رحيم الغرباوييبدو أنَّ النفس الإنسانية في حقيقتها عالم مأهول بآثار جمَّة من الأحداث، نتاجها هو ماتفرزه ماكنة الشعور فتترجمه إلى مفردات لدى الشاعر، لكنها مفردات من نظام خاص تحدده قدرات صاحبها على وفق عاطفته ومخيلته وقدرته الإبداعية في رسم ملامح الشعور لديه تجاه مؤثرات، مما ينتج ردود فعل إيجابية أو سلبية، وما الشاعر إلا ابن عصره وزمانه وهو الصوت الدفاق لما يعتمله تجاه الواقع، مما جعل مؤرخي الأدب ونقدته يطالعون العصور من خلال أشعار الشعراء فيتلمسون حقائق الحياة في تلك العصور، لذا نجد لكل شاعر وظرفه تجاه ذاته ومحيطه تجربته التي عبَّر عنها، مما جعل في ذلك تعدد التجارب من شاعر لآخر، تقول سيمون دي بوفار المفكرة والأديبة الوجودية: " إنَّ لكلِّ تجربة إنسانية بعداً سايكولوجياً خالصاً " (1)، لهذا السبب نجد تعدد قراءة التجربة الشعرية لدى الشعراء، إذ أنَّ لكلِّ تجربة أبعادها الإنسانية الخاصة بها " ولعل التجربة النفسية للشاعر تمتزج إلى حد كبير بالتجربة الميتافيزيقية فيصبح همه وألمه النفسي ليس تعبيرا عن حاجات آنية تريدها هذه النفس إنما تمتد حاجاته من الذات إلى الآخر ومن الجزئي إلى الوجودي والكوني والإنساني " (2)، مما منح النصوص الشعرية جواز سفر تعبر بها محيطات الأزمان وتتوقف عندها محطات الأجيال .

والشاعر في تأملاته الوجودية يشعر بفراغ مفزع، إذ يتعمق لديه الإحساس بالغربة سواء أكانت غربة نفسية أم مكانية، فكلاهما يولدان فيه نزعة تتلبس حيرته ولربما تقضُّ مضاجعه، وهذا الإحساس الوجودي يحيله إلى عبث الوجود الذي ضربَ على وترها الفكر الوجودي، ولعل الفوضى والاضطراب والعبث وخشية الزمن والشعور بالموت جميعها تجعل من الإنسان يعيش محنة الوجود (3).

والشاعرة لمى حميد واحدة من الشاعرات اللاتي كتبن عن آلام وطن، وحزن فراق، مما نجدها تعيش هواجس اغتراب نفسي أوقد فيها حزناً مؤرقا، نجد ذلك في نثريتها التي تقول فيها:

هذا الليل ..

وهو يرتدي

عباءته السوداء

كأنه يقودني

إلى نهايتي ..

دمعتي العنيدة

تسكن المآقي ..

والروح تجاهد

من أجل أن تعلن

تحررها من سوط

هذا الحزن

ويبدو الليل في القصيدة ليس الزمن إنما استعارته للهموم التي نزلت عالمها وجعلته كائناً مهولاً وهو يضرب بعباءته السوداء، وكأنها تصور الموت في تلك الهيئة وهو يقودها إلى نهايتها، بينما دمعتها العنيدة وهي تسكن المآقي لا من خوف أو من رهبة، إنما من رفض للواقع البائس الذي يعيشه أبناء شعبها بوصف الشاعر هو من يحمل معاناة شعبه ويدافع عن قضاياهم الكبرى، ثم تصف الروح التي تجاهد في سبيل تحررها من الحزن، والحزن مجاز مرسل علاقته المسببية والمجاز كما هو معروف أسلوب يستعمله الأديب في ألفاظ قليلة لمعان كثيرة، كي يقترح المتلقي تلك المعاني حسب وعيه، وإن حام حول دلالة النص المركزية وهو تقنية من تقنيات الأدب لاسيما الشعر، ثم تقول:

لا يسعها حتى البحر ..

والقلب مازال

يتمسك بخيط الصبر ..

فكيف لمجزرة

هذا المساء

أنْ تنتهي ؟!!

إذ نجدها تتحدث عن نفسها بضمير الغائب، فالروح المجاهدة في التصدي تتسم بسعة الإرادة، فهي أوسع لديها حتى من مساحة البحر، بينما القلب بعنفوانه مازال يتمسك بخيط الصبر، ويبدو أنَّ الخيط في النص يدل على الصبر من إنّه أوشك على النفاد، فتتساءل عن مجزرة هذا المساء المظلم كيف يمكنها أن تنقشع ؟!.

ولعل الشعر ماهو إلا وثيقة وشاهد على المحن التي تعصف بالبرايا، وكثيرا ما نجد الشاعر يبحث عن طوق النجاة حين يأبى الاستسلام متسلحاً بالأمل أو الحلم، كي يعبر به إلى ضفة الأمان، هو وأبناء شعبه الذي تمثلهم كلمته بوصفها ترجمة لما يصبون إليه .

وفي ومضةٍ شعرية لها، نجد أن الحزن قد أطبق جناحيه عليها، فصار رفيقها الألم، وكأنها ترسم صورة لطريق الخلاص لكن، من دون جدوى للخلاص،، فنراها تقول:

وقد صار

رفيقي الألم ..

مادام للحزن

وشم ..

فكيف لصليل الحروف

أن يختبيء ..

ودمع القهر

نهر، لاينضب !!

فلمواجعها من غربتها المكانية والنفسية جعلت لديها الأمل مفقوداً طالما دمع القهر عندها نهر لايقف جريانه .

ولعل النفس الانسانية تتمايل على وفق الظروف بين أملٍ ويأس، فرح وحزن، فيترجمه الشاعر حسب مشاعره وأحاسيسه تجاه قضية شغلت فكره وأنهكت قواه ولاسيما حين تكون قضية مصيرية اسمها الوطن، وفي أحيان نجد الحيرة والقلق كليهما يفوِّتان على الشاعر فرصة الاستقرار داخل النفس، لكن كثيرا ما تكون رؤيته الشعرية قادرة على أن تعكس ذلك وبجدارة بأنْ تزدلف لروح الفن، لتقدِّم لنا الجمال بأكمل وجه من وجوهه ويمكننا أن ندرك " قبل كل شيء، إنَّ رؤيا الفنان سبقت الرؤيا النفسية عند علماء النفس ومدرسة اللاوعي (فرويد، أدلر، يونغ) في الكشف عن الكثير من أسرار النفس الإنسانية وأعماقها اللاواعية " (4)، فشاعرتنا على الرغم من الحزن الذي يكتنفها، نراها تقدم ذلك بصورة فنية يتعاطف معها المتلقي، ويجعل من موضوع قصيدتها متنفساً له أيضاً، حينما يعتمله نفس الشعور مما يجعله يتنسم موضوع القصيدة برضى عميق،

والشاعرة تسترسل بقولها:

تُرى، كيف لهذا الليل

أنْ ينجلي ..

وكيف لي، أنْ أتمسك

بخيط الأمل ..

مالي أضعت الطريق ..

لا الغرب، يستهويني

ولا الشرق !!

فهي الحائرة بين عالمين هو عالم الشرق الذي فقد المبادى والأعراف التي اتخذها الآباء رمزاً لمبادئهم السامية وديدناً لقضاياهم المصيرية الكبرى، والغرب الذي فقد إنسانيته بعدما فغرَ فاه، نتيجة أطماعه الشيطانية المقيتة، وقد أضاعت شاعرتنا الطريق بين فضاعة الأدائين، وما شبابنا الذين هاجروا ماهم إلا فكر حائر لايدري ماذا يصنع على وجه هذه الأرض، لذا ربطت لنا شاعرتنا مضمون نصها بألفاظ ذات رموز مهيمنة على النص، هي: (الليل، خيط الأمل، أضعت) .

ولعل دائرة الحزن هي الطاغية على أشعار شاعرتنا لمى حميد، فهي تعيش في ظل الأرق من الضياع النفسي الذي يشكو من اختناقات حبائلة الكثير من الشرقيين في ظل الظروف الساخنة التي تجتاح المنطقة، فنراها تقول:

كلما وقفت

على باب الأمنيات

استجدي لحظة صدق ..

فلا أجد إلا السراب ..

وكلما أمسكت بخيط

الفجر الكاذب

نحو لحظة أمل

تعود عتمة ذلك المساء

تؤرقني ..

من أنا؟

كأني لا أشبه احد،

وكأني أتيت في زمن

ليس زمني ..

لم أعد اتقن

لغة الآخر !

نعم إنها بروحها التي تعودت عليها لايمكنها أن تفهم الآخر أو تتلون بما أتت به الأفكار الخارجية المصحوبة بالحروب والمحن، إنه العالم الغريب بثقافاته وطبائعه وأقانيمه، فألألفاظ والجمل: (السراب، الكاذب، عتمة، تؤرقني، ليس زمني، لم أعد أتقن) جميعها تشير إلى حالة اليأس والاستلاب من قبل الآخر الجاني، فلا حياة في نفق مظلم ولا جمال تظهره قبائح معتمة .

نتمنى لشاعرتنا لمى أحمد التوفيق في مسيرتها الأدبية وإلى مزيد من التقدم .

 

د. رحيم عبد علي الغرباوي

........................

المراجع:

(1) وجود النص – نص الوجود، مصطفى الكيلاني: 74

(2) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 55

(3) ينظر: الرؤيا والتشكيل في الشعر المعاصر، د. سلام الأوسي: 164

(4) دراسات في الشعر والفلسفة: 50

 

رحيم الغرباويالشعر عالمٌ مأهول بدنيا واسعة تتجه نحو صوبين الأول العالم الخارجي بما فيه من أحياء وجمادات، بينما العالم الآخر هو عالم الانسان الداخلي المليء بالمشاعر والأحاسيس والرؤى والبنى المغروسة فيه من معتقدات وأساطير وأعراف وقيم، وثقافة مستحصلة، كل ذلك هو ما يمثل ركائز أي قصيدة ينظمها شاعر .

ويبدو الفن حسب غادامير هو " مسألة الكشف عن الأمور الوجودية للإنسان ولا يمكن اختزاله إلى مجرد ذوق أو متعة جمالية ولا يمكن اختزاله أيضاً إلى آلية أو وسيلة ... إنه نسق كشفي للمناطق المُعتمة من الوجود البشري " (1)، ولعل هذه الشبكة ينسجها الخيال فهو " قوة كبرى، سيِّد ولا ضابط له، ورفض حاسم للواقع، وسلطة عُليا يُقدَّم أمامها على العكس العالم الخارجي بتفاهته المُعتمة " (2) . لذا فالشعراء يرتقون بأشعارهم إلى عالم مثالي يصور الواقع بصورته الصحية أو إظهار عيوبه التي هي ليست ما تتوق الروح فيه إنما إلى عالم أكثر مثالا، وأوضح صورة، وأشد نقاء، فالشاعر يدعو " إلى هذه التربة العتيقة التي حجَّرتْ روحنا، ولنحول المدينة إلى حضارة ؛ ولنبحث إلى جزر عذراء خاوية، حبلى بالمستقبل طاهرة طهارة صمت التاريخ " (3) .

ولعل شاعرتنا منهل الكسيري هي من تتوق إلى دنيا جديدة بعيداً عن الواقع المأزوم بمشكلاته لتقدِّم لنا إرهاصات هي مأمل كلِّ روح تبحث عن استشراف حياة باذخة الغنى بما فيه المعرفي والجمالي والحياتي، فهي تكتب بشفافية الحرف حينما تدعو في نصوصها ؛ لتغيير الواقع والمضي لمستقبل يفتح بوابات لعوالم جديدة فنراها تقول:

هنيئا لكِ أنجلينا ..

دعي براد ... واعشقي من جديد

الحياة لاتتوقف عند خِلٍّ

لم يمنحك السعادة

خائن كان أم مهمل

الوداع براد بيت

فنراها تستحضر شخصيتين سينمائيتين لهما قصة فراق زوجها، لكنها آثرت أنْ تعمل في منظمة النوايا الحسنة وهي تسوح في بلدان العالم التي ضررتها الحروب والفقر والفاقة، لتؤسس لنا الشاعرة من خلال رمز انجلينا حياة أرحب وأنقى، رافضة العيش في عالم لاحراك فيه لايمنح صاحبه إلا القيود والعيش خلف قضبان العدم والركود، فقد استعملت لتلك الدلالات أصوات الإطباق ومنها صوت الدال الذي ورد سبع مرات والهمزة والتاء أربع مرات وجميعها تدل على التحسر والتأفف للدلالة على خيانة (براد بيت) وإهماله لزوجته أنجلينا، بينما ورد صوت العين خمس مرات ؛ للدلالة على المعاناة والعناء بينما ورد صوت اللام ثمان مرات وصوت الميم ست مرات، وصوت النون ست مرات أيضاً وهي أصوات صامتة لدلالة الأناة والتروي من قبل أنجلينا وهي تفارق من كان شريك حياتها ؛ لأن لديها مشروعاً أكبر من حجم همومها ؛ كي تديم الحياة لها ولبني الإنسان .

ولعل نقل التجربة الشعرية " بكافة ابعادها وبصورة أكثر شفافية وإيحائية وعلى هذا الأساس تكون التجربة هي المسؤولة عن منح النص الخصوصية الإبداعية " (4)، فالشاعرة منهل الكسيري تحاول أن تقدم لنا فكرة أن الحياة لاتبقى تمشي على عكاز مالم تُقوَّم وتسير إلى أمام، ويرعاها أهلوها، وإن لم يكن كذلك فلابدَّ من عبور الركام إلى الضفة الأخرى، فنراها تقول :

سقط من كرسيـّه المتحرك أمامي!

لملمتُ أفكاره ،

جمعت شظاياه .

لم تكتمل صورة الرجل بنظري

فتركته مُلقىً على حافة السؤال.

لا مكان للخطأ في معادلة الحياة .

فهي تنقل لنا تجربتها الحياتية لكنها ترفض الانكسارات ومواطن الضعف في مسيرتها، وهي تقدم فكرة ذلك بأصوات هامسة، فصوت الميم ورد إثنتي عشرة مرَّة، وصوت اللام إحدى عشرة مرَّة وكلاهما من الأصوات الهامسة، لتكسب النص هدوءً على الرغم من عدم رضاها على الواقع الممثَّل بالرجل، فهي القادرة على حمل أعباء الحياة، وهي صاحبة المواقف التي يمكن لها أن تجوب الحياة من دون زلل يحلُّ بساحتها .

أمَّا قولها :

مازلتُ اقطف التوت البري ..

رغم ثلوج الوطن

الذي اَنقذَ نفسه

و تركني في روابيه .

غريبة الروح

فالشاعرة تعيش الاغتراب النفسي، فقد قرنت الثلج بالوطن فعلى الرغم من برودته تجاهها، فهي تقطف التوت مكابرةً بما يعتملها من أسباب الاغتراب الذي دهمها ؛ نتيجة الحبيب الوطن الذي غادرها، مما جعلها تعيش الغربة التي تلمِّح لها لكنها تواصل الكتابة الشعرية وهي تفتح نافذة الأمل الجديد وبإرادة صلبة، فهي تقول :

من شرنقتي

سأخرج

لعالمٍ بنفسجي

كحلمي دون وثاق

كنجمةٍ تجوب السماء

كمهرةٍ بريَّة،

لها في البراري حياة .

ولعل الأمل لدى الشاعرة الكسيري الذي خطته بمداد روحها صورته لنا كأنها تخرج شرنقة، والشرنقة تمثل العذرية والنقاء والبداية، أما العالم البنفسجي فيمثل السكينة والحب والطمأنينة، والحلم هو ذلك العالم اليوتيوبي الذي لايمكن تحقيقه إلا في دنيا الخيال، بينما النجمة التي تجوب السماء، والمهرة البرية ماهما إلا تشبيهات لها، وكلا التشبيهين يتضمنان كناية عن صفة الحرية والانعتاق في عالمٍ أسمى وأرحب . ويبدو أنَّ حروفها تدل على الرقة والشفافية على الرغم من التغيير الذي سيعم حياتها الجديدة وهي تراها بمرقب الشعر نحو عالم هو أنقى وأجمل.

ولعل الكسيري تعبِّر عن وجدانها بأمهر الكلمات وأنقاها، فتحمِّلها جمال الحروف برقة الإحساس وأناقة المعنى، فتقول :

ثوب عرسي وعيناك

..قطاف فلاحة في مواسم الخير

ضحكة طفلة في إرجوحتها

فرحة الأعشاش المهجورة بعودة السنونو المشتاقة

أنت !

والكون يتراقص كنجوم الثريا

حول ضلوعي

أنت

وكلِّي أنت

إذ نجدها تستعمل التشبيهات ؛ لتؤسس صوراً بيانية فترفد نصوصها جمالا بوصف التشبيه أحد وسائل البيان في اللغة العربية، فثوب العرسفي النص يشبه ثوب الفلاحة المزركش الألوان لكنهمع ذلك يمنح الحياة نعمتها وما الفلاحة إلا رمز من رموز العطاء ، بينما الصورة الأخرى هي ضحكة الطفلة، والطفلة تمثل البراءة والنقاء، بينما الأعشاش المهجورة هي من ينعشها السنونو حين يلثم محياها وكأنها تقابل بين صورتين الأولى هي، والآخر الحبيب، فالحب هو من يجعل للحياة روحا ومعنى ؛ مما يضفي على الكون زهوه فهو بمجمله يتراقص كنجوم الثريا . فهي تجعل الحبيب هو الكون بينما هي قطبه الذي يدور حوله، وهي التفاتة مدهشة من شاعرتنا وهي تصور حالة الحب الذي يلم شتات العالم من خلال نعمة السلام الناتج من الحب حين يغذي نفوس البشر .

 

د. رحيم الغرباوي

.........................

1- الفلسفة الغربية، مجموعة من الأكاديميين العرب : 1265

2- الصوفية والسوريالية، أدونيس : 129

3- الموسوعة الفلسفية، د. عبد الرحمن بدوي : 1/ 262

4- مقاربات نقدية لنصوص حداثية، د. سمير الخليل : 168

 

جوزيف الفارسفي المرحلة الدراسية في ايطاليا زادهم الشوق والفضول للتعرف على معالم حضارتها وبالذات الثقافة المسرحية وتجربة المسرح الايطالي، وكذالك التعرف على حرفية فن المكياج وتجربته في حياكة الباروكات للشعر المستعار واللحى والشارب وغيرها من مستلزمات هذه الحرفية الفنية والغنية بتجربتها الرائدة في هذا المضمار اضافة الى ماكتسبوه من دراستهم في معاهدها السينمائية والمسرحية . كانوا متشوقين لزيارة معالم ايطاليا الاثرية والتعرف على معالم فنونها التشكيلية لاشهر رسامي العالم من امثال ليونارد دافنشي وروفائيل ومايكل انجلو، قال الاستاذ المرحوم الفنان الرائد ابراهيم جلال والذي كان احد طلاب المعهد االسينمائي التجريبي الحكومي في ايطاليا قبل ذهابه الى الدراسة في معاهد امريكا للفنون المسرحية، قال رحمه الله : هذه المعالم الجميلة والتي اعادتني الى احضان شكسبير واجواء مسرحياته وبالذات مسرحية يوليوس قيصر والتي جعلتني اعيش بين اجواء احداثها وصراع شخوصها، بروتس وكاشياس وتامرهم على قيصر ومناهضتهم لانطونيو، واذا بالاستاذ اسعد عبد الرزاق امده الله بالصحة والعافية والعمر المديد والذي كان احد طلاب المعهد الايطالي للفنون المسرحية وقت ذاك، ، يشير لي الى معرض للتحف والتماثيل لاشهر معالم الحضارة العالمية، من برج ايفل، وتمثال الحرية واشور وبابل، فلما دلفنا الى داخل المعرض انا والاستاذ اسعد عبد الرزاق، واستطلعنا معروضاته، جلب انتباهي تمثالا للثور المجنح واخر لاسد بابل والزقورة والجنائن المعلقة، فاستغربنا اشد الاستغراب لاهتمام العالم باثارنا وتراثنا وحضارتنا مما جعلني استفسر من المعني عن بيع هذه التماثيل وانا اشير الى تماثيل بلادي بلد الرافدين قائلا له : اتعرف شيئا عن هذه التماثيل ؟ فبادرني بضحكة وقهقهة عالية قائلا :ومن منا لايعرف شيئا عن هذه الرموز الحضارية لبلاد الرافدين ؟يالله، انه ايضا يعرف اسم بلاد الرافدين ! انها كنية بلادي الحضارية، وشرع يشرح لنا وبالتفصيل عن حضارة نينوى وبابل ويذكر لي قصص عن اسوار نينوى المحصنة والجنائن المعلقة وكيف انها تعد اعجوبة من اعاجيب السبعة في العالم، بحيث ادهشني بمعلوماته التي افتقر اليها وانا ابن هذه الحضارة التي علمت العالم على سن القوانين والانظمة، فهززت برأسي ونظرت الى استاذي الكريم اسعد عبد الرزاق وقطعت عهدا على نفسي بانني ساهتم بكل مايعني بحضارة بلادي وثقافتها، واشجع كل ما ينتمي الى هذه الامة العريقة التي اشعت بمعالمها الحضارية وادهشت العالم بتاريخها وحضارتها . وهكذا اوفى الاستاذ المرحوم ابراهيم جلال وعده،فبعد عودته الى العراق شجع النصوص العراقية الشعبية والمستمدة افكارها ومضامينها من حضارة وادي الرافدين ومن الواقع الاجتماعي الشعبي، فكانت مسرحية فوانيس لطه سالم ومن بطولة الفنانه العراقية المسرحية المغتربه وداد سالم زوجة الفنان المخرج المسرحي اديب القليجي، ومسرحية عقدة حمار وهي من تاليف الكاتب المبدع‘ الاستاذ عادل كاظم ومن بطولته والذي شاركه في بطولة هذا العمل الفنان المبدع المرحوم شكري العقيدي، ومسرحية الطوفان من تاليف عادل كاظم وتمثيل نخبة من فناني المسرح العراقي كريم عواد والمرحوم فاروق فياض وفاطمه الربيبعي وصلاح القصب ومريم الفارس، وكذالك مسرحية الدراويش الثلاثه والقضيه وهي من تاليف عادل كاظم وتمثيل المرحوم يعقوب الامين ويعقوب القرغولي---وكثيرة هي النصوص التي اخرجها الفنان الرائد ابراهيم جلال .

وانني هنا اعزائي القراء والمعنيين بالادب المسرحي، اسلط الاضواء وباختصار على الدراما الشعبية في العراق وكيف كانت مابين الارتجال والتاليف،وليس طرحي هذا هو الاول من نوعه، وانما لربما قد سبقني في هذا المضمار زملاء لي، مسلطين الاضواء على مسيرة الدراما العراقية منذ نشأتها وحتى وصولها الى ماهي عليه في عصرنا، والضروف القاسية التي عاشها فنانونا انذاك في العصور الماضية ومجابهتهم لتصديات الانظمة التي حاربوها، وتصدوها بافكارهم وثقافتهم وايمانهم بما يملكون من العقيدة الفكرية خدموا من خلالها شعبنا وجماهيرنا المتطلعة الى الحياة المشرقة والمشرفة .

لذا حينما نستعرض تاريخ الفن في العراق و نقرأ عن اسماء كثيرة من الفنانين اللذين شقوا طريقهم بصعوبة مجهدة وهم يمضون في هذه المسالك الوعرة من المسيرة الفنية، والحياة المريرة، وعلى السنتهم طعم مرارة الحياة والحرمان لابسط الحقوق الانسانية، وهم يعيشون حياتهم بكل قسوة ومذلة، متصدين استخفاف الطبقات البرجوازية من العوائل المترفة

فكان فنانو تلك المرحلة الزمنية من تاريخ العراق وبالرغم من ضعف موقفهم باستثناء من كانوا يمسحون الاكتاف، يعيشون حياتهم الفنية متفانين ومضحين بالغالي من اجل ترسيخ القيم والمفاهيم الفكرية ومحاربة الاعراف والتقاليد البالية

،والطبقية ذات الموازين الغير الاجتماعية الانسانية، ونشر افكار تسودها المحبة والتاخي وحسن العيش، والتطلع الى افاق فيه الشيىء الكثير من امال الحياة التي يحلو فيها العيش ضمن رعاية اجتماعية وحقوق مواطنة تنبذ التقسيمات الطبقية والغير المنصفة لعوائلنا المتعففة من ابناء شعبنا العراقي من كافة اطيافه، وقومياته . لذا كان من واجب الامانة الوطنية ان يبرز من بين المفكرين والمثقفين والسياسيين والفنانين من ابناء هذا الشعب البار، لاخذ زمام امور القيادة وعن طريق النضال السري والعلني، لمحاربة كل المظاهر المدانة والتي لا ترتقي الى المنطق السليم ولا الى النظرة الانسانية من هذه العوائل المترفة البرجوازية للطبقات الفقيرة والمسحوقة و المعدمة الكادحة .

فمن هنا بدأت النتاجات الفكرية والادبية والثقافية والفنية والسياسية، ان تاخذ قرارا باعلانها عن انتقاد واستنكار الانظمة والقوانين لتلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق، ونبذ العادات والتقاليد والاعراف التي وظفتها تلك الطغمة من الطبقات المتعالية البرجوازية من اجل الحفاظ على مكتسباتها الغير القانونية والتي استحوذت على الاموال بالوسائل الا شرعية، كأن تشرع قوانينا مجحفة للحد من العلاقات الاجتماعية الانسانية والمبنية على المحبة والاخاء، ورسم معالم طبقات اجتماعية تسودها المحسوبية والعشائرية من الاقطاعيين والملاكين الغير الشرعيين، والهجرة المعاكسة من الريف والاقضية والنواحي من ابناء طبقتنا الفلاحية الى المدن للبحث عن سبل العيش بعد ان سلبت املاكهم واراضيهم غدرا وغصبا .

وفي هذه المرحلة الظرفية القاسية من حياة العراق وشعبه وكما ذكرنا انفا برزت اسماء كثيرة من المرموقين اجتماعيا وفكريا وسياسيا وفنيا، واللذين استطاعوا ان يحركون الشارع العراقي باتجاه المطالبة بالحرية والمساواة، والتي حركت من خلالها مشاعر واحاسيس الفقراء وايقضتهم من سباتهم العميق، وبهذا عمت التضاهرات الجماهيرية، وملئت شوارع بغداد ولا سيما شارع الرشيد، وبدا دور الفنان السياسي بقيادة هذه الحملات الاحتجاجية والتظاهرات الوطنية، رافعين شعارات للمطالبة برفع الرقابة على النصوص المسرحية، وعن الطباعات الفكرية والثقافية، واعادة تشكيل المجاميع للفرق المسرحية ورفع الضرائب المجحفة عن العروض المسرحية، اضافة الى المطالبة بسقوط حلف بغداد، واخراج المساجين المعتقلين زورا من الفنانين والمفكرين والادباء والشعراء والسياسيين، انما اعطيت وعودا كاذبة، لانهم بعد الافراج عنهم من معتقلاتهم، فرضوا عليهم الاقامة الجبرية في محل سكناهم، وعدم السفر والانتقال مابين المحافظات العراقية .

استمر الرواد من الفنانين وبالرغم من الرقابة الصارمة والتي وضعت على تحركاتهم، وتقييد عروضهم المسرحية برقابة ظالمة مجحفة، استمر هؤلاء الرواد بتاليف كروبات من الفنانين المناهضين لتلك الانظمة الطاغية، وتحت مظلة اسماء كثيرة من الجماعات الدينية والاجتماعية مجتمعين في الجوامع والكنائس والمقاهي الشعبية يحاربون ويناهضون القوانين والانظمة الجائرة ورجالها، بشتى الوسائل المتوفرة بين ايديهم انذاك بالقصائد الشعرية الشعبية، والنوادر الساخرة، والنكات المضحكة بحق بعض الشخصيات المتنفذة والمتطرفة من العوائل البرجوازية المتعالية على ابناء شعبنا من الفقراء، وكذالك برزت في هذه الفترة ظاهرة المنولوجات الساخرة والناقدة، والتي كان اصحابها يحيون حفلاتهم مابين حفلات الاعراس، والمناسبات الدينية والوطنية، والتي غالبا ما كانت تنقلب الى تظاهرات احتجاجية، ورفع شعارات مناهضة لتلك الانظمه المجحفة بحق شعبنا، وكذالك بدأ دور الصحافة يأخذ مساره الطبعي باتجاه واجباتها الوطنية، وهكذا برزت على الساحة الميدانية الوطنية، بتناولها شتى المواضيع والمقالات ذات الصلة بحقوق الشعب، ونشر الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة مما ادت الى غلق البعض منها، وزج رؤساء تحريرها في المعتقلات، باستثناء بعض الابواق الاعلامية، والتي كانت تنحاز الى السلطة الحاكمة انذاك، ومن خلال دعم هذه الاخيرة الى هذه الصحف المأجورة .

بقيت الحركات الفكرية والادبية والفنية والسياسية تاخذ بالتوسع وعن طريق منافذها التي استحسنها شعبنا انذاك، فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت هناك نهضة فكرية وفنية وسياسية، وظهور صحف محلية ساعدت على النهوض بالحركة الادبية والسياسية والفنية، فبرزت جريدة الزمان، وجريدة الاخبار، وغيرها من الصحف المحلية، والتي كانت تنشر المواضيع الفنية والادبية، وتشجع على فتح صالات للعروض السينمائية والمسرحية، وبعض الملاهي الليلية انذاك، والتي كانت تحيي حفلات غنائية مصرية وتركية وفارسية ولبنانية، ووصلات من المنولوجات الضاحكة والنقدية وانقسمت هذه العروض الى عدة اقسام، بحيث كل منها يمول ويدعم من احد اركان المسؤولين المتنفذين في الدولة العراقية، والتي اخذت الصراعات السياسية تتغلب على حياتهم من اجل الاستحواذ على المناصب العالية والكراسي في الحكم . وبهذا انقسم الفنانون والشعراء الى قسمين مناهضين الواحد للاخر، بحيث اصبح القسم الاول، ابواق دعاية للمتنفذين من رجال االسلطة والقسم الاخر هو بجانب الضمير الحي والذي يمثل صوت الشعب من الفنانين الرواد واللذين يحملون افكارا وطنية ومناهضة لتلك الانظمة المبادة، ومن خلال هذه الظروف القاسية، اظطر معظم الفنانين الهجرة الى ايران وتركيا وسوريا لشق طريق حياتهم وممارسة اعمالهم الفنية، واما اللذين جعلوا من انفسهم ابواقا مأجورة للمسؤولين المتنفذين لتلك الانظمة في العراق، فقد انسلخت حياتهم عن الواقع الانساني وانحازت الى تلك الطبقة الحاكمة المتنفذة بغية العيش في بحبوحة من جراء تزلفهم ومرائاتهم وتملقهم وعدم التزاماتهم بعكس الحقائق المأجورة والظلم السائد انذاك بحق المجتمع العراقي وشعبه الابي، ولهذه الاسباب ظهرت الاعمال الرخيصة والمنولوجات الغير المستحقة التقييم سوى انها كانت هزلية بعروضها وتافهة بمضامينها مجرد لاضحاك اصحاب البطون المتخمة، وهكذا اصبح الفن بيد غير امينة، من اصحابي العقول التجارية الرخيصة وعلى حساب مبادىء الحياة الكريمه، حيث اصبح وسيلة لهو واستمتاع بما يعرض امام المترفين من عوائل المسؤولين المتنفذين، من السلطات الحاكمة انذاك، تضفي على اجوائهم وحياتهم الخاصة اجواء البسمة والتمتع واللهو الفارغ، وشاعت اخبار كثيرة عن هذا الدعم الغير المشروع، مما شجع على مجيىء الكثير من الفنانين وخاصة المطربين والمطربات من ايران وتركيا ولبنان وسوريا والوقوف على مسارح الصالات من الملاهي الليلية الرخيصة وكذالك شجعت الاوضاع السا ئدة انذاك على مجيىء بعض الفرق المسرحية المصرية وتقديم عروضها الساخرة الكوميدية لتفتح افاقا جديدة في مسيرة حركة الفن في العراق .

وبعد هذه الفترة المظلمة من تاريخ العراق واجوائه السياسية والفكرية والفنية، بدأت مرحلة جديدة ساعدت على تغيير مجرى الحياة لشعب العراق، -- مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق،-- فتعالت الاصوات الحرة والارادة الشعبية لم تستكين الا باعلان قادة مايس من عام 1941 حينما ساهمت الاذاعة العراقية بالتعبئة الجماهيرية و المنظمات الجماهيرية الحرة والثورية بمظاهرات استنكارية، تظافرت فيها حركة الفنانين العراقيين وكذالك الشعراء والادباء والموسيقيين العراقيين عندما تمخضت اعمالهم عن اناشيد ثورية تعبوية وطنية، فكانت انشودة موطني، ونحن الشباب، ونشيد الفتوة، وفي هذه الفترة بالذات صدحت حنجرة المنولوجست الفنان عزيز علي فتمخضت عن منولوجات غنائية انتقادية ساخرة وتعبوية بنفس الوقت، منها البستان، والشمس طلعت علحرامية، ودنعل ابو الفن،وابو ناجي، وكثيرة هي مما ساعدت على السخرية من الاوضاع السياسية المرحلية التي مرت على العراق انذاك، وكذالك ساهم الشعراء والادباء بقصائدهم، منهم الرصافي، وملا عبود الكرخي، (ويكيبديا ---الموسوعه الحره) .

اعزائي القراء والمعنيين بالادب المسرحي، هنا احب ان اسلط الضوء على الفترة مابين سنة 1907 – 1908 مستعرضا الحركة الفنية عامة والمسرحية خاصة، كانت هناك عروضا مسرحية لا ترتقي الى المستوى المطلوب، او بالاحرى ماهي عروض بالمعنى الصحيح بقدر ماهي فرجة للهو يحضره من اصحابي الترف من الشخصيات التي لا هم لها الا قضاء ساعات من الضحك والطرب في مقاهي اعدت لهذا الغرض، حيث يبدأ منهاجها بالشعر الشعبي الكوميدي الساخر و والمربعات البغدادية الشعبية والمعروفة اذاك، وبعدها يبدأ بفاصل كوميدي يقدمه شخص له من اللباقة الكلامية وموهبة بتقليد الشخصيات وتقليد اصوات الحيوانات، ومن ثم تعليقات تثير نوع من السخرية والضحك والهرج والمرج، منها مهذب ومنها غير مهذب وكذالك تقديم شخصيات كاريكاتيرية يقوم شخص بتمثيلها يثير من خلالها الضحك والاستهزاء، حيث كانت تغص المقاهي الشعبية بهذه العروض، وتتنافس ايضا فيما بينها على تقديم الافضل من الفنون الموسيقية، من قراء المقام العراقي والجالغي البغدادي، ومن اشهر هذه المقاهي هي، قهوة عزاوي، وقهوة السبع، وقهوة السواس، (فنون اللهو والتسليه – لطيف حسن) .

الاخباري والارتجال

من هو الاخباري وماذا نعني بهذه التسمية الغير المالوفة لدينا ؟

الاخباري هو ذالك الشخص الذي يملك اللباقة الكلامية، ولديه حضورا واقتدار على شد انتباه المتفرجين من رواد المقاهي، وبامكانه تكييف جسمه وحركات يديه واصابع كفيه بما يجلب الضحك والسخرية والارتجال من الكلام الذي يثير الضحك ومن غير اتفاق على نص تمثيلي يعد مسبقا لهذا العرض، اي يعتمد على الابتكار الذاتي، ومن اشهر اولئك الفنانين واللذين اشتهروا بتقديم مثل هذه الفواصل الكوميدية رائدها (جعفر لقلق زاده) والذي يقول عنه الاستاذ لطيف حسن في مقال له (ان له الفضل الاول للمساهمة الاساسية في نقل عروض هذا الفن الشعبي من الشارع والساحات العامه، الى حلبات المراقص في المقاهي البغدادية القديمة، وتم تطوير هذا الفن ليقدم من على مسارح الملاهي الليلية)، ، والقسم الاخر لديه الاستعداد على حلق شعر جسمه ولبس الباروكات النسائية وتقليد اصواتها اذا اضطرت ظروف الفرجة الاستعراضية بتقديم شخصية امرأة، وهو يرقص ويتميع بمفاتن خصره، ولهذه الاسباب سمي (بالشعار) اما القسم الاخر والذي يرقص ومرتديا دشداشة طويلة وحزاما يشد خصره وواضعا فوق راسه كبوسا كبيرا ويقرأ المنولوجات الغنائية الساخرة من اجل اضحاك المتفرجين وهو ينقر باصابعه على الايقاع الذي يحمله على جنبه (خصره) ويسمى ب (الدنبكجي) او(القرقوز) وقد اشتهر بتمثيل مثل هذه الشخصيات في الافلام المصرية الفنان المصري المرحوم محمود شكوكو، وقد كانت هذه النماذج في الاعراف والتقاليد الاجتماعية انذاك مثيرة للاشمئزاز، ومن المعيب على اي مواطن ينتمي الى طبقة اجتماعية من المتعالين على المجتمع (البيروقراطين والبرجوازيين) ان يمتهنوا مثل هذه المهنة، لذا كانت تعتبر من المهن المشينة والغير المحترمة انذاك .

ان الملهاة المرتجله والفواصل المضحكه والمشاهد الهزلية وخيال الظل ومسرح الدمى، جميع هذه الانواع من العروض الشعبية كانت غايتها، اضفاء اجواء المرح والمتعة لاغير، ومازلت اتذكر اخي وزميلي الفنان المرحوم المخرج السينمائي برهان الدين جاسم وهويحدثني عن الفنان الكوميدي العراقي المرحوم صفاء محمد علي وعن سيرته الفنية وعن علاقته بهذه المدرسة من الفرجة المسرحية، وقد تبين لي فيما بعد بأن هؤلاء الفنانين، ماكانوا يقدمون الا صفاتهم الحياتية الواقعية وتعليقاتهم الاذعة والساخرة والتي تعكس معاناتهم من قساوة الحياة الاقتصادية عليهم، وظلمها وتأثرهم بما يحيط من حولهم من العادات والتقاليد والتي كانت السبب في انتكاس حياتهم الاجتماعية من فقر وعوز وحرمان، وهذا مالاحظته على اخي وزميلي الفنان المرحوم المخرج السينمائي برهان الدين جاسم والذي اظطر الى بيع داره ليصرفه على انتاج فلمه الروائي الغنائي درب الحب من بطولة الفنان فاروق هلال والفنانه مديحة وجدي والفنان المرحوم خليل الرفاعي، ان هؤلاء الفنانين والمتنوعي المواهب، من امثال المخرج السينمائي برهان الدين جاسم (ابوسمير) كان شاعرا يكتب نصوص اغاني افلامه بنفسه، ويؤلف قصص افلامه بحوارات ودايلوجات كوميدية يشوبها شيئا من السخرية والكوميد، وحياته الخاصة والعامة لا يمكننا فصلهما الواحدة عن الاخرى، لانهما مزدوجتان في ردود افعالهما ونظرتهما الى الحياة، وهذا ماكان يطرحه من خلال افلامه المعروضة مثل فلم انا العراق، واسعد الايام، ودرب الحب، والخ ----- انني ذكرت الفنان المخرج كمثال عاصرته اشبه بأؤلائك القسم من الفنانين الرواد والذين قدموا الغالي والرخيص من اجل مواصلة اعمالهم، وقد تكون لا ترتقي الى مستوى الطموح، الا انها كانت اللبناة الاساسية على طريق ترسيخ الخطوات الاولى، وتطويرها على ضوء المراحل الاحقة من مسيرة الحركة الفنية في العراق .

لقد كان المسرح العراقي في هذه المرحلة من تاريخ العراق يطرح فرجة كوميدية مستمدة افكارها من الحياة الشعبية مجسدا العادات والتقاليد البالية من خلال حكايات كوميدية هزلية وعن طريق شخصيات شعبية من الواقع العراقي تطرح ماعندها من تشخيص السلبيات في المجتمع، فقد ذكر لنا الفنان الراحل الرائد الاستاذ حامد الاطرقجي في حديث له، باتهم كانوا يمثلون في ساحات الدور الكبيرة، مستعينين بشراشف منازل ذويهم واكسسواراتهم ومستلزمات ديكوراتهم، واحتياجاتهم من الكراسي والاثاث البسيط، وأضاف بانه والاستاذ الفنان الرائد حميد المحل كانوا يؤديان ادوارا نسائية، ويجاريه في ذالك الفنان الرائد فخري الزبيدي والفنان الرائد الحاج ناجي الراوي، والذي فيما بعد تشكلت منهم فرقة الزبانية اضافة الى الفنانين المطربين المرحوم ناظم الغزالي والفنان المرحوم المطرب رضا علي، وقد ذكر لي اكثر من مرة بانهم كانوا يقدمون اعمالهم الهزلية الكوميدية ومن دون نص يذكر بقدر مايتعلق الامر بفكرة يتفقون عليها ومن ثم توزع الادوار فيما بينهم ومن ثم يقومون بالابتكار والارتجال لمشاهد كوميدية، لا يعرفون وقتا لنهايتها الا اذا عجزوا عن تكملة مشوارهم التمثيلي، وهذه الفرجة من المشاهد الكوميدية الهزلية ايضا كانت تعرض من على سطوح منازلهم اذا اقتضت الحاجة الى ذالك، وامام حشد من المتفرجين واللذين لهم علاقة قربى وصلات صداقة مع الممثلين، ومن دون ثمن يذكر باستثناء ماكان يتبرع به بعض المشجعين لسد نفقات مصاريفهم، او كانوا يقدمون اعمالهم في جمعيات خيرية تعتمد بتقديم هذه العروض على التبرعات الخيرية والتي كانوا يجمعونها من خلال ماتجود به ايادي بعض الخيرين من العوائل العراقية، او تقدم هذه الاعمال الارتجالية في مناسبات وطنية او مناسبات تخرج الطلبة من صفوف المرحلة المنتهية انذاك .

وقد ذكرت بعض الدراسات والبحوث التوثيقية بأن المسرحيات الشعبية والتي كانت تقدم في تلك المرحلة من تاريخ العراق، ايضا لا ترتقي الى مستوى الطموح، وبعيدة عن مواصفات العروض المتكاملة تاليفا واخراجا طيلة نصف القرن الماضي وحتى فترة تبادل الزيارات مابين الفرق المسرحية المصرية ( فرقة يوسف وهبي، فرقة فاطمه رشدي، فرقة جورج ابيض) وانتقال الفنانين المسرحيين العراقيين من العراق وسفرهم الى مصر والاحتكاك بالفنانين الرواد من المصريين، والعمل ضمن فرقهم المسرحية واكتساب خبرة وتجربة من خلال الاشتراك بعروضهم المسرحية ولا سيما الاستاذ الكبير الفنان الرائد وعميد المسرح العراقي الاستاذ حقي الشبلي والذي سافر الى مصر وعمل مع فرقة فاطمه رشدي مايقارب السنة كاملة، اكتسب من خلالها خبرة وتجربة اغنته بثقافة مسرحية، وبعدها سافر الى فرنسا ودرس فيها اربعة سنوات واكتسب من خلال دراسته ثقافة مسرحية زادته خبرة وتجربة ، وبعد عودته الى بغداد تغيرت مسار الحركة المسرحية العراقية وتطورت، وبدعم من الحكومة العراقية وضمن تلك المرحلة من تاريخ العراق استطاع الاستاذ حقي الشبلي ان يفتتح قسما للفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة، بعد ان كان مقتصرا على الفنون الموسيقية، وضم فيه من خيرة طلابه في الدفعة الاولى من الفنانين الرواد، واستطيع القول بأن الدراما المسرحية الشعبية العراقية انذاك قد تطورت واخذت مكانتها الحقيقية بعد مجيىء الاستاذ الكبير حقي الشبلي، وبعد تخرج الدفعة الاولى من اساتذتنا الرواد من امثال المرحوم الرائد جعفر السعدي وابراهيم جلال رحمه الله برحمته وسامي عبد الحميد امد الله في عمره، واخرون من اساتذتنا الكرام وزادها تالقا ونجاحا ظهور وجبة من الكتاب الموهوبين والمثقفين واللذين تتلمذوا على ايادي اساتذتنا من رواد الحركة المسرحية في العراق، يتقدمهم في ذالك الاستاذ الرائد والمتالق يوسف العاني، والاستاذطه سالم، والاستاذ الكبير عادل كاظم، واللذين اغنوا الساحة المسرحية العراقية بنصوص استمدوا افكارها ومضامينها من واقع المجتمع العراقي ومن تاريخ الحضارة العراقية ولا سيما بعد مجيىء الاستاذ المرحوم قاسم محمد، والذي اغنى المسرح العراقي بنكهة جميلة بتعريقه لبعض النصوص العالمية، ومسرحة بعض الروايات لكتاب عراقيين من امثال الروائي الكبير غائب طعمه فرمان في مسرحية النخلة والجيران والتي قلبت الموازين للعروض المسرحية الشعبية، واثبتت حضورا اكاديميا للمسرحيات الشعبية في السبعينيات .

وهكذا ودعت الدراما الارتجالية فترتها في العراق، واسدال الستار عن تاريخها، وبدء صفحة ناصعة من العروض المسرحية الشعبية، من خلال نصوص متكاملة من الافكار التقدمية، ومن توفر عناصر فن كتابة الدراما من الحبكة والبناء الدرامي، ورسم معالم شخوصها والتي تتحرك وفق صراع محبوك يتجه الى العقدة والذروة والحل، جسد عروضها الناجحة اساتذتنا من رواد المسرح العراقي، واعادوا الحياة والديمومة المسرحية بتجارب خارقة مبدعة تكللتها نجاحات عروضها من على مسارح بغداد والوطن العربي .

 

جوزيف الفارس

 

كريم عبد اللهالأنثى التي استطاعت أن تقودَ (كزار حنتوش)* كـ خروفٍ ضال نحو ربيعها ... حتماً سـ تخلّي المتلقي يرعى في بساتينِ عالمها الشعري المسكون بالسحر .

رحلة على ضفاف (شغب أنثوي) للشاعرة السومريّة / رسميّة محيبس .

(الشغب: هو شكل من أشكال الاضطرابات المدنية التي تتسم بها الجماعات غير المنظمة المنتقدة للسلطة في سلسلة متلاحقة ومفاجئة ومكثفة بعنف ضد الأشخاص أو الممتلكات. وغالبا ما تحدث أعمال الشغب كرد فعل على الضيم. وعلى مدى التاريخ، تحدث أعمال الشغب نتيجة لضعف العمل أو ظروف المعيشة، وبسبب قمع الحكومة، وفرضها الضرائب أو التجنيد، أو نتيجة لصراعات بين الأعراق والأديان) . هل هي عملية مشاغبة من الشاعرة لتحريك الواقع المسكون باللامبالاة من حولها وعدم الاستماع الى هذا الصوت الانثوي المتدفق شعراً، وهل هي عملية مغامرة لغوية وتفتيت الصفاة المحنّطة في الشعر وسعيها الى ان يفهمها المجتمع ويستمع الى صوتها الانثوي . ؟! .فهي لا تريد من بوحها الشعري الوضوح والسطحية والبساطة، انما تبغي قوة المفردة ونضجها المخيالي والجمالي وانزياحاتها المدهشة وتكثيفها الى حدّ الايجاز .

حينما يصدمنا الخراب والحروب والدمار والصمت ويعمّ الموت في الطرقات، سينبري الشاعر الحقيقي رافعا صوته في محاولة منه لطرد الظلام والقبح والغربة ليرمم ما يمكن ترميمه وزرع الجمال وتغطية سوءة هذا العالم المتوحّش، سيرفع صوته عاليا مشحونا بالشكوى والكآبة والعذاب والألم . سيصوّر لنا قبح هذا العالم يهزّ وجداننا ويمنحنا بعض الامل الجميل وان نقف معا بوجه الطوفان قبل ان يلتهمنا جميعا . الشاعر حينذاك سيملأ وجداننا بأشياء جديدة ويأخنا معه نستشكف عوالمه الداخلية لعلّنا نستريح من كل هذا الضجيج والارتفاع بنا والعودة الى انسانيتنا التي سرقها اللصوص نتيجة الحروب والدمار، وان يعبّر عن محنة جيل وأمة بلغة سامية مهذّبة عذبة تشعرنا بلطافتها ونداها أو بلغة قاموسيّة تتخلّى عن أناقتها وتلبس ثياب الواقع، ألفاظ كئيبة تتزيّن بالمرارة والحرمان .

يقول فيكتور هيجو: ان الكلمة كائن حيّ وهي أقوى ممن يستخدمها وانها هي التي خرجت من الظلام تخلق المعنى الذي تشاؤه، انها هي ما ينتظره منها الفكر والرؤية والعاطفة في الخارج وأكثر منه ايضا، هي اللون والليل والفرح والحلم والمرارة والمحيط والانهاية، انها كلمة الربّ)، بينما الشاعر هو شجرة مثمرة بالعطاء وبامكانه ان يثبت مقدرته الادبية كلّما كان قريبا من اللغة يحنو عليها ويجيد تشكيلها ورسمها والنفخ في رمادها وتأجيج نيرانها واشراقاتها ويضفي عليها الروح السحرية ويعيد تفكيكها ويفجّر طاقاتها ويمنحها طاقة ايحاء مرمّزة تنساب من خلالها موسيقى تتغلغل الى اعماق الروح وتنتشلها من خدرها اليوميّ وترتفع بينا الى سماوات بعيدة عالية بسطوة الخيال المنتج وغموشها المحبب . ان دراسة اي منجز شعري لابدّ من قراءة لغته ومن خلال دراسة قاموسه المفرداتي اختياره المفردة وتكرارها سيفتح لنا ابواب عالمه الشعري ونتمكن من الولوج الى فردوسه والاستمتاع في غنائمه ويتحقق حينذاك اللقاء المرجو ما بين الشاعر والمتلقي . والمتتبع للشاعرة السومريّة رسميّة محيبس في منجزها (شغب أنثوي) ومن خلال عملية الاستقراء لهذه الديوان سنجده يغطّي مساحات واسعة ما بين الحرب وحضورها البشع والمستمر وما بين شغب الشاعرة وتمرّدها على اللغة العادية الهادئة واعادة صياغتها لتأتي لنا بلغة جديدة تجيدها الشاعرة وايجاد قصيدة تحمل بصمتها دون الاخرين، كل هذا والوطن الجريح يتمرّغ بدمه المسفوك في قلبها حينما يتنازعه الحنين العميق والانتظار . لقد كان شغب رسميّة يحتوي على (24) قصيدة او اغنية سومرية ساخنة حزينة عمّدتها مياه نهر الغراف الخضراء بعدما طعنته الحراب وجعلت من طينه الحرّي رمادا تذره الشاعرة بوجه هذا العالم المسكون بالرعب . (وقاموسي يضجّ بالثورات والبراكين وعناوين القمح) هكذا تتحدث (بنت محيبس) كما يحلو لزوجها الراحل الشاعر كزار حنتوش ان يناديها هياما بها وشغفا وجنونا سومريّا ../ نستيقظ على حين غفلة من هذا الليل الطويل / وننام والاحلام قنابل موقوتة / كل فقرة في هذا الديوان عبارة عن قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار في اي لحظة او تنفجر حالما يلاقيها المتلقي المبدع لتفجّر عنده مشاعر الحزن والجمال / الموت البطيء والاصرار على الحياة / الخراب والجمال / الضياع والغربة والعودة الى احضان الوطن رغم الجراحات الكثيرة . بالعودة الى قصائد شغب الشاعرة رسميّة محيبس ومن خلال عملية حسابية بسيطة سنجد (16) قصيدة تتحدث عن القصيدة ولغتها وسحرها الساكن بين حنايا روحها الشغوفة بالابداع والتميّز بينما توزّعت الحرب في (12) قصيدة وكان للحنين عدد مساوي للحرب في هذا الديوان .

رسمية محيبس/ دموعنا أجمل القصائد عند نقاد لا يتقنون قراءة الغد / عتاب ممزوج بالاعتداد بالنفس وسطوة الكلمة عند الشاعرة على النقاد حين يتجاهلون عمدا او بغير عمد الى عدم الاستماع الى دموع القصائد المتصببة من محاجر لغتها كونهم لا يجيدون قراءة خارطة الابداع الحقيقي وعدم الالتفات الى ما سيخلّده التاريخ من ابداع شعري رصين . ./ لمْ أك ممن قطعن ايديهن بحضرة يوسف / ولهذا ألقي بي في السجن / وسأمكث فيه زمنا / عتاب أليم وصرخة بوجه الناقد الذي تغريه مفاتن الجسد والدولارات (عند البعض) فيكتب عمّن لا تستحق الكتابة وتمجيدها وتغليب هذاءاتها السمجة على القصائد الحقيقية والابداع الجميل، لهذا هي تشعر بان هذا الناقد ألقى بها في غيابات الظلام ولم يمنحها حقّها الطبيعي وانصاف كتاباتها، لكننها تتدارك فلعل الغد يحمل هذا الناقد ان يلتفت الى تجربتها وينصفها .. / حرتُ فيك أيتها القصيدة / هكذا يكون قلق الشاعرة عند كتابة القصيدة، تتنازعها الحيرة والشكّ والقلق لئلا تخرج عارية تخلو من مكامن الابداع والجمال ../ كل يوم تخرجين عليّ بثوب جديد / هذا هو الابداع الحقيقي ان تكون القصائد ليست نمطية انما تتجدد كل يوم ../ قصيدتي ليست عارية / أشجار كثيرة تغتسل بدموع قصائدي / تأتي كموجة عارمة / وتنصرف / وانا غارقة في رحيقها / القصيدة عند الشاعرة تأتي مكتنزة ومضغوطة بالايحاء والرمزية / قاطعة حبال وصلها معي / ناسفة كل الجسور / صرخة مدوّية في زحمة هذا الضجيج المدعو ظلما وعدوانا (قصيدة نثر) ../ وأرتب لها سفرا لسماء بعيدة / هكذا تريدها تعانق السماء وترتفع عن ادعياء الشعر / ما تبثّه من أعاني صافية / أغنيات نابعة من القلب النقيّ الصادق لتدخل دون عنوة الى قلب المتلقي (المبدع) لا يشوبها الترهّل ولا ينتابها الضعف والركاكة / جمهورها العشّاق والتنابلة واللصوص / الى كل طبقات الشعب يتلاقفونها ويرددونها / وبكاء جندي محاصر / وعكّاز شيخ لم يرثه أحد .. انها تتوعد الكلمات وتنذرها بمقدرتها على تطويعها وتسخيرها بمشيئتها ومقدرتها الابداعية / حسنا سوف الوي عنقك ايتها الكلمات / الثقة بالنفس لم تأتي من فراغ، فارتكازها على موروثها الشعري والثقافي والاجتماعي مكّنها من هذه المقدرة بعيدا عن سطوة (كزار حنتوش) فهي شاعرة تشهق الشعر وتكتبه بحرفية عالية نتيجة الموهبة والدربة، انها تهرب وتبتعد عن المجالس التي يكثر فيها الهراء والمجاملات البغيضة ومضغ الكلام / وأعرض عن المتنزهات المزدحمة بالفارغين / الذين لا يجيدون سوى مضغ الكلام / تنأى بنفسها عن المهرجانات التي لا تحترم الابداع والمبدعين لانها لا تقدّم لتجربتها الشعرية شيئا لانهم ولانهنّ / يشتمنني بذكرة زائفة / ويشتمونني بانوثة زائفة / وما بين الاستعاراتين / أحسّ بنخلة الروح / تساقط رطبا جنيا ../ هذا ما جعل الشاعرة تنزوي في عالمها بعيدا عن الاضواء والضجيج لانها نخلة سومرية شامخة مهمتها العطاء والابداع ليس الا، انها تتوعد القصيدة اذا كانت لغتها كثّة وغير مشذّبة ولا تليق بها كشاعرة / سأقلّم اضافرك أيتها القصيدة / أقصّ شعرك الكثّ وحواجبك الغليضة / هذه هي مهمة الشاعر الحقيقي ان يعيد صياغة قصيدته ويلبسها اجمل لغته لان ولادتها يعتبر يوما من الاعياد، فلا تستهين مع القصيدة ولا تداهن على حساب التميّز والابداع تحذف ما يجب حذفه وتضيف اليها ما يجعلها قطعة متوهّجة مدهشة، عن طريق اصابعها الرشيقة ترسم لوحاتها زاهية حاسرة ../ في اصابعي تسقط النجوم / وفي شراييني تتجول القصيدة حاسرة / عشق دائم للقصيدة واخلاص لها وفاء، دائما الشاعرة تبحث عن القصيدة والقصيدة تبحث عنها / أنا لا أخاف الظلام كثيرا / فهو يجعلني أكثر اشراقا / مضيئة مثل فكرة جامحة / لابدّ ان تكون الفكرة في القصيدة واضحة الملامح حتى تولد القصيدة التي سيستمر سحرها وبريقها لتكون حروفها بيضاء وبعيدة عن انصاف الحلول وتمشّط شعر البلاد، / سيصدر كتابي القادم / في جعبة الشاعرة الكثير من الشعر والعطاء والبذخ والجمال، / يقام حفل فور صدور الكتاب / يحضره جميع اطفال القرى المجاورة / توزّع عليهم أمي قطعا من خبز الشعير / وحليبا طازجا من بقرتها الحلوب / هكذا هو الشاعر يعيش الفقر والمعانات واحلامه بسيطة على مقاسات اوجاعه، انها تهدي قصائدها الى براءة الاطفال لانهم وحدهم يستحقونها بعدما تخلّى (الناقد) عن الاستماع الى تراتيلها السومريّة، احتفال بسيط جدا لكنه مفعم بالحياة والنقاء، جمهورها اطفال القرى المجاورة الذين حرمتهم الحياة من ابسط حقوقهم وسحقتهم وسحقت احلامهم . حفل بهيّ توزع فيه قطعا وليس اقراصا للشعير وليس الحنطة، انه الفقر المادي والقحط في بلاد تغرق بالنفط والدم، وتنتهي الحفلو بحليب طازج من بقرة أم الشاعرة حيث الروح النقيّة من بقرتها الحلوب . أما الحرب فكانت ترافقها منذ في كل مكان وتحاصرها في كل زمن / حتى الازهار في حديقة البيت / جفّت هي الاخرى / مختنقة بالبارود وأنفاس الغرباء /، لقد ورولدت الشاعرة في زمن الحروب الحرب والخيبات والمهاترات السياسية الرعناء ولدت في ارض تعشقها الحروب / ولدت على بقعة ساخنة من الجنوب يقال بها أور / ومنذ الولادة وأنا أركض في سوح معارك خاسرة / أعود وليس معي غير أشلاء ابي وأخوتي / .. حروب مستمرة طاحنة تلتهم الجميع ولا تشبع حيث الاباء والابناء ينامون سوية خلف السواتر والمتاريس في اثناء الحرب وبعدها يتوسّدون تراب المقابر (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) أي مأساة يعيشها هذا الشعب، فكيف اذا ستكون قصائد الشاعرة ../ نسير بلا علامات نهتدي بها / ليس لنا سوى / نيران صديقة تمشّط أعمارنا في شوارع الوطن / حتى الاصدقاء كانت لهم حصة في القتل والمشاركة في هذه الحروب على حساب هذا الشعب، لم تورّث الحرب شاعرتنا سوى سوى الفتنة والطعنات والغواية ../ غداً يا شقيقتي الحرب / حين أكبر / وأبحث عن عطرك في بدلتي العسكرية / سأحدّث أولادي كم كنت نهمة وقاسية /، حتى حكاياتنا حكايات عن الحرب والموت والفقد والضياع، هذا ارثنا للاجيال القادمة، الحزن مخيّم بقسوة على روح الشاعرة، فهي على يقين بان هناك احزانا جديدة قادمة ../ لكثرة الحروب التي شنّها الفارغون / على قلبي المزدحم بالحبّ / رغم المآسي سيبقى قلبها ينبض بالحب والحياة، انه الاصرار على البقاء والامل، / شكرا لك ايتها الحرب / فقد تعلمت أن أكتب على ضوئك قصائدي / فعلى اضواء القذائف واصوات المدافع تكتب الشاعرة قصائدها مملّحة بحرائقها وغطرستها، انها تعتاش على ما تأتي به الحرب من رصاص وبنادق وشظايا ورماد وخيبة / لا تخشي عليّ يا أمي / فأنا بين ضرّتكِ الحرب / تغذّيني رصاصا وقنابل موقوتة / كم هي حنونة هذه الحرب تشبه ام الشاعرة لكنها تأكل أبناءها عندما تجوع، لا عزاء لها سوى مخاطبة الطبيعة لانها تشبه روحها نقيّة متسامحة ../ لا عزاء لي يا شقيقي النهر / دمي توزّع في الحروب حتى آخر قطرة / الحروب مستمرة وتشرب دماء ابناءها لا هوادة بينها وبين السلام منتصرة دائما، حتى غناءنا صار نشيجيا مستمرا ألحانها الحروب وموسيقاها تسوّد ذاكرتنا ../ سننتظر فقد اصبحت المدافع نغمتنا الوحيدة / منذ الطفولة ونحن نستمع الى اصوات الرصاص في مدارسنا الابتدائية استعدادا لشنّ الحرب وتجّيش الشعب وعكسرته، فالجميع يهتف للقائد الضرورة (يا محلى النصر بعون الله) ../ وليس لي ولأولادي سوى التشرّد والموت والخراب / وإنّ رقابنا منذورة مذ ألف عام للذبح / بسيوف الطغاة والمتسلّطين على رقابنا . اما حنين الشاعرة وذكرياتها عن الحبيب والمعشوق الازليّ فجاءت تخلل الحرب والقصائد ../ كانت أول رؤيتي لك / كنت غريبا ممزّق الثياب / كانت آثار الطعنات على كتفيك / لم تكن شيطانا ولكنك مطرود من الجنّة / هكذا كان اللقاء الاول مع الشاعر المرحوم والمشاكس (كزار حنتوش) حبيبها وزوجها الابدي، كانت تعرف بحكنتها السومرية بان اعماقه تفيض ينابيعا صافية رقراقة عذبة، كان يعيش وحيدا متسكّعا مشرّدا ما بين المدن والقصائد، لكن فر قرارة نفسه كان يبحث عن مأوى وامرأة تجيد ترويضه واطفالا، لم تسأله عن هويته ومن يكون لانها استشعرت بدمعتين تترقرقان على خديه هما دجلة والفرات، انه سومريّ آخر طرد من الجنة بفضل السلطة الاستبدادية والظلم والحرمان، عراقيّ أصيل يحمل بين حناياه هموم دجلة والفرات، شاعر آخر ومن جيل آخر نبذته الحروب . ./ يدّثرني الليل بملاءة من حرير / والذكريات تمدّ لي فراشا من حجر / لا تفارقها الذكريات عن قريتها ومدينتها الفاضلة التي شيّدتها داخل روحها / انها تمدّني بوجوه غابت / وبأحلام / أكثر غزارة من أحلام هاملت / حنين عميق وذكريات تراودها دوما فتشعر بالوحدة والغربة بعد رحيل الاحبة ../ بغيابك صار البحر أصغر دمعة / أخشى أن أغرق في شربة ماء / بغيابك صارت الاشجار طويلة / لا تتقن الرقص ولا ينتابها جنون العواصف / هكذا اصبحت الايام بعد الرحيل مملة كئيبة طويلة عاطلة لا مسرّات تطرق الابواب ولا أفراح تغزو نفسها الشاعرة بالحرمان، عادت امرأة اخرى ضاعت ملامحها وتغشّاها الحداد ../ شممت عطر امرأة أخرى / ودموعا عالقة بالعشب وأغصانا تتمايل تحت لظى لحن مشبوب / متعبة كنت / لم يعد يغريها شيء الاّ العودة الى الطفولة وبراءتها والانغماس فيها / تمنحني أن ارحل عبرها / الى سماء عابقة برائحة الطفولة / ارض الدهشة الاولى والضحكة البكر / العودة الى الطبيعة تلك الصديقة القديمة والتي لم تتخلّى عن الشاعرة رغم قسوة الحياة ../ روحي المذابة بكأس الغرّاف / التماهي مع الطبيعة، ووسط كل هذا الخراب يبقى الوطن حاضرا وبقوّة في حياة الشاعرة وعشقها المتجدد بعد فراق الاحبة ../ لا تركيا ولا دبي / لا باريس ولا روما / كل عواصم الكون تبدو غريبة / على قلب أدمن أمواج حنينك الآسر / الاعتزاز بالانتماء الى هذه الارض وهذا الوطن وهذا الشعب / كل عام وأنت اللوح الذي نكتب عليه نصوصنا / فيترجمها الى كل اللغات / أيّها السعيد بنا / نحن أبناءك التعساء / ..رغم كل ما حلّ بنا من خراب وانكسارات وضياع تبقى انت ايها الوطن لنا الملاذ الآمن والسعيد .

 

بقلم : الشاعر / كريم عبدالله

 

 

عبد الرضا عليأغنيةُ أمِّ كلثوم (من أجلِ عينيك) التي كتبَ كلماتِها عبد الله الفيصل (1922 ـ 2007)، ولحّنها الموسيقار رياض السنباطي (1906 ـ 1981) وأُنتجت في العام 1971 لم تكن قصيدةً واحدةً ، إنّما كانت تجميعاً لقصائدَ عديدةٍ اختلفتْ أوزانُها، وتنوَّعت قوافيها، فقد ابتدأتْ بأربعةِ أبياتٍ من إيقاعِ السريعِ ذي الوزن:

مُـسْتَفْعِلُن مُـسْتَفْعِلُن فـاعِلُنْ

من أجل عينيك عشقتُ الهوى

بعدَ زمانٍ كنـتُ فيـهِ الخليّ

*

وأصبحت عيـنيَّ بعـدَ الكرى

تقـولُ للتـسهـيدِ: لا ترحلِ

*

يا فاتـناً لـولاهُ مـا هزَّنـي

وجدٌ ولا طعمُ الهوى طابَ لي

*

هـذا فؤادي فـامتـلِكْ أمـرَهُ

مُسـتفعٍلُن مُسـتَفعِلُن فـاعِلُن

واظلـمْهُ إنْ أحبَـبْتَ أو فاعدلِ

مُسـتفعٍلُن مُسـتَفعِلُن فـاعِلُن

وأُردِفَتْ بـ رباعيَّـتين من مجزوء الرمل الصحيح:

فـاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ   فـاعِلاتُنْ فـاعِلاتُنْ

وهذا المجزوء كثيراً ما يردُ مدوَّراً، مع مراعاةِ أنَّ زحافَ الخبن يدخلُ في جميعِ أجزائهِ ( حشواً، وعروضاً، وضرباً) فكان مقطُها الثاني:

من بريقِ الوجدِ في عينيكَ أشعلتَ حنينـي

وعلى دربِكَ أنَّـى رُحْتَ أرسلتُ عـيوني

*

الرؤى حوليَ غامتْ بين شكِّي و يقينـي

والمنى ترقصُ في قلبي على لحنِ شجوني

*

أستشفُّ الوجدَ في صوتِكَ آهاتٍ دفـيـنةْ

فـاعِلاتُن فاعِلاتُن   فَـعِلاتُن فـاعِلاتُن

يتـوارى بينَ أنفاسِـكَ كي لا أسـتبيـنَهْ

فَـعِلاتُن فـاعِلاتُن   فَـعِلاتُن فـاعِلاتُن

لستُ أدري أهوَ الحبُّ الذي خِفتَ شجونَـهْ

فـاعِلاتُن فَـعِلاتُن فـاعِلاتُن فَـعِلاتُن

أم تخوَّفتَ مـن اللّومِ فآثرتَ السـكـيـنةْ

فـاعِلاتُن فَـعِلاتُن   فَـعِلاتُن فـاعِلاتُن

لكنَّ الأغنيةَ عادت في المقطعِ الثالثِ إلى إيقاعِ السريع، فاستخدمت منه أربعةَ أبياتٍ أيضاً، فأعادت لأُذنِ السامع نغمَ اللحنِ الأساسي الذي ابتدأتْ به الأغنيةُ:

ملأتَ لي دربَ الهوى بهجـةً

كالنورِ فـي وجنةِ صُّبحِ نّـديّ

*

وكنتَ إنْ أحسستَ بـي شِقوةً

تبكي كطفلٍ خـائفٍ مُجْـهَـدِ

*

وبعد مـا أغويتَـني لم أجـدْ

مَـفاعِلُنْ مُسـْتَفْعِلُنْ فـاعِلُنْ

ألا سَـراباً عـالقاً فـي يـدي

مُسـْتَفْعِلُنْ مُسـْتَفْعِلُنْ فـاعِلُنْ

لم أجـنِ منهُ غيرَ طيفٍ سرى

مُسـْتَفْعِلُنْ مُسـْتَفْعِلُنْ فـاعِلُنْ

وغاب عن عيـني ولـم أَهتَـدِ

مَـفاعِلُنْ مُسـْتَفْعِلُنْ فـاعِلُنْ

أمَّا في المقطعِ الرابعِ، فقد انتقلَ الإيقاعُ في الأغنيةِ إلى الخفيف الصحيح:

فـاعِلاتُنْ مـفاعِلُنْ فـاعِلاتُنْ

(مع وجوب مراعاةِ دخولِ زحافِ الخبنِ على جميعِ أجزائهِ حشواً وعروضاً وضرباً) فاستخدمتْ منه أربعةَ أبياتٍ أيضاً:

كم تضاحكتَ عندما كنتُ أبـكي

وتمنـيتَ أنْ يطـولَ عذابــي

*

كم حَسِـبتَ الأيامَ غيـرَ غَوالٍ

وهيَ عُمري وصبوتي وشبابـي

*

كم ظننـتَ الأنينَ بينَ ضلوعـي

رجعَ لـحنٍ من الأغانـي العِذابِ

*

وأنا أحـتـسي مدامـعَ قلبــي

فَـعِلاتُنْ مَـفاعِلُنْ فَـعِلاتُـنْ

حين لم تلْـقَني لتسألَ ما بــي

فَـاعِلاتُنْ مَـفاعِلُنْ فَـعِلاتُـنْ

لكنَّ الأُغنية في مقطعِها الخامس عادت فاستخدمت بيتينِ اثنين من إيقاعِ مجزوءِ الرمل الصحيح الذي ألمعنا إليهِ في المقطعِ الثاني، وبهذا الإيقاع المكتنز بالطرب الذي يُثيرُ النشوةَ في السامعِ تمَّ اختتامُ الأغنية:

لا تقُلْ أين لياليـنا وقـد كانتْ عِذابا

فاعِلاتُن فَعِلاتُن   فاعِلاتُن فاعِلاتُن

لا تسلْني عن أمانينا وقد كانتْ سرابا

فاعِلاتُن فاعِلاتُن   فاعِلاتُن فاعِلاتُن

إنَّني أسدلتُ فوقَ الأمسِ سِتراً وحِجابا

فاعِلاتُن فاعِلاتُن   فـاعِلاتُن فَـعِلاتُن

فتَحمَّلْ مُرَّ هجرانِكَ واستبـقِ العِتابـا

فَعِلاتُن فاعِلاتُن     فَعِلاتُن فاعِلاتُن

***

 

ا. د. عبد الرضـــا عليّ

........................

وهذا رابطُ الأغنيةِ للراغبينَ في متابعتِها:

https://www.youtube.com/watch?v=Z3LgScXda7g

جمعة عبد اللهقصائد نثرية، تملك البعد السردي بتعابيرها الدالة، في الايحاء والمقصد والمغزى. في جمالية سردية / حوارية . في منطلقاتها المتنوعة، في الصياغة والتركيب، في منصات النص المفتوح . على مجالات متنوعة، بما فيها الابداع في استلهام الشكل التعبيري، في سيمائية البوليفونية (تعدد الاصوات) وخلق منها مساحات ضوئية متعددة ومتنوعة ، لكشف مرارات الواقع، بكل اهواله وويلاته ونوائبه الظاهرة والبارزة، في بثور جراحها النازفة . على مشرحة الواقع، الذي يئن من آهات مرارات الواقع، وهي محاولة في اقتحام التعبير (البوليفونية) في السردي التعبيري، في الكشف والاستنباط، مخالب الواقع الظاهرة وغير الظاهرة . والتعبير عنها في اشكال متنوعة في التوظيف الابداعي . المتنوع في التناص والاستقراء والتوظيف، في مشاعرها المرهفة والجياشة، بما فيها استخدام ذائقة وبراعة، موجودات التراث والموروثات الشعبية، والمفردات الدارجة والامثال الشعبية، برؤية فكرية مدركة تماماً واقع الحال، بما يجول وما يدور في الواقع المحسوس والملموس، وما ينتج منه من المعاناة والهموم، تتجسد في انواعها المختلفة. من بداية حرب كارثة حرب الخليج، الى الواقع الحاضر المتأزم والمأزوم، في نوائبه ومصائبه، من حرائقه ودخانه الذي يسمم ويلوث السماء والارض. في مواصلة حريق الملحمة التراجيدية، من صهيل الحصون الغازية، في الهمرات الامريكية، واستخدام اسلحة الدمار الشامل، بقيادة هولاكو الجديد (شوارسكوف / القائد العام للقوات الامريكية في حرب الخليج ضد العراق) . الذي كشف عن انيابه التي تقطر بدماء الابرياء، في محرقة الحرب المدمرة، التي يكشف عن وجه (كابوي) المتغطرس في وحشيته، تجاه الدمار والانتقام العدواني، بالحقد الاعمى في وحشيته الصلفة، بأنه خلق الدمار والخراب في تحطيم العراق، بجريرة الدكتاتور الارعن والاهوج . جالس على العرش وتحته تتكوم الجماجم من الدماء. أن الزحف المغولي الجديد، التي قصم ظهر العراق، بأنه اصبح غنيمة على مائدة الذئاب المتعطشة للدماء الى حد الثمالة الجنونية . هذه هي المقاصد التعبيرية للقصائد النثرية السردية . رسمت اللوحات السوداء من فواجع واهوال الحرب الخليجية المدمرة . ترسم مرارات زمن الفجيعة والتشظي الحالي . زمن سقوط ورق التوت ، زمن الطغاة الجدد ، الذين لا يختلفون عن سلفهم، في شهية تدمير العراق وتقطيع اوصاله قيد أنملة، وجعل سماءه ملبدة بالسحب السوداء، والعراقي المظلوم والمسحوق والمعدوم بالعثرات، يئن بنواح أغنية (ألوجن يمه يا يا يمه) . قصائد نثرية تعبر عن تداعيات سقوط الوطن في احضان (الكابوي الامريكي) واذيالهم الخسيسة التي فقدت الرحمة والانسانية ، لاتعرف إلا لغة الحواسم والسحت الحرام . فمثلما كان سلفهم الدكتاتور، يغني على ليلاه، في هزائم غزو الكويت، التي اصبحت جحيماً على العراق، يطبل ويرقص على هذه الهزائم الفادحة، ليحولها الى الانتصارات تحت رايته التي دفنت بعار الهزيمة الشنعاء . كما هو الواقع اليوم، يعرف بشريعة الفرهدة والفرهود بغنائم العراق. هذا الواقع في مرآته الفعلية، الذي يحمل فيسفسائية غرائبية وسريالية، في اشكالها المتعددة والمتنوعة، لذا فأن النصوص السردية، تحمل طابع تداخل الاصوات في اشكال (البوليفونية / تعدد الاصوات) والشاعر له خبرة ابداعية متمكنة في هذا المجال الابداعي . الذي يركز على تعدد الاصوات، من اجل ان يعطي قيمة جمالية للفعل الدرامي، في السرد والحوار . الذي يستمد منصاته من مناخات الشارع، وحكايات الناس المؤثرة في طعم الشقاء والمعاناة، يقتنصها في اسلوبية متميزة، في القصد والايحاء والرمز . اي ان الشاعر، يحاول ان يخرج من ذاتية الصوت الاحادي . الى الذاتية الجمعية، التي تحمل اصوات متنوعة ومتعددة، يصوغها في خطابه الشعري، في سخونة الالم والوجع والحرمان . في هموم الفواجع التي اصابت العراق في منحره الجسيم .

الدكتاتور المهزوم: (لغة المرآيات بالنص الفسيفسائي):

لعبة الدكتاتور المهزوم، ليلعق دماء الشعب في ثرثراته المنهزمة والمتهرئة، التي يحولها الى انتصارات والنياشين لام الهزائم، وجنوده يتجرعون مرة الهزيمة في رعب بالموت والدمار، الذي ظل يلاحقهم وهم يجرون اذيال الهزيمة داخل الحدود العراقية، في حرب الخليج المدمرة . مشاهد تصويرية في انسحابهم المدمر من الغزو الكويت، في ملحمة الدمار والانهزام، والدكتاتور يغني على مهزلة انتصارته، رغم رائحة الموت والخراب تغطي برائحتها سماء العراق، رغم الدماء والجراح، التي لم تكف في نزيفها المتلاحق، هذه مهزلة وسخرية الدكتاتور في تمسك بافكاره التي تجلب الموت والويلات على جنوده وضباطه بعد أن انهكتهم الجراحات المتلاحقة، يراهن على هزيمته الجنود الذين تمسكوا بافكاره المتهرئة سنوات طويلة، قرروا تركه في ساعة نحس ك ملابسهم (الخاكية) و(بساطيلهم) السوداء والحمراء خلف الحدود وعبروا فوق جسراً آيل للسقوط الى ضفة الجحيم . ينتظرون البشارة تأتي من البعيد، النياشين المعدة للمنتصرين تغطي بريقها نحاسها غبار المعركة الاخيرة، لا الشمس يتشاغلها عن ثرثرته العجفاء ازاحت من ذهنه طحالب عشعشت فيها الاكاذيب)

2 - (السختجية):

عراق اليوم وضع على مشرحة هذه الحفنة الضالة في جراثيمها بالحقد والطائفية، تكشف عن انيابها عن حماقة الطيش الارعن في تمزيق اللحمة الوطنية، وتقطيعها الى اوصال ممزقة بالكراهية والحقد الاعمى، لتسهيل قطعها الى حصص وغنائم تذهب الى جيوب (السختجية). في وطن يتجرع مر العذاب . في وطن تتحول آهات المسحوقين والمحرومين، الى عملة رابحة، يتاجرون بها، لتدر عليهم الذهب والدولار، وللمعدمين المهشمين والمحرومين الدموع والاحزان، أنهم (سختجية) قلباً وقالباً في احلامهم المريضة في سمسرة العهر والمتاجرة (على الطاولة الفتنة جثة الديرة يشرحها (السختجية) بمخالب الحقد أنانيتها الحمقاء قضمت ربوع المسرات في شرفاتها يتباهون قسمتها تلهث اطماعهم تغوص طاغية تكتنز الغنائم بلهاء اجهزت الاحقاد تستورد الكراهية تشتم حنجرتها المتشنجة مواطن الحب يتاجرون ب كتاب الوطنية المهجور تحت حوافر احلامهم العريضة صناعوا المذابح يخادعون الوقت يزولونه الى حيث الهاوية المظلمة)

3 - مخاض يبحث عن أمان:

حياة اصبحت الحياة لوحة اعلانات بسخرية القدر، في مهاتراته الهزيلة، تلعقها مخاض الكارثة القادمة، هموم غطتها سحب سوداء، تبحث عن احلام الشعراء، لتصوغها أغاني حزية تتجرع علقمها وويلاتها، التي تتعثر بأحلام مهزومة تبحث عن أمان وملجأ (لوحة اعلانات باهتة مشاعرها أمام الباب المفتوح يلعقها شبح مقزز تجذب احلام الشعراء . تواريخهم دون محطات مطرزة أمزجتها ب النفاذ تخطها اصابع مجهولة أنفقت ممتعة ما تبقى من الحياة الراكدة تخبوها رمانة يدوية، نابضها ينبح مسعوراً يعدد فقرات أسماله المشينة، بيان اخير مصاب ب الزهايمر على اوتار الحزن الواهن تنتظره بداية الكاثة)

قصائد سردية في افق التعبير (البوليفونية / تعدد الاصوات):

1- ترجية: على جدار صمت ملون:

(ترجية) في أذن الانتظار يكون جدار صمت الاشتياق ألوانها تفكهٌ طابوقاته الخشنة يتعشق الهمس يأتي ببهجة نسائمها تحترق ذراته الكثيرة تحمل زخرفة اللقاء، فصبر جميل على ما ينمو من هلع يتسلق ناصية زينة الكسل يستل عنفوان طراوة موعد يجلس على كرسي خيالها اعجبته حقول مرح تعلن عن نوايا متراكضة على اجل مسموع اللهاث)

تفكيك الاصوت المتعددة داخل النص السردي على هذا الشكل الاتي :

1 - في أذن الانتظار يكون جدار صمت الاشتياق

2- ألوانه تفكهٌ طابوقاته الخشنة يتعشق الهمس

3 - يأتي ببهجة نسائمها تخترق ذراته الكثيرة تحمل زخرفة اللقاء

4- فصبر جميل على ما ينمو من هلع

5 - يتسلق ناصية زينة الكسل

6 - يستل عنفوان طراوة موعد يجلس على كرسي خيالها

7 - أعجبته حقول مرح تعلن عن نوايا متراكضة الى اجل غير مسموع اللهاث .

..................

2 - صندوق الفرجة (قصيدة بوليفونية / متعددة الاصوات) قطعت اصواتها المتعددة بهذه الشارحة (/) :

(العصور المنهمرة في صندوق الفرجة تواريخها عمياء / لا مفاتيح تبصر النور في بطانة تتملق الوحشة / ذاك الحرير الخشن كان يبكي تنام فيه الخرافات / صور الملوك القديمة شامخة بنياشينها البراقة / بينما انيابها أستطالت كثيراً / تفوح رائحة الخيانة تتمرح فيها الايام / باهتة من بين شقوقه الكثيرة / الاطماع زانية ترث الارض ما خلفته من صحارئ يسرقها السراب / تهطل الامال في بحر الاسى / يلمع الحنين فيها لحن المتاهة)

 

جمعة عبدالله

 

 

عدنان حسين احمدصدرت عن "منشورات المتوسط" بميلانو رواية "الصيف الجميل" 1940 للروائي الإيطالي تشيزرِه باﭬيزِه، ترجمة كَاصد محمد، وهي الرواية الأولى من ثلاثية تحمل الاسم ذاته، إضافة إلى روايتي "الشيطان على التلال" 1948 و"بين نساء وحيدات" 1949، وقد فازت هذه الثلاثية بجائزة "ستريغا" أعرق وأرقى الجوائز الأدبية الإيطالية.

لم يعش باﭬيزِه (1908- 1950) حياة طويلة بسبب الإحباطات النفسية، والخسائر العاطفية المُمضة حيث تركته حبيبته الأولى التي أُعتقِل بسببها، ورفض أن يشي بها إلى السلطة الفاشية آنذاك، وحينما خرج من السجن عام 1936 وجدها قد اقترنت بشخص آخر. أما المرأة الثانية فهي الممثلة الأميركية كونستانس داولينغ التي التقاها عام 1947 لكنها سرعان ما هجرته وقفلت راجعة إلى بلادها تاركة إياه يتخبط في عزلة قاتلة أفضت به إلى الانتحار بجرعة كبيرة من الحبوب المنوِّمة.

تحتاج روايات باﭬيزِه إلى قراءة تأملية، فاحصة لأنه يزاوج بين المنحى الرمزي الذي لا يخلو من بعض الصعوبة أحيانًا، والأسلوب النقدي الصارم الذي يفكِّك الواقع ويعيد صياغته من جديد على وفق رؤيته الفنية المطعّمة بحسٍ شعريٍ عالٍ يمكن أن يتلمسه القارئ في غالبية قصصه ورواياته التي تركت تأثيرها الواضح على عمالقة الأدب الإيطالي حيث قال عنه إيتالو كالفينو إنّ " باﭬيزِه هو الكاتب الإيطالي الأهمّ، والأكثر عُمقًا، والأشدّ تعقيدًا في زماننا، وليس من صعاب تواجهنا إلاّ وحذونا حذوه". أما إمبرتو إيكو فقد قال عنه:"كان باﭬيزِه أحد الكُتّاب الأساسيين الذي قرأتهم في مرحلة الشباب، وقد أثرّ بي بلا شك ليس من ناحية الأسلوب، ولكن من ناحية المخيلة الأدبية".

لا شك في أنّ كتابات باﭬيزِه عميقة ومعقدة لأنها مرصّعة بشذرات فكرية أو فلسفية، إن شئتم، ولكي نتجاوز هذا الإشكال علينا أن ندقق في كل التفاصيل الصغيرة التي تتعلق بالأنساق السردية لكل شخصية على انفراد. فعلى الرغم من وجود شخصيات ثانوية كثيرة في رواية "الصيف الجميل" إلاّ أنّ التركيز منصبٌّ على جينيا وغويدو وأميليا ورودريغوس، فجينيا عاملة في مشغل خياطة، وغويدو، عسكري برتبه رقيب، ورسام في الوقت ذاته، وينحدر من أصول قروية. أما أميليا فهي "موديل" لعدد من رسّامي مدينة تورينو. يحاول باﭬيزِه أن يلفت انتباه القرّاء إلى الطبقة الفنية المترفة أو الميسورة الحال في الأقل، لكنها فاسدة، ومنحرفة كما هو الحال مع الفنانِين الذين صادفناهم على مدار النص الروائي، فهم ينغمسون في رسم الفتيات والنساء العاريات مقابل مبالغ مادية ضئيلة، وأوهام فارغة. تتمحور ثيمة الرواية، بل الثلاثية برمتها، على الانتقال من مرحلة المراهقة والصبا إلى مرحلة النضج والبلوغ، وقد ركزّ الكاتب على شخصية جينيا ذات الستة عشر ربيعًا لكنها ما تزال طائشة، حمقاء في نظر أصدقائها المقرّبين، ومع ذلك فهي تعمل، وتكسب قوت يومها من كدّ اليمين، وعَرَق الجبين، وأكثر من ذلك فهي تعيل شقيقها سفيرينو، وتعدّ له الطعام كلما وجدت متسعًا من الوقت، لكن حياتها سوف تنقلب رأسًا على عقب حينما تستدرجها صديقتها أميليا إلى عالمها الخاص في إستديوهات الفنانين الذين يرسمون الأجساد العارية ويبيعون لوحاتهم للأثرياء والموسرين من الطبقة البرجوازية. وعلى الرغم من أنّ جينيا موقنة تمامًا بأن غويدو لا يمكن أن يتزوجها ألبتة إلاّ أنها تخوض غمار تجربتها العاطفية الأولى معه، وتجد نفسها عارية في مرسمه. وما إن يأخذ وطره منها حتى يتخلى عنها وكأنها مجرد ذكرى عابرة وَمَضت في أفق خياله ثم تلاشت إلى الأبد. إنّ ما يقدِّمه باﭬيزِه ليس أفول هذه العلاقة العاطفية التي كانت قائمة من طرف واحد، وإنما تصوير الإحساس بالخيبة، والشعور بالهزيمة التي يتعرض لها الكثير من الشباب في مرحلة المراهقة، وما ينجم عنها من تداعيات موجعة تظل لصيقة بالذاكرة الإنسانية ما دامت الأنفاس تصعد في الصدور.

تتمثل الشخصية الثانية بـ "غويدو" الذي عرفناه رقيبًا في الجيش، ورسّامًا قادمًا من ريف تورينو، ولعل باﭬيزِه أراد أن يدرس العلاقة بين الريف والمدينة لكنه أخرج هذه الشخصية من إطارها الريفي البسيط، وأدخلها في الإطار المعقد حينما جعله رسّامًا يرسم الطبيعة، والحياة الجامدة، واللوحات التشخيصية العارية لكن مشكلته الأساسية أنه يفضل رسم الطبيعة على الأشكال البشرية، بل أنه يجد سعادته المطلقة كلما ارتقى تلاً، أو وَلَج في غابة مكتظة الأشجار.

وبما أن الرواية تعالج فن الرسم في جانب كبير منها فلابد لكاتب من طراز باﭬيزِه أن يلتقط ثيمة فنية تستقر في ذاكرة القرّاء. فحينما تطلب جينيا من غويدو أن يرسم لها بورتريًها في بداية تعرّفها إليه يقول:"أنا لا أعرفكِ جيدًا حتى الآن؛ لأرسم لك بورتريه. يجب علينا الانتظار". وفي فلسفة البورتريه لا يمكن للفنان أن يُمسِك بتجليات ملامح الوجه البشري ما لم يعرفه جيدًا، فثمة "شيفرة" سرّيّة توصل الفنان إلى المعالم الغامضة للشخص الجالس في مرسمه.

كانت فكرة العذرية التي تدافع عن نفسها سائدة آنذاك، ويبدو أن باﭬيزِه كان سابقًا لعصره لذلك منح أبطاله فرصة للذهاب في المغامرات العاطفية إلى أقصاها فلا غرابة أن تلهث شخصياته وراء المتع العابرة في مجتمع خاض ويلات حربين مدمرتين هزّتا العالم برمته.

الشخصية الثالثة التي تستحق الوقوف عندها هي أميليا، الأكبر سنًا، والأكثر خبرة من جينيا، وقد حاول باﭬيزِه أن يناقش ثيمة الموت من خلالها. ونتيجة لعلاقاتها المتعددة مع الرسامين أُصيبت بمرض الزهري، وهو مرض خطير في أربعينات القرن العشرين لكنها كانت محظوظة جدًاحينما أخبرها الطبيب أنها سوف تتماثل للشفاء في الربيع القادم. وعلى الرغم من تذبذب العلاقة الإشكالية بين أميليا وجينيا إلاّ أن الأخيرة طلبت منها أن تقودها حيثما تشاء، فهي التي أخذت بيدها منذ سنّ المراهقة وولجت فيها إلى مرحلة النضج العاطفي التي يتلمس فيها المرء طريقه إلى الملذات الجسدية والروحية في آنٍ معا.

أصدر باﭬيزِه عددًا من الروايات، والكتب الشعرية، والمذكرات من بينها "البيت على الهضْبة"، "السجن"، "القمر والمشاعل"، "الرفيق"، "الشاطئ"، "سيأتي الموت، عيناهُ عيناكِ"، "الأرض والموت"، "مهنة الحياة" إضافة إلى كتب أخرى في الترجمة، والنقد الأدبي، والحوارات الصحفية. وبسبب "خيانة" حبيبتيه المُشار إليهما سلفًا فقد ركزّ باﭬيزِه على ثيمات قاسية مثل "الإحساس بالوحدة" واعتبار "المرأة مجرد ثمرة جسدية" أو رمز لـ "اللامبالاة وعدم الإخلاص".

لابد من الإشارة إلى أنّ باﭬيزِه قد ساهم مع كُتاب آخرين في إدخال الواقعية الإنكَليزية- الأميركية في الأدب الإيطالي بعد قراءة العشرات من الروايات البريطانية والأميركية. وفي الوقت الذي كانت فيه الواقعية الجديدة مهيمنة على المشهد الأدبي والفني في إيطاليا غامر باﭬيزِه بالعودة إلى الأساطير، واستنطاق الميثولوجيا الإيطالية القديمة فاستحق "حوار مع ليوكو" لقب أشجع كتاب يصدر في أواسط الأربعينات من القرن الماضي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

جوزيف الفارسحينما يبحث الانسان في عالم كتاب الدراما وبانواعها (السمعية والمرئية) ويطلع على ماتطرحه من الافكار ان كانت مستنبطة من الحياة وعن تجربة ان كانت ثقافية مكتسبة، ام انها معانات يصبها الكاتب في مظمون فكري تتجسد افكاره من خلال الاحداث والشخوص ومقومات العناصر الاخراجية، او انها فكرة بمضنون انساني وفلسفي يشتق احداثه من الواقع الذي يعيشه مجسدا فكرته ضمن قالب واطار فني قد يزيده جمالا في التعبير والتجسيد .

وعالم كتاب الدراما ان كانوا من المسرح العالمي او المسرح العربي ماهم بالحقيقة الا عالم مبني على التنافس الشريف غايتهم من هذا التنافس التغيير والتطوير وبشكل مبدع يزيد من عناصر التشويق ان كانت في الرواية او عن طريق الانتاجات السمعية والمرئية .

هؤلاء الكتاب يصيغون معاناتهم وجم افكارهم دون النظر الى انها ستكون مقبولة او مرفوضة من قبل المتلقي، المهم في هذا هم يكتبون بما يؤمنون به مجسدين افكارهم وعن طريق كتابة الدراما والتي هي حصيلة هذه المعانات والافكار التي تنبع من عمق ذاتهم مجسدة لمشاعرهم واحاسيسهم ورؤيتهم الذاتية .

وهذا هو الحال مع جميع الادباء من المثقفين وعلى مختلف العصور، كانوا ينفردون بافكارهم ويجسدونها في كتاباتهم، ولم يكن في تفكيرهم اية حسابات انتمائية الى اي مذهب او مدرسة من المدارس الادبية والثقافية، انما من جاء من بعدهم او حتي في عصرهم هم الذين صنفوهم ونسبوهم وبموجب اجتهاداتهم وتحليلاتهم الى المدارس المسرحية منها الرمزية والتعبيرية والتعليمية والتعبوية --- الخ .

فكذا الحال كان مع وليم شكسبير، ومع مولير، وابسن وتشيخوف وبيكت، ومنهم اوجست ستريندبيرغ .

اذن من هو ستريندبيرغ؟

لقد ولد هذا الكاتب المبدع في 22- كانون الثاني من عام 1849م حيث عاش حياته محروما ومحتاجا وبالرغم من انه كان من اسرة ميسورة الحال ووالده كان يعمل موظفا يتقاضى راتبا جيدا والذي كان متزوجا من مدبرة منزله .

فبعد ان فقد اوكست والدته ضعفت علاقته بوالده، ونشب خلاف اسروي بينهما مما ادى به الى ترك والده ولم يلتقي به ابدا، حيث انه في عام 1876 استقل عن اسرته وعاش حياتا مليئة بالمعاناة والهموم الذاتية، فبعد تخرجه من الثانوية عين مدرسا ومارس مهنة التعليم الا ان طموحه كان ابعد من هذه الوظيفة الروتينية مما دفعته رغبته لدراسة الطب، لقد عاش حياته متاثرا بالمسرح والتمثيل وقد فشلت محاولته في ان يكون ممثلا الا ان الفرصة لم تكن من صالحه، فقرر اكمال دراسته الجامعية ولكونه كان عدائيا لاساتذته ومنتقدا لسلوكياتهم في الدراسة لم يتمكن من مواصلة الدراسة الجامعية .

ولهذا علينا ان نتعرف على ثقافته وعن تاثيرات الادب على مسار حياته الثقافية عندها سنتوصل الى الحياة التي عاشها كاتبنا اوكست السويدي الولادة من ان حياته كانت حافلة وزاخرة بابداعاته في الكتابة، كانت روحية التنافس مابينه وبين العديد من كتاب الدراما، هذه الروحية خلقت منه كاتبا مبدعا غزيرا في مؤلفاته، فقد عاش مع معاصريه من كتاب الدراما وهو في اوج ابداعاته الكتابية حيث كان نموذجا ممتازا لحركة المسرح الحديث في مطلع القرن العشرين حيث تميزت كتاباته بالتحديث والتطوير في الاسلوب والطرح، فقد تناول المسرحية المعاصرة والمسرحية التاريخية والكلاسيكية والطبيعية والشاعرية، حيث انه كان يحاول ان يستحدث التغيير في كتاباته ويميزها عن اقرانه ممن عاصروه .

مسرحية الاب

لقد كتب هذه المسرحية والتي ابهرت الصحافة السويدية والعالمية لما فيها من التحليل النفسي ورسم ابعاد الشخصيتين الرئيسيتين وهما الاب والزوجة والتي كانت ضحيتهما ابنتهما المتبناة من دار الايتام، وللعلم ان هذه المسرحية اختيرت للعمل عليها من قبل الاستاذ المرحوم المخرج بهنام ميخائيل لطلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد – الكسرة وكنت انا احد العاملين بها بصفة مديرا للمسرح الا انها لاسباب ادارية في المعهد لم ترى النور، ولكن قد قام باخراجها بعدئذ المخرج الراحل المرحوم عوني كرومي وقد ابدع في فيها حيث مثل فيها ايضا الدور الرئيسي (الاب) وقد عرضت على مسرح نادي السنتر في العلوية، وقد نالت عروضها على اعجاب العديد من المهتمين في المسرح من طلبة المعهد والاكاديمية والاساتذة المختصين اضافة الى الصحفيين ممن لديهم اهتمامات مسرحية واخص منهم النقاد الاكاديميين .

ان مسرحية الاب للكاتب اوكست سترندبيرغ كانت تجسد عدم التكافىء الثقافي والجنسي بين الزوج (الاب) والزوجة، اي بين الرجل والمراة، وقد جسدت ايضا صراع احداث للمشاهد بصورة محبوكة وبنسيج فيه من المضمون والفكرة التي عكست معاناة الاب من زوجته ومن علاقتها السلبية معه بحيث ادت به الى الجنون من خلال مكيدة دبرتها زوجته مستغلة ضعفه الجنسي وبالتعاون مع طبيب العائلة الذي اشترك في هذه المكيدة بتزويد الزوجة تقريرا طبيا يشرح فيه عن حالته النفسية مؤيدا من خلاله الاختلال العقلي للاب، والذي ادى به الحال الى المستشفى في قسم المصح العقلي .

كان اوكست يؤمن بان هناك قوتين متصارعتين عند الانسان، اولهما صراع مع الجسد، وصراع مع الروح، وهذا ماطرحه اوكست في مسرحية الاب، حيث ان شخصية الاب في المسرحية قد اصابها العجز الجنسي، وهذا العجز فجر صراع لدى الزوجة لكونها تبحث عن ملاذها الجنسي من الرجل الا انها لا تجده فهنا يجسد الكاتب السويدي صراع الجسد من اجل الاستمتاع واللذة الجنسية، بينما في المقابل، اي عند شخصية الاب فلكونه كان عاجزا جنسيا فقد بحث عن البديل اي عن الصراع الروحي والذي احب ان يكون بديلا للصراع الجسدي بسبب عجزه، وهكذا فشل صراعه مع الجسد، وكانت الغلبة لزوجته وانتصار قوتها عليه، وبحجج واهية مثل حبها في انجاب الاطفال بينما هو عاجز عن تحقيق حلمها في الانجاب بسبب عجزه الجنسي مما اظطر ان يقترح عليها بتبني طفلة من دار الايتام لحل مشكلتهما، وهكذا يسعيان الى تحقيق حلمهما بهذا التبني، انما تبقى المشكلة الرئيسية عند الزوجة وغريزتها الجنسية والتي لا يروي ظمئها الا مشاركة الرجل لها في عالم تحلم به وتحقق من خلاله اشباع ظمئها الجنسي والذي لا تجده عند زوجها العاجز، وتكبر المشكلة والتي تفضي الى النزاع اليومي مما يؤثر على الحالة النفسية للابنة المتبناة والتي تكتشف انها ابنة متبناة وذالك في ساعة غضب الزوجة والتي تكشف هذا السر والذي كان مكتوما عنها طوال هذه السنين ----- هنا تولد عقدة جديدة في الخط العام لنمو احداث المسرحية وينشأ صراع ذاتي عند الابنة وهي تبحث عن والديها الحقيقيين بتسائلات تجيب عليها مربيتها لتعلن على انها ابنتها الحقيقية وهي والدتها وبموجب المستمسكات الرسمية والتي تملكها من شهادة الميلاد والمصدقة من دار الايتام، وانها احبت ان تشتغل مدبرة هذا المنزل حرصا منها على ان تبقى بجانب ابنتها، وهنا يتنامى الصراع الثانوي اضافة الى الصراع الاصلي مابين شخصية الزوج والزوجة وتتوالى الاحداث وتبقى الابنة تعيش مع صدمتها والتي اصعقتها لكونها كانت تحب والدها الذي تبناها حبا شديدا، انما الان اكتشفت حقيقة امرها وهكذا تتيه بين صراعات والديها بالتبني وخلافهما الاسروي والتي كانت ضحيتهما،واخيرا ينتهي الحال بالزوج الاب الى المصح العقلي لتاييد طبيب العائلة بتقرير طبي انه معاق عقليا، والزوجة تستحوذ على املاكه بعد ان تصاب في حالة من الانهيار والهستيريا وتخسر نفسها واسرتها، اما الابنة فتنسلخ عن هذه الاسرة لتلحق بوالدتها الحقيقية لتبني لها عالما سعيدا مستقرا لحياتها، واما الاب ففضل حالة الجنون وفي مصح المجانين اسعد من ان يكون عاقلا وفي مجتمع يسوده الدجل والنفاق والنصب والاحتيال والغدر والخياتة،بعدما اثقلت الحياة المادية كاهله وزادت من تعقيدات حياته الاسروية كونها حياة مبنية على المصالح والعلاقات الغير المتكافئة في الحياة الاسروية، وهذا مااراد توصيله اوكست سترندبيرج من نصه المسرحي للمتلقي .

لقد ابدع اوكست سترندبيرج (1849 – 1912) في جميع نصوصه ونال اعجاب العديد من النقاد والجماهير من مشاهدي اعماله، لقد جسد حالته النفسية المتضعضعه، ورؤيته للاسرة الضعيفة حينما يكون اسباب ضعفها هي المراة التي تحاول بناء علاقة اسروية تعيش حالة الانا، الانانية التي اتصفت بها الزوجة التي جسدها اوكست في مسرحية الاب، هذا الكاتب العبقري قد بحث في سمات العلاقة المزدوجة في الاسرة واختيار العلاقة الاجتماعية من خلال سياسة مثالية اتخذها في حياته، وقد عانى مابين عدم توازن كفتي ميزان القرار الاسروي ومابين اتخاذ التدابير الاسروية ومن خلال تسلط الزوجة والتي اضعفت من قراراته ولربما كان السبب هو الفشل في علاقته الروحية في تعامله مع الزوجة والتي كانت احوج الى العلاقة الجسدية لعطشها الجنسي، ولهذا كانت هذه المسرحية مثالا رائعا في الطرح وتسليط الضوء على اهم مشاكل الحياة الاسروية والتي تدور رحاها في جميع العصور والازمنة مما كانت كتاباته محط اعجاب المثقفين والمخرجين ليعملوا على اخراجها من عصره وحتى يومنا هذا .

كان اوكست يجسد ابداعاته ومن خلال العديد من المواهب التي يملكها، كان شاعرا ورساما وكاتبا بارعا وجادا في كتاباته، يشتق افكاره من معاناته الذاتية ولا سيما حالته النفسية والتي كان لها التاثير على معظم كتاباته، هذه الحالة التي ادت به الى فشل العلاقة الزوجية الاسروية، ولهذا كانت جميع اعماله ناجحة باستثناء بعض النصوص والتي فيها من الحملة التعبوية والتوعية للجماهير ضد نظام الحكم في السويد مما اجبرت السلطات على ملاحقته وتضييق الخناق عليه مما اضطر الى هروبه الى خارج البلاد ليعيش في المنفى متنقلا بين اوربا، حيث اصابه نوعا من الهوس والقلق والاظطرابات النفسية الغير المستقرة والتي ادت به الى فشل زواجه المتكرر .

سبق وان تناولت في مقال سابق موضوعا مفاده (هل البيئة تؤثر في الفنان؟ ام الفنان يؤثر في البيئة؟) والذي يتابع سيرة وحياة سترندبيرج ليجدها انها متاثرة من البيئة التي عاشها واثرت فيه، وان كتاباته متطابقة لواقع عاشه وتاثر به، حيث انه يعكس سلوكه الحياتي والنفسي ويجسد انطباعاته عن الواقع الذي يعيشه، اضافة الى تمخضات ابداعات افكاره وارائه المتحررة من العادات والتقاليد البالية التي ورثها عن المجتمع الذي عاش في كنفه، هذا الكاتب البارع والمبدع والذي عادى نظام بلاده السياسي وهجاه في روايته (الغرفة الحمراء) والتي نشرت عام 1879 جعلته من ابرع الادباء في الهجاء وكانت سبب نجاحات كتاباته مما شجعه هذا النجاح على ان يهجو في معظم كتاباته وادبياته السلطة الحكومية في السويد مما شجعه هذا النجاح على كتابة (المملكة الجديدة) والتي اجبرته على مغادرة السويد ليعيش منفاه وهو متالما من الاوضاع الرديئة في السويد، حيث انه تاثر بالحياة الاقتصادية والسياسية وهذا التاثير تجسد من خلال هجائه على النظام الحاكم في مما جعل معادات النظام السياسي السويدي مستمرا لملاحقته وبتعليمات قسرية حظرت عليه دخول موطنه الاصلي، جميع هذه التاثيرات انتقلت الى حياته الذاتية وانعكست على علاقته الزوجية مما اظطر الى طلاق زوجته ولا سيما بعد تنشيط حركة النساء واللاتي اصبحن سخرية في كتاباته وناقدا لتحركاتهن والتي كان يعتبرها نوعا من التحدي الغير المشروع لسيادة الرجال ومنهم هو .

لعدم ارتياحه النفسي واستقرار حياته اظطر الى الانتقال الى برلين بعد طلاقه من زوجته الاولى في عام 1891 وزواجه الثاني من احدى الصحفيات والذي لم يدوم طويلا حيث بعد هذا الطلاق انتقل الى باريس، وفي باريس اصابته وعكة صحية مما ادى به الحال الى الهلوسة وشيئا من الكابة، لقد اتجه الى البحث في العلوم والاهتمام بعلوم الطبيعة والكيمياء .

الا ان هذه الحالات الغير المستقرة اجهدته مما جعلته ان يهدىء من مضامين كتاباته ويتجه الى التعبير السلمي، ومسايرة الاوضاع رغبة منه في الاستقرار النفسي والابتعاد عن الاجهاد العصبي والنفسي مما اظطرته الظروف القاسية للعودة الى موطنه السويد، بعد ان مهد في مقالات صحفية اعلن من خلالها عن اعتدال احكامه وقراراته باتجاه الاوضاع السياسية الراهنة في السويد، فاعتبر من وجهة نظر الحكومة السويدية مواطنا صالحا الا انه لم يعدل عن كتاباته الساخرة من بعض الامور والتي كانت لا ترتقي الى مستوى احترام الانسان وحريته في الحياة .

لقد عاش هذا الكاتب بعد ان خلف ارثا ثقافيا من الروايات والمسرحيات والمقالات الصحفية والقصص القصيرة حيث ختم حياته بعد ان توفي بمرض السرطان والذي داهم معدته .

لقد شيع جثمان الكاتب العبقري اوكست ستريندبيرج من قبل الجماهير والمعجبين من المثقفين والصحفيين وحتى من النقاد والذين واصلوا انتقاد اعماله سلبيا وسخروا منها، وكذالك شاركت الحكومة السويدية بتشييع جثمانه واعتبرته معلما من معالم الحضارة ورمزا من رموز الثقافة في السويد، حيث رحل الى العالم الاخر بعد ان خلف له ولموطنه السويد ارثا ثقافيا .

الختام

لقد كان اوكست يعيش حالة من القهر والمعاناة من العنصر النسوي، اي انه كانت لديه نظرة دونية ومعادات للمراة، وعلى الرغم من انه نفى بنفسه هذه الحالة الا ان كتاباته كشفت عن هذا العداء، وقد دافع عن كتاباته وارائه قائلا: ان من حقي ان انتقد واسخر من سلوكيات بعض النماذج الغير الطبيعية من افكار وعقليات بعض النسوة الضعيفة واللاتي لا يرتقين الى مرحلة الرقي والثقافة في سلوكياتهن وطبائعهن، وقد اثارت هذه المعادات للنساء لدى العديد من المهتمين بكتاباته ومتسائلين عن اسباب هذه المعادات، هل ان اسبابها قصورا جنسيا او ان لديه غيرة من ادعائات معظم النسوة بالمظاهر القشرية والبعيدة كل البعد عن القيم الاخلاقية والانسانية، الا انهم لم يتوصل معظمهم من الباحثين والمتسائلين الى اجابات ما ترضي فضولهم وتسائلاتهم عن حالته هذه والتي جسدت هذه المواقف في معظم كتاباتنه وانتاجاته الادبية الروائية والمسرحية وفي معظم قصصه القصيرة --- حيث بقي هذا السر مدفونا مع رحيل المبدع اوكست سترندبيرغ .

 

جوزيف اليوسف

 

رحيم الغرباويلكل نص أدبي بنى سيسيولوجية ثقافية مخزونة فيه بوصفه جهازاً يستطيع كل شخص منا أن يستخدمه كما يحلو له، إنَّ هذا النمط من النقد يرى أنَّ الأثر الأدبي يشكل تتابعاً ممكناً من انفتاحات واحتياطات بوصفه خزائن لاتنفذ دلالاته وفي نفس الاتجاه تسير الأعمال التي تدور حول بنية الاستعارة وحول أنواع الغموض المختلفة التي يمنحها الخطاب الشعري (1) .

كما أنَّ لكلِّ شاعر حقيقي سواء أكان صوفيا أم سورياليا أم رومانسيا رمزياَ توقاً إلى عالم وراء العالم الأليف ولايتم ذلك إلا بشرطين، الأول: هو التخلص كلياً من المناخات التي تأسست من ظروف اجتماعية من أجل أن يكون نقياً بذاته، والآخر هو الانسياق على وفق هذا النقاء في مجاهيل اللغة والعالم، هكذا ترينا القصيدة ما لا نراه (2)، كما أنَّ الشعر هو دعوة ؛ لاستجابة الروح للقفز إلى عالمها المثالي الذي يمنحها الراحة، لكن الوسيلة تقررها نوازع النور المفعم بألقه الجوهري المغروس في كل روح خرجت عن عالمها الدنيوي ؛ لترقى إلى عالم أرق شفافية وأكثر نقاء؛ لذا فالكلمات التي يصوغها الشعور بأساليب سامية هي من توصلنا عبر فضاءاتها إلى ذلك العالم النقي الجليل .

والشعراء لهم عوالمهم وسبلهم التي ينفذون من خلالها إلى عالم الجوهر الأخاذ بوصفه عالماً مثالياً تستطيب له النفوس وتسكن على شراشفه الأرواح، فيسعى الشاعر للوصول إلى تلك المنطقة عبر وسائله المتظافرة لديه ؛ ليحقق من طريقها ما يختلجه من توق لهذا العالم الذي لايتوافق في كثير من الأحيان مع عالم الواقع الذي يعيشه.

والشاعرة عبير أحمد من الشاعرات اللاتي يمتلكن رؤية خاصة للحياة، ولها وسائلها في الغور إلى تلك العوالم الجوهرية ؛ لتسبرها من خلال تطويع الرموز سواء أكانت أسطورية أم تاريخية ؛ لتعبِّر عن المعاني التي تحاول إيصالها إلى المتلقي، فنراها تقول :

أيها الغجري ..اللون

أيها الشاهق الملامح

أيها السائح في دروب نيكال ربة إله القمر

ترنيمة البدء

كنت السباق دائما

اغرس لنا الحبق

اغرس لنا القناديل

عيناك ...دليل

مازلنا ..هنا

ومازال في القلب بضعة للرحيل

فهي تأخذ من الغجري لونه، والغجري هو ذلك الذي يتطوف في البلدان بحثا عن رزقه.. كما يمنحنا دلالة الفطرة، بوصفه من يستعين بمهن فطرية لربما هي من عهود الأزل فيقتات من نتاجها، كما وصفته بأنه شاهق الملامح ؛ للدلالة على الأنفة والكِبر والتحدي، ويبدو أنها تومئ بذلك للرجولة ولسر فتوتها وقوتها لكن يبقى الرجل في منظارها أسير المرأة، فهو أبدا يظل يسوح في دروبها، وما نيكال إلا إلهة من آلهات القمر - وقد ذُكِرت آلهة القمر في الأساطير السومرية باسم أنيانا وهي من تهتم باشؤون لخصب والنماء - لذا كان الرجل هو السباق لانتظار ماتجود به إنيانا من بركات بعدما يقوم بزراعة المحاصيل وهو ينتظر نماءها من تلك البركات، فالحبق من النباتات التي تمثل الخصب والنماء، بينما القناديل فتومئ إلى الضياء الروحي والنفسي اللذين يبعثان الحب والطمأنينة، أما العينان فجعلتهما دليل على التمسك بالهدف أم العكس، وهما من تحكيان حقيقة صاحبهما إن كان صادقاً أم كاذباً . لكنها تشكُّ من أن هناك إخلاص ينعم به القائلون، فما هو لدى مَن ترى إلا بحث عن نفع لايدوم .

أما قصيدتها (العرَّافة) التي تقول فيها:

هكذا

قالت عرافةٌ اعتبرتها حمقاء يوماَ

ستبوح العمائم

بما شدّت من تمائم

...

أيتها المرأة،

سيلفظك الحب و البلاد

وتجوبين بلاد

سيلفظك حتى قلبك والمداد

ويعميك اليقين

وأنت تبحثين في يقين

ولعل العرافة هي من تقرأ الطالع، فقد وظفتها الشاعرة ؛ لتقرأ من خلالها المستقبل، فحين تبوح العمائم، والعمائم هي مقرونة بالتمائم التي تمثل رمزاً من رموز الغيب بوصفها السبيل لذلك العالم الميتافيزيقي، معلنةً لها أنها تعيش حالة الوجع من طريق إقصائها، كما ستعيش الغربة عن بلدها، لكنها في الوقت ذاته ستبحث عن اليقين الذي هي بحاجته بعدما يلفظها - أي يطرحها- الحب وكذلك البلاد وقلبها والمداد هكذا قالت لها العرافة، لذلك أضاعت شاعرتنا الصواب وليس لها إلا البحث عنه، ويبدو أن شاعرتنا تعيش الاضطهاد والقسر النفسي؛ نتيجة الظروف التي أطاحت ببلداننا العربية لاسيما بلدها سوريا، وكأنها تحكي حال شعوبنا العربية

المظلومة، والمهاجرين منهم

ثم تقول :

.وأنا على أربعيني

لا تخبروا..أمي أني قد عميت

من شدة يقيني

وأني على الخذلان قددت

وقد ..ساح وتيني

وأني والمعنى حبيبان

لا يكونان

لا يلتقيان

أخبروا العرافة

إني عميت

ولم أتعود

ولا زلت ابحث في البلاد عن معنى يقيني .

إنه اليأس والقنوط في رحلة شاقة، فُقِدت فيها البصيرة ؛ لأن الخذلان كان هو من أفقدها صوابها، إذ لا ناصر لها ولا معين في بلاد غربت فيه حقائق الأمور وادلهمت به فُسح الأمنيات، كونها تعيش الاغتراب المكاني الذي أضفى على

روحها اغترابا مضاعفاً .

ويبدو أنَّ الشاعرة تحاول في نصها أن تتعامل مع استشرافات وقراءات روحية تتقدم بها الرؤية المتعالية بحدوسها الذهنية والجمالية التي تجاوزت حدود المنطق لاستشراف قراءة المجهول (3)

أما قصيدتها ( لون ) التي تقول فيها :

وهكذا

اغتالوها ...

لونا ...لونا

هلالا .....هلالا

وبعثروها ...على جسد الليل

ودروب الغجر

فنبتت

أساور ..

وخلاخيل فضة .

والشاعر في أحيان تتوجس الانبعاث، كون الحياة قد أُنشئت على ذلك، إذ لا تموت الحضارات ولا الأعمال الكبيرة حين تتعرض للاندثار، فلابد يوماً أن تنبعث من جديد، فالانبعاث لدى الشعراء يمثل رافداً من روافد الديمومة المطلقة ؛ كونه يجسد اليقظة بعد الموت أو الخمود، فقد كان الإنسان البدائي في ممارسته طقوسه الأولى يسعي إلى معانقة الحياة الأبدية بتأكيد حتمية الموت (4)، ولهذا نجد شاعرتنا تشير إلى أجمل ما في الطبيعة وهما الألوان والأهلة مستعيرة كليهما لبلدها سوريا الذي اغتالته المؤامرات الخارجية الدنيئة، فتبعثرت تلك الأوصال الجميلة في دروب الليل وطرقات الغجر، كناية عن التشتيت والتمزق لأوصال بلدها بما فيه ابنائه لكنها بالتفاتةٍ رائعة تشير إلى انبعاث تلك الأوصال ؛ لتولد منها أساور وخلاخيلإيمانا منها بأنَّ بلادها سينبعث قويا معافى يزخر بالجمال كما كان من قبل.   .                                             .

نتمنى للشاعرة عبير أحمد مزيداً من الإبداع والتقدم في رحلتها الشعرية المباركة.

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

....................

(1) الأثر المفتوح، أمبرتو إيكو: 24

(2) ينظر الصوفية والسوريالية: 210

(3) النبوءة في الشعر العربي الحديث دراسة ظاهراتية، د. رحيم

الغرباوي: 28

(4) ينظر أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث، ريتا عوض : 133

 

رنا خالد"أنثى افتراضية" رواية القاص الأردني د. فادي المواج الخضير حققت نجاحا كبيرا في الأوساط الثقافية والأدبية في الأردن والعديد من الدول العربية، لملامسة موضوعها الواقع المعاش، والتضاد الحاصل بين العالم الافتراضي والأخر الواقعي ..

وحين قرأت سطورها تذكرت احداثاً عاشتها اطياف واسعة من مجتمعنا .. اذن، هي رواية تحاكي وتعالج الحياة الافتراضية، لكن بشكل واقعي، لاسيما بين المرأة والرجل وكيف إن المرأة كائن رقيق وشفاف، وهي بذات الوقت رغم شفافيتها، لا يمكن للمرء ان يرى من خلالها شيئاً، إلا إذا منحها الحب والاهتمام، بلغة الصدق والأمان، ففي بعض من سطور الرواية نقرأ (ما أجمل ذكرياتنا الورقية رسائل حبنا وحروفنا فيها كلماتنا وطيف حبيب نرسمه من وحي ذاكره كل ما تحمله هو إن تتخيل اليوم، كل شيء يفقد قيمته، رسائلنا ما عاد لها ذلك البريق يوم كنا نحكم عليها بالإعدام خزنا في دفاتر مذكراتنا، أو التعذيب حرقا بنار كلينا ونحن نلقي عليها نظرة الوادع الأخيرة) .

هي اذن، رؤى جديدة، في عالم متغير، وقد اردتُ الحديث عن هذه الرواية بشكل تحليلي من ثلاث زوايا (اجتماعية، اتصالية، ونفسية) وكان ضيفي الأول الذي زاد الموضوع إشراقا أ.د.عبد الهادي الزيدي أستاذ في كلية الإعلام جامعة بغداد حيث تحدث من الزاوية الاجتماعية فقال : في لجة هذا العصر الالكتروني وتداخل العلاقات بين الحقيقة والافتراض، تأتي رواية (أنثى افتراضية) للكاتب فادي المواج الخضير، لترسم صورة لحياة جديدة في تفاصيلها وعلائقها، وقديمة في بوحها الرئيس، لتثبت إن الحب ومشاعر اللهفة الإنسانية لمن نحب ما زالت هي الثابت الكبير في زمن المتغيرات الكثيرة. لقد اتجه الأدب العالمي في العقود الأخيرة إلى استنطاق العاطفة وسبر أغوار اللاهوات والغيبيات وعالم السحر، نتيجة ضغط العوالم المادية على الإنسان، ووقوع البشرية تحت سرف وعجلات الآلات التي لا ترحم، إضافة إلى هذا التلاحق والتسابق الالكتروني والعلمي الكبير جدا، ما حول عصرنا إلى عصر آلات وربوت، فتصنع (الصين) مثلا: الأنثى الدمية التي قيل عنها تستطيع إن تشبع الرجل عاطفيا وجسديا!!! فهي (أنثى افتراضية) من نوع آخر أقسى بكثير من (أنثى) الخضير الافتراضية، التي لها دم ولحم ومشاعر.... وقد نجحت هذه الإعمال الأدبية نجاحا كبيرا، كما في هاري بوتر، وقواعد العشق الأربعون، وأنثى افتراضية، مدار أسطرنا هذه فهي تلامس حديث القلوب الذي لا ينضب، وتساير حاجة الإنسان إلى الحب وهو يعلن انه لن يستغني عن هذه الحب نهائيا.... أن أحلى ما في رواية أنثى افتراضية... أنها نجحت بقوة في ترجمة الرموز الالكترونية والعلامات والإشارات المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى مشاعر وأحاسيس مرهفة بكلمات راقية وأنيقة تنبئ عن وجود قلم بارع وفكر متألق يمكن أن يكون لنمطه مستقبل زاهر.

الافتراض والواقع

271 انثى افتراضيةوعن الزاوية الاتصالية تحدثت لنا أ. إشراف بن مراد المساعفة وهي باحثة تونسية في علوم الإعلام والاتصال وصحفية مختصة بالشأن الثقافي فأجابت على سؤالي: هل أنّ ما هو افتراضي ليس واقعيا؟

ـــ يراوح الخضير في أنثى افتراضية بين هذين العالمين وكأنه يقر أنّ الافتراضي مهما كان مختلفا فإنه مرتبط بالواقعي حيث كان أبطال روايته يتنقلون بين هذا العالم أو ذاك فكل منهما يحقق أهدافه في العالم الأخر بل إن الافتراضي قد تحول إلى واقعي في كثير من الأحيان... ففي مقطع من هذه الرواية، يقول الخضير :

(آثرت أن أضع بصمتي أمام عينيك، وأترك للصدفة أن تتصرف، فأنا من أولئك الذين لا ينظرون إلى جدول مواعيدهم عندما يتعلق الأمر بحاجة روح إلى روح تمسح عنها غبار العزلة).

وانا ارى ان المؤلف اختزل هذا المقتطف من الرواية ما أصبح يجده التواصل الافتراضي من انتشار بين مختلف فئات المجتمع ولدى الباحثين عن إشباع حاجة «أرواحهم» إلى أرواح أخرى. إذ يبين الخضير ما توفره الشبكة العنكبوتية من تغذية لمشاعر الحب والعشق وصولا إلى الوله حيث يصبح المحبوب مبرمِجا دقات قلبه على إيقاع رسائل تصله في بريده الالكتروني أو أي وجه من وجوه التفاعل الاخرى الكثيرة المتعددة الملامح.. لقد نجح الخضير من خلال أنثاه الافتراضية في أن يكشف بعمقٍ تفاصيل التواصل عن بعد، وما يتيحه "الفيسبوك" بالتحديد من إمكانات هائلة في التعبير وفي خلق فضاء وجودي جديد بات يتحدى ما هو واقعي . لكن نهاية الأحداث جاءت درامية وكأننا بالروائي يحرض قارئه على أن تكون له عين ثالثة أكثر حكمة وتعقلا وأن يكون أقل اندفاعا نحو هذا الفضاء الأزرق الشاسع شساعة المدى. لتكون الرواية رسالة تحذير تثير فينا أكثر من سؤال عن الزيف بين الواقعي والافتراضي..

الرمز في الرواية

واستميح القارئ عذرا، كوني سأتحدث في الجانب النفسي لمضمون الرواية، وهو رأي نتج عن قراءتي للرواية اكثر من مرة ..فأقول ان الروائي الخضير، يبدو انه على دراية بمسارات حياتنا، في زواياها المختلفة، فحاول استخدام الرمز في الإشارة إلى قضايا شائكة خاصة بالعلاقات الانسانية، والعاطفية وتأثير عامل الالكترون، والتواصل الاجتماعي في شكل تلك العلاقات إلى جانب تأمله لفكرة الحب الافتراضي فعكس الخضير، رؤيته الفلسفية ورحلته في البحث عن معنى حقيقي للوجود في ظل عالم الافتراض، حيث استطاع من خلال لغته القوية ومعرفته الكبيرة بالواقع ومنطقه الفلسفي أن يؤسس أدبا رمزيا يرتكز على اجتهاد كبير من مبدع كبير مثله يبين وعيه بمنطق الأشياء وقدرته على استخدام صورة المجتمع اليومية في إبداع حقيقي.

 

رنا خالد

 

عبير خالد يحيىفي نهاية الربع الأخير من القرن العشرين، تبنّى (داريدا) صاحب التفكيكية وجماعته- من تبعه- مثل (رولان بارت) تيارَ ما بعد البنيوية، ويهدف هذا التيار – كما يدّعون- إلى التخلّص من قيود الجنس الأدبي، واتباع سيادة النص والتناص، وقد أتت هذه الهجمة أُكُلَها السلبية، فعمّت الفوضى في الساحة الأدبية، فتداخلت الأجناس الأدبية فيما بينها، ما خلق جيلًا من الكتّاب لا يفقه جنس ما يكتب، وهذا ما انعكس سلبًا وإسفافًا على الحدود الجنسية الأدبية.

وظهرت في بداية هذا القرن (الواحد والعشرين) تيارات أخرى أهمّها تيار (روتي) الأمريكي، وهو تيار البراغماتيكية الجديدة (الذرائعية اللغوية)، والذي استنبط منه الناقد العراقي (عبد الرزاق عوده الغالبي) الرؤية الذرائعية والتي قمت بتطبيقها كآلية على العديد من النصوص الأدبية منذ أربع سنوات، وقد استطعنا بعون الله وضع تلك الرؤية في ثلاثة كتب نقدية، صدر منها كتاب (الذرائعية في التطبيق) الذي يتضمّن الآلية التطبيقية، وسيلحق به الكتابين (الذرائعية اللغوية بين المفهوم اللساني والنقدي) و (دور الذرائعية في إعادة سيادة الأجناس الأدبية)، وكان من أهم الدعوات التي تبنّتها الذرائعية:

1- العودة إلى النص الرسالي الرصين (الأخلاقي الذي ينسجم مع منظومة الأخلاق العربية والأديان السماوية).

2- العودة نحو التجنيس الأدبي، للحفاظ على الحدود الجنسية للأجناس العربية على الأقل، لأن تداخل الأجناس يخلق تخبّطًا أدبيًّا سافرًا ليس له مبرّر إلا التخريب الأدبي، والسباحة في تهويمات فوضوية لا طائل منها.

3- من خلال تلك الرؤية، استطعنا أن نبتكر أجناسًا بينيّة جديدة، بعد وضع أطلس الأجناس في كتابنا الثاني(دور الذرائعية في إعادة سيادة الأجناس الأدبية)، وهذا الأطلس يبيّن خارطة كل جنس أدبي.

من أهم تلك الأجناس البينيّة المبتكرة :

- الموقف المقالي: وهو بين المقالة والقص القصير، وهو ابتكار الأستاذ(عبد الرزاق عوده الغالبي) الذي كتب فيه ثلاث مجموعات، لاقت نجاحًا باهرًا، وإلى الآن لم يكتب بهذا الجنس البيني إلا الأستاذ رزاق.

- المقطوعة السردية: أيضًا ابتكار أستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي، ويقع بين الخاطرة والقص القصير.

- الحوارية: من ابتكاري أنا د.عبير خالد يحيي، وهي جنس بينّي يقع بين المسرحية والقص القصير.

وسنعرض عليكم تفاصيل الكتابة بهذه الأجناس البينيّة الثلاثة بمقالات تالية.

ومن خلال متابعتنا لساحة الأدب السردي، لاحظنا بوادر لظهور تلك الأجناس من بعض الكتّاب، مثل الكاتبة السورية فيحاء نابلسي التي كتبت بالحوارية، وكذلك الكاتبة السورية إيمان السيد التي كتبت المقطوعة السردية بنصّها (على حافة الجمر)، حيث مزجت بين الخاطرة والقصة القصيرة دون أن تدري، هذا المزج جعلني أتابع الموضوع وأعطي أمثلة للأدباء المبدعين لاستلهام تلك الأجناس البينية والكتابة فيها، لكونها أجناس معاصرة تأخذ على عاتقها القضية المجتمعية العربية بشكل معاصر.

الحدود الجنسية للمقطوعة السردية:

1- الاسم : ارتأيت أن يكون اسم هذا الجنس المقطوعة أو المقطوعة السردية، لكونه مقطوعة متماسكة سرديًّا من حيث تعشيق المفردات بشكل جمالي يبرز صورًا متلاحقة .

2- أُخذ هذا الجنس كفرع مستقل من القص القصير، باختلاف بنائي، حيث أنّه يجمع بين الخاطرة والقص القصير المكثف .

3- يختفي في هذا الجنس البناء الفني، ويكون اختفاؤه متعمَّدًا، حيث يذوب بشكل مُعشَّق بين جمل النص.

4- يمتاز هذا النص بتوالد متتالٍ للصور الجمالية والمعاني والأفكار بمجرى منسّق مدروس.

5- يمتاز هذا الجنس بارتفاع نسبي للبناء الجمالي، حيث يصل إلى نسبة %90

وأكثر بانزياح نحو الخيال والرمز.

6- يعتمد هذا الجنس على التعبير المفرداتي(الكلامي) والمقصد التجرّد أكثر من التعبيرعن طريق(الشخصيات)، بل تفهم الشخصنة من خلال صراع

شفيف يظهره الجريان المنتظم الداخلي في ذهن الكاتب Stream of consciousness. أو المسلك الحواري الظاهري(Dialogue)....

7- يعتمد هذا الجنس على مطلع مقالي ينضوي تحت نظرية الفن للفن (الأدب للأدب)، أي تقوم المفردات بواجب الصراع المفترض فوق ديباجة النص بشكل مخبوء وظاهر شفيف، وتُحسب كأنها صراع درامي بين شخصيات، هذه الشخصيات غير موجودة في الحقيقة وإنما تتجلّى بتلميحات سردية (فانتازيا) وغرائبية.

8- يميل بشكل عميق وليس إخباري نحو الخاطرة، وبنهاية قص، يستطيع الكاتب أن يخلق لوحة أو مقطوعة موسيقية بالكلمات، وينهيها بضربة فرشاة، أو بضربة نغم معزوف أو مرسوم بالكلمات، فهذا النوع هو خير مثال يبرز روعة الأدب كأحد الفنون، يظهر تجنيسه بشكل واضح في خارطته الجنسية التالية :

وسأدرج عليها أمثلة، أوّلها عن المقطوعة السردية، في هذه الحلقة الأولى، وستعقب هذه الحلقة حلقات:

سيدة الزمن

(مقطوعة سردية)

بقلم :عبد الرزاق عوده الغالبي

عيناها خضراوان يعلوهما حاجبان شعرهما بواسق وقصب، رموشها رماح من ذهب، سومرية الصياغة، سبكها أورنمو بحكمته السومرية ولمّعهما نبوخذ نصر ببراعة البابلية، وألبسهما إيّاها آشور بطلعته الآشورية البهية، تعلو جبهتها العريضة البيضاء، جوهرة التاريخ وعبق الرسالات ، يتدلّى شعرها الأسود بضفيرتين، ينبري منهما سلسبيل ناعم ينعكس على عشب رطّبته قطرات الندى وحبيبات المن، وترصّع سماءها طيور السلوى حين ترفرف بأجنحتها الأنيقة ، تتجاسر ثلاث خصلات ناعمة، تتحدّى الريح وتتراقص في نسائم الصباح، كأنّها خيول برية أجفلها منظر صياد حين تتمايل ضفيرتيها و خصلات الشعر من بعيد، وكأنها أفاعٍ هندية قد انتصبت وتمايلت لصوت مزمار...وتحكي سبع آلاف من السنين.....

سكن رحمها أنبياء ورسل، وغسل شرايينها طوفان نوح، فشهدت كلّ الأسرار، لامست هامتها رياح الزمن وأمطاره، لم تبخل بعطائها حدّ الأرواح، زفّت أبناءها إلى المنون بزغاريد البواسق، ولم يندَ فيها جفن أو تصدر من صدرها حسرة، لم تلبس يومًا ذلًّا ولا رثاء، تمدّ ذراعيها لتحتضن التاريخ و الهور، و ينزلق القصب والبردي من تحت قدميها ليتباهى بخضرته العذرية وهو يتمايل مع نسائم الهور ورائحة (الشنبلان)، وبين أصابعها الوردية يلمع مرأى السمك المسكوف حين تنداح دوائر الماء التي يحركها (الخضيري) و (سباح الهور) الأنيق، وهو يتهادى برأسه الأخضر فيدخله في الماء مرّة ويخرجه مرّة أخرى، ويجفل بحركة (المردي)، من بين أظافرها المطلية بعبق الرطب (الخضراوي) و(الشويثي)، الذي لا تزال حلاوته توقظ في نفسي العشق المعتّق وشياطين الشهية لخبز أميّ وتنورها (المشجور) دومًا في غرّة النهار و انحسار الضوء، حين تعود أسراب الجاموس، و تهبّ رائحة البردي و(الخريط) والرقي المعدّ لوجبة العشاء في باحة دار الدنيا، بثوب عرسها الأبيض حين تزفها زغاريد الأحبة والأقارب، والجيران لتدخل مهد التواصل الوردي، لتسلّم الرايات جيلًا بعد آخر.....

وتنحني سيدة النساء والتاريخ بجمالها الأسطوري المهيب على أبهرها (الغراف) بسلسبيله الإلهي، وهو ينساب منحدرًا نحو العشق العذري، ويلوح بذراعه الطويل بناتها وأبناءها ويتلفت يمينًا وشمالًا ، ليطبع قبلة على جبين الحي وأخرى على جبين الرفاعي، ويقبّل عرى الأمل وعذريّة الكرم والبساطة والدأب المؤجّج في الزنود السمر، حين تنبعث رائحة العرق من الأجساد النحيلة، على شواطئ الخير وهم يجرّون شباك الصيد المحمّلة بطيف السمك تحت ترنيمة سرمدية تعيد إلى الذهن ترانيم الآلهة السومرية، وربّما تودّعك تحت سحر ترنيمة القرون الوسطى(هيلا هوب ....هيلا....هيلا....هيلا هوب) . ينتظر هناك صبية يلتقطون ما تخلّف من سمك صغير، في غمار الصيد الوافر ليعودوا به إلى سيّدات الجنان المنكبّة على شواطئ الخير لجمع الغلّة الخضراء.....

أنظر إليها وهي تمسح بيدها اليمنى على رأس الدهر المخدر بالنعاس، وفوق ركبتيها تمدّد الوطن وهي تربت عند رأسه بهدوء، لينام في كنفها وأمواج حنانها الباردة المتلاطمة في أحضانها، حين يغطيه الدفء من قمّة رأسه الى أخمص قدميه، ليمتزج البرد بالدفء، مع عبق رائحتها الزكية، ليحلم بعرسه في شرايينها المستقيمة المزدحمة بالحركة الدائمة لكرياته النشطة، والتي تبني وتهدم وتموت وتحيا وتلد من جديد، تلد الحركة لتجعله يبتسم في حضن سيدة النساء الدافئ ، فيستيقظ مدلّلها مرعوبًا على صوت الشر المدويّ، وتهتزّ أعضاء سيدة النساء وترتجف أطرافها، وتمتزج حركتها المرعوبة بحركة أبنائها، ويسيل الدم من جسدها الجميل، حين ينشر الكدر عباءته السوداء ليختفي النور وتنحسر البهجة، وتكشّر الذئاب عن الأنياب وتختفي مظاهر الفرح والسعادة، وتحلّ مظاهر الحزن والألم، وينتشر الغضب، وتحني سيدة الزمن رأسها وتمسك عن الكلام ، ويغطّي الصمت والظلام كل شيء......

مفردات سومرية:

الشنبلان = نبات ينمو على سطح ميه الهور الراكد

الخضيري = طير حر برأس أخضر مهاجر يعيش في الأهوار

سباح الهور = طير يعيش في الأهوار

الخضراوي = نوع من أنواع التمر العراقي

الشويثي = نوع من أجود التمور العراقية

المشجور = الجاهز للخبز

الخريط = حلويات صفراء اللون تصنع من بذور القصب

الغراف = رافد من روافد دجلة ينبع من سد الكوت ويغذّي المناطق حدّ الناصرية

ننتظر أن يكتب بهذا الجنس الفاخر- والذي هو بلا شكّ يُكتَب للنخبة - من يمتلك القدرات الأسلوبية التي يستطيع بها أن يحقق انزياحات أسلوبية خيالية أو رمزية لا تقل عن 80%.

فمن يدخل التحدّي؟!

267 المقطوعة السردية

د. عبير خالد يحيي

 

 

كريم عبد اللهان الذائقة الجمالية والاحساس بجمال الابداع تختلف من شخص الى اخر تبعا لثقافته وموروثه الاجتماعي والنفسي والعلمي والبيئي، وهي تختلف ايضا من بلد الى بلد اخر ومن عصر الى عصر آخر . فلا نستغرب اليوم من التشكيك بالقصيدة السردية التعبيرية من قبل البعض لان اسابا ذلك كثيرة ومنها الذائقة الجمالية والاحساس بجمال الابداع عند كتّاب هذه القصيدة . رغم ان ميخائيل باختين أكد أن البوليفونية هي من خصائص الرواية وأن الشعر عمل فردي لا يقبل تعدد الاصوات والرؤى (باختين 1981)، فان هذا القول يكون صحيحا الى حد ما في الشعر التصويري المعتمد على الصورة الشعرية والمجاز في التعبير والمفتقر الى السرد والحدثية النصية، اما في السردية التعبيرية، المعتمدة على السرد وتعدد الاحداث والشخوص فان من الواضح امكانية تعدد الاصوات والرؤى فيه (الموسوي 2015) . لقد اخذت البوليفونية الادبية تسميتها من عالم الموسيقى حيث تتعدد الاصوات وتتناغم فيما بينها ويمكن فهمها على انها حضور اصوات في صوت واحد بحيث يكون صوت المتكلم صدى لاصوات اخرى (ارثر فرانك 2006) . ويمكن ان يمثل صوت المتكلم رؤى الغير فتتداخل الاصوات داخل النصّ، وعليه فان تعدد الاصوات وتداخلها يتجلّى اكثر في القصيدة السردية التعبيرية اكثر من حضورها في السرد القصصي الحكائي لانها تعتمد (القصة / الرواية) على الشخوص والحدثية الحكائية، عكس السردية التعبيرية التي تعتمد على الانزياحات اللغوية والخروج عن معايريها حيث تتوسّع الشخصية الواقعية والمعهودة داخل القصيدة البوليفونية ونجد الشاعر مختف وراء المفردات ويجسد رؤى الشخوص (بينما تكون رؤية المؤلف الخفية التعبيرية في مستوى القصد تتجسد بشكل عالم ايحائي ورمزي لكلمات النص وبناءاته ورؤاه واصواته المتعددة . د.انور غني الموسوي) . هنا سنحاول الاضاءة على بعض القصائد السردية التعبيرية المكتوبة بالطريقة الافقية (الكتلة الواحدة) موضوعا وتعبيرا وشكلا، حيث تتعدد الاصوات وتبرز شخوص نصيّة وكذلك حدثية نصيّة وتعبيرات نصيّة اسلوبية كاشفة عن الرؤى .

عَقل ../ بقلم: فريد غانم

على عرض الطّريق السّريع، في منتصف ساحةٍ مطرّزة بالأضواء المُلوّنة، ترتفع أصوات الباعة الدّيجيتاليّين: "لدينا عواطف من كلّ الأحجام والأشكال والألوان والرّوائح والمذاقات. لدينا عواطفُ حمراء حمراء في طعمِ الدّماء، وعواطف أرجوانيّة مقطوعةٌ من عنُق الشّمس وقت الغروب. ولدينا عواطفُ حارقةٌ كأشجار البراكين، وعواطفُ مائيةٌ تفلق الصّخر، وأخرى هوائيّة للعشق السّريع...."

وفي الزّقاق القريب، خلف كرسيّ ماسح الأحذية، إلى يسارِ بنايةٍ مهجورة، على وقع رذاذ الأصداء المتناثرة، يجلس كهلٌ بثيابه المهروءة، ويحملُ رأسَه في راحتَيْه الذّابلتَيْن.

ان التكثيف اللغوي والسريالية الجميلة وتعدد الشخوص النصيّة وبروز الحدثية النصيّة والايحاء وهذه الفسحة الكبيرة التي منحتها السردية التعبيرية للشاعر حققت لنا تعددية الاصوات بينما بقي الشاعر مختفيا وراء المفردات ويحرّكها بذكاء ../ على عرض الطّريق السّريع / في منتصف ساحةٍ مطرّزة بالأضواء المُلوّنة / ترتفع أصوات الباعة الدّيجيتاليّين: "لدينا عواطف من كلّ الأحجام والأشكال والألوان والرّوائح والمذاقات../ نلاحظ هنا بروز الشخوص النصيّة والحدثية واضحة جدا من خلال المفردات (الطريق = مكان / .. ساحة = مكان ../ الباعة = شخوص نصيّة ../ عواطف = زخم شعوري) .. لدينا عواطفُ حمراء حمراء في طعمِ الدّماء../ وعواطف أرجوانيّة مقطوعةٌ من عنُق الشّمس وقت الغروب../ ولدينا عواطفُ حارقةٌ كأشجار البراكين../ وعواطفُ مائيةٌ تفلق الصّخر../ وأخرى هوائيّة للعشق السّريع..(تكرار مفردة العواطف = زخم شعوري ../ وقت الغروب = زمان ../ .

فتنة ../ بقلم : يسرا طعمة - سوريا

تاريخٌ خوى على عروشه وخرائط الماء أُهرقت صار الوطن مجهولا بملامحَ مستعارة .سكون يشبه إبادة في مكانٍ سُوى . دفاتر غيبٍ مضى تحكي ربيعاً أهيف كان يعانق جنين الفرح ونجم تحت الثلج يبزغ ساجداً وفي الغد رمانٌ وتفاحُ عبِقُ الخصالِ أُعطر النورَ إن لامس َشفاهي الصاخبة ونضارةَ أنفاسي لذيذة الخضرة من قارورة الشام فواح ُ لاتفتش بين أعقاب السلالات عن قلب يوسفي يحمل ملامحَ من جمال الله أو رحمة عذراء قبل أن تنهشها غربان ضامرة متصعلكة شكت إلى السماء قصص شؤومٍ حملت وزرها ثأرًا من آدم إلى نفاد الحبر هناك مكسور الجناح لايعبأ أسار على الحصى أم هاجت الرياح بحرٌ؛ شرائعُ الحب فيه أثواب ٌملونةٌ غارقةٌ . والوثنية طافية بوجه الشمس تحدق بفجور وتحدث :السماءَ رجعُ صوتها بخار. إنك كتبتِ أسفاراً بالملح على صفحة ماء ياللرياء!. خُذي ماءَك .يجف الملح على ذيلِ سفوحٍ معمرةٍ عقيمة بلغتْ من الكفرِ عتيا فتنةٌ أمواجها كانت ترتجف وهي تلبسُ ثوب القاتلة .

نجد هنا اختفاء الشاعرة وراء مفرداتها ومنحت السردية التعبيرية حرية التعبير عما يجول في نفسها بينما صوت الشاعرة عبارة عن صدى للاصوات المتناغمة داخل القصيدة ../ تاريخٌ خوى على عروشه وخرائط الماء أُهرقت صار الوطن مجهولا بملامحَ مستعارة .سكون يشبه إبادة في مكانٍ سُوى ../ دفاتر غيبٍ مضى تحكي ربيعاً أهيف كان يعانق جنين الفرح ونجم تحت الثلج يبزغ ساجداً ../ قبل أن تنهشها غربان ضامرة متصعلكة شكت إلى السماء قصص شؤومٍ حملت وزرها ثأرًا ../ أم هاجت الرياح بحرٌ ../ وتحدث :السماءَ رجعُ صوتها بخار. إنك كتبتِ أسفاراً بالملح على صفحة ماء ياللرياء!. / خُذي ماءَك ../ خُذي ماءَك .يجف الملح على ذيلِ سفوحٍ معمرةٍ ../ أمواجها كانت ترتجف وهي تلبسُ ثوب القاتلة . تداخل الاصوات هنا يتجلّى بوضوح عن طريق الشخصية النصيّة (تاريخٌ / خرائط الماء / الوطن / دفاتر / ربيعاً / نجم / رمانٌ وتفاحُ / النورَ ... وغيرها مما يتكظّ به النصّ من شخوص .

بقلم: عدنان جمعة ../ أغنية سومرية

أبهجني في هذا المساء، لون القمر وأغان سومرية، ترتل الشوق لعينيكِ الضاحكتين، باحثة عني، بلهفة عاشق، وابتسامة حائرة، ربما أكثر، لا أبارح مكاني، أسعى لشفتيكِ، أيا زهرتي الصغيرة، سأشرب النخب بكأس حبكِ، أضمكِ والأرض كلها، أعرضها بين يديكِ، وأطلق سراح نفسي، بإحساس دافئ ببساتين ضفائركِ، أصغي لها، فالخوف ما عاد موجوداً من حلم مرتبك، رغبتي، أضع رأسي كدبوس يعانق صدركِ، نملأ الفراغات بجمر القبل، والجسد محموم بعطر الخشخاش .

في هذه القصيدة الحرّة نجد ملامحح القصيدة السردية التعبيرية واضحة ومتجلّية عن طريق هندستها (الكتلة الواحدة – الافقية) حيث اللغة المتموجة مابين الغنائية والزخم الشعوري حققت لنا تجلّي واضح لتعدد الاصوات ../ أبهجني في هذا المساء، لون القمر وأغاني سومرية، ترتل الشوق لعينيكِ الضاحكتين، باحثة عني، بلهفة عاشق، وابتسامة حائرة ../ لغة متموّجة زاخرة بالمشاعر / ابهجني / أغاني سومرية / الشوق / اللهفة / الابتسامة .. هذه تعبيرات نصيّة تعددت الاصوات من خلالها ../ سأشرب النخب بكأس حبكِ، أضمكِ والأرض كلها، أعرضها بين يديكِ، وأطلق سراح نفسي، بإحساس دافئ ببساتين ضفائركِ، أصغي لها، فالخوف ما عاد موجوداً من حلم مرتبك / ..نجد هنا تعبيرات نصيّة اخرى تحقق لنا هذه البوليفونية وتعدد الاصوات في لغة عذبة رقراقة عن طريق صوت الشاعر والاصوات الاخرى المتداخلة في القصيدة .

صيفٌ يستلذ اوجاع البنفسج ../ بقلم : رحمة عناب

صيف بربريّ فاخم العمى تطفو حرائقه في عتمة الصمت متواطئا مع شجون شوق شاتية جمرا تقايض الساعات، انين البنفسج لا يعرف سره احد الا غيمة اخلفت وعد المطر،كم كان صوته فضياً كلما شهدته مرايا البرتقال يمسح عنها اوجاع الشتاء يفتح في عينيها حدس اجنحة الفراشات على اغصان *(ليلة القدر) يباغتها قيظك مسرعا مستلذاً مرّ تجاعيد حيرة البحث لا ظلا يرطب فرط خشونة الرحلة ولا ضوءً ناهضا في عزلة الغياب وها هي تعتصر زنابق الذاكرة من حواف الابواب الموصدة....

* ليلة القدر : نبتة تطلق عطرا فوّاحا في ليالي الصيف.

تجلّي واضح لتعدد الاصوات وكذلك اختفاء الشاعرة حول مفرداتها وتحريكها بحبال خفيفة عن طريق الخيال الخصب واللغة والايحاء والرمز والانزياح . / صيف بربريّ فاخم العمى تطفو حرائقه في عتمة الصمت متواطئا مع شجون شوق شاتية جمرا تقايض الساعات ../ انين البنفسج لا يعرف سره احد الا غيمة اخلفت وعد المطر ../ وعن طريق هذا البناء الجملي المتواصل / كم كان صوته فضياً كلما شهدته مرايا البرتقال يمسح عنها اوجاع الشتاء يفتح في عينيها حدس اجنحة الفراشات على اغصان *(ليلة القدر) يباغتها قيظك مسرعا مستلذاً مرّ تجاعيد حيرة البحث لا ظلا يرطب فرط خشونة الرحلة ولا ضوءً ناهضا في عزلة الغياب وها هي تعتصر زنابق الذاكرة من حواف الابواب الموصدة 0 هذه فقرة طويلة ذات تركيبة نصيّة مركّبة تتعدد فيها الاصوات وتتجلّى) .. / تتعدد الاصوات نتيجة استخدام طاقات اللغة والخيال وتعدد الصورة الشعرية وتعدد القصدية والايحاء والتكثيف اللغوي، وكذلك تجسيد الرؤيا في الشخوص النصيّة ../ صيف / متواطئا .. شجون شوق / تقايض الساعات .. انين البنفسج / غيمة اخلفت . كل هذا تحقق عن طريق السرد التعبيري وهذه الحرية في الكتابة .

كحبة زبيب اختمر قلبي بحيرته .. / بقلم : نجاح زهران

كحبة زبيب اختمر قلبي بحيرته، عما قليل التقط صوت ولدي من مرايا الروح وهذا الجحيم لا يغفرلي هواجس الذات التي تأت به، أتأمل السراب الازرق ساعة الشروق وعطشي النابض لرؤيته، أشرب وجودي الانساني من آخر الصحراء عند دلالات الهوية ليجلس الدمع على ركبتي بين الرغبة وجثمان ولدي بثلاجة الاحتلال.

أنتعل ما بقي من روحي الجائعة كلما دقت القدس شتاتها وأجمع الضوء لأرتق قميصها عند جسر المفاوضات، أخرج مني والشرفة المطلة على بحر يافا تفتح المسافة بألغام السؤال .

الان وأنا أبحث عن السكر المسجى بدمي وبرتقالة خاشعة تشبه أحلام اليقظة بقيود السجين خلف الضوءالبعيد، تبدل قشرها بين شرعية الحلم والشك الاكيد،

الان تحرسني الحدود والحواجز التي لا ترى موطأ قدمي تلتهمني أنا والصورة المعلقة في ساحة بيتي ونحن نرسم الصباح الذاهب الى البحر في ملهاة التناقضات على حافة السلام وحجرواقف على مفترق الطرق يبتكرر عودته من الموت تحت غيمة مسيجة بالضباب .

ان تعدد الرؤى والاصوات متجلّية هنا وبروز شخوص نصيّة عن طريق تعبيرات نصّية اسلوبية تكشف عن الرؤى ../ كحبة زبيب اختمر قلبي بحيرته ..(هنا نجد شخصيتين / حبة الزبيب / قلبي / عما قليل التقط صوت ولدي من مرايا الروح وهذا الجحيم لا يغفرلي هواجس الذات التي تأت به) .. (نجد هنا الشخصيات النصيّة واضحة (صوت والدي / مرايا الروح / هذا الجحيم / هواجس الذات ..) ..(الان وأنا أبحث عن السكر المسجى بدمي وبرتقالة خاشعة تشبه أحلام اليقظة بقيود السجين خلف الضوءالبعيد ../ أنا / السكر / بدمي / برتقالة / أحلام اليقظة / قيود السجون / خلف الضوء ..) . ان الحرية التي منحت الشاعرة كل هذه المساحة من الكتابة عن طريق السردية التعبيرية دليل واضح على جمالية هذه اللغة وبينما اسلوب الكتابة جعلت تعدد الاصوات حاضرة بهذا الكمّ الرائع والجميل .

حمامةٌ فراتيّةٌ تقلُّ إليَّ حضارةَ سومرَ ... / بقلم : مرام عطية

لم أكنْ أَعْلَمُ أنَّ تلكَ الحمامةَ الفراتيَّةَ مثلُ ليلةِ القدرِ ستغيِّرُ خريطةَ بؤسي المهترئةَ بهمسةٍ شوقٍ ولمسةٍ تحنانٍ، كفُّ المسيحِ تعطفُ على أرضي القاحلةِ جداولَ ألقٍ وندىً من شلالِ نورها، وتملأُ كؤوسي الرماديةَ فيضَ حبورٍ من التفاتةِ مزنتها، ولم أكنْ أعرفُ أنَّ سُعُفَ النَّخلِ بين جناحيها، ستكونُ مبضعَ الجرَّاحِ لجسدي المثقلِ بالأًوجاعِ والندوبِ ؛ فتشفيهِ حين يعزُّ عليه الشِّفاءُ، وأنَّ عراجينَ الرطبِ اللذيذةَ ستكونُ مذاقاً شهيَّاً وقزحاً من الدَّهشةِ في يبابِ عمري، وأنَّ أغصانَ الزَّيتونِ بفيها ستكونُ عصا موسى ؛ فتملأُ جراريَ الفارغةَ بالزَّيتِ المقدَّسِ، وخوابيَّ الشَّاحبةَ بالعسلِ ورحيقِ الزَّهر .

ماذا أقولُ لحمامةٍ فراتيَّةٍ رفَّتْ على نبضي صباحاً بعد سني غيابٍ، وهي تقلُّ إليَّ معلقاتِ بابلَ من مدنِ سومرَ العريقةِ، وغاباتِ أرزٍ من شموخِ لبنانَ ؟

ماذا أقولُ لو جاءتْ تسألني الهديلَ فوق نخيلها الوارفِ الثَّمرِ، أو تطلبُ إليَّ الهجرةَ إلى أقاليمها الجديدةَ ؟!

ماذا أقولُ لو راحتْ تقلُّني قصيدةَ غزلٍ إلى جزرِ القرنفلِ والكرزِ في بلادِ الشَّمالِ، أو تحملني أميرةً دمشقيَّةً إلى قصورٌ الأناقةِ والألقِ في بيروتَ ؟! وغزلاني لا تعرفُ إلاَّ مساكبَ الحبقِ والزعترِ في قرى السنديانِ، وحسناواتي ترفلُ بالفرحِ رغم الفقرِ الماديِّ، تتزيَّنُ بالتواضعِ وأساورِ الحنين في لقاء العاشقين .

أأقولُ لها سأنضمُّ لأسرابِ نوارسكِ البيضاءِ ؟!

أم ألوِّحِ لها بالفراقِ من غرفتي الرَّماديةِ ؟!

أيَّتها اليمامةُ البيضاءُ من أخبركِ بعد اتساعِ الغيابِ وتصحُّرِ الزَّمن بحقولِ شِعْرِي العطشى لهطولكِ الأخضرِ . من أيَّةِ غيمةٍ جِئتِ تهطلينَ زمرُّداً وياسمينَ تكحِّلينَ جيدي بشالِ لهفتكِ الأزرقِ، وتقبِّلينَ شفاهي بالنبيذِ ؟!

سأحتفي بكِ يمامتي الأنيقةَ في مهرجانٍ يطولُ، ويتسَّعُ كما تحتفلُ الصحراءُ بواحةٍ خصيبةٍ، لكن مهلاً على كريستالِ

قلبي الورديِّ من الانكسارِ؛ فهو لم يعتدْ على ذااااكَ الهطولِ الأرحبِ.

هذا سرد تعبيري نموذجي حقق السردية التعبيرية باوضح تجلّياتها وحقق لنا البوليفونية وتعدد الاصوات في نفس الوقت، هذا الانزياح الجميل والتشظّي في اللغة والرمزية المحببة والزخم الشعوري القوي كلها اجتمعت ها هنا ../ لم أكنْ أَعْلَمُ أنَّ تلكَ الحمامةَ الفراتيَّةَ مثلُ ليلةِ القدرِ ستغيِّرُ خريطةَ بؤسي المهترئةَ بهمسةٍ شوقٍ ولمسةٍ تحنانٍ ../ كفُّ المسيحِ تعطفُ على أرضي القاحلةِ جداولَ ألقٍ وندىً من شلالِ نورها ../ وأنَّ عراجينَ الرطبِ اللذيذةَ ستكونُ مذاقاً شهيَّاً وقزحاً من الدَّهشةِ في يبابِ عمري ../ تتزيَّنُ بالتواضعِ وأساورِ الحنين في لقاء العاشقين ../ اتساعِ الغيابِ وتصحُّرِ الزَّمن بحقولِ شِعْرِي العطشى لهطولكِ الأخضرِ ../ . من خلال الشخوص النصيّة (الحمامةَ الفراتيَّةَ .. ليلةِ القدرِ .. خريطةَ بؤسي .. بهمسةٍ شوقٍ .. ولمسةٍ تحنانٍ .. كفُّ المسيحِ .. أرضي القاحلةِ .. جداولَ ألقٍ .. هذه الشخوص النصيّة وغيرها في القصيدة حققت لنا هذا الكمّ والتجلّي للاصوات اضافة الى اللغة السردية التعبيرية واستخدام الانزياحات الجميلة بطريقة ذكيّة .

هذه بعض الاضاءات على قصائد سردية تعبيرية أردنا من خلالها ان نبيّن للمتلقي وكتّاب القصيدة السردية التعبيرية هذه الجمالية والفرادة والدهشة التي ربما لن تتحقق الاّ من خلال السرد التعبيري . نحن نؤمن بان جميع قصائد كتّاب السرد التعبيري على مستوى عالي من الجمالية، انما نختار بعضها حسبما يوافق الموضوع الذي نتحدث عنه . حتما ستكون هذه الاضاءات مستمرة لتشمل اكبر عدد من قصائد المنشورة في موقع (نادي السرد التعبيري) .

 

كريم عبدالله - العراق

 

مادونا عسكرالنّصّ

اليد..

تمتدّ فوق يدك

عندما تنزعني أرواح الخلق ألبسك

(يوسف الهمامي)

- القراءة:

يحاكي هذا النّصّ بما استخدم فيه الشّاعر من تكثيف في الصّورة والمضمون لوحة جبران خليل جبران "العالم الإلهيّ". ولا تبلغ المحاكاة أقصى التّشابه بين النّصّ واللّوحة بل تخلق نوعاً من التّواصل الإبداعيّ تمثّلت به (اليد) في اللّوحتين، الشّعريّة الّتي جعلت اليد وسط المعنى الّذي في قلب الشّاعر، وقد شكّلت محور النّص والعنصر المستهلّ به ومفتاح إلى العالم الّذي ينطلق منه الشّاعر ليرسم القصيدة. والأخرى، أي لوحة جبران خليل جبران الّتي خرجت عن تأمّل خاص للعالم الإلهيّ تَمثّل بالعين في وسط اليد المحاطة بالأجساد العارية الّتي غالباً ما رسمها جبران بطابع ملائكيّ دلّ من خلالها على الأرواح السّماويّة.

(اليد) تمثّل في النّصّ واللّوحة معاً السّلطة والرّحمة والاحتواء. فكما نراها في لوحة جبران خليل جبران مبسوطة تحتلّ وسط اللّوحة دلالة على سلطة المحبّة لا السّلطة بمعناها العنفيّ المتسلّط، مشكّلة الرّعاية للأرواح الّتي تحيطها بل للعالم بأسره. كذلك اليد في نصّ الشّاعر دلّت على سلطة المحبّة وبدت مبسوطة غير منقبضة، دلّ عليها الامتداد من علوّ كعلامة تقود القارئ إلى عالم إلهيّ يستقي منه الشّاعر تأمّله الخاص، ويحيا به وفيه اتّحاداً علويّاً من جهة وأرضيّاً من جهة أخرى. (تمتدّ فوق يدك)

إذاً نحن أما "اليد" الإلهيّة الّتي يخلص إليها نصّ الهمّامي، و"اليد" الإلهيّة الّتي تخلص إليها الأرواح في لوحة جبران خليل جبران. وفي كلا العملين مثّلت اليد الاحتواء. استهلّ الشّاعر نصّه بلفظ (اليد) وتركه مفتوحاً على الغيب / المطلق ليعود ويظهر حضورها الجليّ في كينونته المتّحدة بكينونة المحبوبة. ولئن كان الحديث عن اتّحاد بين حبيب ومحبوب فلا بدّ من أنّ اليد عنت للشّاعر سلطة الحبّ.

منح جبران خليل جبران اليد في لوحته طابعاً بشريّاً إذ رسمها مشابهة تماماً ليد الإنسان. ولعلّه أراد بذلك الخوض في الصّورة الإنسانيّة الّتي على صورة الله أو أنّه أراد التّعبير عن قرب الله من الإنسان. وأمّا الشّاعر يوسف الهمامي فاكتفى بتصدّرها المشهد دون وصفها أو تحديد ملامحها. لقد أراد الشّاعر أن يدلّ القارئ على "اليد" المطلّة من فوق، الّتي تحتويه وتقوده وترعاه وتدلّه على محبوبته. فنفهم أنّ اللّقاء المرجو بين الحبيب والحبوب لقاء رتّبه الله وأوجده من صلب محبّته. ولقد عبّرت الجملة التّالية (تمتدّ فوق يدك) عمّا يشبه الترتيب الإلهيّ لاجتماع هذين الشّخصين العاشقين. إنّ امتداد "اليد" الإلهيّة فوق يد الطّرف الآخر أشبه بإلهام أو دليل قاد هذا الطّرف أي المحبوبة إلى الشّاعر. لم يقل الشّاعر (اليد.. تمسك بيدك) بل (تمتد)، فحافظ من جهة على خصوصيّة العلاقة البشريّة والرّوحيّة بينه وبين المحبوبة. ومن جهة أخرى امتدّت (اليد) فوق يده لأنّ يده هي ذاتها يد محبوبته.

في اللّوحة الجبرانية يدور العالم حول اليد ويخلص إليها، وأمّا في لوحة الشّاعر فاليد جعلت المحبوبين منفصلين عن العالم على الرّغم من ارتباطهما به واقعيّاً. (عندما تنزعني أرواح الخلق). الشّاعر منفصل عن عالمه وهو القائل في مكان آخر "أنا أعيش في مكان لا أدري أين../اقرعوا،، يُفتح لكم". وعدم دراية الشّاعر بمكان عيشه لا يدلّ على هذيان ما أو عدم معرفة للمكان، وإنّما يشير إلى حياة في داخله معروفة لكنّها تفوق قدرة الاستيعاب، لأنّه استخدم فعل (أعيش). ما دلّ على حياة قائمة بحدّ ذاتها. هو هنا، في العالم، تحت رعاية (اليد)، وهناك بالرّجاء الّذي تمحنه هذه (اليد)، رجاء الحبّ. ويدور الشّاعر ومحبوبته حول هذه اليد ويخلصان إليها ولكن روحيّاً. (عندما تنزعني أرواح الخلق ألبسك)

الأرواح الّتي تدور حول اليد في لوحة جبران تبدو غير فاعلة لأنّها في حالة انجذاب إلى اليد. لكنّ الأرواح في نصّ الهمامي فاعلة منحها الشّاعر طابعاً كونيّاً اجتمعت فيه أرواح الخلق. لكن يبدو أنّها أرواح سماويّة تسهم في تدرّج الشّاعر روحيّاً وارتقائه سلّم العالم الإلهيّ كاختبار روحيّ عميق يتّحد من خلاله بمحبوته. يُنتزَع الشّاعر من عالمه فيحلّق ليلتقي بمحبوبته في عالمهما الإلهيّ ويتّحدان روحيّاً (ألبسك).

قد يكون في لفظ (ألبسك) إيحاء إلى الآية القرآنيّة (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة: 187) أراد من خلاله الشّاعر تبيان خصوصيّة هذا الاتّحاد الّذي يعبّر عن ذوبان العاشقين في كينونة واحدة فيكون الواحد ستراً للآخر. والفعل (ألبسك) يبلّغ في النّصّ ذروة العشق وذروة الاتّحاد العشقيّ الّذي يجعل من الشّخصين شخصاً واحداً.

لا غرابة إذن من اتّحاد لوحة ونصّ في فكرة واحدة، فلغة العشق واحدة، تتجلى بقوالب إبداعيّة مع احتفاظ كلّ عمل بوهج إبداعه الخاصّ الّذي ينطلق من التّجربة الخاصّة والمميّزة بكلّ تأكيد. لعلّي أغامر وأقول إنّ الهمّامي يفتح أفقاً جديداً لتناص أدبيّ منقول من الفنّ التّشكليّ، هذا التّناصّ الّذي لم يتنبَّه له إلا قلّة من المبدعين، قد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين على أحسن تقدير.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

مصطفى غالب مهتديليست دراسة نقدية بل بوح يرافق بوح الشاعر بتنهداته لعروس الياسمين التي تربعت عرشها بين يديه... عروس الياسمين التي تلهو في قلب الشاعر وعلى أصابع الحب والحنين دون ضجيج .. بل تأخذ مسارها من مفردات العفوية وتتلطى خلف غيوم من الدهشة واللهفة التي لا تتكاسل حين تغرق في أمطارها الخصبة لحد الشفافية العاكسة للبراءة والحنين الطافح بالشاعرية التي غدت راكضة إلى مشتهاها المتفتح زهوراً في بساتين القصيدة المولودة من رحم العفوية

***

حين تفتح البتيلة الأولى من أوراق ياسمين القصيدة في عرسها عند شادي تتصبَّحُ بسلمية مدينة التاريخ وهي تغافل الشاعر لتخرج مفردات تعاتب القصيدة التي شكلتها عبر قرون من التألق الحضاري فهي خرجت من حقيقة سوريتها المتشكلة والمشكلة للحضارة البشرية فدرست ودَرَست الأمم والشعوب التي حاورتها أو حاربتها فانتصرت الحقيقة الإنسانية واندحر السيف في قبضة العادي لتخرج لتحبو في عصور من حجر التعددية والاعتراف بالأخر الذي أصبحُ أناها فلا هي بقيت هي ولا هو بقي هو كلاهما صار مفردة ترقص على شفاه الشاعر الورقية لتسمي الأشياء بصفاتها وكينونتها الأبدية ... هي الأم التي (تحيك الفرح وما تعبت جفونها)

***

شادي .. حاد كالصمت حين يغني بكلام نسجه من أفقه الذي يبحث عن طلةٍ شعرية تقتحم وحشتنا ووحدتنا لتكوِّنَ من صداها أفقا من ألاعيب الرجولة التي لم تخرج من طفولتها بعد ولم تتأنق لتقابل من تحب ولم تتكاذب مع نفسها كي تعرفها على حالها بل خرجت كما هي عفوية وصادقة وعارية من الألفاظ المزركشة والمزخرفة كي تسحر بمحسوساتها فكرنا ..فأرقت القصيدة لأنها عرفت حقيقة إحساساتنا فانطلقت إليها لتشرب معها ماء البوح الذي لا يغافل شاعره بل يؤاخيه ويلاقيه كي يرحبا معاً بظلِّ المتلقي الذي يدخل جنان القصيدة ويتدفأ ببردها وعبيرها ..

***

قصيدة شادي تحترم نفسها واضعة المتلقي على بساطها الريحي العذب الذي يأخذه حول المفردات لتتشكل الرؤية التي تكشف ستر دعوته لكي نسكن ونتساكن مع القصيدة في تألق لحظاتها التي لا تعود بل تتكسر مجاديفها وهي راحلة في أفقنا حتى تعانق شفق الشعر وتنام على كتفه حمامة تدفئ زغاليلها بالهديل

عروس الياسمين .. نبتة برية من شعر لا يقارب الخطيئة ولا التوبة بل هو فوقهما يسبح كسمكة من بهاء تلبي سحر أغنيات الحبِّ الواسعة لحد الضيق والضيقة لحد الفضائية في كونها تغتسل بماء البنفسج لتنام على سرير الأنوثة تداعب ضفائر العطر فتتآكل السبل ويصلها من يحمل في يديه زنبقة من بريق وقبلة من وجع .. تتسلل كنيزك يعرف أن حياته الضوء وموته الاحتراق .. هكذا هو شادي يضيء كي يأتلق ويحترق .. على صفحات من ربيع يضحك لحد البكاء ويبكي لحد الضحك

***

في نص (رحلة في الذاكرة) .. اعتذار الشاعر من ذاكرته التي بدأت تشيخ طفولة ومراهقة على صدر الحبيبة التي يوجعه الحب ويخنقه النسيان فيسافر بالحبيبة كرفٍّ من طيور مهاجرة بين البراءة والقسوة التي تفرفط عقد الريش في أجنحتها بطلقة النسيان والتشظي انتحارا وأمنيات..رحلة بين أن تكون الذاكرة أو لا تكون لكن شادي يريدها أن تكون فتكون ويكونان معاً .. جناحاً يرفرف ضد النسيان

***

ترك شادي روحه تكتب القصيدة ضد عفونة القصدية والمكابرة .. فهو يحبُّ الأمنيات.. فهي تخضر بين مفرداته ربيعا أهدته إياه الحبيبة قصيدة من نور تعتق على جناح فراشة انتحرت كي يضاء هذا الحب بكل معنى الشعرالواثق من مضامينه وألفاظه الموحية بأحلام اليقظة التي توقظ الرؤية لدى المتلقي اللهفان كي

يحس ويشعر بأن وجوده تسطر في ثنيات قصيدة من ربيع

***

حين تضحك القصيدة معانقة المفردات التي شقَّ الشاعر صدره كي يفتش عنها ويعطيها هويتها.. تتفتح أمام المتلقي ستائر وحجب المعاني فيصلها فاردا جناحيه كي يحلقان معا في سماء من عبق الحياة والحب الذي لا يرتدي إلا ثياب عاشقيه التي يفصلها من الألم والأرق والانتظار واللهفة والدهشة التي لا تستكين إلا على ورق القصيدة للحظات ثم تعاود حراكها لتعيد تشكيل القصيدة من جديد

***

شادي يجلس بين غربة الروح وشمس القصيدة التي تأخذ جدائلها من تطلعات معرفية ترتجف أمام حقيقة الكينونة التي تتراكم ألماً وحنيناً ولوعة وامنيات من فرح اللحظة .. تحيك من شباك اللهفة بوابة لصباحات مثقلة بالدموع والأقمار التي نسيت نومها فقتلت النعاس بالمستحيل كي تحنُّ لمنافي فلكها التي تسبح بها راسمة ما غاب عن الحس وذهب إلى الإدراك ... فيحلم شادي نصوصاً تسهر معه ومع المتلقي على حافة الرؤية الإنسانية القلقة المجروحة بالجماد والصنمية مرفرفة بأجنحة من خيال ووحي وحرية تأخذها المفردة لتسكن في أي مكان تختاره من الجملة ..على نهر أو جدول من ماء الشعر ..و جمال اللغة.. الخاصة التي تقطع حدود المستحيل إلى القصيدة.

***

قصيدة النثر التي ظهرت من مواقف النفري وطواسين الحلاج وإشراقات السهروردي وتألقات جبران خليل جبران وتألما ت أمين الريحاني وكآبات إسماعيل عامود وأبديات وسمرنار سليمان عواد ..و خواتم..إنسي الحاج ووردة يوسف الخال .. وحزن وغرف وسجون وحرائق وجنات محمد الماغوط .. وأساطير رياض الصالح الحسين ..و اتجاهات جودت حسن .. وامرأة محمد حيدر ..و انطفاءات فؤاد كحل ..و إسماعيل ادونيس وحبر إعدام سنية صالح .. وأسفار حسين الحموي وإلياس فاضل .. وحقائب يوسف عادلة وعري حسين هاشم ..و بلعاسيات خضر عكاري ..... هل بدأت تتعب ؟؟ فتبحث عن كينونة أخرى؟؟..

***

قصيدة النثر لم تقل كلمتها بعد كي تصمت فهي لازالت في رحم شاعرها تأخذ منه أكثر مما يأخذ منها .. يعطيها ولا تعطيه .. إنها تعد نفسها لتكون لائقة بشاعرها ...و لتخرج إلى ضوء كونها ..و لكن أخطئ أنا حين أقول هي وهو فقصيدة النثر إن لم تكن هو(الشاعر) فلن تكون هي (القصيدة) .. لأن ولادتها هي ولادة الشاعر الإنسان والحرف المعانق لهذه الولادة الإنسانية العبقرية

***

ما كتبه العاشق المتسول شادي هل هو قصيدة نثر أم نصوص تقارب القصيدة لكنها ليست قصيدة ، تجاور الشعر لكنها ليست شعر ؟؟ أقول هي نصوص تنتمي لشادي ولا تنتمي لسواه ..هي لمن لا يعرف شادي يقلب أوراق حياته ويرتبها كي تبدو كما يشتهي وحين ينتهي يعاود صياغتها ثانية وثالثة ورابعة لأنه في كل مرة ينتهي من هذه الصياغة يجدها لم تعبر عن كله بل عبرت عن بعضه .. فيحاول أن يجعل كل حرف في نصه يصرخ : أنا شادي أبو حلاوة ليس إلا ..و هذا هو الشعر وهذه هي قصيدة النثر التي لا تريد إلا أن تكون شاعرها ...كما قلت هي ليست دراسة نقدية بل إشارات ومحاولات للتعريف بالشاعر وقصيدته فهل عرَّفتُ به ..؟؟ على ما اعتقد أن هذه الإشارات ضلَّت طريقها فدخلت في الشاعرية وتخلت عن التعريفية ... إلا أنها كانت كما أنا وكما أردتها أن تكون .. مواقف أمام قصيدة شادي كي تحاورها والحوار أول خطوة على طريق قراءة القصيدة والشاعر

 

بقلم: مهتدي مصطفى غالب

..........................

(عروس الياسمين ) نصوص أدبية – للشاعر: شادي أبو حلاوة – دار التوحيدي – 2008م

 

 

أننا امام رواية وظفت سردها لغاية الإنسان ومصالحه، وقد يصطدم القارىء بعنونة الرواية اولاً، ثم بغلافها .

يحمل الغلاف الخارجي للرواية سيميائية رمزية متقنة ومباشرة للقارىء بنوعيه المثقف والعادي، والذي يعطي الخيط الأول لفهم المتن السردي.

يوظف خفاء ظاهر ومعلن، ويستمد التأويل، شخصية البطل بارزة، وهو يتناسب مع المتن السردي، فالشخصية ظاهرية، تحمل دلالات خطابية، ورمزية عميقة، وتحمل كلا الدلالتين المجازية والحقيقية، فأهمية الغلاف موازية لأهمية المتن السردي، وتستنطقه بلغة سردية مفهومة بعيدة جداً عن الغموض والمواربة.

وتتميز بالتشكيل البصري المتقن، عن طريق بصرية الالون، خط العنوان باللون الأزرق وهو لون السماء، والماء، والطبيعة، ثم ليغلب اللون الرمادي الذي يرمز الى المأساة، ليأتي الأمل بلمحة بسيطة وزيارة خفيفة باللون الأخضر وهو دلالة للحدوث والتجدد، واشار اللون البرتقالي الى لون الحركات السياسية، ويرمز ايضاً الى التمرد والعصيان، أما دلالة رمزية الكلب فهي دلالة للحيوان لكنه تقنع برداء الإنسان، وأحسب أن الروائي كان على قصدية عالية عندما فضل الكلب على غيره من الحيوانات؛لأنه يحمل نسبة من الذكاء العالي فهو يصلح للمهمة التي أوكلها اياه الروائي، ثم لأنه يستعمل في العمليات العسكرية أغلبها، ويعد الأساس الأول والمساعد للإنسان في اجراء العمل الميداني والتحريات والكشف عن طريق حاسة شمه القوية؛ ولأنه امتاز من بين الحيوانات بالوفاء، لذا فإنه سيتفوق في مهمته التي أوكله أياها الروائي.

وقد أمتاز كلب (كافكا) بالكاريزما، فـإلبسه القميص الأبيض الذي يدل على السلام والنقاء، والأسود رمز الأناقة وهو سيد اللألوان، يحمل تأثير قوي ومباشر، اضافة الى أنه يحمل دلالتان: الأولى: ايجابية: رمز القوة، والآخرى: سلبية: عندما يتوافق مع الموت والشر، واشار لون شعره-الكلب-باللون الأصفر وهو لون الابداع والتفكير، ويمكننا القول: إن ملابس المحقق (الكلب) جاءت بصرية، اعتمدت على علامة غير لغوية، وبهذا تكون اكثر فعالية، وهي دلالات تواصل بين القارىء والروائي، هذا من ناحية الغلاف ومايشير اليه.

واذا ما انتقلنا الى المتن السردي فإننا نقع بإزاء مواجهة مباشرة ومعلنة أمام مهمة (الكلب)، فالروائي قد وضع جملة تسأولات في مخيلة كلبه، تحمل عدداً من القضايا بنوعيها (الأساسية والثانوية)، ليحاول عن طريقها أكتشاف المعلن والمضمر، ليكتشف العالم من دون مؤثرات خارجية أو داخلية، فهو محقق وهذا عمله، ولذا نجده جرده من المؤثرات جميعها، ثم سعى الى تجريده من اية أفكار مسبقة، وهذا ماجعل الفلسفة تحتل الجانب الأول في مهمة المحقق (الكلب)، ليختلج مزيجاً من الصراعات النفسية، والأيديولوجية.

والكلب يقع بإزاء نهاية عالم مغلق وخفي، لينهض من فزعه وتنقض عليه الموسيقى وتكاد تقضي عليه وهو الجرو الصغير، ليمارس صومه في سكون الغابة، وسيميائياتها، وهذا امتياز يحسب للروائي ؛لأنه وظف الجانب الروحي عندما وظف الموسيقى، والجانب العضوي عندما وظف الطعام، وبدوره-الطعام- غاية لوجود الإنسان والحيوان .

والحت الرواية عن طريق اسلوب التكرار في فكرة تأمل الحياة بوساطة تفسخ وتحليل الأحتياجات المادية وغير المادية للإنسان والحيوان وخصه بالغذاء، وناقشت مفهوم كيفية أنبات الغذاء في الأرض.

ثم يتطور كلب (كافكا) وهو الصغير الذي يفرض نفسه عضواً في منظمة غذائية، كل هذه الأساليب والتدخلات من قبل (جرو أو كلبه الصغير) خرجت لغاية خدمة الإنسان اولاً؛ لأنه-الإنسان- قضية (كافكا) الأساس، ونجده دائماً يعمد الى ربطه بالحيوان، لأقتراب حاجات كليهما من ناحية الطعام، والمسكن، والأمان، والأبتعاد عن الأضطرابات، والعنف الموظف بإزائهما.

ويوظف الفعل المضارع الدال على الأستمرارية (تسأل، ترجو، تنبح، تعض، تحقق ...الخ).

وخص عالم الكلاب بالقول: (مؤسسة رائعة من كل الجوانب)، وامتاز كلبه بالذكاء والفطنة عندما نقد وضعهم بالقول: (كانت هذه الكلاب تنتهك حرمة القانون. ربما كانوا من كبار السحرة، لكن القانون ينطبق عليهم بدورهم. كنت أعرف ذلك تماماً على الرغم من أنني كنت جرواًصغيراً...)

اضيف، أن العالم الروائي منذ الوهلة الأولى التي انطلق فيها، وظف سرده لغايات أجتماعية بالدرجة الأساس، ولخدمة الواقع المتردي ثانياً، وهذا ماجعل الرواية تحتل جانباً متميزاً .

 

بقلم: وسن مرشد

 

بكر السباتين* ملاذ الشاعر وتفعيلة (متفاعلن): جرت العادة أن يلوذ الشاعر إلى أقرب الناس إليه ليبوح بأوجاعه ويستودعه أسراره.. لأن هذيان الشاعر سيفضح ما في باطنه من أسرار.. بعضهم قد يستعين بالعرافات.. أما شاعرنا السعودي فقد اختار أن يهمس في المحارة (تفاعلن) التي التقطها من البحر (الكامل) فيقلبها في يده بأنامل باردة مرتجفة هزمها التوتر حتى سكنت وتحنطت كالأشياء المهملة؛ ليستريحَ وكأنه يستودعها أوجاعه، فيأخذ من دفئ البوح طاقة الصمود فيستريح.

من هنا نستطيع أن نتفهم هذا البوح الذي أفضى به الشاعر زياد السعودي لمحارة (متفاعلن) التي التقطها من (البحر الكامل) العميق اللجي بحركاته الثلاثين العائدة إلى أصل التفعيلة، فيبدو بهذا التنوع كأنه مليء بالأساطير والأخاديد الملغزة بالسؤال، البحر الشعري القادر لاتساعه على أن يستوعب حتى عاطفة رثاء الموت وما يجلبه من حزن، والممتد إلى غياهب المجهول حيث يعربد شيطان الشعر قبل استحضاره من قمقم الغواية كي يعيد تركيب الوجع وفق رؤية شاعرنا زياد السعودي المتشائلة، تعززها الصور الشعرية المدهشة التي جلت أي التباس عن مشهدية النص وزادته وضوحاً في الرؤية، لا بل وفجرت طاقات الشاعر حتى لو كان النص يتحدث عن الموت، فيأخذ الموج آهات الشاعر وبوحه على متن (البحر الكامل) الممتد، فيقذف بالمحارات (التفعيلات) النابضة بأحلام الشاعر المقموعة إلى رمل الشاطئ حتى يلتقطها متأمل بدا وأنه يداعب القافية بأحلامه المنسابة مع المدى. فما تراه ذلك البحر الكامل الذي استأمنه الشاعر رؤيته العميقة.

ينبغي أن ندرك قبل كل شيء بأن الحالة النفسية للشاعر لا بد وتأخذه إلى الخيار الفطري للبحر الشعري المناسب؛ كي يسترسل من خلاله الرحيل إلى قلب المتلقي فيتفاعل مع القصيدة وفق الإيقاع الذي يتركه النص عليه.. فيحزن أو يفرح أو قد تنتابه موجة من الغضب وربما يحلق عالياً في سماء البهجة والفرح.. على أننا نستطيع أيضاً ونحن مطمئنون أن نستكشف ما في جوف الشاعر من أسرار وعواطف مكبونة.. ففي حالة الموت غلى سبيل المثال، يختارالشاعر الملهم من ساقية الشعر الوزن المناسب، ويحبذ أن يكون كثير المقاطع، حتى يعبر الشاعر عن مشاعره الجياشة وحزنه العميق فيتوقف بنا عند فلسفة الموت ومشاعرنا إزاء العزلة والغياب الأبدي؛ لذلك وقع خيار زياد السعودي على البحر الكامل. أما لماذا فعل ذلك دون أن يتقيد بالقافية في إطار الشعر العمودي! فربما يكون ذلك بدافع هواجسه وقلقه الذي يأنف الانحباس في القافية، لذلك فإنه سيقوم بخلط تلك المحارات (التفعيلات) بيديه المتكورتين، ويلقيها بعد ذلك على رمال الشاطئ الموشوم بخطوات العابرين؛ كي يبوح إليها بمعاناته الإنسانية، وبهذا يكون قد أبعد القصيدة عن رتابة القافية التي تقولب النص الجميل، وتحوله إلى زخارف متماثلة التشكيل، كأنها نافورة ذات تكوينات صارمة دون إنكار لجمالها وموسيقاها التصويرية وإن كانت رتيبة.. ولعل رتابة صوت خرير الماء فيها هو الذي يثير الملل لدى المتلقي، لذلك فإن شاعرنا زياد السعودي كان قد وفق تماماً في خلط المحارات (متفاعلن) وألقاها على الرمل، لأنه أراد أن يعبر عن روح الشلال المتحرر من القيود، الذي يعزف موسيقاه دون رتابة، فيأخذ البوح شاعرنا إلى أعماق الطبيعة وامتدادها الذي يتجاوز أفق الأمكنة ويحلق في السماء الرحبة.. ويطلق الطيور من أقفاصها، لذلك اختار زياد السعودي محارة (متفاعلن) لترافق زخم الشلال إلى أعماق النهر، فتأخذها التيارات متحررة من قيود القافية لتستقر متفرقة على الرمال كي يلتقطها المتلقي فيستمع إلى موسيقى الريح المنبعثة من جوفها كأنها الأنين.

* البحر الكامل وتحليل نص القصيدة

والبحر الكامل الذي اختار زياد السعودي منه محارة (متفاعلن) لتراود أسراره، حتى أنه روس بها القصيدة، فهو من بحور الشعر الجميلة ذات الإيقاع الغنائي الذي يخلب الألباب ويأتلف الأذواق. وسمي هكذا لأنه كملت أجزاؤه وحركاته. وهو أكثر البحور حركات، فالبيت فيه يشتمل على ثلاثين حركة. ويصلح الكامل لجميع أغراض الشعر، ولهذا فقد كثر استعماله عند القدامى والمحدثين. لذلك استهوت تفعيلات هذا البحر العظيم الشاعر زياد السعودي، وبناءً على طلبها محارة (متفاعلن)، ورغم حالة الموت التي حجبته عن حديقة النور، تواصلا هاتفياً.. نعم فلا غرابة أن تتصل به تفعيلة (متفاعلن) عبر الهاتف كي توقظه من غيبوبة الفناء.. هذا ما يفصح عنه العنوان:

"بناء على طلب متفاعلن"

ثم يدخلنا الشاعر في مشهدية النص الممسرح:

"رِن رِن ألو ..." ظلي معي ؟؟"

فهو الآن هائم في النهايات يتقاذفه الغياب ويعبث في وجدانه الفناء، فهل يستسلم للتلاشي أم يترك أسئلته تفجر ملامحه في قلوب الناس.. وما دام الموت في سياق النص فرضياً، ويعبر عن عزلة الشاعر في عالم مليء بالصراعات وتتغول فيه الفردية، فإن بوحه كأنه إعلان حياة.. فيهمس في جوف المحارة (متفاعلن) بعد أن التقطها من البحر الكامل، قائلاً:

"قد ملّني ظلّي لأنّي

أسلمت روحي للتعنّي

ويحي أنا ..إذ ويكأنّي

ما عدت منّي "

إذن الشاعر يرفض الفناء ويتحول الكفن الذي يلف جسده الهامد كأمل يورق في صدر شاعر متشائل تتقاذف روحه النهايات، فيتحول الكفن إلى قماط طفل يتدرج بالمشي في حياة مختنقة بالأزمات..

لكن الشاعر ما زال يبوح بأوجاعه للمحارة (متفاعلن)، والتي فاقت مجساتها الحية حالة الموت الرابض على انفاس الشاعر المكبونة، وكان بوسعها أن تؤثر على حواس جسد غادرته الروح فعاد إلى أصله الطيني الذي خلق منه.. هذا الجسد الذي خبت فيه الحياة وانطفأت زهرة النور في محياه، وغادر صاحبه مرايا الحياة المتعاكسة إلى العدمية.. صور متعاقبة وغاية في الدهشة.. وها هو الشاعر يقول:

"متوجعٌ طيني وإنّي

متوزعٌ ما بين آهاتي وأَنّي

حتى انعكاسي في المرايا

قد تخلى الآن عنّي"

وإمعاناً في الغربة، فقد صور الشاعر الحجاب القرمزي الذي يوحي بمغيب الشمس واقتراب الظلام، حيث اليباب المتجمد الذي استقى البرد من أعماق غربته الأشد برودة، إنه صقيع الموت والكآبة. فزخر هذه المشهد بالصور المدهشة التي عبر من خلالها الشاعر عن غربة الروح وفناء الجسد وانعتاق الأسئلة من جمجمة رأسه المطوق بالطين، فتعاند الرياح التي تلقي بهذا الغريب إلى غول النهاية، فيستريح الشاعر بعد أن يفضفض عن معاناته.. وها هو يعترف للمحارة (متفاعلن) بأنه تعب من الحياة ولن يستريح، وهنا تتجلى حالة من القلق واضطراب الأفكار. هذا ما قاله الشاعر في الأبيات التالية:

"شمسي

يراوغها الحجاب القرمزي

فتختفي خلف المدى

من غربتي البرداء

قد شرب الجليدُ صقيعَهُ

فتجمدا

يمتدّ ديجوري

كأرقام إلى ما لا هداية

والريحُ والأنواء

تلقيني إلى غول النهاية

تَعَبٌ أنا لا يستريح"..

وها هو يفتح قلبه متحرراً من هذيان الموت ليستعيد بقايا النهار في قلبه منقباً عن أسباب مأساته، يفتح قلبه على الواقع المر الذي تسبب بفنائه الافتراضي، وهنا يكمن وجع الإنسان في كل زمان ومكان، كانه إقرار بأن الحياة أصبحت مستحيلة، لقد جُرِحَ حداءُ قافلته الذي يعبر عن وجدان العابرين بقوافلهم المنهكة إلى متاهات النهاية، وهم يعانون من العزلة الخانقة في عالم الرياء وتستلبهم الكوابيس أحلامهم، وكأني بالشاعر المتشائل يرى بأن الإنسان دون أحلام يسعى إليها، يشبه الأموات.. فهو مُسَيّرٌ وينتمي إلى القطيع، لذلك اختار الشاعر قافلة الموت من باب العصف الكياني للعقول البليدة.. فيقول:

"وحداء قافلتي جريح

أنا والذين

تراكموا فوق الرصيف

متهالكين كما الخريف

أنا والذين

تكوبست أحلامهم

وتكدست أملاحهم

وتأكسدت آمالهم

وتكرست آلامهم"

ولكن لماذا أجيز وصف الشاعر في الأبيات التالية بالمتشائل الذي تتراوح رؤيته ما بين التفاؤل والتشاؤم! فمرد ذلك عندي كامن في الخاتمة الشعرية التي عبر فيها عن يأسه من تغيير الأحوال، فقد اختار عزلته ليعيد برمجة نفسه على أمل جديد قد يغافله من السماء، فلم يلجم في المحصلة إلحاح المحارة "متفاعلن" على إيقاظه من غيبوبة الفناء فيرد عليها:

" ظلي معي"..

ربما غافلته الوحدة في عقر جسده المهمل، حينما حرمه العالم من ماء الحياة وقمحه، إلا أن الأمل كان يبلله من سَحٍّ تفلت من جبروت الشتاء المحكوم لدى اليائس إلى سلطة القهر، وها هي القصيدة تتهادى في خاتمة بوحه:

"نبتل من سح تهرب من شتاءْ

ضاقت بنا حتى احتمالاتٍ لماءْ

"زِفْتُ" الطريق مشابِهٌ لوجوهنا

تلك التي منها يُسلُّ العمرُ

والأشياءْ"

ثم يعقب تلك المشهدية صمتٌ سرعان ما يمزقه رنين الهاتف:

"طوط طوط ألو" ... فيستوقف المحارة (متفاعلن) متردداً:

"ظلي معي ؟؟"

الشاعر هنا لم يقفل باب الأمل أي أنه "متشائل"، لكن المحارة من سياق الخاتمة السردية أوحت له بالتريث فالعالم ما لبث لا يطاق:

"المرحوم زياد السعودي بعد التحية نبلغكم أنه وبناء على طلب (متفاعلن) تم ايقاف جميع المكالمات الواردة"

القصيدة جميلة من حيث الرؤية.. ووحدة الموضوع.. والصور المدهشة التي جاءت متناسبة مع الغاية.. وموسيقاها التصويرية ذات الإيقاع البطيء المرافق لرثاء الشاعر لنفسه.. وعاطفة التشاؤل التي سادت جو القصيدة.. كأنه يصور هذا العالم الكئيب في أسوأ صوره، لكنه أيضاً كان باستطاعته أن يوقظ الخيارات.. فحرارة الموقف الأخير لا بد وتذيب جليد الكآبة المتراكم في أعماقه.. ومحارة(متفاعلن) تستنطق الأسئلة في روحه القلقة كي يبقى على قيد الحياة..

 

بكر السباتين

 

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر الفلسطينيّ فراس حجّ محمّد

- النّصّ:

قاسية كحلم البارحة

رهيفة اللّحنِ

هاربة على شفا حفرة من أداء الرّقصِ

موجعة كغصنٍ مثقلٍ بالثّمرْ

عاريةٌ كضوءْ

واضحةٌ كأسرارِ النَّبِيّْ

بين يديّ وحيْ

غامضةٌ كفلسفةٍ وجوديّةْ

وفيها كلّ شيّْ

- القراءة:

"المرأة مخلوق بين الملائكة والبشر." بلزاك

تجتمع التّناقضات في العالم ليتشكّل حدّ من الكمال، وتجتمع التّناقضات في الشّخص لتتبيّن بشرّيته الكاملة. وفي هذا النّصّ القائم على التّناقضات تنكشف بعض من رؤية الكاتب عن "المرأة" وليس عن امرأة محدّدة يصفها ببساطة. فهو يعبّر عقليّاً عن فلسفة الكينونة الأنثويّة، ووجدانيّاً كشاعر عن البعد الكونيّ للمرأة الّتي تحمل في ظاهرها وعمقها ما نسمّيه تناقضات لتتجلّى أمامنا المرأة/ الشّخص بقيمتها الإنسانيّة وأبعادها الأرضيّة والكونيّة.

ابتُنيَ النّصّ على جملة (وفيها كلّ شيّ)، وانطلق منها ليسبر أعماق الكينونة. فهذه الجملة تلخّص المعنى الكامن في قلب الشّاعر، وتستفيض في ذات الوقت لتطرح فلسفة الشّاعر كرؤية خاصّة عن المرأة الأصل. وحتّى ولو اختتم الشّاعر نصّه بهذه الجملة إلّا أنّها مفتوحة على البداية غير المرئيّة ما قبل السّطر الأوّل. ولعلّ تفلّت الشّاعر من صياغة عنوان للنّصّ يمنح القارئ آفاقاً رحبّة ليقرأ ما قبل النّص وما بعده. ويشكّل حرف العطف (و) فصلاً بين النّصّ ككلّ وبين الجملة الختاميّة (فيها كلّ شيّ) ليكون النّصّ منفصلاً ومرتبطاً بالظّاهر والعمق، بالمرأة الإنسان والمرأة الملاك، بالمرأة الأنثى والمرأة الكينونة. والمرأة في النّصّ حقيقة لا خيال، ولا يرنو الشّاعر إلى توصيف امرأة من الخيال أو امرأة يرجو حضورها. إنّه يعود بنا إلى الجذور الإنسانيّة للمرأة الّتي تلمّس حقيقتها.

(قاسية/ رهيفة/ هاربة/ موجعة/ عارية/ واضحة/ غامضة) عبارات قد تدلّ في الظّاهر على تناقضات متضاربة من العسير أن تجتمع في امرأة واحدة. إلّا أنّها في العمق تشكّل لوحة تكامليّة أبانت عن بشريّة موغلة في وجوديّة المرأة ككائن يمتلك قوّةً خاصّة تتفرّد بها وحدها (قاسية كحلم البارحة). وهنا يبرز امتداد للحلم من جهة كونه حقيقة مرجوّة لا سراباً يعجز الشّاعر عن بلوغه. لكنّ حلم البارحة اختبار حياتيّ وجدانيّ عاشه الشّاعر بمرارته وقسوته رابطاً إيّاه بقسوة المرأة ليمنح هذه القسوة طابعاً إيجابيّاً. فالبارحة بما يحمل من اختبارات فكريّة ونفسيّة ووجدانيّة يحفر في الإنسان تعليماً ومنهجاً خاصّين به. ولعلّ القسوة الّتي يتحدّث عنها الشّاعر تندرج في هذا الإطار معتبراً أنّ قسوة المرأة طبع شخصه بفكر جديد بل جعله يكتشف جذوره في المرأة. فالحديث ليس عن امرأة قاسية، بل عن صلابة المرأة الّتي تستحيل رهافة في مرحلة ما بعد الحلم، أي في الحاضر. ما يكوّن لدينا فكرة عن التّمايز في قناعة الشّاعر بين المرأة كقيمة والمرأة كأنثى، إذ إنّها امتداد للماضي وتجذّر في الحاضر والمستقبل (رهيفة اللّحن). واللّحن المترادف مع الموسيقى يدخل القارئ بملائكيّة المرأة من حيث التّحليق الرّوحيّ الّذي يفترض جهاداً خاصّاً وشاقّاً لبلوغ اللّذّة الرّوحيّة. فيرتبط السّطر الأوّل بالثّاني، وكأنّي بالشّاعر يتأمّل هذا الكائن القيمة تدريجيّاً ويرافقه بجهاد روحيّ وفكريّ وجسديّ ليبلغ ما أمكن بلوغه من معرفة ويقين دون السّعي إلى الامتلاك؛ لأنّه يعرف في قرارة ذاته أنّ الامتلاك يؤدّي إلى الفقد. ما عبّر عنه في السّطر الثّالث (هاربة على شفا حفرة من أداء الرّقصِ). وإذا كان الرّقص أداء وتعبيراً جسديّاً إلّا أنّه يقود الإنسان ليتلمّس عمقاً ما في نفسه. كما أنّه يعبّر بشكل أو بآخر عن الحرّيّة المرتبطة بالكون. واجتماع لفظ الهروب مع لفظ الرّقص دلالة على رحابة الكون الّذي ينطوي في داخل المرأة الّتي يتحدّث عنها الشّاعر. هذا الكون المثقل بالعطاء (موجعة كغصنٍ مثقلٍ بالثّمرْ) الغنيّ بالحياة على الرّغم ممّا يوصف بالضّعف. فالتّناقض في هذا السّطر يستبين من خلال لفظيْ (غصن/ مثقل) ولفظيْ (موجعة/ الثّمار). فالغصن على الرّغم من هزاله ونحافته يمنح الحياة (الثّمار)، ويحتمل ما يحتمل ليكون سنداً لها.

يزول التّناقض في القسم الثّاني من النّص ليبدأ الكاتب بصياغة العمق الّذي ينفي ما بان في ظاهر القسم الأوّل من تناقضات. فتنكشف لنا المرأة/ السّرّ أو اللّغز. وكأنّي بالشّاعر يتأمّل أسرار الكون انطلاقاً من المرأة، أو يتأمّل المرأة انطلاقاً من الكون.

عاريةٌ كضوءْ

واضحةٌ كأسرارِ النَّبِيّْ

بين يديّ وحيْ

غامضةٌ كفلسفةٍ وجوديّةْ

فيمزجها بالطّبيعة (الضّوء) والأبعاد الكونيّة اللّامرئيّة (أسرار النّبيّ/ وحي) والبعد الوجودي للإنسان (غامضة كفلسفة وجوديّة). ولعلّه في ذلك يتأمّل وجوده كرجل وكإنسان ومدى امتداده من المرأة. ويتّجه في هذه الدّلالات اللّفظيّة إلى التّجرّد الخالص؛ ليجعل من المرأة القيمة حقيقة ملموسة فكريّاً وروحيّاً واختباراً معرفيّاً إنسانيّاً. وما خلوّ هذا النّصّ من أيّ فعل إلّا دلالة على تأمّل خاصّ بالشّاعر قاده بشكل أو بآخر إلى ارتشاف بعدٍ من أبعاد الحقيقة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

جمعة عبد اللهتقتحم هذه المجموعة القصصية، جملة من المواضيع الساخنة من ثيميات الواقع، ولكن تتناولها من زاوية او من منظور الرؤية الغرائبية، وفق مرجعيات الواقع التي قذفتها رياح الغرائبية الفنتازيا، واخذت اشكال ومتغيرات نحو الشطحات الانزلاقية صوب (الديستوبيا) او المدينة الفاسدة، التي تتعامل مع المنطق الفاسد في معاييرها، في واقعها المظلم والفاسد، وفي تعاطي الجريمة والقتل والسرقة، فما ان ينسدل جنح الظلام، حتى تتحرك الزعانف الديستوبيا، لتحتل محطات الواقع، وتقوده الى الغرائبية، في اشكالها المختلفة . لذلك تغور في اعماق هذا الواقع في الرؤيا الكاشفة عن ثيمات الواقع الديستوبي، تحتاج هذه النصوص، الى التأمل والدقة في قراءة محتوياتها المضمونية وشفراتها الرمزية، في الدلالات الايحائية ومدلولاتها، ان هذه الصيغ السردية الابداعية، تتعامل وفق متغيرات وتحولات الواقع، الذي يتبع المنطق الغرائبي، في سماته وخصائصه وصفاته، التي انعكست على الحياة المعيشية واليومية، وتأثرت بها الى التأثير الكبير، في انزلاقها الى الثيمات الديستوبيا، واقع مخنوق ومحاصر ومنتهك فقد صوابيته وعقله، والمجموعة القصصية، تسلط الضوء علية، لتكشف وتعري ظلامه وظلاميته، التي تجعل الانسان مختبر اختبار كالفئران، تجعله مادة امتحان، تجنح الى معاناة والمحنة والسخرية اللاذعة من مظاهر المدينة الفاسدة . لذلك اننا بصدد ابتكار سردية ابداعية في المتن النصوص، ضمن المنطق الغرائبي في فن القصة القصيرة، وهي انعكاس لمرآة الواقع الدتسوبي، وقريحة القاص ابدعت في تسليط الكاشف ببراعة واتقان، بأن الانسان هو ضحية الخوف والقلق والرعب والكآبة . واقع غرائبي مضطرب ومعقد، يقود في الاسراف في الهوس الغرائبي، في عقليته الفاسدة والمأزومة والمتأزمة، في معطيات التهميش والانتهاك والاستلاب . هذه خلاصة الواقع الديستوبي، الذي ابدعت فيه نصوص قصص المجموعة في الرصد والاستبطان، والشيء الجميل ان القاص له خبرة متمكنة في خوض غمار هذا الادب الغرائبي. له قدرة متمكنة في ذاثقة الخيال والتخيل والصياغة والتعبير الدال، من خلفيات هذا العالم الديستوبي الغرائبي .

- ففي قصة (الثأر): تشير بأن اصحاب الجاه والمال والنفوذ ، اجتمعوا على وليمة طعام، بعد اصطيادهم سمكة حية، وظلت حية تنبض وترفس، حتى بعد شواءها على شواية النار، وتقطيعها الى قطع صغيرة بعد الشوي، لكنها ظلت حية حتى في بطونهم، التي اصبحت تهتز وترقص وتتحرك في بطونهم بشكل ساخر، حتى اتجهوا الى النهر وغطسوا في قاع النهر، وهاجمتهم الاسماك النهر حتى نهشت واكلت لحومهم . وهي اشارة صريحة بأن يأتي يوم للمظلوم لينهش لحم الظالم . يعني يوم المظلوم على الظالم .

- قصة (خواتم): تعري الزيف والتبجح الفارغ، في صياغة تاريخ مزيف لسلالة العائلة بشكل مغاير لحقيقته الدامغة ، في التماهي الفارغ، بأن عائلته تملك الجاه والغنى والبطولات تمجيدية للاب المتوفي، الذي ساهم في الحرب وقتل جندي معادي وسلب منه خاتمه . وهو في حقيقة الامر، كان فقير ومعوق بلا ذراعين، لا يملك من الحياة شيئاً .، بملابس اسمال بائسة ورثة . وليس كما تروج الام لولدها، بأن أبيه سليل الغنى والجاه والمقام، بالضبط مثل الطبقة السياسية الحاكمة . كانت بالامس لا تملك شروى نقير .

- قصة (تواطؤ): رجل يعيش في الظلام ويخشى ويتوجس من النور والضياء، لذلك يبتعد عن ضياء الشمس ويختفي في النهار كلياً، لكنه عزم على كسر هذا الجمود والانغلاق، في الخشية من الضياء، والخروج الى الشمس والنهار، يعني كسر الجمود والانغلاق بالارادة.

- قصة (الطريق): تسير جمهرة من حشود الناس وراء الدليل، الذي يقوهم الى الطريق المرام الوصول اليه، ولكن طال المسير، وبعضهم تمرض وبعضهم مات، وبعضهم حتى تزوج في الطريق . لكن انهكهم التعب والارهاق وتورمت اقدامهم من المشي، فعندما تعلو صرخات الغضب والتذمر من جمهرة الحشود، بأنهم ليروا الطريق المنشود ويسألون اين هو؟، يجاوبهم الدليل بعبارته المألوفة والمتكررة عدة مرات (لم يبق إلا القليل، وصلنا تقريباً، وراء هذا الجبال، او الجبال التي خلفها) وعلى هذا المنوال يتساقط بعض المشاة من الانهاك، ولكن فقط الاطفال مسرورين بالمسير، يعني عندما يفقد البعض الرؤية الواضحة، يضيع في طريق التيه والضياع .

- قصة (بائع القلق): رب العائلة مصاب بالخمول والوهن والضعف، من كثرة احلام الكوابيس المرعبة والمفزعة، التي تداهمه وتحرمه من النوم، لذلك جزع بتذمر من هذه الحالة المأساوية المرعبة، وذهب الى صاحب المحل الذي اشترى منه دواء القلق، لكي يبدله في دواء اخر يشتريه، يكون مضاد ويزيل القلق، فقال لصاحب المحل، لا اريد قلقك، يرد عليه صاحب المحل (لعلك تريد ترياقاً ضد لقلق هذه المرة ؟) فيجيبه بنعم، ويأخذ الترياق . وتتبدل الاحلام من الكوابيس المفزعة والمرعبة، الى احلام جميلة وساحرة في عالمها من الرفاه والنعيم الوردي . اعتقد ان المرام . بأن الحياة من صنع الانسان، وليس غيره، سواء في الشقاء والنعيم

بعض النصوص الديستوبيا:

1 - قصة (عودة سانتاكلوز): الرجل الطيب، بالملابس الحمراء واللحية البيضاء الطويلة، والوجه البشوش (عمو نوئيل) وعند اقتراب موعد ليلة رأس السنة، يوزع هداياه للاطفال النائمين، وهي عبارة عن جثث مقطوعة الرؤوس مجهولة الهوية، ويغادر في الصباح الباكر، وتنتشر اخباره في الاعلام وبيانات قوات السلطة، لكثرة حالات وجود الجثث المجهولة الهوية، وهي مغزى الى عصابات الجريمة والقتل والاختطاف، يظهرون بوجوه مرحة، لكن يرقد في دواخلهم وحوش ضارية.

2 - قصة (الحديقة السرية) يقوم حارس الحديقة بتنظيفها وتريبها واعدادها بشكل لائق لزبائنها، وكان صاحب الحديقة، يحذره بكتمان سر الحديقة واسرار زبائنها، ولاسيما وهم من مراكز النفوذ في السلطة والاعلام، ويظهرون بمظهر الرزانة والوقار والعفة والشرف وقيم الاخلاق المثلى . لكنهم في داخل اسوار الحديقة، يمارسون المجنون والدعارة والطيش والاستهتار الصبياني بهوس مجنون، حتى يتضاربون بالاحذية فيما بينهم، ويتبادلون الشتائم البذيئة، حتى المحجبات يخلعن الحجاب ويتعرين امام الرجال، وينزلن الى حوض السباحة عاريات تماماً . وهذا يشير الى المدينة الفاسدة، التي تظهر بوجهين الراهب والشيطان .

3 - قصة (اللص): لص محترف في الاجرام والقتل بمهنية عالية، ورغم ان جرائمه هي مادة حديث الناس والاعلام والسلطة، ويتحدى الناس بظهوره العلني وسط الناس، ويصيح بهم (أنا اللص الذي سرقكم كل يوم، اتحدى قوياً منكم أن يمسك طرف ثوبي، جربوا ان استطعتم هذا) لكن الغرابة يتلقى الاحترام والتمجيد والمدح . وهي صورة حقيقية للصوص اليوم يتحدون، ولكن السذج والاغبياء، يمدحونهم بالمجد والعظمة .

4 - قصة (الشوكيون): كانت في جسمه شوكة واحد، بعد أثر فوزه بجائزة محلية، ولكن تكاثرت الشوكات في جسمه كلما نال جوائز اخرى، حتى اصبح جسمه عبارة عن شوكات جارحة .

5 - قصة (كحول ومئذنة): يتقدم سكير لكي يتبرع بدمه لانقاذ طفلة تصارع الموت، ولا يمكن اجراء العملية إلا بتوفير صنف الدم لها من المتبرعين، ويحاول السكير بعناد ان يتبرع بالدم حتى ينقذ الطفلة، ولا يطلب شيئاً سوى انه ينجز عمل أنساني يؤديه، ولكن يقابل بالرفض والسخط من جمهرة الناس واقرباء والد الطفلة، يرفضون بشدة عرض السكير، ويحذرون الاب، من فعل النجس والحرام والعار، بتلوث دم الطفلة بدم سكير، ويحاولون طرد السكير، ويقع الاب في حيرة، بين الرفض والقبول، ويحذرونه بأنه سيكون عاراً على طفلته وهي على شفاء الموت (أنت مجنون ؟ لو كنت مكانك لرضيت بالموت لطفلتي، على ان يشرب جسمها دم هذا السكير) وبالفعل يطرد السكير، والطفلة خفت نبضها . هذا النظرة الدينية المنغلقة والمتخلفة .

6 - قصة (ديستوبيا): مجرم يقترف جرائم القتل في جنح الظلام، بضرب ضحاياه بالفأس، ولكن اجرامه مختصر على الشرفاء والطيبين فقط . حتى تفرغ المدينة منهم، وكثرت جرائم القتل، والاعلام والسلطة، تتحدث عن جرائم السفاح بآلة الفأس، لكنهم لا يفعلون شيئاً، وفي احد الايام وجدوا جثة السفاح في كوخه قتيلاً، لكن لم يجدوا آلة الجريمة (الفأس) اختفت لم يعثروا عليها، ولكن (الفأس) خلقت فؤس كثيرة، وتفرخت بخروج سفاحين بكثرة جدد . هذه اخلاق المدينة الفاسدة، لا مكان للشرفاء والطيبين .

7 - قصة (عائلتي) رب أسرة يحب عائلته حباً شديداً، ومتعلق بهم بالحب الطاغي الذي لايفارقهم كظله . زوجته تدعى (محنة) والطفلان ولد وأبن . البنت اسمها (كآبة) والولد اسمه (قلق) ويعيشون بحبور وسرور وتآلف متين بينهم . لكن داهم عائلته السعيدة، مرض غريب أطلقوا عليه (فايروس الفرح) قلب حياته بموت عائلته، ووقع في حيرة وتخبط، كيف يعيش بدون عائلته السعيدية، التي اصابها هذا المرض الغريب، وكيف تكون حياته بدون محنة وكآبة وقلق ؟، لذا يشعر انه بات غريباً على الحياة، ماذا سيكون حاله اذا داهمه الفرح، انها مصيبة كبرى، بهذه السخرية الانتقادية التراجيدية، التي اصابت المواطن بالمعاناة والهموم، التي تجلب المحنة والكأبة والقلق .

لاشك ان هناك الكثير من القصص القصيرة الابداعية، التي تستحق القراءة والوقفة والاهتمام، بما تحمل روح ابداعية متمكنة، بهذا النوع الادبي المعاصر في فن القصة المعاصرة

 

جمعة عبدالله

 

جوزيف الفارس

لا يمكننا تحديد انبعاث هذا المسرح ولا ان نتجادل فيما اذا كان عالميا او محليا، لانه هو شعور رد فعل رافض لكل قوانين وانظمة الحياة الروتينية من عادات وتقاليد بالية، اضافة كونه ثورة على الواقع المتردي والغضب ضد الانظمة التي لا تساند القضايا الجماهيرية، اضافة كونه رد فعل الانسان الرافظ للحياة المملة والتي يرى انها مملة ورتيبة وبعدم الجدوى من الضحك على الذقون مجاملة لاي مجتمع يعيش ضمن حياة لا جدوى من النفكير بنهايتها، وخاصة الظروف الماساوية من موجة الحروب العالمية والنكبات الطبيعية والتي تخلف الدمار وتهلك الانسان وتدعه في موج التفكير الذاتي في الحياة العامة والخاصة، فياتي رد الفعل من هذا اللاجدوى من هذه الحياة الروتينية والمملة والتي تسودها انظمة تقيد حرية الانسان لا تتفق مع ميوله وافكاره الغير المحدودة والمطلقة باتجاه هذا العالم وطبيعته التي يسوده القهر والحرمان وعدم المساواة مابين طبقات ابناء المجتمع الواحد، ومن خلال هذه العوامل الاساسية والتي لعبت في حياة الفرد برزمن المفكرين والمناصرين لفكرة من خلالها تجسدت ارادة التحدي لكل ماهو غير منطقي من العادات والتقاليد البالية والثورة عليها وفيما بعد سميت من قبل بعض النقاد باللامعقول في القرن العشرين، وبالذات من فرنسا انبعثت جذور هذه الفلسفة التي نادت بها مجموعة من المثقفين ومنهم : جان بول سارتر والبير كامو وبيكيت ويونسكو وعديدون ممن كانت ردود افعالهم ثورية ورافضة اتسم مسرحهم بالغضب والثورة على الواقع المتردي نتيجة شعورهم باللاجدوى من هذه الحياة والتي لا تجدي نفعا من العيش فيها والاستمرار على روتينها الممل .

اذن، لنبحث وندخل في اغوار هذه الفلسفة وعن اسبابها وتمخضاتها على نطاق العالم والظروف المحلية لكل بلد والتي شجعت على ظهور مثل هذه الفلسفة والتي اصبحت فيما بعد مدرسة اهدافها جلية في الرفض والتمرد والغضب والثورة على الواقع الذي يعيشه المجتمع انذاك والذي لا يعترف الا بالافكار والعادات والتقاليد البالية والتي تقيد حرية الانسان في اختياراته، وفي هذا الصدد يقول سارتر: (لا يمكنني ان اجعل الحرية هدفي مالم يتساوى الاخرين امام هدفي) .

الحياة الطبيعية هي الاصالة في كينونة الانسان الحقيقي

فان كل من هذه المقارنات لا تتفق مع الظروف السائدة في بلدان العالم المتطور والداعي الى الثورة الصناعية والتغيير الجذري في نمطية الحياة الكلاسيكية ومابين واقع العالم الثالث والذي كان القسم منهم يعيش تحت هيمنة الاستعمار او تحت هيمنة بعض الانظمة الجائرة والتي كانت السبب في ظهور ردود الافعال لشريحة من اصحاب الافكار الحرة والذين ينظرون الى الحياة الطبيعية انها هي الاصالة في كينونة الانسان الحقيقي، هذه الشريحة من هذا النمط الوجودي، دعت الى الرفض والثورة والتمرد على الواقع اللامجدي لحياة الانسان الطبيعي والذي امتدت جذوره ونمت من واقع طبيعي مكيفين حياتهم الطبيعية مع كينونة الطبيعة ووجودها .

فالمفكر والاديب في اية بقعة من بقاع الارض تنبت جذور افكاره بالرفض او القبول من واقع الحال الذي يعيشه، يرفض الحياة النمطية والمملة والغير المجدية لتحقيق اهداف تحرره من قيود العادات والتقاليد والتي فرضت عليه، لانه مؤمن بان مثل هذا الواقع لا يسوده الا الزيف والخداع،ولهذا ينمو في داخله ردود افعال رافضة لمثل هذا الواقع والمبني على التقاليد البالية والدجل والتملق من اجل تحقيق مصالح شخصية، يقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر : ان الحرية ليست صفة او خاصة من خصائص طبيعتي، انها تماما نسيج وجودي .

فنتيجة للوضع الغير المستقر والتي ولدتها الحروب وما نتج عنها من ضعضعة الامن وعدم الاسقرار وسوء الحياة الاقتصادية، اضافة الى الويلات والكوارث الماساوية، نتيجة كل هذا،ولد الانسان الرافض والمتمرد والثائر، وقد اختلفت ردود افعال الرفض والتمرد وكل وبموجب تاثره بما يحيطه من الاوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية،فمثلا التعبير عن الرفض والتمرد اختلف في العالم الثالث عن العالم المتحضر ولا سيما في اوربا، لاختلاف التجارب والافعال المحيطة بالفرد بحيث تختلف ردود افعال كل منهما وبموجب مايحيطهما ويعانيان منه من هذه الاوضاع، وانما لا يمكننا رفض تاثيرات اولئك الكتاب العظام العالميين من امثال يونسكو وجان بول سارتر وكامو على نتاجات كتابنا العرب والمحليين، لان التجارب العالمية وفي الوطن العربي ايضا خضعت لعملية التاثر والتاثير، وعلى ضوء هذه التاثيرات تاتي ردود افعال المعنيين من الكتاب، متجسدة في اعمالهم ونصوصهم بافكار فيها من الغضب والتمرد والثورة على كل ماهو غير منطقي وغير معقول، وبهذا الصدد يقول الفيلسوف الوجودي البير كامو : لم يعد قلبي الا ذاك القلب العاشق للحياة والمتمرد على النظام القاتل للحياة .

من من الكتاب الذين تجسدت سمات الغموض والرفض في نصوصهم؟

لقد اختلفت اساليب التجسيد والطرح من خلال نتاجات بعض الادباء وكل منهم وبموجب ابداعاتهم واساليب طرحهم، انما الجميع اتفقوا على جوهرية الطرح، وعلى السمات الاساسية لهذه المدرسة منهم، بيكيت ويوجين يونسكو وارثر اداموف وجان جنيه وهارولد بنتر .

فكانت معظم نصوص البعض منهم تطرح افكارا تدور حول نفسها بشيىء من الغموض وفي اجواء كئيبة متشائمة وفي حدود ضيق من الديكور المسرحي اضافة الى قلة شخوصها

كانت شخوص هذه المدرسة (مسرح العبث) تبحث عن الخلاص، تبحث عن الاسباب من جدوى وجودها في الحياة الا ان هذا البحث ينتهي باللا جدوى، كان الغموض يدفعهم الى الدوران حول حلقة فارغة حيث كانوا في ديمومة التسائل عن اسباب وجودهم وفنائهم، وحينما لا يجدون الاجابات لتسائلاتهم عندها ينتابهم العناء الفكري واليأس من الحياة وهم يبحثون في حلقة فارغة والتي تنتهي بهم الى اللاجدوى من هذا التفكير، ولهذا ينفصلون عن المجتمع في حالة من الكابة والانعزالية والتي دائما ما ينتهي بهم الامر الى الثورة والتمرد على الواقع الذي يعيشونه، كان جل همهم هو البحث ماوراء الطبيعة، البحث في العالم الميتافيزيقي والروحي غايتهم من هذا ان يصلوا الى اجابات ترضي تسائلاتهم لتجعلهم يعيشون بشكل طبيعي وسوي مع المجتمع، الا انهم لم يتمكنوا من الوصول الى الاجابات المقنعة عن معنى وجودهم في هذه الحياة، حيث يدركون في النهاية انهم يبحثون في حلقة فارغة يشوبها شيئا من الاحباط والكابة والانعزالية لايمانهم ان لاجدوى التفكير بهذا مادامت نهاية كل انسان هو الموت، ولهذا جائت معاناتهم بصيغة تمردية وثورية على هذا الواقع الذي يعيشونه بحيث معظمهم يقدم على الانتحار تحديا للموت، وهذا ما اتسمت به نصوصهم بحيث جاء تجسيدهم للحياة الروحية مجرد هي ممارسات لا تنتهي الى نهاية عقلية ومنطقية يستطيعون من خلالها يمارسون علاقاتهم الانسانية بالشكل الطبيعي والذي يرضي تسائلاتهم ويهدىء من معاناتهم .

اللامعقول ومؤيدوا هذه المدرسة

ان الذين امنوا الايمان المطلق بعدم الجوى من الحياة التي يعيشونها، وعدم الاعتراف بكل مايحيطهم من العادات والتقاليد، مؤمنين ايمانا مطلقا ان افكارهم والتي مبعثها من منطقية الحياة وواقعيتها ماهي الا كذب ونفاق ودجل والضحك على الذقون، مفضلين التعايش في عالم مليىء بالاحلام والتي يصوره لهم العقل اللاواعي، معترفين بان هذا المخزون من الصور والتي يرسمونه في مخيلتهم، ماهي الا الحقيقة التي يؤمنون بها، ومن هذا المنطلق اتسمت انتاجاتهم الادبية بالتشاؤم والنفور من الحياة لكونها خالية وبعيدة عن المنطق، وفي الوقت نفسه تتسم بالملل واللاجدوى من اللهاث خلف النهاية التي لا جدوى منها، ومن هذا ينتابهم الياس من هذه الحياة لهذا ينتفضون بثورة غاضبة ضد ماهو يبحث في العالم الميتافيزيقي والذي يفرض عليهم بعض التعاليم والاقانيم والتي تصور لهم على ان الحياة ماهي الا سعادة واستقرار ذاتي وملاذ امن فيما اذا طبقوا هذه التعاليم، وهم بدورهم يعتبرونها قيود تقيد حرية افعالهم ورغباتهم في الحياة الواقعية والتي تنتهي بالموت .

ولهذا اتسمت تصرفات وسلوكيات هؤلاء العبثيون بردود افعال خاصة اختلفت عما معهود به في المجتمع الذي يعيشون فيه، فكانوا يستمتعون بما يؤمنون من احلام يحققون من خلالها منفذا لهم للتنفيس والتطهير والترويح عن الكابة والانعزالية التي كانوا يعيشونها بتمردهم على الواقع السائد انذاك لاعتقادهم الجزمي بانه واقعا مزيفا ومليئا بالخدع والضحك على الذقون، وعليه فان جميع هذه المكونات الاجتماعية والخارجة عن واقع حياتهم ولدت ضغوطا على حياتهم كان نتيجتها ردود افعال منهم لا تتناسب مع موسيقية الحياة وايقاعها الذي لا يمكن للانسان ان يغير نمطها، وبملىء ارادته ورفض القدريات وعدم الايمان بها طالما ان الانسان لا يستطيع ان يضع له قانونا يجدد من خلاله نمط حياته وبموجب مستجدات الظروف التي تحيط به والتي تخلق منه انسانا حرا غير ذليلا يخضع لارادة خارجية تحقيق احتياجات رغبته وكيفية رسم معالم الحياة التي يبغيها ويحلم بها، ولهذا فان نمطية الحياة الكلاسيكية والمملة ولدت في نفوس العبثيون ضغوطا داخلية في نفوسهم مما ادى هذا الى ثورة عارمة غايتها رسم عالم هم يحددون نمطيته ومعالم قوانينه والغضب على المعالم الاجتماعية القديمة والبالية .

الثورة والغضب في النصوص العراقية

لو تمعنا في مسيرة المسرح العراقي وبالذات في الخمسينيات من الاحقاب الزمنية الماضية، لوجدنا ان الفنان العراقي انبعثت من داخله ردرد افعال عكست حالة الغضب الذي كان يعتريه من المحيط الذي كان يعيشه ان كان اجتماعيا او سياسيا او ثقافيا او دينيا، كانت الحالات التي تثير غضبه هو عدم وجود المساوات والعدالة الاجتماعية، فمنهم من ادعى ان هذا الغضب هو حالة من حالات الرفض السياسي، والقسم الاخر ادعى ان هذه الثورة جائت نتيجة وجود نماذج من الرفض لسياسات خارجية في انحاء العالم اثرت على القسم منهم وتاثروا بها، انما لم تتناول النصوص العراقية كينونة الانسان الا في قلة منها طرحها الكاتب عادل كاظم في مسرحية الطوفان (كلكامش والبحث عن الخلود) اعتبر كلكامش ان الحياة تافهة مادامت نهايتها الموت، ولهذا غضب وتمرد واخذ يبحث عن الخلود الا ان بحثه لم يجدي منه اية نتيجة ترضي تسائلاته عن الموت والخلود، وكذالك في مسرحية البقرة الحلوب ل طه سالم واخراج خالد سعيد، كان الانسان يبحث عن السعادة والعدالة الاحتماعية، هذه العدالة الاجتماعية والتي فقدها في حياته، ولا سيما الطبقات الفقيرة المعدمة، كان رافضا لذالك الوضع الاجتماعي والسياسي، لانه لم يحقق له العدالة الاجتماعية في اجواء واقع لم يخدم طموحاته ورغبته في حياة فيها من السعادة والكمال، وكذالك في مسرحية فوانيس ومسرحية ادمون صبري ايام العطالة ومسرحية الحصار ل عادل كاظم، جميع هذه النصوص فيها من حالات الغضب والتمرد على الواقع وانما كانت هناك اهدافا وغايات سامية ادت الى حالات الغضب والتمرد للوصول الى الاهداف السامية لخدمة الانسان في التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال التغيير والحداثة، فهل معنى هذا ان هذه النصوص حينما كان طرحها فيه شيئا من الغضب والتحريض على الثورة،اتعتبر من المدرسة العبثية والامعقول ؟؟؟؟ كلا انما انتمائية مثل هذه النصوص كانت متاثرة بالوضع السياسي المجحف بحق المجتمع والخاضع تحت هيمنة القوة التي كانت تحكمه وتدير شؤون حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا كان الغضب والتحريض على التمرد والثورة على الواقع الردىء والذي لا يرتقي الى ابسط الحياة التي يجب ان تقدم للانسان من اجل ان يحيا حياة تليق بمقامه، فمثل هذا المسرح كان يبحث عن حياة اقتصادية راهية وسياسية تحقق الاهداف الانسانية للانسان وتحرره من القيود الاجتماعية والسياسية والتي لم تكن تخدم الانسان والمجتمع انذاك .

لكن --- الثورة والتمرد والغضب عند العبثيون والوجوديون كان على الواقع الذي كان يعيشه الانسان، والتفكير في سر كينونته واسباب وجوده في الحياة انذاك، والتفكير بالنتيجة الحتمية التي كانت تنتظره في نهاية حياته الا وهو الموت، فهذا الانسان اراد البحث عن الخلود، اراد ايجاد اجوبة عن اسباب خلقه وكينونته في هذه الحياة الا انه لم يحقق اية نتيجة سوى الموت ولهذا جاء غضبه بحيث تمرد وثار على الواقع الذي كان يعيشه واعتبر ان حياته ماهي الا كذبة وخدعة تخدر الانسان من اجل ان تخلق له الارتياح والاستقرار وتبعده عن حالات الانتحار ورفض هذه الحياة والتي لا يقتنع من وجوده فيها الا ان الظروف الاجتماعية وضعت بعض العادات والتقاليد لتنظيم حياة الدنيا المؤقته، لان العبثيون كانوا يدركون ان هذه القيم والعادات الاجتماعية والبالية من وجهة نظرهم ماهي الا خدعة وزيف لكونها لا تحل معظلة الانسان المعاصر ولا تعطي له نتائج ايجابية يقتنع من خلالها عن الجدوى من حياته وتكشف له الحياة مابعد الموت بعيدا عن علم الميتافيزيقيا والايمان بالغيبيات والغير الملموسه، بقدر ماهي حياة لا جدوى من الاستمرار معها والتعايش مع معطيات نتائج لا يؤمنون بها .

ولهذا اختلفت عملية الرفض والتمرد مابين المفكرين واصحابي العقول الرافضة والداعية الى الغضب والتمرد، فنجد ان مبعث التمرد والغضب والثورة عند المفكر السياسي هونتيجة ايمانه بقضية الجماهير وخصوصية تفكيره جاء مناهضا للاوضاع المتردية والتي لا تهىء للطبقة المسحوقة حقوقها وتؤمن الرفاهية الحياتية الاجتماعية في الحياة السعيدة التي يبغيها الفرد . وكذالك هنالك كان من الرافضين من يحرض على الثورة والتمرد ضد الاقطاع والرأسمالية المستغلين لجهود العمال والفلاحين، فاذا هنا جاء التمرد والثورة بخصوصية فيها من الافكار السياسية والمتاثرة بقوانين الفكر اليساري والاشتراكي، بعكس افكار العدمين والعبثيين والذين يرفضون واقع المجتمع الكلاسيكي والذي يفرض عليهم تقاليد وعادات وافكار هم لا يؤمنون بها، لان الايمان بها يعتبرونه دجلا ونفاقا لا يصل بهم الى قناعة من اسباب وجودهم في هذا العالم .

في العراق وفي الاربعينيات

انبثقت في العراق وفي الاربعينيات اعمالا مسرحية افكارها رافضة للاوضاع السياسية والاجتماعية، اتسم هذا الرفض عن طريق ابطالها والذين يحملون رمزا شعبيا وفكرا سياسيا حرا ينادي بالعدالة الاجتماعية والتمرد على هذه الاوضاع الاجتماعية الرديئة والانظمة الحاكمة المتعجرفة والتي لا تنظر لمصالح الشعب بعين الاغتبار وتضعها في المفاضلة وتعطيها اهمية وطنية، وهؤلاء الكتاب الرافضون والمتمردون والذين انتموا الى المسرح التعبوي يختلفون باهدافهم عن المتمردين والثائرين من اتباع مدرسة العبث والامعقول او مانسميه بمسرح الغضب، لخصوصية ردود افعال المهتمين بمثل هذه المدرسة .

فالرفض والثورة التي كانت في نصوص عادل كاظم وعبد الوهاب الدايني وطه سالم وادمون صبري ويوسف العني يختلف عن الرفض الذي جاء عن طريق جان بول سارتر والبير كامو ويونسكو واخرين من كتاب المسرح اللامعقول والعبث،لكون لكل منهم خصوصية المحيط الذي عاشه والذي كان الافراز عن تمخضات المرحلة والاوضاع السائدة في مجتمع يختلف كل منهما عن الاخر، فالنوع الاول والذي في العراق جاء رفضهم وثورتهم على الاوضاع الاقتصادية المتردية، بينما النوع الثاني جاء بعد ويلات الحروب والماسي التي خلفها الدمار والانحطاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وحتى الديني .

الحرب العراقية الايرانية والمسرح التعبوي

اذا تناولنا نوعية المسرح التعبوي ضمن هذه المرحلة من مراحل المسرح العراقي لوجدناه يتميز بحالة من حالات الرفض والخطاب التعبوي من اجل مناصرة القضية المؤسساتية الحكومية، اي يتميز هذا المسرح بالرفض على واقع الحرب الدموية والمخلفة الدمار الشامل للبنية التحتية والتدهور الاقتصادي والثقافي وتفتيت الاواصر والعلاقات الاسروية من كلا الطرفين، انما المسرح ضمن هذه المرحلة كان مسرح مؤسساتي تعبوي وموجه من خلال ماتفرضه الدولة على كتابها من الذين تعاملوا مع الثقافة والاعلام على انها جزء لا يتجزء من واجباتهم المؤسساتية، وعليه فمثل هذا المسرح فيه من الانحيازية الفكرية ويحمل ستراتيجية لادارة الحالة التعبوية والثورية من قبل النظام الحاكم انذاك وعن طريق وزارة الثقافة والاعلام، فمثل هذا النموذج من المسرح التعبوي الثوري والرافظ لواقع الحرب لا ينتمي بخصوصية رفضه لمسرح العبث واللامعقول، وانما مثل هذا التموذج جاء نتيجة مافرضته هذه الحرب والتي نتج عنها هذا التذمر ورفض نوعي لواقع مخلفات هذه الحرب . ومشاهدة الموت الجماعي والفناء لشريحة من البشر والذين رضخوا لواقع هذه الحرب وظروفها ما ادى الى استياء جماهيري اثرت على الكتاب والادباء في تجسيد هذا الرفض لهذا الواقع الماساوي والذي تمخظ بتسائلات عن اسباب وجودنا وماهي الاهداف من هذا الوجود والذي ينتهي في النهاية الى محرقة الموت الجماعي، مما خلف تسائلات دارت في خلد الفنانين العراقيين ولاسيما الفنانين التشكيليين والذين عبروا وعن طريق لوحاتهم التشكيلية بلغة رافضة فيها شيئا من الثورة والغضب على هذا الواقع الماساوي وباسلوب تعبيري وسريالي عبر عن ردود افعال هذه الشريحة من الفنانين لواقع مايدور رحاه من الدمار والقتل الجماعي اضافة الى الاعدامات الجماعية، فحينما ناتي للمقارنة بين رفض هؤلاء الكتاب ضمن هذه المرحلة من الحرب العراقية الايرانية، ومرحلة الحرب العالمية الثانية، نجد ان هناك اختلاف في الاسلوب والتعبير عن حالة الرفض، يعني فيه اختلاف عن مسرح البير كامو وجماعته من كتاب مسرح العبث واللامعقول لاختلاف خصوصية كل من الاوضاع السائدة مابين الطرفين، ولا يعني ان وجود الحالات المشتركة من الرفض مابين الطرفين يجعل من الثورة والرفض لكلا من الطرفين لها عوامل متشابهة ادت الى الثورة والغضب، وانما اسباب رفض وثورة كل منهما يختلف عن الاخر .

 

جوزيف الفارس

 

احمد الشيخاويعلى هذه الخلفية الواشية والطاعنة بلذاذة الاستحضار الواعي للرموز، تنرسم المشهدية المغرقة في تفاصيل الاحتماء بالهشاشة الوجودية الناطقة رسميا بسلطة الجمال على النوع مذ بداية البدايات.

كتابة لولبية تستوقف الزمن ،ساكبة في القصيدة من الحزن الإنساني المشترك،ومقدّسة عطالة الجسد في غير مدارج طوباويته الناظمة لعوالم تجاذبات هذين الضديدين المنحدرين من الجذر المسقي بزلال الأبدية، راشقا خمول اللوحة الكونية ومرصّعا حيّز خفوتها بتلكم التكاملية التي تنصهر في بوثقتها وإلى أبعد الحدود، الأبوة الآدمية والأمومة الحوائية ،تحت يافطة خطّت أحرفها بدماء تقاطعات الشهواني والوجداني، مستجلبة أولى الخطايا موقّعة بياض الدهشة بحربائية أو زئبقية المائيات،وما سوف تجرّه لاحقا، وترويه من فصول إرباكية ممجّدة للعري كأبرز تجليات يمكن أن تفكّ مماطلتنا المفاهيم الأقرب إلى الفطرة المترنّمة بسيرة خطيئة أولى دشنّت وجودنا، بشكل أو بآخر،حظا وقسطا وفيرا يقتضي تأليه الجمال،ونقل كاريزماه من تجريدية إلى تجريبية وواقعية دامغة بكامل الشهوة والدفق العاطفي وتدليات جمل الجندرية، عن جسد مهزوز لاهث مصيره التبدد والفناء.

تلاوين استعارية يزدان بها الخطاب المنبثق من خلفية الوجع الأنوي العابثة به أوراق الواقعية،يحاول أن يسترشد بخارطة العماء أو العدم البصري، مختزلا القوة كامل القوة في الصوت الداخلي المنصف لإنسانية نازفة.

يذكي شاعرنا خطابه العبثي بمتون الغائية الجنسانية، ولا يطلق صرخته الوجودية إلاّ وقد صبغ روحها بأريج المحمول على تيارات إيروتيكية ذروة في النضج ومناطحة اللاشكل التعبيري ، ما يمنح الجوانب الرّسالية نكهتها، ويهبها معسول الإضافة والامتداد الاستطيقي الذي بإمكان كادر الصورة أن يجود ويوحي به.

إن فتيل أي استشراف،قد يترع النّص ليحرّره من مضايق الارتجالية، ويلبسه نبض الالتزام ببعد سكوني توقّع وتنسج ملامحه صور الحلمية في عبورها المخاتل ودفق سردياتها الموجعة، لا بدّ وأن تغذيه ثقوب الذاكرة المتماهية و ترديدات هذا اللانهائي المسافر فينا وكأنه خيوط سراب محرّضة على مزيد من الركض خلف أحاجي الجسد الكونية.

ثمّة خلل ،قد لا ندركه ونتحسّس مكامنه ، إلاّ عند التسلح بموجبات أو معطيات التوقع السليم، تماما كما تمليه قصائد المحاكاة مشدودة إلى الجوهر الآدمي برداء الأبدية، من جهة أبوة ساخطة ،تلفح نسلها بسوط السادية وأنانية الهيمنة وعقلية الزعامة الروحية السانحة لتعشيش وخصوبة وثراء وتناسل مثل هذه الأخطاء والاختلالات، ومن جهة ثانية، الأمومة بلا وجه أو تباشير محدّدة سوى ما ينصب غبننا الكوني إلى فراديس النعومة والحنو ،ويدسّه عميقا في الأدغال الغائرة البعيدة المنذورة لفراغات لا تملؤها سوى القصائد الساخطة على الجسد كأولى قبلة للشذوذ والنشوز والغواية.

خطيئة وقد تزمّلت في إتمام مراسيم تحنيطنا الوثني الهاتف برمزية الجسد، وانبرت بمنظومة بديهيات ضعفنا وشدة افتقارنا إلى هذا العري الأعمى ونحن نزعمه طاوين يبابه وزيفه سرنمة وبلا وعي أو إرادة ،منشغلين بلعنة وجودية اسمها خطيئة الماء.

[ذكرياتي المهيضة

خللٌ تكويني

كستائر في بيتِ أعمى.

وجه أمي

غائر وبعيد

كبذرة الأمل المطمورة

في تربةٍ

يتبخر مطرها

قبل أن يطأ أرضها.

دعوا الصوتَ

في العينين

صرخةُ الحياة.].

.........................

[قبل أن تصير وردة

موت تلك البتلة

في ظلمة المخيّلة

نهاية العالم.].

.............................

لكُنّا خرجنا [

بأقلّ خسائر مُمكنه

لو اكتفينا

فقط بقُبله،

لو اغتلنا

في مهدها

بذرة الشهوه،

لو ظلّت الحياة

مجرّد فكره].

.........................

[ها أنا

أتحرّكُ

أفقياً وعمودياً

لكن لا شيء يملأُ

هذا البياض.

رجلٌ مسنٌّ

يجلس على حافةٍ لمحلّ بقالة

يحلّ كلمات متقاطعة

قلمُه الزمنُ

والحقيقةُ عيناه].

..........................

[هذه الشامةُ فوق شفتيكِ

قبلةٌ ضلّت طريقها].

..................

[لئلّا أُفسح للوَحْدة أيّ مجالٍ نِمتُ في وسط السرير.

الوحدةُ تحتاجُ فقط إلى من يُعانقُها.

قوّةُ الوحدة أنّها لا تَنقسمُ على نفسها.

الوحدةُ لا تُلازمُ إلّا من هيّأ قلبَهُ معبداً لها.].

.....................

[الفكرةُ عصفورٌ يرفرف

العقولُ أشجارٌ تنظر إلى الأعلى.

العصفورُ ليس انتقائياً أو عنصرياً

والأشجارُ لن تُسعفها الأمنياتُ أو الابتهالاتُ،

العصفورُ سيغطُّ على تلك التي نضجت ثمارُها].

...............................

[يا يتيم الزمان

لن تضمّك مائدة اللؤماء

فتعال، تعال

هذا عشاؤنا السريّ والأبدي

خذني قوتاً لك من خبز وخمر

واكسرني بعضاً من قربان

لا مقدساً بل من نسيان.

أيها الحزن

من يحدس بك ويلهج باسمك

غيري

فنحن توأمان

فتعال، تعال

لن يؤويك أحد

غير أخيك الإنسان].

من أدغال الحزن المعتّق تجيء توقيعات المبدع شربل أبي منصور لترجم بنعومة الرؤى في تطويقها للذات والغيرية والعالم.

وكأنها تجلد الذات من خلال عودة حلزونية إلى تاريخ الأخطاء الجميلة الأولى، وبالتالي لا يمكن لأنامل غير التي تسترق أو تستعير من المخزون الطوباوي عدل ما يرقى بالذات المعذبة ليبذرها في فراديس النسيان والتجاوز، بحيث تحقّق ما يشبه ضروب التملّص من مفاهيم أسر الجسد في تاريخانية المدنس والمعني بشتى أشكال الاتهام والذم والابتذال.

تصهل نصوص صاحبنا متشبّعة بالوعي المختمر في تلافيف الوحدة مضاعفة والوجع زائدا أيضا ورافلا بكابوسيته، كي تربك بفلسفتها القريبة ،وتقترح كؤوس الانتشاء الأبدي التي تتوسّع معه الذائقة وتسمو .

إنّك تقرأ للأديب اللبناني الجميل شربل أبي منصور المبدع شعرا ونثرا، باللهفة ذاتها التي تتابع له داخل دوائرها مترجما لعدد من عمالقة الشعر العالمي الجاذب ، أو مقتبسا عن مترجمين عرب أكفاء،ما يلون به محطات الروح العطشى للمطالعة العامة وغير المتخصصة ، هذه الروح الذوّاقة في انتمائها اللامشروط لشجرة الإنسانية مباهية بطراوتها وتراخي عناقيدها وتغلغل جذورها الممسوسة بسحر النهل من الأدبيات العالمية الحاضنة للتوأمة الكاملة والعادلة بين مختلف الألسن.

فقط بلّل روحك الحزينة بشيء من أريج،بمعية هذا العصفور الحزين وهو يطلق زقزقة العمر،موبّخا طقوسيات تخطّي القبلة الأولى ، قفزا إلى تلطيخ الجسد بسلطة المائيات ، لنكون نحن ثمارها وجنيها المرّ، في كثير من الأحيان ، إلاّ فيما نذر، لمّا نمكّن للملائكية المنوّمة فينا بالوظيفة الإعمارية والأدوار الطلائعية الإيجابية وزرع مشاتل المحبة والتعايش والتآخي والسلام.

هو مشهد جنائزي زاحف بضراوة ومؤذن بانقراض النسل جملة وتفصيلا، تحاول أن تحرث بعض أسراره أنامل شربل، وتختزل معناه في ما من شأوه صفعنا بقوة حدّ استمطار ما قد يستجلب ما فوق الصحو من صحو مشرع لعيون الضمائر شبه الميتة.

صحراء الآدمية المصطبغة بكل هذا الدم والدمار والزلزلة، لهي إحدى خطايا الماء العابث ، بحيث استطاعت تحويل الإنسان وصرفه عن الفطرة السليمة، في ألفية الجنون ، لتبرزه في صورة شيطان أكبر يتلمّظ معسول مسرحية استعراضية تلفظ أقصى مظاهر الإرهاب والتطرّف الحقود ، مسكونة بأغوى معاني الانقراض الحتمي الأخير.

فرجة بنكهة المرثاة، جلّنا مشارك فيها بصمته، وتسليمه المخجل بخطيئة الماء الأولى.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي