المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قصيدة النثر.. في المشهد الثقافي العربي

محمد البندورييعتبر النثر إثراء وتتابع لأفكار ما، فالنثر ينقل فكرة محدودة، ولذلك يطمح لأن يكون واضحا، عكس الشعر الذي ينقل حالة شعورية أو شعرية لذلك. والنثر هو وصفي تقريري ذو غاية معينة محدودة.

- قصيدة النثر

إن قصيدة النثر لم تكن بعيدة عن التواصل مع التراث العربي، بل أفادت منه بمقدار، وحسب د. يوسف حامد جابر (1) ربما كان للمتصوفة التأثير الأكبر على شعراء هذه القصيدة، ذلك أن كثيرا من المتصوفة عبروا بفكرهم وسلوكهم عن سخطهم على مجتمعاتهم، ومعارضتهم للسلطات الدينية والسياسية التي كانت تقوم على توجيه هذه المجتمعات والتحكم بمقدراتها وفرض القيم التي تضمن استمرار سيطرتها، في الوقت الذي لم يكن يسمح لهم بالتدخل لتغيير المفاهيم السائدة، يعبرون عن معاناتهم بما ينسجم وشعورهم تجاه الواقع، هذا الواقع المعبر عنه، كان المتنفس الذي استطاعوا من خلاله المواءمة بين ذواتهم والمثل التي يطمحون إليها بأسلوب قدم رؤيا جديدة للكون والوجود، ودعا لتغيير الواقع المستهلك. وهو أسلوب – حسب يوسف حامد جابر – يشترك مع قصيدة النثر في كونه مكثفا وفي كون تراكيبه تعتمد على الرموز الموحية وعلى الصور والمعاني العميقة الغور، في الوقت الذي تعتبر انعكاسا للتجربة الحياتية، وقد تكون هذه التجربة عند المتصوف أكثر ذاتية، بينما هي عند الشاعر أكثر موضوعية.(2)

ولعل الشاعر أدونيس من أهم شعراء قصيدة النثر الذين تأثروا بالصوفية حسب د. يوسف حامد جابر، إذ نلمس في شعره كثيرا من إشاراتهم، ومردّ ذلك ربما أكثر ما يعود إلى ثقافة أدونيس الأولى واطلاعها على الثقافة الدينية الإسلامية، وتمكنه منها، وبالأخص الصوفية. وقد تغلغلت هذه الثقافة بين ثنيات كتاباته الشعرية والنثرية.(3)

وتعتبر قصيدة النثر ظاهرة فنية، وسوسيوثقافية صاعدة باطراد في المشهد الثقافي العربي. ولتأكيد أحقية وجودها كجنس أدبي تحديدا، تتمثل بكثافة إنتاج مصحوبة بصخب تنظيري يراوح بين السجال والتبشير والتصالح. وهي نتاج صياغة لسانية متداخلة.(4)

وتكاد تجمع الآراء على أن قصيدة النثر العربية قد تأسست عام 1959 في مجلة شعر، وأن بيانا صدر حينها لأدونيس أطلق فيه الترجمة العربية (قصيدة النثر). وقد رسم مشروع قصيدة النثر بالموازاة مع بيان آخر في نفس السنة لأنسي الحاج أطلق فيه مقدمة (لن) أول كتاب شعري اعتمد أصول الشكل الشعري الجديد وجوهر التجربة الشعرية.

وقد ذهب البعض إلى أن البيانين معا لم يشكلا نظرية عربية، إنما كانا أشبه بتلخيص للنظرية التي أعدتها الفرنسية سوزان برنار في كتابها الرائد: " قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا".

وحتى الآن فالشعراء المؤسسون ظلوا مهتمين بتبرير كتابة قصيدة النثر ونظرياتها، ومهتمين باختبار هذه التجربة الجديدة. وقد كان لأدونيس دور في تعريب النظرية، إلا أنه، وهو الأكثر اهتماما بالشأن النظري بسبب اهتماماته بالفكر والفلسفة؛ لم ينقطع إلى وضع نظرية عربية متكاملة للقصيدة الجديدة حسب رأي العديد من الآراء، والتي ترسأ على أن قصيدة النثر العربية بحاجة ماسة إلى نظرية، أو في حاجة إلى السؤال عن خصوصياتها بين قصائد النثر في العالم، أو في حاجة على الأقل لخلاصات نظرية.

وقد فرق أدونيس بين قصيدة النثر في اللغة العربية وبينها في اللغة الفرنسية أو غيرها حين قوله: "إنهما تفترقان بخواص ومزايا يفرضهما بدئيا، فرق اللغة والعمل اللغوي." والافتراق كذلك حول طبيعة الخواص العربية لقصيدة النثر وحول ما تفقده هذه القصيدة، وما تكسبه بالترجمة.

وفي سياق الحديث عن هذه القصيدة، سأل سليمان الحكيم الشاعر أدونيس ضمن حوار معه حول قصيدة النثر، فأجاب أدونيس بأن ليس هناك شيء اسمه: " قصيدة نثر" فالقصيدة شيء.. والنثر شيء آخر.. وقال بأنه كتب نثرا شعريا، والتراث مليء بالنثر الشعري.

ولا شك أن هذه التسمية لما أطلقت، هوجمت هجوما حادا اتخذ طابعا سياسيا سنة 1960. إلا أنها اليوم تكاد تكون الطريقة التعبيرية الغالبة خصوصا لدى الشعراء. ويذهب أدونيس في أكثر من موقف إلى أن الشعر شعر، ولا يجب أن يقرر الشكل في صحة ذلك أو عدمه. ويقول:" في قصيدة النثر، إذن، موسيقى، لكنها ليست موسيقى الخضوع للإيقاعات القديمة، بل هي موسيقى الاستجابة لإيقاع تجاربنا وحياتنا الجديدة، وهو إيقاع تجدد كل لحظة، تتضمن القصيدة الجديدة نثرا أو وزنا.." (5)

ويعترف أدونيس أن قصيدة النثر تحتوي طرقا للتعبير وطرقا لاستخدام اللغة - جوهريا شعرية – وإن كانت غير موزونة.

وأدونيس يمايز بين النثر والشعر(6) ويعتبر أن الصورة من أهم العناصر في القصيدة، وطريقتها في التعبير والدلالة هي التي تحدد نوعيتها.. إنها خالية من الوصف التقريري والتتابع والسببية المباشرة والوضوح المجرد، فمن أهم الخصائص في القصيدة – ولا يهم نوعها – الإثارة والمفاجأة والدهشة.

كما أن أدونيس يعتبر كتابة قصيدة النثر ضرب من الغيب، فيقول:" والشاعر هنا لا ينطلق من فكرة واضحة محددة يعرفها هو نفسه معرفة دقيقة، ذلك أنه لا يخضع في تجربته للموضوع أو الفكرة أو الإديولوجية أو العقل أو المنطق. إن حدسه كرؤيا وفعالية وحركة هو الذي يوجهه ويأخذ بيده."

وهو يرى إمكانية كتابة الشعر بالنثر ضمن شروط معينة فيقول: " كل ابتكار يتضمن إعادة قراءة جديدة له. والمشترك في هذه القراءة هو إمكان الاستغناء في الشكل الموزون عن الكتابة شعرا بالنثر – ضمن بعض الشروط – وهذا الإمكان تمثل أساسيا فيما اصطلح على النثر " وهذا كله مشترك شكلي".

لقد قيل الكثير عن تنظير أدونيس ودراساته التحليلية، وما قدمه لقصيدة النثر، حتى إن أدونيس قد ربط بين الموسيقى الخفية في عمق البحار وقصيدة النثر التي لا تزال محط جدل منذ أكثر من نصف قرن.

 

د. محمد البندوري

..................

1- قضايا الابداع في قصيدة النثر، يوسف حامد جابر، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ص 16

2- نفسه، ص 17

3- نفسه، ص 17

4- ضد الذاكرة، شعرية قصيدة النثر، محمد العباس، المركز الثقافي العربي، ص 23

5- مقدمة الشعر العربي، أدونيس، ص 116

6- زمن الشعر، أدونيس، ص 16

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4271 المصادف: 2018-05-16 07:20:19