المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

لماذا أحبّ القرّاء شخصية عمّو شوكت في رواية "ساعة بغداد"؟

1258 saatهناك شخصيات عديدة اجترحتها الكاتبة شهد الراوي في رواية "ساعة بغداد" مثل الراوية، ونادية، وبيداء، ومروة، وميّادة، وشروق، وهيفاء، وفاروق، وأحمد، وخليل، والمشعوِّذ، وأسامة، وعادل، وهارون الرشيد وسواها من الشخصيات الأخر التي تظهر على مدار النص الروائي وتتلاشى بين ثناياه لكننا يجب أن نعترف بأنّ القرّاء قد أحبّوا شخصية عمّو شوكت، وتعلقوا بها، وتعاطفوا معها منذ مستهلّ الرواية حتى خاتمتها المفجعة التي انتهت بشَتات العراقيين في المنافي العربية والعالمية. وتجدر الإشارة سلفًا إلى أنّ الحديث عن عمّو شوكت يعني بالضرورة الحديث عن شخصيتين أخريين وهما زوجته باجي نادرة، والكلب الأسود الذي وجده في بيت أم علي في أثناء جزّ العشب وأطلق عليه اسم "برياد" تيمّنًا باسم كلب أليف كان يعيش في بيت جده في قريته التركمانية بمدينة كركوك قبل نصف قرن.

ينتمي عمّو شوكت وزوجته إلى الطبقة الوسطى التي تستهدفها الحروب دائمًا، وتفرّق أبناءها أيدي سبأ. ويستطيع القارئ أن يستدلّ من خلال ذكريات شوكت التي كان يرويها لزوجته أنه عاش طفولته في بغداد أيام الحقبة الملكية، وأنه درس في إعدادية التجارة، وكلية الاقتصاد، ثم تعيّن في البنك المركزي لمدة ربع قرن وظلّ يدقق الملفات المهمة التي تتعلّق بحركة الأموال يوميًا ويوقّعها قبل أن يُحال على التقاعد، ويتفرغ كليًا للاعتناء ببيوت العوائل التي تركت هذه المحلة وهاجرت إلى المنافي البعيدة.

وعلى الرغم من زواجهما لمدة طويلة لم يُرزق عمّو شوكت وباجي نادرة بطفل واحد يملأ بيتهما صخبًا وضجيجًا ولكنهما اعتبرا أطفال المحلة جميعًا أطفالهم، فإذا كان هو يعضّ معاصمهم ويطبع عليها ساعات مدوّرة فإن زوجته كانت تعتذر لهم بلُكنتها الكردية المُحبّبة، وتغمرهم بالعطف والحنان. بكلمات مُقتضبة، لقد أحبّه الصغار والكبار، وأُعجِبوا بأناقته المفرطة، وابتسامته الدائمة، ومشاركته الوجدانية لأفراح الناس وأتراحهم في هذه المحلة التي تُعتبر جزءًا مصغّرًا من العراق الكبير المعروف بتنوع قومياته وأديانه ومذاهبه المتعايشة منذ آلاف السنين.

كلما هاجرت عائلة من المحلّة بسبب الحرب أو الحصار شعرَ عمّو شوكت بالانكسار، وازدادت وحدته، فلم يعد يهتم بأناقته ومظهره الخارجي، والأكثر إيلامًا من ذلك فإنه لم يعد يبتسم للجميع، ويردّ التحية ببرود لم يألفوه من قبل. كما ساهم غياب زوجته بتفاقم عزلته، إذ حملت حقيبتها ذات صباح مُوحش وعادت إلى أهلها في السليمانية من دون سابق إنذار، فأخذ يدّعي بأنها مريضة تارة، وأنها فارقت الحياة تارة أخرى، الأمر الذي أحاط غيابها المفاجئ بغموض مُستحَب سوف ينجلي قبل خاتمة الرواية.

تتميز "ساعة بغداد" بثيمات فرعية كثيرة مثل الصداقة، والحُب، والحرب، والحصار، والسفر، والهجرة، والخيانة الزوجية، والشعوذة، والانتحار، والإرهاب، والمقاومة، والمفخخات وما إلى ذلك لكن الإحساس بالوحدة يخصّ عمو شوكت فقط قبل أن ينتقل إلى الآخرين ويحوّل حياتهم إلى جحيم لا يُطاق. فبعد غياب زوجته، وهجرة بعض العوائل من المحلة دهمته العُزلة، وصار يخشى أن يموت وحيدًا لكن عثوره المفاجئ على الكلب الأسود الذي أسماه برياد سيخفف من وحدته التي بدأت تشتدّ يومًا بعد آخر.

يُعتبر عمّو شوكت شخصية محورية في هذه الرواية لأن يفعِّل ثيماتها الرئيسة والثانوية، إضافة إلى بُعده الرمزي في تمثيل الطبقة الوسطى في العراق، وتذكيره بالمكوّن التركماني، واقترانه بالسيدة الكردية نادرة في إشارة واضحة إلى التعايش بين القوميات، وأكثر من ذلك فهو شخصية متفائلة جدًا تعتقد بأن كل شيء سوف يعود إلى طبيعته السابقة. وعلى الرغم من وجود شخصيات متقاعدة في المحلة إلاّ أن عمّو شوكت هو الإنسان الوحيد الذي يحرس البيوت التي هاجر أهلها، ويشذّب حدائقها، ويسقي أشجارها، وينخرط في البكاء حينما يسرق اللصوص أثاثها كما حصل في بيت أم ريتا وكأنه "يحاول جاهدًا حراسة الماضي من الزوال"، تمامًا كما فعلت بطلات الرواية الثلاث، الراوية ونادية وبيداء اللواتي كتبنَ سجلاً أسمَيْنَهُ "ساعة بغداد - تاريخ المحلة"، فالكتابة تحرس الذاكرة، وتتحدى النسيان، فلاغرابة أن يكون التدوين فعل مقاومة شرسة بحد ذاته.

تدهورت صحة عمّو شوكت، وضعف بصرهُ، وصار يجرجر قدميه بصعوبة بالغة. ومثلما هُجِرت غالبية بيوت المحلة أصبح بيته مهجورًا هو الأخر بعد غياب باجي نادرة، وتحرير البلبل من قفصه، وإخلاء سبيل طائري القبج من أسْرِهما الطويل. صار بيته مُوحشًا، كئيبًا، يعلوه الغُبار مثل بقية بيوت المحلة الدكناء التي تتألم، وتختنق، وتبكي. فصاحبه كما تقول الراوية "مصابٌ بجرح عميق في الروح" لكنه سيعيش كريمًا، ويموت كريمًا، ولولا المسؤولية التي ألقاها على عاتقه في حماية البيوت المهجورة لعاد إلى قريته في مشارف كركوك وأمضى سنواته المتبقية قرب النار الأزلية.

لقد أحبّ القرّاء شخصية عمّو شوكت في سنوات تألقها وتعاطفوا معها في أويقات انطفائها حتى أن الوافدين الجُدد إلى المحلة ظنّوه مجنونًا يرسم بأسنانه الساعات المدوّرة على على أيدي الأطفال. ونتيجة للتبدل المفاجئ في مظهره، وسلوكه، وعزلته اعتقله رجال الأمن لكنهم سرعان ما أخلوا سبيله بعد سبعة أيام حين تفهموا أسباب وحدته، ونكوصه إلى قوقعة الذات الصامتة.

قبل خاتمة الرواية بقليل تعود باجي نادرة التي تزوجت شوكت إبراهيم أوغلو رغم أنف أهلها وذويها متجاوزة الحواجز القومية والجغرافية والاجتماعية لتبثّ الحياة في جسد زوجها، وروحه، ومظهره الخارجي، وتعيده إلى منزلة الرجل الأكثر أناقة في المحلة حيث شمّر عن ساعده قبل أن يغادر مع زوجته إلى الشمال وكتب بالتُركمانية هذه المرّة: "الدار ليست للبيع ولا للإيجار". لأنه يثق تمامًا بأن كل شيء سوف يعود إلى طبيعته الأولى لاغيًا رغبة شريكة حياته في بيع البيت كي تبني بثمنه غرفة واسعة تضم قبريهما على قمة جبل في السليمانية، وأن تكتب على جدران هذه الغرفة قصة حبهما منذ أول يوم التقيا فيه، وصعقهما تيّار الحُب، وسرى في شرايينهما مسرى الدماء حتى آخر يوم في حياتهما ليشهدا للعالم أجمع بأنهما عاشا واحدة من أصدق، وأشجع قصص الحُب في العالم. ومثلما فُجعت المحلة برحيل عمّو شوكت إلى السليمانية بدا برياد وكأنه الخاسر الأوحد الذي جُرِّد من كل أشكال الحماية التي كان يتمتع بها، ولم يبقَ أمامه سوى مواجهة قدره المحتوم.

لم يقتصر حُب القرّاء على عمّو شوكت حسب وإنما امتدّ لزوجته باجي نادرة وكلبه الوفي "برياد" الذي عاملته الروائية وكأنه شخصية مؤنسنة تُجسِّد بأمانه دورها المُناط بها في النسق السردي للنص الروائي. باجي نادرة كردية من السليمانية اقترنت بشوكت رغم معارضة الأهل لهذه الزيجة لكنها لم تتخلَ حتى عن ملابسها الكردية المُبهرجة. وبسبب حُبها لزوجها تركت الوظيفة كي تتفرغ لواجباتها المنزلية. أحبّها أطفال المحلة جميعًا، كما أحبّها القرّاء، لأنها كانت تسرد لهم قصصًا خيالية جميلة مثل قصة مامند الذي خطف حبيبته وهرب إلى قمة الجبل، أو قصة الفلاح الأصمّ وابنه، ثقيل السمع، الذي يريد أن يذهب لحراثة الأرض، أو قصة جوانا التي صنعت تمثالاً من الثلج لحبيبها ماندو الذي تراه في الأحلام فقط، وحينما ذهبت لتجلب له الطعام أشرقت الشمس فذاب من الحُب وأصبح جدولاً.

لابد من معاملة الكلب الأسود كشخصية قائمة بذاتها لأنه يمتلك صفات خرافية تجعله أقرب إلى الأسطورة منه إلى الكلب العادي الذي يقوم بمهمة حراسة البيت. فقد أسماه عمّو شوكت برياد التي تعني بالتُركمانية "ذكرى" تيمنًا باسم الكلب الذي كان يعيش في بيت جدة قبل نصف قرن من هذا التاريخ. يفهم برياد لغة الإشارات، وهناك دلالة مؤكدة لا يطالها الشكّ لكل حركة يقوم بها، فإذا تبوّل على باب أحد الجيران فهذا يعني أنهم يتهيأون للهجرة خارج العراق، وإذا لحس كاحل فتاة فهذا يعني أنها ستتزوج من فارس أحلامها، وإذا عضّ حقيبة تلميذ ذاهب إلى المدرسة فهذا يعني أنه سينجح بتفوق، وإذا تأملّ طويلاً في وجه امرأة عجوز فهذا يعني أنها ستفارق الحياة لا مُحالة. يعرف برياد كل أبناء المحلة ولا ينبح إلاّ على الغرباء الذين يدهمون المحلة من دون سابق إنذار. وحينما ظهر المشعوِذ بلحيته المشذّبة، وهندامه الحسن أخذ يلاطفه، ويتشممه لأنه يعرفه من قبل، وهو نفس الشخص الذي ظهر في خلفية الصورة المُلتقطة لعائلة أم سالي التي عثر عليها شوكت في الطابق الثاني من منزلهم المهجور. أما السرقة التي حدثت لمنزل أم ريتا فلم يكن برياد مسؤولاً عنها لأن شوكت هو الذي دعاه لأن ينام معه في الصالة. وبمرور الزمن بدأ فرياد يخسر شعبيته خصوصًا بعد أن كثر اللصوص، وانتشرت السرقات في المحلة وأخذ يتعرض للضرب، وللإهانة، والإذلال وحينما ضاقت به السبل بعد رحيل عمّو شوكت وباجي نادرة قرر أن يضع حدًا لحياته حيث ذهب إلى الطريق العام ليلاقي مصيره المحتوم دهسًا تحت عجلات شاحنة كبيرة.

ولكي نضع القارئ في الصورة فلابد لنا من اقتباس الثيمة الرئيسة التي توجز الأحداث الروائية برمتها حيث تقول الراوية عن نفسها وعن صديقتها نادية: (أننا وُلِدنا في سنوات الحرب الثماني، وتعارفنا في عاصفة الصحراء، وكبُرنا في سنوات الحصار، وحرب الخليج الثانية، تناوب على طفولتنا بالصواريخ والأسلحة المحرّمة جورج بوش وابنه، بينما تكفل بيل كلينتون والعجوز أولبرايت بتجويعنا، وعندما "نضجنا" كان الجحيم يجلس بانتظارنا). وهي تقصد بالجحيم المنافي القريبة والنائية جدًا بدلالة الفكرة الآتية التي تقول:"قد يذهب الميت إلى الجنة لكن الذي يهاجر من بلده فإن الجحيم يذهب وراءه". وعلى وفق هذه الفكرة فإن باجي نادرة ترمز إلى كردستان قطعًا التي أدارت ظهرها للحكومة المركزية في بغداد عام 1991 وغابت عن المشهد الروائي لكنها سرعان ما عادت إليه أو إلى حضن الوطن عام 2003 بصحبة شوكت إبراهيم أوغلو الذي يؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الأمور ستعود إلى نصابها الصحيح وأن هناك أملاً كبيرًا في العودة إلى بغداد والسكن في ذات المحلة التي تحمل ذكرياته، وتاريخه الشخصي الذي يشكِّل جزءًا أصيلاً من تاريخ العراق. لهذه الأسباب مجتمعة أحبّ القرّاء شخصية عمو شوكت تحديدًا، ومن خلالها تسلل هذا الحُب إلى شخصيتي باجي نادرة، وبرياد الوفيّ، أو الحارس الأمين للطبقة المتوسطة التي لا تنهض من دونها البلدان.

بقي أن نقول إن هذه الرواية المختلفة شكلاً ومضمونًا عن كثير من الروايات العراقية الحديثة قد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البُوكَر للرواية العربية لهذا العام، وهو فوز يستحق أن يفتخر به المثقفون العراقيون، وأن تحتفي به الثقافة العراقية على أقل تقدير.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4207 المصادف: 2018-03-13 02:05:43