جميل حمداويالمقدمة: من الثابت أن نظريات الأدب قد ظهرت مع وجود الأدب نفسه في الحضارات القديمة كالحضارات السامية والحامية (البابلية، والآشورية، والسومرية، والأكادية، والفرعونية، والأمازيغية...)، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية... وقد اهتمت هذه الحضارات بدراسة النصوص الأدبية والفنية والجمالية وتحليلها وتأويلها. ومن هنا، يمكن الحديث عن شعريات متعددة كالشعرية الغربية، والشعرية العربية، والشعرية الآسيوية، والشعرية الأفريقية إلخ...بيد أن ما يهمنا كثيرا في موضوعنا هذا هو التوقف عند الشعرية الغربية من جهة، والشعرية العربية من جهة أخرى.

المطلب الأول: تطور الشعرية الغربية

لقد عرفت الشعرية الغربية ثلاث مراحل كبرى، يمكن حصرها فيما يلي:

1- مرحلة شعرية البلاغة التي كانت تهتم بالصور الشعرية والفنية والبلاغية التي يتزين بها النص الإبداعي، على أساس أن البلاغة زينة وجمال وتنميق وبديع، وظيفتها الإمتاع والتأثير في نفسية المتلقي.

2- مرحلة شعرية الانزياح والتواصل.بمعنى أن الإبداع ليس كلاما عاديا مألوفا خاضعا للقواعد المعيارية والمنطقية السائدة في الخطابات العلمية، بل هو خطاب متمرد ومنزاح عن القواعد المألوفة.

3- مرحلة الاهتمام باللغة الشعرية. ويعني هذا التركيز على اللغة الشعرية، بتبيان فنياتها وجماليتها وروعتها، ودراسة مختلف صيغها الكلامية والتلفظية في سياقاتها التواصلية المتعددة. أي: دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

بيد أن الشعرية النظرية قد بدأت مع أرسطو الذي وضع مجموعة من القواعد الخاصة بالشعر والمسرح والخطابة في كتابيه (فن الشعر)[1] و(فن الخطابة)[2]. وتتجلى هذه الشعرية في وضع نظرية للأجناس الأدبية؛ حيث قسم الأجناس الأدبية إلى شعر، وملحمة، ودراما[3]. وفي الحقيقة، فقد " كثرت التأملات حول الأجناس الأدبية، وهي قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للمحلمة والتراجيديا، فقد ظهرت،منذ ذلك الوقت، مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا، والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكرة المتبناة عن الجنس الأدبي في ذلك العصر، أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع بإمكاننا أن نقارنه بموضوعات نظرية الأدب السابقة، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي هي خصائص مجردة للخطاب الأدبي، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه."[4]

ولقد سميت الشعرية بهذا الاسم؛ لأن بدايتها كانت تنطلق من فن الشعر باعتباره الجنس الأدبي الأول والسامي الذي كان يتربع على قمة الأجناس والأنواع الأدبية منذ الفترة اليونانية. وأكثر من هذا فلقد كانت الدراما والحكاية والملحمة تكتب شعرا.لذا، حظي هذا الفن الشعري بمكانة كبرى في مجال الشعرية.لذا، فالشعرية لها علاقة وثيقة بالشعر والشعري، مادامت قد أسست قواعدها وآلياتها ومفاهيمها ومعاييرها على أسس الشعر ومبادئه. ومن هنا، فلقد كان يطلق الشعر على الأدب بصفة عامة.

ولقد اهتم أفلاطون أيضا، قبل أرسطو، بالشعرية ونظرية الأجناس الأدبية في كتابه( الجمهورية) عندما ميز بين السرد والحوار[5]،أو بين الحكي القصصي والحكي المسرحي؛ حيث يشتمل الأول على السرد والحوار، ويتضمن الثاني الحوار فقط. ومن ثم، تمثل الملحمة النمط الأول، وتمثل المسرحية المأساوية والهزلية النمط الثاني، على أن هناك نمطا ثالثا يشتمل على السرد فقط، وهو المدائح.[6]

ونجد مؤلفات أخرى في الشعرية كالمطلق أو السامي(Du Sublime) لمؤلف مجهول (Du Sublime)، وكتاب (الفن البوطيقي/L’art poétique) للاتيني هوراس (Horace) الذي ميز فيه بين الأجناس الأدبية كالشعر والدراما والملحمة على غرار أرسطو.

وفي فترة العصور الوسطى، سار الباحثون والمبدعون على خطوات كتابات أرسطو وهوراس في دراسة الشعرية وتقويمها، واحترام قواعد الفن الشعري. ومن ثم، فلقد انتقلت الشعرية إلى إيطاليا مع سكاليجير (Scaliger) وكاستل فيترو (Castelvetro). وبعد ذلك، إلى ألمانيا مع لسينج (Lessing) وهيردر (Herder)، والأخوين شليجل(Schlegel)، ونوفاليس(Novalis)، وهولدرلين (Hölderlin) الذين أرسوا دعائم المدرسة الرومانسية . وترافقت الشعرية في بريطانيا مع المدرسة الرمزية التي تمثلها كولريدج (Coleridge)، و وضع أسسها إدغار ألان بو (Edgar Allan Poe). وأخيرا، عرفت فرنسا الشعرية مع مالارمي (Mallarmé)، وفاليري(Valéry)...

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، تحولت الشعرية، في ألمانيا بالخصوص، إلى مبحث مرتبط بالفلسفة الجمالية (الإستيتيقا)، ونتج عن ذلك أن اختفى التحليل الملموس للنصوص والخطابات بشكل تدريجي.

وبعد ذلك، طرح السيد أبرامس (A.H.Abrams) تصنيفا للنظريات الشعرية وفق عناصر أربعة يتشكل منها العمل الأدبي وهي: المؤلف، والمتلقي، والنص، والمحيط. ويمكن حصر هذه النظريات فيما يلي:

1- نظرية المحاكاة التي تربط الأدب بالواقع المرجعي والسياقي والتاريخي؛

2- النظرية البراجماتية التي تربط العمل الأدبي بالمتلقي، كما يبدو ذلك جليا في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين؛

 3- النظرية التعبيرية التي ركزت كثيرا على المبدع كما عند الرومانسيين الألمان؛

4- النظرية الموضوعية التي ركزت على النص في حد ذاته، دون الاهتمام بالمبدع وعبقريته وفرادته، كما يبدو ذلك واضحا في منظور الرمزيين.

المطلب الثاني: المدارس الشعرية الغربية

منذ القرن العشرين، ظهرت الشعرية الغربية باعتبارها نظرية أو تخصصا علميا مستقلا، تعنى بخصائص الأجناس الأدبية من حيث المكونات والسمات، وتهتم بتحليل النصوص بنيويا وأسلوبيا، وتصف الخطابات توصيفا شكلانيا . وقد نتج عن هذا ظهور أربع مدارس شعرية كبرى، يمكن حصرها في الشكلانية الروسية، ومدرسة النقد الجديد بالولايات المتحدة وإنجلترا، والمدرسة المورفولوجية الألمانية، ومدرسة التحليل البنيوي.

الفرع الأول: الشكلانية الروسية

غالبا، ما تطلق الشكلانية، في الأدب والفن، على المدرسة الشكلانية الروسية، لكن يمكن أن نضيف إليها مدرسة تارتو السيميائية (Tartu) بموسكو، وحلقة براغ (Prague) اللغوية. إضافة إلى المنظرين الذي يحملون تصورات شكلانية، وإن لم يكونوا منتمين - مباشرة- إلى جمعية الأبوياز، أو جماعة المدرسة الشكلانية الروسية.

وعليه، فلقد ظهرت الشكلانية الروسية ما بين 1915و1930م، في سياق تاريخي ينبذ الرأسمالية، و لا يعترف إلا بالاشتراكية العلمية التي تعود، في جذورها، إلى كتابات كارل ماركس، وبيليخانوف، وهيجل، وأنجلز، وجورج لوكاش، وغيرهم من المنظرين الجدليين...، والسعي الجاد نحو ربط المضمون الأدبي بالواقع الثوري والعملي والمادي، ومحاربة جميع التيارات الشكلية والنزعات البنيوية التي تعنى بالشكل على حساب المضمون.

ومن ثم، فلقد حوربت الشكلانية الروسية أمدا طويلا، بعد أن تعاظم الدور الاشتراكي واليساري للأدب. ولم يتحقق النجاح لهذه الشكلانية إلا بعد اطلاع الأوروبيين عليها سنة 1960م، ولاسيما الفرنسيين منهم، عبر الترجمة، والصحافة، والاحتكاك الثقافي، والتمثل العملي... فطوروا تصوراتها النظرية والتطبيقية، وانطلقوا من مبادئها الفكرية، واستخدموا مفاهيمها الإجرائية، وبالضبط في اللسانيات، والسيميوطيقا، ونقد الأدب، كما يتبين ذلك واضحا عند كثير من الدارسين الأوروبيين كرولان بارت، وكلود ليفي شتروس، وكلود بريمون، وجيرار جنيت، وغريماص، وفيليب هامون، وأمبرطو إيكو، وجان مولينو، و تزفيتان تودوروف، وجوليا كريستيفا، وجان كوهن، وفرانسوا راستيي.علاوة على اللسانيين كأندري مارتيني، ولوي هلمسليف، وغيرهم...

ومن باب العلم، يمكن الحديث عن مدارس أساسية ضمن التيار الشكلاني الروسي هي:

1- جماعة موسكو التي يمثلها رومان جاكبسون (Roman Jakobson) ؛

2- جماعة بيترسبورغ، أو جماعة دراسة اللغة الشعرية (أبوياز/Opoiaz) التي يقودها فيكتور شلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)؛

3- جماعة تارتو السيميائية بموسكو؛

 4- حلقة براغ اللسانية التي تمثلت الفكر الشكلاني.

إذاً، تعد الشكلانية الروسية الممهد الفعلي للدراسات السيميوطيقية في غرب أوربا، ولاسيما في فرنسا، واسمها الحقيقي جماعة أبوياز (Opoiaz) . وقد ظهرت هذه الجماعة رد فعل على انتشار الدراسات الماركسية في روسيا، وخاصة في مجال الأدب والفن، وقد أصدرت مجلة تسمى بـ(الشعرية/ Poetica). وقد نشطت المدرسة في المطلع الأول من القرن العشرين، وعرفت اضمحلالها في أواخر سنوات الثلاثين. وقد تحامل على هذه الجماعة كثير من الخصوم، فاتهموها بالجريمة الشكلانية، كما فعل تروتسكي في كتابه (الأدب والثورة)؛ حيث قال سنة 1924م: "إذا ما تركنا جانبا الأصداء الضعيفة التي خلفتها أنظمة إيديولوجية سابقة على الثورة، نجد أن النظرية الوحيدة التي اعترضت الماركسية في روسيا السوفياتية، خلال السنوات الأخيرة، هي النظرية الشكلانية في الفن"[7].

 ونستحضر من أعدائها كذلك ماكسيم غوركي ولوناتشارسكي الذي وصف الشكلانية في سنة 1930م بأنها "تخريب إجرامي ذو طبيعة إيديولوجية".[8]

وتعد سنة 1930م نهاية أكيدة للشكلانيين الروس، حتى إن بعض السوسيولوجيين الروس أرادوا تطعيم المنهج الشكلي بالتحليل الاجتماعي الماركسي، كما هو الشأن بالنسبة لأرفاتوف وميخائيل باختين. بيد أن إشعاعها انتقل إلى عاصمة تشيكوسلوفاكيا (براغ)؛ حيث أنشأ رومان جاكبسون حلقة براغ اللسانية مع تروبتسكوي، والتي تولدت عنها اللسانيات البنيوية والمدرسة اللغوية الوظيفية. وبقي الإرث الشكلاني الروسي طي النسيان مدة طويلة إلى أن ظهرت مدرسة بنيوية سيميائية أدبية وثقافية جديدة، تسمى بمدرسة تارتو (TARTU) نسبة إلى جامعة تارتو بموسكو.

وعلى العموم، فلقد نشأت الشكلانية الروسية بسبب تجمعين هما:

1- حلقة موسكو اللسانية التي تكونت سنة 1915م، ومن أهم ممثليها البارزة رومان جاكبسون الذي أثرى اللسانيات بأبحاثه الصوتية والفونولوجية. كما أغنى الشعرية بكثير من القضايا الإيقاعية والصوتية والتركيبية، ولاسيما نظريته المتعلقة بوظائف اللغة، والتوازي، والقيمة المهيمنة، والقيم الخلافية...

2- حلقة أبوياز بلينِينجراد، وكان أعضاؤها من طلبة الجامعة. أما عن خطوط التلاقي بين المدرستين، فتتمثل في الاهتمام باللسانيات، والحماسة للشعر المستقبلي الجديد، كما يبدو ذلك واضحا عند فلاديمير ماياكوفسكي، وباسترناك، وأسيڤ، ومانديل شتام...

وعليه، لم تظهر الشكلانية إلا بعد الأزمة التي أصابت النقد والأدب الروسيين، بعد انتشار الإيديولوجية الماركسية، واستفحال الشيوعية، وربط الأدب بإطاره السوسيولوجي بشكل مرآوي انعكاسي؛ مما أساء إلى الفن والأدب معا.

ولقد ارتكزت الشكلانية على مبدأين أساسيين هما:

1- إن موضوع الأدب هو الأدبية. أي: التركيز على الخصائص الجوهرية لكل جنس أدبي على حدة .

2- دراسة الشكل قصد فهم المضمون. أي: شكلنة المضمون، ورفض ثنائية الشكل والمضمون المبتذلة.

ولقد قطعت الشكلانية الروسية مراحل عدة في البحث الأدبي واللساني. ففي المرحلة الأولى، انصب الاهتمام على التمييز بين الشعر والنثر. وتعلقت البحوث، في المرحلة الثانية، بوصف تطور الأجناس الأدبية. ومن ثم، فلقد نشرت كثير من الدراسات الشكلانية، وترجمت في مجلات غربية هامة، مثل: مجلة الشعرية (Poétique)، ومجلة التحول (Change).

ويرى دافيد كارتر (David Karter) أن الشكلانية الروسية قد عرفت ثلاث مراحل أساسية. وفي هذا، يقول: "إن ثمة ثلاث مراحل متميزة في تطور الشكلانية الروسية، والتي يمكن أن تتميز بثلاث استعارات. تنظر المرحلة الأولى إلى الأدب كنوع من "الآلة" له تقنيات مختلفة، وله أجزاء تعمل. وعدت المرحلة الثانية الأدب على أنه "كائن حي"؛ أما المرحلة الثالثة، فقد رأت أن النصوص الأدبية هي عبارة عن أنظمة."[9]

و من رواد الشكلانية الروسية تينيانوف (Iouri Nikolaïevitch Tynianov)، وإيخنباوم (Boris Eichenbaum)، وشلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)، وفلاديمير بروب (Vladimir Iakovlevitch Propp)، وتوماشفسكي (Tomachevsky)، وجان مكاروفسكي (Mukarovsky)، ورومان جاكبسون (Roman Jakobson)، وميخائيل باختين (Bakhtine)، وأوسيپ بريك (Ossip Brik)، وفينوكرادوف (Vinogadrov)، وكريكوريي فينوكور (Grigoryi Vinokour)...

 ولقد انصبت جهود هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بالوظيفة الجمالية، ووصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فلقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، وخصوصا ما يتعلق بالتواصل، والصوتيات، والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب، فقد أوْلى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فأخضعها لمجموعة من القواعد المورفولوجية القائمة على الوظائف والعوامل .

ومن جهة أخرى، فلقد ركز ميخائيل باختين، في أبحاثه المختلفة، على جمالية الرواية وأسلوبيتها. واهتم، بالخصوص، بالرواية البوليفونية (متعددة الأصوات)، فأثرى النقد الروائي بكثير من المفاهيم كفضاء العتبة، والشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الإيديولوجية... إلخ.

وتتميز أبحاث الشكلانيين الروس بكونها نظرية وتطبيقية في آن واحد، ومن نتائج هذه الأبحاث ظهور مدرسة تارتو( Tartu) التي تعد من أهم المدارس السيميولوجية الروسية، ومن أعلامها البارزين يوري لوتمان صاحب (بنية النص الفني)، وأوسبينسكي، وتودوروف، وليكومتسيف، وأ.م. بينتغريسك. ولقد جمعت أعمال هؤلاء في كتاب جامع باسم (أعمال حول أنظمة العلامات... تارتو) (1976م).

ولقد ميزت تارتو بين ثلاثة مصطلحات هي: السيميوطيقا الخاصة التي تدرس أنظمة العلامات ذات الهدف التواصلي؛ والسيميوطيقا المعرفية التي تهتم بالأنظمة السيميولوجية وما شابهها؛ والسيميوطيقا العامة التي تتكفل بالتنسيق بين جميع العلوم الأخرى. ولكن تارتو اختارت السيميوطيقا ذات البعد الإبستمولوجي المعرفي.

ومن جهة أخرى، لقد اهتمت هذه المدرسة بسيميوطيقا الثقافة حتى أصبحنا نسمع عن اتجاه سيميوطيقي خاص بالثقافة له فرعان: فرع إيطالي (أمبرطو إيكو، وروسّي لاندي...)، وفرع روسي (مدرسة تارتو). وتعنى جماعة تارتو (موسكو) بالثقافة عناية خاصة، باعتبارها "الوعاء الشامل الذي تدخل فيه جميع نواحي السلوك البشري الفردي منه والجماعي. ويتعلق هذا السلوك في نطاق السيميوطيقا بإنتاج العلامات واستخدامها. ويرى هؤلاء العلماء أن العلامة لا تكتسب دلالتها إلا من خلال وضعها في إطار الثقافة. فإذا كانت الدلالة لا توجد إلا من خلال العرف والاصطلاح، فهذان بدورهما هما نتاج التفاعل الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، فهما يدخلان في إطار نطاق الثقافة. ولا ينظر هؤلاء العلماء إلى العلامة المفردة، بل يتكلمون دوما عن أنظمة دالة. أي: عن مجموعات من العلامات، ولا ينظرون إلى الواحد مستقلا عن الأنظمة الأخرى، بل يبحثون عن العلاقات التي تربط بينها، سواء كان ذلك داخل ثقافة واحدة (علاقة الأدب – مثلا - بالبنيات الثقافية الأخرى؛ مثل: الدين، والاقتصاد، والبنيات التحتية... إلخ)، أم يحاولون الكشف عن العلاقات التي تربط تجليات الثقافة الواحدة عبر تطورها الزمني، أو بين الثقافات المختلفة للتعرف على عناصر التشابه والاختلاف، أو بين الثقافة واللاثقافة".[10]

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات الشكلانية الروسية لفحص دعائمها النظرية والتطبيقية، فيمكن حصرها في النقط التالية:

1- الاهتمام بخصوصيات الأدب والأنواع الأدبية. أي: البحث عن الأدبية، وما يجعل الأدب أدبا؛

2- التركيز على شكل المضامين الأدبية والفنية، ودراستها في ضوء مقاربة شكلانية؛

3- استقلالية الأدب عن الإفرازات والحيثيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية (دراسة الأدب باعتباره بنية مستقلة عن المرجع)؛

4- التركيز على التحليل المحايث قصد استكشاف خصائص العمل الأدبي؛

5- التوفيق بين آراء بيرس وسوسير حول العلامة (أعمال ليكومستيف مثلا)؛

6- استعمال مصطلح السيميوطيقا بدل توظيف مصطلح السيميولوجيا؛

7- الاهتمام بالسيميوطيقا الإبستمولوجية، والتركيز على الأشكال الثقافية؛

8- التشديد على خاصية الاختلاف والانزياح بين الشعر والنثر؛

9- الإيمان باستهلاك الأنظمة وتجددها وتطورها باستمرار من تلقاء ذاتها؛

10- عدم الاكتفاء بالأعمال القيمة والمشهورة في مجال الأدب في أثناء التطبيق النصي، بل توجهت الشكلانية الروسية إلى جميع الأجناس الأدبية مهما كانت قيمتها الدنيا؛ مثل: أدب المذكرات، وأدب المراسلات، والحكايات العجيبة... قصد معرفة مدى مساهمتها في إثراء الأعمال العظيمة، كما فعل ميخائيل باختين مع الأجناس الشعبية الدنيا في كتابه (شعرية دوستويفسكي)[11].

ومن أهم مؤلفات الشكلانيين الروس: (كيف صيغ معطف غوغول؟) لبوريس إيخانباوم، و(شعرية دويستفسكي) و(الماركسية والفلسفة) لميخائيل باختين، و(الشعر ذاته) ليوري تينيانوف، و(الحكايات الروسية العجيبة) لفلاديمير بروب، و(سيمياء الكون) و(بنية النص الفني) ليوري لوتمان، و(نظرية النثر) لشلوفسكي...

وعلى العموم، يعد الشكلانيون الروس من السباقين إلى تطبيق الشعرية أو البويطيقا في دراسة النصوص الأدبية، بالاعتماد على مبدأي الشكل والاستعانة باللسانيات. ومن ثم، فلقد برز مجموعة من الدارسين كفلاديمير بروب الذي درس الحكاية الشعبية في ضوء مقاربة مورفولوجية سيميائية، ترتكز - بالخصوص- على الوظائف والتحولات؛ ورومان جاكبسون الذي اهتم بالأدبية وشعرية النص؛ وميخائيل باختين الذي ركز كثيرا على الرواية الحوارية أو البوليفونية؛ ويوري لوتمان الذي اهتم بسيميائية الثقافة كما في كتابه (سيمياء الكون)؛ وجان موكاروفسكي الذي اهتم بالوظيفة الجمالية في الآداب والفنون. أما أوسيب بريك (O.Brik)، فلقد اهتم بدراسة البنيات العروضية والتنغيمية والإيقاعية في الشعر. بينما مال فينوغرادوف إلى دراسة آثار الأسلوب. في حين، ركز تينيانوف على جدلية الأجناس الأدبية. أما طوماشفسكي، وفيكتور شلوفسكي، و بوريس إيخانباوم، فلقد ركزوا - كثيراً - على البنيات السردية في النصوص المحكية...

الفرع الثاني: النقد الجديد

لقد اهتم النقد الأنجلوسكسوني، ولاسيما النقد الجديد (New criticism)، بتحليل النصوص وتأويلها تحليلا عميقا متأنيا، مستبعدا التحاليل السياقية الخارجية النفسية والاجتماعية والتاريخية. ولقد ظهر هذا النقد منذ عشرينيات القرن الماضي من أجل البحث عن وظائف المعنى داخل الأدب مع ريتشاردز (I.A.Richrds)، وإمبسون (W.Empson)، وتوماس إليوت (T.Elliot). كما اهتمت الشعرية الأنجلوسكسونية بالمنظور السردي مع بيرسي لوبوك (Percy Lubbok).

 ولقد انصب النقد الجديد اهتمامه أيضا على الصورة الشعرية والفنية والبلاغية، بالتوقف عند السخرية، والمفارقة، والغموض، والانزياح...كما عند بروكس (Brooks) وويمسات (Wimsatt). فضلا عن الاهتمام بنظرية الأدب كما عند روني ويليك(Wellek) وأوستين وارين (Warren).

الفرع الثالث: مدرسة التحليل البنيوي

لم تظهر مدرسة التحليل البنيوي في فرنسا إلا في سنوات الستين من القرن الماضي، بعد أن هيمن التأريخ كثيرا على الدراسات الأدبية من جهة، وانتشار الصحافة الانطباعية من جهة أخرى. ومن ثم، فلقد ساهمت اللسانيات مع إميل بنفينست (E. Benveniste) في تطوير الدرس الأدبي والنقدي البنيوي. وقد كانت دراسات موريس بلانشو (M.Blanchot) الفلسفية وأبحاث كلود ليفي شتروس(C.Levi-Strauss) الأنتروبولوجية بداية حقيقية لظهور مدرسة التحليل البنيوي التي ستعرف ازدهارها مع مجموعة من الأعلام البارزين كرولان بارت(R.Barthes)[12]، وتزفيتان تودوروف(T.Todorov)[13]، وجيرار جنيت(G.Genette)[14]، وكبيدي فاركا (A.Kebidi-Varga)[15]، وجون كوهن (John Cohen)…[16]

الفرع الثالث: المدرسة المورفولوجية الألمانية

ظهرت المدرسة المورفولوجية في ألمانيا ما بين 1925و1955م، وتستند ، في مفاهيمها النظرية والتطبيقية، إلى إرث جوته (Gothe) وكتاباته الأدبية، والابتعاد عن النزعة التاريخية تأثرا بجماليات كروتشه (Croce) وفوسلر(Vossler)...

ولقد اهتمت هذه المدرسة أيضا بأسلوبيات ليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وستايغر (Staiger)، وويرباخ (Awerbach)[17]. دون أن ننسى مدى اهتمامها الكبير بأشكال الخطاب الأدبي وأنواعه وأجناسه، والتركيز على أسلوب المبدع كما يبدو ذلك واضحا عند أندري جول (André Jolles) الذي اعتنى بالأجناس الأصلية الأساسية كاللغز، والحكاية، والوعي، والخرافة، والمثل...

واهتم فالتزر (O.Walzel) كذلك بسجلات الكلام كالسرد الموضوعي والأسلوب غير المباشر الحر. .

 في حين، ركز مولر (G.Müller) على الزمنية، بينما اهتم لامير (E.Lämmert) بتركيب السرد. واهتم فولفغانغ قيصر (Wolfgang kayser) بماهو تطبيقي؛ حيث ركز على التحليل البنيوي الذي يعنى بشعرية النص الأدبي، ولاسيما في مظهره التلفظي.

وعلى العموم، فلقد تأرجحت الشعرية منذ تأسيسها بين التوصيف والتعليم على حد سواء.بمعنى أنها كانت تعنى بالتحليل والتصنيف وتوصيف النصوص والخطابات من جهة، ووضع القواعد المعيارية التعليمية من جهة أخرى.

وبعد ذلك، تطورت الشعرية الغربية من خلال الاهتمام بقضية الأجناس الأدبية بصفة عامة، واحترام قواعد الأنواع بصفة خاصة.

ومن هنا، تعد النظرية الكلاسيكية امتدادا للنظريات الشعرية والأدبية والأجناسية اليونانية والرومانية(أرسطو، وديوميند، وهوراس..). وتنبني هذه النظرية على احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراما كبيرا، بالفصل بين هذه الأجناس، وتمثل قواعدها كما أرسيت في مرحلتي: اليونان والرومان.

وتتحدد الأجناس الأدبية- حسب النظرية الكلاسيكية- بقواعدها ومضامينها وأساليبها وصيغها الفنية والجمالية. لذا، ينبغي على المبدعين احترام خصوصيات الأسلوب الشعري، والأسلوب الملحمي، والأسلوب الدرامي، وعدم الخلط بينها.

وتبعا لذلك، فلقد كان مبدأ التجنيس هو الفصل بين الأنواع والأنماط والأشكال والأساليب، والاستعانة بالتراتبية الهرمية في التصنيف والتنويع والتقسيم. وبتعبير آخر، تستند النظرية الكلاسيكية إلى بلاغة الفصل بين الأجناس الأدبية. في حين، تتكئ النظرية الرومانسية على بلاغة الوصل والنقاء والصفاء.

وإذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية في ضوء معايير تجنيسة معينة،فإن الرومانسية تؤمن بانصهار الأجناس الأدبية في بوتقة أدبية واحدة.أي: تقر الرومانسية بالوحدة الفنية بين الأجناس الأدبية، وتشكيلها لوحدة أجناسية كبرى. وفي هذه الفترة بالذات، ظهر مفهوم الأدب (La littérature) الذي كان يجمع في طياته أجناسا وأنواعا وأنماطا أدبية مختلفة داخل وحدة فنية وجمالية كبرى. وفي هذا السياق، يقول تزتيفان تودوروف (T.Todorov):" وأخيرا، بدأت فكرة وحدة الفنون تفرض نفسها. ومن هنا، أخذت تتبلور نظرية للفنون تحاول أن تؤطر على الأقل أكثر الممارسات الفنية هيبة، أعني الشعر والرسم. وتحولت هذه النظرية في القرن الثامن عشر إلى دراسة خاصة هي علم الجمال، حيث سيهيأ مكان لنظرية الأدب في الحدود التي تندمج بها في نظرية عامة للفنون، وسيكون ليسنج وكانط الممارسين الأولين لهذا الخطاب، وقد مهدت لهما بحوث طويلة منذ ليوناردو دافنشي إلى شفتسبري.

والنتيجة-إذاً- هي أن أيا من هذه التطورات الثلاثة لم يؤد مباشرة إلى تكوين الوحدة" أدب". وبالرغم من ذلك، فإنها عملت كلها على التمهيد لها، فقد أصبحنا نتوفر على مقولة عليا هي مقولة الفن، الذي يمكن تقسيمه بسهولة إلى كيانات، من رتبة أدنى هي الأجناس الأدبية، كما أننا نتوفر على كتاب الشعرية الذي تضمه استمرارية التقليد. لن يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق.لقد توقفت مفاهيم المحاكاة والتمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ماارتبط به من غياب الغائية الخارجية، والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل، وعدم قابلية العمل للترجمة.كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة، ذلك هو السؤال الذي نجده في الكتابات الرومانسية، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا خاصة في الدراسات الأدبية المؤسسية، وهذا يرجع بدون شك للشكل الذي اتخذته هذه الكتابات، إما لأنها كانت كتابات مقطعية شذرية تشبه الشعر في جوانب عديدة (كما هو الحال عند شليجل ونوفاليس)، وإما دراسات فلسفية منتظمة لن تحيد عن التقليد الذي رسمه علم الجمال، الذي يحتل الأدب فيه مكانا محدودا، وتلك هي حالة شليجل وهيجل."[18]

وعليه، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت الأجناس الأدبية في نظرية أدبية وفنية واحدة. وهي التي ساهمت في ظهور مصطلح الأدب.وفي هذا، يقول كليطو:" لاشك أن السؤال التالي يخامر ذهن القارئ: هل المعنى الحديث لكلمة(Littérature) كان مجهولا فيما مضى؟ إذا وضعنا السؤال هكذا فإننا نفترض أن السؤال واضح، وإننا نعرف ما نعني عندما نستعمل الكلمة، إلا أننا ربما نستطيع أن نقول: إنه قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض.أما مع الرومانسية، فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات.لهذا، نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا بين الجد والهزل. والشيء الذي لا يجب إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة؛ لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع. في القرون الماضية، كانت الرواية بمثابة الفرد الفقير في عائلة الأنواع، إلا أنها منذ نهاية القرن الثامن عشر.أي: في فترة معاصرة لميلاد مفهوم (Littérature)، ولبزوغ الرومانسية، أخذت تشق طريقها شيئا فشيئا، إلى حد أنها صارت مع مرور الزمن قمة الأنواع. ذلك أنها تستوعب الرسالة والمذكرات والسيرة الذاتية والحوار المسرحي، بل يمكن أن تستوعب حتى الشعر. وإن تعودنا على قراءة الروايات هو الذي يجعلنا لا نلمح هذه الخاصية."[19]

وهكذا، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت بين جميع الأجناس والأنواع الأدبية في قالب واحد، برفض مبدأ الفصل والتمييز بين المقولات التجنيسية.

وقد تطورت الشعرية كثيرا مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والبلاغة المعاصرة، والسيميائيات...

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به الشعرية المعاصرة بصفة عامة، ونظرية الأجناس الأدبية بصفة خاصة، هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية باعتبارها إشكالا أرق الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه (جامع النص) قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[20]

وهذا ما تنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :" تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة (علم تصنيف الشعر) (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو ( الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد) (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا."[21]

وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية - اليوم - جزءا لايتجزأ من الشعرية من جهة، ونظرية الأدب من جهة أخرى، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

وبناء على ماسبق، لم تتشكل الشعرية الغربية، في حقيقة الواقع، إلا مع رومان جاكبسون[22] الذي أرساها على دعائم لسانية وصفية وعلمية موضوعية، بالتركيز على الأدبية (Littérarité)، والقيمة المهيمنة، والعناصر البنيوية التي تميز جنسا أدبيا عن الآخر. ومن ثم، فلقد كان يقارن بين لغة الشعر ولغة النثر العادية في ضوء مقاربة بنيوية لسانية، وكان هدفه الرئيس هو البحث عن أدبية النص استبدالا وتأليفا. ولقد ركز كثيرا على دراسة الشعر لسانيا باحثا عن قواعده وقوانينه بمقارنته بالكلام اليومي. ومن ثم، فلقد كان يستقري المعطيات النصية الصوتية والإيقاعية والنغمية والصرفية والتركيبية والبلاغية والدلالية، ضمن نسق تفاعلي كلي، تترابط فيه العناصر البنيوية جميعها إن إيجابا وسلبا، وإن تفكيكا وتركيبا. وقد اهتم بالخصوص باللغة الشعرية، وربط الصوت بالدلالة، مع تصنيف المعطيات المبنينة في النص الشعري بغية رصد الوظيفة الجمالية أو الشعرية التي تتحقق في النص، ودراسة الدوالّ اللفظية باعتبارها علامات سيميائية.

ومن جهة أخرى، فلقد اهتم بالتوازي أو التعادل حينما تحدث عن الوظيفة الجمالية القائمة على إسقاط محور الانتقاء أو الدلالة على محور التركيب أو التأليف. ومن ثم، لا يقتصر التوازي على الإيقاع فقط؛ بل يمتد ليشمل التركيب والدلالة معا. وفي هذا الصدد، يقول جاكبسون: "كل مقطع، في الشعر، له علاقة توازن بين المقاطع الأخرى في المتتالية نفسها، وكل نبر لكلمة يفترض فيه أن يكون مساويا لنبر كلمة أخرى، وكذلك فإن المقطع غير المنبور يساوي المقطع غير المنبور، والطويل عروضيا يساوي الطويل، والقصير يساوي القصير، وحدود الكلمة تساوي حدود الكلمة، وغياب الحدود يساوي غياب الحدود، وغياب الوقف يساوي غياب الوقف. فالمقاطع تحولت إلى وحدات قياس، والشيء نفسه تحولت إليه أجزاء المقاطع وأنواع النبر."[23]

وأهم مقال فصّل فيه جاكبسون مبدأ التوازي أو التعادل مقاله المعنون بـ(نحو الشعر وشعر النحو)[24]. بيد أن هذا المبدأ قد "انتقده كثير من الباحثين، خاصة جان كوهن[25]؛ وذلك لأن التعادل لا يتوافر في الشعر كله، ولا يتوافر في القصيدة جميعها. ومن ثمة، فإنه ليس مكونا من المكونات الشعرية، وإنما يصح أن يسمى خاصة ثانوية محتملة قد تحضر وقد تغيب."[26]

كما اهتم جاكبسون، ضمن تحليله للوظيفة الجمالية أو الشعرية، بالمحورين: الاستبدالي والتركيبي، وعلاقتهما بالاستعارة والكناية. فلقد أثبت أن الاستعارة شعرية، أما الكناية فهي واقعية. "وقد تطورت هذه الفكرة نتيجة البحث في الاضطراب العقلي وفقدان القدرة على الكلام (الأفازيا)[27]. وفي جملة "عبرت السفينة البحر"، يمكن أن تكون الجملة مجازية أو استعارية عن طريق اختيار فعل مختلف، على سبيل المثال، بمقارنة حركة السفينة بحركة المحراث (حرثت السفينة البحر)، والكنابة هي استخدام وسيلة سمة شيء ما للإشارة إلى الأمر برمته. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يشير العمق للبحر "وعبرت السفينة العمق". تعتمد الاستعارة على مزيج من الأشياء ليست بالضرورة أن تكون مرتبطة أو متجاورة، بينما تستخدم الكناية السمات المرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا."[28]

واعتمادا على هذا التمييز، يمكن التفريق بين المدارس والاتجاهات الأدبية؛ فالمدرسة الرومانسية استعارية. في حين، تعد المدرسة الواقعية كنائية. وفي هذا، يقول جاكبسون: "وقد تم الاعتراف بأسبقية العملية الاستعارية في المدارس الأدبية الرومانسية والرمزية مرارا وتكرارا، ولكنها لا تزال غير مدركة أن الكناية هي الغالبة، والتي تكمن وراء ما يسمى بالاتجاه الواقعي الذي ينتمي إلى مرحلة وسيطة بين انحدار الرومانسية وصعود الرمزية. وتعارض هذه العملية كل منهما على حد سواء."[29]

وعليه، فلقد أثرى رومان جاكبسون الشعرية بأجوبة كثيرة ومقنعة، كان يطرحها النقاد ودارسو الأدب بإلحاح شديد؛ مثل: ما الذي يميز الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟!! 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، إذا كانت القرون الأدبية، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فإنه بعد منتصف القرن الماضي، أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة؛ حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل(Tél Quel) - مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري رافضة عملية التصنيف، مستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:" لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك."[30]

ولقد تجاوزت الشعرية قضية التجنيس الأدبي لتهتم بآليات تحليل النصوص والخطابات وفق المناهج اللسانية وصفا، وتفسيرا، ووظيفة. كما اعتنت الشعرية المعاصرة بالبلاغة أسلوبا، وصورة، وحجاجا، وتأويلا.

وبعد ذلك، توالت الدراسات التي تهتم بالشعرية مع مجموعة من الباحثين الغربيين المعاصرين، كالشكلانيين الروس، وتزفيتان تودوروف( Tzvetan Todorov)، وجيرار جنيت (G.Genette)، ورومان جاكبسون (R.Jakobson)، وجان ماري شايفر(J.M.Schaeffer)، والأب بيرون (L'abbé Piron)، وجاستون باشلار (G.Bachlard)، وميكاييل ريفاتير(M.Rifaterre)، وغيرهم كثير...

 

د. جميل حمداوي

.................................

[1] - أرسطو: فن الشعر، تحقيق إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[2] - أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد، العراق، طبعة 1986م.

[3] - أرسطو: فن الشعر، المرجع المذكور سابقا.

[4] - تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:15.

[5] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، صص:267-270.

[6] - حميد لحمداني: (السرد والحوار)، ص: 148.

[7] - انظر: الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:9.

[8] - الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ص:9.

[9] - دافيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:30.

[10] - سيزا قاسم: (السيميوطيقا: حول بعض المفاهيم والأبعاد)، مدخل إلى السيميوطيقا، الجزء الأول، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ص:40.

[11] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م. 

[12] -R.Barthes: Critique et Vérité, Éditions du Seuil, Paris, 1966; S/Z essai sur Sarrasine d'Honoré de Balzac, Éditions du Seuil, Paris, 1970; Essais critiques, Éditions du Seuil, Paris, 1964.

[13] -Todorov.T : Littérature et Signification, Paris, Larousse, 1967 ; Introduction à la littérature fantastique, Paris, Le Seuil, 1970 ; Grammaire du "Décaméron", Paris, Mouton, 1969 ; Poétique de la prose, Paris, Le Seuil, 1971.  Qu’est-ce que le structuralisme ? Poétique, Paris, Le Seuil, 1977 ; Les Genres du discours, Paris, Le Seuil, 1978 ; Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, avec Oswald Ducrot, Paris, Le Seuil, 1979.

[14] -G.Genette: Figures III, coll. « Poétique », 1972; Introduction à l'architexte, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », 1979 ; coll. « Points essais », 2004 ; Fiction et diction, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », Paris, Le Seuil, 1991, coll. « Points essais », 2004.

[15] -kébidi-Varga :Les constantes du poème: À la recherche d'une poétique dialectique. Den Haag: Van Goor. 1963 ; Rhétorique et littérature: Études de structures classiques. Paris; Bruxelles: Didier. 1970 ; Discours, récit, image. Bruxelles: Madarga. 1989.  Les poétiques du classicisme. Paris: Aux amateurs de livres. 1990.

[16] -Jean Cohen: Structure du langage poétique (Champs, Flammarion, 1966, réédition 2009.

[17] -Awerbach : Le Haut Langage : langage littéraire et public dans l'Antiquité latine tardive et au Moyen Âge, trad. de l'allemand par Robert Kahn, Paris, Belin, 2004, 347 p ; Mimésis. La représentation de la réalité dans la littérature occidentale, trad. de l’allemand par Cornélius Heim, Paris, Gallimard NRF, « Bibliothèque des idées », 1968 (1946 pour l’édition originale), 561 p.

[18] - تزفيطان تودوروف:نفسه،ص:13-14.

[19] - عبد الفتاح كليطو: نفسه،ص:18-19.

[20] - جيرار جنيت: جامع النص، صفحة المقدمة.

[21] - رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:390.

[22] -R. Jakobson: (Linguistique et poétique), Essais de linguistique générale, t. I, Minuit, 1963. 

[23] -R.Jakobson : Essais de linguistique générale, Paris, Minuit, 1963,220.

[24] -R.Jakobson : Huit questions de Poétique, Paris, Point, 1977, pp : 88-108.

[25] - Jean Cohen : Le haut Langage, Paris, Flammarion, 1979, p : 16.

[26] - محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1989م، ص:46.

[27] - شرحها في كتابه (أصول اللغة) سنة 1956، وقد نشر الكتاب بالاشتراك مع موريس هالي (M. Hally).

[28] - دافيد كارتر: نفسه، ص ص:38-39.

[29] - نقلا عن دافيد كارتر: نفسه، ص:39.

[30] - رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:376.

 

349 رواية نهر جاسمسلطة المكان تؤكد حضورها في الفضاء الروائي بشكل كبير، ومفعم بالتعابير الدالة، في عمق الاحداث ومسار دلالالتها، في عينة التقلبات والمتغيرات والتطورات السياسية والاجتماعية للبيئة الذاتية. في القرية العراقية، التي رسمت رمزية العراق بصورته الكبيرة، عبر الحقب السياسية التي تعاقبت على تداول السلطة، عبر انقلاباتها العسكرية. لذا فأن النص الروائي ينطلق من عملية نتاج الواقع، عبر مخاضه السياسي العسير، وعواصف الاحداث ومساراتها مرت على العراق، التي تناولها بشفافية اسلوبية في المتن السردي، بواقعية موضوعية، تلتزم الصدق التعبير، في منصات المعايشة والتجارب والسير الذاتية الحياتية، وفي براعة توظيف ناصية الاستذكار والاسترجاع (فلاش باك) في اطار الخيال الفني الواقعي. في جمالية الابداع الروائي وتتقنياته الضرورية، في الايغال في ذاتية البيئة المحلية. قرية (نهر جاسم) في تصوير بانورامي، يسلط الضوء الكاشف على حياة القرية، في معايشتها اليومية وتأثير الموروثات والتقاليد الاجتماعية والدينية والعشائرية السائدة في مؤثراتها على عقول الناس وطريقة حياتهم، واستجاباتهم لها. لقد قدم المتن الروائي، حالة المعايشة في سلوك وتصرفات الشخصيات المحورية في السرد الروائي، في اطار واقعي وموضوعي، دون زخرفة ديكورية متصنعة بتكلف زائد. وانما بحقائقها وواقائعها التي تدب بفعلها على الارض، في ارتباط وثيق في التعامل اليومي ارتباطاً وثيقاً في التعبير والرؤية والموقف والطرح، في اسلوبية روائية برعت في ادواتها الفنية وصياغتها التعبيرية، التي توغلت في اعماق المكان المحلي والذاتي للقرية. ضمن محسوسات العقل الواعي وغير الواعي. في مسح ابداعي، يعكس المرآة الواقع لقرية (نهر جاسم) منذ انبثاقها الى خوض غمار التطورات اللاحقة التي عصفت بها، بالمتغيرات المتقلبة. والتي احتلت تغاليف السرد الروائي، في عناصر التشويق الروائي الممتع. في كشف معالم قرية عراقية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعراق، في تحولاته وتطوراته، في كل تفاصيل الواقع اليومي والمعاشي، بتحولاته في الحقب السياسية المتعاقبة، التي تدولات على السلطة والنفوذ، وكذلك كشفت الصراع الناشب بين اركان الحكم والسلطة انفسهم، في احتكار الحكم والتعامل معه، حسب مضمونها السياسي ومواقفها ونظرتها العامة، في العلاقة بين السلطة وعامة الناس. وتوزعت الرواية الى اربعة أقسام، حسب التطورات والاحداث والمتغيرات التي برزت في عناوين الحقب السياسية. وكذلك تناولت التحولات الاجتماعية، التي طرأت على الواقع والاوضاع العامة. وهذه الاقسام هي :

1 - الكتاب الاول: الداهية:  الموت والثأر

- الصبية الحسناء ذات العقل الراجح. الذي اطلق عليها مستر (دوسن) باني قرية (نهر جاسم) ومهندس بساتينها وانهارها، اطلق عليها لقب ذات يوم (الداهية) وعرفت فيما بعد به . لقد جاءت مع ابيها وشقيقها (عبد) الى (بيت جوك) بعدما هربت عائلتها من قريتها، خوفاً من الموت بالثأر العشائري، واتخذت من المكان الجديد، مأوى وملجأ، بعدما اصبحت طريدة وغريبة. وتكيفت مع البيئة الجديدة بأحسن حال في علاقتها مع الاهالي، لكن الاحداث التي عصفت بها، قتل شقيقها (عبد) كمطلوب للثأر، وموت ابيها فيما بعد، حتى اصبح قبره، ضريح لمزار الناس. وتزوجت من (الباشا آل النمر) بينما كانت ترفض الزواج من الاخرين، ولكنها اقتنعت ب (الباشا) وهو شخصية اجتماعية وسياسية لها نفوذ ونشاط تجاري كبير، وكذلك وجد (البشا) زواجه الثاني من (الداهية) في انجاب ذرية ترث أسمه امواله واعماله التجارية الواسعة، وبالتالي الزواج من (الداهية) المرأة المعروفة ذات السمعة المحبوبة والطيبة بين الناس، يصب لمنفعته وتقوية نفوذه السياسي والاجتماعي، بأنه سيحصد اصوات انتخابية اضافية في انتخابات مجلس النواب، التي سوف تجري نهايات الخمسينات من القرن الماضي من تاريخ العراقي السياسي، وهو موعود بمنصب حكومي كبير في الدولة العراقية. اضافة الى اعماله ونشاطاته التجارية، وهو يملك معمل لكبس التمور في قرية (نهر جاسم). وترزق منه ولد اطلقت عليه اسم شقيقها المغدور (عبد)-. وقد عاهدت نفسها على أخذ الثأر لشقيقها القتيل (عبد) وكان زوجها (الباشا) له علاقة مباشرة في عملية القتل (- أنا ولي عبد، سوف يأتي جوابي في الوقت المناسب) ص19. وكانت السبب في موت زوجها (الباشا) مسموماً، لكن تحول موته الى قضية وطنية، ضمن الصراع والتنافس على السلطة والنفوذ آنذاك. وقد اتهم بسبب موته (نوري السعيد). لانه كان نداً ومنافساً قوياً له، حتى عامة الناس يطلقون اوصاف على (الباشا) بأنه فرخ الانكليز، وكلب الاستعمار، ولكن أسفوا على موته، وصبوا جام غضبهم على (نوري السعيد) (نوري السعيد قتل الباشا، وضع السم في فنجان القهوة، سماً بطيئاً كي لا ينافسه في المستقبل) ص52.

الكتاب الثاني: الطريق..   موت واحتراق الرئيس  

- ارسسلت (الداهية) ابنها (عبد) الى المدرسة، لكي يواصل تعليمه الدراسي. وعلى صعيد العراق، كان الحدث البارز هو سقوط الملكية. لكنه دشن العهد الجديد، الخلافات والصراعات السياسية على المكشوف. لكن بذات الوقت بدأ الحديث عن أهمية شق طريق عام في قرية(نهر جاسم) يساهم في تخفيف معاناة الناس اليومية. وضمن التطورات المتلاحقة، يزف الخبر بزيارة الرئيس (عبدالسلام عارف) ليدشن افتتاح الطريق العام، وبدأت حمى الاستعدادات للاحتفال في استقبال الرئيس الزائر. واستعدت قرية (نهر جاسم) بأحسن حلة من الاستقبال الكبير، فقد تعطلت المدارس ليساهموا التلاميذ في مراسيم الاحتفال والاستقبال، واصطفوا بجانبي الطريق مع حشود الناس، وحضرت الذبائح ابتهاجاً لزيارة الرئيس، وانتظرت الحشود طويلاً لقدوم الرئيس المنتظر، لكنهم تفاجأوا بالخبر الصاعق. حيث قتل الرئيس في حادث الطائرة واحترق بالجو، يا للنشوة التي لم تحصل، وتسجل بزيارة الرئيس للقرية، ولكنها ظلت نشوة فقط لا غير (- الآن سجل التاريخ (أسم النشوة) حيث قتل الرئيس وعادت قرية نهر جاسم الى النسيان)ص100. وعادوا الاهالي الى بيوتهم خائبين، وانصرف تلاميذ المدارس الى بيوتهم، وبدأ القيل والقال والتنابز واللغز، حول مقتل الرئيس، فالبعض كان متهكماً بالسخرية، والبعض الاخر يدعو الى التروي والرحمة والسماح للقتيل المحترق (- يا جماعة. المثل يقول اذكروا محاسن موتاكم، لقد قلت دائماً ان الله يسامح عبدالسلام عارف على أخطائه، لكونه خلصنا من الحرس القومي وافعالهم السود) ص102.

3 - الكتاب الثالث: الشبكة.. جواسيس واعدامات

ويأتي البعث من جديد الى السلطة. في انقلابه الثاني عام 1968. وبدأ الناس في حالة الحذر والتوجس والقلق، خشية من ظهور الحرس القومي السيء الصيت والسمعة من جديد، وخوفاً من فتح السجون وانتهاك الحرمات. وبدأوا يترحمون على عهد الحاج مشن وسفن آب، التسمية التي يطلقونها على عهد عارف، فقد جاء الى الحكم، عصير صعب الهضم (البعث) الباء بعوض. والعين عبث، والثاء اعدامات تعلق في الساحات، ولكن مقابل هذه التطورات السياسية العاصفة، بدأت قرية نهر جاسم، تتلمس بحبوحة العيش في طور جديد. فقد دخلت الكهرباء والتلفزيونات والثلاجات، بالنهوض الجديد في القرية. ولكن ايضاً بدأت جحافل الامن والجيش الشعبي، تظهر من جديد في الشوارع، مما يثير هذا الظهور مخاوف، بعودة الحرس القومي، بأسلوب ومظهر جديد، والعراق عرف بعهد الانقلابات العسكرية المتعاقبة (حين انقلب القومييون على البعثيين وارسلوهم الى السجن، أستقبلهم الشيوعيون وهم يغنون : سبحان الذي جمعنا بغير ميعاد، وهاهم الشيوعيون بصفتهم خميرة، يستقبلون القوميون بالترحاب ذاته) ص111. وظهر اول الغيث في حكم البعث، في اكتشاف شبكات التجسس واعدامهم وتعليقهم في الساحات في البصرة وبغداد. بذريعة (منذ سنوات والجواسيس يعيثون فساداً في بلادنا، نشروا اسراننا لاسرائيل، وتكاثروا تكاثر الصراصر والذباب، حتى كدنا نراهم في بيوتنا، واعتقدنا أنهم مندسون بيننا، ومع أطلالة العهد الجديد، أنتهى عهدهم. ولكي يكونوا عبرة لذوي النفوس الضعيفة) ص120.. ونجحت (الداهية) في اعفى ابنها من الخدمة العسكرية الالزامية بعد حصوله على الشهادة الجامعية، بدفع الرشوة. بأنه مريض غير مؤهل للتجنيد العسكري الالزامي، لكي يتفرغ الى نشاطه التجاري بين البصرة وبيروت. وفي نفس الوقت تحذره بشدة، بصيانة لسانه وعدم التطرق الى السياسة والحزبية، لانهما مثل البيضة الفاسدة.

4 - الكتاب الرابع: الحرب..  قربان الضحايا الابرياء في الحرب

يتصاعد احاديث الناس عن اكتشاف النفط تحت ارض قرية نهر جاسم، لهذا الزرع لم يثمر، وتناولت الاقاويل عن شروع الحكومة في شراء الاراضي من الاهالي، مقابل المظاهر الحياة الجديدة، في تبعيث المجتمع، بالدعوات الى الانضمام الى حزب البعث، والعراق يشهد انجازات تقدمية في تطور الحياة المعيشية مثل تأميم النفط. وأمتلئت الشوارع بالشعارات البعثية التي تلاحق الجميع، مما يزيد هاجس القلق والخوف عند عامة الناس. والصراعات بين اقطاب البعث، في نزالهم في كسر العظم بين القيادة البعثية نفسها، فقد اضطر الرئيس الى التنازل عن الرئاسة، وتقديمها على طبق من الذهب الى صدام حسين، الذي اصبح الرئيس الجديد على كبش القربان، في المجزرة التي فتكت بنصف القيادة البعثية، ليدشن عهده بالتسلط والاستبداد والارهاب. والحملة في التجنيد للبعث تحت شعار (العراقي الجيد هو البعثي الجيد، وأن لم ينتمِ) ص157. وطفحت على السطح المناوشاة الخطيرة. وقرع طبول الحرب، ضد ايران بعد سقوط حكم الشاه. وصار الناس في دوامة القلق والخوف، في انتظار ساعة الصفر، واعلان الحرب. وسقطت قرية نهر جاسم بين حوافر الحرب ك (حصان الطروادة) واصبحت غير صالحة للعيش والسكن. وعلى الاهالي الانتقال الى مكان اخر في البصرة اكثر سلامة لسلامتهم، وهذا القدر المحتم عليها (في غضون ذلك تحتم على نهر جاسم، ان تحتضن الموت، أشبه بأعدام حصان معتوه بدلاً من ان يذهب أهلها الى مكان اخر ليعزوا ذوي الموتى) ص185.هكذا يلوح الموت فوق الرؤوس، في نار الحرب التي تأكل الاخضر واليابس. وان يكون العراق مجنداً للحرب، وعليه ان يختار الموت تحت اية لافتة يروج لها النظام البعثي. أما شهيد. او خائن. او جبان متخلف عن الواجب الوطني. ففرق الاعدامات موجودة خلف جبهات الحرب. في حرب شعواء بأرادة عقلية مجنونة

 

 جمعة عبدالله

 

رحيم الغرباويللشاعرة اللبنانية نوره حلَّاب

الشعر هو الميدان الأرحب للبوح عن المشاعر حين تُترجَم إلى كلمات تبعث في المتلقي مثلما يستشعره صاحبها من رضى أو سخط، فرح أو حزن، أمل أو قنوط، وإنْ كان الشعر هو جمال فني يستكمل نقص الطبيعة؛ لبلوغ حالة التناغم بين الواقع والخيال، فإنَّ الشاعر يعيش تجربة حياتية واقعية وهو يعالج نقصها لكنْ بعاطفته وعقله؛ ليظهرها برونق جديد تتعافى به النفوس المتلقية ونفسه أولاً؛ من خلال خلق صور لما فوق الواقع معتمدا على ماتوحيه له الأشياء وما ترسمه المخيلة، وبما يُفعل فيه من مواقف حياتية إنسانية (1)، فالفن إذن هو عمل " وإنتاج ينتجه الإنسان؛ فيصوغه صياغة خاصة، إذ يعيد تنغيم مادته وتشكيل عناصره حتى تتخذ هيأة لاتتخذها في وجودها الطبيعي " (2) وإنْ كان هدفه هو التعبير عن الواقع واستحصاله على التوافق معه بوصفه جزءً من متطلبات الخبرة الجمالية (3).

و الشاعر حين يعبِّر عن شعور ما، لابدَّ أن تستوحى صور ذلك الشعور من الطبيعة من طريق الخيال؛ مما يمنح النص فنيَّةً لأجل بث التأثير في نفوس متلقيه؛ إذ أنَّ " جوهر الفن أو أساسه يقوم على التعبيرعن عاطفة الإنسان وموقفه الوجداني تجاه الوجود " (4) .

و لعل الشعر صار همَّاً للنساء الشاعرات الذي شاع في عصرنا الحاضر شيوعاً لافتاً، فأصبح يشغل مساحة واسعة بسبب تقنيات التكنلوجيا لاسيما صفحات التواصل الاجتماعي، فنجد الكثير منهن بتنَ يعزفن على وتر البوح الشعوري؛ ليترجمن ما ينتاب مشاعرهن وأحاسيسهن إزاء مؤثرات الحياة بما فيها من مظاهر ذات أثر واضح وكبير؛ لما يدهم حياتهن من قلقٍ وضياع وتشتت واستلاب، والشاعرة نورا الحلاب واحدة من بين تلك النوارس اللاتي حلَّقن في عالم الشعري؛ لتصوغ لنا من أجمل قلائد الكلمات قصائد تعبر بهن عن تطلعاتها تجاه الكون والوجود، فنراها تقول في قصيدتها أفق التلاقي:

تخيّل يا سيدي ....!!!

لم نَعُد الفدائيات المستبسلات

للذود عن موطن عينيك ....

ولا العاديات الظامئات

لسُندس المروج

في مراعيها ....

فنجد الإكبار والشمم الذي يختلج القصيدة؛ فهي تنضح بما فيها من دلالات معبِّرة لاسيما رفض الاستسلام للآخر (الرجل) فنراها تخاطب رجال العصر بل ورجال الزمن العتيق الذين ما انفكوا يمتهنون المرأة، فيتعاملون معها كالجارية التي تعيش بين حدقتيه وتذود عن حياضهما فدائية مستبسلة لاترضى إلا ببريقهما وتدافع عنهما من غلواء المُنافِسات، فما عادت امرأة العصراليوم أنْ تقتات من مروج عينيه ما يروِّي ظمأها حسب الرؤية العصرية لواقع المرأة، فشاعرتنا قد استعملت (ألف المد وتاء التأنيث) في الألفاط: (الفدائيات المستبسلات و العاديات الظامئات)؛ لتجعل من منطلقها بعيد الأثر، طويل الزمن، إذ أنَّ الشاعرة وهي تبوح بمشاعرها بهذه الفكرة آثرت أنْ تستعمل في نصها جمع الأناث بمد الألف أربع حركات متتالية، مما يحدث لنا استطالة في الصوت؛ وذلك لتعمق دلالة النص المرجوة، ولتمنح في الزمن الصوتي المستطيل دلالة النأي والبعد اللذين يمثلان الرفض للواقع المقيت من لدن المرأة وهي تحاول أن تبتعد عن ذلك الرجل، وقد أكدت حالة الرفض التي رصدناها من خلال ظلال الكلمات لاسيما في أداة الجزم (لم) التي نفت الفعل  (يعود)، ثمَّ عززت دلالة النفي بـ (لا) في قولها: (ولا العاديات الظامئات)، كذلك تكرار حرف العين خمس مرَّات وهو الذي يدل على اللوعة والألم .

ثم تقول:

صِرنا الناجيات

من حروقِ الشمس

المشرقة بين شفتيك ..

من تلك الإبتسامة

الطاغية في تدانيها ...

اليوم

نحن نجمات

تتلألأ بعيداً

عن وصاية مَدَارك

ولا مواسم لتلاقيها ...

ويبدو أنَّ شفتي من توجه له الكلام حارقة، ولعل السياق لايدلل على المعنى الظاهر، وكأنَّ القارئ لأوَّل وهلة يقرأ أنَّ الشفاه التي قصدتها الشاعرة هي شفاه الرجل الحارقة بعذوبتها وشبقها، لكن الهروب منها يدل على معنى تسلطها أيضاً، وقد عبَّرت الشاعرة فيما يبدو عن حروق الشمس في الشفاه؛ بوصفها لاهبة في لذعها مستعيرة بذلك للكلام الجارح، والمتجاوِز على المرأة؛ وجعلها ضعيفة في مجتمعنا العربي، منزوعة الإرادة، فالشاعرة تعبر عن لسان حال نساء جيلها، ولعل الابتسامة في النص لم تكن ابتسامة ودٍّ، بل ابتسامة استهجان وغرور، بينما النساء في حقيقتهن كالنجمات اللاتي يتلألأن بجمالهن وحريتهن وعطائهن بعيداً عن وصاية المستعمرين وليس هناك بعد الآن أنْ يلتقين بمثل هكذا ثقافات أو أفكار متخلفة . وقد استطاعت الشاعرة مرة أخرى أنَّ تشير إلى الزمن الفارق بين هذا الواقع الذي تتعرض له المرأة كل يوم، وبين النساء اللاتي ابتعدن في جوف السماء؛ لينلن حريتهن بلفظتي: (الناجيات و النجمات) ومد الألف فيهما؛ لاستغراق الزمن كما ذكرنا آنفاً، وقد أوردت النون في هذا المقطع تسع مرات وصوت الميم سبع مرات؛ لتعبر عن ترنمها وهي تعيش الزهو المؤثل؛ لانطلاق حريتها بعيداً عن قيود العبودية .

ولعل الشاعرة نوره الحلاب بعقليتها المتنورة ورفضها للكثير من حالات الاضطهاد القسري لاسيما اضطهاد المرأة من قِبل الكثير من الرجال في عالمنا العربي ومردوده السلبي، آثرت إلا أن تعلن راية التحرر أمام سيوف الذل ونوازع الاستلاب .

أما قصيدتها الأخرى (غنج ودلال) تصف فيها شاعرتنا المرأة العصرية التي صارت اليوم مدعاة غنج ودلال، وهي تتبختر؛ لأنَّها نالت استحقاقها في تقاسم الرجل الحياة، كما أنها تمارس دورها في جميع حقولها لاسيما الشعر الذي صارت فيه تجاري الرجال، إذ أصبحت تلتفت إلى أشعارها القلوب وترفع لها هاماتها الأكوان وتنحني لطلَّتها القوافي، فنراها ترسم بأشعارها شعورها البهيج بحسن العبارة وروعة الأحاسيس، لما تعيشه المرأة اليوم معبِّرة عن لسان حالها بقولها:

على جسر القصيدة

أتبختر أنا

حافية القلب .

حاسرة الفكر

والنبض

والشريان .

فرحي بهامة الكون،

لا تحنيه ثورتك

ولا يؤجّل أعياده

جنون غيرتك .

أتبختر أنا

على جسر القصيدة؛

ولهدو خطوي

تنحني القوافي

ويجلجل خلخال

الحروف !

إذ رسمت الشاعرة للقصيدة جسراً، والجسر يمثل مظهراً من مظاهر الحضارة الحداثية، بينما هي تتبختر حافية القلب، ولعلها تفاجئنا بالمفارقة الأسلوبية، وهي العنصر المحوري في العمل الفني، فالحافي حافي القدم، لكنها أشارت إلى القلب؛ لتوحي لنا أنْ لاهموم تنتابها ولا أحزان، فقد خلا القلب من الاكتواءات التي يمكن أنْ تنتابها في حال من الأحوال، كما نراها حاسرة الفكر والنبض والشريان؛ كناية عن إزاحتها هموم الحياة ومنغصاتها بل وخرجت من المغارة إلى عالم الأفكار الخالد (5)، ومما لايجعل الشعور أسيفاً، فهي تعيش حالة استرخاء طالما هاجسها الشعور الندي والفكرة الطامحة والرقة الشفيفة بدلالة الألفاظ: (اتبختر) التي وردت مرتين، و (فرحي، هدو، تنحني، يجلجل) وجميعها تدل على السرور والانتشاء والاحساس العذب بتفوق المرأة العصرية الشاعرة بفكرها وانتصارها لمطالبها في الارتقاء نحو ذرى الحرية، إذ لايثنيها اهتمام المحبِّ ولا جنون غيرته، فما عاد هو من يلقي بشباكه؛ ليصطاد من يهوى، بل هي من تصيغ حياتها بكبريائها وبجمال إحساسها الذي تعبِّر عنه من دندنة خلاليل حروفها اللافتة الجمال.

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.......................

(1) ينظر: دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 90

(2) في النقد الأدبي الحديث، د. فائق مصطفى: 14

(3) ينظر: الوعي الجمالي، د. هيلا شهيد: 252

(4) في النقد الأدبي الحديث: 15

(5) ينظر: عالم صوفي، جوستاين غاردر: 115

 

جميل حمداويالمقدمة: تعد الشعرية (Poétique) من أهم المقاربات النقدية المعاصرة التي استهدفت قراءة النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية من الداخل بحثا عن أدبيتها الوظيفية أو شعريتها الجمالية. ومن ثم، فهي نظرية معرفية ونقدية علمية تعنى بدراسة الفن الشعري بصفة خاصة، والاهتمام بالفنون الأدبية بصفة عامة.

ولايمكن فهم مدلولات الشعرية (Poétique) إلا بتحديد اللفظة لغة واصطلاحا على النحو التالي:

المطلب الأول: الشعرية لغة

الشعرية (Poetics/ Poiesis) كلمة يونانية الأصل، تعني (Poetic) الإبداع أو الفن الشعري.  ويشير مورفيم (Ic) إلى المدرسة أو الاتجاه العلمي الذي تتخذه هذه اللفظة.بمعنى أن الشعرية نظرية علمية ونقدية وأدبية ومعرفية تهتم بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي. أما اللاحقة (S)، فتعني الجمع.أي: هناك شعريات متعددة ومختلفة. ومن هنا، فالشعرية مصدر صناعي يدل على خصائص الكتابة الأدبية والإبداعية ومقوماتها وسماتها المختلفة.

ولقد ترجمت لفظة البويطيقا (Poetic/Poétique)، في حقلنا الثقافي العربي القديم، بمجموعة من التسميات كالصناعة، وصناعة الشعر، وعمود الشعر، ونظم الكلام، ونظرية النظم، وفن الشعر، والتخييل...

وترجمت هذه اللفظة أيضا، في حقلنا الثقافي العربي الحديث والمعاصر، بالإبداع، والفن الإبداعي، والشعرية، والإنشائية، والهيكلانية، والبويطيقا، والبويتيك، وعلم الأدب، والشاعرية، والأدبية، ونظرية الشعر، ونظرية الخطاب....

وعلى العموم، ترتبط الشعرية بالفن الشعري من حيث الاشتقاق اللغوي. بيد أن الشعرية، في الصميم، نظرية علمية ومعرفية ونقدية تسعى جادة إلى فهم بنيات العمل الأدبي، وتفسير جمالياته الوظيفية، واستكشاف مكوناته وسماته الحاضرة والغائبة.

وتعني الشعرية أيضا علم الأدب، مادامت تصف الفنون والأجناس الأدبية وصفا علميا موضوعيا، بتمثل المقاربة البنيوية اللسانية، وإبعاد المرجع الخارجي،  وتحليل النصوص والخطابات تحليلا بنيويا محايثا داخليا وفق منهجية سانكرونية. ومن ثم، تقوم الشعرية على تفكيك النصوص الأدبية إلى مختلف مستوياتها الفنية والجمالية.وبعد ذلك، تسعى إلى تركيبها في مقولات وخلاصات واستنتاجات علمية شكلية موضوعية.

المطلب الثاني: الشعرية اصطلاحا

يقصد بالشعرية كل نظرية داخلية للأدب[1]. وقد تعني الشعرية أيضا تلك الاختيارات الأدبية والأسلوبية والبلاغية والتصويرية والموضوعاتية والتأليفية التي يختارها المبدع في التعبير والكتابة عن الذات والموضوع معا كشعرية مالارمي، أو شعرية  فيكتور  هيجو، أو شعرية أدونيس، إلخ[2]. وقد يقصد بالشعرية كذلك مجموعة من القواعد والقوانين المعيارية التي تحتكم إليها مدرسة أدبية وفنية ما. ويبقى المفهوم الأول هو المفضل في تعريف البويطيقا، على أساس أن الشعرية عبارة عن القوانين والمكونات والسمات التي تميز فنا أدبيا عن باقي الفنون والأجناس والأنواع الأدبية الأخرى[3].

علاوة على ذلك، فالشعرية هي تلك الطريقة أو المقاربة  أو المنهجية النقدية التي تهدف إلى  استخلاص المكونات البنيوية للنص الأدبي، وتحديد أدبيته، واستقراء مجمل القواعد الجوهرية الثابتة التي تتحكم في توليد النص وإبداعه. ومن ثم، تهتم الشعرية بعلمنة الأدب ووضع القواعد والمعايير والمكونات والسمات التي تنبني عليها الأجناس الأدبية. أي:تدرس الإنشائية (Poétique) علم الأدب، أو ما يجعل من الأدب أدبا. أي: تشدد على وظيفة الأدب التي تتأسس على الوظيفة الجمالية أو الشعرية،  بإسقاط المحور الاستبدالي على المحور التركيبي، أو الجمع بين الانتقاء الدلالي والعلاقات النحوية. ويعني هذا أيضا أن الأدب يتكون من مواد دلالية وعلاقات نحوية وتركيبية، أو الجمع بين الدلالة والنحو ضمن علاقات الغياب (الدلالة) من جهة، وعلاقات الحضور (التركيب) من جهة أخرى.

وعليه، فموضوع الشعرية هو الاهتمام بما يميز نصا أدبيا عن باقي الخطابات الأخرى .بمعنى أن الأدب يتميز بالوظيفة الجمالية التي تقوم على إسقاط المحور الدلالي على المحور التركيبي. ومن ثم، تهتم الشعرية برصد الثوابت البنيوية التي تخصص النص الأدبي مقارنة بالنصوص والخطابات الإبداعية الأخرى.أي: تعنى باستجلاء القواعد التجنيسية التي يقوم عليها نص إبداعي ما، بتحديد مكونات جنسه وسماته. فالمكونات هي العناصر الثابتة.في حين، تتميز السمات بكونها خصائص وعلامات تحضر وتغيب. ومن ثم، تهتم الشعرية بجرد كل مميزات النص الفنية والجمالية والإنشائية، وتوصيف النص الأدبي وفق مقولات بنيوية شكلية وهيكلية. وما يهم الشعرية أيضا هو التركيز على الأدبية.أي: ما يجعل النص أدبا، وتمييزه عن باقي النصوص غير الأدبية.لذا، تحضر نظرية الأجناس الأدبية في الشعرية بشكل كبير جدا.

أضف إلى ذلك أن الشعرية تهدف إلى فهم الآليات البنائية التي يقوم عليها النص الأدبي، وقد تكون آليات صوتية، وإيقاعية، وفضائية، وصرفية، ودلالية، ونحوية، وبلاغية. كما تستجلي مظاهر الوحدة والتنوع في مجال الإبداع الأدبي، والبحث عن بصمات المؤلف والمبدع على حد سواء.وبذلك، تستفيد الشعرية من اللسانيات من جهة، كما تنفتح على البنيوية من جهة أخرى. ويعني هذا أن الشعرية هي نظرية في تحليل الخطاب الأدبي وفق مقولات بنيوية ولسانية، يتمثل أساسها في تحديد أدبية النص، ورصد وظيفتها الشعرية أو الجمالية. 

وتعني أدبية النص (Littérarité)  العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون(R.Jakobson). فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث يمتاز الشعر بالوظيفة الشعرية، وتمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح، وهكذا مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى...

وترتكز الوظيفة الجمالية على إسقاط المحور الاستبدالي على المحور الأفقي. ونعني بالمحور الاستبدالي الترادف أو المعنى أو الدلالة. في حين، يقصد بالمحور التأليفي علاقات المجاورة، أو علاقات التركيب النحوي. ويعني هذا كله أن الوظيفة الجمالية تتضمن الدلالة والنحو معا.

وعليه، تعنى الشعرية بتوصيف النصوص الأدبية من جهة أولى، وجرد مكوناتها الثابتة وسماتها المتغيرة من جهة ثانية، ثم الاهتمام بقواعد تجنيسها من جهة ثالثة. وهنا، نتحدث عن شعرية الشعر، وشعرية السرد، وشعرية السينما، وشعرية اللوحة التشكيلية، وشعرية المسرح، وشعرية الإيقاع[4]...

وعليه، تدرس الشعرية الأشكال  الفنية والجمالية والأساليب الأدبية.ومن هنا، فلها علاقة وطيدة بالأسلوبية (la stylistique)، وعلم السرد (la narratologie)، وبلاغة الصور (des figures de style). ومن ثم، فالشعرية هي دراسة الفن الأدبي باعتبارها إبداعا تلفظيا [5]، أو دراسة الصيغ الداخلية للنص.

ومن ثم، يمكن الحديث عن شعرية إيقاعية، وشعرية صوتية، وشعرية فضائية، وشعرية بلاغية، وشعرية تركيبية، وشعرية الخطاب، وشعرية البلاغة، وشعرية الأسلوب، وشعرية الجنس والنوع والنمط، وشعرية الأدب بصفة عامة...

واليوم، يمكن الحديث عن شعريات كبرى، فهناك الشعرية البنيوية اللسانية، والشعرية التوليدية[6]، والشعرية المعرفية [7]....

وخلاصة القول، تعنى الشعرية بقواعد الإبداع الأدبي والفني والجمالي، والبحث في مكوناته الداخلية المحايثة، والاستفادة من البنيوية اللسانية، والتركيز على النسق التفاعلي الداخلي، وتفكيك النصوص والخطابات وتركيبها، ودراسة المستويات الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية. فضلا عن كونها تهتم بتصنيف الأنواع والأنماط والأجناس الأدبية، والاهتمام بما يميز الشعر والرواية والقصة والمسرح عن باقي الأجناس الأدبية  والفنية الأخرى.

المطلب الثالث: الشعرية منهجا ومقاربة

الشعرية طريقة بنيوية وصفية في قراءة النص الأدبي، تستند إلى خطوتين أساسيتين ألا وهما: التفكيك والتركيب . وهي لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص أو الخطاب عبارة عن لعبة الاختلافات، ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات  والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث، والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء، أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية، وإعادة تركيبها من أجل معرفة آليات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي.

ومن هنا، يمكن القول: إن الشعرية منهجية  بنيوية وتشريحية بامتياز، ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان، ويبعد كل ماهو مرجعي وواقعي، ويركز فقط على ماهو لغوي، و يستقري الدوال الداخلية للنص، دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. و يعني هذا  أن الشعرية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج التاريخي، والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي في ضوء ثنائية الفهم والتفسير؛ والغرض من ذلك هو تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم.

ومن هنا، تتميز منهجية الشعرية بأنها منهجية بنيوية لسانية تقوم على التوصيف الداخلي للنصوص والخطابات بنية، ودلالة، ووظيفة.بمعنى أنها تعنى بالآليات التالية:

Œ1- تصنيف النصوص الأدبية والفنية وفق منطق الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية؛

2- تحديد مكونات النصوص وسماتها؛

Ž3- التشديد على أدبية النصوص والخطابات؛

4- الاهتمام بالقيمة المهيمنة ووظائف النص؛

5- دراسة النص الأدبي وفق مستوياته البنيوية، واللسانية، والبلاغية، والأسلوبية، والسيميائية ؛

‘6- البحث عن القواعد والبنى الثابتة والمتغيرة التي تتحكم في النصوص والخطابات الأدبية والفنية؛

’7- المقارنة بين النصوص والخطابات وفق قواعدها التجنيسية والنوعية؛

“8- البحث عن الفنيات والجماليات التي يتميز بها نص ما، ويتفرد بها عن باقي النصوص الأخرى؛

”9- توصيف الأسلوب والصور البلاغية بغية تحديد أصالتها الإبداعية؛

•10- وصف النصوص والخطابات والمعطيات والأحداث وصفا منسجما متسقا من جهة، ووصفا بنيويا داخليا ومحايثا وسانكرونيا من جهة أخرى .

إذاً، عندما نريد مقاربة النص أو الخطاب الأدبي الجمالي شعريا، فلابد من التسلح باللسانيات باستثمار مستوياتها المنهجية، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي، والمستوى البلاغي، مستبعدين السياق الخارجي من مؤلف، ومرجع، وكاتب، ومقصدية، ورسالة... ويعني هذا أننا لانهتم بالمضمون، أو صاحب النص، أو ظروف النص وحيثياته السياقية، بل ما يهمنا كيف قال الكاتب ماقاله. أي: نركز على شكل المضمون، برصد البنيات الخطابية واللغوية، وكشف الثنائيات المتآلفة والمتعارضة داخل النص.

ومن هنا، تعتمد الشعرية على خطوتين منهجيتين متكاملتين هما: التفكيك والتركيب. وبتعبير آخر، نقوم - أولا- بتفكيك النص إلى عناصره البنيوية الجزئية من أصوات، ومقاطع، ودلالات، وتراكيب، وحقول دلالية ومعجمية، وصور بلاغية، ثم نقوم بعملية التركيب بطريقة كلية، في شكل ثنائيات أو استنتاجات بنيوية شكلية. وتتم هذه العملية استقراء واستنباطا. وتشبه هاتان العمليتان ما يقوم به الطفل الصغير حين يفكك لعبته أو دميته من أجل تركيبها من جديد.

 وللتبسيط أكثر: إذا أخذنا على سبيل المثال قصيدة شعرية لتحليلها بنيويا، فسنقوم بتفكيكها إلى مستويات منهجية على الشكل التالي:المستوى الصوتي، و المستوى الصرفي، والمستوى النحوي، والمستوى الدلالي، والمستوى البلاغي.

وإذا أردنا تفكيك نص سردي أو روائي، فلابد من تحديد المقاطع والمتواليات السردية، ورصد الوظائف الأساسية والثانوية والمؤشرات الفضائية، والاهتمام بالمنظور السردي(الرؤية من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج، وتحديد وظائف السارد)، والتركيز على زمن السرد(الترتيب، والمدة، ورصد بنية التواتر)، والعناية بالصيغ الأسلوبية( السرد، والحوار، والمنولوج، واللغة)، كما عند جيرار جنيت، ورولان بارت، وكلود بريمون، وتودوروف... والهدف من هذا التفكيك هو رصد القواعد السردية التي تتحكم في النص أو الخطاب المدروس.أي: تبيان المنطق السردي الذي تقوم عليه القصة أو الرواية.

وإذا أردنا التعامل مع النص المسرحي، فلابد من تقطيع النص إلى متواليات مشهدية أولوحات درامية، وتحديد الوظائف المسرحية، وجرد الشخصيات، ورصد البنية الفضائية، واستخلاص الإشارات الركحية، وتبيان أنواع الحوار.

إذاً، تبرز الشعرية، في مقصديتها، قواعد السرد والدراما،  في ضوء مقاربة شكلانية لسانية بنيوية، تثبت أن النص الأدبي نص داخلي مغلق، يتكون من مجموعة من البنيات التي تكون بدورها نسقا لسانيا ودلاليا محايثا.

وبناء على ماسبق، تبقى الشعرية، على الرغم من سلبياتها وهناتها، أقرب إلى الأدب والنص الفني والجمالي من بقية المناهج النقدية الأخرى لوجود اللغة كقاسم مشترك بين الاثنين. ومن ثم، فعلاقة الأدب بالشعرية علاقة تكامل وتداخل وانسجام. في حين، إن علاقة الأدب بالمناهج النقدية النفسية والاجتماعية والتاريخية علاقة تنافر وتباعد.

إن الشعرية منهجية بنيوية لسانية بامتياز، تعنى بأدبية الأدب، وتوصيف النصوص والخطابات وفق قواعدها وشعريتها الداخلية، والبحث عن وظائف العناصر اللغوية، والتركيز على بعدها التواصلي. ومن ثم، فللشعرية علاقة وثيقة ووطيدة بالبلاغة من جهة أولى، والأسلوبية من جهة ثانية، والسيميوطيقا من جهة ثالثة، والبنيوية اللسانية من جهة رابعة.

وتعتمد الشعرية على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات الرئيسة كالانزياح، والتكرار، والإيحاء، والتقرير، والتضمين، واللغة، والكلام، واللسان، والتلفظ، والتوازي، والاندماج، والغموض، والحجاج، والتعيين، والانزياح، والمشابهة، والمجاورة، والصور البلاغية، واللغة الشعرية، والتخييل، والمتخيل، والإيقاع، والجهة، والتنغيم، والقيمة المهيمنة، والتفكيك، والتركيب، والتشريح، والتوصيف، والبنى، والمكونات،والسمات، والقيم الخلافية، والثنائيات البنيوية، والسانكرونية، والأدبية، والإنشائية، والهيكلانية، ونظم الشعر، والمحاكاة، والأجناس، والأنواع، والأنماط،وصناعة الشعر، والتقطيع، والمقاطع، والمتواليات، والتيمات، والحوافز، والموضوعات، والمبنى الحكائي، والمتن الحكائي، والنص، والخطاب، والإبداع، وصناعة الشعر، والنظم، والنسق، والعناصر،والاتساق، والانسجام، والعلامة، والأسلوب، والمحايثة، والدال، والمدلول، والمرجع، والبنيوية، واللسانيات، والاستبدال، والتأليف، والوظيفة الجمالية، والوظيفة التعبيرية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الميتالغوية، والمرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، والسياق، واللغة، والسنن، والذاتية، والموضوعية، والمستويات، والشكل، والبناء، والدلالة، والمنظور، والسارد، والراوي، والمدة، والصيغة، والصياغة، والسرد، والحوار، والمنولوج، والتمسرح، والروائية، والميتاسرد، والفضاء السردي،والشخصيات، والحوار،إلخ ...

المطلب الرابع:  أسئلة الشعرية

لقد طرحت الشعرية ومازالت تطرح إشكالات وأسئلة شائكة عديدة ومختلفة على النحو التالي: ما الأدب؟ وما الذي يميزه عن غير الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟ وما مكونات النص الأدبي وسماته؟ وما مميزات الخطاب وآلياته؟ وما بنيات الأدب ودلالاته ووظائفه؟ وما علاقة الشعرية بالأسلوبية والسيميوطيقا؟ وما أهم الآليات التي تستند إليها الشعرية في توصيف النصوص والكتابات والخطابات والآثار الأدبية والإبداعية؟

المطلب الخامس: مقومات الشعرية

تستند الشعرية إلى مجموعة من المرتكزات والمقومات النظرية التي يمكن تحديدها فيما يلي:

1- التركيز على أدبية النص (Littérarité) .أي : العناية بما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون. فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة؛ حيث تمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح...

2- العناية بالشكل: لقد تجاوز البويطيقيون ثنائية الشكل والمضمون، و انطلقوا من الشكل البنيوي على أساس أنه علامة بارزة تحيل على منطق الدلالة، وأس المعنى. فمن خلال الشكل، يبدو المعنى مبنيا، ويتجلى في آثاره الفنية والجمالية واللغوية والنصية.

3- الانفتاح على اللسانيات: أهم ما تمتاز بها الشعرية البويطيقية اهتمامها بمكتسبات اللسانيات، وخاصة في دراسة الشعر، بتوظيف المستويات الفونولوجية والصوتية والإيقاعية والتنغيمية، ودراسة البنية الصرفية والبلاغية، ورصد مستويات الدلالة والتركيب معا.

4- المقاربة البنيوية: تستند الشعرية الإنشائية إلى المقاربة البنيوية اللسانية التي تعنى بدراسة بنيات الشعر والسرد والشعر والحكاية، وكذلك تحليل بنيات الشخصيات بطريقة بنيوية محايثة وثابتة ووصفية وسكونية.

5- دراسة الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية والفنية: اهتمت الإنشائية  بتقنين الأجناس الأدبية تجنيسا وتصنيفا وتنميطا، وفق المقاييس اللسانية والشكلية، مستبعدين المضامين والمرجعيات الإيديولوجية.

6- الاهتمام بنظرية الأدب: يعد البويطيقيون من أهم العلماء الذين اهتموا بتأسيس نظرية للأدب في ضوء المعطيات اللسانية، والمقاربات الشكلانية، والتصورات البنيوية والبلاغية والسيميائية. وبهذا، يكونون قد مهدوا للدراسات البنيوية اللسانية والدراسات السيميوطيقية الشكلية.

7- إقصاء المرجع الخارجي:  لقد أقصى الإنشائيون ما يسمى بالمرجع النفسي والاجتماعي، وتجاوزوا المضامين والمحتويات والخبرات والشعارات الإيديولوجية نحو استجلاء أسرار الشكل بنية، ودلالة، ووظيفة.

8- الاهتمام بالمكونات والسمات: ويعني هذا أن الشعرية تهدف إلى استجلاء مكونات النصوص والخطابات الأدبية والفنية والإبداعية، ولاسيما الخصائص والمميزات الثابتة.وفي الوقت نفسه، تبحث عن السمات الحاضرة والغائبة التي تميز نصا عن باقي النصوص والخطابات الأخرى.

9- العناية بالتجنيس: يتمثل الهدف الرئيس للشعرية في الاهتمام بتجنيس النصوص والخطابات الأدبية والفنية وفق مكوناتها الثابتة المستقرة من جهة أولى، أو وفق سماتها الحاضرة والغائبة من جهة ثانية.

10- مبدأ التوصيف: تسعى الشعرية جادة إلى توصيف النصوص والخطابات من الداخل بغية فهم الآليات التي تتحكم في توليد النصوص وإنتاجها. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، تلكم، إذاً، نظرة مختصرة إلى مفهوم الشعرية بأسسها العلمية والتوصيفية الثابتة والجلية، ومرتكزاتها النظرية والتطبيقية التي لايمكن الاستغناء عنها في أثناء تحليل النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية والفنية والجمالية.

وتلكم أيضا أهم الأسئلة التي انطلقت منها الشعرية البويطيقية باعتبارها مقاربة أدبية ونقدية علمية في دراسة النصوص والخطابات والأجناس الأدبية والنوعية والفنية.

وتلكم كذلك أهم المقومات التي ترتكز عليها الشعرية في توصيف النصوص والخطابات إن نظرية، وإن تطبيقا.

 

د. جميل حمداوي

 ......................

[1] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Points,2ditions du Seuil,1972,p :106.

[2] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p :106.

[3] -Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov:Ibid, p :106.

[4] - Meschonnic, Henri, 1982, Critique du rythme. Anthropologie historique du langage, Lagrasse, Verdier, 1999, Poétique du traduire, Lagrasse, Verdier. ; Dessons, Gérard et Meschonnic, Henri, 2003 [1998], Traité du rythme, des vers et des proses, Paris, Dunod.

[5] O.Ducrot et T.Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, article « Poétique », p. 193, Paris, 1995.

[6] - عثماني الميلود: الشعرية التوليدية: مداخل نظرية، شركة النشر والتوزيع-المدارس- الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[7] - إسماعيل شكري : في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.

 

جميل حمداويتوطئة لابد منها: لقد تناولت الشعرية، في تطورها التاريخي، مجموعة من القضايا العويصة كقضية التجنيس الأدبي، وقضية محاكاة الطبيعة، أو محاكاة النماذج، وقضية اللغة الشعرية، وقضية تركيب السرد وتأليفه، وقضية المنظور السردي، وقضية الزمنية السردية، وقضية الصورة البلاغية، وقضية الأسلوب، وقضية الإيقاع، وقضية علاقة الشعرية بالبلاغة، وقضية الشخصية السردية، وقضية الفضاء السردي، وقضية الوظائف والتيمات والموضوعات، وقضية تقطيع النصوص والخطابات إلى وحدات ومتواليات ومقاطع، وسجلات الكلام...

ومن جهة أخرى، ركزت شعرية المسرح على مجموعة من القضايا الرئيسة كقضية التمسرح، وقضية الصراع الدرامي، وقضية الحوار المسرحي، وقضية الإرشادات المسرحية، وقضية الفضاء الدرامي، وقضية الشخصيات الدرامية، وقضية السينوغرافيا، وقضية الديكور، وقضية تلقي الفرجة، وقضية الدراماتورجيا، وقضية الإخراج، وقضية التمثيل، وقضية الإضاءة، وقضية الإكسسوارات، إلخ...  

شعرية الشعر

شعرية السرد

شعرية المسرح

المستوى الصوتي- والمستوى الإيقاعي والتنغيمي- والمستوى الصرفي- والمستوى التركيبي- والمستوى البلاغي- والمستوى الدلالي والمعجمي- والمستوى الأسلوبي- ومستوى التجنيس...

مستوى التقطيع إلى وحدات ومتواليات ومقاطع- مستوى الوظائف والحوافز- مستوى الشخصيات والعوامل- مستوى الفضاء الزمكاني- مستوى الوصف-مستوى المنظور السردي- مستوى الزمن السردي- مستوى الصيغة- مستوى اللغة...

مستوى الأحداث الدرامية- مستوى المناظر واللوحات والمشاهد- مستوى التمثيل- مستوى الصراع الدرامي- مستوى الفضاء الدرامي- مستوى الإرشادات المسرحية- مستوى اللغة والحوار-مستوى الديكور-مستوى السينوغرافيا- مستوى الإخراج- مستوى الدراماتورجيا- مستوى الإنارة- مستوى الإكسسوارات-مستوى الموسيقا والتصويت...

وتأسيسا على ما سبق، لقد تناولت الشعرية مجموعة من القضايا الأدبية الكبرى التي يمكن حصرها فيما يلي:

المطلب الأول: قضية الأدبية وعلم الأدب

يعد رومان جاكبسون، أو ياكبسون (R.Jakobson)، من الشكلانيين الأوائل الذين أرسوا دعائم الشعرية، أو ما يسمى بعلم الأدب، أو من الذين ساهموا في تطوير نظرية الأدب على أسس علمية وموضوعية، بحصر موضوع علم الأدب في دراسة الأدبية (La littérarité). ويعني هذا أن علم الأدب، أو ما يسمى أيضا بالبويطيقا أو الإنشائية (Poétique)، يدرس ما يجعل الأدب أدبا. أي: التركيز على وظيفة الأدب التي تتأسس على الوظيفة الجمالية أو الشعرية، بإسقاط المحور الاستبدالي على المحور التركيبي، أو الجمع بين الانتقاء الدلالي والعلاقات النحوية. ويعني هذا أيضا أن الأدب يتكون من مواد دلالية وعلاقات نحوية وتركيبية، أو الجمع بين الدلالة والنحو ضمن علاقات الغياب (الدلالة) من جهة، وعلاقات الحضور (التركيب) من جهة أخرى.

المطلب الثاني: اللغة والنظام التواصلي

يستند التواصل اللساني - حسب رومان جاكبسون - إلى ستة عناصر أساسية[1] هي: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، و السنن/ اللغة.

وللتوضيح أكثر، نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه؛ حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي...

ويعني هذا كله أن اللغة ذات بعد لساني وظيفي، و لها ستة عناصر، وست وظائف: المرسل ووظيفته تعبيرية أو انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية أو انتباهية، والرسالة ووظيفتها جمالية أو شعرية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، والسنن ووظيفته الوصف الميتالغوي. وقد انطلق جاكبسون من مسلمة جوهرية ألا وهي أن التواصل هو الوظيفة الأساسية للغة. ومن هنا، فللغة ستة عناصر أساسية، ولكل عنصر وظيفة ما:

 عناصر التواصل ووظائف اللغة

أرقام العناصر والوظائف

عناصر التواصل

مصدر التواصل

الوظيفة

1

المرسل

الرسالة

انفعالية

2

الرسالة

الرسالة

شعرية

3

المرسل إليه

الرسالة

تأثيرية

4

القناة

الرسالة

حفاظية وتواصلية

5

المرجع

الرسالة

مرجعية

6

السنن

الرسالة

الواصفة

وقد تأثر رومان جاكبسون بأعمال فرديناند دوسوسير(Ferdinand De Saussure )، والفيلسوف المنطقي اللغوي جون أوسطين(John L. Austin).

وعليه، يبدو أن كثيرا من النصوص والخطابات والصور والمكالمات الهاتفية عبارة عن رسائل يرسلها المرسل إلى مرسل إليه؛ حيث يحول المتكلم رسالته إلى نسيج من الانفعالات والمشاعر والأحاسيس الذاتية، ويستخدم في ذلك ضمير المتكلم. ومن ثم، يتخذ المرسل بعدا ذاتيا قوامه التعبيرية الانفعالية. بمعنى أن الوظيفة الانفعالية التعبيرية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين المرسل والرسالة. وتحمل هذه الوظيفة، في طياتها، انفعالات ذاتية، وتتضمن قيما ومواقف عاطفية ومشاعر وإحساسات، يسقطها المتكلم على موضوع الرسالة المرجعي.

أما المرسل إليه، فهو المخاطَب الذي توجه إليه رسائل المتكلم بضمير المخاطب بغية إقناعه، أو التأثير فيه، أو إثارة انتباهه إيجابا وسلبا. ومن هنا، فإن الوظيفة التأثيرية هي التي تقوم على تحديد العلاقات الموجودة بين المرسل والمتلقي، بتحريض المتلقي، وإثارة انتباهه، وإيقاظه عبر آليتي الترغيب والترهيب، وهذه الوظيفة ذاتية بامتياز، ما دامت قائمة على الإقناع والتأثير.

إذاً، يتحول الخطاب اللفظي أو غير اللفظي إلى رسالة، وهذه الرسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه، فيسهمان في تحقيق التواصل المعرفي والجمالي، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية، يفككها المستقبِل، ويؤولها بلغته الواصفة. وتتجسد هذه الرسالة ذات الوظيفة الشعرية أو الجمالية في إسقاط المحور الاستبدالي على المحور التأليفي، أو إسقاط محور الدلالة على محور التركيب والنحو انزياحا. ويعني هذا أن الوظيفة الجمالية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين الرسالة وذاتها، وتتحقق هذه الوظيفة في أثناء إسقاط المحور الاختياري على المحور التركيبي، وكذلك عندما يتحقق الانتهاك والانزياح المقصود بشكل من الأشكال.

 كما تهدف الرسالة، عبر وسيط القناة، إلى الحفاظ على التواصل، وعدم انقطاعه: (آلو .. آلو... هل تسمعني جيدا؟)؛ أي: تهدف وظيفة القناة إلى تأكيد التواصل، واستمرارية الإبلاغ، وتثبيته أو إيقافه، والحفاظ على نبرة الحديث والكلام المتبادل بين الطرفين. وللغة كذلك وظيفة مرجعية، ترتكز على موضوع الرسالة باعتباره مرجعا وواقعا وسياقا أساسيا، تحيل عليه تلك الرسالة. وهذه الوظيفة في الحقيقة موضوعية، لا وجود للذاتية فيها؛ نظرا لوجود الملاحظة الواقعية، والنقل الصحيح، والانعكاس المباشر...

 وثمة وظيفة أخرى مرتبطة بالسنن، وتسمى بالوظيفة الواصفة أو الوظيفة الميتالغوية القائمة على الشرح والوصف والتفسير والتأويل، وتهدف إلى تفكيك الشفرة اللغوية بعد تسنينها من قبل المرسل. والهدف من السنن هو وصف الرسالة لغويا، وتأويلها وشرحها وفهمها، مع الاستعانة بالمعجم أو القواعد اللغوية والنحوية المشتركة بين المتكلم والمرسل إليه.

المطلب الثالث:  قضية الأجناس الأدبية

لقد اهتمت الشعرية الغربية منذ القديم - وما تزال- بمسألة الأجناس الأدبية. وقد ميز أفلاطون، في جمهوريته، بين السرد والحوار[2]،أو بين الحكي القصصي والحكي المسرحي؛ حيث يشتمل الأول على السرد والحوار، ويتضمن الثاني الحوار فقط. فالملحمة تمثل النمط الأول، والمسرحية المأساوية والهزلية تمثل النمط الثاني، على أن هناك نمطا ثالثا يشتمل على السرد فقط، وهو المدائح.[3]

ويعد أرسطو، في كتابه ) فن الشعر)، المنظر الأول للأجناس الأدبية دون منازع، فقد قعدها وصنفها بطريقة علمية قائمة على الوصف، بتحديد السمات والمكونات.ولقد قسم الأدب إلى ثلاثة أقسام: الأدب الغنائي، والأدب الملحمي، والأدب الدرامي[4].

وتبعا لذلك، فلقد صارت قضية التجنيس في العصر الحديث من أعوص القضايا التي ناقشتها نظرية الأدب والتصورات البنيوية والسيميائية وما بعد البنيوية؛  لما لها من دور فعال في فهم آليات النص الأدبي، وتفسير آلياته الإجرائية قصد محاصرة النوع،وتقنين الجنس دلالة، وبناء، ووظيفة.

ولقد أشار تودوروف(Todorov)إلى أن مسألة الأجناس"من المشاكل الأولى للبويطيقا منذ القديم حتى الآن، فتحديد الأجناس وتعدادها ورصد العلائق المشتركة بينها لم يتوقف عن فتح باب الجدال. وتعتبر هذه المسألة حاليا متصلة بشكل عام بالنمذجة البنيوية للخطابات؛ حيث لايعتبر الخطاب الأدبي غير حالة نوعية"[5].

ويؤكد العالم الألماني كارل فيتور(KARL     Viëtor ) أن "الأجناس الأدبية هي إنتاجات فنية؛ لأن أصلها التاريخي من أغمض الأمور.[6]"

ولقد عرفت عملية تجنيس النص الأدبي امتدادات تاريخية وفنية وجمالية. وقد عرفت أيضا تطورات على مستوى التصور النظري والممارسة التطبيقية منذ شعرية أرسطو وأفلاطون، مرورا بتصورات برونوتيير[7]، وهيجل، وجورج لوكاش، وصولا إلى تصورات ميخائيل باختين، وكريزينسكي، وفراي، وتودوروف، وهامبورغر كيت، وأوستين وارين، وروني ويليك، وماري شايفر، وفيتور، وجيرار جنيت، وغيرهم...

كما انتقل الجنس الأدبي من مرحلة الصفاء والنقاء النوعي مع الشعرية اليونانية إلى مرحلة وحدة الأجناس الأدبية مع الرومانسية. وبعد ذلك،  انتقل إلى مرحلة الاختلاط والتهجين والتلاقح مع نظرية باختين. و بكل اختصار،انتقلت عملية التجنيس من مرحلة الانغلاق والثبات والاستقرار إلى مرحلة الانفتاح والتكون والتغير. ومن هنا، يؤكد تزفيطان تودوروف(T .TODOTOV)  أن التأملات حول الأجناس الأدبية قد كثرت، فهي" قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للملحمة والتراجيديا. فقد ظهرت منذ ذلك الوقت مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكر المتبنى عن الجنس الأدبي في ذلك العصر. أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب (أو إلى القصيدة أو إلى الفنون الجميلة)، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع، بإمكاننا أن نقاربه بموضوعات نظرية الأدب السابقة، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي عبارة عن خصائص مجردة للخطاب الأدبي (حيث يكون استيعابها نتيجة ذلك أكبر من الأدب وحده)، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه"[8].

ولقد استعير مفهوم الجنس والنوع من العلوم الطبيعية، ويرجع الفضل في ذلك إلى العالم الروسي فلاديمير بروب (V.Propp) رائد التحليل البنيوي المورفولوجي للسرد، وقد استفاد كثيرا من وصفات علم النبات وعلم الحيوان.

ولقد ثار موريس بلانشو(M. BLANCHOT ) على نظرية الأجناس الأدبية، مثلما ثار عليها عالم فن الجمال الإيطالي كروشيه في دعوته إلى التخلص من مفهوم الجنس ونفيه. وهكذا، كتب بلانشو في أواخر منتصف القرن العشرين قائلا:" لم يعد هناك كتاب ينتمي إلى جنس. كل كتاب يرجع إلى الأدب الواحد... ومن ثم، فهو بعيد عن الأجناس وخارج خانات النثر والشعر والرواية والشهادة... يأبى أن ينتظم تحت كل هذا، أو يثبت له مكانه، ويحدد شكله..."[9].

وينادي رولان بارت كذلك إلى إلغاء الحدود الموجودة بين الأجناس الأدبية، وتعويض الجنس الأدبي أو الأثر الأدبي بالكتابة أو النص. وبما أن النص يتحكم فيه مبدأ التناص، واستنساخ الأقوال، وإعادة الأفكار، و تعدد المراجع الإحالية التي تعلن موت المؤلف، فلا داعي للحديث عن الجنس الأدبي ونقائه وصفائه، مادام النص، من جهة أخرى، جماع نصوص متداخلة، وملتقى خطابات متنوعة ومختلفة من حيث التجنيس والتصنيف. 

 ويعني هذا أن الكتابة الأدبية - حسب بارت-هي خلخلة لمعيار التجنيس، وانتهاك لترتيب الأنواع، وانزياح عن قواعد تصنيف الأنماط. وفي هذا، يقول رولان بارت:"إن النص لاينحصر في الأدب الجيد . إنه لايدخل ضمن تراتب، ولا حتى ضمن مجرد تقسيم للأجناس. ما يحدده على العكس من ذلك هو قدرته على خلخلة التصنيفات القديمة.[10]"

ويلاحظ اليوم أن الكتابات الإبداعية المعاصرة، سواء في الثقافة الغربية أم في الثقافة العربية، قد بدأت - فعلا- في خلخلة الجنس الأدبي، وتحطيم معاييره النوعية، ونسف مقوماته النمطية، باسم الحداثة، والتجريب، والتأصيل، والتأسيس. فأصبحنا - اليوم - نتحدث عن القصيدة النثرية التي يتقاطع فيها الشعر والنثر، والقصيدة الشذرية التي يتقاطع فيها الشعر مع الفلسفة، والقصيدة الدرامية التي ينصهر فيها الشعر والحوار المسرحي معا. كما أصبحت الرواية فضاء تخييليا لتلاقح النصوص، وتداخل الخطابات والأجناس تناصا وتهجينا. دون أن ننسى المسرح الذي أصبح أب الفنون والأجناس الأدبية بامتياز.

وعليه، فسؤال الأجناس الأدبية قديم قدم الأدب نفسه،فلقد نشأ في حضن الأدب ليجيب بدوره عن أسئلته تجنيسا وتنويعا وتصنيفا[11]. ولقد ارتبط فعل التجنيس بملاحظة النصوص الأدبية، والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف بينها، فقادهم هذا العمل إلى التجريد والتنظير والمقارنة بين الظواهر النصية تنميطا وتجنيسا وتنويعا. ومن ثم، فلقد انتقل الجنس الأدبي من مرحلة النظرية إلى مرحلة التقنين المؤسساتي.ومن هذه اللحظة بالذات، بدأت الإنسانية في تنظيم ذاكرتها، وترتيب أدواتها المعرفية والعلمية والإبداعية إن نظرية، وإن تطبيقا.

بيد أن الوعي بالأجناس، بشكل نظري وعلمي مقنن، قد بدأ مع ظهور  كتاب(الشعرية) لأرسطو الذي قسم الأجناس الأدبية إلى شعر، وملحمة، ودراما[12]؛ وإن كان أفلاطون بدوره قد اهتم بنظرية الأجناس الأدبية في كتابه(الجمهورية)، حين ميز بين السرد والحوار[13].

وإذا كانت النظرية الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية، فإن الرومانسية قد وحدت بينها ضمن نظرية الأدب.وبعد ذلك، أخذت نظرية الأجناس الأدبية طابعها الأكاديمي والجامعي مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والسيميائيات...

بيد أنه مع ظهور نظريات ما بعد الحداثة، في الفترة الممتدة بين سنوات السبعين والتسعين من القرن الماضي، انبثقت مجموعة من المذاهب والتيارات الفكرية والأدبية ثائرة على نظرية الأجناس الأدبية تفكيكا وتقويضا وتشتيتا، مع مجموعة من الأسماء الغربية، مثل:جاك ديريدا، ورولان بارت، وموريس بلانشو، وجوليا كريستيفا... وهكذا، يقول موريس بلانشو: " إن الأدب لايقبل التفرقة بين الأنواع، ويرمي إلى تحطيم الحدود"[14].

ويعني هذا أنه مازال مرتبطا بمجموعة يينا الألمانية كما في القرن الثامن عشر الميلادي. وهناك من يرى أن النص الأدبي يجب، بالإضافة إلى التحرر من الأجناس والأنواع، أن يسعى إلى تضمين النظرية التي أنجته، وينبغي أن تتجه العناية كل العناية نحو عملية الإنتاج نفسها[15]، فإننا مرة أخرى نردد ماجاءت به جماعة ييينا الرومانسية التي كانت تدعو إلى وحدة الأجناس الأدبية والفنية[16].

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به نظرية الأجناس الأدبية هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية، باعتبارها إشكالية أرقت الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه(جامع النص) قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولا يعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[17]

وهذا ما تنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :" تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة (علم تصنيف الشعر) (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو (الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد) (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا."[18]

وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية - اليوم - جزءا لايتجزأ من نظرية الأدب، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

ولقد اهتمت النظرية البنيوية كثيرا بعملية التجنيس الأدبي، وخاصة مع رواد الشعرية البنيوية، كتودوروف، ورولان بارت، وجيرار جنيت، وشولز، وكلود بريمون، ونورثروب فراي في كتابه (تشريح النقد) (1957م)، وأندري جول في كتابه (الأشكال الثابتة) (1930م)، وغيرهم...

وهكذا، فلقد درس تودوروف الأدب الفانطاستيكي دراسة تجنيسية بنيوية، تهدف إلى استكشاف مكوناته البنيوية الثابتة، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابيه(مدخل إلى الأدب العجائبي) (1970م)[19]، و(أجناس الخطاب) (1978م)[20]. وتبعا لذلك، يميز تدوروف بين الأجناس الأدبية التي تنقسم إلى أجناس تاريخية وأجناس نظرية. فالأجناس التاريخية هي النصوص المنتجة عبر الحقب التاريخية. أما النصوص النظرية، فهي تلك التصورات الإدراكية التي ارتبطت بالنصوص والخطابات النصية تنظيرا وتقعيدا، كما فعل أرسطو وغيره، ضمن ما يسمى بشعرية الأجناس الأدبية ومنطقها. ومن هنا، تنتقل عملية التجنيس من مرحلة التجلي والممارسة النصية إلى مرحلة الإدراك النظري والتصنيفي.إذاً، فالعلاقة استلزامية وتكاملية بين ماهو تطبيقي وماهو نظري.

أما جيرار جنيت، في كتابه (جامع النص)(Introduction à l'achtexte)، فقد أعاد تصنيف الأجناس الأدبية مرة أخرى، وانتقد الثلاثية المنسوبة خطأ إلى أفلاطون وأرسطو. وقد ذهب جنيت إلى أن موضوع الشعرية ليس هو النص، بل هو جامع النص، أو ما يسمى كذلك بنظرية الأجناس الأدبية. وفي هذا الصدد، يقول جنيت:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولا يعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[21]

ومن جهة أخرى، يميز فيليب هامون بين المكون السردي والمكون الوصفي؛ إذ لم يعد الوصف تابعا للسرد كما كان شائعا، بل أصبح الوصف عند هامون مكونا مستقلا.

وهكذا، يتبين لنا أن الجنس الأدبي هو مؤسسة ثابتة بقوانينها ومكوناتها النظرية والتطبيقية؛ حيث يتعارف عليها الناس إلى أن يصبح الجنس قاعدة معيارية في تعرف النصوص والخطابات والأشكال، والتمييز بينها تجنيسا وتنويعا وتنميطا. ويتحدد الجنس الأدبي أيضا بوجود قواسم مشتركة أو مختلفة بين مجموعة من النصوص، على أساس أنها بنيات ثابتة متكررة ومتواترة من جهة، أو بنيات متغيرة ومتحولة من جهة أخرى. وهذا ما يجعل تلك النصوص والخطابات تصنف داخل صيغة قولية أو جنس أو نوع أو نمط أدبي معين. لكن عناصر الاختلاف الثانوية لا تؤثر، بحال من الأحوال، في الجنس الأدبي؛ لأن المهم هو ما يتضمنه من عناصر أساسية قارة وثابتة، وكلما انتهك جنس أدبي، ظهر على إثره جنس أدبي آخر توالدا وتناسلا وانبثاقا. ويعني هذا أن الجنس الأدبي خاضع لمجموعة من المعايير والمؤشرات المحددة، وخاصة المكونات الثابتة، والسمات المتغيرة.

وإذا كانت القرون الأدبية، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فلقد أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة بعد منتصف القرن الماضي؛ حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل(Tél Quel) - مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري، رافضة عملية التصنيف، ومستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:" لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك."[22]

ويعني هذا كله أن الشعرية قد أعطت اهتماما كبيرا لنظرية الأجناس الأدبية في نقائها الكلاسيكي، ووحدتها الرومانسية، وتهجينها البوليفوني، وانتفائها مع رواد مابعد الحداثة.

المطلب الرابع: الشعرية وعلاقتها باللسانيات

يتبنى رومان جاكبسون منهجا علميا وصفيا في دراسة الأنواع والأجناس الأدبية، بالتعامل مع الأثر الأدبي على أنه مادة وبناء وشكل وقيمة مهيمنة. وبذلك، فلقد تمثل المقاربة البنيوية الشكلانية في دراسة النصوص الأدبية، بتفكيكها وتركيبها اعتمادا على المستويات اللسانية: الصوتية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية. ومن ثم، فلقد كان رومان جاكبسون أول من طبق المقاربة الشعرية أو البنيوية اللسانية على الشعر عندما حلل مع كلود ليفي شتراوس قصيدة القطط (Les Chats) لشارل بودلير  سنة 1962م[23]. وقد درسها الاثنان دراسة داخلية مغلقة، في إطار نسق كلي من الشبكات البنيوية المتفاعلة بغية البحث عن دلالة البناء. وقد انصب هذا العمل التشريحي على مقاربة القصيدة تفكيكا وتركيبا، بالاعتماد على اللسانيات البنيوية في استقراء المعطيات الصوتية، والصرفية، والإيقاعية، والتركيبية، والبلاغية.

كما تمثل رومان جاكبسون منهجية تواصلية وظيفية في دراسة اللغة ونظامها التواصلي، ودراسة الفونيمات اللغوية باستقراء سماتها المميزة، في إطار نحو كلي كوني على غرار النحو الكلي لنوام شومسكي (Chomsky) . 

ومن هنا، يتضح لنا أن رومان جاكبسون من أهم الشكلانيين الروس الذين خاضوا في الشعرية انطلاقا من مقاربة بنيوية لسانية. ويعد أيضا من مؤسسي نظرية الأدب على أسس علمية موضوعية، بالاسترشاد باللسانيات بصفة عامة، والاستفادة من نظرياتها تصورا وتطبيقا من جهة أخرى.

و يكفيه فخرا أنه من المؤسسين الفعليين للشعرية/ الإنشائية، ومن اللسانيين الأوائل الذين أرسوا دعائم النحو الكلي، وخاصة في مجال الفونولوجيا. علاوة على ذلك، فهو صاحب نظرية السمات المميزة في دراسة الفونيمات. ولا ننسى جهوده الجبارة كذلك في مجال الأفازيا[24]، ودراسة الاستعارة والكناية، وتصنيف الأجناس والأنواع الأدبية وفق القيمة المهيمنة.

وأهم ما يمتاز به رومان جاكبسون أنه قد أرسى لبنات علم التواصل وفق الأنظمة اللسانية، على أساس أن اللغة الإنسانية لها وظيفة أساسية تتمثل في التواصل، وتستند إلى ست عناصر، وست وظائف أساسية تابعة لها.

المطلب الخامس: الشعرية وعلاقتها بالبلاغة

من الصعب فصل الشعرية عن البلاغة للعلاقة الوثيقة والوطيدة بينهما؛ لأن الشعرية تتكئ على البلاغة على مستوى التحليل والتفكيك والتركيب، وتستعمل آلياتها النظرية والتطبيقية في استقراء النصوص وتشريحها واستجلائها واستكشافها.ومن ثم، تعنى الشعرية بالصور الشعرية والسردية والفنية، وتدرسها وفق بناها الصرفية، والصوتية، والإيقاعية، والتركيبية، والدلالية . كما تهتم أيضا بعلم البديع وعلم المعاني على حد سواء من منظور لساني جديد.

ومن يتأمل كتابات الشعريين كيوري لوتمان (Y.Lotman)، وكبيدي فاركا (A.Kebidi-Varga)[25]، وجون كوهن (John Cohen) [26]، ورومان جاكبسون(R.Jakobson)، وجيرار جنيت(G.Genette)...، فقد اهتموا بشعرية البلاغة، بالتركيز على التكرار، والتوازي، والمشابهة، والمجاورة، والغموض، والانزياح، والحجاج...

المطلب السادس: القيمة المهيمنة

يرى رومان جاكبسون أن البحث الشكلاني قد مر بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى هي مرحلة تحليل الخصائص الصوتية للأثر الأدبي. في حين، اهتمت المرحلة الثانية بمشاكل الدلالة في إطار نظرية الشعر. وارتكزت المرحلة الثالثة على إدماج الصوت والمعنى في رحم الكل غير المنقسم. وفي هذه المرحلة بالذات، انتشر مفهوم القيمة المهيمنة (La valeur dominante) بشكل إجرائي واسع[27]. ويقصد بهذا المفهوم ذلك العنصر البؤري "للأثر الأدبي: إنها تحكم، وتحدد وتغير العناصر الأخرى، كما أنها تتضمن تلاحم البنية."[28]

بمعنى أن القيمة المهيمنة هي التي تحدد الأجناس الأدبية، و"تكسب الأثر نوعية. فالخاصية النوعية للغة الشعرية هي، بداهة، خطاطتها العروضية. أي: شكلها كشعر. إن هذا القول يمكن أن يظهر كتحصيل حاصل: فالشعر هو شعر، ومع ذلك فيجب للحقيقة التالية ألاَّ تغيب عن بالنا: وهي أن عنصرا لسانيا نوعيا يهيمن على الأثر في مجموعه (كليته)؛ إنه يعمل بشكل قسري، لا رادّ له، ممارِسا بصورة مباشرة تأثيره على العناصر الأخرى. لكن الشعر بدوره ليس مفهوما بسيطا، وليس وحدة غير منقسمة؛ بل هو، في ذاته، نظام من القيم، وككل نظام قيم فهو يتوفر على سلمية خاصة لقيمه العليا والدنيا، وبين هذه القيم قيمة رئيسية، هي المهيمنة، بدورها (في إطار حقبة أدبية معينة، واتجاه فني معين) لا يمكن للشعر أن يفهم أو يحاكم باعتباره شعرا."[29]

والمقصود بهذا أن الشعر قد يتحدد بالوزن، أو بالصورة، أو بالنبر، أو بالتوازي، أو بالتكرار أو بخاصية بنيوية ما... وتختلف هذه القيم المهيمنة من حقبة إلى أخرى. و"إنه من الممكن بحث وجود قيمة مهيمنة ليس فقط في الأثر الأدبي لفنان مفرد، ولا في الأصل الشعري أو في مجموع أصول مدرسة شعرية، ولكن، أيضا، في فن حقبة معينة، باعتبارها كلا واحدا."[30]

وللتمثيل، فقد كانت الفنون البصرية، في عصر النهضة، هي المهيمنة. في حين، كانت الموسيقا هي المهيمنة في العصر الرومانسي. أما الفن اللفظي، فقد كان مهيمنا في فترة الجمالية الواقعية[31].

ومن باب التوضيح أكثر، فإن نصا ما قد تغلب عليه وظيفة معينة دون أخرى، فكل الوظائف التي حددناها سالفا متمازجة؛ إذ قد نعاينها مختلطة بنسب متفاوتة في رسالة واحدة؛ حيث تكون الوظيفة الواحدة منها غالبة على الوظائف الأخرى حسب نمط الاتصال. ومن هنا، تهيمن الوظيفة الجمالية الشعرية على الشعر الغنائي. في حين، تهيمن الوظيفة التأثيرية على الخطبة، وتهيمن الوظيفة الميتالغوية على النقد الأدبي، وتغلب الوظيفة المرجعية على النصوص التاريخية، وتهيمن الوظيفة الانفعالية على النصوص الشعرية الرومانسية، وتغلب الوظيفة الحفاظية على المكالمات الهاتفية.

وعليه، فقد كانت "للأبحاث حول القيمة المهيمنة نتائج مهمة فيما  يتعلق بالمفهوم الشكلاني للتطور الأدبي. ففي تطور شكل إنشائي، لا يتعلق الأمر كليا بزوال بعض العناصر وانبعاث عناصر أخرى، بقدر ما يتعلق بانزلاق في العلاقات المتبادلة بين مختلف عناصر النظام، بعبارة أخرى:  بتبدُّل في المهيمنة. إن العناصر التي كانت في الأصل ثانوية، في إطار مجموع معين من القواعد الإنشائية العامة، أو بالأحرى الخاصة في مجموع القواعد الصالحة لنوع إنشائي معين، تغدو، على العكس، أساسية وفي المقام الأول. وخلافا لذلك، فالعناصر التي كانت، في الأصل، مهيمنة لا تعود لها سوى أهمية صغرى؛ فتغدو اختيارية."[32]

وعلى العموم، تبقى القيمة المهيمنة معيارا شكليا جوهريا للتمييز بين الأجناس والأنواع الأدبية، ويستخدم أيضا للتفريق بين الأنساق الشكلية الأدبية، ويستعمل كذلك لتفريد النصوص وتمييزها عن بعضها البعض. 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، لقد تناولت الشعرية قضايا أدبية ونقدية متنوعة كقضية التجنيس الأدبي، وقضية القيمة المهيمنة، وقضية تحليل النصوص والخطابات وفق مستوياتها اللسانية، وقضية الأدبية، وقضية التواصل اللساني، وقضية شكل المضمون، وقضية عناصر اللغة ووظائفها، وقضية نظرية الأدب، وقضية علم الأدب، وقضية المكونات والسمات، وقضية علاقة الشعرية بالبلاغة، والأسلوبية، والسيميوطيقا...

 د. جميل حمداوي

...............................

 

[1] - JAKOBSON, R : Essais de linguistique générale, Paris, Éditions de Minuit, 1963.

[2] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1974م،صص:267-270.

[3]  - حميد لحمداني: (السرد والحوار)، مجلة دراسات سيميائية وأدبية ولسانية، المغرب، العدد 3، السنة 1988،ص:148.

[4] - جيرار جنيت: مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب،دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1985،ص:5.

[5] - T .TODOTOV et DUCROT : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. ED, SEUIL, PARIS 1972, p : 193.

[6] - G.GENETTE :(introduction à l’Architexte). IN: théorie des genres. Points, pp : 13.

[7] - أرجع برنوتيير تغيرات الجنس الأدبي وتحولاته النوعية، في كتابه(تطور الأجناس الأدبية في تاريخ الأدب)،إلى عوامل ذاتية وموضوعية، كالوراثة، والجنس، وشخصية المبدع، ومؤثرات البيئات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية.

[8]   - تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987،ص:3.

[9]-BLANCHOT, M : le livre à venir, PAIS, GALLIMARD, 1959, pp : 243-244.

[10] - رولان بارت: درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1986، ص:61.

[11] - J.M.Caluwl:(Les genres littéraires), Méthodes du Texte, Ouvrage dirigé par: Maurice Delcroix et Fernand Hallyn,Duclot,Paris,1987,p:148.

[12] - أرسطو: فن الشعر، ترجمة: إبراهيم حمادة، مكتبة المسرح، رقم:3، مركز الشارقة للإبداع الفكري، بدون تاريخ للطبع.

[13] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1974م، صص:267-270.

[14] - Blanchot(M): Le livre à venir, Paris, Gallimard, collection Idées, p164.

[15] - Lacoue-Labarthe(Ph) et Nancy (J.L): L'absolu littéraire, Paris, Ed.Du Seuil, 1978.P:275.

[16] - عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان،الطبعة الثانية، 1983م، ص:19.

[17] - جيرار جنيت: جامع النص، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1985م، صفحة المقدمة.

[18] -  رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، عالم المعرفة، ترجمة: د.محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد:110، السنة 1987م، ص:390.

[19] - تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة: الصديق بوعلام، دار الكلام، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1993م.

[20] -Todorov: Les genres de discours. Seuil. Paris.1978.

[21] - جيرار جنيت: جامع النص، صفحة المقدمة.

[22] - رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:376.

[23] -C. Lévi-Strauss et R. Jakobson : («Les Chats" de Charles Baudelaire), L'Homme, revue française d'anthropologie, t. II, n° 1, 1962.pp:5-21.

[24] -R. Jakobson : (Deux aspects du langage et deux types d’aphasie), in R. Jakobson, Essais de linguistique générale, t. I, op.cit.

[25] -kébidi-Varga :Les constantes du poème: À la recherche d'une poétique dialectique. Den Haag: Van Goor. 1963 ; Rhétorique et littérature: Études de structures classiques. Paris; Bruxelles: Didier. 1970 ; Discours, récit, image. Bruxelles: Madarga. 1989.  Les poétiques du classicisme. Paris: Aux amateurs de livres. 1990.

[26] -Jean Cohen: Structure du langage poétique (Champs, Flammarion, 1966, réédition 2009.

[27] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م، ص:81.

[28] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، نظرية المنهج الشكلي، ص:81.

[29] - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة)، ص:81.

[30] - رومان جاكبسون:  نفسه، ص:82.

[31] - رومان جاكبسون:  نفسه، ص:82-83.

[32] - رومان جاكبسون: نفسه، ص:84-85.

 

قراءة نقدية في رواية امرأة على أجنحة الرغبة لسلمى بوصوف.

يقول المتصوف الهندي أوشو (1931 -1990) "منظومة الزواج الحالية هي ليست بأكثر من زنزانة يقضي فيها المرء آخر طموحاته الريادية تدريجيا، او هي في أحسن أحوالها سجن محدود المساحة مهما بدا فسيحا" من هنا قد نفهم أن الزواج الذي لايكون أساسه الاحترام والحب والوفاء وتأكيد الذات والفهم السليم والتطبيق الحقيقي لمبدأ المساواة بين الجنسين هو زواج فاشل، والفاشل هو من ينتمي إلى التسلط وتجسيد الهيمنة الذكورية والاحساس بالتفضيل الجنسي والايمان بمفهوم العبودية الطبقية الابوية الرأسمالية التي تتاجر بالعلاقات الاجتماعية والمشاعر الانسانية تحت محدد التقاليد والاعراف والتي تمهد الطريق للعقد النفسية والانحراف الاجتماعي بجميع أنواعه.

بصدد قراءتنا لرواية سلمى بو صوف المعنونة ب: امرأة على أجنحة الرغبة الصادرة عن مؤسسة الرحاب الحديثة سنة 2018 التي تجسد رغبة المرأة المجبولة بقيم منظومة الزواج التقليدية والواقع المأزوم بالكبث والازدوجية القيمية والتجهيل من الانعتاق والتحرر من كل هذه المظاهر.

وتتناول الكاتبة قصة صديقتين لكل واحدة معاناتها الخاصة:

الأولى هي قصة مريم التي قررت الانفصال عن زوجها عدنان التازي إثر تعنيفها المتكرر وكذلك إلحاح الأم على عدم اتخاد هذا القرار بحجة التفكير في مستقبل ابنها طه، تقول "كلما نظرت إلى أمي كرهت ذلها، وكرهت هذا المجتمع المتناقض الذي لايتوانى عن ارتداء الأقنعة ويجد متعة في المراوغة بشكل فج...ألسنا أفرادا تتصور مسبقا ردود فعلنا ومواقفنا؟ ألا يتعين خلال توابث عصية على التعبير والطمس، فنحيط بأنفسنا بأطر مغلقة ونتصرف غالبا وفقا ماينتظر منا..." هنا تحاول الكاتبة إظهار أن دور المرأة يبقى رهين بتطبيق تقاليد واعراف المجتمع المنحسرة في إطار الزواج وتقبل سلوك الزوج رغم كل مايقترفه من قهر وتسلط ضد الزوجة، وتبقى الام بمتابة المرجع الاساسي لكل هذه الظواهر من خضوع وتحمل قساوة الزوج وهنا تعلن الكاتبة رفضها لهذا التصور وتسميه بالذل لإنه لايحترم قرارات المرأة.

وتقول مريم أيضا "كنت احارب عائلتي...أحارب نظرات المجتمع التي  تشير إلي بأصابع الابهام، لم أكن يوما مع الحماقة لطالما كان نصفي الأخر يرفض الأوهام يوما بعد آخر، أبتعد عن الناس المحيطين بي لأنهم في النهاية ربويات متشابهة تسيرها يد صانعها، يوما بعد آخر تتمزق الخيوط التي تربطني بالمناسبة والمألوف والمعتاد "وهنا أيضا تحاول الكاتبة الوقوف على الحيف والقهر والتحقير الذي يصبه المجتمع على المرأة المطلقة بإعتبارها عبئ على المجتمع ومصدر الفساد والانحطاط الاخلاقي، لكن الكاتبة تحاول التأكيد على أن المرأة يجب أن تتحرر من هذه القيود والتعالي على هذه الاعراف والتقاليد والنفاق الاجتماعي.

وتشير سلمى بوصوف إلى الحيف الذي يطال النساء من قبل القضاء لأنه لاينصف في مسألة "النفقة" وتقول مريم " تجربتي في الزواج والطلاق فتحت عيني على أمور عدة أولهما الحيف الذي يمارس بإسم القانون على المرأة بصفة عامة والمرأة المطلقة بصفة خاصة.."

وتشير إلى مسألة آخرى تتعلق بالحضانة التي تسقط عن المرأة خلال زواجها ولاتسقط عن الزوج في ظل زواجه مرة أخرى، وتعتبره الكاتبة نوع من التقصير من طرف القانون الذي يدعي أنه منصف للمرأة، قانون لا يؤمن بجهود الأم في احتضان أطفالها، وهذا مانجده ضمنيا عندما تملص عماد من الزواج من مريم ليس لأنه لا يحبها بل لأنها مطلقة وأم لإبن غيره.

أظن أن المغزى من استحضار الكاتبة لهذا المشهد هو أن الأم المطلقة تحضى برمزية قبيحة ولايرجى منها هذا المجتمع بدايات جديدة وتتحمل مسؤولية فشل علاقتها الزوجية وفي المقابل أن الرجل يحضى بالفرصة من جديد دون أي شرط أو قيد، تقول مريم موجهة الخطاب لعشقها الاول أيام الدراسة عماد "كلما قلت علاقتنا ضرب من المستحيل ليس فقط لأنك على وشك الزواج، بل لأنني امرأة مطلقة وأم لطفل وانت لايمكنك أن تربي طفل ليس من دمك، قلها، هيا قلها ولاتخجل ليس الخطأ خطأك بل خطأي أنا...انا حلمت بأحلام أكثر مني " هذا هو مجتمعنا المغربي المتناقض الذي يقف عائقا أمام الحب عامة والحب المدرسي خاصة لأنه بكل بساطة لايفهم في العلاقات سوى الجنس والإنجاب وتتشكل جميع مظاهر الانحراف في المجتمع لأنه لايقدر العواطف الانسانية.

والقصة الثانية في الرواية  وهي قصة تكملية لقصة مريم وتحاول من خلالها الاشارة إلى حالة آخرى،  حالة "هيام" التي عانت من الظلم الاجتماعي والنفسي والجسدي الذي يقع على الأنثى منذ نعومة أظافرها وتجد نفسها مرغمة على الصمت والإنطواء والعيش في الوهم واستمرار الاضطراب النفسي الذي يصل إلى مرحلة الانتحار.

هيام صديقة مريم، إلتقت بها في ندوة بكلية الآدب والعلوم الإنسانية بفاس وتوطدت علاقتهما بعد ذلك بولعهم لعالم الثقافة والأدب استمرت الصداقة بعد التخرج من الجامعة إلى مركز تكوين الأساتذة، أما الأسباب المؤدية إلى إنتحار هيام في مدكرتين : الاولى بعنوان "العري امام الذات " وتكشف من خلالها تعلقها بالاب الذي توفي مبكرا وعن اغتصابها في الطفولة وصمتها ومعاناتها، وحدة تهديد المغتصب، تقول هيام "وراء هذه الكلمات التي كتبتها بدمي، وأوجاعي وانكسارتي، هنا جزء من معاناتي، وبعض مما لم استطيع البوح به، هنا انكسارات فتاة منسية على ارصفة العذاب... " وتحمل المدكرة الثانية "الفن الصعب" كما قال نيتشه، فن الرحيل عن الدنيا في الوقت المناسب، ليس امامي الا ان امقت عالما لم يهبني سوى القلق، الالم والذكريات المريضة" هكذا تنهي هيام حياتها باختيارها الانتحار غرقا في البحر والانسحاب في الوقت المناسب، لتعلن بشكل واضح الكاتبة أن الاغتصاب في مرحلة الطفولة يسبب مجموعة من الأمراض النفسية التي تتقل كاهل المغتصب وتؤدي به إلى التضحية بجسده من أجل التخلص من الألم النفسي.

وانهت الكاتبة قصة مريم بتأسيس جمعية هيام للنساء ضحايا العنف من أجل الدفاع عن النساء ضحايا العنف وانشاء مركز للاستماع لهن في ظل صلابة المعتقد الاجتماعي وترسب التقاليد والاعراف والظلم والحيف الذي تعانيه المرأة في منظومة الزواج بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام، لكن الكاتبة تفتح افاق جديدة على لوح شخصيتها مريم يتجلى في الانخراط الميداني في الإطارات المدنية من أجل كسر جدار الصمت وتحقيق الذات والتمرد على الثقافة الذكورية ومقاومة كل المظاهر التي تبخس دورها الريادي في المجتمع.

لكن الانتقاد الوحيد الذي قد أوجهه إلى الكاتبة بإعتبار موضوع الإضطهاد الذي يطال الأنثى مصدره هو الذكر،  هل من المعقول أن نستحضر بأن تصور هذا الذكر الذي يمارس هذا العنف والحيف..هو "ذكر"  من إنجاب أنثى وهي من توالت على تربيته وعلى غرس بدور تفضيل النوع الذكري  وأحقيته على ممارسة سياسة النعامة على الأنثى، بالتالي نتسائل في إطار ما هو معقول! ما الحل؟ ببساطة يمكننا أن نقول أن المجتمع يحتاج إلى منهج تربية الأبناء الذي لايصفو من مبدأ احترام الآخر بإعتباره كائن انساني وبأسس المحبة والخصوصية، لا بمنطق النقيض والعدو..

 

بقلم عبد القادر اعمر

 

رحيم الغرباويمن مجموعتها الشعرية: راهب الخمر.. قراءة في المضمون الشعري.

بُني الكون على الأضداد، وأنَّ أقوى ضدين فيه ما تماهى عن حواسنا لكن آثاره تتجلَّى في عوالمه، وما يجسد هذين الركنين ما تأسست عليه الأساطير والمقدسات من نقيضين مهمين هما: الخير والشر، وما بينهما من صراع أزلي قاهر، وأنَّ في جميع الحكايات والروايات نجد الخير هو المنتصر في نهاية المطاف ؛ لذلك نرى الديانات تسعى " لكشفه والتمثل به، والثاني هو العالم المدنس الذي تسعى إليه الدنيا لكشفه والتمثل به " (1) بل والتعلق به طالما يمجد اللذائد ويعلى من ممارسة أباطيلها .

ولما كان الشاعر يكابد أزمة عصره، ويعيش فقر ضالته، نراه يستحضر رموز الشر في ظلمات القهر والحرمان والعبودية، مثلما يستحضر رموز الخير في غنى العدل والحرية والحياة المؤثَّلة بالكرم ؛ لأنَّ الأنماط العليا الكامنة في اللاشعور هي التي تتيح لمتخيلها أنْ يصف الواقع المعيش حين يفرض سيادته على النفوس ومن هذا نرى أنَّ الشاعر يعبِّر عما يصيبه منه (2).

و لعل شاعرتنا ميثاق الكريم وهي تلفت نظرنا ؛ لأنْ تجعل نفسها شطر الآخر لما تستشعره من الحياة التي صارت تناصر كل مافيه من خلاف حينما يغيب المقدس ؛ لتضع النقاط على الحروف وهي تسترسل في قصيدتها الرمزية نبيَّة العنب التي تقول فيها :

نبيِّةٌ..إسمُها ابنةُ العنبِ

أَرْسَلَها ربُّ الهوى،

إلى أمَّةِ جُنوني،

ثوبُ حياتي تَخَضَّبَ باسْمِها،

دونَها...كفقيرٍ مُلحِدٍ -

نشوةٌ اخْتَصَرَتْ الدارينَ،

ترقصُ بمحافل ليلي...

جسدُها مصحفٌ آياتُه الخمرُ

عينُها فضاءٌ من دُجى

عانقها الأَثمد..فصارتْ كالمُهَنَّدِ

فنراها تصف الخمرة التي عبَّرت عنها بالنبَّية، والنبي في كثير من سماته أنَّه رسول مُرسَل من الله، لكنَّ الخمرة عندها نبية شريرة طالما رسالتها هي الإغواء وقد أرسلها رب الهوى إلى أمَّةِ جنون الشاعرة، وهي تنشر رسالتها المتسمة باللهو والطيش ؛ مما جعلها تخضِّب ثوب حياتها دونها كفقير مُلحِد كناية على الالتحام والسكر في لذائذ مجونها بإشارة إلى طغيان المدنس ؛ نتيجة الاحتلالات التي أصابت الأمة الإسلامية لاسيما العربية من قبل قوى البغي والظلالة ؛ مما جعل  عهرهم يتفشى من خلال أجنداتهم المرتزقة من حاكمين وأذناب، فحلَّ الشر في جميع أرجاء هذه الأمة فحلَّتْ فيها لجج الظلام .

والشاعرة استطاعت بأسلوبها الفني التي استعملت فيه الاستعارات: (ربُّ الهوى، أمَّة جنوني، ثوب حياتي، محافل ليلي)، والتشبيهات: (كفقير ملحد، جسدها مصحف، آياته الخمر، عينها فضاء من دجى، صارت كالمهند)، هي تتوسل صور البيان ؛ كي تمنح النص دلالاته المعنوية بصياغات فنية عالية .

ويبدو أنَّ الشاعرة تلاقح بين وعيها ولا وعيها، وبين الواقع المعيش وما فيه من أدغال ومآس، فنراها تذهب إلى ماهو أعمق ؛ لتعبِّر برؤاها؛ لما ينتابها تجاه هذا الواقع البائس من ردود أفعال مما جعلها تعبِّر عن رفضها له .

ثم تقول :

نشوةٌ اخْتَصَرَتْ الدارينَ، ترقصُ بمحافل ليلي...

جسدُها مصحفٌ آياتُه الخمرُ

عينُها فضاءٌ من دُجى

عانقها الأَثمد..فصارتْ كالمُهَنَّدِ

شفتاها قيامةٌ من رُمَّان

قُبُلاتها مثل حكايا الشرقِ القديمةِ

لاتنتهي..إلا..بألف ليلةٍ .

فنراها تتلذذ بالخمرة التي توسمتها ؛ مما جعلها تختصر حياة (الدارين) في إشارة إلى خمرة الدنيا والآخرة، وهي تكشف عن حال ما يعيشه اللاهون من أنَّ المدنس في نظرهم بات مقدساً، فالزيغ والكذب والشعارات الموبوءة التي تُتَّخذ من القامات المقدسة، ماهي إلا تحقيق لمآرب المفسدين الدنيوية ؛ لذلك نراهم ليس لديهم من فرق بين الحياتين، إذ لا ارعواء ولا رادع يوقفهم عن غيِّهم طالما هم ينافحون من أجل لذائذهم الدنيوية بدلالة (جسدها) الذي وسمته بالمصحف لكن آياته الخمر، فالجسد يمثل الدنيوية التي شبهته بالمصحف وأنَّ آياته الخمر، والخمر كما أسلفنا يمثل الدنس، فهنا يتلاشى لدى شاعرتنا معرفة الحقيقة من دونها فنرى غلبة المدنس الذي لايُستشعر سوى بسط يده على قارعة الحياة، وإلغاء الزمن بالتفاتات تؤكد لنا أنَّ من يزرع بذار الجمال بنكهة اللذة والمتعة الجسدية، يعش في رذيلتها دون الارعواء إلى آثارها الذميمة، ومن ذلك إشارتها بـ ألفاظ (جسد، عناق، قُبل) ثم حكايا الشرق القديمة، وألف ليلة وليلة ؛ لما فيها من أنسٍ وغنج وترف مسكر يعيش ابن واقعنا متعتها وهو راتع في دوامة الجحود، وسبب ذلك كله الاحباطات الكبيرة التي عمَّت ابناء المجتمع العربي لاسيما العراقي .

ثم تؤكد لنا الشاعرة قوة إغواء الخمر، أي ملاذ الدنيا وشيوع الشر في الحياة الواقعية التي نعيشها بقولها:

هي تأريخٌ من الماءِ والنارِ

نافستْ تأريخَ العربِ والعجْمِ

يا ابنةَ العنبِ...

أيّامُك..طربُ حاناتٍ

وحديثُكِ كأسُ دهاقةٍ بالشعرِ

وجفاؤك.....توبةٌ

لايقبَلُها الله...ُ

وإن كانتْ بمحرابٍ منْ ذَهَبٍ .

ويبدو أن الفلاسفة تطرقوا إلى أصل الوجود، فقالوا أنه يتألف من أربعة عناصر، وهي: الماء والنار والتراب والهواء، ومن أوائلهم الفيلسوف امفيدوكليس الذي اعتقد أنَّ الطبيعة تتألف من هذه العناصر الأربعة التي أطلق عليها الجذور (3)، وأنَّ كلَّ شيء مكنون منها، ولعل الشاعرة أشارت عنصرين منهما، وهما: الماء والنار المكونان للخمرة (ابنة العنب)، فالنار تمثل عنصر الغواية التي تلهب النفس، فتجعلها مستعرة باللهو والمجون، بينما الماء هو ماء الخمرة، وتعدُّه مصدراً لها ؛ لإطفاء نار الهموم، وكلاهما يشيران إلى ما تحدثه في نفس شاربها، وقد أفصحت أنَّ جفاء الخمرة توبةٌ، لكنَّ الله لايتقبلها ؛ لأنَّها من كبائر المدنس الذي تتوق له النفس الظالمة والمشتغلة فيها روح الزلل والخسران .

ويبدو أنَّ شاعرتنا أشارت إلى أنَّ صناعة التكفير والفساد والحكم الضال هو ما فتح للمدنس أبوابه على مصاريعها؛ إذ ليس هناك إلا غواية للنفوس المشبعة بحب المال والجسد، ولاسبيل لواقعنا للمقدس الذي تلاشى من دون أنْ يجد له مكاناً يضيء فيه، وما بنت العنب إلا كناية عن الخمرة داعية الأغواء وساقية ملذات طالبيها الذين يكرعونها، بيد أنَّهم يمرحون داخل فخاخ الشيطان .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.........................

(1)    العقل الشعري، خزعل الماجدي : 2 / 40

(2)    ينظر: النبوءة في الشعر العربي الحديث، رحيم الغرباوي:247 

(3)    ينظر: عالم صوفي، جوستاين غاردر : 44 .

 

392 رواية مدينة حجرقراءة في (مدينة الحجر) القصصية لزيد الشهيد

تقدم "مدينة الحجر" كمجموعة قصصية ذات أفقٍ مشترك مجالاً للقراءة يكاد يكون محدداً وموجهاً إلى مستوى أساس، هو مستوى الوقوع على مكامن المتعة القرائية لا في الانزياح عن المتوقع والمألوف بل فيهما عبر توصيف موضوعات الواقع من خلال دوالٍ وإشارات تختصره وتنتهي إليه بمرجعيتها "وهو ما يتطلب استخدام أدوات تعبر عن الكل من خلال الجزء وعن الأسباب من خلال تصوير النتائج" .

واذا كانت اللغة – كما يقول ديريك والكوت – هي مجال الكفاح وليست منطقة للتراجع، فان القص في "مدينة الحجر" يسعى لتكوين عالم شديد الكثافة يتجاوز الواقع المشار إليه بمستوى هو أكثر ارتفاعاً إلى حد يمكن معه رسم ذلك الواقع وتشريح خفاياه، وصولاً إلى تأطيره وتوجيهه عبر منظومة الخطاب القصصي إلى منطقة الحلم التي تنشدها الجماعة الإنسانية الحاضنة لهذا القص . ويتم تشكيل منطقة الحلم باستحضار الماضي عبر استدعائه من الذاكرة .

إنَّ استحضار الماضي هو دعوة قوية للانجذاب إليه بديلاً عن الحاضر المحاط بالاحباطات والمراد إزاحته . وهذا هو المرتكز الأساس الذي تقوم عليه قصص المجموعة التسع. فالفعل القصصي فيها بمجمله يتحرك وفقاً لهذا المنطلق بعيداً عن المنحى الأيدلوجي المباشر؛ إذ الخلق الفني ليس فعلاً تحريضياً أو تعبوياً، ولا يصلح أن يكون موجِّهاً أو موجّهاً؛ إنما هو فعل مقاومة لضغوط هائلة ذاتية وخارجية مدركة وما ورائية يتعرض لها المبدع باعتباره بؤرة جذب لامّة لكل ما يعتري الجماعة (الحاضن الجغرافي) المحيط الطبيعي والكوني من تفاعل ومتغيرات .

وردُّ الفعل المتحقق في "مدينة الحجر" هو فعل استحضار الماضي بديلاً عن الحاضر وللتغلب على الحيز الزماني والاستبطانات الداخلية المتكررة لجأ الكاتب إلى تقنية الراوي العليم الذي يحيط الشخصية الرئيسية . والأساس في القصص التسع أي الصبي عبر إنطاقه بلغته، إذ يتحدث الصبي مستخدماً لغة ناضجة وتحليلية تتجاوز مدركاته ووعيه كصبي، ممّا يشي بأن الراوي هنا هو رجل ناضج وليس صبياً، وأنَّ ما يقوم به من قص هو استعادة لحياته الماضية .

تتحرك الشخصية المشتركة لجميع القصص _ أي الصبي _ في مسار محدد (من الآن إلى الزمن الماضي) ويتم التحرك عبر عدة محاور :

الأول بواسطة لغة القص التي يستخدمها الصبي .

الثاني من التركيب العام للمجموعة . إذ تأخذ قصة " مدينة الحجر " موقع القصة الأساس التي تقوم عليها أبنية باقي قصص المجموعة كما هو الواقع حيث الوركاء / مدينة الحجر هي الأساس التاريخي للحاضن الجغرافي الذي أنجزت المجموعة ضمن حدوده وإطاره .

الثالث وتجسد هذا المحور في الاتجاه إلى الماضي عبر مجرى الأحداث في جميع القصص تقريباً وفي معطيات القراءة الكلية لهذا المنجز القصصي .

ففي قصة " مدينة الحجر " يتجه الأولاد وبضمنهم الراوي / الصبي إلى آثار الماضي رغم كوابح الحاضر وموانعه متمثلاً بالآباء ومعتقداتهم عن هذه المدينة واستحضار الأولاد لذلك الماضي العميق عبر توقيع أسمائهم على لوحة المنطقة الأثرية لمدينة الوركاء ويبرز دور الحارس كعامل دفع لهذا الكشف مماثلاً لدور الدكتور في قصة " القرار " ودور مدير المدرسة في قصة " نحن والزورق " . ومن منطق نقدي سيميائي فهو يؤدي دوراً معادلاً لما أدّته الوسائط التي ساعدت الصبي في استكشافاته في القصص التسع كالزورق في قصة " نحن والزورق " و" القرار " والباص في قصة " بقايا حلم " وغيرها .

إن ما تقصده القراءة بالاتجاه إلى الماضي لا يعني نكوصاً قدر ما يعني سعياً باتجاه القادم والتمتع باكتشاف مجاهيله . ولعل قصة "الوباء" المكونة من قصتين أو حدثين قصصيين هما حسب ترتيب وقوعهما " القرية والمعدان" ثم "القرية والغجر" . هذه القصة هي الأقرب إلى تشكيل هذا الفهم؛ إذ يمارس الراوي الصبي هنا صنعة كشف الحقائق في حين يؤشر اتجاهه إلى الماضي عبر اتجاه السرد من قصة القرية مع الغجر إلى قصتها مع المعدان . إن نجاة الاولى في قصة " (آه نجاة) تمثل ماضياً يحاول الصبي استرجاعه من نجاة الثانية ؛ المرأة التي استحوذ عليها كريم المتمدن . ولعل كريم هنا اشارة موحية إلى المدينة المخيبة والتي اطلعنا عليه في قصة (بقايا حلم) و تبّون في قصة (تبّون والحصان) الذي يرفض بيع تمثال الحصان المعدني إلى المرأة الأجنبية رغم إغراء السعر الذي قدمته له ؛ يقدمه إلى الشاب المحلي بما يقارب المجان ومع هذا الفعل ينفتح الحدث القصصي باختراق المألوف وطيران الحصان المعدني وتحليقه كما حلقت الطيور بعد أن نالت خلاصها من الصياد على يد " سعد " . إنَّ هذا الخلاص التي تتصاعد نغمته في القصص الأخيرة من المجموعة يشي باقتراب الخلاص الكلي وتحقيق يواوبيا الماضي المنشود . في قصة (ذاكرة الأرض) خلاص آخر يتحقق من " جبار السمسار " والذي يحاول سلب ارض القرية ؟ ولا شك أن عمل "جبار" كان ابتعاداً عن الأرض / أي عن أساسها الأول / مدينة الحر، وتحقق إزاحته / قتله، استحضاراً آخر للماضي المتجه إليه .

إن الفن "الفن الحقيقي هو الذي يسلط الضوء على الوجه القبيح المتراجع"، هذا قاله كافكا. ونقول في ختام لا بد منه من لقراءتنا لهذا المنجز القصصي الجاد والذي حددت موجهاته القرائية المجال الذي تم تناوله مع افتراض بل تأكيد وجود مجالات غير ما تم تناوله في هذه القراءة الموجزة مما يستدعي التأمل ويقترح التأويل .

 

جابر خليفة جابر

 

سردار محمد سعيدبلغت القاصة الكبيرة فاديا في النص الذي أنا بصدده شأواً مرموقاً وقطعت أمداً كبيراً في السرد والقص لفظاً ومعنى، لذا أزعم أن قصة

الغرق في قارورة رجل لـ "فاديا قراجة "

تحتاج لقراءة دقيقة واعية ليست للجمل الممتعة فقط بل للكلمات ودورها في سباكة النص .

أبطال أو شخوص القصة هما الشخصية الرئيسة حواء والمُخاطب آدم، وحواء هنا قوية صلبة تعبر عن حقيقة المرأة .

 أما فكرة القصة فقد طرحت مراراً لكن طرح "فاديا" لم يُعهد من قبل لا بمتانته ولا بجرأته .

أُفتتح النص بعبارة " قالت حواء " وحواء لا تعني حواء زوجة آدم لكن تعني أي أنثى كما أن آدم يعني أي ذكر،

 وتبدأ الأسئلة تنهال على آدم، والقصد منها هو احراج المجتمع الأبوي البدائي المتخلف الذي جعل من غشاء فسلجي رقيق "البكارة " تاج شرف، لذلك كانت حواء تسأل آدم عن بكارته أي عن شرفة واغتصابه العفة وفرضها بقسوة أقول تسأل أين يكمن وكيف يفض .

سألت: هل تذوقت اللذة عندما تتعطل لغة الكلام؟

بجرأة متناهية تسأل: هل تذوقت اللذة بمعنى أنني تذوقتها قبلك وهي لذة خُلقت مع الإنسان الذكر والأنثى فهل أنت تذوقتها مثلي؟ أنا إنسان وأنت إنسان فما الفرق؟

وضمنت القول بشطر من قصيدة أمير الشعراء شوقي البديعة "جارة الوادي"، ولهذا التضمين قصد فقد قال شوقي أنه دخل في ليلين شعرها والدجى أي تكامل النشوة في أندماج ظلمة الليل وسواد الشعر في لقاء العاشق وبلغت الجوانح نشوتها:

ووجدت في كنه الجوانح نشوة – من طيب فيك ومن سلاف لماك

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت – عيني ّ في لغة الهوى عيناك

وهنا تقول الأنثى للذكر: إنتظر لا تجب . وكررت هذا الأمر مراّت لأنها تعلم أنه سيبرر ويلف ويدور ويمتنع عن الوقوف برجولة فيعترف بحقوق الأنثى بكل أمانة وصدق وينسى أن محمداً كان يلقب بالصادق الأمين وأن ابنة شعيب عندما أحبّت انبي موسى قالت لأبيها:

... يا ابتي استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين . القصص 26

وللأمانة منزلة كبيرة عن الله:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا. الأحزاب 72

 وهكذا يظل يكذب ويراوغ، حتى أن التاريخ العربي مليء بالأمثلة التي تفصح عن أن شهوة الأنثى ولذتها هي هي كما لدى الذكر الذي ينكر عليها ذلك ويسمح بها لنفسه،

ففي كتاب " اخبار النساء" للجوزي والمنسوب خطأ لآبن قيم الجوزيّة فيه يسرد الجوزي بطريقة اخبارية عن شهوات النساء ولأذكرحادثتين أرى أن لهما صلة بسرد "فاديا "ولكن جرت هناك لنساء وقامت "فاديا "بعكس الفكرة فصارت على رجال وبأسلوب يبتعد عن منهج السرد الإخباري الكلاسيكي عند الجوزي

هل تجرعت طعم السم المدسوس في رضاب القبلة؟

هل جربت أن تنتحر على جسد من تحب؟

يروى أن شامة بن لؤي كان من أجمل خلق الله ونزل عند رجل من الأزد وجلس صباحاً يستن بسواك فنظرت له زوجة الأزدي فأعجبها ولما رمى سواكه، فأخذته ومصته، ولمّا علم زوجها دس لها السم في اللبن،

الحكاية الأخرى:

غزا بن هبيرة الغساني الحرث بن عمر فلم يصبه فسرق زوجته . فلحقه الحرث وقتله واسترجع زوجته ثم سألها هل أصابك؟ قالت: نعم والله ما اشتملت النساء على مثله قط، فلطمها ومزق جسدها بقتلها شر قتلة .

تكرار لفظة بكارة احتلت مساحة واسعة وهي محور القصة بشكليها بكارة المرأة الفسلجية وبكارة الرجل بما تعنيه ولو أنها تحدثت في البدء " بكارة الكلمة، وهي مجاز لغوي، لكي لا يثور الذكوريون وتثير أفكارهم البالية عن شرف البكارة، إن معنى الكلمة يتجاوز معنى كلمة لغويّا، فعيسى عليه السلام خُلق من كلمة الله التي ألقاها على مريم .

 ثم تدرجت إلى البكارة الحقيقية فأعلنت أنها وهبتها لرجل بائس وهي ملكها ويمكنها التصرف بها كيفما تشاء، وذكرت وقت فقدانها المبكر، وسألته أن يذكر متى هو فقد بكارته، تذكرني هذه العبارة أنها وهبت بكارتها لمتسول بعبارة ولادة بنت المستكفي "الشاعرة الأندلسية وهي من بيت الخلافة وحبيبة الشاعر بن زيدون:

" أمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها " .

إن الحرج الذي أوقعت فيه الأنثى الذكرَهو رسالة "فاديا " في قصها البليغ المعنى والتصدي، وصرخة المجتع الأمومي بوجه المجتمع الأبوي الظالم .

بين الهند وسوريا الحبيبة مسافة شاسعة غير أني وجدت نفسي قريباً جداً منها بقراءة هذا النص النفيس، وأتمنى من صميم قلبي أن لا تتنازل القاصة المرموقة "فاديا "عن هذه الرفعة والسمو .

 

سردار محمد سعيد

 ............................

للاطلاع

الغرق في قارورة رجل / فاديا عيسى قراجة

 

 

 

389 السقشخييُقدِّم الكاتب العراقي علي لفته سعيد في روايته السَّقشخي محاور عدة تتعالق مع القضايا القومية والوطنية والدينية، فيغوص في إحداثيات الواقع العراقي الحديث مصوراً ما آلت إليه المنظومة السياسة من صراعات داخلية وأخرى خارجية عصفت بالبلاد والعباد، فأنتجت رؤية وفكر تعبوي اضطهادي تجاه الشخصية العراقية ثم العربية ثم الاسلامية على حدٍ سواء، كما قدَّمت الرواية نموذجاً للأنتلجنيسيا العراقية في تلك الحقبة مشخِّصة أبرز سماتها ومواقفها من تداعيات الواقع وإشكاليته المستديمة، فكان ماجد ذلك الذي لا مجد له بطل الرواية والراوي الوحيد هو الصورة الهشة للمثقف العراقي بوصفه نسق من أنساق البيئة التي زرعت في دواخل سكانها معاني الخوف والقلق والضياع وفقدان الجرأة والمواجهة والتوازن الاجتماعي.

يُعاني ماجد نمط من الخوف يسمى أنثروبوفوبيا أو ما يسمى القلق الاجتماعي أو القلق من العلاقات التفاعلية نتيجة التربية أو البيئة التي نشأ عليها، فهو ترعرع بين فكرين الأول انهزامي متمثلاً بوصايا والده الذي لطالما يحثه على الانعزال وعدم الدخول مع البعض في حوارات والتصادم معهم في وجهات النظر والمواقف؛ تفادياً للمشاكل وكل ما يؤدي به إلى مصير مجهول وهذا يمثل الشطر الأول من حياته (تعلَّمت من أبي أن أخاف وعلَّمتني الحياة أن أخاف لذلك أنا أخاف حتى من مدير المدرسة...)، أما الفكر الثاني متمثلاً بوصايا خاله يونس فهو عنفوان الشجاعة والإصرار على المواجهة وإبداء الرأي بكل أريحية واستنباط المواقف وتحليلها بثقة وثبات فكري انغرز فيه في مرحلة متأخرة من حياته؛ نتيجة للنضج الفكري وللتجارب الحياتية التي خاضها خارج الوطن.

لم يكن ماجد يعاني من القلق الاجتماعي وإحساس الخوف من مواجهة الناس فحسب بل كان يعاني من الحظ السَّيء والأقدار التَّعيسة التي تلاحقهُ أينما حلّ، فأول اختبار للحظ كان عندما حصل على وظيفة أدنى من شهادته البكلوريوس، فالتحق بإحدى المدارس في قرى الناصرية كمعلم جامعي لمادة التربية الفنية (أنا أعرف هذا الحظ التعيس الذي يلاحقني في أي مكان أكون فيه.. لا فرحة تكتمل إلا بمضايقة أو اختناق الحزن لمفاصل العمر هارباً من جور الحياة...)، ولكون هذه الوظيفة لا تكفي لتوفير احتياجات العيش الكريم سيما أنه شاب عشريني يطمح لتأمين المستقبل وتوفير احتياجات تأسيس بيت الزوجية الذي يحلم به كل شاب عمل في ساعات المساء في شوارع مدينته يُقدِّم الشاي ومعه قطعة من الكرامة المقتولة، متحملاً السخرية والإهانات التي يرمقها في عيون البعض مصوِّراً بذلك حال المثقف العراقي أبان الحصار الاقتصادي وما تعرَّض له من تهميش وإهدار الكرامة؛ نتيجة لعدم توفر مقومات العيش الكريم، وبالرغم من كونه يخشى الخوض مع الآخرين في نقاشات سياسية والكشف عن موقفه ورأيه الصريح والرد على رواد مقهاه حافظاً لوصايا والده مكتفياً بالعمل والعمل فقط إلا أن ذلك لم يكفيه شر الاعتقال والخضوع لحفلات التعذيب في السجون العراقية بتهمة مزاولة عمل آخر مع الوظيفة، أو بسبب جملة عابرة وسطحية يُعتقد بأنها مسَّت المنظومة السياسية (ربما كانت الصفعة الألف التي يحصدها خدي والشتيمة الألف التي تسمعها أذناي والركلة التي لا حدود لتعدادها التي يتلقفها جسدي...).

اختار ماجد الهروب من المعترك السياسي و ارتكاسات السلطة الحاكمة بعد أيام من التعذيب متوجهاً إلى الأردن التي لم يبقى فيها طويلاً خوفاً من الملاحقة بعدَ أن أحسَّ بكثرة عيون السلطة المزروعة فيها، فانتقل إلى لبنان وهناك انفتحت له أبواب الفردوس فالتقى بزينب خلاصهُ الأخير من الخوف والضياع لتحلِّق به بوساطة جنسيتها الأمريكية إلى سماء نيويورك، ولكن مع ذلك لم يتخلص من طالع الحظ السيء إذ طاله الاعتقال من قبل الحكومة الامريكية بتهمة الارهاب كونه متواجداً أمام برجي التجارة وشاهداً حياً للحظة التفجير في الحادي عشر من سبتمبر، فيستشعر من جديد لحظات الخوف والاضطراب (لا أريد سوى إيجاد مساحة من أرض أتوسدها و أنام قرير العين بلا سجَّان...).

قرر ماجد السَّقشخي الذي نشأ وترعرع في مدينة سوق الشيوخ العودة إليها بعد فراق دام لسنوات حاملاً آمال وتطلعات بشأن الوضع السياسي الجديد وحالماً بالمخططات والمشاريع التي سيقيمها في مدينته لينتشلها من وحل الفقر، ليصطدم بالواقع الذي ازداد سوءاً بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003، فيكشف عن تبدّل المفاهيم والمبادئ في المجتمع فاضحاً ما قامت به قوات الاحتلال من عمليات سلب ونهب للآثار العراقية و تحويل المجتمع لساحة علنية من الاقتتال الطائفي (شيء من الغصة أصابني و أنا أمارس لعبة المراقبة من داخل شوق مرهون و مسجون بذاكرة لم تتيبس..).

تقع الرواية في اثني عشرَ جزءاً هي عبارة عن محطات مختلفة من حياة ماجد التي عاشها في أماكن مختلفة ومشاعر مختلفة، لكنها في الأعم الغالب تتلفع بالضياع والفوضى والألم، وإحساس الخوف الذي ملأ صفحات الرواية فعبارات الخوف بلغت أكثر من مئة كلمة بصيغها المختلفة؛ نتيجة لما كان يعانيه ماجد صراع داخلي وآخر خارجي.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

قصي عطية

في قصيدتي:  كوني ما شئتِ وهذا زمن الضوء

من الممتع أن يبحر القارئ في قراءة شعر يتداخل فيه الجانب الفنّي والسياسي والشعري، دون أن تأخذ القصيدة ذاتها طابعاً واحداً، ففيها يتجاور الهاجس الشعريّ مع الهواجس الأخرى. هذا هو حال القصيدة الشعرية التي يبدعها الشاعر العراقيّ المُقيم في استراليا (د.موفق ساوا)، وإن بدا أنّ الهاجس الاغترابيّ في شعره يطغى على الجوانب الأخرى، فقصيدته تطفح بالغربة والحبّ، والحنين إلى الوطن.

وبقراءة متعمّقة للبنية الداخليّة للقصيدة عنده نجد أنّ الهمّ الخاصّ يتوحّد مع الهمّ العامّ، ولا ينفصل عنه، بل يسير بالتوازي معه، إلا فيما يعبّر عنه الشاعر في قصائده الوجدانيّة الرقيقة، التي تطفح بالكثير من الحبّ والرغبة والحنين، ولكنّه الحنين الذي يوحّد ويُماهي بين المحبوبة والوطن، فنداؤه لها أشبه بنداء عاشق إلى تراب وطنه، فنجد في قصيدة (كوني ما شئت) أنّ صورة المرأة التي يُخاطبها تحتوي ضمناً صورة الوطن، فيقول:

(كوني يا سيّدتي ما شئتِ... كوني

خفاشاً أو يمامة.. ما شئتِ كوني

فأنا مُغرمٌ بكِ حدَّ الجنونِ..).

يستخدم الشاعر ثنائية ضدية (الخفاش/ اليمامة) بدلالتيها الترميزيتين (السواد/ البياض)، أو (التشاؤم/ التفاؤل)، ولكنّ الاختيار لن يغيّر شيئاً من النتيجة، فهو مغرم بها حدّ الجنون.

إنّها امرأة ارتدت لبوسَ الوطن، فنحن حين لا نملك أنّ نغيّر من وطننا شيئاً لا يمكننا، في الوقت نفسه، إلا أن نكون عاشقين له، مهما كان جارحاً أو حنوناً. إنّه الوطن الذي حمله الشاعر في حقائب غربته وسفره، الذي يظلّ حاضراً في ذاكرته، ووجدانه، فيحاول أن يبحث عن مساحة أمانٍ يلوذ بها، تأويه، وتحتضنه وتحرسه من جنونه، فيقول في القصيدة نفسها:

(أبحثُ عن غصنٍ يأويني

عن تعويذة وتمائمَ

تحرسها من بعض جنوني).

وتتقاطع هذه القصيدة مع قصيدة أخرى بعنوان (هذا زمن الضوء)، وفيها ما يؤكّد ما قلناه، إذ يقول:

(احرسيني سيّدتي

من طيشي، ومن غضبي

فما عدت أطيق البقاء في شرنقتي).

إنّه اللجوء إلى الآخر بوصفه حارساً، وبوصفه منقذاً من الذات، من الحنين والطيش والغضب، فالشاعر يمدّ يديه إلى أنثى مفترَضة، امرأة متخيَّلة، معشوقة، وقد تكون هي الوطن، فهي الحارسة، وهي الحاضنة، ولكنّه يقرّر أن يشقّ شرنقته التي بها تكوّن، وبها نما، فقد حان وقت الانسلاخ، وقت الخروج من الشرنقة، بعد اكتمال التكوين، فقد أعلن الشاعر أن (هذا زمن الضوء)، فما عاد البقاء في الشرنقة/ الوطن مُجدياً، كما يخرج الجنين من رحم أمّه عند اكتمال نموّه، فلا بدّ من الخروج، ففي البقاء موت، وفي الخروج إلى الضوء ولادة.

إنّه الاكتمال الفكري والنفسي والعاطفي، والقرار بشق الشرنقة هو القرار الطبيعي، ولكن هل ينتهي دور المرأة/ الوطن بعد ذلك؟

من المؤكّد أنّ دورها لا ينتهي، بل تأخذ دوراً آخر، هو دور الحارسة، تماماً كما هو دور الأمّ، التي ترعى مولودها إلى أن يكبر، لذلك يطلب منها (احرسيني من طيشي، ومن غضبي).

هل كانت غربة الشاعر وخروجه من العراق هي المُعادل الموضوعي لشق الشرنقة، والخروج إلى الضوء، وهل كانت (سيدني) هي الضوء الذي سمح للشاعر أن يعبّر عن فكره، وهواجسه الإبداعية والمسرحية، وهل سيقطع الشاعر حبله السري الذي ظلّ يشدّه إلى الوطن، مسقط الرأس، نينوى العراقية؟

إنّها الرغبة في الانعتاق، والتحرّر من ربقة الخرافات والعادات والتقاليد، والانفتاح الإبداعيّ على المُطلَق، فلا قيد على حروفه وقوافيه، إنّه شريان الشعر المُتدفّق نحو الضوء، نحو الحياة الرحيبة، وهو يطلب من تلك الأنثى المتداخلة تارةً مع الوطن الأم، وتارةً مع (سيدني) تلك المدينة التي اختارها مكاناً يُلقي بأوجاعه فيها، يطلب منها أن تكون حارسة على هذا الزخم العاطفيّ الدفّاق، فيقول:

(احرسي بوابة أضلعي

فـسجّانُ حروفي وكلماتي

يـُطبقُ على شطري وعجزي

يحاولُ أن يَـحـشرَ كلّ خرافاتِهِ،

في شريانِ قصائدي).

تنطوي قصيدة (هذا زمن الضوء) على ازدواجيّة، وحالة من اللا توازن، حالة من القلق الوجوديّ، حالة من التأرّجح بين ما يعيشه وما يحلم به، بين ما هو مُجبر أن يكونه، وما يرغب في أن يكونه، هي ثنائية (الواقع/ الحلم)، فالواقع مرير، ينتشر فيه المحتالون والدجّالون، والمشعوذون، والحلم مُزهرٌ مشرق بالضوء، فيحاول أن يكسر من حدة هذا الواقع، ليسمح لشعاع ضوء أن ينفذ إلى هذا الواقع العربيّ، ويحرّره من قيء الشياطين، ويعلن رفضه هذا الواقع، وعدم انتمائه إلى ثوابته العفنة الجامدة، فيقول في هذه القصيدة:

(أتسربلُ بالضوءَ، وكلّ البراهين؛

كيْ أتصدّى لشعوذتهِ "المقدسة"

فهذا زمنُ الضوءِ،

لا زمن المحتالين).

(موفق ساوا)... شاعر من زمن جميل، شاعر اختار أن يشتغل للآخرين، يكرّم المبدعين الآخرين، شاعر احتفى واحتفل بغيره، ومنعه كبرياؤه أن يحتفي بنفسه، ولكنّ الوفاء دفعني أن أسلّط بقعة ضوء على بعضٍ من شعره، بمناسبة كريمة، هي الذكرى الرابعة عشرة لميلاد جريدته (العراقية الاسترالية).

 

قصي عطية

.......................

الدكتور (موفق ساوا):

- فنّان، ومخرج مسرحيّ، وشاعر عراقي، مولود في القوش، نينوى.

- بادر بتأسيس فرقة مسرح (شيرا) في بغداد عام 1993.

- سافر إلى استراليا عام 2002.

- قام بتأسيس فرقة مسرح (ساوا) عام 2003.

- قام بعرض أول مسرحياته (3 لواعيب) عام 2003.

- عرض مسرحيته الثانية (في انتظار الضياء) عام 2004.

- أسّس جريدة (العراقية الاسترالية الأسبوعية) عام 2005.

- عرض مسرحيته الثالثة (انتبهوا... القطار قادم) عام 2015 على مسرح (Powerhouse Arts Centre in Sydney).

- أسّس أكاديمية الفنون العراقية الاسترالية (Australian Iraqi Arts Academy Inc) عام 20016.

- ألّف 20 مسرحية بعضها أخرجها في العراق والأخرى في سيدني الاسترالية.

- ألّف وأخرج فيلماً قصيراً مدّته (12 دقيقة) باللغة الإنكليزيّة بعنوان (Not 4 Sale).

- يقوم الآن بالتدريب على مسرحية (في ظل القمامة) التي سيعرضها بداية العام القادم.

- له 4 دواوين شعرية باللغة السريانية (مخطوطات).

- لديه مجموعة كبيرة من القصائد من بداية العقد السابع من القرن الماضي إلى الآن.

- طبع دراستيه (الماجستير والدكتوراه) حول المسرح السريانيّ.

 

رحمن خضير عباستبدو رواية (دميان) للكاتب الألماني هيرمان هيسة، وكأنها معزوفة موسيقية تتغلغل في أعماق النفس البشرية، وتبحث عن إشكالاتها المتنوعة والمتصارعة، والتي تتقارب أو تتنافر في هارموني من الأصوات الصاخبة مرة، والهامسة مرةً أخرى . هذه الموسيقى التي تتسلل إلى أعماقنا، وتلتقط منها الجوانب الشرسة في حدتها، أو الأليفة في رقّتها، هذه الجوانب الإشكالية تختفي بين تضاريس الإنسان وأهوائه وأحلامه وأوهامه، وكأنّه قارة شاسعة، حافلةٌ بالكهوف والمغاور والسهول. ودميان تُمثّلُ رحلة طويلة في دروب الحياة ومنعطفاتها. وهي أشبه بالمغامرة المحفوفة بشتى الاحتمالات والتي عبٌر عنا الكاتب بقوله:

"حياة كل إنسان عبارة عن طريق نحو نفسه " أو في عبارته الأكثر إفصاحا : " كل إنسان بحمل آثار ولادته، لزوجة ماضيه البدائي وقشوره".

ومن المُعتقد بأن الكاتب قد كتبها، وكأنه يترجم حياته الشخصية منذ طفولته. وبعض التجارب الحياتية التي مرّ بها. وكان هيرمان هيسة متأثرا بنظريات فرويد لعلم النفس والتي ظهرت في بعض ثنايا عمله.

لذلك فقد نسج هيسة روايته من عدة فصول. تتمحور كلها حول حياة الطفل (سنكلير)، الذي ينمو ويترعر في ظل الأضداد والمتناقضات، بين مسارات حادة وشرسة، وبين ومسارات ناعمة ومنظمة ورتيبة . بين الجو العائلي الأرستقراطي والديني، والمشبّع بالقيم الدينية والكنسية. وبين الشوارع المفتوحة لكل احتمالات الفقر والرذيلة والكذب ومنطق الغاب.

ولكن هذا النمو، يتزامن مع أسئلة عميقة في دلالاتها، ومتجذرة في أسرارها . إنها الولادة العسيرة للطائر الذي يحطم قشر بيضته، وينطلق في هذا العالم المحفوف بالمخاطر.

يبدو الطفل سنكلير متأرجحا بين عالم النور الذي تمثٌله المؤسسة العائلية، وقِيَمِها الصارمة وبين عالم الظلام، الذي يتمثل فيما هو خارج نطاق البيت. هذا العالم المشحون بالموبقات وحكايات الخادمات واللصوصية، عالم القاع الاجتماعي المتصدّع والغارق في همجيته. ولكن الطفل يبقى حائرا بين هذين العالمين .

ففي أول تجربة له في المدرسة مع زملائه الطلبة. والذين يتحدثون عن بطولاتهم وحيلهم. فحاول أنْ يختلق كذبة كي يؤكد ذاته. ولكن كذبته تتحول إلى ورطة، يقع في شِباكِها، فقد أستغلّها زميله المنحرف فرانز كرومر. وظل يبتزّه ويطلب منه النقود،ويهدده بإخبار صاحب البستان الذي إدّعى الطفل سنكلير سرقة التفّاح. و يقوم بفضح سرقته . مما جعله يعيش صراعا نفسيا ويدفعه إلى السرقة الحقيقية من أهله كي يتخلص من ابتزاز كرومر.

وفي نفس الإطار يلتقي بشخص أكبر منه اسمه دميان . هذا الشاب ذو الملامح الغامضة. والفكر العميق والقوة في الشخصية . والذي يصفه بقوله :

" وجهه وجه رجل، وجه عالم أو فنّان " .

ويقول عنه أيضا

" لم يكن وجه ولد بل وجه رجل يحمل ندوب التأريخ، بل هو يبلغ ألف عام "

وسوف نرى بأنّ دميان سيترك أثرا كبيرا في حياة سنكلير، وطبيعة تفكيره. وقد أنقذه من سطوة كرومر بواسطة معاقبة الأخير، وتحذيره بعواقب وخيمة إذا ازعج سنكلير أو ابتزّه . لكنه يقاسمه أحداث ماتبقى من الرواية. فهو المخلِّص إو المنقذ . والذي يمتلك قدرات كبيرة في قراءة الأفكار . ولكن الذي يشدّه به ويجعله رفيق دربه ( علامة قابيل) . تلك العلامة التي تعبر عن قناعات إنجيلية، تتحدث عن أنّ الرَّبُّ ميّز قابيل بالعلامة رغم جريمته، التي تحميه من غضب البشر وكراهيتهم. ولكن العلامة التي وردت في الرواية، تنصبّ على مسألة الإرادة الحرة في تلمس الحياة والانغماس بها بدون مرجعيات لاهوتية، دينية أو كنسية . وأنّ القدرات والقابليات والرغبات الإنسانية، تتكون عادةً لتلبية الحاجات الحادة في الحياة . ويضرب مثالا عن ذكور الفراشات، التي تمتلك حاسة معرفة الأنثى من مسافات شاسعة، لندرة الأنثى. فَلَو كانت الأنثى متوفرة لما امتلكت الذكور هذه الحاسة .

كما يتناول مسألة الجنس فلسفيا، من حيث الرذيلة والفضيلة. وطريقة السيطرة على الغرائز، للتحوّل إلى عالم من الروحانيات .

في فصل آخر يلتقي بأحد الشباب الغامضين والضائعين، والذي يغوي سنكلير بتجريب شرب الخمر. وسرعان مايتحول سنكلير إلى محب للخمر، ومدمن منفلت عن ضوابط الأسرة وتقاليدها الصارمة . متمرد على نفسه وعلى المجتمع . ومن تلك اللحظة فقد تحوّل من طفل غرٍّ إلى مشاغب ومبتذل، حتى سُمِّي بالزميل الشيطاني من قِبَلِ أصحابه، ويصبح سنكلير محطّما وحزينا . وكان يتألم حينما يرى أقرانه، وهم يلعبون ببراءة الطفولة، فيعيش حالة من العزلة وتأنيب الذات ومقاطعة ورفض الجميع له، ولاسيما عائلته .

لكنّ بياتريس الفتاة التي وجدها في طريقه . استطاعت أنْ تنتشله من عالم الضياع .

يقول : إنه عاد إلى نفسه، كما فعل الدكتور فاوست، الذي باع نفسه للشيطان . ومن تلك اللحظة حاول سنكلير أن يسمو في عالم من الروحانيات. فكانت غايته التطهر وليس الغبطة.

وقد تحوٌل إلى فن الرسم في محاولة للاختباء فيه. ذلك الرسم العشوائي الذي يمتصّ طاقاته الحبيسة. فجرب ان يرسم وجه بياتريس . وحينما أنجزه، وجد أن الوجه يحمل ملامح مشتركة لبياتريس و دميان وكأنهما شخص واحد . وكأن سنكلير الذي عاد إلى رشده، قد وجد أمامه من جديد القرين والمخلِّص دميان. ولكنه كان يصرخ

" إنّ في أعماقنا شخصا ما، يعرفُ كل شيء ويرغب في كل شيء ".

الجملة التي كتبها له يوما صديقه دميان وهم في صالة الدرس عن الطائر الذي يكافح للخروج من البيضة. جعلته يعيش حالة من الحلم الممتد بامتداد اليقظة. ذلك البحث عن إسطورة (إيراكساس). فأصبحَ يتوقُ إلى العزلة . وفي أحد جولاته في الشوارع الخالية استمع الى موسيقى تنبعث من داخل الكنيسة. فبدأ يستمع اليها كل يوم رغم الأبواب الموصدة للكنيسة. وفي أحد الايام وجد الباب مفتوحا ليرى الشاب العازف للموسيقى (بستوريوس)، وكان شبيها لسنكلير في الانطواء على النفس . ويستطيع أن يمد أواصر الصداقة معه، ليكتشف بأن مشاعرهما متقاربة من حيث

" التوق والانصهار الكلي في العالم، والمجاهدة للتحرر ".

كان الحوار مع الموسيقي الشاب يُثري شخصية الصبي سنكلير، ويجعل روحه تحلّق في عملية الخلق المستمر للعالم، ينتابه إيمان تصوري بالقدرة على إعادة العالم بعد فنائه. " إذا كان العالم الخارجي سيدمر فإن شخصا واحدا قادر على بنائه ". ولكن هذا الصبي الموسيقار متشابه بأفكار دميان. هذا الموسيقي الذي أعاد لسنكلير الثقة بنفسه. والذي حدّثه عن أشياء كثيرة، ومنها خصائص الأديان التي تعني حماية الروح الانسانية من عبء ذنوبها . وهذا يقوده إلى اشكالية النبي يعقوب وكيف تَجرّأ وتمرد على ملاك الرب بقوله :

" لن أدعك تذهب قبل إن تُبارِكَني ".

في إطار سعي سنكلير للخلاص الروحي، يتعرف على أمّ صديقه دميان والمسماة (إيفا) عن طريق ولدها دميان الذي التقاهُ بعد قطيعة طويلة، حينما بدأ سنكلير حياتَه الجامعية . وقد وصفها كما تخيٌلها قبل أنْ يراها :

" بوجه شبيه بوجه ابنها، وجه خارج الزمن والعمر ومليء بالقوٌة "

إنها إمرأة تؤمن بقيم معرفية وفلسفية، تتحدث عن الحلم وإمكانية تحقيقه في حالة الإيمان به. عن الثقة بالنفس، عن الحب الذي يكتفي بنفسه، عن العلامة التي تجمع البشر، عن النبوءات .

وقد تعلّق بها وأحبّها بطريقة صوفية، فقد مثّلت له مزيجا من الأم والعشيقة والمثال الأعلى للكمال الروحي .

في الفصل الاخير.

يلتقي سنكلير بصديقه دميان بعد قطيعة طويلة . يبدو دميان في ذلك اللقاء أكبر من سنّه، مهموما ومحبطا. وكان شبح الحرب يجتاح أوربا، فأخبر صديقه بأنه سيذهب إلى جبهات القتال كملازم في الجيش . ويفترقان ولكنّ سنكلير جُنّد في الجيش دون إرادته . وفي الجبهات يتعرض إلى إنفجار كاد يودي بحياته. ولكنه كان يعيش في تلك اللحظة ذات الحلم الذي راوده ذات يوم، عن النجم البعيد الذي يصطدم به ويتناثر بين ذراته الضوئية.

ويستفيق ليجد نفسه في ردهة المستشفى. ويكتشف أن دميان يرقد أيضا في نفس الردهة كجريح حرب، وكان في نزعه الأخير أثر جروحه، فيودعه سنكلير الوداع الأخير، بعد حديثهما عن الحلم في كفاح الطائر، وهو يكسر قشور البيضة، ليصارع العالم الذي يحيط به.

لقد كان الكاتب الالماني هيسة في أوج تألقه الإبداعي، حينما كتب هذا العمل الذي يناهض الحروب، لاسيما وأنه شرع بكتابتها قبيل الحرب العالمية الأولى وأكملها بعد الحرب مباشرة .

لذلك فقد غادر المانيا التي لم ترحب بكتاباته، وقد قلل من شأن ابداعه النقاد الألمان في تلك المرحلة لأسباب سياسية .

في هذه الرواية يتناول العلاقة الفلسفية للدين والحياة. والعلاقة بينهما، ومسألة الحرية في اعتناق الفرد ما يريد ويؤمن، بمعزل عن القواعد الجاهزة والمفاهيم المقدسة .

هذا الفرد الذي ينصهر ويتلاشى ضمن أُطر ودلالات تحيط به إلى حدّ الاختناق . وقد تناول الكثير من المفاهيم الكنسية برؤية مغايرة. لذلك طفحت الرواية بالكثير من الرموز الدينية. والأساطير كمشكلة فاوست الذي رهن نفسه للشيطان. وقضية النبي يعقوب وتمرده، ومذهب إركنساس ذي الأصول الإغريقية القديمة والذي يعتمد على رموز رياضية. كما تناول خطيئة قابيل والعلامة التي تمنح لبعض البشر كي يصبحوا متميزين في الفكر والوعي والسلوك. وحتى اختياره للأسماء ومنها دميان والذي هو تحوير ل (ديمونز أو الشيطان) كما يرى البعض.

وكذلك إيفا وهي أم دميان التي تعني حواء أم البشرية.

إنها رواية تكتنز بالرؤى والأفكار والمفاهيم. كما أنها تمثل ما وصلت اليه المعضلة الأوربية في ظل غيوم الحرب التي خيّمت على إوربا آنذاك .

وقد استطاع الشاعر والأديب المترجم ممدوح عدوان، أن يحافظ على الشفافية اللغوية التي اشتهر بها هيسة.

فقدم للقارئ هذه الترجمة الجميلة. لرواية رائعة، مُثيرة للإعجاب .

 

رحمن خضير عباس

 

قصي الشيخ عسكرفي العام 1993 كنت أتابع ندوة أجرتها الإذاعة المصرية مع الكاتب الأديب نجيب محفوظ فذكر أنه في هذه المرحل من العمر بدأ يتوغل في الطفولة أو بعبارة أدق الطفولة هي التي بدأت تسطع في ذاكرته على حساب عقود أخرى،مكان الولادة ،الحارة،أناسها، البيت القديم، زملاء الدراسة،الأب والأم،الأعمام والأخوال، شوارع المدينة التي فتح الطفل أو الصبي عينيه عليها، أول يوم ذهب فيه إلى المدرسة،في ذلك الوقت وأنا من مواليد 1951 بدا الحديث غريبا لي لكني حين دخلت العقد السابع من عمري فهمت المسألة فهما دقيقا.إنه الزمن النقي الساطع الذي يدبُّ في ذاكرتنا من جديد بصدقه ونقائه فنفضل أن نعيش معه على حساب بقية الأزمنة التي عايشناها وتفاعلنا معها.

وحين وصل إلي كتاب "تيمَّمي برمادي"وتأملته أكثر من مرة اكتشفت فيه ذاكرة الشاعر يحيى السماوي بشكل آخر بسحنة أخرى وجوهر آخر.

في هذه المرحلة من العمر لايتوغل الشاعر السماوي- أطال الله في عمره-بطفولته الخاصة بل يحاول أن يجعل من طفولة الوطن وصباه هما الأساس في ذاكرة الشاعر.إنها طريقة جديدة لاحتواء الذكريات.دمج وتوحيد لصبا الوطن وصباه هو-يحيى- إنك حين تقرأ المقطع التالي تجد أن لا فرق بين اللوحة التي رسمها،ومرابع السماوة وبساتينها العامرة وحدائقها الغناء حينذاك:

في عيد ميلاد الحديقة

ترتدي الأزهار أجمل عطرها

وتصير أحداقي فراشات

وقلبي خيمة أوتادها

من جلنار

عيد ميلاد الحديقة هو عيد ميلاد الشاعر نفسه حيث الذكريات وتنقله في حدائق بلدته أمَّا اللوحة الثانية تأتي موازية للوحة الأولى فتختصر آلاف السنين لتندمج اللوحتان في بعدواحد:

تغدو الملاك السومرية شهرزاد

تقص بالقبلات لي

قصصا

عن الضليل صار مؤذنا

ومبشرا بالعشب بادية السماوة

والربى بالإخضرار

  الزمن الراهن زمن جفاف،الجفاف عالمي ومحلي،أما المحليّ فهو الاقسى،الشاعر ينطلق من عيد ميلاد ما وليكن عيد ميلاده أو أي منا نحن معاصريه.لقد كانت هناك مرابع ومغانٍ،ومياه وحدائق،هذا زمن الطفولة المتمثل بزمن طفولة الوطن من حيث الرمز المتمثل ب "سومر"و "شهرزاد". الوطن كان طفلا يعادل إلها بحيويته،وفي أقوى عنفوان تحققت طفولة الوطن بالمرأة شهرزاد التي وضعت حدا للجريمة والقتل بأسلوب جماليّ رشيق هو القصص أي الفكر والذكاء.إن طفولة الشاعر التي تجسدت بسومر وشهرزاد جعلت من رمز آخر هو أمرؤ القيس أداة بشرى لها.الشاعر امرؤ القيس انتهى نهاية مأساوية وكلمة"الضلِّيل" لقب له لكن الرمز انقلب إلى معنى ىخر حيوي هو أنه لم يقف على الديار الخاوية بسبب الجفاف وينشد:

قفا نبك من ذكرى حبيب .. فتوضح فالمقراة لم يعف...يقولون لا تهلك

بل أصبح يؤذن بالبشارة، وهنا التفاتة ذكية من الشاعر لبيت امريء القيس الذي ورد في معلقته عن الليلك

فقلت له لما تمطى بصلبه..

حيث يصبح الليل بعد أذان الشاعر بالبشارة، يصبح مؤبدا بالنهار.

ولا نغفل في هذه الموازنة أن امرأ القيس نفسه تحدث عن طفولة الزمن متزامنةمع طفولته:

إلى عرق الثرى وشجت عروقي...

عرق الثرى فق تأويل العرب هو إسماعيل جدنا كما يُروى، والسماوي ذهب في جمع الذكريات لم يتجاوز سيد الشعراء فكان عليه أن ينتقل معه إلى سومر ويجعله مثل شهرزاد لا ينطق عن الموت بل عن الحياة بصيغة ديدة للشعر هي الأذان.

70 yahiaasamaw1550

بعد كل هذا يعود الشاعر إلى نفسه، يلتفت إليها ليستوعب من ماضيه الذي هو سيرة ذاتية لوطن موغل في القديم،فيرسم صورة لما سيكون لا إلى ماهو كائن الآن:

فأنا بمملكة الملاك السومرية

شهريار

غلماني الأزهار

والأشجار حاشيتي الأنيسة

والجواري الناي والغزلان ترعى

فيمراعي الأبجدية

والهزار!

لقدكانت هناك محاكاة راقية لما كان القريب بما كان البعيد لتنتقل الصورة إلى ماسيكون،أما إذا توغّل الشاعر في الزمن الأبعد ليستند إلى دمج طفولته وصباه به فإنه يشير الشاعر إلى قصة آدم طريد الفردوس والقصة ذاتها تمثل طفولةالعالم وصباه في الوقت نفسه:

تفاحة الأمس البعيد

رمت بآدم

خارج الفردوس

فانطفأ الصباح

بمقلتيه

وأغمضت أجفانها الأقمار

فهو لذئب مندمة

طريد

لنتخيل صورة آدم بعد طرده من الجنة حيث هبط= نزل أوحل في الأرض ليعمرها من لاشيء تلك الصورة تشبه الخراب والجفاف في عصرنا الحالي عالميا ومحليا،إن الوضع ذاته يعكسه الشاعر على طفولته وصباه بشكل آخرمستندا أيضا إلى الفعل الماضي: رمت انطفأ أغمضت

وأنا دخلت جنائن الفردوس

حين قطفت من تفاح حقلك

هل أنا ي العشق آدمه البتوليّ الجديد

مادمت لي...

الأفعال في كلتا الصورتين تتوازى في الزمن : دخلت  قطفت .. لتتحقق عبر التوازن الزمني الماضي صورة جديدة ليست هي بالماضي ماضي طفولة العالم ولا الحاضر بلكما ذكرنا صورة لما يمكن أن يكون.

من ناحية أخرى يكون ماضي طفولة الوطن مفتوحا على كلّ الأزمنة لا يستثني أيّة حقبة من حقب الزهو والحيوية المادية والروحية:

لاذت به من ظلام مقلتي وسعى   قلبي إليه بما حُفِّضت من سور

إشارة عميقة ذات دلالة إلى معنى قرآني، ومعظمنا يحفظ بعضا من سور القرآن وربما الكثير منها في زمن الصبا فنجد بعدئذٍ أن الزمن القرآني يسير ضمن زمن طفولة الوطن وبموازاته حيث نطّلع فيما بعد على قول الشاعر :

وفيه من أور مشحوف يسير به زهو الهلال بضوء الأنجم الزهر

إن الشاعر نفسه يعترف أن طفولته تتحقق من خلال العودة إلى طفولة العالم،الوطن، الدين،التاريخ، الشعر في بداياته:

إنّي أعدتك طفلا فلتكن أبة لي    واعتصم بسراطي من دجى العثر

ومن باب خفي جميل الملامح يجاور زمان الماضي بمفردات قديمة يبثّ فيها الحيوية، فهذه المفردة كالقوة في البذرة تثمر وتزهر حين نغرسها من جديد:

علّقتها وأنا عشب يسير به نحو الخريف لهيب جائع الشرر

مفردة عُلِّقتها بمعنى عشقتها استدرجها الشاعر من عصرنا الجاهلي ليضعها في عصر جديد،وهي مفردة تذكرنا بالأعش في معلّقته:

علِّقتها عَرَضا وعُلِّقت رجلا غيري وعلق أخرى غيرها الرجل

ويستدرج من ريعان الشعر العربي القديم صورة صبا آخر يدلّ على الخصب الذي يتغنى به شعراء الجزيرة العربية المقفرة، لكن بشكل أدق وأكثر حيوية يخص انثى العالم الجديد الذي أطلقنا عليه ما يمكن أن يكون:

أو أنها روضة تمشي على قدم   يلهو على كتفيها شعرها الغجري

فلا شكّ ونحن نتابع طفولة الشاعر من خلال طفولة الوطن أنه جمع كلّ صور النقاء ليصوغها من جديد إذ خرج عن المألوف في التعبير عن طفولته.طفولة شاعر تعني طفلة الوطن وطفولة العالم بآفاق متوازية هي الروح والمادة والشعر والجمال حيث تحتشد الصور بحيوية وتناسق:

سألتني ربة الحانة والمحراب

والمشحوف والنهر الأنثوي

الذي شاربه يبعث حيا إن هلك

لتتناغم بعدها بصورة روحية :

أو الحلم أم شبه لك؟

ومعنى روحي آخر:

فأنا قد هيت لك

لكنّ الشاعر وهو المتمكن من أدواته قد يستوعب صورة من صور الماضي الجميل الذي عايشه فيستدرجه بفنية عالية إلى الأزمنة البعيدة العالية

لعبنا لعبة العرسان : كلّ   يغذّ به إلى شبق سباق

لكن أيّ شبق هذا؟

إنه نفسه يحلّ اللغز لغز اندماج طفولة الشاعر بطفولة وطن :

ملكنا يومنا وتملكتنا    وعود سوف يشهدها العراق

وفي مشهد آخر للخصب يستدرج صباه إلى العالم الجديد:

خبر الهوى طفلا ..صبيا..يافعا   وازداد كهلا غير عشق لا يعي

ليجسد بعدئذ كلّ الأزمنة والأمكنة في زمان ومكان له ميزته وخصوصيته:

أنا ياابنة الريحان نهر صبابة  مائي عراق والسماوة منبعي

الحق هذه قراءة في جانب واحد من جوانب تلك المجموعة الشعرية المتميزة بخصبها لأنني كلما قرأت جديدا من نتاج يحيى السماوي وجدت زاوية إبداعية يتناولها بصورة متقنة فلم يسبقه أحد إليها قد يتحدث شاعر أو كاتب عن طفولته بأسلوب بديع ومعان رائعة لكن يحيى السماوي الشاعر جعل طفولة الشاعر طفولة العالم وصبا الوطن.

أعتذر عن الإيجاز فالمجموعة تحتاج إلى دراسة أخرى تعطيها حقها وتلم بجوانبها الأخرى.

***

د. قصي الشيخ عسكر   

               

خيرة مباركيتوسّعت دائرة الشعريّة العربيّة بفضل ما يظهر على الساحة الأدبية من أشكال فنيّة تتجاوز حدود جنسها لتنفتح على العديد من الأجناس والفنون الأخرى , ولعلّنا بهذا نتجاوز حدود النص إلى تناص شكلي وبنيوي يجعل منه كيانا مراوغا زئبقيّا لا تدركه الحدود والقواعد . نص يعلن العصيان ليتحرّر من كل القيود، مخاتل يثير الحيرة والقلق بما يظهر من تداخل بين الأشكال الفنية  كالماء يجري بإبستيميّة متحرّكة حيّة تعانق المطلق في الإبداع وتبني صرحا جديدا يعاند الصّروح ويثير الإشكال تلو الإشكال . هاهنا تكمن رغبة الخلق والإنشاء. ما كاد القارئ العربي يستفيق من صدمة قصيدة النثر بما تثيره من إشكالات وما تطرحه من تساؤلات حتى تعترضه السردية التعبيريّة فإذا نحن أمام بعث جديد  بما تحمله من مخاضات النشأة وعسر الولادة ولكنه المولود مهما تعسّر أمر تمييز جنسه أو تسميته، هو كيان، مخلوق يحدّد وجوده بمقدار ما يفرزه من خصائص النوع الأدبي وقوانينه وقواعده الثابتة، على مستوى الكتابة الأدبية وقراءتها ونقدها ..ولكنّه وجود عصيّ على التمثّل، منفتح حدّ العصيان . في سرديته احتمال الحكاية وفي مشاهد التصوير والتعبير جنوح إلى الشعر والشعريّة وبين السرد والتعبير انفجار الحس فإذا نحن بين سرد الحكاية وحكاية السّرد . السارد محلّق في عوالمه النائية يداعب الحلم البعيد وينشد أغنيته التي لم تولد بعد من سديم المعني بين شهقة الحسّ ونزوع النفس . والمسرود كينونة لفظ وعمق شعور . إنه نص كريم عبد الله " خيط أشهب .. عند ضفاف الرّوح " عنوان هو بداية الحكاية ولم يخبر عن متنه كعادته إنما اختزله اختزالا إذا ما انطلقنا من السطر الرابع الذي يعلن عن وظيفة الإسناد حيث مثل مبتدأ غاب خبره بل ناب عنه البياض والصمت في تتالي النقاط الدالة على ذلك وهو صمت لا ينتظر من القارئ البحث عنه لكنه يعلنه في المتن هو خيط أنثاه الأشهب، من سناها الذي رتّق نهاراته المتشظية . فارتفع به عن زمنه النسبي الميقاتي إلى زمن آخر يهتك أطلس الأيام ويموج في تواريخ لا شرعيّة من أحلام فارّة و ليل بالهواجس مسكون ويوم بالجراحات مكسور . قد يولد المحكي ولكنّ تغيب فيه الحكاية  فيأخذ السرد فيه حلة أخرى يلتفّ بسواد الأسطر المتتابعة التي تعبّر عن دفقة شعورية أشبه بالأحلام  حين نسعى لاقتناصها عند الصحو فنعيد ترتيبها من جديد . يستثمر فيها صاحبها طاقة قصصية ولكنه سرعان ما يفارقها أو لعله يتهيّأ لنا حين يتحرّر من حرفيّة الواقعة أو تسلسلها المتني ويهبها بناء سرديّا جديدا . هي أشبه بالحلم أو لعلّها  أضغاث أحلام مبعثرة في لوحات وصفيّة موزعة توزيعا منسجما بين أسطر متتالية ومتتابعة وبين بياض يجعل السطر أشبه ببيت مشطور بين صدر وعجز. وهذا البياض قد لا يكون فعلا بريئا أو عملا محايدا أو فضاء مفروضا على النص من الخارج بقدر ما هو عمل واع . لعلّه الهواء الذي يتنفسه النص كما ذهب إلى ذلك بول كلوديل Paul claudel أو لعلّه دال بصريّ يوجد مساحة للصمت تغور في أعماق النفس الناطقة لتعبر عن انفعالاتها وحالاتها المضطربة المتوتّرة لحظة الكتابة . إنّها لحظة فارّة من زمنيّتها، متفرّدة متلاشية في مساحة الصمت كالاحتضار . ويكون الصمت مثل الزمان والمكان مجرّد احتمالات بين الانقضاء والانفصال. فإذا بنا أمام تشكيل جديد لا يأخذ فيه السرد شكله المألوف بل يتحوّل معه النص إلى كائن حي يرتب عناصره في زمن خاص ملائم للحظة الإبداعيّة وما تتسم به من حالات شعوريّة متغيّرة . هو زمن مفتت تعلنه المراوحة بين الماضي والحاضر والمستقبل فإذا بالزمن أزمنة متوترة توتر الناطق، متشظية تشظيه بين أحلام ترمم جراحاته وتلفّه بخيوط الفجر، تفتّق شرنقة تعيد لثغره أخيلة الشهد، وبين أشرعة تائهة لنهارات بائسة يهيّجها القلق . وقد انطلق الشاعر في لوحة أولى مثلت حركة زمنية هي حركة الحاضر ارتبطت بحركة ارتداد إلى الزمن الماضى عبر الذكرى لنقف إزاء زمن متغير مسكون بالهيام والعشق  حتّى لكأننا نواجه أطلالا جديدة :

" تتخفّى خلف نبض البنفسج تتمايل في أغصان كآبتي ....وبنكهة الحبر الصيني تحفر ليلي المسكون برقّة الهيام ... كلّما تمرّ غيماتها في الذاكرة تبتهج الجذور برقّة الأصابع..."

فإذا هي تنبجس من سديم أو من لوح محفوظ يعود إلى ملحمة الخلق الأولى وزمن البدايات،  إلى الفراديس الآفلة التي تسقط في حركة نزول إلى الواقع فتغدو حركة الارتداد من الماضي إلى الحاضر المعادل الموضوعي لحركة النزول من السماء إلى الأرض . ويتحول معهما السياق من الإيجاب إلى السلب ومن المقدس إلى المدنس :

"خيط أشهب من سناها خاط نهاراتي البائسة....كحل نافذة ثقبتها قرنفلة في عصر يوم مكسور....عند ضفاف الرّوح تغني بانتظار تدفق الأنهار........"

وهاهنا يرتبط الحاضر بالماضي، فإذا بنا أمام الماضي السردي الاسترجاعي  واستدعاؤه هو استدعاء الأسطورة عبر الإيحاء من خلال استدعاء أشياء لازمة لها دلت على زمن الخصوبة أو لعلها الفردوس المفقود ( البنفسج، أغصان رقة الهيام، غيماتها، تبتهج الجذور ..) وذلك في ضرب من التداخل وهو ما يؤكد مرّة أخرى على صورة الحلم الذي يفقد كل مقومات المنطق في هذا التداخل بين الزمنين وكأنه محكوم باللاوعي . قد يحيلنا السياق إلى صورة الأنثى التي اكتسحت عالم الشاعر في لحظة بائسة لتنتشله من عالمه المأزوم وتحلّق به في آماد قصيّة لا يدركها سوى وجدانه ولكنها لحظة آفلة من الزمن الآيل إلى السقوط والانكسار فتغدو الأنثى صورة ذهنية للحظة التي تقترن بالزمن المكسور فتتحول من سعادة يقتنصها الشاعر تتدفق الأنهار بإحساسه بها  ويعيش جنته الموعودة   إلى غيمة تمرّ في ذاكرة مثخنة بالأحزان يقتلها الانتظار . ثمّ يتحول في حركة جديدة إلى لوحة ثانية هي حركة التطلع إلى الزمن الآتي والمستقبل فيتحوّل من الحاضر الآني أو الزمن المتواقت ولحظة التلفّظ عبر الأفعال المضارعة إلى استشراف  الآتي عبر الحلم وذلك بواسطة الأفعال التي تهيئ زمنيّا الامتداد في المستقبل عبر سين التنفيس المقترنة بالفعل المضارع ثم من خلال دلالة الاستفهام على معنى الطلب الذي يطلب تحققه في المستقبل القريب :

" من سيردم جرحا يتجسد راكضا يهيّج القلق ...يرتمي على وسادة الحلم يفتك

بالفجر...إلّاك راهبة تفتّقين شرنقة تعيد لثغر كأسي أخيلة الشهد .....؟

كما يتحقّق بالمعجم الدال على الزمن القادم :

" تعازيمك ترقّ تواريخي القادمة وتهلّ مزاميري في كفيك ....بين أنفاسي تتفتّح تؤطّر تهتّك أطلس الأيّام .. تتعهدني على حبل غسيلها تنشر كلّ جرح عتيق .. ولها في مرآتي ثمارا تتوحّم تخضّب ليلي الطويل .. "

وهاهنا تتشكل صورة الزمن عبر أفعال دلّت صيغتها على معنى الاستشراف وكذا دلالاتها الاصطلاحيّة، فلئن دلّ النعت " القادمة " على الاستقبال فقد دلّت كل من تفعّل وفعّل ( من خلال :تفتّح وأطّر وتهتّك وتوحّم ) على معنى الحركة والمجاهدة من الحاضر واستمرارها إلى المستقبل . وفي ذلك تحول من حالة إلى حالة أخرى لعلّها الولادة بعد المخاض . بذلك ترتبط هذه الأنثى بمعنى الانبعاث والتجدّد على مستوى الحال . قد تكون عشتاره المأمولة التي تتوحّم لتخضّب ليله الداجي برائحة الحناء . وهاهنا تتراءى لنا صورة تنبني عبر الإيحاء وتتولّد منطقيا في أذهاننا فنقتنصها من رقادها . هي صورة الجنة المخصبة بأخيلة الشّهد، وعشتاره راهبة من خضرة زاكية تغني على ضفاف الرّوح تنتظر تدفق الأنهار حتى تخيط نهاراته البائسة وهو المصلي في محرابها يرتمي على وسادة الحلم ويرتقها حلما على نصوصه الذاوية بنكهة الحبر الصيني ورنّة الهيام ..

بكل ذلك يقترن المستقبل بزمن الأحلام والرؤى . الجنة الموعودة ويستحيل الخطاب تبتّلا وإنشادا صوفيّا وتغدو بكل ذلك الأنثى بمثابة المعبود لعلّها  آمال الشاعر المجردة التي يجسدها بسرده التعبيري حبيبة يشتاق إليها أو لعلها الحياة التي تشقيه ويرتبط بتلابيبها وهاهنا يتماهى التصوير بالتعبير في القول فيتماهى المطلق في المحدود وتلك لعبة الشاعر حين يجتاح حالته الشعورية التعبيرية ليكسّر سلطة السرد بتمرّد الحسّ الإنساني فنستحضر بذلك المدرسة التعبيرية في الفن التي تستهدف التعبير عن الأحاسيس والمشاعر والحالات الذهنيّة التي تثيرها الأشياء في نفس الفنان فتتلاءم مع ذاتيته المفرطة التي ترفض مبدأ المحاكاة ليعيد تشكيل الواقع من جديد وفق رؤيته الخاصة . وهو يعيد ترتيب الزمن ويغدق عليه من وجدانه ما يثير الذهول بلغة عاتية تمارس سلطتها الرمزية وتنفتح على إمكانات جديدة للتعبير تفارق سياقاتها اللأصليّة بانزياحات اختلافية Ecarts différentiels  فما معنى أن يفتك الحلم بالفجر ؟ هذا التشكيل السردي يحيلنا على جملة من المفارقات وهي في هذا المثال ضرب من الاختلال في العلاقات المنطقيّة بين عناصر الصورة إذا ما جمعنا علاقة المسند بالمسند إليه، ففي فعل يفتك مجاز استعاري يشبه فيه الحلم بالحيوان المفترس ولكن المشبه به غاب وحضر شيء من لوازمه وهو فعل الافتراس وهو ما يطمس العلاقة الأيقونية بالمرجع حيث يتجاوز الحلم دلالاته الأصليّة في التعبير عن كل ما هو جميل ومأمول ومنشود ليغدو سببا للموت والقتل ويتعمق هذا المعنى من خلال علاقة الفاعل بالمفعول به وهو الفجر . وعادة ما يقترن هذا الأخير بالحلم والحياة والانبعاث لكنّه يغدو طريدة حلم شرس ولعلّها خصيصة أخرى من خصائص المدرسة التعبيرية وهي تشويه الواقع ورسمه على شاكلة مختلفة وفق تصوّر الفنان . والأمثلة كثيرة للتصوير والتعبير اللذين يتجهان اتجاه الغرابة تجعل للنص حركة أخرى مع القارئ فيخرجه من سكون التلقي إلى فاعليّة التأويل ممزوجة بحيرة البحث حين يروم البحث عن الانسجام الذي يتخفّى وراء التنافر والتقابل . لقد تشكلت هذه اللوحة على زمن المستقبل الذي يرغب أن يتجاوز به الآني والمتواقت وهو ينتظر مواسم الدفء . ولكنه سرعان ما يعود إلى الماضي :

" بالترمّل كانت الصفحات تتدرّج متكئة ...أنين الاشتياق بين ينابيعها يتمركز في ذهول ...والحسرة الطائرة في فضاءاتها تلمّ الأسى الأشعث .... وجهها المنحوت في بريق أحلام هزيعي الشائك ... في أخاديدي البعيدة غفا منتظرا موسم الدّفء ... "

الحق أن هذا المقطع لا يستسلم لقارئه بيسر . يخاتلنا الناسخ " كان " الذي يدل على سرد استرجاعي يتذكّر فيه الماضي ولكن السياق يحول دون هذا المعنى فنقف إزاء زمن غائم لا ظلال فيه يوهمنا به ثم يتجاوزه ويعيد ترتيبه في ذهنه وفق حالته الشعورية الراهنة والمتواقتة ولحظة التلفّظ . بهذا فالزمن يفقد شرعيته أمام وجدان الشاعر وهو لعبته في المخاتلة ينتقل بمقتضاه المعنى إلى مدلول جديد ناشئ عن السياق وهو أشبه بالزمن النفسي الذي تربطه بالذات علاقة حلولية . يصبح الزمن حالة شعورية لا علاقة لها بالتاريخ تتجاوز البعد الميقاتي إلى أبعاد ذهنية تصوريّة .. وهذا من مظاهر التجريب الفني الذي يتجه في اتجاه الانزياح باللفظ والفعل الإبداعي على السواء وخاصة في تشكيل الصورة وهو الصراع بين بلاغة البيان وبلاغة الغموض في النص الحديث تنافس فيه اللغة الصورة المتخيّلة وتلتقي فيه كل الفنون فتفتح أشرعتها للانطلاق بعيدا نحو عوالم الإبداع والتميز .

النصّ :

خيطٌ أشهبٌ... عندَ ضفافِ الروح

تتخفّى خلفَ نبضِ البنفسج تتمايلُ في أغصانِ كآبتي..../ وبنكّهةِ الحبرِ الصينيّ تحفرُ ليليَ المسكون بــ رنّةِ الهيام .../ كلّما تمرُّ غيماتها في الذاكرةِ تبتهجُ الجذور بــ رقّةِ الأصابع ...

خيطٌ أشهبٌ مِنْ سناها خاطَ نهاراتي البائسة ....../ كحّلَ نافذةً ثقّبتها قرنفلة في عصرِ يومٍ مكسورٍ ..../ عندَ ضفافِ الروحِ تغني بإنتظارِ تدفقِ الأنهار .....

مَنْ سيردمُ جرحاً يتجسّدُ راكضاً يهيّجُ القلق .......... / يرتمي على وسادةِ الحلم يفتكُ بــ الفجرِ ..../ إلاّكِ راهبة

تفتّقينَ شرنقةً تعيدُ لِثغرِ كأسي أخيلة الشهد ............ ؟

شوقٌ يتطايرُ منْ نارٍ تأكلُ خضرة زاكية .../ بعيداً أشاحت زينة قيعان تغطّي سوءة تخوم تماثيل...... / بـــ تعازيمكِ ترقُّ تواريخي القادمة وتهلُّ مزاميري في كفيكِ ......

بينَ أنفاسي تتفتّحُ تؤطّرُ تهتكَ أطلس الأيام .../ تتعهّدني على حبلِ غسيلها تنشرُ كلّ جرحٍ عتيق ..../ ولها في مرآتي ثماراً تتوحّمُ تخضّبُ ليلي الطويل ...

بــ الترمّلِ كانت الصفحات تتدرجُ متكئة ....../ أنينُ الأشتياقِ بينَ ينابيعها يتمركزُ في ذهول .../ والحسرةُ الطائرة في فضاءاتها تلمُّ الأسى ...

وجهها المنحوت في بريقِ أحلامِ هزيعي الشائك .../ في أخاديدي البعيدة غفا منتظراً موسم الدفءِ ...../ نامَ على المروجِ متفتحاً يتغشى نصوصي الذاوية ........./ فتنبضُ من جديدٍ وتسوقُ نجومها تسبحُ في خلجاني ....

***

الناقدة والتشكيليّة التونسية: خيرة مباركي

 

 

رحيم الغرباويالشعر عزف منفرد آلته الكلمات وروحه الوجدان، يترجم دقائق الشعور بلغة تكاد تكون ليست مألوفة في محيط الواقع، لتبعث على الدهشة والمتعة في نفس المتلقي وهذا يكون عند من يعيش إحساسا صادقاً، يجعله ينظم شعره بلغة متفردة تمثل ترجمةً لشعوره، ولعلَّ في شعور كلِّ الشاعر مقصدية معينة يزدلفها، ليعبِّر عنها بعدما تختارها له ذائقتة وينتخبها وعيه، لذلك نجد كثيرا من القصائد لشعراء ظلت تعيش مع كل روح تسامت لأجل فكرة أو موضوع أو إحساس، ذلك هو الشعر بوصفه هبات تترجم إنسانية الإنسان وتوقد فيه ما يتحسسه في السر كان أو في العلن، بوصف الشعر بوحاً يغمر الأرواح بهباته التي غرسها الله في صلب الإنسانية، حين تنزع دائما للحياة ولرقتها التي نافح الشعر ومازال ينافح من أجلها .

وشاعرتنا العراقية ظلال محمد وغيرها من الشعراء والشاعرات يذكروننا بقول الفيلسوف الألماني هوسرل: إن الحقيقية ماتبدو في شعوري أنا وما تبدو في خبرتي أنا (1)، لذا يمكننا أن نقول: إنَّ الشعر تعبير صادق عن إحساس قائله وهو ينظر من عين قناعاته لقضية معينه لكن منظار الآخرين يبقى يعلو على القناعات الشخصية التي كثيرا ما يمكننا معارضتها إن لمسناها ليست من الواقع أو كانت فروض يختطها الأديب أو الشاعر فنراه متحمساً لها ناسيا أو غافلاً جوانب من العلل التي جعلته يسير خلف جماح نصه .

فالشاعرة ظلال عزفت نشيدها، وهي ترى بعين التفوق والانتصار لابعين الأسباب والنتائج، فقصيدتها (سامحيني) التي نراها بها تبرِّئ ساحة من أساء يوماً لها وهي تسرد لنا ما جاء في رسالته التي يتوسلها فيها:

سامِحيني

وأسمَعي صوتَ جُنوني

وأزيلي كغُبارٍ

شوقَ نَفْسي وأنيني ..

لَمْلِمي فَيضَ حَنيني

ياغَرامي واحتَويني ..

لاتَزيدي في غُموضي

كَكِتابٍ إقْرَأيني ..

فأنا منذُ أبتعدتِ

طاعنٌ في الحزنِ وَجْدِي

أشتهي مِنكِ وصالاً

ياظِلالاً

فأفِيضي واغْرِقيني ..

 

فنراها تتعاطف معه على الرغم من جفائها له، وكأنها تبرر له الأعذار في قوله: (جنوني، فيض حنيني، وأنيني، طاعنٌ في الحزن وجدي، اشتهي منكِ  وصالاً) فهي تحاول أنْ تعبِّر عن خيبتها منه، وكما أسلفنا في دراسة للشاعرة الجزائرية مونيه بلخذاري أنّ للنص الشعري فعل كتابة يقابلها لحظة مضادة لها فتحاول ترميم ما تحطم لزرع الثقة في النفس والعيش في لذة الحلم بوصف الكتابة حلماً يملأ دنيا النفس المحرومة لذة الإشباع بما يمكن أن نسميه معادلا موازياً للفقد بالشعور، وذلك بالتجاوز من خلال مايمنحه النص من نشوة لصاحبه وما يومئ إليه من إشارات، فنراه يميل إلى عدم الاكتراث بالمعاناة إلى قيمة عليا في لحظة الكتابة، فعنونة النص (سامحيني) هي خير دليل على ذلك، إضافة إلى ماذكرنا من أعذار أخبرتنا بها الشاعرة وهي تزجي لنا سطورها، لكنها بقدرتها وشفافية شعورها صاغت لنا بأصوات تومئ إلى حشرجات ندمه ممثلة بأصوات صفير: كصوت السين والشين والزاي والصاد والضاد التي تمثل الخواء، فضلا عن صوت الغين الذي تكرر ثلاث مرات، وصوت الفاء الذي ورد ست مرات وهو يشعرنا بالأسف، وصوت الحاء الذي ورد أربع مرات وهو يمثل الراحة في أفيائها، بينما صوت النون ورد عشرين مرة وهو صوت تنغيمي يمنح النص غنائية، بينما صوت الميم ورد ثمان مرات واللام سبع مرات وكلاهما صوتان هامسان ونغميان أيضاً، وغايتها من التنغيم والهمس هو منح النص معنى الوداد والقرب والجذب، فهي تداري بذلك شعورها ورغباتها من أنها المنتصرة على من هاجر يوماً عالمها تاركاً فيها غصة الهجر والأ لم، وهي تومئ لمن دمعت عيناه في حضرتها بعد طول غياب وفي ذات الوقت نراها تشفق عليه وهي تبرر له ما عناه .

اسأليني كيفَ كُنتِ

حينَ كُنا في الهوى

نَمضي معاً ؟

سَأجيبُ:

كُنتِ طِيباً وحناناً

كُنتِ حُلماً،

وجمالاً يَعتَريني ..

نتلمَّس من ذلك أنَّ شاعرتنا تعيش نرجسيتها داخل النص والنرجسية " تعلل تناقض السلوك وتبرر الموضوعات واختلافها على السواء " (2)، فنجدها تشعر بأنَّ من يتوسلها بحاجة إليها، لأنها كانت له البلسم الشافي، والمنهل المروي، موظفةً صوت الكاف الذي ورد خمس مرات وهو يدل على الكمد والاكتئاب، لما يعيشه هو من حسرة لفراقه لها، كما أنه يشعرها بندمه، فهي تحكي لنا لسان حاله، لكن الوجه الآخر يظل يعبر عما تمثله من إمعان بجعل ذاتها قوية فنراها تعيش كبرياءها وسطوتها تجاه من تجبَّر عليها على الرغم من أنَّ النص جاء مسكوباً بخمرة التوسل وطلب السماح كما تصفه هي .

ثم تستطرد قائلة:

عاتِبيني واُصْرُخي

كيفَ تَشائي

سوفَ أرْضى

لَو بقصدٍ تَجرَحيني ..

أو دَعيني هائماً

تلكَ اللَّيالي

حينَ كُنتِ تَعشَقيني ..

صَدِّقيني

لنْ أُغامرْ في هواكِ

صَدِّقيني ..

إنْ بكتْ عيناكِ يوماً

من عَذّابي يامَلاكي

فَالعَنيني !

إذن هي النرجسية التي غلبت على شعور شاعرتنا يدلنا على ذلك أنها جعلت من الحبيب المهاجر يتوسلها راضياً بجرحها له، وقبوله بلعنتها إياه حتى وإن لم تغفر له .

ولكن الشاعرة استطاعت أن تشحن نصها بحروفها التي دلت على عزف يتواءم مع الموضوع، فضلاً عن ذلك جعلت صوت الروي هو (النون) المكسورة، لتمنح النص حزناً يشوبه الانكسار الذي فدح بمن جاء يتوسلها، ويعتذر لها، وهذا ماحاولت الشاعرة أن تثبت لنرجسيتها أنها قد تفوقت عليه على الرغم من أنه طعنها يوماً ... لكن في نهاية المطاف خرَّ ذليلاً صاغرا يرجو الصفح عنه بعدما تحمل الذل خلافها .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

..........................

(1) ينظر علم الظاهرات التأويلي: 48

(2) النرجسية في أدب نزار قباني، خريستو نجم: 21 .

 

 

 

عبير خالد يحيىرواية: بحر أزرق قمر أبيض للروائي العراقي حسن البحار أنموذجًا

أولًا- مقدّمة وإغناء:

قدّم الكاتب عمله الأدبي على أنه أدب رحلات وهذا صحيح، فأدب الرحلة هو الأدب الذي يكتب فيه الإنسان عن البلدان التي زارها، ولهذا الأدب سمة علمية اجتماعية جغرافية اكثر مما هي أدبية، كأن يذكر الكاتب النظام السياسي والاقتصادي السائد في تلك البلدان أو المدن، يصف الأبنية والفن المعماري والشوارع والمعالم الأثرية الشهيرة فيها، ثقافة أهلها، تراثهم، عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، مراسم الأعياد والاحتفالات عندهم، الأديان والمعتقدات المختلفة، التعايش بين الشرائح المختلفة في ذلك المجتمع، جغرافية ذلك البلد، وتاريخه، ثرواته، منتجاته، وأشهر شخصياته، يتحدّث أيضًا عن الأحداث والمغامرات المشوّقة التي حصلت معه أثناء الرحلة .

نختار أحد المقاطع التي تحدّث فيها الكاتب عن ذلك:

" وصلت بنا السفينة ميناء كولمبو أكبر مدن سري لانكا المزدحم بالناس، مدينة جميلة رسمها الخالق على ظهر كوكب الأرض، ليعزّ بها أهلها المختلفين في الأديان والمعتقدات، متحابين يعملون كيد واحدة، لا تشوب حياتهم شائبة الاختلاف الإثني أو الطائفي او غيرهما، أناس رضوا بعيشهم ورضيت بهم الدنيا ثم وسعت لهم من صدرها، لينعموا باقتصاد باهر نتيجة موقعها الجغرافي المهم بوجودها شبه جزيرة يفصلها عن القارة الهندية من الشمال امتدادًا خليج مانار، ومن الجنوب المطل على المحيط الهندي المحفوف بالبحر العربي شمالًا، تحيطها الغابات والجبال السوداء المنتصبة فوق أرض خصبة اشتهرت في إنتاج البن والشاي والمطاطوالملابس والأحجار الكريمة."

ولكن الرواية التي بين أيدينا المعنونة ب (بحرأزرق_ قمر أبيض) للأديب العراقي حسن البحار كُتبت بشكل معاصر، بحيث تخلّلها أسلوب أدبي راقٍ جدًّا يسمى أسلوب الخطف، وفيه استطاع الكاتب إذابة السمة العلمية للمعلومات (الإخبارية) بالسمة الأدبية الجمالية، والسرّ في ذلك أن الكاتب استخدم تقنيات الشكل المعاصر للرواية بدمج المدارس الأدبية لرسم الصورة بالكلمات.

سأختار الحديث باختصار عن الرواية المعاصرة، مميزاتها بالمقارنة مع الرواية الكلاسيكية التي تشرح الواقع المرئي بشكل إخباري وعين تصويرية، لذلك تكتب فيها مئات الصفحات لشرح واقع لا يتعلق بالأدب، صورة ميتة لا قيمة لها، هذه الشروحات الوصفية المكتوبة عوّضت عنها فعليًّا الكاميرا في السينما، وعوّض عنها الديكور في المسرح. بالرواية الحديثة أو المعاصرة تموت هذه الشروحات حيث أصبحت عين الكاتب هي عين الكاميرا، لكن عبر مدارس أدبية يتم الخلط فيما بينها، مثل البرناسية (الفن للفن)، والرومانسية والرمزية، فالوصف فيها صورة أدبية وليس واقعية بحتة.

في الرواية المعاصرة تقلّ الشروحات الميلودرامية باختزال الحشو، وقد تلاشت الحبكة بعد نهاية القرن العشرين بتداعي سيل الوعي، فجاءت الرواية بلا نهاية وصارت تلك الحالة سمة للرواية الحديثة المعاصرة، رواية بلا نهاية.

 وتبدو الرواية المعاصرة كجملة ناقصة غير مكتملة، وعدم اكتمالها هو انعكاس لعدم اكتمال الفكر والإيمان و المجتمع، وتحت تأثير النظريات النفسية الحديثة ينقطع فيها جريان الحياة، ولا يبقى مستمرًّا، بل يتجزّأ إلى سلاسل منفصلة للحظات متقطعة ومتلاحقة، فالرواية المعاصرة بالغالب هي رواية نفسية.

 وكذلك الشخصيات، يكون القلم هو الشخصية الحية التي تتكلم وتقوم بالأفعال.

الواقعية في الرواية الحديثة عملت بشكل مفيد و راقٍ في معالجة قضايا الحب والجنس والزواج، (لم تأخذ الجنس كعملية شهوانية مثيرة، بل أخذتها بتعليم كيفية التعامل مع الجنس الاخر، يعني ثقافة جنسية علمية)، الرواية الحديثة كسرت النظرة الفيكتورية المتحفظة للجنس والحب والزواج بمعالجة صريحة وحرّة.

الرواية الحديثة ليست مجرد متعة ولا هي قراءة خفيفة بعد العشاء بل عبارة عن عمل فني ثقيل يعالج قضية جدّية محبوكة بشكل جيد.

الرواية المعاصرة أثبتت أن الضمير الإنساني هو عبارة عن مواقع أو ساحات عميقة ومدفونة تحت الوعي نفسه، ويسمى بالوعي الملحق أو الثانوي أو اللاوعي.

وبإخضاع رواية (بحر أزرق_ قمر أبيض) لهذه الخصائص سنجد أنها رواية معاصرة بامتياز، فالكاتب سلك سلوكًا معاصرًا بأنه كتب أدب الرحلة برحلة قام بها فعلًا، فأضحت روايته مزدوجة الموضوع، الموضوع الأول: معالجة حالته الرومانسية و موقفه من الجنس والحب وميله للوحدة والقلق، والموضوع الثاني: شغفه بالجمال الموقعي للطبيعة المنتشرة في المعمورة، والتي جاءت من عشقه للبحر الذي يشغل 4/5 المعمورة. 

 سيرة الكاتب ومساميره على حائط الأدب:

حسن البحار، روائي وشاعر عراقي، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، خريج من أكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية، المهنة بحّار

مساميرعلى حائط الأدب:

- (الدردبيس) مجموعة قصصية صدرت عام 2011

- رواية(حر أزرق قمر أبيض) نال عنها جائزة أدب الرحلات عام 2013

- رواية (مرام) صدرت عام 2014

- رواية (النوتي) صدرت عام2017

- (الريح تُترك فوق الطاولة) مجموعة قصصية صدرت 2017 

مستويات التحليل الذرائعي  

أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص، فالشكل في النص العربي في سباق مستمر مع المضمون من ناحية جمالية وهو أحد سمات اللغة العربية التي تتميّز بها على اللغات الأخرى، قد نجد التفوّق مرّة في الشكل وأخرى في المضمون، وأحيانًا يتوازى الاثنين بالجماليات المنظورة، ويبرز هذا الشأن في المداخل التالية:

1- المدخل البصريExternal Trend:

مؤلف مقسّم على أربعة عشر فصلًا غير متساوية في مساحاتها، بعضها يتجاوز العشر صفحات، وأخر لا تتجاوز الصفحة مثل فصل (لحظة تأمل)، أما الفصل الأخير (قادم الأيام) فكان أربعة أسطر فقط! عناوين الفصول توزعت بين دلالات شعورية(رائحة الرغبة، رغبات مكبوتة، مسافات الصمت، زحمة الأفكار)، ولاشعورية (لحظة تأمل، نعاس الليل المعتق)، مكانية (دوماي، نسيوس، قرية ساترن)، زمانية (الساعة الخامسة، اليوم الأول)، حدث (العاصفة)، يتصدّرها (ريتا) اسم الشخصية التي أحبها السارد.

أمّا موضوع الرواية: فهو قصة بحّار يجوب البحار على متن سفينة، وقع في حب امرأة أندونيسيا تدين بالبوذية، تقيم في بيئة خطرة، أكبر سنًّا منه، لها طفل وأم عجوز، وعدها بالزواج بعد أن تسلم، واستأنف رحلته بغاية أن يجمع المال ليعود ويتزوج منها ويشتري لها بيت، يصادف في رحلته الكثير من المغريات لكنه لا يخون حبيبته، بعد عام يعود إلى أندونيسيا ليلتقي حلمه.

وأمّا التقنيات السردية:

1- لو نظرنا في صفحات الرواية من أول سطر فيها وحتى آخر سطر فيها نرى الكاتب قد تفوّق جماليًّا في أسلوب الخطف السردي، جمل قصيرة خاطفة منفصلة محصورة بين فوارز سردية وليس فوارز لغوية، وذلك لاستخدامه الجمل القصيرة المدروسة بدرجة انزياح عالية، بحيث استطاع أن يكمّم أفواه الجمل الإخبارية بحشرها بين الجمل الانزياحية، وهذه حالة جديدة معاصرة استخدمها الكاتب كتكنيك امتاز به. 

" لا أعرف معنى المغازلة والحب، صبيًّا كنت في الحادية عشرة، منظره متكسّر الملامح، خائفًا، ملتصقًا بالحائط يجاهد كي يحافظ على الثبات وسحب النفس، خفقات قلبي قوية، ترتفع وتضرب أصداؤها أذني، من ابنة جيران لعوب، يدها كيد الشيطان، تندس تحت قميصي إلى صدري... تلثم وجهي بشفاه أشمّ فيها فسقًا وخوفًا، يلفهما صمت عميق، أريد منها الابتعاد...". 

2- استخدم الكاتب أيضًا -و بشكل بصري صارخ- المدارس الأدبية بالأسلوب، ما جعله أسلوبًا صعبًا لأنه يحمل خلطة فنية جمالية راقية أرديتُها جمالٌ لغوي وجمال علمي، وسنتناول الجمال اللغوي في المستوى اللساني لأنه يتحدّث عن علمي البيان والبديع. أما الجمال العلمي وهو خليط غير متجانس من مدارس أدبية معاصرة وهي (الواقعية، الرمزية، السريالية، البرناسة، الفن للمجتمع، الرومانسية، الطبيعية) لتكوين الصور بالكلمات، لأن الأدب المعاصر نوع من أنواع الفن، أذكر شواهد عليها مستعرضةً بعض الصور المرسومة بعلم الجمال من الرواية: 

- الحياة تخطر ببالي مثل ومضة، و أعزف الدمع مثل رجل متعب نام في حضن أرنب.

- رمتني الساعات حتى صارت الأيام في وحدتي كفوفًا تدفعني للهذيان والهذر.

- غرّد قلبي شعرًا، كان يرتقي إلى مرتبة الأدب الرفيع في الغزل،

- لملمتُ شفتي ورجمت البحر بقبلات كانت نديّة وتركت العملاق وشأنه

- في غرفتي وحدي أسمع معزوفة الحزن متكئًا على ضياعي خائفًا من اليأس الذي أحاطني.

- فمي بطعمه الغريب يمتدّ فوق المدّ الحزين ترسمه الرمال بلا نهاية ولا بداية

- بينما الجسد الظازج ذو الوجه المتألم تغسله اللحظات يعدو سريعًا. 

اتكأ الكاتب بأطرافه العليا والسفلى على تقنيات معاصرة راقية جدّا، صعدت بأسلوبه نحو سرقة السماء، وهي: 

3- الحوارات الخارجية:Dialogue القصيرة المدروسة المقتضبة، اعتمد على السرد أكثر من الحوارات، وجعل الحوارات مفاتيح لفتح الأحداث. 

- ما رأي ديانتكم بمن يخرج عنها ويدخل الإسلام؟

أجاب بطريقة مهذبة:

- لسعادة الأجيال القادمة يجب العمل ضمن حدود العقل لا الرغبة.

- ماذا تقصد؟

- نترك هذا الأمر لكل فرد، لحظتها هو الذي يقرّر. 

4- الحوارات الداخلية Stream of consciousness:

يأتي بها الكاتب كلّما اشتدّ الصراع في نفس السارد الذي هو البطل، وواحتاج إلى الكشف عن دواخله، بما يخدم سير الحدث وتطوّره، والرواية المعاصرة بالأساس هي رواية نفسية بالدرجة الأولى:

"... أردّد الصدى الذي جال في صدري: هل خسرت الجولة؟، مرة أخرى تعبت من لهاث هذا السؤال الذي بات عصيًّاعلى قلبي أن يأتي بجواب......" 

 

5- التغذية الخلفية flashback:

مثارة بعتبة واقعية، حدث أومشهد محفّز يأخذ السارد إلى الذكريات: 

" ياه !! أنا في سنغافورة ولا رغبة لي في ملامسة الأرض! وإذا في التفكير طفقت مستعرضًا حياتي الماضية، بدا منها لا شيء لدي أخسره غير ذكرى يوم نسيته منذ أمد بعيد عاودني فجأة ذكرى ظهيرة يوم بارد من أيام الشتاء، كنت فيه مرميًّا على صدر عمتي التي علمتني كيف أواجه الحياة، يستهلكني الرعب من الشعور بالإهانة، لأنني سمحت للحادثة أن تمرّ في طبقات النسيان، ومرّة أخرى بدا فراقها رحيمًا ويمكن الاعتماد عليه، ثم لقد فهمت أن الحزن والقدر قد هبطا من الأعلى وصبّا نزولًا على رأسي، كي أنضج بهذه الحياة....".

وهذه التقنيات تتيح للكاتب حرية الإطاحة بالبناء الفني الكلاسيكي للروي، كما تتيح له أن تكون روايته عديمة الحبكة، وعديمة النهاية أو بنهاية قلقة غير مقرورة، أو بنهاية مفترضة .

" لا أعرف بالضبط لِمن في قادم الأيام سأشير؟

ألعينيّ اللتين ستحومان حول بطن ريتا في حملها؟

أم لقلبي الذي سيمدّ يديه شوقًا إلى أهلي؟

لا يهم لا يهم ..، سأترك هذا إلى قادم الأيام، فالطائرة هبطت، وقد خطّت عجلاتها على أرض دوماي." 

2 - المدخل اللساني Linguistic Trend:

أخذت هذه الرواية حصّة كبيرة أشبعت رغبات الكاتب حدّ التخمة من الغذاء البلاغي، بحيث غصّ هذا النص الروائي بالصور البلاغية التي لم يكن يقطعها إلّا حوار مقتضب، أو سرد إخباري طفيف، أُرجع ذلك إلى مخزون الأديب اللغوي والبلاغي الكبير، إضافة إلى استخدامه تقنيات الرواية المعاصرة التي تتزيّن بالصور الجمالية المرسومة بالكلمات، اختار بعضًا منها متنوعة بين الاستعارات والتشابيه والكنايات: 

- لم تترك لي فرصة كي أبصر، أشبه بالبرق مضت تشبيه

- ككأس ياقوتي فمها المفتوح يضحك تشبيه

- جسدي الظازج مثل الموج يواجه الصخور منتصبًا، يرتطم بجنون فيتناثر منه رذاذ الأمنيات. تشبيه

- الجسد يطير محلقًا فوق الأرض يلامسه الهواء ملامسة الروح لفتحات الناي.

- هناك ريح عبثت في الموج، تسلّقت سفحه حتى قمّته ضاحكة، انشقّت ضوضاء صمتي بضحكاتها. استعارة وتشبيه

- وبلعت أنهار الموجة وجه سفينتي مثل الخائن الهارب استعارة وتشبيه

- ريتا مينائي المنشود الذي أنزع فيه جلد التعب المتوالي والسفر المتلاحق، ألبس عندها جلد الراحة والانسجام في حب لم أقرأ عنه حتى في قصص العشق الشرقية. كناية

- تنقلني عيناها إلى حيث المرافئ الكونية. استعارة

- على خارطة جسدي الذي لم تزهر فيه بعد إلا قبلة واحدة رأيت العجب! استعارة

- الضوء الذي يأتي طعنًا، والأمطار أجراسًا، الواحدة تلو الأخرى أصواتها تتعالى في رأسي. تشبيه بليغ

- عابر الزقاق أترجّل الأيام، أتأبّط الأحلام، سحابة نعاس أعزف كمنجات دمي. استعارة- أغلقت نافذة الشمس وفتحت أخرى كناية

 

كما استخدم البيان موردًا الكثير من الطباق والترادف والجناس

الترادف:  

- متناسق ، رشيق

- رائعة – فاتنة

- لذيذة – شهية

- أناقة – لباقة

- مرارًا – تكرارًا

- غضوبًا – رافضًا

- ترعد- تبرق

  

طباق:

- القريب # البعيد

- تغمض عينًا # تفتح أخرى

- اليمنى # اليسرى

- أغلقت# فتحت

الجناس:

الرهبة – الرغبة

التدريب - التدريس 

ثانيًا- المستوى الأخلاقي Moral Level 

1- البؤرة الأساسية الثابتة للنص(static core):

امتاز الكاتب بأسلوب الخطف، وارتكز على استراتيجية جمالية تتسيّدها الرومانسية بشكل أشمل، مع أنه تفوّق كثيرًا باستخدام المدارس الأدبية المعاصرة الأخرى وهي الواقعية والرمزية والبرناسية (الفن للفن) والفن للمجتمع، والطبيعية، كما أنه امتاز بإبراز استراتيجية راقية من دمج تلك المدارس، وهي أنه يكبس الجمل الإخبارية بين الجمل الانزياحية، وهذا أفرز نواحٍ جمالية جديرة بالذكر، جعل الإخبار مصوّرًا، وليس إخبارًا مباشرًا وهذا قاده إلى عصرنة الرواية.

ملاحظة: ليس من المستحسن أن يكون أسلوب الرواية السردية انزياحًا رمزيًّا كاملًا، ولا خياليًّا كاملًا، بل يتخلّله أسلوب إخباري يفتح النص ويبعده عن الخصوصية نحو عمومية التلقي، وذلك طبقًا لمعايير النص الأدبي(المقبولية والإخبارية)، والكاتب ناوب بين الأسلوبين في صفحات الرواية. 

2- الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة:Theme or Moral Background:

استطاع الكاتب أن يستخدم المحايدة بطابع إنساني غير مسبوق، عندما قصر رحلته البحرية على الأماكن التي فيها تعايش سلمي بين أفراد شعوبها على اختلاف أجناسهم وأديانهم بشكل مقصود إنسانيًّا، وتكلّم عنهم بالخير وبصورة عصرية، تكلّم عن الوفاق الإنساني بينهم، فكانت روايته ذات ثيمة إنسانية، كما قصد أن يتخطّى الأقطار التي فيها صراعات طائفية أو عرقية، فلم يتكلّم عنها رغم أنه مرّ بها، مثل بلدان الوطن العربي، ليثبت لنا أن الأدب لا يكون أدبًا إذا لم يكن ساندًا لظهر المجتمع الأخلاقي، وساق لنا دليلًا آخر على ذلك، هو أنه شارك إنسانة غريبة حياته، وتجاوز كل المغريات مع سواها لينتصر للحب والوفاء، و ليثبت لنا تعاضده الإنساني بتجاوز حاجز الدين بقراره الزواج من امرأة أندونيسية بوذية وهو الرجل العراقي المسلم، كما أنه لم يخرج عن شرع دينه، فقد طلب منها أن تسلم، و وعد قومه بالزيارة كلما سنحت له الفرصة، وهذا هو دور الساند الأخلاقي في الأدب، لذلك سميّ الأدب عرّاب المجتمع ذرائعيًّا، والنقد عرّاب الأدب. 

الخاتمة:

كنت مقتضبة جدًّا بسبب ضيق الوقت فمررتُ بشكل سطحي على أساسيات تلك الرواية الرائعة لأنها أول رواية أجدها استخدمت العصرنة في الأدب بشكل فني وجمالي، وأتمنى أن أكون قد وفقت بدراستها على هذا الأساس، معتذرة عن أي تقصير.

 ***

دراسة ذرائعية بآلية الاستقطاع للناقدة الذرائعية السورية

د. عبير خالد يحيي

 

جمعة عبد اللهاقتحمت الرواية في المتن السردي، الاحداث والقضايا العاصفة للحقب السياسية المتعاقبة على العراق. في مناقشة الاطروحات والحوارات المطروحة في خضم الصراع السياسي، في البنية العراقية الاجتماعية والسياسية، وفي حساسيات التناكف والخصام السياسي، الذي دلف الى اسلوب العنف المفرط في فناء وابادة الخصم السياسي المعارض . وناقشت المواضيع الحساسة والملتهبة . من اجل الصراع على السلطة والحكم، ومن الذي يتحكم في مصير القرار السياسي . لاشك ان العنف والاضطهاد والمطاردة . تغيرت اساليبها نحو العنف الهمجي المفرط، بعد اسقاط الجمهورية، ومجيء حزب البعث والتيارات القومية الى السلطة، وممارسة السلوك الارهاب، السياسي والفكري، وممارسة القتل والاغتيال، ضد الحزب الشيوعي . واطلاق العنان الى  (الحرس القومي) في ممارسة الاجرام والانتهاك، فقد فتحوا السجون والمعتقلات للحزب الشيوعي والتيار اليساري عموماً . و تناقش ثلاثية محطات (العربانة / كفاح / البياض الدامي) في الاطروحات السياسية والايدلوجية والمواقف السياسية والحزبية، وعرجتعلى نهج وسلوك عمل الحزب الشيوعي عبر نضاله الطويل، وكشفت عن الاخفاقات والانحسارت في قوة الحزب وضعفه، التي شهدت المد والجزر . لاشك ان تجربة الحزب الطويلة . وهو يواجه اشكال مختلفة من العنف والارهاب . صاحبتها اخفاقات مريرة وفادحة في عمل الحزب، كبدته خسائر فادحة لا تعوض، وهو يواجه عدوه السياسي شرس وهمجي . لايعير أية اهمية الى القيم والاخلاق في التعامل السياسي، وانما يسلك سلوك فاشي، بالارهاب والقمع والاضطهاد. عدو متلون كالحرباء في سبيل انتزاع السلطة، وبأية وسيلة كانت، ومنها الركوب بالقطار الامريكي / البريطاني واستلموا الحكم . هذه الاطروحات السياسية التي ناقشتها ثلاثية محطات، بمواقف جريئة، توغلت الى اعماق الواقع العراقي، ووضعت النقاط على التساؤلات الوجيهة والعميقة، في خضم الصراع السياسي الطويل، والسعي الى اغتصاب السلطة بقوة السلاح، مقابل الاخفاقات وضبابية الرؤية السياسية للحزب الشيوعي والقصور والثغرات في الرؤية، من خلال نضاله الطويل، التي كلفته الثمن الباهظ، عبر تاريخه الطويل، تعبد بالدماء والشهداء وفتح السجون والمعتقلات والتشريد والمطاردة القمعية، وصولاً الى مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي، ومجيء الجلود السياسية الحرباء والثعلبية، والتي تتلون وتتغير حسب المناخ السياسي والمصالح والمنافع الضيقة والانانية . طرحت هذه القضايا من صلب الواقع السياسي والاجتماعي . ضمن الحبكة الفنية مقتدرة في تقنياتها، وبلغة السرد المرهفة والمتمكنة من اداءها الفني وصياغتها التعبيرية الدالة . كما وظفت في ابداع مشوق، اللهجة العراقية، في السرد والحوار . في حركته الديناميكية المؤثرة . كما برزت ثلاثية محطات . نضال الطبقة العاملة وكفاحها العسير والجسور، في الحقب السياسية المتعاقبة، وانحازت الى تبني مواقف ونضال الطبقة العاملة في كفاحها الطويل، وامتلكت تأثير الشارع السياسي . وكما عرجت على عامل مهم في الواقع العراقي الاجتماعي، ثيمة الاحتيال والنفاق والخداع للعمائم الدينية المزيفة، والمجندة في الاساليب الشيطانية في خداع البسطاء، في استغلال التأثير الديني وعاطفته عند عامة الناس . وبعد الانقلاب الثاني للبعث، جندهم تحت لواء الاجهزة الامنية . وتصاعد التجنيد الارتزاقاي بعد الحملة الايمانية، التي قادها صدام حسين . مما خلق شريحة كبيرة من رجال العمائم المنافقة، التي لها قابلية  ان تبيع ضميرها واخلاقها، وفق مصالحها الذاتية والانانية الجشعة، بالمكر الثعلبي . وقد زاد علوهم ومقامهم بعد الاحتلال الامريكي، بتغيير جلودهم بسهولة أزاء أغراءات السلطة والمال العام الحرام . وكما قدمت ثلاثية محطات في النص الروائي، نماذج نسوية بصورة ايجابية مشرقة، بأن المرأة لا تقل مكانة ومنزلة عن الرجل، وفي الوفاء والجدارة والمسؤولية . وهي:

1- أحلام (زوجة كفاح) استاذة جامعية في الادب والنقد . بعد اختفاء زوجها (كفاح) الاستاذ الجامعي والاديب البارز، ليتجنب الاعتقال والسجن، بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي . ظلت وفية الى زوجها رغم الارهاب والملاحقة، وحين عجزت الاجهزة الامنية في اخضاعها في معرفة مكان اختفاء زوجها، سجنت وعذبت، ثم اعدمت وهي حامل . لانها رفضت التجنيد في حزب البعث .

2 - مليحة . الانسانة الحزبية التي ظلت وفية بكل جدارة الى زوجها الشيوعي الشهيد، بروح التفاني والتضحية في العمل الحزبي، في مجال الطباعة السرية لمنشورات الحزب الشيوعي .

3 - حياة (زوجة مظلوم): ظلت تشد ازر زوجها بالعزيمة والحب والوفاء، وتحملت المعاناة والجور والفقر . وكانت تأخذ دور معيل العائلة، اثناء غياب زوجها . فكانت عنوان الحب والوفاء .

4 - سعيده: الفلاحة البسيطة التي عشقت بحب واشتياق وهيام، حبيبها (ناطور) الفلاح الشيوعي . الذي رفض الانتماء الى حزب البعث، وتم ارساله الى جبهة الحرب ضد ايران، من اجل التفرد والافتراس بها، واجبارها على الزواج بالارهاب والقسر، من سيء السمعة (حاشوش) ابن السركل، الذي هربت عائلته بعد سقوط الملكية، خوفاً من انتقام الاهالي، فكان والده مجرم وحرامي معروف لعامة الناس، لذا وجد في حزب البعث ضالته، ليطارد الناس ويتحرش في بناتهم، وكان يقوم بدور (القواد) يجلب النساء للمتعة الجنسية لعناصر الجيش الشعبي، لكي يتسلق على والمنصب والنفوذ، وكانت عاهرته (مريودة) تنتقل بين احضان الرفاق . لذا رفضت (سعيده) بالزواج منه، وطردته هي تلاحقه بالزجر والشتائم . وبعد مقتل حبيبها (ناطور) في جبهة الحرب، اصابها الجنون،ووفاءاً الى حبيبها، تطوعت في المعارضة المسلحة في الاهوار .

وكذلك تناولت نماذج نسوية اخرى، من زاوية الاطار الاجتماعي .

1 - غنيده: الغجرية، رغم انها سلعة او متعة جنسية تدور بين احضان الرجال . لكن في اعماق روحها، توجد عاطفة انساية رقيقة وشفافة، وخاصة بعد مقتل عشيقها من قبل الاقطاعي . ورغم انها بعد المضاجعة الجنسية مع (مظلوم) وسرقة رزقه اليومي . لكن وقفت بتقديم العون والمساعدة، وساعدت في اطلاق سراحه من السجن .

غزيلة: الانسانة الشغيلة بعواطفها وانشغالها بالهم، في البحث عن رجل ترتبط به بالحب والوفاء، لينتهي بالزواج، يأست من العلاقة من (مظلوم) لانه له مشاغل عنها، لكثير من الظروف والاسباب ومنها، بأنه مرتبط بالحب والاحترام الى زوجته الوفية (الحياة) وحققت اخيراً املها، في ايجاد ابن حلال لتتزوج منه، وهي سعيدة في عشرتها الزوجية .

رغم ان اسلوبية النص الروائي في ثلاثية محطات (العربانة / كفاح / البياض الدامي) . انتهجت اسلوبية الواقعية النقدية، في انتقادها الاخطاء السياسية الفادحة في الصراع السياسي، لكنها جسدت بموضوعية نضال الطبقة العاملة وحزبها السياسي . وابرزت محطات كفاح الطبقة العاملة، في نضالها السياسي، الشرس والدامي . بذلك ان اسلوبيتها المنهجية في الفن الروائي، اقتربت من ضفاف الواقعية الاشتراكية، في ابراز المعالم الاساسية في كفاح الطبقة العاملة، عبر الحقب التي تعاقبت على تاريخ العراق .

احداث المتن السردي للراوية:

- أنقلاب (عبدالسلام عارف) على شركاءه الامس في الحكم (حزب البعث) في اقصائهم من السلطة . وحل الحرس القومي، واختفاءه من الشوارع والساحات، قوبل بنوع من الانفراج والارتياح، وتنفس الناس الصعداء من مضايقات وارهاب الحرس القومي، الذي كان جاثماً على الصدور، بالقمع والارهاب، فكان بمثابة الكابوس الذي يفزع ويرعب الناس، من كثرة الجرائم والانتهاكات الهمجية البشعة التي يرتكبها بدم بارد . فكان الشرطي وجهاز الامن للبعث، بأن يملك الحرية المطلقة، بشن حملات الاعتقال والسجن والتعذيب في اسلوب فاشي صرف، وفرض الفدية المالية على الناس  .

اما على صعيد ظروف (مظلوم) فقد وجد عملا ً، كفلاح في احدى البساتين في منطقة (الكاظمية) وكذلك ك (حدقجي) في البيوت . ويواصل المطالعة والقراءة بنهم وشوق واشتياق .

وعلى الصعيد السياسي، سمحت كوة الانفراج الصغيرة، في لملمة جراح الحزب العميقة، واعادة الصلة بالمنظمات المنقطعة، واعادة الصلة بعناصر الحزب، التي تعرضت للاعتقال والنفي والتشريد والاختفاء القسري . وطالب الحزب الشيوعي في اطلاق سراح السجناء، والكف عن الارهاب السياسي والفكري . ومن خلال هذه الاجواء تصاعدت بعض الدعوات من تنظيم الحزب، تطالب في اندماج الحزب الشيوعي، في اتحاد الاشتراكي العربي، مما أثار اعتراضاً قوياً من قبل القيادات وقواعد الحزب . وعلى اثر تحسين الحالة المعيشية المستقرة، جلب (مظلوم) زوجته لتعيش معه في بغداد . ويخبره الطبيب بأنه مصاب بمرض السكر .

اخذت تطورات السياسية في منحى اخر للحزب اكثر جسامة وخسارة، فقد تعرض الى الانشقاق في التنظيم، اذ انشطر الى قسمين . قسم يتبع اللجنة المركزية بقيادة (عزيز محمد) والقسم اخر يتبع القيادة المركزية بقيادة (عزيز الحاج) وقد بدأ التناحر بين الطرفين (وقد بدأ كل من الطرفين، يشن هجوماً اعلامياً ودعائياً ضد الطرف الاخر . مما يسبب المزيد من المرارة ل (مظلوم) الذي اعتزل الطرفين) ص87 . وكذلك اجهاض عمل الكفاح المسلح في الاهوار، بقيادة المهندس (خالد أحمد زكي) الذي ترك حياة لندن، وتوجه الى الاهوار، ليواصل مهمته الثورية . وكذلك فشل ايضاً الكفاح المسلح، بقيادة (عزيز الحاج) فقد ظهر على شاشة التلفاز بعد انقلاب البعث الثاني، يمدح ويثمن دور حزب البعث، وكشف خلاياه التنظيمه واسماء وعناوين رفاقه . وبعد ذلك انبثقت الجبهة الوطنية بين حزب البعث والحزب الشيوعي . التي دشنت مرحلة الارهاب والاغتيال السياسي، التي طالت بعض القياديين البارزين في الحزب الشيوعي . والايحاء الرمزي في تعابيره البليغة في النص الروائي، في يوم توقيع على ميثاق الجبهة الوطنية . توفي (مظلوم) يعني تدشين مرحلة الموت والخراب في عواقبها الوخيمة على العراق . وقد اوصى (مظلوم) في وصية الوفاة . بأن يدفن ويشيع بشكل بسيط جداً الى القبر . وان يوضع التابوت داخل السيارة، وليس ربطه على سقف السيارة كما تربط الاثاث والحيوانات . وهذا موقف حضاري عند الشعوب المتحضرة، التي تحترم مقام المتوفي، ان يوضع داخل السيارة مع اكليل من الزهور .

 وتاخذ التطورات في هرم سلطة البعث، في ازاحة (احمد حسن البكر) وتولي (صدام حسين) رئاسة الجمهورية، التي دشنها بالقيام بحمامات الاعدامات لرفاقه في القيادة، ثم تطورت الامور الى المنحى الخطير، بشن الحرب ضد ايران . ثم يدشن الحملة الايمانية، بتجنيد بعض مرتزقته، في تبديل الزي الزيتوني . بزي العباءة والعمامة الشيطانية وتطويل اللحى، ووضع طمغة الباذنجان في الجبين، للاحتيال والتجسس . مثل شخصية (حاشوش) الذي يملك تاريخ اسود، اجرامي وحرامي محترف . في مهمة اصطياد المعارضة وخداع الناس بالدور الثعلبي الجديد، . ولكن من مصائب الزمن الاسود، ان يظهر (حاشوش) وعاهرته (مريودة) ضمن شخصيات مجلس الحكم بقيادة برايمر . في مجلس الحكم الانتقالي، يعني رمزية الحدث بوصول هذه الحثالة الى اعلى هرم السلطة، ترمز الى ان المرحلة، ستكون مرحلة العهر والدعارة السياسية، في سوق النخاسة الرخيصة  . وينتهي النص الروائي، في مقتل (كفاح) ضحية في احدى التفجيرات الدموية .

جمعة عبدالله

 

خالد جودة احمدتتضافر مجموعة النصوص الموازية في ديوان "ورا الشاشة" للشاعر "أيمن عبدة"، لتحقيق تواصل القراء مع الكتاب الإبداعي، إضافة للعنوان الرئيس، حيث الغلاف الممثل للحائط الآيل للسقوط، دال الواقع المكسور، يقبع خلف شاشة لا تبين يكتنفها الغموض وعدم وضوح رؤية، أو تعبير عن حال مستخدم ورا الشاشة محجوب عنه رؤية منصفة فكان التشويش الذي ظهر للقراء كعتبة تعبيرية صادقة.

وجاء المتن الإبداعي مؤيدًا لعتباته الأولي، فالإهداء يحمل ثيمات "المستقبل" ومحنة الجيل الشاب في مواجهة الجيل الكسول الذي أستساغ الهزيمة وسوغها، (وبتكلمني عن بكرة)، وعن حضور فكرة الإبداع ذاته وحضوره بنية إبداعية، والوسائط الحديثة (وعن ألغاز "ورا الشاشة" / وبتحملها في (فلاشة))، ثم يدفع تمامًا بالقصدية، حيث الوطن وقت محنته ينادي مستغيثًا، فيجيب الإبداع بالكتاب الشعري. (وبتكلمني عن صوتها / في وقت الشدة بتنادي / ما بين الشط والتاني / بقول لبيك يا بلادي)

كانت الرحلة عبر العنوان وأصدقائه من عتبات موازية، تشكل التأطير للمنجز الشعري، حيث السخاء بالصورة الشعرية المركبة، وممكنات التأويل بين السطور، فجاءت عدد من قصائد الديوان أوعية فلسفية، تطرح فكرًا مضفرًا بالمجاز الشعري.

ويصدح صوت الجرح بتداول مفردة "السكات" وتنويعاتها بالمتن الشعري، بحيث لا تكاد تخلو قصيدة منها، (والحق حابسينه ف تابوت / والقاضي يحكم بالسكات) ص 123، (اتفضل اشرب قهوتك / واحكم عليها بالسكات) ص 99، (مولود علي قيد الممات / مستني دورك في الحياة / بتصحي روحك بالسكات) ص 100، ويأتي أحيانًا بمعني الغياب والإختباء: (لجل ما نشوفش الشعاع المستخبي) ص 9، أو محنة التعبير والقول المذبوح: (وآه من آه متتقالشي) ص 71، (وتبلع صوتك المكتوم علي غمك) ص 53، (بيلفوا حبل المشنقة / حوالين مشاعرك) ص 100، (مش كل الوجع مسموع) ص 49، ويصل الأمر إلى حد الموت: (وتلبس نعشك المفرود علي جرحك / وتدفن روحك المصدومة في حكاية / وتقرا الفاتحة علي فرحك) ص 29

ويأتي صوت الجرح صاخبًا من معطي طمس الهوية، ونحر الأمل، وتفعيل القسر، وتجريف صوت الحلم، وتأسيس القولبة: (تشبه الدنيا اللي ليهم / يطمسوا فينا الملامح) ص 10، (.. كانوا بيسدوا الشوارع والأماكن والحارات / لجل ما نشوفش الشعاع المستخبي / لجل ما نعلقش توبنا في شمس بكرة)، (سمعونا حلم صوته أرضه بايرة من زامان) ص 10، حيث الحجب صورة من سكات الحقائق، فلائحة الممنوع منوعة منها: (أو نشوف الضي طارح جوه دقات الساعات) ص 9، وتبين الذات الشاعرة في قصيدة (حر لكن) عن تلك الحرية الموهومة، حيث أنها مشروطة بالعيش الذليل في جلباب جيل الهزيمة: (لبسونا توب زمانهم لجل ما يعيش الكيان) ص 10.

ويحضر بالقاموس الشعري مفردات وسائط الحداثة، ومعطي التكنولوجيا المغيبة للوعي، حيث زيف التواصل الإنساني الفقير، وحيث سكات وردة الجرح عبر حياة افتراضية مسكرة بالوهم، وجاءت قصيدة العنوان "ورا الشاشة" محورية لمنح هذا المعني: (ورا الشاشة / و (بوست) عريض / وكام نعبير وكام يشعر / بنتداري في وسط العالم المكبوت) ص 21، والمفردات كثيفة (شاشات الفضاء / فلاشة / بوست / إنبوكس / سيلفي / إنستجرام / مسدج / إيموشن)، ليعلن عن الهوية الالية الضبابية، والوردة البلاستيكية بلا رائحة: (ورا الشاشة بتتأفلم كتير أفلام / ورا الشاشة بتتفاجئ علي الأوهام / ورا الشاشة تعيش الدور ومش دورك) ص 22

كان صوت الجرح نابهًا عندما انتدب الشعر ليصرخ بصوته، ويعبر عن كيانه، فكانت فكرة التعبير، وحضور التشكيل الإبداعي صورة ومتنًا في رحاب الديوان، بمعني أن معلقات خاصة بالكتب الإبداعية لم تصبح فقط معينة لفهم المتن الإبداعي وتفسيره والتواصل مع مكنونه، بل تصبح هي ذاتها المتن، أي جعل العتبات المساعدة شخصيات رئيسة في الكتاب الشعري: (ف الطبيعي إن المشاعر / تبقي خايفة م البداية ... والطبيعي وعادي جدًا / نقرأ الإهداء نهاية) ص 9 "بتصرف"، وفي نص (آخر صفحة في كتابك) تشرح الذات الشاعرة أزمة القراءة والتفسير في عاطفة الحبيب: (وأنا الشوق اللي بات مشتاق لإحساسك / أنا النبض اللي كان بيدق أنفاسك / بقيت آخر رقم ليكي / في آخر صفحة في كتابك!!! / دا أنا اللي كتبت العنوان علي صدري / وأول قايمة الإهداء / وأول بيت / في أول صفحة كنتي إنتي / ف ليه بتقريني بالمقلوب!؟) ص 12 و 13.

ورغم سجن صوت الجرح تسعي الذات الشاعرة لتحريره وبثه موجة ثورية من خلال فعل وإرادة تغيير، فنجد إدانة الخوف المستدام: (.. فتخاف تحب وتنجرح / وتخاف من الشمس الدفا) ص 26، (وانت اللي رافض رغم صوتك في المدا / إنك تعيش) ص 27، ونجد الممكن الشعري في قصيدة البوح (فضفضة) حيث النفس (محتاجة زخات المطر) ص 35، وحيث حديث الشعر للتحفيز للفعل: (تاخد بإيدها للبراح / يمكن تطمن قلبها / علي حرف ضايع منها جوه الحواري المرعبة / واطلع بحلمك فوق جبال الممكنات) ص 36، (ويحضن جرحه ويعافر) ص 45، وحيث الطب بالفن: (ومشاعر في نص الليل / في الواقع ريحيتها تفوح) ص 50، وحيث وقت القرار المنتظر: (وقت القرار المنتظر / هتعيد غناوي سمعتها / وتلف روحك بالنهار) ص 88

ويعتمر الديوان الشعري بعدد كبير من القصائد (46 قصيدة)، ويبدو أن الشاعر أراد أن يقدم جوانب كثيفة من تجاربه الشعرية فأتت بعض القصائد من أزمنة تدوين مختلفة، ولم نعثر علي تواريخ التأليف بحيث تعين كمؤشر نقدي، لذلك نجد القصيدة الرومانسية الذاتية، أو محاولات التجريب، ففي قصيدة طريفة موسومة (قلب الشارع) نجد كاميرا طوافة تقدم مشهدًا يمارس تحذيرًا من فقدان عذرية المشاعر، حيث الجميع يحيا في جزر منعزلة، ويحدو النص في تقديم جغرافيا المشاعر المعزولة تناصًا يختبئ في الغناء "بافكر في اللي ناسيني / وأنسي اللي فاكرني"، حيث أربعة شخصيات يحب كل منها آخر لا يحبه ويحب آخر وهكذا (الواد الساكن قلب الشارع / البت الساكنة السابع / البنت الساكنة الرابع / الواد الواقف دايما في البلكونة).

ويظهر أمر التنويع والتباين بين القصائد أيضًا من خلال ترتيب القصائد، فقصيدة (بطلت اكتب) كان مكانها الطبيعي للمبني الذي يوافق المعني ويؤازره أن تكون القصيدة الأخيرة لتعبر عن دوال الديوان الكلية المنتجة في إهاب "السكات " ومرارته، والقصيدة طريفة قائمة علي تشظي التعبير ذاته، تم عبر مسرحة القصيدة عبر حوار يدفع بحدث درامي مثير عبر النزاع بين الحرف والكلمة، بين وحدة التكوين "الحرف" ووعاء التعبير "الكلمة": (يقول الحرف للكلمة / أنا نبضك / انا الدم اللي في عروقك / أنا كلك) ص 105، فتثور الكلمة: (ترد الكلمة وتقوله / نسيت نفسك / دا انا الأرض اللي في مرايتي / تشوف رسمك .. يا حرف دا انت من غيري / تعيش وحدك) ص 106 "بتصرف"، ويتواصل الحجاج: (يقول الحرف يا كلمة / دا انا دراعك / بطبب جرحك الساكن / في أوجاعك .. دا يا كلمة زراعك وصناعك) ص 106 و 107 "بتصرف"، وترد الكلمة: (دا النبع اللي كان يدي / سنين قحطك / أنا يا حرف فسرتك / ووضحتك) ص 107، وتختنك القصيدة بأفق مفتوح كنت أرجو أن يكون خاتمة للديوان بطرح مجموعة من الأسئلة حول معاناة الذات الشاعرة: (لمين الفضل يا أهل الله / على التاني؟ / ومين عايش عشان غيره / ومين جاني؟ / وليه أكتب / ما دام الحرف بيعاني / وليه الكلمة وسط اللحن وجعاني؟) ص 108.

 

خالد جودة أحمد

 

 

رحيم الغرباويمن مجموعتها الشعرية (غيوم الشوق لم تمطر).

الشعر هو ظمأ واقع وأنين قلب ووجع تجربة في أحيان كثيرة، ذلك ما يجعل ولادة الشعر حتمية لدى الشاعر، كما أنَّ كلمات النص هي كثيرا ما تعبر عما هو مثال لدواخله، أي تعبر عن أمانٍ مفقود يحاول الشاعر امتلاكه من خلال بوحه  للنص، لذا يجعله يكتب، ليوائم بين ما هو مفقود وما هو مترع في المخيلة، فحينما ينتج الشاعر نصه يعيش لحظة الامتلاء والشغف بمتعة تكاد يتوازن فيها ما عاش في لحظة الكتابة أمام معاناة الفقد، فالنص وهو يولد يمثل اكتساب الشاعر بقدر ما فقد، لذا نتلمس الشعر بوصفه لا كما العلم، فالعلم عند العلماء لا فاصل بينه وبين  الأشياء، وهو ما أكده العالم الفيزيائي ارنست ماخ بقوله : " ليس هناك من فاصل بين القضايا النفسية والقضايا المادية، لأنه ليس هناك شيء اسمه داخلي، وآخر اسمه خارجي كل الأشياء من صنف واحد واللحظة التي نراقب فيها هذه الأشياء هي التي تحدد كونها خارجية أو داخلية " (1)، وباستطاعتنا نقول: أن الشعر والعلم عالمان لهما منهجان متباينان ويعبران بلغتين مختلفتين وبرؤيتين مختلفتين، وإنْ كان كلاهما علمين يبحثان عن الحقيقة، وذلك بقدر نفاذهم في المجهول (2) .

ويبدو أنَّ الشاعرة الجزائرية مونيه لخذاري واحدة من الشاعرات اللاتي حملت إزميلها، لتعبِّر عن معاناتها تجاه قضاياها، فنراها تملأ فراغاتها وتحاول أن تسقط اتراحها عن كاهلها وتزيح همومها وقلقها بنص نثري تجعله في ما اصطلح عليه النقاد معادلاً موضوعياً لتلك الهموم الداخلية بما هو ضدها أو حتى الطموحات غير المتحققة لها، وهي تعيش متعة إنتاج النص، فقد نجح خيالها في تحقيق رغباتها بدلاً من تعثرها أو انكسارها أمام طموحاتها، ففي قصيدتها (أحتاج لأشتاقك) نستشعرها تحاول أن تتلون داخل النص، لتجد موئلاً للسعادة من خلال بنائها الفني بلذة الرصف والتصوير، فضلا عن ذلك استذكارها للحبيب بدلا من أسى الفقدان وهكذا أغلب الشعراء يعيشون متعة الكتابة التي يمنحها لهم فيض الألم ! فالشاعر لايشتكي بقدر ما يعوض عما يعتمله من تباريح الجوى، فيعيش لحظات جميلة تطرب لها النفوس ويهتز لها الوجدان، فنجدها تقول:

كيف شوقك يتسلق قلبي

والوجع غابات متلاحمة؟

أحتاج أن أتنفس بعيداً

عن فروعك

أن أعرف لذة جذور غربتي

أحتاج أحدنا أن يكون سماءً والآخر أرضاً

في المسافات

أشتاقك وأركض إليك

أنْ أعرف أنوثتي

وملامح تخصني

مواطن أعرف حدودها

متى تبدأ ومتى تنتهي  ص18

فهي تنفي شوقها للحبيب، لما تستشعره من آلآم وأحزان، فتشبِّه فرط وجعها  بالغابات المتلاحمة والحبيب بفروع تلك الأوجاع، إذ تومئ إلى الأوجاع التي دهمتها هي من فعل الحبيب الذي صار جرمه غابات ممتدة، ملأت قلبها المنهك الحزين، لكنها مع ذلك ترسم لنا بصورٍ مركبة الابتعاد هنيهات عنه، فهي التائهة المعذبة بحاجة إلى أن تكون بعيدة عن تلك الهموم والأتراح، فتقول: (أحتاج أن أتنفس بعيداً عن فروعك، أن أعرف لذة جذور غربتي، أنْ أعرف أنوثتي، وملامح تخصني ...) كل ذلك يمثل جذوة اشتعال ومحطات استراحة، لتتفحص ما ينتابها من لذة وطعم خاص أمام هجران الحبيب، فالتنفس بعيداً ومعرفة جذور لذتها وأنوثتها والملامح الجميلة التي تخصها، فهي الباحثة عن مواطن تسكنها وتتربع عرشها بعدما عاشت الحيرة التي ما انفكت تتراكم عليها حسرات، لذلك نجد مناداتها تمثل اسقاطات لأحزانها، من أجل التخلص من تباريح أساها الذي تنثُّه تلك الكلمات .

ثم تقول :

أنْ أعدَّ بدون تلعثم

وأقرأ بدون تأتأة

أحتاج أنْ أناديك باسمك

لنبرة مناداتي

أن أقطع من الوريد ظلاماً

حول بصيرتي

غضب ينخر ولادتي منك

أحتاج أنْ أشتاقك

أناديك باسمك

أن يكون أحدنا سماءً، والآخر أرضاً،

لأتذكر من أنت،

وأركض كالأطفال إليك . ص19

 

فهي التي تحتاج إلى أن تناديه باسمه لا لشيء سوى مراجعتها؛ لتتقصِّى نبرتها: هل ما تزال راجفة؟ وهل أنها لاتتلعثم ولا تتأتأ حينما لم تكن في حضرته؟ كأنَّ في ذلك ردود فعل لها، كما أنها بحاجة إلى أن تكون أرضاً والحبيب لها سماء، ليمنحها حباً ودفئاً وحنانا، ولعل أمانيها هي أحلام تعيشها في مخيلتها حين كتابة  النص .

ولفرط ما انتابها من فراق فهي تعيش اغتراباً نفسيا وثقلاً مادياً جعلها لاتتذكر مَن هو؟ وبالوقت ذاته تتمنى الجري إليه كالأطفال كناية عن شدة تعلقها به. كما أنَّ  إحساس الطفولة يمثل النقاء والبراءة، والإنسان دائما يتوق لتلك العوالم الأخاذة .

وفي قصيدتها تماثيل نائمة تتحدث فيها أيضاً عن ألم جارف أحاطها، فهي تقول:

لم يبق منك سوى ظلٍّ

نام تحت سقف النسيان

وجدران مقبرة مهجورة

قبورها تماثيل نائمة فوق الجثث

تنبت الروح فيها

تفتح عينيها خلسةً ولاتقوم

تتنفس في الظلام

تختبئ خلف الذكرى

وتفتِّش عن يقين الماضي

توزِّع الصمت والاطمئنان

وتقطف ثرثرةً عالقة

طوابع مخبَّأة تتنكر الهجران . ص29

وهنا تزيد من حسراتها حسرات  وهي تتأرجح في استعاراتها (سقف النسيان، تماثيل نائمة، تنبت الروح فيها، توزع الصمت، تقطف ثرثرة)؛ لتلون جسد قصيدتها بصور طريفة، وأنَّ أغلب سطور النص ينبض بالضياع والنسيان والاضطراب الروحي الذي لايمكن دحضه طالما الغائب ليس له من عودة يحيي رميم الساكنين في قبور مهجورة، لكنها على الرغم من ذلك (تختبئ خلف الذكرى، تفتش عن يقين الماضي، كما أنها توزع الصمت والاطمئنان، وعندها  طوابع مخبَّأة تتنكر الهجران)، ما يجعلها تعيش لحظات الدعة والطمأنينة والهدوء لما تستشعره في لحظات الصدِّ عما يعتملها، لتعيش بما يغيثها من استذكار نوبات الماضي الجميل، وهي تبوح بمعاناتها .

ومن هذا يمكن القول أنَّ الشاعرة مونية لخذاري قد حققت كما الشاعرات من خلال نصها متعة الموازنة بين ما تفتقده وما تعيشه من متعة روحية أثناء الكتابة، لتعلن انتصارها على واقعها المأزوم، وكلا المتعة والتأزم يمثلان شعورين خارج النص، لكن فعل الكتابة هو من أضاء ما في داخله من أسىً ولوعة (تأزُّم) بينما لحظة الكتابة هي من منحتْ شاعرتنا متعة التغلب على الشعور بالأسى واللوعة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.....................

(1) الوعي الجمالي، د. هيلا شهيد : 111

(2) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي : 90

 

 

خالد جواد شبيللم اسمع بهذا الشاعر من قبل، إلا عن طريق مجلة العربي الكويتية، يوم كتبت عنه الأستاذة سعدية مفرح (*) عام 2001 وقبلها ما كتب عنه بالمجلة ذاتها الأستاذان يعقوب السبيعي ومحمد عبد الله (**) في مقالة مشتركة عام 1992، فهو شاعر بارز بين عدد جد قليل ممن أنجبتهم الكويت من شعراء..

 هذا شاعر موهوب لكنه سيء الحظ، عاش ورحل في زمان ومكان غريبين عليه وهو غريب ومستلب فيهما..عاش في جدب موحش وفقر ثقافي، وفي مجتمع متخلف محافظ الى حد التزمت، مثقل بعادات وتقاليد بالية لا ترحم.. وفي ظل هذه الظروف تفجرت شاعريته التي تنم عن ذكاء ثاقب وإحساس مرهف، وكانت شموعه في هذا الظلام الحالك هو ما يطالع من كتب نزرة ومجلات عربية تصدر في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق يتنسم فيها طعم الحرية ويتقوى بها في تمرده على المجتمع الذي يعيش فيه كياناً منفصلاً عنه وجداناً وشعورا، فتفجرت قريحته بشعر صادق هو مرآة نفسه الثائرة المتمردة الرافضة لعقد اجتماعي وأعراف لم يخترها وإنما فرضها عليه قدرٌ ضالٌ فرضا..هو لم يشهد من نعيم الكويت البترولي ولا من تجددها وتمدنها شيئاً بل شهد جحيمها في بلاد مصحرة مقفرة يغلب عليها طابع البداوة..

إذن؛ نحن أمام شاعر رائد من الكويت، وما أندر شعراء الكويت وما "أبخس" البضاعة حين تكون من شاعر ثائر متمرد لا يراعي عُرفاً ولا يعبه بتقاليد ثقيلة كأنها قيود رصاصية!

 ولد الشاعر فهد العسكر الظفيري في مدينة الكويت عام 1917 أو قبلها بعامين أوثلاثة لعائلة دينية محافظة، ربها يعمل إماماً لأحد المساجد ومعلّم لقراءة القرآن فيه، وتعلم الصبي فهد قراءة القرآن على يدي والده، ثم التحق بأحد الكتاتيب ليتعلم القراءة والكتابة، ويلتحق بالمدرسة الرسمية ويتخرج منها عام 1930وزاد عليها في المدرسة المباركية سنوات قليلة، وكان طفلاً شديد التدين، يصحبه والده للمسجد غدوّا ورواحا لأداء الصلوات..

ولما شبّ عن الطوق بدأ يجرب كتابة الشعر وبرز به في بلد لم يجد له فيه منافساً إثر ماتحصل عليه من خزين أدبي من مطالعاته النهمة.. وضاق بالكويت ذرعاً وضاقت به هي الأخرى أشد الضيق، فأرسل للملك السعودي عبد العزيز بن سعود عن طريق ممثله في الكويت قصيدة يمتدحه فيها، فدُعي الى الرياض ليُعيَن كاتباً في ديوان ابن الملك، محمد بن عبد العزيز في جنوب المملكة قرب اليمن، فضاقت السعودية على سعتها في عينيه، والتمس من الملك أن يعود من حيث أتى إلى الكويت، فأذن له!

وزار العراق وتحديداً البصرة يوم كانت ترفد الكويت بما يحتاج من مواد غذائية وماء وكذلك ما يصلها من كتب ومجلات شكلت غذاء فكرياً وروحياً وأذكت في خاطره الشعري شعلة التمرد على كل ما هو سائد من قيم بالية، وثار على الدين ثورة عارمة .. تسببت له بعزلةٍ ونبذ اجتماعيّ من أقرب المقربين من أهله وعشيره و جل أصدقائه..فله في قصيدة "كفي الملام" وفي قسمها الوطني يفرغ فيها كل همّه في وطن اعتبره سجناً لابن البلد وفردوساً للغريب نقتطف منها ما يأتي:

وطني وما أقسى الحياة – به على الحر الأمينِ

وألذ بين ربوعه - من عيشة كأس المنون

قد كنتَ فردوس الدخيل – وجنة النذل الخؤون

لهفي على الأحرار فيك – وهم بأعماق السجون

ودموعهم مهج وأكباد – ترقرق في العيونِ

ماراع مثل الليث يؤسر – وابن آوى في العرين

والبلبل الغريد يهوي – والغراب على الغصون

وتتسم كباقي شعره في صدق التعبيرعن لوعة غربته في وطنه بلغة منسابة مكثفة وتصوير دقيق لأحاسيسه وأفكاره وحلمه بوطن غير هذا الذي يعيش فيه ولا يملك من حطامه غير الألم والمعاناة والعزلة والشكوى المريرة..

وعاقر الخمر وتمادى فيها الى حد الإدمان.. وطرد من بيت والديه، وأحرق والده كل ما وقع بين يديه من شعر ابنه متهماً أياه بالمروق والكفر وأنه خيّب آماله وأصبح مجلبة للعار.. ولم تعطف عليه سوى أمه الرؤوم الحنون.. التي خصها بقصيدة طافحة بالألم وهي عنوان شعره وأكثرها تعبيراً وأغزرها سرداً شعرياً مكثفاً بانسيابية صافية ونسج رقيق الحاشية، ولعل ما يثير الانتباه أنه لا يكتفي بمعاناته النفسية بل يصف مرض السل الذي يفتك به بأسى بالغ:

كَفّي المَلام وَعلّليني - فالشّكُ أودَى بِاليَقينِ

وَتَناهَبَتْ كَبِدي الشُّجون - فَمَنْ مُجيري مِنْ شُجوني

وَأمَضَّني الدَّاء العَياء فَمَنْ مغيثي؟ مَنْ مُعيني؟

الله يا أمّاه فيَّ ترفّقي لا تعذليني

وتصل الشكوى ذروتها مصحوبة باستعطاف، مبرر حالته شارحاً مرضه لأمه التي بقيت معه ولا حول لها ولا قوة:

أَنا شاعر, أَنا بائِسْ - أنا مُسْتَهام, فاعذُرِيني

أَنا مِنْ حَنيني في جَحيم - آه مِنْ حَرِّ الحَنين

أنا تائِه في غَيْهَبِ - شَبَحِ الرَّدى فيه قَريني

ضاقت بِيَ الدُّنيا دَعيني - أَنْدِبُ الماضي دَعيني

وأنا السجين بعقر داري – فاسمعي شكوى السجين

ضاقت بي الدنيا دعيني – أندب الماضي دعيني

بهزال جسمي باصفراري- بالتجعد بالغضون

أي تناص هذا الذي يبدو بينه وبين الشاعرعلي الشرقي (1890- 1964) في البلبل السجين، حين يقول الشرقي:

وما بلد ضمني سجنه

ولكنه قفص البلبلِ

ترفُّ جناحاه لم يستطع

مطاراً فيفحص بالأرجلِ

لقد أقفلوا باب آماله

فحام على بابه المقفلِ

 وتستمر دوّامة المعاناة حتى في ذكره حبيبته ليلي حين يلوذ بها هي الأخرى بعد والدته مستعطفاً إياها ألا تهجره فلم يبق له أحد يبثه شكواه وبلغ التوسل والاستعطاف ذروته في التكرار البلاغي في "ليلى تعالي" أو حبيبته مضافاً لضمير الشاعر المتكلم "ليلاي" للتحبب والترجّي:

ليلى تعالي زوديني – قبل الممات وودعيني

ليلى تعالي واسمعي – وحي الضمير وحدثيني

ليلاي لا تتمنعي – رحماك بي لا تهجريني

ودعي العتاب إذا التقينا أو ففي رفق ولين

ويستغرق الشاعر في تفاصيل محنته مع الذين ناصبوه العداء وقذفوه بشتى التهم وشوهوا سمعته دون حق ودون وازع من ضمير، ويذكر التهم الباطلة من شذوذ ومُجون وخلاعة ووتصل الى أعلى رتبة وهي التكفير، ويفند هذه التهم الباطلة ويرد كيدها على متهميه ويؤكد أنه أشرف منهم سجيّة وأنقى ضميرا.. ثم يختتمها بتضمين قرآني: لكم دينكم ولي ديني..

وهناك منهم من رماني – بالخلاعة والمُجون

وَتَطاولَ المُتَعصِّبون - وَما كَفَرْت وكَفَّروني

وأنا الأَبِيّ النّفس ذو - الوِجْدانِ والشّرَفِ المَصونِ

اللّه يَشْهدُ لي وما - أنا بِالذّليلِ المُسْتَكينِ

لا دُر دِرهَم فَلو - حُزْتُ النّضار لألّهوني

أو بِعْتُ وُجداني بأَسْواقِ النِّفاقِ لأكْرَموني

أَوْ رُحتُ أحرِقُ في - الدواوين البُخور لأنْصَفوني

يا قَوْمُ كُفّوا دينَكُم - لَكُمْ وَلي يا قَومُ ديني

ومما يلفت النظر في هذه القصيدة التي أعتبرها أهم ما تبقى من شعر الشاعر، أنها تحكي محنة الشاعر وتشرح استلابه وأسباب الاستلاب، وهي مغرقة في التفاصيل التي تُشبه تفاصيل ابن الرومي، كما نجد في السرد التعليل والاستعطاف من محبيه؛ وفيها الشكوى المريرة من جور الزمان و محنته مع المجتمع الذي لا يرحم..وهي طافحة بمعاني الشكوى من ظلم لحق به وتهم باطلة ألصقت به من أناس فارقهم ضميرهم.. وهو يدفع عن نفسه غائلة التهم ويفندها كأحسن ما يكون التفنيد..بلغة شعرية تتسم ببساطة السرد وسلاسته وحسن تسلسله بعيداً عن التعقيد اللغوي والتكلف.. فشعره ينساب، على مجزوء الكامل، والقافية هي النون المكسورة، وهذه قافية سهلة ثرّة، والنونيات عموماً استخدمها كبار الشعراء مثل الجواهري " دجلة الخير" و"جربيني"، وابن زيدون بنونيته الشهيرة، ولسهولة هذه القافية استخدمت في المطولات الدينيه والزهدية مثل نونية ابن القيم ونونية أبي الفتح البستي...

ولا بدّ أن أقول أن قصيدة "كفّي الملام" للشاعر فهد العسكر تذكرني بقصيدة الشاعر هاشم الكعبي الذي يقول فيها:

لو كان في الربع المحيلِ – برءُ العليل من الغليلِ

كفّي أميمة من ملامك – ما المعزي كالثكولِ

وليس في الأمر غرابه فهاشم الكعبي أهوازي ومن شعراء الطف المشهورين، ولطالما تلقى قصائده في المجالس الحسينية في العراق والكويت! والقصيدتان من البحر ذاته مع اختلاف الروي.. ولا يحسن المقارنة بين القصيدتين، فقصيدة الكعبي الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري(ت 1221ه) أمتن لغة وأحكم سبكاً وأحسن بلاغة وتصويراً وأرق وأجزل لفظاَ، والفرق كبير بين تجربة الشاعرين فالكعبي أطول تجربة وأكثر مراناً..وهذا لا يقلل من شاعرنا فهد العسكر قط.

وهذه ثلاثة أبيات من قصيدة أطول بعنوان "ليلة" لم يبق منها الا ثلاثة:

ليلة ذكرياتها ملء ذهني – وهي في ظلمة الأسى قنديلي

ليلة لا كليلة القدر بل خيرٌ وخيرٌ والله من ألف جيل

أنا ديني الهوى ودمعي نبيي – حين أصبو ووحيه إنجيلي

هذه الليلة القصيرة المتوهجة في داخل الشاعر بددت الظلمة وهي لها قدسية الحب التي تُشبه ليلة القد بل خيرمن ألف جيل وإذا أدركنا إن الجيل في حساب الزمن 30 عاما، فاحسبوا كم تكون؟ ثلاثين ألف سنة!! ثم يعلن الشاعر فهد العسكر أن دينه كدين سابقه ابن عربي الذي اتخذ من الحب ديناً وإيمانا!!

ومن خلال إلقاء نظرة متفحصة نجد أن هناك تفاوتاً في المستوى الفني للقصائد من ناحية السبك ومتانة اللغةوالقدرة التعبيرية وحسن التصوير والتراكيب البلاغية.. ففي قصائده الملتاعة على الرغم من التكرار في الفكرة وفي المفردات وبساطة السرد إلا أنها أكثر صدقاً وانسيابية كما مرّ معنا وسيتأكد ذلك في قصائد أخَر، وتفسير ذلك أن القصائد كتبت بمراحل عمرية مختلفة، وأن الشاعر لم يلتزم بدراسة ممنهجة للأدب عموماً والشعر خصوصاً، وإنما اعتمد على التثقيف الذاتي من خلال ما يقرأ في المجلات على الأعم..

ودونكم هذه القصيدة التي تعبر عن حسه القومي والتي يستنهض بها العرب لكي يستفيقوا من سباتهم ويعيدوا مجدهم التليد، ومن الواضح تأثره بقصيدة إبراهيم اليازجي (1847-1906) الذائعة:

تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ – فقد طمى الخطْبُ حتى غاصت الرُّكَبُ

وتبدو قصيدة العسكر لينة الشكل، بسيطة اللغة، خفيفة الوزن، فاترة القافية، ولا تتناسب مع حرارة الموضوع:

يا بني العُرب إنما الضَّعفُ عارٌ – إي وربّي سلوا الشعوب القويّهْ

كم ضعيفٍ بكى ونادى فراحت – لبكاه تقهقه المدفعيه

لغةُ النارِ والحديد هي الفصحى – وحظ الضعيف منها المنيهْ

ها هي الحرب اشعلوها – فرحماك الهي بالأمة العربيه

غيرُنا حقق الأماني وبتنا – لم نحقق لنا ولا أمنيه

فمن الغبن أن نعيش عبيداً – أين ذاك الإباء؟ أين الحميه

وفي قصيدة أخرى وجدانية شاكية مرارة العيش، يتعمق لديه الشعور بالعزلة وهجر الأحبّاء، فيجد بالشمول خير جليس وأنيس، يبثها همومه فتسمع شكواه وتخفف عنه كربته وتشرح مزاجه، وتجعله ينسى همومه ولو الى حين حيث يقول:

لا الروض روضٌ ولا الصهباء صهباءُ – ولا الندامى ميامين أحبّاءُ

شطّ المزار فلا طيفٌ ولا أملٌ - أين الأخلاّء لا عاش الأخلاّء

حوّاء أوذاه من داءٍ تأصل في – قلبي الدوا واستفحل الداء

ومن لواعج شوق قطّعت كبدي – حتى رثى ليَ أعداءٌ ألداء

ومن الواضح أيضاً أن هذه القصيدة تقليدية، تتكر فيها المعاني التي امتلأ فيها ديوان العرب حتى أن العبارات مألوفه ومسموعة من قبيل " لا الدار دار ولا الخلاّن خلاني!" ولله در البهاء زهير " تذللتُ حتى رقّ لي قلبُ حاسدي"، ولكن هذا النوع كان شائع في ثلاثينات وأربعينات وحتى خمسينات القرن الماضي فيها شيء من عقابيله!! ولم تتعزز مرحلة التجديد والتحديث في الشعر بعد، وإنما إرهاصات بطيئة تعقب التغيرات السياسية والاجتماعية الكبيرة تقدماً وانتكاسا!

استفحل المرض على الشاعر وفتك برأتيه فتكاً ونخرها نخراً وساءت حالته النفسية نتيجة العزلة والنبذ الاجتماعي لكن أحاسيسه بقيت مرهفة وقريحته فيّاضة، ولم يعتنِ هو بشعره أو يشذبه لكي يطبعه.. فبقي موزعاً عند أصدقائه أقله أما اكثره الذي احتفظ به في بيته فأطعمه والده للنار دون رحمة!

توفي الشاعر المتمرد الذي لم يتراجع عن آرائه وحيداً في الخامس عشر من آب عام عن أربعة وثلاثين عاما1951، وصلّى عليه مجموعة من شيعة البهرة وإمام جامع من معارف أبيه..

تولى جمع ما تبقى من شعرة صديقه الأديب عبد الله زكريا الأنصاري وكتب شيئاً عن سيرة وطبع في كتاب على حسابه عام 1951..

وكعادة العرب ُينكرون مواهبهم في حياتهم ثم يُكرمونهم بعد مماتهم.. صدر طابع بريدي من دولة الكويت يحمل صورة واسم فهد العسكر، وسمّت وزارة المعارف مدرسة ابتدائية باسمه، وأخرج التلفزيون الكويتي مسلسل بالفصحى يحكي حياته!!

 

خالد جواد شبيل

2ت1/اكتوبر 2018

.............................

(*) سعدية مفرح، فهد العسكر شاعر الكويت في ذكراه الخمسين، مجلة العربي، نوفمبر 2001.

(**) يعقوب السبيعي، د. محمد حسن عبد الله، الشاعر فهد العسكر، العربي، فبراير 1992.

يمكن مراجعة: فهد العسكرحياته وشعره، عبد الله زكريا الأنصاري، ط5 الربعان، الكويت 1997،وهو مجموعة قصائد جمعها صديقه عبد الله زكريا الأنصاري، وهو ليس ديوان..

كما يوجد العديد من قصائد الشاعر فهد العسكر على بعض المواقع يكتنفها كثير من الأخطاء.. مثل ديوان العرب، وأدب وفن...