المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الخاطرة الأدبية.. مع أطلس يبين حدودها الجنسية التي تفصلها عن القصة القصيرة المكثفة وقصيدة النثر

هي جنس أدبي[1] نثري يمتاز بكثرة المحسنات البديعية، من صور واستعارات وكنايات وتشبيه وتشخيص بعمق انزياحي أو رمزي، بمقطوعة أدبية موجزة وقصيرة، يلقيها المتكلم خطيبًا أو ويكتبها نصًا أدبيًا عن قضية أو مسألة محددة،أو ما يخطر بباله من أفكار، قد أعدها الكاتب مسبقًا في زمن قصير دون استطراد أو إطالة أو مداخلة، والخاطرة جنس أدبي كغيرها من الأجناس والفنون الأدبية، تشابه إلى حد كبير أساليب القص القصير أو الرسالة الأدبية أو القصيدة النثرية، إلا أنها تتميز عنهم بأنها غير محددة بموسيقى شعرية داخلية أو بتفعيلة موسيقية، وتخلو من التفصيلات الفنية الخاصة بالبناء الفني للقص، والخاطرة، تعبير غير مقيد عما يجول بخاطر الكاتب بشكل شعوري خاص به، بقالب أدبي بليغ، يكثر فيها التصوير بالكلمات، لكونها انفعال وجداني، وتدفق عاطفي حر، غير مقيد بنهاية، وهذا بائن من اسمها (خاطرة)، أي ذكر بعد النسيان، يكون وليد اللحظة أو الحين بزمن قصير، فهي تكتب عند لحظة حدوث موضوعها أو بعده بقليل، ولا تحتاج لإعداد مسبق، ولا تحتاج لأدلة أو براهين، وقد تتعدد أشكالها ما بين قصر وطول كما يلي :

▪ خاطرة قـصــيرة

▪ خاطرة متوسطة

▪ خاطرة طــويلــة

وكل تلك الأنواع الثلاث تعتمد الأسلوب الأدبي العميق، والمكثف خياليًا بدرجة انزياح عالية، او رمزيًا بأعمدة رمزية مخبوءة بين سطورها .

1456 abeerشكل الخاطرة وموقعها في الأدب:

تتكون الخاطرة من : العنوان -- المقدمة – الموضوع الأساسي – الخاتمة - ولا تعني الخاتمة نهاية الخاطرة .. يشترط أن تكون المقدمة صغيرة الحجم، وأن لا تطغي على جوهر الموضوع الأساسي، وتكون نوعًا من التقديم الأدبي الموجز بصورة جمالية وليس سردية . يحدد الكاتب فيه الموضوع الأساسي، وما يريد أن يكتب، حزنًا أم فرحًا أم عشقًا ... إلخ، وعندما يحدد الموضوع لابد أن يرسم في ذهنه الصور الأدبية والجمالية بكلمات منتقاة باستخدام المحسنات البديعية، التي يتضمنها هذا الإطار، وتحديد الهدف الأساسي بوضوح ليأخذ تسلسلًا منطقيًا أدبيًا في عملية الكتابة، مع اختيار عبارات ذات جمالية بعمق سردي، ثم يختمها متى ما أراد، غير محدد بنهاية مشروطة .... إذًا هي جنس أدبي مختلف، يقع بين المقالة والقص القصير والقصيدة النثرية، كما تحدث عنها السيد قطب في كتابه (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) قائلًا : "هناك نوعان من العمل الأدبي نطلق عليهما لفظ المقالة، وهما يتشابهان في الظاهر ويختلفان في الحقيقة، فأحدهما انفعالية وهي الخاطرة، والأخرى تقريرية وهي المقالة، وتختلف الخاطرة عن المقالة من حيث الحجم بأن الخاطرة مختصرة جدًا وعباراتها قليلة لكنها مركزة." –وذكر الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه) عن فن الخاطرة قائلًا: "وهذا النوع الأدبي يحتاج في الكاتب إلى الذكاء، وقوة الملاحظة، ويقظة الوجدان" .

صفات الخاطرة الأدبية:

1- أنها ذهنية عارضة تحتاج إلى ذكاء وفطنة .

2- يغلب فيها الجانب الوجداني على الجانب الفكري بالإحساس الصادق والعواطف الجياشة .

3- ليس لها مجال أو موضوع محدد .

4- لا تحتاج إلى أدلة وبراهين عقلية أو نقلية .

5- تلائم العصر الذي نعيش فيه .

6- -سهولة التوجيه والفهم لمختلف النزعات والميول والثقافات .

7- لا تلتزم الخاطرة بأسلوب معين : فقد يكون الكاتب جادًا وموضوعـيًا، وقد يكون ساخرًا متهكـمًا. وكثير من الناس يعتقد أن الخاطرة وثيقة تحمل بين طياتها الحزن والكآبة والألم وهذا غير صحيح، بل هي مساحة واسعة للخاطر والمشاعر الصادقة من فرح وحزن وحـب وشوق وفخر وعزة ...إلخ.

خصائص اللغة والأسلوب في الخاطرة:

1- التشويق في العنوان، ويفضل أن يكون مقتبس من سياق الخاطرة، قوي التعبير، عميق المعنى ومؤثر في النفوس .

2- التكامل الفني من بدء وعرض وخاتمة ويسمى موضوعها بالعرض أو المغزى أو الهدف وهو المعنى والروح الحركية التي تشد القارئ وتجذب الانتباه وتحقق خاصية التشويق .

3- الفكرة الواضحة والتوازن في الجمل والألفاظ المترادفة، فمن شروط النجاح أن يكون الأسلوب واضحًا، ومصدره عقلي بالاستعانة بعناصر بلاغية موضحة للمعنى، مع استخدام الطباق والجناس والتورية والتشبيه والتشخيص لتوضيح الفكرة وازديادها عمقًا، وتحقق الوضوح أيضًا في التناسب والتلاؤم لمستوى إدراك القارئ، ويجب أن تكون التراكيب شفافة وسهلة بعيدة عن التعقيد والجفاف.

4- حسن اختيار الألفاظ المناسبة للمعنى والمراد .

5- القدرة على كسب الانسجام والإبداع مع الموضوع والقـرَّاء والزمان .

6- التلاؤم ورشاقة الإيحاء والتصوير الجميل وإحياء المواقف، فعندما تحوي الخاطرة موقف معين يجب على الكاتب أن يجعل في ذهنه تحويل هذا الموقف عبر مرآة الحروف إلى مشهد يجعلنا نشاهده بأعيننا وذلك باستخدام الوصف الدقيق والموجز .

7- الحس الفني الرفيع والصنعة المطبوعة وإسباغ الخيال والتصوير من تعابير مجازية وكنايات، تجعل للخاطرة رونق ونكهة محببة .

8- الاختصار البارع والبعد عن الإطالة والإسهاب .

أنواع الخاطرة:

تتنوع الخاطرة حسب نوع موضوعها في الإطارات التالية:

أ- الخاطرة الرومانسية

وتعنى بما يمر به الإنسان في مواقف الحب لقاء – فراق - خيانة - عتاب - اشتياق ..إلخ .

ب- الخاطرة الإنسانية       

وتعنى بالقيم الإنسانية الجميلة الصداقة - الأخلاق الفاضلة - التضحية – الوطنية ..إلخ .

ج- الخاطرة الوجدانية       

تعنى بوصف الحالة الداخلية للكاتب أو نظرته لشئ ما، وقد تذهب في خيال الكاتب بعيدًا نحو فوضوية وغموض السريالية .

د- الخاطرة الإجتماعية

هي وصف أو نقل لما يمر من مواقف في محيط الكاتب، تختص بمعاني الأسرة – المجتمع -الدولة...إلخ.

أنواع الخاطرة ارتباطًا بموقف وأحاسيس الكاتب:

1- الخاطرة المركبة

وتعنى بنقل الموقف بالوضوح والترابط بين الجمل والمعاني . - تأخذ في بعض الأحيان بعضًا من أسلوب القصة القصيرة . - تقل فيها المحسنات البديعية، والصور البلاغية.

- التنوع في المفردات بين لغة الواقع، وعالم الأحاسيس والخيال.

2- الخاطرة المجردة:

تعنى بنقل أحاسيس الكاتب فقط دون ذكر الموقف مثل الخاطرة الوجدانية.

ومكوناتها- الإبهام والغموض وعدم وضوح المعاني في كثير من مقاطعها. - تكثر فيها المحسنات البديعية.

نصائح لكاتب الخاطرة:

1- اختيار العنوان الموفق للخاطرة، بحيث يعكس موضوعها .

2- تقسيم على شكل فقرات أو وقفات متسلسلة، مثال المقدمة – العرض أو الموضوع- الخاتمة .

3- وضوح الهدف: إذا كانت الخاطرة تحمل هدفًا معينًا، فيجب أن يتضح الهدف سواءً في المقدمة أو الخاتمة، وأن لا تشذ أحداث الخاطرة ومفرداتها عن خدمة الهدف المرجو منها .

4- لغة الخطاب :عندما تكون الخاطرة بلسان الكاتب عليه مراعاة ضمير المتكلم، وعندما تكون تعبيرًا عن الغير يراعى استخدام ضمير الغائب وهكذا.

5- التنويع في مواضيع الخاطرة، مثل الصداقة، العلاقات الاجتماعية، المواضيع الإسلامية وغيرها.

 6- الإيجاز فن يتقنه القليل من الناس، فتعلم الإيجاز، لأن الخاطرة هي فن أدبي موجز بالتكثيف .

 7- تذكر الفرق بين الخاطرة والشعر الحر، وتجنب النزوح للقصيدة النثرية في خاطرتك، أو إلى باقي الأجناس الأدبية المشابهة.

8- الإسقاط الفني: إنزال مجموعة من الرموز داخل النص لتعطي الدلالة على

أشياء من الواقع، تجد الكاتب يستغني عن التصريح بالتلميح، ويكتفي بالإشارة الرمزية عن العبارة .

إشكالية التمييز بين (قصيدة النثر والخاطرة)

لعدم وجود ذكر للخاطرة في كتب الأولين، اجتهد بعض الكتاب بوضع بعض التعريفات لها، يمكن البحث عنها واستلهام خصائصها، لذا تصنف ضمن النصوص النثرية لتشابهها مع المقالة الأدبية، تبعدها عن النص الشعري النثري لعدم احتوائها على موسيقى داخلية، وعن القص المكثف لعدم احتوائها على عناصر القص الفنية من صراع درامي وعقدة وانفراج ونهاية، فهي تعبِّر عن فكرةٍ آنية حرة أو إحساسٍ معين يجول بخاطرِ كاتبها، فيصيغها باعتماده على بعض المحسنات البديعية في هذا النوع من الكتابة، فمن الكتَّاب من يقوم بكتابة نصِّهِ النثري أو الخاطرة، تمامًا كما يكتب قصيدة التفعيلة، أي موزَّعة على أسطر تطول وتقصر بحسب التداعي الشعوري، مع ضبط علامات التنقيط وضبط مواقعها الحقيقية، وكما تراه الشاعرة العراقية نازك الملائكة في هذا الخصوص، من وجوب كتابة النَّص النثري بملءِ السطر، لا تقليدًا للشِّعر الحر والتي تُكتب بتلكَ الطريقة الموزَّعة بناءً على تكرارِ التفعيلات.

 

د. عبير خالد يحيى

لجنة الذرائعية للنشر

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

..................

[1] الموسوعة العربية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4110 المصادف: 2017-12-06 01:23:09