المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

المعجم الشعري وبنية التمرد في: (بلاغ رقم:اسكت) لسعد الصالحي

كمال عبدالرحمنمنذ ان انطلقت مقولة (الشعراء مشرعو العصر) أو قبل ذلك بكثير، كان على الشعر أن يأخذ دوره في الحياة، كراصد ومدقق للتأكد من أن كل شيء يسير في مساره الصحيح، وحينما تنحرف العقول المعاقة والافكار المخربة عن جادة الصواب، تنبري القصيدة منتفضة بوجه السياسات الخربة التي تنتج حكومات فاسدة أو العكس صحيح، فتمرد القصيدة حاجة ملحة لتعديل مسار خرب، او سياسة فاسدة، أو فضح الطواطم المعاصرة التي ارتكزت في غيها على جهل العامة والأفواه المكممة الجائعة.

وتعد مجموعة (قصائد عارية) لحسين مردان واحدة من أهم المجموعات التي اطلقت شرارة التمرد الأولى، وشكلت ظاهرة شعرية استوقفت النقاد طويلا، ليس بثورتها وتمردها فحسب، بل ايضا بما صنعت من ضجة كبرى تناولت الجانب الجريء من هذه القصائد، وبما ان الشعر ابن الواقعة اليومية وسليل التأريخ والحضارات، فهو الشاهد والراصد والكاشف والمعالج لكل ثيمات الخطأ التي يرتكبها البغاة والطغاة والجبابرة والمفسدون، سلطة القصيدة هي السوط اللاذع، الذي يزلزل العقول المريضة بالخرافات والعقائد المتهرئة والسياسات المعاقة فكريا وايدلوجيا، من هنا يشكل التمرد في القصيدة عدة محاور، أهمها التمرد على التقليد الشعري، والتمرد على اللغة، والتمرد على الآيدلوجيات والتابوات، فمن شعراء التمرد والاختلاف في العراق موفق محمد الذي اشتهر بتمرده شعريا على التابو السياسي والتابو الديني اعني في بعض جوانب التابو الأخير، وجواد الحطاب من المحرضين على قيام ثورة شعرية كبرى ضد المرضى سياسيا وارباب الفساد والمحتلين الامريكان، ونجد اسماء اخرى اشتغلت بوضوح في صناعة القصيدة الثائرة على الخطأ بانواعه واشكاله، منها شكر حاجم الصالحي ود.احمد جار الله ياسين وسعد الصالحيواحمد مطر وآخرون.

ولا نود الدخول في تفاصيل قصيدة التمرد العربية، ولكن من باب الأنصاف لابد من ذكر اسماء كانت لها صولات وجولات في صناعة النص الشعري المنتفض على سياسة فاسدة أو ايدلوجيا خربة او قرارات تسعى للاضرار بكرامة الأمة وتقرير مصيرها، والاسماء هنا كثيرة بل كثيرة جدا ولكن نقول (أمل دنقل، صلاح عبد الصبور، نزار قباني، البردوني، الفيتوري، وهشام الجخ) وآخرون.

وتمثل نزعة التمرد على الواقع السائد والمألوف شعريا واجتماعيا وسياسيا بالاختلاف في الشعر العربي الحديث عموما وفي الشعر العراقي على نحو خاص، ويعد المشهد الشعري خصبا وتنوعا الى حد كبير بفضائه وعطائه وخصوصيته (1)

ان بنية القصيدة المتمردة، تبنى من مجموعة ضوابط، أهمها شخصية الشاعر ووعيه وثقافته وانسانيته التي تغلب على كل انسانية، والثاني: قدرة الشاعر على توظيف نصوصه الرافضة توظيفا فنيا راقيا، يتناسب مع عظمة الحدث وردود الافعال، والثالث: ينبغي الطرق على الحديد وهو ساخن، والا اية انتفاضة فكرية او ثورية شعرية في استراتيجية (زمكان) غير مناسبة؟، قد تسيء الى قدسية هذا التمرد، وتفشل مساعي القصيدة في بلورة موقف ما لصالح التمرد الجاد والرصين، والرابع: هو التكرار وأدامة الضغط النفساني على الاخر، فلاتنجح ثورة بكلمة واحدة، ولاتقوم انتفاضة باشارة صغيرة، الشعر المتمرد هو الكلام الذي لايشبهه كلام، وهو الكلام الذي يُحرق ولايحترق.

فانْ تعيش في العراق، فمعنى هذا انك تعيش قريبا من جهنم، وانك تضيع بين جزر (الواق واق) وجزر (الواق ويق)، انت هنا معزول في قارة الألم، و (تجري جري الوحوش وحتى رزقك ماتحوش)، العراق بلد لايعرف كنهه وسره أحد حتى ابناؤه العراقيون، ألم بلا أمل، وأحلام لا تنجب الا الكوابيس، لذلك كان على الشاعرسعد الصالحي (وهوينتمي بطريقة ما الى ثلاث منظومات في غاية الأدهاش والتناقض فهولواء في منظومة العسكريتارية، وهو طبيب وايضا أديب شاعروقاص وروائي)، فهو وفق هذه المنظومات الثلاث، قد تأهل فنيا وثقافيا وتقانية للحديث عن ثورة شعرية أجتمعت فيها عناصرالتمرد الشعري الجاد والحقيقي.

ولتكتمل حاسة الرفض، نبدأ بالعتبة العنوانية (بلاغ رقم..اسكت)، فالعتبة تتشكل من عنقود عناوين، فيها (التشكيل التقليدي) و (التشكيل الرقمي) و (تشكيل المفارقة) (2)، ومن هذا المثلث العتباتي تنطلق الشرارة الأولى في تأسيس فكرة أولية عن (لا) حقيقية يدجج بهاالصالحي الشاعر المبدع أفكاره الرافضة لكل مظاهر العوق السياسي، هذاالسياسي المريض بالقبلية والمزاجية والوثنية بمختلف اشكالها، كائن طوطمي (فامباير= مصاص الدماء) يعيش على فضلات الطائفية والأجندة الصفراء والأهداف المريضة، فيجيش الصالحي مفرداته الشعرية، لمحاربة الفساد والظلم والحروب، ويطارد الخطأ حيثما كان واينما حل، قصائده تنبض بالصدق الشعري، العنوان (بلاغ رقم..اسكت)، فيه رفض كبير، وانتفاضة على لعنة الحروب التي تمزق بين أنيابها العراق، فحل الدمار، وابيد الأبرياء، وساد الجزع والجوع حتى لتسمع السياب يصرخ من قبره (ما مرعام والعراق ليس فيه جوع..!)

ولنبدأ أولابالمعجم الشعري، حيث ان مجالات دراسة المعجم الشعري متنوعة وكل مجال بنتائجه، بخاصة وانه يمثل اختيار الالفاظ وترتيبها وفق طريقة خاصة، بحيث تثير معانيها خيالا جماليا، فهو اذن يمثل التميز الذي تفرد به النص الابداعي (3)، فاذا اردنا نحيط باللغة الخاصة لشاعر ما، فلنحاول متابعة معجمه الشعري و (تعد هذه القضية فنية خالصة، وهي مستحدثات النقد الادبي الالسني الوارد حول النصوص السردية والشعرية معا) كما يتفرد كل شاعر بمعجمه الشعري، الذي هو مفتاح النصوص، وهو الذي يحدد هويته الابداعية، ف (اذا ما وجدنا نصا بين ايدينا ولم نستطع تحديد هويته بادىء الامر، فان مرشدنا الى تلك الهوية هو المعجم الشعري) (4)، كما يتشكل المعجم الشعري (من لازمة نفسية هي بلا شك تمثل اسقاط اللاوعي على الوعي، وما يترشح عبر ذلك من تكرارات (نفسية ـ فلسفية ـ فنية) تتبلور على هيئة الفاظ سلطوية لاقدرة للناص على تجاوزها او محاكمتها او وضعها بصيغ خاصة) (5) .

وينبغي ان ندرك ان المنطق لفهم الشعر هو ان (اللغة الشعرية رمز العالم، كما يتصوره الشاعر، كذلك هي رمز الشعار النفسي للعالم، لابد ان نفهم الشعر على هذا الاساس) (6) .

ويتشكل المعجم الشعري في غالبه من مجموعة الفاظ لا قصدية، ومن (هذه الالفاظ اللاقصدية تتمظهر عنونات لامتفق على تسييسها كتابيا، ومن ذلك ما يقع تحت افتراضات العنونة ك (اسلوب الشاعر) او (خط الشاعر) او (نفس الشاعر)، هذه بعض افرازات المعجم الشعري) (7)

كما ان دراسة الالفاظ بمعزل عن تراكيب الجمل لا ياتي بثمار، والاحصاء يبقى من دون نتائج، كما لا يجب اغفال اهمية تعالق الالفاظ المكونة لجملة او لشبه جملة بعضها ببعض في تحديد الدلالة (8)، ويقول الدكتور محمد مفتاح:

(ان المعجم الشعري هو وسيلة للتمييز بين انواع الخطاب وبين لغات الشعراء والعصور، لكن هذا المعجم يكون منتقى من كلمات يرى الدارس انها مفاتيح النص او المحاور التي يدور عليها) (9)

اما كيفية قراءة المعجم الشعري فتكون بمتابعة الالفاظ المستخدمة من قبل الشاعر الى جانب متابعة ترتيب الشاعر للالفاظ، ف (الالفاظ حقول والجمل ظواهر) (10) ونختصر كل هذا الكلام ونقول المعجم الشعري هو:عدد مرات تكرار كلمة ما في نص معين: مثال:

قرانا قصيدة الشاعر فلان، فوجدنا ان كلمة او مفردة (الحزن) مثلا قد تكررت في القصيدة عشر مرات، وكلمة (الليل) تكررت سبع مرات وهكذا.. فلمَ تكررت هذه الكلمات وكيف تكررت؟... هذا هو اختصاصنا وهذا هو عملنا.

ونقرأ من قصيدة (مقاتل تموز) ص:

أستجير بكما، وأنتما تفكان ألغاز القلاع المحتلّة بقبعات العساكر ودكاكين الدجاج، تحطّان ملاكين، يقدمان طبقا من الزيتون ويهيئان لي فراشا ملكيّا على الشرفات، فأنسج كلمات، يستقيم بها القبو .. والرواق .. والبلاط .. وأشهد عند القيامة للمدن المحروقة .. والمدن المسروقة .. وفتية .. وصبايا .. وبقايا رفات

هكذا قضي الأمر

(كلّنا لآدم .. وادم من) ..

بين السواتر يرّوض قنص الأبناء، من أول الزمان مفجوعا تلاحقه الخنازير والرعاع وأنصاف المجانين – قفرا بين الدم الواحد – مسربلون بالطفّ، مسربلون بالعَدْو .. والفجيعة والبكاء، من أول الزمان كربلاء، من أول الزمان والخنازيرُ تلاحقه وأنصاف المجانين والرعاع

ما سليمانَ كنتُ ليرتدَّ طرْفي فأراهُ، تدحرج الرأس، تدحرجتُ، رأيتُ مارأيتُ، الرقصُ هو الرقصُ، لاأنكرُ ذبحَ الأنبياء، ولا أنكر أني ..

هكذا قضي الأمرُ

قاتلوا بذنوبكم

نلاحظ ان الشاعر سعد الصالحي في هذه القصيدة يستجير بالمرجعيات (التأريخية / التراثية/ الدينية..الخ) لتأمين تعالق نصي رصين مع هذه المرجعيات، فالتعالق التأريخي مع الحادثة الأكثر إيلاما في الأيام واعني (فاجعة كربلاء) التي تحولت الى رمز عالمي يتبعه الشعراء والفقراء والثوار، وعلى ذكر الثورة والثوار، فإن هذه الواقعة المأساوية، تشكل ثورة كبرى في زمن الطغاة والبغاة الى حد سمعنا فيه قبل سنوات أحد علماء الدين من شيعة الأمام علي (رض) وهو يقول (في 10 محرم من كل عام يجب ان نحتفل ونصفق لأنه يوم البطولة لا الهزيمة ويوم الصبر لا الجزع و هونصروثورة حقيقية كبرى يحتفل بها العالم سنويا)، من هنا يصرخ الشاعر الصالحي هامسا، او يهمس صارخا (ما مر عام والعراق ليس فيه موت!) .

وهناك شيء طريف في شعر سعد الصالحي، حيث نراه يُكثر من ذكر مفردات الحرب (السواتر/ القتال/ الملاجىء/ الشظية/ الأسلحة/ القصف/ الشهداء / الشلل/ الخنادق/ أوامر القسم..الخ) فاذا الصالحي يذكرها بهذه الكثافة وهذا الالحاح، فما أقول أنا الذي كنت آمر لواء في الحرس الجمهوري؟!، لا شك ان الصالحي سعد هو شاعر مبدع ومجدد، وضابط كبير في الجيش العراقي، وهوقد أسس لمعظم قصائده من ميدان خصب هو (حروب الصد ما رد) وآخرها (حرب الصد مارد التاسعة وبنجاح ساحق!!) والحرب هي بعض المرجعيات التي تعالقت معها نصوصه بشدة والحاح، كما نلاحظ ان الشاعر يلجأ الى القرآن الكريم لتأمين تناص حقيقي ورصين لأغلب قصائده، لذلك يمكن ان نرصد عدة مجموعات تمثل جانبا من شعرية التمرد لديه:

** مجموعة الحرب (بين السواتر يرّوض قنص الأبناء، من أول الزمان مفجوعا تلاحقه الخنازير والرعاع وأنصاف المجانين)

** مجموعة التأريخ (مسربلون بالطفّ، مسربلون بالعَدْو .. والفجيعة والبكاء، من أول الزمان كربلاء، من أول الزمان والخنازيرُ تلاحقه وأنصاف المجانين والرعاع

** المجموعة الدينية (ما سليمانَ كنتُ ليرتدَّ طرْفي فأراهُ، تدحرج الرأس، تدحرجتُ، رأيتُ مارأيتُ، الرقصُ هو الرقصُ، لاأنكرُ ذبحَ الأنبياء، ولا أنكر أني ..

هكذا قضي الأمرُ) وكذلك ((كلّنا لآدم .. وادم من) ..

وتدريجيا تبرز صورة المعجم في قصائد الصالحي، على انها تتشكل من جمل ومفردات متكررة تتأصل فيها روح التمرد على اختلاف معطيات المفردات التي تغذي الاختلاف والتشاكل في شعرية القصيدة المنتفضة، وهكذا نجد ان التكرار بدلالاته الأصلية والفنية يصنع معجما شعريا مائزا في مجموعة (بلاغ رقم..) :

جدول المعجم الشعري قصيدة (مساءُ الشظيّةِ الأخيرة) مثالا:

المفردة                        عدد مرات تكرارها

الفمر                              (3) مرات

الذئاب + عواء                  (6) مرات

الكوكب                          (3) مرات

الكوكب                          (3) مرات

الأرض                          (4) مرات

الحرب (الخنادق + الأسلحة

+ قصف+ شظية + شهيد

+ جريح + مشلول + حرائق

+ حدود + الأرض الحرام) (11) مرة

ان علم الدلالة في متابعة دلالة الالفاظ يقوم بدراسة الحقل الدلالي، باعتبار ان الدلالة كامنة في النص من خلال عدة حقول دلالية تتارجح في بؤرة الدلالة، ويصل ذلك من خلال التحري داخل التكرارات والمترادفات والكلمات والمفاتيح، ان مفتاح النص الدلالي الاول في قصيدة سعد الصالحي (مساء الشظية الأخيرة) هو (الحرب) وهي رحلة في استكشاف رؤى (داخلية / خارجية) لل (الحاضر) المبتلى بالفواجع والكوارث الانسانية لهو حل منطقي بعد ان اخفقت (الحياة) البائسة المحبطة، في تطويع اتجاهات (الحاضر) نحو الحلول المؤاتية لابسط عقد واشكالات انساننا الحالي الضائع في جميع الاتجاهات .

تلخص مفردات معجم (الصالحي سعد) في قصيدته هذه بحقولها الدلالية رؤية الشاعر نفسه وهي تقوم على استحضار المسافة المائزة بين طفولة شائكة لذيذة ومجموعة غيبوبات ملونة بلون الأسى والرفض، يستقدم الشاعر رمزا صنع من خراب التأريخ وضياع الجغرافية وفزع الجنوب ــ وجزع الشمال على حد سواء !ـ، الا وهو (الحرب التي لها أول وليس لها آخر)، لذلك عندما يتأكد الشاعر أنه لايملك الا القصيدة، فإنه يفجرها شظى ولظى بوجوه عتقها الفساد وتعتق فيها، حتى تعرشت الأوبئة السياسية على اديم المجتمع فنخرته بلا سوس، ان قصيدة (مساء الشظية الأخيرة) على الرغم من قصرها، الا انها انها تشكل تعرية ورفضا صريحين للأوبئة التي ابتلي بها العراق دون سائر الكرة الارضية:

(بما أوشك تحت أقدام الرعاة على ماتبقـّى من مدينة وانحسر، والناس على أشكالها .. تطير

في الساعة قرب اخر الأسماء ومن اخر الجسد، ساعة من كل براعات الذئاب تعلـّمتُ أن أعوي .. فقط

حدثَ أن ابتلعَ حوتيَ القمر ..

وحيدا بلا قمر

أيّها القمر

رتـِّبني كما شئتَ

فأنا أعشق اخر َ أجزائي

وقد تركتها في الأرض الحرام ِ ..

تطيرُ،

نطيرُ، نصيرُ، ندورُ، أدورُ، تدورُ

الكرة في ملعبي

والملعب في أرض أخرى

والأرض الأخرى على كوكب بعيد

تدورُ

بين البراري الخضر

والجبال الجرد

وأشجار الزيتون

وأشباح الرجال والخنادق المهجورة

أرى قلعة تحتضر بعصف الحرائق تحت أطرافها

وحدودا تمد ُّ أعناقها لمن يلو ِّحون لها بالصفير

أرى بعد غياب الصحب أبوابا ً

تركتْ علـِّياتـِها لاستراحة الغرباء

وعواءَ ذئب جريح

يصيح

بحنجرة الشظية :

لأنكَ عبرتَ إليَّ

سعيتَ بقدميكَ العاريتينِ

واندفعتَ كالسيل ِ فاستقبلت ُ صدرك ْ

لا تسمـِّني .. قبرك ْ

ألإنـِّي أصبتُ حجرا ً

إبتهجتَ لفاصلة ٍ بيننا ؟!!

" قد أراد خيرا فأخطأ .. وهو أفضل ممن أراد شرا ً فأصاب "

قلتُ :

- لا.. ربما تشظيت بقـُبلة، واشتقتُ من شدة القصف لذاكرتي، عبّأتُ قيثارتي بمخلفات الأسلحة المستطرقة وأشرتُ للكائنات التي نطقتُ باسمها

الشهداء لي .. ومهنة من أحصي عدد أشباحهم في حافظات الصور؛ بقلبي حجر، ومسلـّة وجهي برد وقشعريرة

أحدهم يشبهني كغيمة، واخرُ كالكواكب وماظلّ خارج المجرّات..

فمن كل براعات الذئاب

تعلـَّمتُ أن أعوي

الشهداء هم أطرافي

تأمّل

يوما ما سأصبح مشلولا.)

(المواجهة بين موت مجازي وحياة مفترضة، وبين الانسان والكون بالانجذاب على غير الرؤية السابقة) .

فتكرار مفردات (الحرب) بهذا العدد الكبير في قصيدة ليست طويلة، يصرح من خلالها الشاعر

بأن اسئلة الحياة هي في غالبها (مشاريع اسئلة) تقوم على الكارثية المعتادة التي نعانيها منذ ازمنة بعيدة ولا نجد لها حلا او حلولا شبه مقنعة، ان اسئلة الشاعر الصالحي في قصيدته (الاستكشافية الاستنطاقية) هذه، تتشكل من خلال عنفوان اللغة والانزياح الواضح في استعمال مفردات في اللغة استعمالا مغايرا لمعانيها في المعجم اللغوي العام .

فشاعرنا يبني من خلال الموت (الحاضر الكارثي السقيم) حياة جديدة (من خلال اللوذ بالرؤى الصافية ـ والملعب في أرض أخرى والأرض الأخرى على كوكب بعيد تدورُ)، ان شعرية التمرد لاتعني دائما كسر المألوف وتهديم الواقع ورفض الخطأ فقط فحسب، بل هي تسعى الى البناء والأمل، البناء الصحيح على انقاض الخطأ المباد.

لاتجد قصيدة من قصائد الصالحي الا وفيها جرح غائر وألم غامر وأمل هادرقادر على ازاحة العوق السياسي والأوبئة الفكرية والخرافات العصرية، ومن ثم تأسيس (يوتوبيا) الشعراء، ذلك العالم النظيف الراقي النقي الذي تعيش القصيدة من اجله لا من اجل سواه.

واستنادا الى مقولة فلوبير: (ما يعذبك، يعذب اسلوبك في الكتابة) يقرر ادونيس في ثلاثيته (القاهرة التي علمتني) ان معظم النصوص التي تكتب اليوم احتفاءً بالراهن، العادي، اليومي تفتقر الى مثل ذلك (العذاب) بما يعني تبنيه الصريح لموقف (فكري/ جمالي) مضاد من راهنية وعادية وعرضية النصوص الجديده، في محاولة كما يبدو لمفهمة متوالية (اليومي) واختباره بوصاية ابوية ازاء (الميتا ــ لغوي) كما تجدد ايدلوجيا العمود الشعري انبعاثاتها بصيغ مختلفة، للالتفات على مستوجبات الحدث النثري، فالكاتب الذي لا نرى في كتاباته عذابا ــ برايه ـ انما يقول ما يقول بشكل اعلامي اخباري، ولا يكون كاتبا انما مجرد ناقل او راوٍ، (11)

الى هنا نكتفي بما ذكره فلوبير وادونيس، ونذهب الى غاستون باشلار حيث يقول:: (البيت هو ركننا في العالم، واذا طالعنا بالفة، فسيبدو ابأس بيت جميلا) (12) :

فالوطن يمثل لدى الشاعر سعد الصالحي الآصرة الروحية التي تقوم عليها حياة الشاعر، فالصالحي مهموم بالوطن، مزحوم بتطلعاته، مسكون بالآمه واحباطاته ومواجعه، وبما ان الفضاء الشعري يتشكل من جملة عناصر، لذلك يأتي التماسك البنيوي في النص من خلال هذه العلائق النصية من (زمان) و (مكان) و (شخصية) و (حدث) و (ورؤية)، وقد اصبح المكان (مفتاحا من مفاتيح استراتيجية النص بغرض تفكيكه واستنطاقه، والقبض على جماليات النص المختلفة) (13)

واذا جئنا الى تقسيم بروب (في تقسيمه لأنواع المكان)، فان الصالحي سعد نجده يشتغل قبل كل شيء على شعرنة (المكان الأصل)، حيث الأنتماء المصيري (اللذيذ ـ المؤلم) للجذور الاولى، و (حيث الأحساس بالمواطنة وأحساس آخر بالزمن..فكان..وكان: رمزا، وتأريخا قديما وآخر معاصرا، شرائح وقطاعات، مدنا وقرى، وأخرى اشبه بالخيال كيانا

تتلمسه وتراه) (14) :

(مَدَدٌ لكَ بدم رشيق

أوّله أنك العراقُ

وأنك مازلت في كنيتي

والأعداءُ .. في جدول الضبط

فمن وضَعَ أوزارها ؟

إنّ موتي

مازال يرفض الأخلاء

من (الأرض الحرام) .. !

يتحدثون فيك عن الأقدار

ويظل الموت بالألغام قضاءً .. وقدم

فتعال معي

نبحث

عن (عدو ٍّ ذكي جميل)

إني – وعند كل صباح –

تغادرني بقايا الليل وفي الأنامل

شعاع ٌ مكبل ٌ وثعابين تصيح :

إقطع التماس

إقطع التماس

إنها مقصلة لاتجزّ ُ الكلمات

لكنها تمنع الأسئلة

أقطع ُ التماس

وأتثاءبُ ملء ذراعيّ َعلى حين كأس رضعتْ أوزارها

وتمطّى أيها الجسدُ

إمنحني فرصة واحدة فقط

أوَلستُ ظهرك الذي تلقّى آلاف الطعنات؟!

أوَلستَ من تشي بالأجسادِ

وتداهمُني

فأمتدُّ

وتتركني مشتعلا بالحبر ... كالبياض ..

كالأثر...

يتخلل الأنامل

وأحلم بالأجراس كمن فارق الزحام الى الأبد؟!) قصيدة: قضاء ٌوقدم: ص

ان المكان في قصائد الصالحي هوأحد الأركان الرئيسة التي تقوم عليها العملية الشعرية حدثا، وشخصية، وزمنا، فهو الشاشة المشهدية العاكسة والمجسدة لحركته وفاعليته (15) ولكن هذه المركزية التي يتمتع بها المكان لاتعني تفوقا أو رجحانا على بقية المكونات الأخرى للقصيدة وانما هي ناجمة في الأساس عن الوظيفة التأطيرية والديكورية التي يؤديها المكان (16) باتجاه بنية الإطالة والإستطالة أحيانا رغم كثافة التركيز، وعلى الرغم من ثراء قاموسه اللغوي وخصبه وتنوعه الا انه يبدو دقيقا في انتقاء المفردت ودلالاتها السيميائية والإيحائية، وحريصا على انتقاء كلماته وتركيزها وشحنها بالدلالات الكبيرة والاستعارات الجميلة:

(كانوا كفراغ القلب من اليقين

يتساقطون سهواً بعد الحدود..

لاشك لديهم

في أي شئ..

الا ّ القلوب التي تركوها قرب أعمدة (الرشيد) ..

ولاشئ أوسم من بغداد.. !!

فتمم ياغراب نصف لساني

أنا مع الموت .. موت

قبلت ُ بالحوار

وآرتضيت ُ ببنات نعشي .. نجوما

حر ٌّ.. قلت ُ ياعـمـّاه ُ..

حر ّ ٌ...

وابن الرياحي ِّ.. حر ٌّ باختيارهْ

فوالله ِ لاجنة أعدو اليه ولاأعدو الى ناره

لكنـَّـها :

(بغدادُ .. يابغداد

صوتك يناديني

وعيونك الياقوت ..... ياليلي .. ياعيني ..) قصيدة: أناقة بغداد:ص

وخلاصة هذا الكلام ان المفردات في القصيدة تتشكل كما قلنا في دراستنا النقدية المنشورة في جريدة الزمان اللندنية وفق اسلوبين هما:

1. اسلوب الوعي -

2. اسلوب اللاوعي

فاسلوب الوعي، هو ما يمكن ان نسميه ب (التكرار الفني)، ونضرب مثلا في قصيدتي (مذكرات سيف)، فقد كررتُ كلمة (قل) متعمدا وعن قصد اكثرمن عشرين مرة،

اما اسلوب اللاوعي، فهو ان تكرر الكلمة في القصيدة بشكل غير متعمد وغير مقصود، وهذا ما اسميه (اسقاط اللاوعي على الوعي)، فاذا احصينامفردات كل قصيدة من قصائد الشاعر سعد الصالحي، لوجدنا انها تتكرر بطريقتين، الأولى (عن طريق وعي الشاعر عندما يكون هادئا لايغضبه او يستفزه شيء) والثانية (اسقاط لاوعي الشاعر على وعيه مفردات تكررت تحت ضغط العامل النفسي) وان كان الشاعر الصالحي في حقيقة الأمر غاضبا مستفزا بسبب انسانيته (ربما لكونه طبيبا قبل كل شيء)، فقصائده هي ترجمة حقيقية لسمو اخلاقه وانسانيته الكبيرة، لذلك يصرخ ويغضب ولا يرضى الا بوطن جميل آمن مستقر مثل جميع البشر، السنا بشرا؟ ام نحن من كوكب آخر.. هذه هي رسالة سعد الصالحي الشعري:

(قصائد القسم الثاني)

1- ألأرض بالبساطيل، لا تشبه الأرض بالأحذية الخفيفة. سأنحني للقذيفة، وأتجنب الألغام وشرطة المرور، سأنحني

للقناصين وسيطرات الأنضباط .. وأعتاد أن أنحني، فأنحني؛

لأنني بعد الحرب خلعت بسطالي بلا ندم .. ونسيت أن الكرامة من قمة الرأس الى أخمص القدم.

2- لقد فقدتُ أصابعي لذة بعد لذة وهي تحصي:

أ – إفتقاد الصحب

ب- أقراص الهوية

ج- وعائدين) على خلسة للبكاء) كالقصائد يندملون، كأن الذي كان سباتا ولم يكن أبدا مماتا .. فمن يمضغ الصهيل بلا خيول وزمزمية وفي الأفق البعيد يمضي ولا حدّ لأعداده .. هل يبدو حزينا رتل الجنود ؟!

د- لقد تجسستُ نكهة القصعة بخطوات تشبه الألتحاق من

الأجازة الدورية .. فقررت رفض الأخلاق بعد أن تغضنت

كل أشكال جسدي وما عدتُ سوى بعض طيّات تخفي ركن مقاتل مهجور.

هذه هي حاسة الحرب تدق بأجراسها الصدئة ليل نهار على مخيخ سعد الصالحي، فلا يخرج منها الا ليدخل اليها، هي تسكنه فزعا وجزعا، وهو يسكنها كرها وسخطا، وهما لايطيقان بعضهما، لذلك تحتجزه بفواجعها وكارثيتها، وهو يلازمها ظلا حزينا مدججا بالاسى والخراب، فيلوذ بالقصيدة علها تخرجه من غيبوبة الغياهب، هي أم قشم شردت احلامنا ومنحتنا وجعا بحجم القصيدة كلها.

ومن اجل هذه كله، تسلح الصالحي بالشعر ولاشيء غير الشعر، تمرد على الخطأ الذي يلازمنا من أول الزمان الى آخر الزمان، ناهض الفساد السياسي، واجه أوبئة الحروب ومخلفاتها بجرأة الشاعر المقدام، لايهدأ ولا يقر له قرار وهو يصرخ:

وُلدْتُ بلا حبل سرّي، وكنتُ ناتئا كالحجر..

تدحرجتُ كممحاة من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال، أهشّ ببصري على التضاريس بين المدن والمدافن، وأمنع صراخ القوم وكلّ طرس لا أشمُّ فيه رائحة الغبار؛ بَيْدَ أنّي بكيت على بعض أضحية شممتُ فيها ريحكم فأدمنتُ ولائم َ الشهداء.

.................

نفدتْ حروبنا، وقامت شتيمة ٌ في القفرِ مقام الحرس على الحدود، فبأي وجه تمتلكني، وبأي وجه تفترسني ؟

أبمدن الشاي والمقاهِ المتعبة بوجوم الصباح، أم بمن ينازعني تمّوزيّتي على خَلق ٍجديد ؟!

أكَـَلـَتني أجـِنـَّـتـُـها

وأكـَـلـَـتـْـكَ الكواكبُ والمواكبُ وما تبقَّى من حليب الأمهات.

كنتُ أراه في أصابع الطلاب على قارعة الرشيد.. ومرايا مقهى البرلمان

صبيُّ كالبراري

أم وجه يشبه الشعراء

والصحراء

والديكَ

والمماليكَ

وذنوبَـنا يا أمير المؤمنين !

فما الفرق لو أتلفتُ رأسي أوتركتُ الجسد يأكله الحريق !

كنتُ لوحا أسود خُـط َّ عليه الصومُ والصيفُ والكتابة، طوقا من بقية الواحات وزاوية للخطابة

صمتُّ ياسيدي

والصحراءُ هي الصحراءُ

لكنـَّما

من علـَّم الصحراءَ حبَّ البحر ِ

فتـَرَكـتْ عقالها في غرناطة .

وختاما فإن الكتابة عن الشاعر سعد الصالحي، لاتشبه الكتابة عن شاعر آخر، فهذا الرجل يؤسس في نصوصه أكبر (لا) يمكن ان يسقط من خلالها سياسي فاسد أو دَعِي حاقد، شاعر يكتب للوطن أولا وللوطن أخيرا، لاتنحي قصائده لأحد غير الله والوطن، ولاشك ان شعر سعد الصالحي يحتاج الى قراءات نقدية متعددة فهذة فسحة صغيرة انطلقنا من خلالها لدراسة معجمه الشعري وبنية التمرد في قصائده، هذه القصائد التي تمثل جانبا مهما من جوانب دراسة شعر شاعر مارس الصدق الشعري في أقواله الشعرية عندما صدق بوصف (الاماكن الاصلية) ــ أي الوطن ـ بتأزماته وآلامه واحباطاته، ووصف (الأماكن الاخرى) بالاشراق والجمال والسحر ثم قارن بينهما في محاولة لتأطير الواقع بالأسئلة، بل بكثير من الأسئلة المسردنة، لقد روى لنا الشاعروقائع ومفارقات شعرية فيها الكثير من الادهاش..ونجح بذلك وتفوق..الصالحي تفرد في تمرده الشعري، وادخلنا في عوالم عجيبة من الغيبوبات الملونة بألوان ساخنة لاتعرف التراجع والخنوع، كان رجل المبدأ ورجل الكلمة وشعره من النماذج الشعرية العربية التي يضرب بتمردها المثل ويكفيه هذا.

 

كمال عبد الرحمن - ناقد من العراق

.......................

الهوامش والمصادر والمراجع

** بلاغ رقم ..اسكت، قصائد، سعد الصالحي، دار غيوم والملتقى الثقافي، بغداد، 2006

1.جماليات النص الادبي، د.فيصل القصيري، دار الحوار، اللاذقية، سورية، 2011، :100

2. العنونة وتمظهراتها في النص الابدي الأبداعي العربي، كمال عبد الرحمن، تقديم:أ.د. محمد صابر عبيد، (تحت النشرفي دار الشؤون الثقافية، بغداد:17)

3..شعر ادونيس، البنية والدلالة..ص73

4.تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، محمد مفتاح، دار التنوير، بيروت، 1985، ص58

5.انظر دراستنا:ثنائيات المعجم الشعري في (عندما اشتبك الضوء بالياقوت)، جريدة الزمان، لندن، العدد1562، التاريخ21/7/2003

6. تشريح النص، مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة، عبد الله محمد الغذامي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت1987

7. ثنائيات المعجم الشعري، ص5

8.شعر ادونيس، البنية والدلالة...ص92

9.تحليل الخطاب الشعري00ص58

10.خليل حاوي، دراسة في معجمه الشعري، خالد سليمان، مجلة فصول، ع1و2 ماي، 1989، ص48

11.وردت اراء فلوبير وادونيس في كتاب (شعرية الحدث النثري) محمد العباس، دار الانتشار العربي، بيروت، 2007، ص11/من دون ان يذكر المصادر التي اخذها منها، واخذنا نقلا عن هذا الكتاب النقدي المهم.

12.جماليات المكان، غاستون باشلار:ت:غالب هلسا، سلسلة كتاب الاقلام (1) دار الجاحظ للنشر، وزارةالثقافة والاعلام، بغداد، 1989، ص36

(13) شعرية المكان في الرواية الجديدة،، خالد حسين حسين، :، 6

(14) شعرية المكان في الرواية الجديدة، الخطاب الروائي لأدوارد خراط نموذجا، خالد حسين حسين، سلسلة كتب الرياض (82) مؤسسة اليمامة الصحفية، 2000م، :65

(15) الشخصية الاشكالية في خطاب احلام مستغانمي الروائي، حميد عبد الوهاب، ماجستير، :35

(16) .مشكلة المكان الفني، يوري لوتمان، ت:سيزاالقاسم، مجلة (الف) ع6، القاهرة،، 1986، :34

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

جهد ابداعي متميز يقدمه الاخ الناقد المبدع اخي الاستاذ كمال عبد الرحمن في الاحاطة بجل مستويات النصوص التي تناولها برؤية تكشف بوضوح عن قدرته المتميزة وتمكنه من ادواته النقدية. محبتي الدائمة اخي الحبيب متمنيا دوام التألق بكل ماهو جميل.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4281 المصادف: 2018-05-26 04:39:31