانْزلقَ لِسانِ على قَوسِ الشَّهوات! (35)

هذا النوع من التكرار يأتي في مستهلّ/بداية النصّ لتعميق الدلالة. ويعود هذا النوع من التكرار إلی اضطراب نفسية الشاعر المتوتّرة والتي وجدت في هذا التكرار البداية القويّة المتكثّفة للانطلاق والتحرّر من هذا الواقع المتدهور. فهذا النوع من التكرار الاستهلالي في بداية الجمل الشعرية يعكس درجة فائقة من الائتلاف والتناغم الإيقاعي علی مستوی المفردات، والجمل، والتراكيب جميعا، باعثاً فيها صدی إيقاعياً مثيراً يدفع الحركة التعبيرية إلی الأمام بتضافر نسقي ائتلافي في النص الشعري، ويسهم في شحن الخطاب الشعري بقوّة إيحائية ويفتح المجال الدلالي أمام القارئ للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الخطاب وبذلك يستكمل النص عند الإجابة عنها.

يُعدّ التكرار في هذا النص تكراراً استهلاليّاً، أو كما يُطلَق عليه أیضاً تكرار البدایة، حیث یركّز هذا النمط في حالة لغویة، یتمّ تأكیدها عدّة مرّات في بدایة القصیدة. وكما يعرّفه الغرفي «هو نمط تتكرّر فیه اللفظة أو العبارة في بدایة الأسطر الشعریة بشكل متتابع أو غیر متتابع» (36). ویعرّفه محمد صابر عبید: «بالضغط علی حالة لغویة واحدة، وتوكیدها عدّة مرّات بصیغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلی وضع شعري معین قائم علی مستویین رئیسین: إیقاعي ودلالي» (37). بعبارة أخری، أنّ التكرار الاستهلالي هو التركیز في كلمة أو جملة من خلال تكرارها عدّة مرات. وتشترط نازك الملائكة فی التكرار الاستهلالي أن یحقّق انسجاماً وتناسقاً داخل المقاطع الشعریة فـ«یوحد القصیدة في اتجاه یقصده الشاعر إلّا إذا كان زیادة لا غرض لها» (38).

الخاتمة:

- يعدّ التكرار في النصّ ذا أثر عظيم في توفير الجانب الدلالي والموسيقيّ، ويكشف عن لواعج الشاعر واهتماماته، فالشاعر من خلال التكرار یحاول تأكید فكرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره.

- لقد إستخدم الشاعر علي البديري ظاهرة التكرار بأنواعها الثلاثة وهي الحرف (الصوت)، والكمة، والعبارة. وهذه الظاهرة في نتاجه الشعري أضفت جمالاً فنيّاً وثراءاً دلاليّاً وإيقاعاً ترنمياً، وقد أخرجت نصوصه من السطحية والرتابة إلی الظرافة والبراعة الفنيّة وتلذّذ القارئ بالنص.

- التكرار ذو صلة وثيقة بدلالات الكلام وأغراضه، ففي شعر البديري عندما تتكرّر بعض الحروف فهذا يدلّ على ميزة الحرف ودلالته الصوتية، وكذلك عندما تتكرّر الكلمات والعبارات يشعر المتلقّي بأنّ لتلك الكلمة أو العبارة أهمّية بالغة في كلامه، إضافة عن الإيقاع الذي يحدث في الكلام.

 

أ.م.د. رسول بلاوي

.............................

المصادر والمراجع

1- الصورة الشعرية عند أبي القاسم، مدحت سعيد الجبار، ليبيا، الدار العربيّة للكتاب، 1984م: 47.

2- جريدة الصباح، ملحق أدب وثقافة، العدد 3287، 7 كانون الثاني 2015م.

3- التكرير بين المثير والتأثير، عزّ الدين علي السيّد، ط2، بيروت، عالم الكتب، 1978: 136.

4- مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربيّ الحديث، سالم أحمد الحمداني، الموصل، مطبعة التعليم العالي، 1989: 246.

5- أبو فراس الحمدانيّ الموقف والتشكيل الجماليّ، النعمان القاضي، مصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ودار التوفيق النموذجيّة للطباعة والجمع الآلي، 1981: 501.

6- عبدالرحمن، ممدوح (1994م): المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر، دار المعرفة الجامعية، اسكندرية: 94.

7- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي، عصام شرتح، ط1، دمشق، دار الينابيع، 2011: 158.

8- لغة الشعر العراقي المعاصر، عمران خضير، ط1، الكويت، وكالة المطبوعات، 1982: 144.

9- من بين طينٍ وعشق، علي مجيد البديري، ط1، لبنان، دار الغاوون للنشر والتوزيع، 2012: 20-21.

10- المصدر نفسه: 53.

11- المصدر نفسه: 102.

12- المصدر نفسه: 72.

13- التشكيل التخيلي والموسيقي في شعر المقالح، عناية عبدالرحمن عبدالصمد أبوطالب، دمشق، دار الفكر، 2009: 281.

14- «دراسة الموسيقی الداخلية في الصحيفة السجادية»، حسن خلف وآخرون، اصفهان، مجلة بحوث في اللغة العربية وآدابها، العدد 8، 1392: 72.

15- من بين طينٍ وعشق: 25-26.

16- المصدر نفسه: 24.

17- المصدر نفسه: 20-21.

18- المصدر نفسه: 20-21.

19- التكرار في شعر محمود درويش، فهد ناصر عاشور، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004: 60.

20- حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، حسن الغرفي، المغرب، إفريقيا الشرق، 2001: 84.

21- قضايا الشعر العربي المعاصر، نازك الملائكة، الطبعة الثالثة، بغداد، منشورات مكتبة النهضة، 1967: 321.

22- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي: 164.

23- من بين طينٍ وعشق: 47.

24- المصدر نفسه: 104.

25- المصدر نفسه: 85.

26- موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي: 171 – 177.

27- من بين طينٍ وعشق: 103.

28- المصدر السابق: 61.

29- المصدر السابق: 64.

30- قضايا الشعر العربي المعاصر: 479.

31- في البحث عن لؤلؤة المستحيل، السيد البحراوي، بيروت، دار الفكر، 1988: 50.

32- من بين طينٍ وعشق: 105.

33- التكرير بين المثير والتأثير: 80.

34- من بين طينٍ وعشق: 20.

35- المصدر السابق: 25-26.

36- حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر:81.

37- القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الإیقاعیة، محمد صابر عبید، دمشق، اتحاد الكتب العرب، 2001: 161.

38- قضايا الشعر العربي المعاصر: 269.

...............

[1]. الشاعر علي مجيد البديريّ من مواليد البصرة 1972م. أنهی تعليمه بكلّ مراحله في مدارس محافظة البصرة وجامعتها. وقد حصل على الماجستير في اللغة العربية وآدابها (الشعر الحديث) ـ كلية الآداب/ جامعة البصرة عام 1998م؛ وعلى شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (الأدب المقارن) في الكلية نفسها عام2010م. وهو الآن أستاذ مادة (الأدب المقارن) في قسم اللغة العربية بكلية الآداب/ جامعة البصرة. صدر ديوانه الموسوم بـ "من بين طينٍ وعشق" عام 2012م عن دار الغاوون ببيروت. حصل البديري على جوائز أدبية منها: جائزة الشعر في مسابقة القلم الحر الدولية للإبداع/ مصر 2012م، وجائزة النص الأدبي المفتوح في مسابقة العتبة الحسينية المقدسة/ كربلاء 2013م (2).

 

 

20 أنيس محمد صالحكيف نحلم بالتطور والتغير ونحن نقتل الحرف والكلمة ونهمش الحب والجمال ولا نبالي بالسمو والإبداع ؟

دوما لا يصح إلا الصحيح ابتلت الشعوب العربية و الإسلامية بالذات بالفكر الضلالي و الأحادي الجانب ، حينما نتصفح كتب الماضي و الأبيات. من الشعر الغزلي و على مر الزمن و لحقب زمنيه متسلسلة منذ أن خلق الله البشر ، هناك صراع وبحث عن الجمال و المرأة والرقة والإحساس ، تتجلى في مجالس الأمراء و السلاطين هناك دوماً بريق الجواري أي النساء و أثناء تصفح حياة الميسورين و الأمراء والسلاطين و الحكام سنرى. موضوع المرأة هو الطاغي حتى خلال الوشايات و القتل و التآمر غالباً تكون المرأة هي الموضوع بين الطرفين و المكائد أي أن المرأة مطلوبة في حياة العظماء و الأدنى منهم ، ولكن المهم من يجرأ التطرق إليه بصورة جماليه وإنسانيه و بدون تحفظ أو خوف أو تملق ؟. نرى قلة قليلة من المبدعين من الذين أنصفوا هذا النصف الحيوي من التكامل والتكافؤ في كل أمر لتستقر الأمور لم يجرأ إلا قلة قليلة و حسب ما أمكن من الاطلاع على ما كتبوه بشكل منصف تكون الدكتورة المنصفة نوال السعداوي ومن بعدها المرحوم الشاعر نزار قباني ولحق وأبدع شاعرنا المبدع عصمت شاهين الدوسكي وقد نقول قد تجاوزهم وجدانياً و بصورة محببة و من دون حجاب ليخفي خوالج النفس و لينطلق إلى الخيال و الوصف اللا نهائي و بصورة إنسانية لذيذة نحبهم ونرغب بهم ولكن نكابر ولا ننطق بكلمة الحق لتستقيم الأمور ، الشاعر عصمت شاهين الدوسكي الذي يلهمنا ويسافر بنا إلى دنيا المحبة و الخيال والتسامح والسلام

بمضمون ما تحتويه قصائده من أمور تخص كل ذواق أصيل ،

المشكلة إن المرء قد ترك الأمور الجوهرية التي تخص كيان كل منا وأصبح همنا البحث عن أشياء قد تكون بالمرتبة الخامسة أو أكثر، تمر الأيام و اللحظات من دون أن يحس بها وحين يتم التذوق ووصول الفكرة للشخص أكان ذكراً أم أنثى. تكون النعمة زائلة من حيث الاقتدار و الصحة و لبقية من العمر للتنعم بها

الشاعر العاشق ينبأ و يجهد و قد نقرأ جزيئات مما يكتب

ونكون في غفلة من أمرنا ، من رؤى قصيدته " نسيت إنكم لا تقرؤون " يتجلى للواقع الذي خلف الجهل والدمار والخراب والمعاناة واليتامى والأرامل والثكالى واوجد صور المرأة المغتصبة والمعذبة والمهاجرة خلال لظى التشريد والتهجير يناديها كأنه يواسيها بأسلوب سهل ممتع يلمس الروح والقلب والإحساس .

(سيدتي عذرا ، لا تسألي

ابقي مهاجرة

نسيت إنهم لا يصغون

لا يتغيرون

نسيت أنهم لا يقرؤون) .

تعتبر قصيدة " نسيت إنكم لا تقرؤون " من القصائد التي جمعت صورة المرأة في الأزمات والوطن الجريح ومضامينها تقدم حلولا فكرية للتغير للأسمى والارتقاء بعنفوان الإنسان بدلا من تدهوره في ظل الجهل والفساد وإقحامه عمدا في الحروب والأزمات التي لا زمن واضح ولا حل ولا بديل لها ،

عوًدنا شاعر المرأة والوطن عصمت الدوسكي منصفاً بقلمه وبكل الصور الواقعية ما يكتبه من زوايا معينه ليكشف للعالم المتناقضات التي تدهور الحب والجمال والفكر والإبداع ، أشعاره و كتاباته المتنوعة خلقت جو من التفاعل الايجابي في الأوساط الثقافية في محافظة دهوك بالذات وبقية المحافظات و ربما تجاوز حدود الدول العربية والعالمية . وغزا مناطق بعيده بإبداعه الشعري و ما يطرحه من أفكار متجددة ومن صور إنسانيه تهم المرء وتنفس عن احتقاناته وتترك له فسحة من الأمل ليعود إلى نفسه ويتذكر الماضي و الحاضر .

حسب ما اشعر شخصيا ، تواجده بيننا نعمة فضيلة لمحبي الشعر والنقد والرواية ، أي اشبع فضولنا لما حرمنا منه ، جرأته حقيقية نابعة من صميم الواقع ، والتعمق في سبر الخبايا الإنسانية و التي يتمناها كل ناضج في حد ذاته إحساس وجمال وإبداع ،

مع ظهور الشاعر عصمت شاهين الدوسكي اعتبره متمما لما بدء به الشاعر الكبير المرحوم نزار

حيث اخذ على عاتقه أن يكون العطر لكل جميل ، والمسك لكل رائحة نشمها ، ورونقاً يشع في نفوسنا بعد أن اجتاحت المجتمعات الشرق أوسطيه الكثير من صور النفاق و التخلف والإجرام بحق المرأة و محاولة إحياء عصر الجواري و أسواق النخاسة بعد أن انعم الله على البشر بالعقل و البصيرة .

حيث كان و ما زال تواجد أمير العشاق الشاعر عصمت الدوسكي بيننا و في هذه الفترة العصيبة صحوة رومانسية وصورة ثورية تجسد المحبة والجمال والسلام ، ففي قصيدة " لا أكتب لك " من خلال العنوان نحس انه ضد المرأة ، لكن بعد قراءة النص بصورة تأويلية فكرية عميقة نرى يجسد بحالة نفسية صورة امرأة داخل امرأة ، وهذا ليس بالسهل على الشاعر أن يبحر مع امرأة داخل امرأة .

(لا اكتب لك

   بل لامرأة فيك كالبحار

   تمتد أمواجها المتمردة العاشقة

   وتحطم الأسوار

   شواطؤها أقدار مجهولة

   في ذاتها تبحث عن الأقدار

   تسافر من غربة لغربة

   ما زالت تبحث عن الأسفار

   قد يكون لقاؤنا حلما ، ملحمة

   أسطورة أشعار

   عذرا يا سيدتي المسافرة

   لا أقيد إحساسي

   فهو حرٌ من زمن الأحرار) .

رغم إن الشاعر عصمت الدوسكي يعيش في عزلة بعد قصف بيته في الموصل وتركه أطلالا وركاما ولجوئه إلى دهوك ما زال بلا عمل ، في حالة من الضنك والعيش مع أسرته كأنه منفي بلا نفي بين جدران أربعة ، أسأل الجميع يا ترى أين حقوق المثقفين والكتاب و الشعراء ؟. لماذا هذا التهميش ؟ لماذا لا يأخذون دورهم في التغير والتطور والتقدم والإبداع ؟ لماذا عدم الاهتمام بهم وزيادة معاناتهم الأسرية و الاجتماعية ؟ خاصة الكاتب يجب توفير الأجواء المناسبة له للكتابة والإبداع على أقل تقدير ، كيف نحلم بالتطور والتغير نحو السمو والارتقاء ونحن نقتل الحرف والكلمة ونهمش الحب والجمال ولا نبالي بالرقي والإبداع ؟ كيف نواكب التطور الفكري والاجتماعي ونحن نهمش المفكرين والشعراء والعلماء ؟   أين العدل في هذا ، في حق الأرض والإنسانية عامة ؟ ورغم هذا الصراع الفكري والحرمان والضنك المعيشي يبحر بنا الشاعر الدوسكي. إلى موقع الخلوة التي يتمناها أي عاقل أن يتنعم بإحساس وخيال خلاق وتبصر للجمال والدلال واخذ استراحة الفرسان في زمن طغت الأشياء المادية و ضغط وشدة الحياة العصرية على تحركاتنا و انفعالاتنا و حتى نفسيتنا انه الصراع الغير منتهي. ولكن مدمر لذات النفس وبعد أن تمر السنين يجد المرء نفسه وحيدا محبطاً بلا مشاعر بلا أمل بلا تنعم ، تذوي وقت الطاقة واللذة كما انعم الله بها على العباد .

إن ما يشير إليه الشاعر عصمت شاهين الدوسكي

تنبيه لنا وربما لكل قلب وشخص سليم. للأمور المادية الواهنة ، ليست هي كل الأمور في حياتنا بل يجب إعطاء للروح الحقيقية مجالا أوسع والأحاسيس والعلاقات العامة حيّز ما لتذوق ما أبدع به الرحمن للطرفين في هذا الكون ووعيه تجاه صورة المرأة ودورها المهم في المجتمع والحياة وكذلك الرجل دوره في تكملة دورة الإنسانية ، من منا لم تهزه كلمة إعجاب أو عبارة تتعلق بمحاسن ما كالشعر والعيون والخدود والقامة والكرم وأوصاف أخرى متعددة

دوماً يتألق الدوسكي بين الحلم والواقع ، الخيال واللا خيال بجرأة شعرية فكرية بما يذكره و يبصره. نحن بعجالة من أمرنا لا نرى و لا نحي إلا بها ويبقى الشوق في نفوسنا .

ففي قصيدة " دعي سحر النظرات " يدخل عوالم الوصف والرمز ليقول :

( في عينيك يتجلى حرماني

   وعلى خديك أرنو لمكاني

   والملم شعرك خيمة

   أكون عاريا، حراَ

   لا أتعب ، في شفتيك هذياني) .

يا ترى لما لا يذوب وينتهي بجنون حينما تفعل كل الشجون لوعة واشتياقا ونارا ، كلماته تذيب جليد السنين ، يعيد لإحساسه حرارة ما فات من سنين ،يعودنا برفق ولين وحب بفنون قلمه الذي غزا قلوب العذارى وما فاتهم ذلك الإحساس الخلاق من وحي قلمه السحري نبض وحرف تسطره ليخرج إلينا شعرا وإحساسا نعانقه ونتوه في تأمله .

هناك كنوز مفقودة و لكن هناك منقبين دوماً ،عن حلقات لم ترى النور وأناس لم يعرفوا وآخرين مهمشين ،آن الأوان للاهتمام بالمثقفين و الأدباء ممن بقوا خارج دائرة الضوء ، كفى ترك الساحة للمنافقين وميليشيا الثقافة المقيدة ومن يبحثون عن الحضوة و التملق و العزف في قرب مخرومة للتواصل مع الشياطين و أعداء التطور ، المفكرين و الأدباء والعلماء والفنانين شموع لإنارة كل ركن مظلم في ربيع الأرض والإنسان .

فحينما يولد يوم جديد تتجدد الأحلام و تعاد الذكريات و يغوص المرء بالتخيلات ، فكم ذكرى تفرح أو تبكي أو يتمنى المرء بالمسرات أن تتجدد من جديد ،أصبحت الأمور لبعض الناس لباس جديد أو بذخ بالأكل و الغناء و التمايل على أنغام المزامير

ولكن هناك من بلا سند أو بيت يجمعهم يحميهم وهناك من تسبب بكل هذه الآلام. يخطب و يزمجر و يهدد على انه أصبح الفاتح لأمجاد لا تمجد و تشرف من قام بها في وقتها فقد أراق الدماء الطاهرة لنزوة أو خيال مريض وزال كمداس تقطع من كثرة اللبس و حذف في مزابل التاريخ ، إن الله ليس بحاجة إلى شياطين يتحدثون باسمه كونه أعظم منهم جميعا ، وستكون الآخرة السيئة لهم مثل هولاكو و هتلر وموسيليني وفاسدين آخرين من بني الشيطان اللعين حيث فقدوا الشرف و الذكرى الخالدة . يتجلى معنى التضاد في قصيدة " نوروز وآذار حينما يذكر بأسلوبه الراقي .

( آه وآه .. نوروز

   تعب الكلام من الكلام

   تعبت الجراح من الأوهام

   والشكوى لرب العالمين

   أما أنت يا آذار

   شتان بين آذار والنار

   لكن بينهما نجد مفلسين

   الرحمة على الغرباء

   والراحلين والبؤساء

   والرحمة على الماء والطين) .

هيهات لمن شرب من نبع العشق أن يرتوي ربما حرمان وفراق و دموع و آهات تلاحق المرأة. في أنصاف الليالي وتقلب على الفراش وتخيل مواقف متنوعة قد تكون مضحكة أو مؤلمة كانت ولكن الذكريات و الكلمات المميزة تفرض نفسها حينما يجد الجد ويدخل الأمير بساحة المنازلة ، تهرب الحروف و الكلمات من التفكير لكون لا زلت محلقا في سماءه وعطر كلماته أي نعمة هبطت من السماء وحليت بين الديار كشموخ الجبل مقابل كل الغرباء عن المرأة والوطن والحب والجمال ، عندما تحطم كل أغلال الجهل والفساد بصورك الشعرية وعندما تكسر قيود المرأة الحقيقة التي تكون نبع الحضارة الإنسانية وديمومتها تطمئن ونطمئن وتعود هي كما هي و ترجع الأشواق وتحلى الأمسيات المفعمة بالأمان والسلام . رغم الوجع في قصيدة " وجع امرأة " إلا إنه وجع انثوي ناضج بالحب والحياة .

(وجعك أيقظ خفية وجعي ..

   فهل تدرك سالت أدمعي ....؟

   شوقي لهيب احرق جفني

   وبح ندائي فهل تسمعي ....؟

   من كأس خمري أسقيك

   وإن كان في شفتيك مصرعي) .

أية كلمات خطت و نقشت على القلب ونطقت بها الشفاه وعبرت عنها ايماءات العيون في جلسات سرقت من خلالها نضرات

وإيحاءات عشق وممنوعات لا زالت تسري في تخاريف دهاليز عقول لا ترى النور و تود العيش بالظلام .

هكذا تعددت صورة المرأة في قصائد عصمت شاهين الدوسكي ليخلق ملحمة شعرية خالدة ترسم للزمن والأجيال تاريخ حضارة متجددة رغم كل الآلام والأزمات .

 

أنيس محمد صالح – دهوك

 

عمر احمد عبد الكريمعندما يغوص الشاعر في أعماق النص ليستخلص التجربة الشعرية التي عنده، يرى الناقد أن هذا الغوص يستمد جمالياته وتصوراته من فضاءات اللغة الدلالية ومدى مرونتها في تشكيل الصورة البلاغية، والتي بعمقها يحتاج كلٌّ من الأديب والناقد إلى إعمال الفكر وتدقيق النظر كلٌّ حسب مجاله، للوصول إلى المتعـة التـي ينتظرها (القارئ) وهنا تظهر مقدرة الأديب في الإبداع ومقدرته على إيجاد لغةٍ متفردة – شعرية – إيحائية – داخل لغة لسانه، وهذا هو ما يجعل شاعراً ما يتفوق على آخر، وناقدٍ ما يتقدم على آخر.

وفي ديوان (قصائد مجنونة جداً) يُمثِّل الشاعر (قيس قوقزة) أحد أولئك المبدعين الذين حملوا راية الحداثة، من أجل الخروج بلغة الشعر (صوره البلاغية) إلى دلالات مبتكرة يكون المتلقي فيها مشاركاً، ومشاركة المتلقي أعني بها تذوقه للغة النص وأبعاده الدلالية من واقع ثقافته ، والتي يكون للأديب المبدع الدور الأكبر في تكوينها من خلال كتاباته وأساليبه.

وقيس قوقزة خرج بلغة الشعر من المباشرة إلى الإيحاء، ومن التقليد إلى الحداثة – ولا أعني بالحداثة – الخروج عن أوزان الشعر وتفاعيله إلى ما يُعرف الآن (بقصيدة النثر) وإنَّما أعني المواكبة للأحداث ومرونة اللغة وسُهولة النظم الذي يخوض به الشاعر معركته الكلامية.ففي قصيدته (بائع الأحزان) [2] يتأمل القارئ المواقف التاريخية والأحداث المتكررة منذ عصور الشعر قديماً إلى العصر الحديث، الأحداث هي نفسها متكررة منذ أن قال أبو تمام قصيدته (فتح عمورية) :

السيف أصدق أنباء من الكتب في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

إلى أن قال (قيس) :

ودمعاتُ الحبيبةِ....عطر أميِّ

تُعرِّجُ في سماواتي وتسري

فأسمع فوق صدري هدهداتٍ

وينطقُ من عميق الصَّمتِ شعري

بهذه الكلمات عبَّر (قيس) عن مأساة أمة. وهي صورةٌ حيَّة لواقعٍ محسوسٍ ومشاهد، حاول الشاعر أن يُعطيها خصوصية في التعبير، فنراها ترمز إلى مجموعة من الأحداث ومجموعة من القيم. وهي صورة وثبتْ من زمنيتها التقليدية القاصرة إلى معنى أرحب ، ومدلولٍ أوسع ، (فأمسى الزمن الماضي رماداً وهو بقايا الاحتراق، فكأن هذا الزمن هنا رمزٌ للفناء والعدم...إنه رمزٌ لوجودٍ كان ثم لم يكنْ) [3]

خمسون عاماً لم نَعُدْ بضمةٍ من[4]

الورود من مخَّيم الثُّار

والمحاجرْ...

خمسون عاماً نرْتقي بسلِّم الجراح

نحو صفعةِ العراقِ والجزائرْ...

بيروت لمْ تَعُدْ أنشودةَ الرماحِ

والسماء والدفاترْ...

كمانُنَا المجروح قد تخلَّى..

عن فكرةِ الوترْ!!

فالجراح التي أصابتْ الأمة العربية، من فعل الحرب المضطرمة، مرتبطة بأزمنة مختلفة، لا بزمن واحد – إذا صرفناها إلى معجم الدلالة الرمزية التي لا حدود لها، فهي دلالة على ضياع الأمة العربية عند ما تبحث عن (السلام) المشار إليه في القصيدة بـ (الورود) وهي سجينة المخيمات الثورية، في قوله:-

خمسون عاماً لم نَعُدْ بضمةٍ من

الورود من مخيم الثوار

والمحاجر..

أما (المحاجر) فذات دلالة معنوية لما فيها من إيماءات إلى تساقط الخوف، وذلك إذا أخرجنا – المحاجر – عن المقطع الذي قبلها باعتبار (الواو) للاستئناف وليست للعطف.. وهنا يقوى المعنى، بأن المحاجر قد ترمز إلى الكآبة التي تؤرق الإنسان العربي الذي يبحث لوردةٍ من مخَّيمٍ ثوري... وبهذا تكون الصورة الفنية في النص، ذات أبعادٍ دلاليةٍ لواقعٍ ملئ بالأحزان واليأس والخضوع، هذا الواقع نفسه الذي أشار إليه الشاعر في قصيدته (مقامة بغدادية) ص82.

من بغداد يطِّلُ قطار الأحزان

على شرفات السَّفر، وتبدأ

قصتنا مع موج البحرْ...

من بغداد تعود بنا الأيام إلى زمن

الأحلام... وندخل قوقعة الذِّكرى...

كي نشرب كأس الزمن المُرْ....!

فالحُزن الذي نتوهم من ذكره أنه قائم، ممتد عبر الأمكنة، يُسرع الخُطى وكأنه قطار.

.. (قطار الأحزان)

صورة حسية (للقطار) صورة معنوية (للأحزان)

وهي دلالة عن (امتداد الحزن)

فالعلاقة التي أراد الشاعر الإشارة إليها عندما شبه (الأحزان) بأنها (قطار) يطل على الشرفات.. علاقة معنوية تدل على ضخامة الأحزان وكبرها عند إنسان بغداد، حيث لم تك غاية هذا التشبيه في الشكل المظهري للقطار، وإنما في محتوى القطار وتعدد غرفه وتنوع محتوياته، فالحزن عميق ومتنوع، حزنٌ لضياع وطنٍ غالٍ، وحزنٌ لموت حبيب، وآخر لوداع من ترقب في البقاء معه.. وهكذا تعامل الشاعر مع الأحزان حينما وصفها بـ (قطار الأحزان) وكما أن القطار وسيلة للسفر والترحال، كذلك (الأحزان) وسيلة لرحلةٍ مع الأحلام، أحلام لتغيير الحزن إلى فرح، وتغيير الدمار إلى نهضة، ولكن الصورة الشعرية التي رسمها الشاعر تتوارى خلف أزمنةٍ ثلاثة أشار إليها الشاعر بشفافية ووضوح.. وهي:

زمن الأحلام..

قوقعة الذكرى.. فما العلاقة بين هذه الأزمنة؟

الزمن الـمُر..

والذي نعرفه في علم النحو العربي أنَّ الزمن يكون (ماضٍ ، وحاضر، ومستقبل) ..فما هو الزمن الذي أشار إليه الشاعر في قصيدته هذه؟ رُبما أجد الإجابة ، في أن الشاعر بدَّل في الاستعمالات وأشار إلى الزمن في مستوياته الثلاثة بصيغٍ أدبية رفيعة.. فالحاضر ـــــ الزمن الـمُر

الماضي ــــــ قوقعة الذِّكرى

المستقبل ــــــ زمن الأحلام

فأمسى الزمن المُر في نظر الشاعر هو زمن (الحرب) وزمن (الحزن) إنه يُمثِّل تعاسةً تعرَّض لها هذا المجتمع الذي تنتمي إليه الشخصية الشاعرة، و (زمن الأحلام) وهو زمن ينظر إليه الشاعر بأنه زمن الغد المشرق.. ولكن استعمال الشاعر جاء مشيراً إلى (الماضي) في قوله: (تعود بنا الأيام إلى زمن الأحلام) فالفعل (تعود) فعل مضارع ذو دلالة مستقبلية ، أما إشارته إلى زمن الأحلام فربما قصد بها ما كان عليه ماضي الأمة من رُؤى يريد أن يحققها مستقبلاً، فهو يحلم باستقرار وسلام ووحدة عربية... حيث جاءت أسماء عدد من الدول في الديوان تشير إلى (زمن الأحلام) ...

أمُرُّ أسأل يا (بغداد) عن ولهي

· فتصرخ (الشام) قد كانوا، وقد رحلوا قصيدة"مدخل"ص23

تبكيكَ (بيروتُ) ...يا الله، ما عرفتْ

للحزن يوماً على أفواهها القُبلُ

لها (بيروت) كلَّ مواجعي، وأنا

سيكفيني... قصيدة " بروفا "ص27

قميصٌ اسمه الجمرُ...

بيروت لم تَعُدْ أنشودة الرياح

والسماء والدفاترْ....

خمسون عاماً يا عمر.. ما بين النكبة والنكبة ص35/38

بغداد لم تزل مدينة الآلام واليتامى..

مدينة الأحزان والأراملْ..

بغداد يا حبيبتي..

يا نغمة الأحزان حين ترقص العِظام في المفاصلْ

بغداد يا معزوفةً سمتْ بها الأناملْ.. ما بين النكبة والنكبة ص38/39

بغداد مَنْ يُعيد لي عيوني

بغداد مَنْ يُعطِّر الجراح

بغداد إنني احترقت من كتابة القصائد..

هذه الصور الحزاينية جعلت ديوان (قصائد مجنونة جداً) يتميز بمسحةٍ بكائية متوغلة في نصوصه مما جعل مفرداته تنتج نوعاً من الحزن والبكاء على ضياع أمجاد أمةٍ مزقتْ الحرب أوصالها، وفتتْ وحدتها. والشاعر في ذلك يوظِّف كل مفرداته التي تُصِله بأمته ومدينته، وطفولته. وظَّفها لتكون قصائده المجنونة حداً – لسان حاله الذي ينطق به للآخرين، مشيراً في معظم نصوص الديوان إلى تلك الأحداث حيث تكثر في الديوان مفردات توحي بهذه الأجواء الكئيبة: هذا الوجع المؤكد/ تصرخ الشام/ تبكيك بيروت../ تصُّب الحزن../ بغداد...يا نغمة الأحزان../ رصاصات الأسى تجتث صبري../هذا هو الوجع الذي شغل المكان../ وألغامٌ تحيط بكل دربي../ لا ترسمي وجعي أمامي../ من يقاسمني رغيف كآبتي../من يرتدي عني جراحي../ العظم يجرحه الاهتزاز على باب بحر من النار......) .

وهي كلها مستمدة من الواقع الذي يعيشه الشاعر، بل تعيشه الأمة العربية، والذي ركَّز الشاعر على تتبع عناصره بوصفها مظاهر تشترك فيه (بغداد/ بيروت/ فلسطين..) كرموز لإثارة الإحساس إزاء الانتماء العربي.لذلك أكثر الشاعر وهو يرسم لوحة (الأحزان) من استعارة أدواته الفنية التي أشرتُ إليها سابقاً، حيث ينتقي منها مُعادِلاً فنياً استعارياً، أو قريناً مجازياً يُوحي بمواصفات (الحرب) و (البكاء) ....كقوله:[5]

فأسمعُ فوق صدريَ هدهداتٍ

وينطق من عميق الصَّمتِ شعري

أيا بغداد يا جُرْحَاً يُنادي

بكلِّ رصاصةٍ في كلِّ ثغرِ

حصار الظلم يردي كلَّ حلمٍ

يُراودُني بمدٍّ أو بجز

وتُمْطرُ كربلاءُ عليكَ دمعاً

ويضحك صيفُ (تموزٍ) بكبْرِ

فأجسادٌ ممزقةٌ وشيخٌ

يجرَّ الليلَ جبَّاراً ليشري

رغيف الخبز من جوف الأفاعي

ولون الموت في عينيه يَسْرِي!

وفي مواضع أخرى، يقول:-

أمشي إليك..أم أبكي؟!! كيف يا وطناً

يكاد من كثرة الشطان لا يصلُ

وردٌ هي النارُ في كفيكَ أعصرُها

كأساً...وأكتب أنهضْ أيها البطلُ

وهو توظيفٌ يُوحي بحالةٍ نفسية أو شعورية، يتنازعها صراعٌ مرير يمتزج بعاطفة الوعي، يتضمن دلالات ذات أبعادٍ إنسانية في زمنٍ ... (أطفالنا توارثوا هزائمَ الآباء قبلَ أن يغادروا المنازلْ...) [6] .

ولعل الشاعر يُحسُّ بنوعٍ من الإحباط – فأفكاره – التي أقرأها –تتماوج بين حالةٍ مكتوبة وأخرى مكبوتة في لغةٍ شعرية، وبين اللغة والحلم والواقع المعايش . وبذلك يقرأ الأحداث بعقلانية واعية، حين يضيق ذرعاً بما يمور به المجتمع من مظاهر الدمار من حوله..

لا تعبري خطَّ الحدود صغيرتي

خلفَ الحدود عساكرٌ وجنود

والقلبُ بارودةٌ تكتمُ الصَّوتَ في ضلعِ أغنيةٍ

تذبح الرُّوحَ في

عتباتِ المواجعِ والالتياع

فهل يا تُرى أعبر الجرحَ أم أنني سوف أبقى

نزيفاً لجرحٍ تباركه كلُّ هذي الجراحْ؟

وما نلاحظه، أن الاستخدام المجازي للألفاظ والصور قد أدى دوراً أساسياً في تشكيل التجربة وتعميقها، فكلمات مثل (والقلب بارودة../ضلع أغنية../تذبح الروح../عتبات المواجع والالتياع../أعبر الجرح../تباركه كل هذي الجراح...) إنها كلمات واستعمالات مجازية تخرج عن مدلولها المباشر وتكتسب دلالات أخرى ترتبط بنفسية الشاعر. فالمشهد هنا يُبْرِز اضطراب تؤمي إليه صورة الطفلة وهي تريد العبور لا تعبري خطَّ الحدود صغيرتي.ويتنامَى المشهد حينما يكون (القلب باروده) تكتم الصوت، دلالة على أنه يواجه (موتاً) يختلط فيه ذبح الروح ونزيف الجراحْ. والشاعر في قصيدته (ما بين النكبة والنكبة) ص39 يضع حداً لهذا القلق يطوي به تلك الأحزان، عندما أراد أن يُوقِّع (وثيقة التنازل) وهو يطوي مأساة خمسين عاماً كانت بغداد فيها (مدينة الأحزان والأرامل) ويختتم تلك الرحلة المأساوية بقوله:

بغداد إنني احترقت من كتابة القصائد

الحمقاء من تعويذة يسمونها/نقاتلْ

أرجوك تعذريني...

إذا وقعَّتُ مثلهم وثيقةَ التنازلْ..

والذي نقف عليه، أن البنية الإيقاعية في معظم نصوص الديوان متوازنة حيناً ومتنوعة حيناً آخر. وتجئ خاصية التكرار ملازمة لحركة النص، وما أفصده بحركة النص، استعمال الشاعر لأفعال المضارعة التي تدل على الاستمرارية، (يكبروا.... نذوب...نبكي.. نسير..يرتاحوا.. ونخبِّئ.. يرتاح.. ولا تشفى) هذه ثمانية أفعال مضارعة في نصٍ واحدٍ بعنوان (من مذكرات شاعرٍ جاهلي) ص18، وإذا أردنا الإشارة الدلالية التي أرادها الشاعر، نجد الأفعال تتابع متلاحقة دون أي فواصل، حيث استخدم طرائق الوصل ب (واو العطف) مما يوحي بترابط الأحداث من غير توقف أو استرخاء كما جاء في النص..

كلَّ العصافير الذين أردتهم

أن يكبروا خانوا الغرامَ وباحوا

كنا نُعلِّم دائماً أطفالـنا

إنَّ الحياة بنفسجٌ وأقـاح

ونذوب لو ذابوا..ونبكي لو بكوا

ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا

ونخبئ الدمع الجسور لأنهـم

لو هُمْ رأوه تعلموه وناحـوا

وإذا أتوا التاريخَ داسوا فوقـه

لا مثلنا داستهمُ الأقـداحُ

صُّبي...فقلبي لم يعد يرتاح

أبداً ولا تشفي غليلي راحُ

أما البناء الأسلوبي (ونذوب لو ذابوا...وتبكي لو بكوا..ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا) ..يشير إلى العلاقة الإيجابية بين الذات الشاعرة التي أشار إليها بضمير الجمع /نذوب..نبكي...نسير/ وبين (الأطفال) الذين أراد الشاعر أن يعلمهم حلاوة الحياة المشار إليها بقوله (إن الحياة بنفسجٌ وأقاحُ) خوفاً عليهم من البكاء والنواح. وهذه الحال تُجسِّد أحوال الاضطراب تجسيداً دقيقاً، وتعبر عن استجابة الحالة الشعورية للمواقف التي حكا عنها الشاعر الجاهلي – بدءاً من مطلع القصيدة (صُبِّي فقلبي لم يعد يرتاح) كعادة الشاعر في عصر الجاهلية يبدأ بذكر الكأس والخمر ليرتاح قلبه..كقول ابن كلثوم:

ألا هُبِّي بصحنك فأصبحينا ولا تُبْقِي خمور الأندر ينا

ويقوىَ البناء التعبيري حينما تتآزر الجُمل الفعلية في تحقيق صفة المساواة في العلاقات والأحاسيس التي تقوم على مبدأ التكافؤ..فإذا ذابوا ذُبْـنا / وإذا بكوا بكيـنا/ ورغم هذا التوحد تجئ المفارقة في قوله: (ونسير فوق الجمر كي يرتاحوا) .فهذه الصورة الكلية في دلالاتها العميقة تُمَثِّل الشقاء الطاحن الذي أصاب الكائن الحي _إنسان / حيوان / نبات، متمثلةً في هذه اللوحة الجنائزية _ إن صحَّ التعبير _ التي رسمها الشاعر للإنسان العربي وهو يتوجس خيفةً من الذوبان..والبكاء..والسير على الجمر، رغم أن السير على الجمر من أجل إحياء الآخرين ، وهي صورة توقظ وتُحرك الكوامن الشعورية عند القارئ من خلال الإيحاء بالدلالات التي تميزَّت بها قصائد ديوان (قصائد مجنونة جداً) .

وهذه الصورة هي نفسها التي عبَّر عنها عددٌ من شعراء الحداثة مؤخراً، تحدَّثوا عن زمان الحرب وعن المأساة والبكاء، وأن الشاعر دائماً يُنَّمي في ذاته حُبّ التوحد، والانتماء لأمته، وإحساسه بإحساسها، وفناءه بفنائها.

ففي قصيد (زمان الحرب) للشاعر القطري (علي ميرزا) [7] تجئ صورة الانتماء التي وجدناها عند (قيس قوقزة)

أينما سرتمْ أنا سرتُ

وما ذقتمُ فذقتْ

كل شبرٍ من بلادي

لي عليه ثمَّ بيتْ

مع ملاحظة الفوارق الأسلوبية لكلٍّ منهما..وهي ملاحظة سأحاول دراستها لاحقاً.

وإذا حاولنا الوقوف على الصور (بلاغياً) نجد صوراً استعارية وتشبيهيه وكنايات عميقة وموغلة في الغموض، ولعل ذلك يرجع إلى عنوان الديوان (قصائد مجنونة جداً) .فإطلاق – الجنون – للقصائد هو نفسه إطلاق على سبيل الكناية حيث وصف قصائده بأنها (مجنونة جداً) وسبق لنا في الجزء الأول من هذه الدراسة أن أشرنا لتحليل العنوان من منظور بنيوي، ولربط هذا بذاك يُعلل الشاعر لِمَ قصائده مجنونة، حينما يقول: (وأبحث عن صوتي في صوت النَّوارس الجريحة وعن قلبي في قلوب كلِّ العصافير التي ثارتْ وتثور على قوانين القفص...وتقول لكلِّ الجبابرة والطغاة..لا.. في الوقت الذي يقول فيه الجميع نعم) [8].

أنا المجنون في حُبِّي لأرضي

بنرجسةِ الحنينِ بنيتُ قصري

أبيعُ الحُزنَ للعشاق شعراً..

وأروي النَّاس من أبياتِ شعري

وأشرب إن عطشتُ من القوافي

وما جفَّتْ ينابيعي وبحري..

ففي جسدي المحطَّمِ ألفُ جرح

وألفُ قصيدةٍ في كل شَّبْرِ

.....

هذا هو الوجع الذي شغل المكان

فأضربتْ كلُّ الحروفِ عن التقدم للقصيدة[9]

بهذا الجنون، كتب (قيس) قصائده الغرامية، حيث تعامل مع الرومانسية بشفافية أفضت به لبكاءٍ دائم، وحزنٍ موغلٍ في الأعماق، وجراحٍ ندر أن يحمل الرومانسيون مثلها..

يا جُرْحاً يُسافر

لا ينامْ...

سبحاننا...

كم ننتقي ألمَ الدُّخولِ إلى

الخروج من الزحامْ..

كم صفقتْ عيناك...حين تراقصتْ

في حفلةِ الأوجاعِ في نفسي

العظامْ....[10]

ولنتصور هذا _ المسافر_ الذي لا ينام، فتراكُمْ المواجعُ عليه زاده جراحاً حين يقول:

تتقصدين مواجعي....

بحثاً عن اللاشئ في وجهي المسافر منكِ كي

يمضي إليك مع الجراحْ....

فالصورة التي رسمها الشاعر (للوجه المسافر) منِ كي يمضي إليك، نلمس فيها تعبيراً فنياً شديد التعقيد عندما نُبْعِد الوجه بمعناه (الحسَّي) المُشاهَد. فالوجه (رسول القلب، والناطق باسم الجسم، والمعبر عما يلتعج في الجنان، والمترجم لما يضطرب في الفؤاد – إرسالاً ثم المُعَبِرُ الأمين لما يجري في الخارج من أجل تلفيه وبثه نحو الداخل...) [11].

فالوجه، قيمة إنسانية نبيلة، وتعبير فياض، وجمال طافح خلاب. وقد يكون عكس ذلك، وما نراه في هذا النص، إنَّ الشاعر جعل (الوجه) يمضي مع الجراح..لا ينام، ثم جعل (العيون) تصفِّق حين تراقصتْ في حفلة الأوجاع....العظام.

ومما يدهش القارئ – حقاً – تَمكُنْ الشاعر من ربط النص بوحدة عضوية شديدة التآلف، مما يُفْسد معناها إذا حاولنا الفصل بين وحداتها..فالألفاظ (الوجه ، العينان ، الدمع، لم تبك ، في رحلتي من مقلتيك، كم صفقت عيناك ، تراقصت العظام، ملء إرادتي العمياء...) هي ألفاظٌ لها علاقة عضوية متلازمة، ووظيفة كل عضو مرتبطة بوظيفة الآخر عبر منظومةٍ منسجمة متظاهرة فيما بينها في كل الأطوار... (فالوجه الإنساني) له عينان، ومن وظائفهما / النظر../ الدموع../إظهار الفرح بالابتسامة، وإظهار الحزن بالبكاء.. وما نلاحظه في النص – استعمال الشاعر لكل محتويات الوجه في أسلوبٍ تعبيري ملئ بالمواجع والتي عادة ما تبدو على الوجه.. ثم إذا أشتد هذا الوجع /الحزن..أشتد انعكاسه على صفحة الوجه وملامحه..ثم تتجاوب أعضاء الوجه وأكثرها حساسية (العينان) تتجاوب لإخراج هذا الوجع..فتدمعان، إما لفقد حبيب، أو مفارقة صديق أو إهانة كرامة وجرح عزة الإنسان..فيكون (الدمع) قيمة للشجن والهم والأحزان.وهي عند الشاعر تشير إلى ذلك في مواضع كثيرة.

.عيناك في صحراء قلبي أنهُرٌ

تغتالني وأنا إليها الصَّادي. .ص143 (توابيت)

عيناكِ أجمل لحظتين

لقصيدتين...

عيناكِ أشهى طعنتين

لقصيدتين... ص148 (هلوسات)

رقِّص دموعكَ..

حين تأخذك الهواجس

عُنْوَةً للموتِ...

من أول النظرات ص149 (هلوسات)

تفضحه العيونُ...

عيناكِ ليست قصَّةً عاديةً

عيناكِ ألفُ قضِّيةٍ بحياتي.. ص155 (هذيان)

أسطورتان...حديقتان...رصاصتان

هما..خَلَدنْ بذاتي

لعليِّ أُضئُ الوجوهَ فيضحك ثغرُ الصباحْ

تنام جراحي بعينيكِ حين يطِّلُ مساءُ انتظاري

..من الشرفاتْ

ومن أي بابٍ سيدخلُ شوقي عليك/ليلمح رِمْشَكِ ص162/ص166 (المرثية الأخيرة بين ضلوعي...

وبين انهيار النهايات في الزفراتْ..

على وجنتيكِ تنام مواسمُ حزني

لمن بعد عينيك سوف تدق القلوب..

بهذه المعاني، وقف الشاعر على العيون في عوالمها المختلفة، فهي التي تعبر عن كل الانفعالات التي يحسها الإنسان، وهي أشبه ما تكون بـ (معزوفات حزينة) تناسب الموقف المفجع الذي يعيشه الشاعر.

فالدموع المنهمرة التي تستحيل إلى نارٍ مُحْرِقة، هي التي رسمت صورة الحزن على (العيون) التي رددها الشاعر في أكثر من مقطع.وهنا نلقى صورة شعرية شديدة القتامة والحزن، حيث يتألف من محاورٍ ثلاثة

العيون/ الدموع / الوجع (الحزن) ..فالوجع والحزن يمثلان (العذاب) الذي عبَّر عنهما بأساليب مختلفة..فتارةً يقول:-

يا صرحيَّ الذي طعنَ

الدموع على المآقي

ضمَّي دمعي....

وتذوقي روحي..

وصبِّي نخبَكِ المشتاق في

نفسي..فقد رحل التلاقي..[12]

وتارة أخرى يردد..

على وجنتيك تنام مواسم حزني

مواسم جوعي..

ارتجافات قلبي..

وترتاح قيثارتي في يديك/

وأغفو على ساعديك كطفلٍ يُطَّل من الياسمين

على الأمنياتْ...

لمن بعد عينيك سوف تدق

القلوب...

وتعزف من كلَّ هذا الضجيج صهيلَ

التمرد والأغنياتْ!![13]

(فالعين) في مفهومها الدلالي..هي أداة الحب الأولى..ووسيلة التذوق للجمال، كما هي أداةٌ لقياس الانفعالات العاطفية التي قد لا يُعبِّرُ عنها الصوت، ولا باقي الحواس، فتعبِّرُ هي عنها في بلاغةٍ عجيبة بإرسال الدموع.فالإنسان يبكي حين يحزن..ويبكي حين يفرح، وفي كلَّ حال يتخذ الدموع دلالة لا يتخذها في غيرها.

وسبق أن أشرنا إلى أن قصائد الديوان كلها تقوم على هذه النغمة الحزينة، عيونٌ دامعةٌ باكية، حزنٌ ووجع، قتلٌ ودماء...إنها قصائد مجنونة حقاً كما يسميها شاعرها.

فالحزن يستبِّدُ بخطاب هذه النصوص استبداداً شديداً، ثُّم لأن الحزن لا ينبغي أن يكون إلاَّ شيئاً من ملازمات – العين – وذلك لاتخاذها موقعاً متميِّزاً في التعبير الحي ، التعبير باللغة الخارقة التي يفهمها الناس جميعاً.ُ و قدرتها على التبليغ الصادق لما في النفس الإنسانية من كوامن...عن طريق الدموع..وهي هكذا عند كثيرٍ من الشعراء.

وهي عند ميخائيل نعيمة [14] :-

دموعُ العينِ قد جَمدتْ وريحُ الفكر قد همدتْ

فلِمَ يا قلب، لِمَ يا قلــ بُ فيكَ النارُ في لهب

وكنت أظنها خمدتْ

وكم عينٍ لديكَ بكتْ وكم روحٍ إليك شكتْ

فسالتْ مُهْجة الشاكي وجفَّتْ دمعة الباكي

ووسماً فيكَ ما تركتْ

أما المقالح فيقول:-[15]

صار الدمع بعيني وطنا

شربتْ عيني ماء الحزن

انفجرتْ

وهذا الحزن هو الذي يُفْضي إلى إفراز العينُ الدموعَ..ولكلٍّ في ذلك أسلوبه. وبهذا المفهوم استطاع (قيس قوقزة) أن يترجم ما بداخله هو – كفرد من الأمة – ومن ثَّم استعمالها كأداة حيَّة فعَّالة لربط الصلات العاطفية والاجتماعية والجمالية بين الناس عبر كل المجتمعات.

كما نجد صورةً فنية أخرى تتسم بالصراع الشديد المحتدم بين الشخصية الشاعرة (كاتب النص) وبين قوى عاتية خارجية، تتمثل في حال تشبه (السُكْر) .. وإنَّ الشخصية لتصارع هذه الحال وتصارع، ولكنها في آخر الأمر تذعن للخطب الداهم، ثم تحاول أن تنسى هذا الخطب، أو تُغَيِّبُ نفسها في اللاوعي عن هذا الواقع القاسي بالاستسلام إلى تسكاب الدموع.

أو فانتقي موتي/ولكنْ

أتركي ليَّ الكأس مع سُمِّ الخيارِ

لكي أصبَّ براءتي نخباً لألام

اليتامىَ في سباق الجائعينْ/[16]

ولقد تكرر نفس المقطع مع تغيير عبارة (لألام اليتامى) إلى (لآثام اليتامى) . والكأس هنا يمثل حالةً من غياب الوعي، أو ضياع الحقيقة أمام الذهن الحائر، أو غروب الرؤية أمام حالة عدم التوازن التي عبَّر عنها الشاعر بـ (أو) و (لكن) .. فهي حيرة تهَّز المشاعر إذا نظرنا إليها من خلال الاضطراب وعدم التوازن الذي تعيشه الأمة العربية، وانعكاس هذا الاضطراب على منظومة القصيدة العربية التي تتكئ على الأحداث المتغلبة بين حربٍ وسلام، وبين وحدةٍ وتفكك.

أمَّا حديثنا عن الصورة الفنية في ديوان (قصائد مجنونة جداً) ناتج في مستواه الأول عن طاقة (الكلمة) و (الصوت) وارتباط الألفاظ بدلالاتها – الصوتية – يدل على الإيماءات التي تحملها الكلمة المفردة ، والكلمة مع ما جاورها من كلمات. كقوله مثلاً:

عيناك في صحراء قلـبي (أنْهُرٌ) [17] علاقة معنوية

تغتالني وأنا إليـها (الصَّادي) فالنهر = الماء /صحراء قلبي=جفاف/الصادي=حالة من العطش الشديد.

وفي قوله: لعلِّي أُضئ الوجوهَ فيضحك ثغرُ الصباحْ[18]

يضحك علاقة بين الضحك والثغر /الصباح تجسيدا معنويا يشير إلى دلالة (الإشراق)

ثغر أضئ الوجوه وضاءة الوجه لها علاقة بالضحك وابتسام الثغر.

فالتبسم أو الضحك لثغر الصباح، ذو دلالة معنوية على سبيل الاستعارة المكنية.

ومثل هذا التخيُل لا يكون إلاَّ لمبدعٍ كفؤٌ، فالصورة الأولى (عيناك في صحراء قلبي) تختلف عن الصورة الثانية (لعلي أُضيء الوجوه فيضحك ثغر الصباح) نتيجة لاختلاف الجو النفسي العام الموجود خارج النص. فرغم وجود علاقة ضمنية بين العنوانين (توابيت) و (المرثية الأخيرة لجنازة لم يُصل عليها) هذه العلاقة تُحقق وحدة عضوية تربط موضوعات النصوص ببعضها (فالتوابيت) مكانٌ لوضع (الجنائز) . فالجو النفسي في العنوانين متشابهٌ لدٍّ كبير، وهذا ما قصدتُ به (اختلاف الجو النفسي العام خرج النص) فداخل النص شيءٌ من البكاء تشير إليه التوابيت، وشيء من الإشراق والتفاؤل تشير إليه (المرثية الأخيرة...)

لأصنع من شمعتي شمسَ وقتٍ جديد..

لعلِّي أُضئ الوجوه فيضحك ثغر الصباحْ

ولكنه لا يمكن فصله عن الجو العام المُتَفاعَلُ به في الحالتين.

والشاعر وهو يرسم لوحاته اللفظية استعار أدواته الفنية من الطبيعة في أكثر من نص، وسبق أن أشرنا في هذه الدراسة إلى عناوين النصوص ذات الصلة الموضوعية، أما النصوص نفسها ولكثرتها اكتفينا بالإشارة إلى بعضها حتى نجعل للقارئ نوعاً من التشوق لاكتشاف مضامينها من الديوان.

ومقياسنا الذي حدَّدنا به الوحدة العضوية في موضوعات ديوان (قصائد مجنونة جداً) هو ترابط النصوص ترابطاً معنوياً قوياً وكأنما جميع نصوص الديوان نصاً واحداً موزعاً على وحدات حسب الأحداث ، وخاصةً في الجزء الذي تناول فيه الشاعر مأساة الأمة العربية حسبما جاء في قصائد :-

ما بين النكبة والنكبة.

إلى طفلة عراقية.

بائع الأحزان.

مقامة بغدادية.

همسات.

سفر الشنفرى.

وفيها يقرر الشاعر أن قيمة المقطع (الشعري) تتمثل في الصلة التي بين معانيها في المقاطع الأخرى، وهذا ما يُسلِّم به دعاة الوحدة العضوية في القصيدة أنفسهم[19].

ونمثِّل لمرونة الوحدة في القصيدة بقول (قيس قوقزة) في قصيدته (مقامة الزبرجد) [20]....

ألوان عينيك في المرآة تنتحرُ

مرَّتْ هنا قبل أن يغتالها السَّفرُ

مرتْ هنا بين أنفاسي...وقافيتي

مثل"الزبرجد" فوق السطر يحتضرُ

مرَّتْ على قمر الدنيا تُراقصه

فاحتارت الشمس مَنْ ذا منكما القمرُ

سربُ العصافير في دمعي يُرافقها

نارٌ هو الدمع في العينين ينكسر

نامتْ على وجعي عيناكِ فاحترقتْ

بوابة ُ الفجر وأغتال السما المطر

نارٌ برمشيكِ إن أطفأتها اشتعلتْ

نارٌ بعينيكِ لا تُبْقي ولا تذِرُ

لك البنفسج والياقوت فاحترقي

وليَّ المواجع والآلامُ والصُّورُ

خلف الحدود حصانٌ يعتليه دميِّ

وخلفَ عينيكِ يغفو الليلُ والشجرُ

وما نلاحظه في النص، التكرار اللفظي لعددٍ من المفردات، كتكرار الأفعال (مرَّت / يغتالها /...) وتكرار الأسماء (قمر / نار / عينيك / خلف) حيث أدَّى هذا التكرار إلى الاستمرارية – استمرارية الأحداث واستدامة الأحزان التي عبَّرتْ عنها الأسماء – النار – الدمع – الوجع .حيث نلاحظ المجازات اللغوية والاستعارات،

- نارٌ هو الدمع....

- نامتْ على وجعي عيناك...

- نارٌ برمشيك....

- نارٌ بعينيك.....

ولا شك أن الصورة التي رسمها الشاعر للدموع، بأنها (نار) في دلالتها الإيحائية تشير إلى الشعور بالجزع والخوف من خلال الصور الإيحائية الدالة على هول الموقف، دون تصريحٍ قد يُضْعِف من شأنها، و (الدمع) هنا نارٌ تُحْرِق، ولكَ أن تحسُّ بحرارتها.

وما نقف عليه في هذه النصوص، أنها ذات طابعٍ قصصي تظهر فيها الأفكار والأحاسيس متدرجة المواقف، إذ ينمو الموقف بنمائها، ويموت بموتها. وذلك لأن الصورة التي يحملها خيال الشاعر للأحداث، جعلته يُحلِّق بها على أجنحةِ اليأس والبكاء، حتى أحال الدمع ناراً..فالتهبتْ الرموش، واشتعلت العينان..فصار كلُّ شيء في قصائده يحكي عن حزنه ووجعه..

والحزن يزرع أضلعي[21]

بين الخناجر....والخناجرْ

والصبح يشرب من دمي

وجعاً تلملمه البيادرْ...

والجوع يأكل رغبتي

وقصيدتي من تُصادرْ...

وهي هكذا..حتى هممتُ أن أُعَنْوِنها بـ (قصائد حزينة جداً) ولكن مثل هذا الحزن لا بدَّ من تعليله، وما ذلك على أي دارس يتعمق نصوص هذا الديوان، و يتأمل أمر هذه الأمة العربية الممتحنة بنفسها، والشقيِّة بزمنها العصيب، فإنما يعكس بؤس المجتمع الذي نشأت فيه هذه المجموعة الشعرية حتى وكأنها تتلذذ بالشقاء وتتمتع بالموت رغم أنها خير أمةٍ أُخرجتْ للناس.

فإذا كانت هذه النصوص – المجنونة جداً – تُجسِّد معاني العذاب ، والحزن ، والذل والخوف، والموت، والنفي والدمع والنار، والجفاف والتشرد، والضياع والحيرة. فإنما تعكس حال ما نحن عليه..

خمسون عاماً أصبح المهديُّ[22]

من عجائب الزمان..

من تقلُّب الأدوارِ

ينتظر...

عزاؤنا الوحيد دائماً بأننا، نقدِّسُ

الأحزانَ، نكتمُ

الأسرار في الحفرْ

المتأمل استطاع أن يقول ما لا يُقال..وتمكن...

فالنص (ما بين النكبة والنكبة) يطول الحديث عنه، لأنه يُمثِّل المحور الذي تدور حوله قصائد الديوان، فهو مرآة حيَّة للأحداث وترجمة لهموم أمةٍ (لتجيد غير لمسةِ التوقيع والتنازل) .

والذي خرجنا به في هذه الدراسة _ أن قصائد الديوان تمثل مرحلة متقدمة في منظومة الشعر الحديث الذي يتخذ من الإيحاء دالة ذات أبعادٍ متعددة المعاني والرؤى. والشعر بشفافية من عكس ما تعانيه النفس من أوجاع وآلام لا يمكن السكوت عليها.وها نحت نردد معه:-

فما أقسى بأن تحيا عزيزاً وترجع بعدُ كي تحيا بأسرِ!!

دكتور/ عمر أحمد عبد الكريم[1]*

....................

المراجع:

ديوان قصائد مجنونة جداً/ الشعر قيس قوقزة

النقد الأدبي الحديث /د: محمد غنيمي هلال

بنية الخطاب الشعري / د : عبد الملك مرتاض ، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت.

ديوان أم الفواجع/ الشاعر علي ميرزا

هوامش

[1] /دكتور: عمر أحمد عبد الكريم، أستاذ مشارك ، جامعة ودمدني الأهلية، كلية الآداب./ السودان ، ولاية الجزيرة ، ودمدني.

[2] /ديوان قصائد مجنونة جدا، ص76

[3] / د: عبد الملك مرتاض/بنية الخطاب الشعري، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 1986م، ص162

[4] /قصيدة ما بين النكبة والنكبة ، الديوان ص35

[5] /من قصيدة بائع الأحزانص76/77 (قصائد مجنونة جدا)

[6] / ما بين النكبة والنكبة/ص37

[7] /علي ميرزا: شاعر قطري ، شارك في فعاليات الخرطوم عاصمة الثقافة العربية للعام2005م، والتقى به كاتب المقال ضمن الفعاليات في مدينة ودمدني العاصمة الثقافية المناوبة، وأجرى معه لقاءً تلفزيونياً حول تجربته الشعرية من خلال ديوانه أمُّ الفواجع.

[8] /مقدمة الديوان ص10 بقلم الشاعر قيس قوقزة.

[9] /بكائيات عشتار/الديوان ص129

[10] /بكائيات عشتار/ص133

[11] /دم عبد الملك مرتاض / بنية الخطاب الشعري /م س ص103

[12] /الدخول إلى قاعة العزف، ص22 ، الديوان

[13] /المرثية الأخيرة لجنازة لم يُصلَ عليها/ص166، الديوان

[14] /ميخائيل نعيمة ، ديوان همس الجنون، ص53 / أنظر د: محمد غنيمي هلال/ النقد الأدبي الحديث ص405

[15] /عبد العزيز المقالح ، قصيدة أشجان يمنية /بنية الخطاب الشعري /د عبد الملك مرتاض م س ص65

[16] /بكائيات عشتار/ص132 ، الديوان.

[17] /قصيدة توابيت ص143

[18] /قصيدة المرثية الأخيرة لجنازة لم يصل عليها ص162

[19] /د / محمد غنيمي هلال ، النقد الأدبي الحديث ، م س ص383

[20] /الديوان ص90

[21] / قصيدة بيان عاطفي رقم صفر ص40

[22] /قصيدة ما بين النكبة والنكبة/ ص36

 

diaa nafie2هذه ظاهرة عالمية بلا شك، اذ يرتبط الادب الاجنبي بالوعي الاجتماعي في كل مجتمع من المجتمعات التي تتعرف عليه، وتحدث هذه العملية في كل مجتمع حسب ظروفه، وكم حاولنا – ونحن نعيش او نتعايش مع المجتمع الروسي بشكل او بآخر منذ ستينات القرن العشرين ولحد الان – ان نوضح للروس من حولنا، ان (السندباد البحري) لم يرجع الى البصرة بعد رحلاته الشهيرة ولا يعيش فيها في الوقت الحاضر، وان (السجّادة الطائرة او بساط الريح كما نسميها) لا تهبط في مطار بغداد الدولي، وان (الجواري) لا يرقصن الان امام الخلفاء، وان (حرامي بغداد) يرتبط فقط بالافلام الامريكية التي عرضته آنذاك (ولا زالت ترعاه وتعرضه لحد الان مع الاسف !!!)... ولكن محاولاتنا كانت تذهب سدى دائما امام الانسان الروسي البسيط، الذي ترسخت في وعيه تلك الصور الفنية المدهشة الجمال لحكايات الف ليلة وليلة، والتي لا يمكن باي حال من الاحوال تغييرها في الوقت الحاضر، او حتى زحزحتها . وهذا هو الحال نفسه في الوعي الاجتماعي العراقي، اذ يرتبط الادب الروسي عند الانسان العراقي بثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 في روسيا والاتحاد السوفيتي

قبل كل شئ طبعا، اي ان هذا الادب يرتبط ايديولوجيا بالافكار اليسارية الاشتراكية والشيوعية بكافة اشكالها وصورها رغم كل الاحداث التاريخية الكبرى التي حدثت منذ 1917 ولحد الان في روسيا والاتحاد السوفيتي والعالم، هذه الاحداث التي أدّت الى تحولات اجتماعية هائلة في العالم قاطبة، بما فيها طبعا تقسيم الاتحاد السوفيتي نفسه الى خمس عشرة دولة مستقلة . صحيح ان المقارنة بين الوعي الاجتماعي الروسي (الذي لا زال يرتبط بحكايات الف ليلة وليلة)، وبين الوعي الاجتماعي العراقي تكون في صالح العراق من حيث الفترة الزمنية، اذ ان العراقي قد انتقل - مع ذلك - الى القرن العشرين، رغم ان هذه المقارنة من جانب آخر تعني، ان عظمة حكايات الف ليلة وليلة في تلك السنين الخوالي البعيدة جدا تعني، ان الادب الروسي منذ القرن التاسع عشر صعودا الى عصرنا يمتلك نفس تلك العظمة ايضا، ولكن تلك المقارنة تبتعد بنا عن هدف هذه المقالة قليلا، ولهذا فاننا نعود الى ذلك الهدف، اي تحديد سمات الادب الروسي في الوعي الاجتماعي العراقي.

ابتدأ الوعي الاجتماعي العراقي تجاه روسيا بالتبلور تدريجيا في اوائل القرن العشرين، عندما كانت الامبراطورية العثمانية الحاكمة في بغداد (رجلا مريضا)، وهناك بالذات – وبتأثير من هذه الامبراطورية المتهاوية ومسيرتها التاريخية - ولد تعبير (المسقوفي) عند العراقيين نسبة الى تسمية عاصمة روسيا (مسقفا) بالروسية (وهي تسمية دقيقة وصحيحة مقارنة بالتسمية الانكليزية ل(موسكو)، وا لتي سادت بدخول الانكليز واحتلالهم لبلادنا)، اي الموسكوفي باعتباره رمزا للقسوة والعنف (انظر مقالتنا بعنوان – روسيا في الوعي الاجتماعي العراقي)، اما الادب الروسي نفسه فقد بدأ بالتبلور في وعينا بعد وصول صدى الاحداث الهائلة في روسيا، واهمها طبعا ثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، ومحاولة اتصال بعض رجالات العراق بقادة تلك الاحداث بعد ثورة العشرين وكانوا لاجئين في ايران آنذاك، وهي وقائع معروفة ولا مجال للتوقف عندها هنا، وهكذا ظهرت بعض الاشارات الى الادب الروسي في عشرينات القرن العشرين، واهمها طبعا ما كتبه محمود احمد السيد (1903 – 1937) وهو من اوائل الماركسيين العراقيين، والذي قدّم للقارئ العراقي (ترجمة عن اللغة التركية) خلاصات لبعض نتاجات الادباء الروس مثل تورغينيف وتولستوي انطلاقا من مواقفه الايديولوجية تلك، وقد طرح محمود احمد السيد حتى اسم لينين ضمن ادباء روسيا، وربما يمكن اعتبار ذلك ليس خطأ من قبل السيد وانما نتيجة حماسته لاسم لينين ليس الا، اذ لا يمكن له عدم معرفة قائد الثورة البلشفية آنذاك (وهذا موضوع قائم بحد ذاته وبعيد عن موضوعنا طبعا) . جاءت ثلاثينات القرن العشرين واصبحت الدولة العراقية الفتية اكثر نضجا، وابتدأ الوعي الاجتماعي بالتبلور والتمحور حول احزاب عراقية تمتلك برامج واضحة ضد الارتباط مع انكلترا بشكل او بآخر، ومنها طبعا الحزب الشيوعي العراقي، وازدادت معرفة الادب الروسي في تلك الفترة، والتي تميّزت بتنوع النشاطات الثقافية والفنية والعمرانية، واصبح الادب الروسي راسخا في الوعي الاجتماعي العراقي باعتباره رمزا لنضال الشعب الروسي من اجل تثبيت ثورة اكتوبر وتحقيق اهدافها الاشتراكية، وازداد هذا الاحساس اثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، عندما اصبح العراق سوقا للكتب المصرية والسورية واللبنانية، وعندما ابتدأ المثقف العراقي نفسه بالمساهمة في ذلك الاتجاه بشكل واسع وفعّال، وقد انتبهت الدولة العراقية آنذاك الى هذه الظاهرة الخطرة بالنسبة لها، وبدأت بمنع الادب الروسي وقمع القوى اليسارية، وهذا أدّى الى نتائج عكسية (فالممنوع مرغوب)، وقد أدّى هذا القمع الى توسيع تلك القوى وازدياد تأثيرها، وهكذا الى ان جاءت 14 تموز 1958 واحدثت انعطافا جوهريا في مسيرة الاحداث لصالح القوى اليسارية، وعلى الرغم مما جرى بالعراق في النصف الثاني من القرن العشرين، ظل الادب الروسي راسخا في الوعي الاجتماعي العراقي باعتباره ادب نضال مرتبط بثورة اكتوبر الروسية الاشتراكية ومسيرة الاتحاد السوفيتي بشكل عام، بغض النظر عن كل الوقائع والاحداث، وقد أدّت هذه النظرة الضيّقة وغير الموضوعية طبعا للادب الروسي الى تحويل حتى بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف وغيرهم من اعلام الادب الروسي في العراق الى ادباء مناضلين يدعون في كل نتاجاتهم واعمالهم الابداعية الى بناء الاشتراكية وانتصار الافكار الشيوعية على وفق مبادئ ثورة اكتوبر 1917 البلشفية الروسية، اي تم تحويلهم الى ماركسيين – لينينين، رغم انهم ولدوا وابدعوا ورحلوا قبل ان يلد ماركس ولينين...

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمر احمد عبد الكريمخمسون عاما والفرار دربنا

إلى المفر

خمسون عاما لا نجيد غير لمسة

التوقيع والتنازل

عفراؤنا تزوجت من فارس الأسطورة

الحمقاء كي يعيد للقبيلة البلهاء (نكتة) يسمونها وثيقة التفاؤل

أطفالنا توارثوا هزائم الآباء قبل أن يقاد روا المنازل …..

حينما أردت الكتابة عن الخطاب الشعري في ديوان قصائد مجنونة جدا للشاعر الأردني قيس قوقزة ….ترددت بين أمرين ـ العكوف على ما كتبه في كل الديوان، أم اختيار نصوص معينة من قصائد الديوان.استوقفتني هذه العبارات :

اسمي على الجدران ينزف واقفا

في الشام في عمان في (بغداد)

استوقفتني لأنها تحمل الهم العربي والنزيف العربي بكل أبعاده المؤلمة ، فهي أشعار تحكى صيرورة ذات في زمن أصبحت الرؤيا الإبداعية مرهونة بالأحدث ، والشعراء الشباب يبدءون هكذا من خلال ذاتهم، يتلون إنتاجهم بالطابع الرومانتيكى الحاد العميق أحيانا والهادي أحيانا أخرى.

وإذا أجرينا ما قلنا على قصائد (مجنونة جدا) لوجدنا أنفسنا أمام شاعر حكم على نفسه بالنضج العاطفي رغم صغر سنه، وبالتوازن السياسي ، والعمق الفني. هذه المجموعة تمثل مرحلة البداية الممتلئة بطابع إنساني حميم.

فإذا سئلت عن الذي

نثر المواجع في الدفاتر

قولي لهم: أنجبته ـ

في زحمة الأموات ـ شاعر!

فميلاد الشاعر كما كان عند الجاهليين يمثل ضجة كبرى عند القبائل وفرحة اكبر للعشيرة، كان ميلاد (قيس) الشاعر يمثل مرحلة جديدة في أروقة الشعر والأدب ، وهو يقدم نفسه من خلال ديوانه (قصائد مجنونة جدا) ـ وتقديم أسلوبه الذي يريد له أن يبدأ من خارج اللغة من فوق الكلمات المستعملة أو التي أجهدها الاستعمال حتى أبعدها عن المعنى وجعل الصمت أكثر قدرة ودلالة على التعبير عنها :

كان بإمكانه أن يصبح مثل جميع

رجال القصر من الشعراء

وكان بإمكانه ….

لكن الشِعر لديه أجل وأسمى

من أن يصبح مثل الأرصفة

الملقاة على الطرقات !!!

ومن هنا نبدأ وقفتنا مع الشاعر، وتحليل نصوصه الشعرية التي أصدرها بعنوان (قصائد مجنونة جدا) جاء في مقدمة الديوان إن هذا الديوان يضم مجموعة من القصائد الحديثة يختلط فيها الحس الوطني بالرؤية الاجتماعية بالمعاناة العاطفية ..ويمتزج فيها الذاتي الخاص بالموضوعي العام..ليضئ تجربة شاب مملوء بمعاناة ناجمة عن إحساس بالقهر والظلم الاجتماعي ويفيض حماسه بقدر ما تملأه الرغبة في أن يكون شاعرا يشار إليه بالبنان …. بهذه الكلمات قدم للديوان الدكتور: محمد ناجى عمايرة . وللقارئ أن يؤيده في رائه أو يخالفه، ولكن يبقى السؤال_ لماذا قصائد مجنون جدا؟

من خلال العنوان – المدهش والمثير يمكننا أن نقف على مجموعة من الأشعار ذات الموضوعات الممتلئة بهموم الآخرين .. عاطفيا واجتماعيا وسياسيا .. وحينما حاولت أن أصنف يلك الإشارات المترامية هن وهناك في خمس وأربعين قصيدة هي جملة قصائد الديوان، وجدت أن أول ما يلفت انتباه القاري الناقد يلك العناوين القصار ذات الملول العميق، الذي تحمله في ثناياها إذا ما أجرينا عليها التحليل البنيوي أو الأسلوبي، ومنها على سبيل المثال:

بيان عاطفي رقم صفر*

همسات

الدخول إلى قاعة العزف

مابين النكبة والنكبة

هوس

هلوسات

خروج عن النص.

هذه العناوين وما تحمله من رؤية إبداعية لدى الشاعر، تمثل منعطفا لدى شعراء الحداثة ربما يمثل عندهم دلالات رمزية أو إيحاءات نفسية ترتبط بتفكيرهم تارة وبعواطفهم تارة أخرى. فيما يرى الشاعر (قيس قوقزة) ( أن غرابة العناوين لديه تشبه إلى حد ما القنبلة المثيرة للأعصاب، عليك أن تُلقيها في وجه جمهورك قبل أن تبدأ .. عليك أن تشدهم إليك.. والشعر والجنون لم ينفصلا أبدا، فعبقر والقصيدة أب وابنه والشعر والبطولة هما وليدا لحظة جنون ومغامرة ، تدرك فيها أنك في أشد اللحظات قربا للسماء وأنه لا مجال للعودة والاعتذار.. تكون فيهما في أشد لحظات اتصالك بالأرض والحياة والناس البسطاء الطيبين الواقفين علي العتبات. الشعر يشبه المصابيح في العتمة الحالكة علينا أن نبقيها مشتعلة حتى نستطيع الأبصار.. وبالتالي متابعة السير.. فلو قلت لك لماذا كانت عناويني هكذا ؟وولدت هكذا ؟ لما كنت جديرا بلقب شاعر.. لا أستطيع تفسير هذه الأشياء.. هكذا ولدت وهكذا كتبتها) ؟

فالقصيدة التي كتبها (قيس) كما يقول :كأجمل امرأة تتاح له فرصة لقاءها لمرة واحدة .. ومعنى هذا أن الشاعر تربطه علاقة عاطفية بكل قصائده.. جعلت القصيدة تأخذ المظهر الإنساني القادر على مساعدة القارئ لاكتشاف ما وراء اللغة حينما يريد الشاعر نقل التجربة الحداثة إلى مستواها الإنساني الجوهري من مستواها الشخصي.. ففي قصيدة (هوس) يقول:

هل أنجبت عيناك مثلي شاعرا

صلبا يموت.. ولا يبوح؟؟

ظلي هناك قصيدة منفية

عنى ….فصوت قصائدي مبحوح

فلربما حمل الحمام رسائلي

ولربما حملت غرامي الريح

فإذا عجزت عن الكلام حبيبتي

يكفى عيوني الصمت والتلميح !

وهنا يشير إلى ميلاده كشاعر لا يبوح بكل أسراره لما يحس به من موت معنوي.فبح صوته ، وتنفى قصائده وحينها يكتفي بالتلميح والإشارات والصمت المتحدث عنه بلغة العيون وما ذلك إلا أن القصيدة (هوس) تمثل هوسا داخليا يحمل عاطفة مضطربة بين الإفصاح والتلميح، وماذا ننتظر من الشاعر أن يقول إذا أحس بأنه مبحوح الصوت في زمن تعد فيه الكلمة قنبلة، وأن قصائده منفية مصادرة في زمن تعد فيه اللغة المباشرة قذيفة .. هكذا تعامل الشاعر مع قصيدته (هوس) . فالعنوان كلم ولفظة لها مدلوله العميق في النفس، وربما يكون الهوس شيئا من الجنون يعمق الدلالات التي أشار إليها الشاعر في عنوان ديوانه . فالرمز هنا له قيمة إبداعية عالية جدا، وإن لم نقل له قيمة فلسفية يرمى إليها الشاعر في معظم عناوينه، فهو رمز له صلة بالذات الشاعرة والأشياء المترامية حين يقول:

فلربما حمل الحمام رسائلي

ولربما حملت غرامي الريح

وهنا تداعى يلجأ الشاعر به إلى نقل صوته عبر وسائل ناطقة ، ولكنه استفاد من دلالاتها . فالحمام ____ رمز للسلام

والريح ______ وسيلة لإخبار المحبين

هكذا عرفت عند المحبين ، فكان العزريون يقولون:

ريح الصبا تهدى إلىً نسيم" من بلدة فيها الحبيب مقيم

يا ريح فيك من الحبيب علامة" أفتعلمين متى يكون قدوم؟

أو كما قال عباس بن الأحنفشش:

وأني لاستهدى الرياح سلامكم إذا أقبلت من نحوكم بهبوب

وأسألها حمل السلام إليكم فإن هي يوما بلغت فأجيبي

والقصيدة تشكل صورا كلية للمستوى البلاغي.

عيناك تسألني وكحل رموشها

ثمل"…

كمنديل الوداع يلوح !

فعبارة (وكحل رموشها ثمل) استعارة مكنية / كمنديل الوداع يلوح..تشبيه.

ونلاحظ أن الاستعمال البلاغي في الاستعارة ذو دلالة معنوية قوية حينما فسرت بالتشبيه (كمنديل….) رغم أن الاستعارة أبلغ من التشبيه إلا أن الشاعر وظَف موهبته أولا ، ثم ثقافته ثانيا لإخراج النص من إطاره الضيق (لفظا) إلى رحاب الدلالات العميقة (معنا) .

فإذا عجزت عن الكلام حبيبتي

يكفى عيوني الصًمت والتلميح،

لا ترحلي فالنار حولي أحرقت ثوب

البنفسج …

ضيعت جرحى فصاح بداخلي وجع

السماء وأيقظ الأرض التي لم تبك..

خوفا من بكاء الياسمين..

مدى يديك

تكلمي

لاتصمتى …

مدى يديك وقايضيني رعشة

كحي أكمل

الدرب التي لن تنتهي الإ بموتى

فالقرار الآن في كفى أنا..

إما نكون

أو لا نكون

نلاحظ العلاقة الوثيقة بين النصين ..وكأن النص الأول{فإذا عجزت،’عن الكلام حبيبتي} يمثل مطلعا للنص الآخر من {بكائيات عشتا ر} وهذه العلاقة المترابطة بين مقاطع النصوص،هي التي عمقت رؤية الشاعر في كثير من قصائد الديوان، وأن اختلفت العناوين..فالمطالع تبدو ذات انفعال واحد متشابه في أكثر الأحيان.. ولنضرب مثلا لذلك من خلال عناوين القصائد ومطالعها: ___

( عنوان القصائد )   ( المطالع )

بروفا     تصبُ الحزن في أقداح يملؤها احتراق الليل والثمل

خروج عن العزف المنفرد كيف العزاء إذا تثار قراحى

خفاقات قلبي أم أنين جراحي

ما بين النكبة والنكبة   تساقطت مواسم الأحزان ، يا عمر

بيان عاطفي رقم صفر (تسع مقاطع) المقطع (1) من يا (مها) يبكى على وجعي (م)

المعتق في المحابر

الوقت مرّبلوعتى

والشوق في قلبي يهاجر

والحزن يزرع أضلعي

بين الخناجر ..والخناجر

المقطع (9) حاولي لو مرة أن تفهمين

هذا الحزن جزء من شجوني

....

5.بائع الأحزان:     رصاصات الأسى تجتث صبري

ويمتص الظلام وهيج فجرى

6.مقامة بغدادية:     من بغداد يطل قطار الأحزان

على شرفات السفر ويبدأ

قضتنا مع موج البحر

7. أقتلتني:     أقتلتني...وارتحت من سهدي؟

كي تحتفي بلقاؤها...بعدى

8.طعنة:     أنا قتيلك فأمشى على عيوني ونعشى

9:بكائيات عشتا ر:     تتقصدين مواجعي

بحثا عن ألا شيء في وجهي المسافر

منك كي:يمضى إليك مع الجراح !

10:هوس:     يا— (نينوى) ...

وحدي وراء الباب مذبوح أصيح

هل أنجبت عيناك مثلي شاعرا

صلبا يموت.....ولا يبوح!

11.توابيت:     أنى قتلتك واقترفت جريمتي

ونصبت في عينيك بيت حدادي

12.نهايات:     مدّى بديتك الجميلة في دمى

مدّى بها لا تشفقي أو ترحمي

13.إلى امّى:     في طقوس الياسمين لك دمعة

14.المرثيةالآخيرة لجنازة لم

يصل عليها     (1) رماد" هو الشعر يزرعني بين جمر الحياة

وموج الضياع

عروس الياسمين تزف مواسم أوجاعنا للبكاء

وتزرعنا بين فكّ اليتامى وفكّ الجياع!!

(2) تنام الجراح،،،

وتصحو الجراح،،،

تهدى الجراح،،،،،،،

تطيرا لجراح . .

(3) أصبّ احتراقي

تصبين نارك فىشرخ صبري!!

(4) تنام جراحي بعينيك حين يطلّ مساء

انتظاري من الشرفات...

فمن أي جرح أطل عليك،لكي تبعث

الروح في الكلمات!!

.

إن القراءة الأولى تجعلنا ندرك أن تشاكل (الحزن) هو الأساس الذي يرتكز عليه الشاعر في مجموعته –قصائد مجنونة جدا- ..وهذا التشكل"اللفظي" متعدد الدلالات "المعنوية" حسب المواقف التي تمثلها النصوص.

فعلى مستوى اللفظ نلاحظ تكرار الحزن والبكاء والأسى والقتل..متشابه في عناوين القصائد من حيث الدلالة الرمزية التي يربد الشاعر تسميتها"مجنونة جدا".

وفى سؤالي المباشر للشاعر عن قصيدته"مابين النكبة والنكبة" قال (مابين النكبة والنكبة هي إحدى القصائد التي حصلت بها على جائزة الجامعات العربية لعام1998م إنها المشاهد الحقيقية للتاريخ في خمسين عاما حصدت لها امتنا رصيدا كبيرا من الهزائم والانكسارات ..هي انكسارات أجدادنا وآباؤنا..وانكساراتنا...إنها الواقع المكتوب والتاريخ الحقيقي الذي أريد أن يقرأه الجيل القادم) ..

الكل مبسوطو ن....

يكتبون بالدموع قصة الهزيمة "المليون"

في أصابع الحجر!!

خمسون عاما يا عمر / أهم إنجازاتنا

بأننا ندلك التاريخ بالخطايا

ونشنق القمر...

ونزرع الأشواك ثم نطلب الثمر...

فيها تتكرر لازمة-التاريخ- خمسون عاما...مما شكّل صورا واقعية أراد الشاعر إثباتها لجيل قادم،عسى أن تجعله هذه النكبة يحقق عكس ما أشار إليه الشاعر في قوله:-

نزرع الأشواك ثم نطلب الثمر!

ليتحول إلى________ نزرع التفاح

ثم نطلب الثمر!

وقد تجلت رمزية العناوين التي أشرت إليها سابقا..في معينات الضمائر (المتكلم- المخاطب) وضمن إطار زماني ومكاني...وهو توظيف يوحى بحالة نفسية أو شعورية، وبالتالي تمتزج العاطفة الشعورية (الحزن) غالبا، والصراخ الذي سال من شرفة"المرثية الأخيرة لجنازة لم يصل عليها"..

(رماد هو الشعر) يزرعني بين (جمر الحياة)

(وموج الضياع) ....

عروس من الياسمين تزف مواسم أوجاعنا للبكاء..

وتزرعنا بين فك اليتامى وفك الجياع!!

فالشاعر يضيق ذرعا بما تمور به الحياة من مظاهر مليئة بالحزن والتشاؤم. فيصفها بأنها "جمر" والمعروف أن الجمر لا يحدث إلا إذا التهبت النار التي تترك ما اشتعلت عليه جمرا ورمادا.. وهنا عبّر الشاعر عن نار الحياة تعبيرا متكاملا فكان الشعر "رمادا" وكانت الحياة "جمرا" فما الذي يطفئها ...الموج بالطبع.ولكن الشاعر رمز للموج بأنه "ضياع" إذا هي نار مشتعلة في ذاته لا تجد موجا يطفئها ولا ماء تكون بردا وسلاما، مما جعل الرؤية الشعرية التصويرية للشاعر في هذا المقطع بالذات مليئة بالأسى حتى فىلحظة أفراح العرس والزقاق،لأن عروسه "الياسمينة" زفت للبكاء... انه فضاء جنائزي مأتمي فضاء الموت والأحزان..ففي المقطع الثاني يقول:-

تنام الجراح

وتصحو الجراح

تهدى الجراح

تطير الجراح

نلمس عمق الأحزان من التكرار اللفظي لكلمة "الجراح" حيث جعلها في دلالاتها المعنوية بين ثنائية :____ تنام وتصحو ___________ وتهدى وتطير

وهذه الثنائية تشكل طاقة ترميزية ممتلئة بالانفعالات الوجدانية. لذلك سمعنا صوته المبحوح حين قال:. هل أنجبت عيناك مثلي شاعرا

صلبا يموت.......ولا يبوح

ظلي هناك قصيدة منفية

عنى..فصوت قصائدي مبحوح!

كما سمعنا صوته الممتلئ بالمواجع في قصيدته"بكائيات عشتا ر"

تتقصدين مواجعي

بحثا عن ألا شئ في وجهي المسافر

منك كي....

يمضى إليك مع الجراح...

فالمواجع...ذات علاقة وثيقة بالجراح، تدل على تشاكل معنوي وصفه الشاعر بقوله::

هذا هو الوجع الذي شغل المكان،،

فأضربت كل الحروف عن التقدم للقصيدة

وانتهت صيحاتنا في باب سرداب الجحيم

وهذا ما جعل الشاعر يكتب فصائدا تحمل ذات الدلالات ... فكتب قصيدته "توابيت"ص142 القصيدة رقم"35" في الديوان: أنى قتلتك واقترفت جريمتي

ونصبت في عينيك بيت حدادي

وكتب قصيدته "نهايات"ص146 رقم (36)

مدّى بمديتك الجميلة في دمى

مدّى بها لا تشفقي أو ترحمي

إن جوهر القصيدتين الصراعى ولّد توترات متلاحقة بين عناصر بنية القصيدتين ظهرت في التقابل بمعناه العام من حيث المعنى، وتكرار صيغ الأفعال من حيث التركيب اللفظي.

فالأفعال "قتل ---اقترف ---نصب ---" أدت إلى نمو قصيدة توابيت نموا بكائيا يوحى بمعاناة الشاعر وتأزم الموقف عموما ، وتكرر نفس المشهد في قصيدته "نهايات " لذا أشرنا في هذه الدراسة إلى العلاقة التي تربط بين النصين بأنها علاقة نعلن عن ميلاد شعر حديث جدا من حيث الالتحام المعنوي لجملة قصائده والتي أشرنا إليها في الجدول المرفق.. ففي قصيدة "توابيت " تلاحظ أن البنية الصوتية الإيقاعية جاءت عاكسة لمقاصد الشاعر.. "ونصبت ،حملت ،وأخذت ،وسببت ،وذبحتهم ،" بنسبة الأفعال إليه بإسناد "تاء المتكلم" ثم النتيجة المتوقعة من تلك الأفعال ..وهى:

وجلست وحدك في الظلام كسيرة

مثل العرائس في ثياب سواد

فالشاعر استعمل صيغة "الماضي" استمرارا لما سبق ولما سيلحق... ولكن الذي يلفت الانتباه، اشتراك الأبيات في – الحركة – الحركة المتوازية إلا محدودة .. وذلك حينما انتقلت _ حركة القتل_ إلى حركة اقتراف الجريمة والانتقال منها مباشرة إلى إقامة المأتم الذي تنصب له سرادق العزاء .. فجاء بتعبير أكثر تأثيرا على النفس حينما جعل إقامة المأتم معنوية بقوله :.

ونصبت في عينيك بيت حدادي

وغى هذه المواقف تنم القصيدة عن موسيقى سريعة هادئة تتناسب مع نفسية الشاعر المعذب بجراحات ومواجع ربما مصدرها القضية العربية، باعتبار أن الشاعر يحمل قضية أمته ، وربما تكون معاناة خاصة. ثم إن هذه – التوابيت – فيما يبدو، بمثابة الأموات المحمولين على نعش لا يعرف أين سيدفن ، حيث لا امن ولا استقرار.

اسمي على الجدران ينزف واقفا

في الشام في عمان في (بغداد)

سيّان عندي أن أموت مسافرا

أو أموت على ذراع سعاد !!

فالموقف في جميع هذه المقاطع – حزين، قاتم، يمثل وراءه لوحات تزخر بالشقاء والهم والذل والظلم والفقر والاضطهاد.

في كل شبر ألف جرح غائر

متغلغل شوقا عليك ينادى

يا رب إن لكل جرح غائر بعدا

وجرحى... تائه الأبعاد!!

فالتكرار اللفظي لعبارة " جرح غائر" – "ألف جرح غائر"- "لكل جرح تائه"- تعميق للمعنى وتقوية للفظ من حيث دلالاته التعبيرية. ويختم النص ، وكأنه لما ضاق بنفسه وبرم بوجوده و ترك بحره –وهو إشارة للحياة، وقرر أن يهجر حيّز الحياة لاتسامه بالبؤس واتصافه بالشقاء، فاختار "الموت" الفناء – قبل خطيئة الميلاد، وكأنما أراد أن يقول أن الخطيئة متوارثة في بنى الإنسان:.

حين انتهيت إلى البحر وحدك

وحدك يأخذك الموج..

وحدك يذبحك الموج..

لا حزن يشبه حزنك

لا جرح يشبه جرحك

جرحك كالورد، حين يفّتح يصبح

أحلى مذاقا....

وترا عانق الدمع لحن هواه .. عناقا!

فأن هذا النص يجسّد معاني العذاب والحزن ، النفي والدموع، التشرد والوحدة ، والضياع، فإنما يعكس حال ما توجد عليه الأمة العربية التي لا ينبغي لأحد أن يجسدها على ما تضطرب فيه على عهدنا الراهن. فالنص إذن ترجمة لهموم الأمة التي ينتمي إليها الشاعر "الشنفرى" ومنها ينبثق الشاعر "قيس".. ومثل هذا الحزن لابد من تعليله، وما ذلك على أي دارس يتعمق نصوص هذا الديوان الذي منه هذا النص، ويتأمل أمر هذه الأمة العربية الممتحنة في نفسها ، والشقية بزمانها العصيب ..فإنما يعكس بؤس المجتمع الذي نشأ فيه ، كما يعكس هموم الأمة العربية بشكل عام..وهو (بائع الأحزان) حينما كتبها نصا دمويا تجلّت فيه المأساة العربية بكل ما فيها من حروب ودمار..

رصاصات الأسى تجتث صبري

ويمتص الظلام وهيج فجرى

وألغام تحيط بكل دربي

رجوعا أم مسيرا لست أدرى!!

فمدخله لهذه البكائية ذو إيقاع خفيف وموسيقى رنانة ، فالشعر عنده عزف منفرد، يعزفه أنّى شاء، ولكنه عزف حزين تمتلئ به الساحة العربية "بغداد الجريحة"

أيا بغداد يا جرحا ينادى

بكل رصاصة في كل ثغر!!

إنما صورة حيّة لواقع محسوس ومشاهد، وهذه الصور هي التي تجعل الشخصية الشعرية نحيا تحت رحمة مجموعة من العناصر لا تعرف إلا زمن الموت .. فتحملها على شحن توابيت الموتى، فلا شيء اشقّ على المرء من أن يحمل جثث الموتى ولا سيما إذا أصبح هذا الحمل إلى غير دفن." "[2]

هكذا يضيف الشاعر رؤية لمثل قضية الحرب التي لا تتبدل جوهرية تعتمد طاقات الفعل التنويري، وقد أعطى الأشياء التي لا تتبدل بعدا متناميا وغير جامد، لأن التاريخ كشف ما ضوى ،، في قوله::

خمسون عاما يا عمر / أهمّ إنجازاتنا

بأننا ندّلك التاريخ بالخطايا

ونشنق القمر.....

ونزرع الأشواك ثم نطلب الثمر..

فجاء دور الشاعر الذي وظّف في شعره المعاصر الخلفية المعرفية لدى القارئ – الخاطب "عمر" فعمل على فرز بنية معرفية بأنساق معرفية مسبقة، ودور الشاعر كفنان جلي الحقائق و انه يستفيد من المواقف "التاريخية" ليصور لغة حاضرة لواقع مأساوي تعيشه الأجيال المعاصرة التي قد تتخاذل في الدفاع عن أرضها، وتغرق في المناسبات والأعياد والحفلات التي تشكل نسقا معرفيا مفروضا، وتقابلها بنية "لأتصالح" التي تبقى رغم كل الأنساق حولها لتنقش نفسها في الذاكرة وتترجم على الواقع. وهذه الصورة التي رسمها "قيس" نجدها عند الشاعر أمل دنقل حين قال:

كيف ترجو غدا...لوليد ينام

كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام

وهو يكبر بين يديك...

بقلب منكس؟

لا تصالح ..

ولا تقسم مع من قتلوك الطعام

وأرو قلبك بالدم

وأرو التراب المقدس..!

وأرو أسلافك الراقدين

إلى أن ترد عليك العظام!! "1"

والصورة المأساوية التي رسمها أمل دنقل" لا تصالح، ولا اقتسام مع من قتلوك الطعام – هي معادلة عادلة رسمها "قيس" في أكثر من نص.. ولكن برمزية أكثر بعدا في دلالاتها ومضامينها.. فهو حين يصور تلك الدماء ، وذلك الدمار، إنما يخاطب فينا الإنسانية ... فكل الخطاب الشعري عنده في رأىّ يمثل أسلوبا متفردا في بناء الحكاية ، كما فعل في قصيدته-إلى طفلة عراقية- ص74.

لاتعبرى خطّ الحدود صغيرتي

خلف الحدود عساكر وجنود

وبنادق تغتال حتى نفسها

ومنازل فيها القريب بعيد ،،

لا تكثري التغريد في أقفاصهم

ما عاد ينفع طائرا تغريد!!

إن أعجب ما في هذا النص أنه يبتدئ بشئ من الحزن والتحذير ومحاولة إثارة البكاء بمخاطبة الطفلة العراقية ، وهى رمز الطفولة المستلبة والمضطهدة ، ثم ينتهي بملازمات التفاؤل وانبعاث الأمل..

قولي لهم مع كلّ خفقة عاشق

مع كل جرح في العيون يميد

سنعود يا بغداد رغم رحيلنا

سنعود رغم رحيلنا سنعود

كل الأسود تغيب عن أوطانها

لكنها فوق العرين أسود !!

فبنية القصيدة يتحكم فيها الثابت السردي المعبر عن صيرورة الإنسان ويكون في حالتي ملكه وقوته وجبروته، وفقده وضعفه وهلاكه، وقد رويت حكاية الطفلة العراقية بأسلوب الإخبار تارة،والدات تارة أخرى.

فالإخبار الظاهري يبتدئ من قوله:- ( خلف الحدود عساكر وجنود / وبنادق تغتال حتى نفسها / ومنازل فيها القريب بعيد) .وينتهي أسلوب الإخبار بقوله :- ( سنعود يا بغداد رغم رحيلنا / طل الأسود تغيب عن أوطانها / لكنها فوق العرين أسود) .

أما أسلوب الذاتي..فيتمثل لنا في صيغة النهى أولا: لاتعبرى.... / لاتكثرى.....،

ثم في صيغة الأمر ثانيا:- قولي لهم..مع كل خفقة عاشق ،

وهذه الحركة التي يمتلئ بها النص ، حركة الرحيل والعودة، جعلت القصيدة دائمة النبض، طرّية الإيقاع تشع بالحيوية "الحركة الدائبة" وهى بغم أنها تقوم على صراع دائم في الحياة- الصراع الذي لا يتوقف بين الحركة والسكون ، إلا أن الشاعر جعل السكون يسطر على النص رغم أن القصيدة تحمل انفعالات ثائرة...فأنها أحدثت إيقاعا داخليا من خلال التكرار لعدد من الألفاظ، والعبارات،،كتكرار النهى في قوله:- لاتعبرى... / لاتكثرى

وتكرار الاستفهام--- أين الشواطئ / أين الأحبة

وتكرار شبه الجملة--- مع كل خفقة.. / مع كل جرح

فالمتلقي حين يسمع "النهى" بإيقاعه السريع، يقف مندهشا ويتساءل عّما ينهاه الشاعر عنه، فيجيبه بصوت مجلجل ذي نبر قوى على حرف الراء في- لاتعبرى- لاتكثرى / فالنهى جاء مطلقا تحسبا للخطر المرتقب المشار إليه بأدوات الحرب (عساكر-وجنود-وبنادق) ومغزى هذا النهى أن الشاعر إما أن يقصد إلى حثّ (الطفلة العراقية) رمز الطفولة المذبوحة- على ترك شئ مهم، وإما أن يهدف إلى إظهار عواطفه ونواياه تجاه الطفولة العربية عموما، وعلى هذا ، فان الذاتية والتفاعل هما جوهر الخطاب الشعري عنده . وهذا فان الشاعر بحسب ما جاء في قصائده يبقى كلامه إنجازا فعليا كلاميا في حالات كثيرة، وقد يتحول إلى فعل اجتماعي إذا وقع الكلام موقعه الذي من أجله قيل،وأحسب أن هذا الصراع اللامتكافئ هو الذي ولّد في الشاعر،وبالطبع في كل عربي يحس بموت أمته واغتيالها- ولّد فيه هذا الإصرار على "العودة"-سنعود يا بغداد / سنعود رغم رحيلنا –سنعود!

فهي مؤشرات للانتصار وان لم تدل على زمن محدد.

ولقد جاء التركيب متناميا ليساوق حالته النفسية ،وهو- فعل مضارع+فاعل مستتر<سنعود>

فعل مضارع +فاعل مستتر <سنعود>

مكررة ثلاثة مرات،وهذا التكرار في مبنى الجملة يؤكد الزيادة في معناها على ما سبقها،متمثلا في قوله:- سنعود يا بغداد رغم رحيلنا "الجملة الأولى" سنعود رغم رحيلنا سنعود"الجملة الثانية" تكرار يفيد زيادة المعنى، ثم إن التعبيرين معا جمعا في حيّز واحد،الشاعر، ومتلقيه لان المصير نفسه يهددهما (الشاعر والطفلة العراقية) . وأصوات هذا البيت أو المقطع توحي بهذا الجو المأساوي وترسم إطاره (الرحيل والتشرد) وما يترتب عنه من ضياع ، ثم الإصرار على العودة رغبة في الاستقرار النفسي والبدنى، وهذا ما أكده الشاعر في نهاية القصيدة بحتمية العودة.

ويتبين من هذه المفاهيم التي أشرنا إليها في العلاقة بين نصوص الديوان، أن هناك انسجاما بين مظاهر لغوية،استعارية – مجازية – متعددة توحي بأن الحدث اللغوي عند الشاعر ليس منبثقا من عدم، وإنما هو متولد من أحداث تاريخية ونفسانية ولغوية.

خمسون عاما كيف نرضى

بفكرة البقاء في دوامة التاريخ

والمزا بل؟؟؟

خمسون عاما يا عمر....

بغداد لم تزل مدينة الألأم

واليتامى....

بغداد لم تزل برغم صبرها

مدينة الأحزان والأرامل،،،،

فهذا الزمن الكامن في هذا النص، ما هو الأ زمن بائس، ضجر بنفسه، وضاق بعصره، وإنما الذي نلاحظه في هذا الزمن ،القسوة والتعاسة، فهذه الكآبة أصبحت معروفة العنوان ، تعرف طريقها إلى الناس . وأول ما يمثلها العنوان "نفسه" قصائد مجنونة جدا _ باعتباره علامة لغوية إجرائية ناجعة لمقاربة النص الأدبي، ومفتاحا أساسيا للولوج إلى عوالمه وسبر أغواره وتأويلها من خلال استكنا ه بنياته التركيبية والدلالية والرمزية، أما الصورة الشعرية التي تميزّت بها قصائد الديوان، فهى تقوم على إعطاء الحركة والحياة إلى الشئ الجامد، غير العاقل،فيرتد متحركا حيا مثيرا. كمثل قوله:_

وجه الرمال يخيفني

أيخيف مقتول قتيل؟؟

الأرض تبكى نشوة

تحتل ذاكرة الصهيل

والموج يسبقني إليك

وأنت يسبقك الرّحيل...

إن الصورة هنا تحيا بالاستعارة تكثيفا وتوليدا، ومن ثم تفجير الأزمنة الاستعارية التقليدية بأزمنة استعارية جديدة من خلال إبداعه فضاءات جديدة للتخيل تثير الاندهاش في نفس القارئ، فكان الشاعر قد أبدع علاقات لغوية وسياقات لم يعهدها القارئ من قبل، كما في قوله:-

(أيخيف مقتول قتيل / الأرض تحتل ذاكرة الصهيل / الموج يسبقني إليك / أنت يسبقك الرحيل) فالصورة بهذا العمق _عنده_ بتركيبها الأنزياحى تحدد علاقة الأشياء بالناس متوسلة بالاستعارات لاكتشاف هذه العلاقات كما تحدد من خلال رؤيتها للواقع وتفاصيله، كما في المقطع التالي:_

لا ترسمي وجعي أمامي

من يقاسمني رغيف كآبتي

في رحلتي من مقلتيك إلى

الظلام؟.

من يرتدى عنى جراحي

من يرتدى عنى جراحي

يا جرحا مسافر

لا ينام

سبحاننا

كم ننتقى ألم الّدخول إلى

الخروج من الزحام....

كم صفّقت عيناك حين تراقصت

في حفلة الأوجاع في نفسي

العظام..

فاللغة هنا إيحائية، تترك لتخيل القارئ، إذ يفد النص دلالات جديدة في ذهنه- بإكساب الأشياء المعنوية حركة حسية مشاهدة،"فالمواجع ترسم" والكآبة رغيف يؤكل" والجراح قميص يرتدى" والجراح لا تنام". وهذه الصورة الجمالية لا تظهر إلا إذا تكامل بناؤها من خلال رؤية كاملة للأشياء حتى لا تتبعثر الألفاظ وتتوه المعاني.

وهذا الترابط اللفظي والتوافق المعنوي، تمّ خلقه وإبداعه بوسائل فنية متنوعة، أهمها الانزياح والرمز، وتنوع الإيقاع..نلاحظه وبصورة عامة في جميع القصائد مما جعل الديوان يمثل نصا شعريا متكاملا تظهر من خلاله البنيات المتجانسة سواء أكانت لغوية أو نحوية أو صوتية أو نفسية، أو غيرها.إضافة إلى العناصر الخارجية للنص والإدراك الشامل للرموز والإشارات، وبالتالي ينفتح الديوان على كينونة الكشف والإيحاء ما دام الشعر عنده يحتوى طاقات متجددة وعوالم خصبة ورؤى ملونة تتنامى لغة وخيالا ، وواقعا، وعلى هذا دأب الشاعر "قيس قوقزة" في الديوان على توظيف طاقات اللغة الشعرية وجعل لتركيب الكلمة والجملة الشعريتين وعلاقاتهما الداخلية أبعادا جديدة.

فثمة إيحاءات رجولة مهزومة، وإيحاءات إلى زمن ضائع وعمر ممعن في الصمت والرحيل،وإيحاءات إلى موت ويباب متربص بالإنسان والحياة. ومن هنا أمكن القول إن الشعر لغة مكتوبة تعبر عن لغة مكبوتة في تراجيديا الوجدان الفردي الممتد في الوجدان الجماعي الهامس بتباريح التراجيديا الوجودية) [3]

وعلى هذا يرى الباحث إن التجربة الشعرية في ديوان "قصائد مجنونة جدا" قد تميزت بالحداثة التي أخرجت الشعر من نمطيته إلى حقل الإبداع والابتكار،

 

بقلم د. عمر احمد عبد الكريم [1]

...................

[1] / دكتور: عمر أحمد عبد الكريم / أستاذ مشارك جامعة ود مدني الأهلية / كلية الآداب / السودان ،ود مدني .معد ومقدم برنامج،رؤى أدبية / تلفزيون ولاية الجزيرة / ولقد تم أجراء حوار تلفزيونيا مع الشاعر حول تجربته الشعرية .

[2] عبد الملك مرتاض / بنية الخطاب الشعري،دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمنية / ص126.

[3] ابراهيم القهوايجى / الكتابة وجمالية التخيل / مقاربة فى الغزالة تشرب صورتها / مجلة أنهار الأدبية

 

 

raheem algharbawi2الشاعر ذلك المترجم للأحاسيس الباذخة الصور، المستجيرة بمعاني الكون، من رفرفة طيور، وهسيس شجر، ولمع برق؛ ليكلل شعوره ترجمةً من تشاكل الصور؛ ويسدل من كلماته على متلقيه أناقةَ المظهر التي تعبِّر عمَّا يستشعره نحو الكون والوجود.

والشاعر هو ذلك الذي يخرج من فرديته ويدخل عالم الواقع، بعدما يطيح بأسراره؛ ليعلنها على الملأ، ذلك هو الشعر يحقق وجوده إذا ما أباح بحقيقته الماكثة في الشعور، والتي يبحث عن لألائها غير الشاعر، فيطرب لها؛ لأنه تلمسها من طريق مكتشفها (الشاعر)، وكلنا يحبُّ الحقيقة؛ لكن ليس جميعنا يصرِّح بها، وقد لايصرح الشاعر بل يرمز ويتخفى لكنه مستعملاً رموزه التي تومئ إلى مشاعره وأفكاره، وهي تدهمه بين الحين والآخر طالبة منه التصريح أو التلميح بها، فهو الشعور الإنساني الذي يختلج صاحبه؛ مما يجعله في كثير من الأحيان أن يرسل صوراً تراسلية " شعرية تستمد طاقة الدهشة والإمتاع من غرائبية الاستعارة التي تعتمدها في آليتها الفنية " (1) فيتلقاها السمع والذوق والبصر

لما فيها من تعبيرات تحقق لدى المتلقي مثلما حققت لمنتجها، حين يكتشف ويرسم .

وباسمة المشهداني من طرازٍ من يتلمس المشاعر؛ لينتج صوراً حسية بالصوت والصورة؛ لتعبر عن دواخلها الشعورية بأبسط العبارات، وأدقها تعبيراً، فهي تقول :

يسرقني ذلك السامري

عازف الناي

يأخذني بشوق الحنين

أغمض عينيَّ؛ لأستفيق بعالم الخيال.

أفردُ أشرعتي للنسيم

أطلقُ العنان لتلك الخافقات

مؤذنةً لها بإشراقة فجر جديد

إذ نراها تعزف سمفونية العشق مستوحيةً السامري الذي غوى الناس بتمثاله الذي صنعه بيديه؛ ليغويهم إليه بدلاً من إله موسى، فالشاعرة حاولت أن ترتكز على هذا الرمز؛ لتومئ إلى الفتنة التي سحرتها؛ وهي تعيش عالماً خياليا وارف الظلال من فعل الناي الذي يمثل بعزفه العذوبة والجمال والرقي، ولعلَّ إشراقة الفجر الجديد، هي عبارة تشير إلى منعطف جديد في حياتها؛ تلبيةً لنداء السامري الذي اختطفها بعزفه . فهي تطلق العنان للأشرعة الخافقات؛ كي تقطع مديات الزمن الذي به يتحقق حلمها في الخلاص من نقطة الصفر (الماضي) الذي تستشعره جموداً واستكانة، طامحةً إلى حياة أرفه وأرقى .

ولما كان الفن بطبيعته كياناً مفتوحاً يحمل المعاني والأحاسيس ( 2) فهو قريب للناس، ووسيلة التواصل والاتصال بهم فكلاهما طرف في عملية التذوق؛ لذا نجد شاعرتنا تسعى إلى تحقيق هذا الهدف المهم للشعر، لتمنح متلقيها أملاً منشودا طالما في الحياة محطات قابلة للاستبدال بفعل الزمن، فنراها تقول :

كلِّمي السحب،

المسي السماء بأناملك

اخبريها بروعة خلجانك

استبيحي الخيال،

اقتلي الحزن،

عانقي الزمان،

افردي الحلم أكثر،

اكتنزي من سعادة السماء بهطول المطر

باجنحة رفرفت للزمن

واغتنتْ من نسيم السمرْ

فنراها تجعل في قصيدتها شخصيتين تتحاوران (هي - الآخر )، وهذا لون فني يجعل من مخيلة المتلقي تغور في آفاق الحديث على الرغم من بساطته، إلا أنَّه يضفي جمالاً لذائقة المتلقي، فنرى دعوة المنادي لها : أن تُكلِّم السحب، أليس للسحب أصوات تبشِّر بالنعيم العميم، أما ملامسة السماء، هي أيضاً تستشعر انفتاح النفس إلى عالم واسعٍ يزخر بالأشياء التي تروق للنظر، كذلك نجدها قد أنْسَنتْ الأشياء؛ لتخبرها بروعة خلجانها، والخلجان هي ما تستمد قوَّتها من السماء بفعل المطر، وإنَّ الرابط بين لمس السماء ونزول المطر مسلمات رغبة البشر في التصالح مع السماء تلك الراعية والمتحابة مع الجميع، وهي من تمثِّل البشارة، وقد كان الإنسان القديم من يهتم بشؤون السماء والنجوم؛ لما فيها من آفاق تمنح الحياة نعيمها وسر خلودها .

ولعلَّ الزمان لدى الشاعرة المشهداني ليس لدى غيرها من شعراء النزعة السوداوية، إذ نراها تعانقه، لاتجافيه؛ لأنَّه يمثل وسيلة التغيير في حياتها، كما هي السماء الذي يهطل المطر؛ لانبعاث الحياة من جديد؛ وكما الليل الذي يعقبه النهار؛ كونهما من صنع السماء، فالزمان لدى الشاعرة، هو الآخر يمثل لها انبعاث الحياة إلى ما هو أجمل وأنقى، وعلى رأي أوغسطين : إنَّ الزمان يمثل " الحاضرة باعتبارها جوهر الوجود وعلى الذهنية باعتبارها مركز إيصال الماضي بالمستقبل عبر جسر الحاضر، وإنَّ الذات الإنسانية تُسقط على الزمن عوالمها، وهذا ما يؤكد أنَّ الوعي بالزمن ينتسب إلى المستوى الداخلي للوجود " ( 3)؛ لذا نجد شاعرتنا متفائلة بالمستقبل بوصفه يحقق لها ما يمكن أنْ تراه بما يبرق في مخيلتها، وهي تجعل من حلمها المتفرد الاكتناز بسعادة السماء وهي تهدي المطر لمن يحتاجه، ولعل الزمن يمثل لديها معبراً وقتياً؛ لتحقيق سعادتها طالما تؤمن بالمتغيرات منتظرة منه نسيم السمر، ذلك الذي يجسد سلوة الأمل، وانبعاث الحياة .

 

د. رحيم الغرباوي

.....................

(1)    تراسل الحواس، د. أمجد حميد عبد الله : 93

(2)    ينظر التذوق الفني، د. حمدي خميس : 7

(3)    الزمن في شعر العراقي المعاصر، د. سلام الأوسي : 24

 

 

14 فسحة للجنون(فسحة للجنون) رواية للكاتب سعد محمد رحيم، الصادرة عن دار سطور في طبعتها الاولى لعام ٢٠١٨.

الرواية تقدم صورة عن زمن رحل بتاريخه لكنه مازال قابعًا في نفوس الناس وعقولهم، ويمكن أن تُصنف على انها سياسية اجتماعية، ترصد أثر السياسة على المجتمع والحياة فيه، وكيف تكون عاملاً اساسيًا في خراب الحياة المدنية وجعلها في حالة من التوتر والاضطراب المستمر. عنوانها يصور الجنون كصفةٍ يمكن أن تقدم للإنسان راحة وخلاص، فالفسحة مساحة نلجأ اليها عندما نريد التخلص من كل ما يعيق طريقنا، وهنا الكاتب يصور الجنون بالفسحة التي قد يسعى لها الانسان بنفسه للتخلص من شيء، وهنا الخلاص هو من العقل وما فيه من افكار ومتعلقاتها في الحياة. فصور الكاتب الجنون بحالة من حالات الراحة، واعطاه صفة التمرد من خلال كلمات المجنون التي يطلقها دون أن يواجه عقابا عليها في الغالب، فكان الجنون هنا ردًّا على العنف والخوف والقهر، ويحمل الجنون في الرواية صفة الهروب.

تدور احداث الرواية حول (عامر حميد) الطالب في السنة الاخيرة في اكاديمية الفنون، الشخصية التي ستختفي وتتوارى خلف حكمت المجنون، الوجه الاخر لعامر بعد أن يُعتقل ويُعذب. عامر طالب مثقف، يكتب الشعر ويرسم ويقرأ، يحب الجمال، يتعرف على فتاة اسمها (نهلة) حب حياته، عنوان لوحاته، الحب الذي سيكون سببًا من اسباب الهروب من العقل والوعي بالجنون. نهلة ابنة محامي يترك المحاماة ويمتهن تجارة الاقمشة، ليقدم لنا صورة عن اثر السياسة المخربة لحياة الناس. يُعتقل عامر فجأة دون ان يفعل شيء، سوى فضفضة مع اصحاب له وهم سُكارى، هنا نجد صورة خلقتها سياسة السلطة السابقة بظلمها وفاشيتها، هي صورة المخبر السري، الذي تزرعه السلطة بين الناس، فتختارهم من المقربين والمعروفين، ليسهل عليها مهمة ايقاع الناس وسماع اسرارهم وما يبوحون به حتى في لحظات الوحدة التي قد يعيشونها، كانت هذه احدى وسائل السلطة لزرع الفتنة والعداوة والتفكك بين اطياف المجتمع، وكسر العلاقات الانسانية وزعزعتها. يتعرض عامر لأبشع أنواع التعذيب، التي صورها الكاتب تصويرًا يجعل القارئ يدرك فضاعة الألم وبشاعة السلطة انذاك، السلطة التي دائما ما كانت علاقتها بالمثقف علاقة عدائية، والمثقف كلمة كافية لجعل عامر يتعرض للتعذيب والاهانة، هدف السُلطة هنا هو القمع والاستبداد وهدر كرامة الانسان وقيمته. فهي تسعى دائما للسيطرة على المجتمع وعقول الناس، وإخماد كل مظاهر الثقافة وقتلها؛ لذلك جعلت من الثقافة تهمة تودي بحياة الانسان. بعد التعذيب المستمر لعامر الذي تفنن فيه ضباط التحقيق، يفقد عامر عقله، او بالاحرى، يعود بذاته من منطقة الوعي ليُدخلها الى حضن اللاوعي والهذيان، فيفقد بعض الخيوط ويضطرب التفكير لديه، ينسى ويفقد جزء كبير من حياته المخزونة في عقله، وبعد ان يتم التأكد من انه فقد عقله، يُرمى في الشماعية ليخرج بشخصه الجديد حكو او حكمت، ومنها ينطلق للمنطقة التي سيعيش فيها عند أحد اقاربه، الحاج مرتضى ، المدينة القريبة من الجارة التي ستدور الحرب معها، ستخلو من سكانها بسبب الحرب، ستبقى شوارعها وبيوتها المهدمة دليل على بشاعة السياسة، والتي سيلازمها حكو ويرفض تركها، رغم كل المحاولات من معارفه بتركها والذهاب معهم، ومنهم الدكتور راسم الذي ادرك في قرارة نفسه ان حكو ما زال محتفظا بعامر القديم في داخله ولم يفقده ابدًا .. حكو يبقى في البلدة وحيدًا مع بعض المجانين او المعاقين، ليموتوا هم اولا، ويبقى وحيدا بعد أن تزوره نهلة علها تساعده في العودة الى وعيه، فيكون رده عودي الى البيت، تنتهي حياته اثر اصابته التي ترمي به الى النهر فيجري مع مياه النهر محملا بصور مختلفة لماضيه وأحلامه التي سُرقت واغتيلت دون ذنب منه. السارد في الرواية عليم يقدم كل شيء بصوته، يتحدث نيابة عن كل الشخصيات ويرسم تحركاتهم، لكنه وفجأة يُدلي بعبارة في ثنايا الرواية انه ليس بالراوي العليم، ليوضح لنا ان ما يرويه يعيشه الناس دائمًا دون تدخل منه او تلاعب بخطوط السرد، وان كان هو عليما في هذه الرواية. يقدم الكاتب في روايته الجانب الظالم المتزمت الذي تمثل برجال السُلطة خاصة في السجون والمعتقلات، وفي المقابل يقدم صورة عن الجانب الانساني الذي صوره حكمت في تعامله مع اصدقاءه، وتعامل الجنود معه وما يقدمونه من مساعدات له، صورة الجنود هنا توضح مدى بشاعة السلطة التي كانت تزج بالشعب في مطاحن الحروب دون ان يفهموا حتى لماذا نشبت الحرب ومن اجل من. وبالحديث عن المكان، سنجد ان في حياة عامر محطات اثرت فيه، اماكن كان لها الاثر في تغير مجرى حياته، المرسم الذي تعرف فيه على نهله حبه الكبير، المكان المحبب والأليف لنفسه. السجن الذي سرق منه حياته وذاته وعقله, فكان المكان المعادي الذي سلب عامر كرامته، الشماعية التي خرج منها بشخصية جديدة مجنونة، المدينة التي ختمت نهاية عامر بخلق اسم جديد له وهو حكمت ليعيش فيها بصورة المخبول حكو الذي دفن عامر وأفكاره الى الابد في داخله, ستكون شاهدة على وفاته, مثلت المدينة المكان الأقرب لقلب حكو.

اما الزمان فنجده يسير بسلاسة مع الاحداث إلا انه يفقد توازنه في عقل حكو، فعقله يحوي توقفات زمنية تعيش وتختفي بظهور اصحابها في مخيلته، وكذلك بالنسبة لنهلة التي وصفت الزمن بالوهم الذي يختلقه الانسان لنفسه، وهنا يتبدد شعورها بالزمان ازاء انتظارها لعامر وحبها المستمر له. في الرواية صور مختلفة منها الموت الذي لم يسلم منه لا انسان ولا حيوان ولا حتى الحجارة، السرقة، عبثية الحياة، موت الحياة داخل الانسان رغم وجوده وتظاهره بالعيش، موت المظاهر التي تشير لوجود الحياة في اي مكان، الخوف الذي زرعته السلطة داخل الناس للسيطرة عليهم، قتل الثقافة ومحاربة المثقفين، جعل القراءة والثقافة تهمة يمكن ان يفقد الانسان حياته بسببها. اختار الكاتب ان يجعل من الرواية صورة للمجتمع و للانسان، وللمعاناة التي كانت تقدمها السلطة للشعب دائما وبشكل مستمر، ونراه لم يركز على ذكر تفاصيل الحرب بل ركز على نتائجها واثارها، ولم يعطي للمدن تسمياتها المعروفة، بل رمز لها بحروف، ليبين أن كل المدن هي معرضة لذات الشيء. نجد في حكمت المخبول، صورة للمتمسك بهويته المتمثلة بالمكان (المدينة)، وبالروح المتمردة داخله، وبالرفض للخيانة. طريقة السرد في الرواية ولغتها البسيطة والقريبة من النفس تجعل القارئ يستمر في القراءة دون ملل.

يختتم الكاتب روايته بنقاط تمثل كلمة قالها عامر في لحظاته الاخيرة ويوضح أنه لن يسمعها أي احد في العالم مع وصف لحالة عامر، صوت دافئ، مفعم بالانشراح، ليترك للقارئ مهمة التفكير بالكلمة الأخيرة ...!

 

هـــديــــل حـــــســـــام

abduljabar noriفي سيمياء عنوان "يوسف أدريس تشيخوف العرب" تشمل كل مفردات السيمياء التي هي أداة لقراءة السلوك البشري في مظاهرهِ المختلفة بدءاً من الأنفعالات ومروراً بالطقوس الأجتماعية والسياسية والثقافية وأنتهاءاً عند الآيديولوجيات المفروضة على الواقع، وكونهُ العلم العام والنشاط المعرفي وعلاقاته باللسانيات والفلسفة والمنطق وعلم النفس والأنثروبولوجيا، ولأنّ العنوان هو هوية المتحدث الرسمي عن سردية النص والمدخل الذي يحتاجهُ المتلقي، فالأحساس الصادق لدى المفكر الراحل الدكتور " فالح عبدالجبار " وخلال مروره على هذا العنوان أعطى الحرية للقاريء بالتأمل والبحث المحفز لأتمام القراءة وأستيعاب المضمون في الهدف والمغزى ويكاد أن يقول : أن العنوان يحتل الصدارة والأولوية لدى المتلقي .

أنطون تشيخوف هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، ويُنظرْ أليه على أنهُ أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التأريخ، ومن كبار أدباء الروس، كتب المئات من القصص القصيرة التي تعتبر الكثير منها أبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كانت لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين، بدأ تشيخوف بالكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب جامعة موسكو، ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء وأستمر أيضاً في مهنة الطب وكان يقول فيها (أن الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي)، وفي عام 1884 تخرج من كلية الطب التي أعتبرها مهنته الرئيسية وقد أحرز القليل من المال من هذه الوظيفة، وكان يعالج الفقراء مجاناً، والذي حفزني ان أكتب في موضوع المقاربات الأدبية في القصة القصيرة خصوصاً بين القاصين العملاقين، هو على الرغم من أن أحاديث يوسف لا تخلو من ذكر تشيخوف على أعتبار أنهُ المؤثر الأعلى في كتاباتهِ ألا أنهُ يحلم دوماً بتجاوزهِ وتقديم ما لم يقدمهُ، وهو يرى أنهُ قرينهُ الأكثر حضوراً في العالم، وكان يرى بأنّ أي كاتب قصة قصيرة في العالم لابدّ أن يكون قد تأثر بتشيخوف، وهذه بعضٍ من المقاربات التحليلية والنقدية في الفكر والهدف :

-الأختصاص بالقصة القصيرة :أختص القاصان بكتابة القصة القصيرة، لأعتقاد الكاتبين أن القصة القصيرة أختزال للزمكنة في أقتناص اللحظة الخارقة، وأن كتابة القصة القصيرة أسهل شكل أدبي وأصعب تركيبة فنية في ترجمة واقع لحظة نفسية إلى التعبير عنها بكلمات، ومفهوم يوسف أدريس عن فن القصة القصيرة يقول فيها : (هو فن أقتناص اللحظة والخاطرة والصورة فن لأقصى حدود الطواعية، منوع لا حدود لتنوعه ولا ضفاف)، كما ظهرتْ عند يوسف أدريس في بدايات كتابته للقصة القصيرة عام 1954 في (أرخص ليالي) التي أشتهر بها عالمياً لكون في نصها السردي تكمن الشفافية والمتعة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء، وكانت أعمال " تشيخوف " في القصة القصيرة قد عرفت طريقها إلى المكتبة العربية منذ الأربعينات من القرن الماضي، وأستمرتْ التراجم تتسع في الستينات والسبعينات لأزدياد أعداد قراء المكتبة العربية، فأصدر تشيخوف مجموعتهُ الأولى في 1884 بعنوان حكايات ملبوميتا وثم الغسق والنورس والعم فانيا والأخوات الثلاثة وبستان الكرس، ومسرحيات البجعة والدب وطلب زواج والزفاف وغابة الشيطان والسهوب وحورية البحر.

- تميّز كلٌ منهما بأسلوب السخرية اللاذعة، فيوسف أدريس عايش العهد الملكي صاحب الحكم الشمولي المكمم للأفواه فكان من أدريس المشاكس والمقتحم بجسارة في أنتقاد الوضع السياسي والأجتماعي بشكلٍ ساخر مما شملهُ حجز حريته، وكذلك تميز تشيخوف بكتاباته صفة السخرية والأستهزاء من نظام القياصرة الشمولي والمصادر للحريات والأشارة إلى عبدة المناصب والألقاب والمنافقين وذوي الطباع الفظة الذين يتلذذون بأهانة الضعفاء وربما سخر من الضحية لقبولهم بالعبودية والأستكانة، وأبرع تشيخوف في قصصه في صرخة وجدانية حزينة حول بؤس البسطاء ومعاناتهم التي لا يشعر بها أحد، وأكد تشيخوف على اللامبالاة وخطورتها على الروح الأنسانية في مسرحية (السهوب) 1888 ثم (حكاية مملة).

- تقارب الأثنان في النزعة الواقعية وكانت للثورة البلشفية 1917 عاملا آخر في ترويج الأدب السوفيتي خاصة والروسي عامة طلعت بصيغة قصصية عند مكسيم غوركي ووأسكندر بوشكين وأيفان تورجنيف وديستوفيسكي وعبقريات تشيخوف القصصية على العموم أنها الموجة الواقعية في الأدب العالمي والتي أنسحبتْ على الأدب العربي وحصرياً من خلال نافذتها مصر أم التراجم، شاءت الأقدار أن تندلع في مصر ثورة 1952 التي دخلت كعاملٍ فعال في تأجيج الذات الكتابية عند كتاب كثيرين منهم بالخصوص " يوسف أدريس " أصبح يوسف أدريس أيقونة الفكر السياسي المصري في مراحل الأنفتاح وبالتحديد في خمسينيات القرن الماضي، فأحدث يوسف طفرة فعلية في القصة القصيرة بتجاوز أشكالات كثيرة على مستوى الكتابة، التي كانت تُغرق القصص في الرومانسية الفضفاضة التي تدفع بالمتلقي إلى الضجر والملل، كذلك كان يوسف أدريس على رأس الدفعة الجديدة من كتاب القصة القصيرة منهم : عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف شاروني، فكانت قصة (أرخص ليالي) البوابة الكبرى التي دخل منها يوسف أدريس إلى ساحة المجد، فيوسف أدريس ذو السبعة والعشرين عاماً أستطاع أن يهز عرش الثقافة في ضربة زمنية قياسية بحيث أثبت للواقع أن القصة قبلهُ كانت خاملة ورومانسية مملة وغير فنية وتقريرية، وتمكن أن يهيل ويغطي على جميع نقاط العيوب والصفات الركيكة على ما كان يكتب ما قبلهُ، وسحب واقعيتهُ ليس فقط على القصة بل على المسرح والرواية والكاتب الصحفي، ربما تبني يوسف الفكر اليساري فهو في خطٍ متوازي مع أفكار " تشيخوف " في معانقة البطالة والأهمال والفقر والمرض والمعاناة وخروجهما من دائرة الشارع السياسي إلى الشارع الحقيقي في مواجهة هموم شعبيهما في العري والجوع والفاقة.

- البحث عن الحرية : وظهرت جلية عند تشيخوف في مجموعته القصصية في سنة 1884 بعنوان (حكايات مليو ميتا) و(في الغسق) نشر واقع النظام السياسي القيصري المتردي ولكن بأسماء مستعارة مثل : انطوشا شيخونتي، وظهرت عند يوسف أدريس في روايته (المخططين) ناقش فيها الوضع الأنقلابي للعساكر من ثورة 1952 وبأسلوب خيالي فنتازي فيها الرمزية تكشف كيف تتحول الأفكار الثورية إلى نظم شمولية بعيدة عن الديمقراطية، وقال في هذا الموضوع : (أني على أستعداد أن أفعل أي شيء ألا أن أمسك القلم مرّة أخرى وأتحمل مسؤولية تغيير عالم لا يتغيّر، والأنسان يزداد في التغيير سوءاً، وثورات ليت بعضها ما قام).

- والتجربة المكانية في الشعر العربي على يد يوسف أدريس وتشيخوف، بأستثمارهما المكان فنياً، ويقدمان تجربتين حيتين تمكنان من قراءة أسرار التأريخ والجغرافية، أضافة إلى سعيهما الدائم إلى كسر رتابة العلاقات اللغوية القائمة من أجل الوصول إلى بنية تتلائم والتجربة المكانية الخاصة بالأنحياز والتزلف للأنظمة الشمولية لطالما أحترقنا بنارها !؟ .

- وتقارب القاص يوسف أدريس مع أدبيات تشيخوف في مسألة : الغوص العمودي لا الأفقي في طبقات الشعور واللاشعورالتي تنطوي عليها الحالات النفسية للشخصية، بدل وصف الشخصيات من الخارج والحكاية عنها بمفردات الراوي العارف بكل شيء، كان الميل الغالب هو أنطاق الشخصيات نفسها ما ينكشف عن أعماقها، والغوص في أعماق الشعور واللاشعور في لحظة ضيّقة زمانية ومكانية كاشفاً الأزمات الشخصية الواقعة تحت مشرط قلم الطبيب يوسف أدريس .

- تجريب في القصة والمسرح : يوسف أدريس رفض تقبل أشكال القصة على نحو ما وجد عليه، وتجربته على المسرح كانت مغايرة على ما موجود بالشكل التقليدي، حيث أستهل شكلاً جديداً، كما ظهر في مسرحية (الفرافير) و(المهزلة الأرضية) يخرج الكاتب المشاركة الجماهيرية مع الممثلين دون حواجز وهمية تفصل بين المشاهدين والمؤدين إلى الحد الذي يسقط فيه الحائط الرابع الذي يعزل الممثلين عن الجمهور، وينقل المتلقي من أحوال التلقي السلبي إلى أفعال التلقي الأيجابي .

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

مراجع وهوامش: فاروق عبدالقادر- البحث عن اليقين المراوغ – مصر / رسائل إلى العائلة –أنطوان تشيخوف- ترجمة ياسر شعبان يوسف أدريس تشيخوف العرب – الدكتور فالح عبدالجبار

 

adil baderإذا كان الإيقاع هو ذلك الانتظام والتناغم الزمني الذي يشكل أي عمل منتظم، كما يرى يوري لوتمان؛ فإنه بهذا يتولد من خلال توظيف عنصر مهم هو التكرار الدوري، ويفرق لوتمان بين مصطلح التكرار أو التردد في الطبيعة ومصطلح التكرار في الشعر، ومن ثم نجد نوعين من الإيقاع : الإيقاع المتعلق بالطبيعة، والإيقاع الشعري، الأول في تكرار أوضاع معينة من خلال فوارق زمنية معينة كتوالي فصول السنة، أما الإيقاع في الشعر فهو ظاهرة مختلفة فـ"إيقاعية الشعر قد تعني التكرار الدوري لعناصر مختلفة في ذاتها متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل بغية التسوية بين ما ليس بمتساوٍ، وبهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة"

فالبينة الإيقاعية مجموعة من العلاقات المعقدة بين ما يثور على النظام وما يحافظ عليه، بل إن تحطيم النظام في حد ذاته نظام ولكن من نوع آخر .

والشعر العربي يجمع بين النسق والخروج على النسق، ولعلها سمة مشتركة بين الشعر على مختلف أنواعه، بل لعل لها نظائر في غير الشعر من الفنون، فالفنون التعبيرية تحاكي الحياة الإنسانية وهي ليست انتظاماً خالصاً، بل تجمع بين الانتظام والاضطراب، فالخروج على النسق له وظائف في الشعر وفي غيره من الفنون، فهو يقاوم ذلك الخدر الناشئ من التكرار المنتظم ؛فيثير الانتباه واليقظة، ويدعم الجانب الفكري والمعنوي في مواجهة الجانب المادي؛ ممّا يجعل العمل الفني أقدر على التعبير .

فالشعر يجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق يقول "هو جارت " أن القاعدة في الفن هو تحاشي الانتظام .

والإيقاع في الفنون هو تأليف بين مجموعة من العناصر يجمع بين النظام واللا نظام ويقيم بين هذه العناصر علاقة، فإذا خلت العناصر من هذا الصراع فهي كذلك خالية من الإيقاع .

يقول د. أحمد حافظ رشدان، د. فتح الباب عبد الحليم : "إن الوحدة في العمل الفني لا تعني التشابه بين كل أجزاء التصميم، بل أن يكون هناك كثير من الاختلاف "

فمعظم الفنون تتألف من ثابت ومتغير، فالملاحظ أن الإيقاع يتوقف على التكرار وتوقع التكرار، وهذا أمر أجمع عليه النقاد وكما يقول "ريتشاردز " النسيج الذي يتألف من التوقعات والإشباعات وخيبة الظن أو المفاجآت التي يولدها سياق المقاطع هو الإيقاع، ولا يبلغ تأثير صوت الكلمات أقصى قوته إلا من خلال الإيقاع، ومن الواضح أنه لا توجد مفاجآت أو خيبة ظن لو لم يوجد التوقع، وربما كانت معظم ضروب الإيقاع تتألف من عدد من المفاجآت ومشاعر التسويف وخيبة الظن، لا يقل عن عدد الإشباعات البسيطة المباشرة

والنظام الذي لا نجد فيه غير ما نتوقعه بالضبط دائماً، بدلاً من أن نجد فيه ما يطور استجابتنا هو نظام رتيب، يبعث على الضيق فهو يقوم على المفاجأة وإخلاف الظن .

وريتشاردز يورد تعريفين للإيقاع أحدهما يتفق مع النظرة النفسية، وهو أن الإيقاع " اعتماد جزء على جزء داخل كل يستمد من التوقع والتنبؤ " والتعريف الآخر أنه " التشكيل المتكرر أي مجموعة من المجموعات ؛بحيث أن المجموعات المتعددة الداخلة في تكوينه تكون شبيهة الواحدة بالأخرى، وإن لم يكن هذا التشابه تاماً بالضرورة وريتشاردز يعتبر هذا المعنى واسعاً جداً، ولكننا يجب أن نلاحظ " أنه هو المعنى الذي يبحث العروضيون عن مدلوله الخاص في التشكيلات المكونة من مقاطع لغوية

ويجب على دارس الإيقاع أن يكشف عن هذه الصراعات بين عناصر الثبات وعناصر الانتهاك. فالإيقاع هو حركة المعنى، وليس بينهما انفصال، ولإدراك أحدهما ينبغي اكتشاف الآخر معه .

بل ويستطيع الدارس أن يكشف الجوانب النفسية والشعورية والاجتماعية، التي أنتجت هذا النص. وذلك من خلال المستوى الدلالي الذي يشكله التنوع الصوتي في النص الشعري "فإن النظام الإيقاعي للبنية اللفظية في العربية يتميز إلى جانب التناظر أو التناسب الصوتي بين الصوامت والحركات وطول المقاطع بالعلاقة التبادلية بين الصيغة أو البنية الإيقاعية والدلالة "

ولا يقف التناسب الصوتي عند المقاطع لكنه يمتد إلى الجناس أو الجرس الصوتي وإلى الأوزان الشعرية والاتباع والازدواج، وكلها في تشكيل المعنى وتوسيعه وتوسيع دلالة النص الأدبي ويظهر بوضوح عندما يعمد الشعراء إلى استغلال إمكانيات الأصوات وقدرتها على الإيحاء بالمعنى ومحاكاته، والإيقاع ليس إشارة بسيطة، بل هو نظام إشاري مركب ومعقد من مفردات عديدة .

ويبدو الإيقاع أمام القارىء شيئاً مادياً محسوساً يعلن له أن الذي أمامه قصيدة من الشعر، وأن – الإيقاع – هو الذي نظم هذا الفيض من الأصوات والمعاني، وأنه يستطيع أن يعطيه معنى مختلفاً عن المعنى الذي يلقاه في النثر معنى أكثر كثافة وأكثر عمقاً وأكثر إمتاعاً وأكثر كشفاً عن الأعماق البعيدة للإنسان

وقد اتسع مفهوم الإيقاع عند الشكلانيين الروس ليشمل سلسلة من العناصر اللسانية التي تسهم في بناء البيت الشعري: فإلى "جانب الإيقاع الذي ينتج عن المد في الكلمات، يظهر الإيقاع الذي يأتي من نبرات الجمل بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني (الجناسات) إلخ .

وهكذا يغدو مفهوم الشعر ذاته مفهوم خطاب نوعي تسهم كل عناصره في خاصيته الشعرية .

 

د. عادل بدر - شاعر وناقد مصري مقيم في قطر