المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

دلالات الخطاب الصوفي في ديوان د . أسماء الغريب: (99 قصيدة عنك)

162 اسماء غريبيبدأ ديوان الشاعرة د. أسماء غريب (9 قصيدة عنك) (1) بإشكالية معقدة منذ العنونة ومنذ أول رمز فيه حيث ابتدأ برمز رقم صريح وهو (99) ونحن ندرك أن هذا الرقم قصدي من حيث مجيئه أولا في تراتبية العنونة واختياره كعنوان للديوان وهو بالأساس نصّ من بين نصوص الديوان، ووقع تسلسله بـ (99) أيْ القصيدة التسع والتسعين من بين مائة وخمس وعشرين قصيدة احتواها الديوان، واللافت للنظر أن القصيدة، أيْ (99 قصيدة عنك) تضمنت تسعة أشطر أو فقرات، ويعد هذا الرقم الذي أصله (9) ذات دلالات شكلية ومعنوية فكرية قصدية تتيح للقارئ أن يتوقف عندها ويتساءل عنها: لمَ جاء الديوان والنص بهذه الصيغة دون سواها؟

والسؤال الأهم الذي يتبادر للذهن لمن وجّهت الشاعرة خطابها؟ حيث هناك مجهولية وعماء للمخاطب (بفتح الطاء) فمن هو ولماذا لم تفصح عنه؟ ولماذا خاطبته بحرف الجر (عن) دون سواه من حروف أو ضمائر للخطاب؟ ولماذا الخطاب كان مباشرا (ضمير متكلم مخاطب) وليس بضمير غائب؟ كل هذه الأسئلة قد تتبادر في ذهن المتلقي .

لفلسفة الأرقام عند العرب والمسلمين وأغلب الحضارات القديمة قيمة معرفية وروحية كبيرة وتصل لحد الخرافة، وما بين اليقين والخرافة والعقل تبدو الإشكالية تتسع أكثر فأكثر، فعلوم الحساب والرياضيات والجبر تقوم فكرتها ومعادلاتها على الأرقام كرموز ترسم وليست كألفاظ تكتب، وقد اعتقد فيثاغورس وبعض فلاسفة عصره أن لمفاهيم الرياضيات حوليات وتطبيقات أهم من مفاهيم العالم الحسي وذلك لسهولة ترتيبها والتحكم بها.

أمّا القديس أوغسطينوس (354-430 م) فقد كتب "إن الأرقام هي لغة الكون وهبها الخالق للبشر من أجل توكيد الحقيقة ". ومثل فيثاغورس، اعتقد أن لكل شيء علاقة بالأرقام وما على عقل الإنسان إلا البحث وفهم أسرار هذه العلاقة أو توقع تجلياتها من المكرمة الإلاهية (2)، ويؤكد فيثاغورس على أن الأرقام ذات علاقة ارتجاجية مع الكون أي الكون والرقم ذات علاقة جدلية، لقد اكتشف فيثاغورس الذي كان ضالعًا في المعرفة الصوفية البابلية والمصرية، أن ذبذبات أوتار الآلة الموسيقية تُنتج أصواتًا متناغمة عندما تكون أطوال الأوتار أعدادًا صحيحة. وقد عمم هذه النتائج على الكون بأكمله، وهكذا تطور الإيمان الفيثاغورسي بالسلطة المطلقة للرقم الذي يحكم الكون ويديره. (3) .

الشاعرة تدرك سر الرقم (99) وإعجازه من حيث الدلالة الرقمية، ومن حيث دلالاته العقائدية والروحية، ومن حيث وقْعه على نفس وروح وفكر القارئ، وتمثلات الرقم يعني بطبيعة الأحوال إلى صفات الذات الإلهية وجوهر الفيض الإلهي من قدرة وقوة وعلو وتعالي وسمو، فهو المصور والمدرك والخالق والحيّ القيوم والجميل والرحيم، فهي تشير إلى صفاته وعظمته الذي دلّ هو عليها في كتاب معلوم حيث شكلت يقينا للشاعرة. وقد تداولت العديد من الدراسات العالمية التفرقة بين مفهوم الرقم والعدد، وما زال هناك خلط بين المفهومين ومتى يستخدمان.

من المفاهيم الشائعة أن الأرقام لا تعد أعدادا بينما تعد أشكالا بها رموز الأعداد، حيث تقتصر الأرقام إلى عشرة، والعدد من رقمين .

ويقول الدكتور عابد الحميدان: إن الرقم قد يمثل أي شيء، ويعتبر جزءا من العدد، فإن الرقم يظل رقما بغض النظر عن أي شيء آخر، بينما يوجد الفرق لغويا.

البعض يجد الفرق جوهريا والآخر يراه كالفرق بين الكلمة والحرف، فالأرقام تعتبر انطلاقا من «0،1،2،3،4،5،6،7،8،9»، رموزا أو أشكالا من الممكن أن تعبر عن رقم أو عدد ولا يمكن الحكم عليها إلا من خلال معرفة الهدف منها.

بالتالي إن دلت على ترتيب فيمكن اعتبار تلك الرموز رقما، وإن دلت على معدود فهي عدد، ويشير الثقفي أن الإشكالية تكمن في عدم معرفة مجتمعنا بالفرق بينهما) (4).

من أسمائه وصفاته يتشكل نص (أسماء غريب)، منه وإليه وعنه ترسم عشقها الروحي للحيّ القيوم، فمن نوره تشع القصيدة وهجها ومن حسن أسمائه وجمال صفاته تخلق، فهي تخاطبه شعريا بوجدٍ ولوعة محب ووهن عاشق أسير الوله (قال تعالى: "وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسمائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ". (5)

وقال تعالى: "قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا" (6)

وقال تعالى: "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" (7) "هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (8).

وفي حديث نبوي شريف جاء فيه:

"إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (9)

من الآيات الكريمة التي وردت في سور عديدة وأحاديث نبوية شريفة تستقي الشاعرة عقيدتها وعشقها فكتبت ديوانها بنصوصه التي بلغت (مائة وخمس وعشرين) قصيدة شعرية نثرية. فهي محاكاة لأسمائه الحسنى كما وردت في القرآن الكريم، ولأن الله واحد لا شريك له فكتبته بالرقم الرمز (99) الذي لا يثنى فلم تكتبه عددا كتابة حيث تدرك الشاعرة أن للرقم (99) قدسية عند أغلب الأديان والشعوب (هذا التماثل والارتباط بالعدد 9. العدد الأولي التاسع في الكون هو العدد 23 (المساوي لعدد أزواج كروموسومات الإنسان المكتشف في العام 1955) . ولكي نتحقق بأن لهذا العدد أهمية عددية وارتباط علمي من هذا النوع أود أن أشير بأن كلمة "علق" هي الكلمة التاسعة في سورة العلق ونحن نعلم بأن العلقة تمثل مرحلة التصاق البويضة المخصبة (والتي تحوي 23 زوج كروموسومات) بجدار الرحم.

قال تعالى في سورة العلق "خَلَقَ الإنسان مِن عَلَقٍ" (10) .

فالرقم (99) يمكن القول عنه هما علقتان التصقتا فأنجبتا عشق الشاعرة للذات الإلهية، فهو عشق ولد منذ العماء منذ أول إخصاب كوني فولدت حواء من هذا الاخصاب والبعث الروحي لحظة بث (الله) روحه في روح (آدم) فولدت النقطة من الروح، وما إن تكونت العلقتان وكبرتا أشقيا وهلعا هذان المولودان اللذان ولدا بمشقة وكبد كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾) (11) .

تأمل الرقم (9) في حياة الإنسان: عمر الجنين في بطن أمه تسعة شهور، متوسط درجة الحرارة في جسم الإنسان (36) درجة مئوية، و (36) من مضاعفات (9)، وأجهزة جسم الإنسان (9)، ومنافذ جسم الإنسان (9).

إن للعدد (9) بعض أغرب الخصائص مثل:

إنه العدد الوحيد في الحساب الذي، إذا ما ضرب بأي عدد آخر، تراه ينتج نفسه دوماً، مثال ذلك: (9 × 2 = 18، و18 تجمع بهذه الطريقة 8 + 1 = 9 مجددًا، وأيضا مثلا 9 × 5 = 45 و 45 تُجمع بهذه الطريقة 4 + 5 = 9) وهلمّ جرًّا بالنسبة إلى كل عدد يُضرب به.

فلم يأت الرقم (99) اعتباطا كلفظ رقمي وليس كتابيا في ديوان الشاعرة وذلك لسرّ الرقم وخصوصيته وإشارة منها إلى وحدانية الله وكلية وجوده، فهو مجرد بذاته وصفاته، لا تحتويه كلمة وحرف أو نسق، هو الواحد الأحد قائم بوحدانية .

(وكل اسم من هذه الأسماء تتكرر في القرآن عدداً محدداً من المرات، وهذا التكرار لأسماء الله جاء متناسباً مع عدد أسماء الله الحسنى أي العدد 99 كما يلي:

الله   الرحمن   الرحيم

2699   57   115

عندما نصفُّ هذه الأعداد نجد أن العدد الذي يمثل مصفوف هذه التكرارات هو (115572699) يتألف من تسع مراتب ويقبل القسمة على (99):

115572699 = 99 × 1167401

والعجيب أننا لو جمعنا هذه التكرارات جميعاً لبقي النظام قائماً ونتج معنا عدد من مضاعفات 99:

2699 + 57 + 115 = 2871

والعدد (2871) من مضاعفات الرقم (99) أيضاً:

2871 = 99 × 29

وهذا النظام العجيب والقائم على عدد أسماء الله الحسنى وهو (99) كما في الحديث الشريف: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، وجاء ليتسق مع قوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) [الإسراء: 110].) (12)

في الميثولوجيا التوتونية، جاء في ملحمة فولوسبا (Voluspa) على لسان النبية لافولفا (Lavolva): "أذكر المردة الذين ولدوا في فجر العالم / أذكر الذين أعطوني الحياة / أعرف تسعة عوالم / تسع مساحات تغطيها شجرة العالم / هذه الشجرة المبنية بحكمة والتي تنغرس في قلب الأرض / أعرف أنه توجد شجرة تسمى إيغدرازيل (Yggdrasil) / رأس الشجرة يسبح في بخار المياه البيضاء / حيث تسقط حبات الندى في الوادي / إنه ينتصب أخضر أبداً فوق نبع أورد) (13) .

لهذا لم تقتصر الحضارة العربية والاسلامية على عظمة وسر الرقم (9) فتجد أغلب الحضارات تعظّم هذا الرقم وتبحث في أسراره وغموضه .

تتحدث الميثولوجيا عن تسعة أعداد، وتسعة كواكب . ويسمي الهنود الجسم الإنساني "المدينة ذات التسعة أبواب" إشارة إلى الفتوحات التسع . وتخبر الميثولوجيا عن معركة حصلت بين ماهيزا (Mahesa) قائد الشياطين وبين الإلهة دورغا (Durga) استمرت تسع ليال انتهت بانتصار الإلهة بعدما قدم لها شيفا (Civa) مذراته الثلاثية، وفيشنو (Vishnu) أسطوانته، وأندرا (Indra) عاصفته . وتتحدث البوذية عن تسع سماوات (14).

يبدو أن العالَم اهتمّ بهذا الرقم (9) واتخذت اهتماماته أشكالا مختلفة من عبادات وشعائر وطقوس وعادات وعلوم ومعارف من خلال تفسيرهم للظواهر والفلك والخلق، وهذا ما نجده جليا من خلال النصوص القرآنية أو ما جاء بكتب التوراة والإنجيل وكتب الأديان الأخرى وثقافاتهم.

الدلالات اللغوية في عنونة الديوان (99 قصيدة عنك) (15)

لقد ورد حرف الجر (عن) مضافا إليه حرف (الكاف) ليدل على شخصية وجنسانية المخاطَب. والسؤال لماذا خاطبت الشاعرة معشوقها بضمير متكلّم مخاطب دلالي للحضور وليس للغياب؟

الخطاب المباشر بين الشاعرة والذات الالهية المخاطبة حين تقول الشاعرة في خطابها أي حسب تقدير الكلام (كتبتُ 99 قصيدة عشق عنكَ) وخاصة قد بدأتُ القصيدة بخطاب نداء مقدر (يا إلهي) رغم عدم وجود ياء النداء، ومن ثم استرسلت ندائها بدون حجب وبتجلي كامل حين تقول له:

(لماذا 99 ؟

إنها عددُ لسعاتِ هذه البعوضة

وعددُ أسماء هذا الفردوس

وربّما القصائد التي كتبتُها عنكَ

لحظةَ وُلدْتُ وساعةَ رحلْتُ

ويومَ قُمتُ ثمَّ مشيتُ

يا إلهي.) قصيدة 99 عنك ... (16)

لقد خاطبت جلّ علاه بحرف الجر (عنك) وليس إليك أو لك فلابد من سبب وغاية وتصور لما لهذا الحرف من دلالة شكلية ومعنويّة، أيْ هي تريدُ القولَ والتأكيد على أنّ ما أكتبه من شعر هو عنك وعن صفاتك وأسمائك التي أعشقها وتقرّبني منك، وحرف الجرّ (عن) كما هو معروف يفيد المجاورة، وهي تعني هنا؛ أكتب شعرا منك وعنك أي من صفاتك ولأسمائك ولقدرتك وإني أخاطبك بكائنات خلقك الصغيرة (البعوضة). إن الشاعرة لم تحدد بماذا تكتب إليه هل هي نجوى أم تخضع، ابتهال، تذلل أم عشق؟

لقد أتاحت الشاعرة للقارئ فرصة التأويل والتأمل ليشاركها في ملء الفراغ الذي تركته ليصل معها إلى فهم مشترك أو مختلف ليضيفه إلى النص، ولنصوص الديوان سعة قراءة وفهم وتفسير، أما التأويل: فهو تحديد المعاني اللغوية في العمل الأدبي من خلال التحليل، وإعادة صياغة المفردات والتراكيب؛ ومن خلال التعليق على النص، وهذا يركز على مقطوعات غامضة أو مجازية يتعذر فهمها؛ أي توضيح مرامي العمل الفني ككل، ومقاصده باستخدام وسيلة اللغة، بتركيزه على شرح خصائص العمل وسماته مثل النوع الأدبي الذي ينتمي إليه وعناصره وبنيته وغرضه وتأثيراته. ويعتقد أن النص يبني بكيفية مسبقة استجابات قرائه المفترضين ويحدد بكيفية قبلية سيرورات تلقيه الممكنة، ويثير كل واحد منها بفضل قدرات التأثير التي تحركها بنياته الداخلية؛ وتنتهي مهمة المرسل بنهاية رسالته / النص، ويطلب إليه بعد ذلك الاختفاء أو الموت ؛ لأن بموته تكمن يقظة المتلقي وحياته) (17) .

يضيف القارئ كذلك من عندياته وثقافته وتجربته فهما آخر إليه قد يقترب منه أو يبتعد، لكن كل ذلك يؤدي إلى آفاق وجمالية النصوص وعمقها ومقاربتها من قبل القارئ، وخاصة أن تعدد المعاني وتعدد القراءات للنص يعبر عن متانة النص أولا وملكة الكاتب المعرفية وعمق تجربته الشعرية. يقول علي حرب بهذا الصّدد: (قد تكون- أي القراءة - شرحا للنص أو تفسيرا له، وقد تتعدى التفسير والشرح لكي تكون تأويلا، وصرفا لما يحتمله الكلام من المعاني والدلالات، ولكن قد تتعدى التفسير والتأويل، فتتجاوز المؤَلف ومراده أو المعنى واحتمالاته، لتكون تسريحا وتفكيكا للبنى والآليات التي تسهم في تشكيل الخطاب وإنتاج المعنى) (18)، أي أن المتلقي من حقه أن يتجاوز ما تدل عليه بنى النص ولغته - لا أن يلغيه - وآليات التأويل ومناهجه، ومقاصد المؤلف ومراده، وله أن يسرح في النص مفككا ومركبا ليخرج بدلالات تتجاوز آليات النص ولغته ومؤلفه، ويسمى كل هذا في عرف الحداثة قراءة ! وقال أيضا أيْ علي حرب: (أما القراءة التي تقول ما يريد المؤلف قوله فلا مبرر لها أصلا، لأن الأصل أولى منها ويغني عنها، إلا إذا كانت القراءة تدعي أساسا أنها تقول ما لم يحسن المؤلف قوله، وفي هذه الحالة تغني القراءة عن النص وتصبح أولى منه وهكذا فثمة قراءة تلغي النص) (19) .

تشي الاستفهامات من خلال مستهل النص أو الديوان لدى القارئ هي بمثابة فذلكة وحنكة من الكاتب في جذب وتشويق المتلقي ليشركه ويجبره أن يغوص في متاهات النص ودلالاته ومعانيه، وخاصة اذا كثف جملة العنونة وأجزلها الشاعر، وهي تعد إثارة واستفزازا للمتلقي منذ أول وهلة، إذ يثير فيه الدهشة والفضول للمعرفة والاكتشاف، وقد أدرك كل من الجاحظ والجرجاني والقرطاجني وابن قتيبة البُعْدَ المهم والمكانة الحقيقية للمتلقِّي في الظاهرة الأدبية، فالنص الأدبي يحتاج لكي يحقِّـــق وجوده ويـــؤتي أُكلَه إلى مُــــبدِع قادر على توظـــيف إمكانات اللغـــة والبلاغــة، ومتلقٍّ بارع قادر هو الآخر على فــكِّ شفراته وتحسُّس مواطن القوَّة والضعف فيه، بهذه الرؤية للدور الذي ينبغي للمتلقِّي أن يلعــبه في المعادلة الأدبية تتحقَّق العلاقة التكاملية بين الكاتب والمتلقِّي، لتصبح عملية التواصل الأدبي مرهونةً بمستوَى ودرجةِ العلاقةِ بين طرفي المعادلة، وهما: «المنتج» و«المتلقي» (20).

قصدانية تغييب المخاطَب

حري بنا أن نطرح استفهاما لِمَ بدأت الشاعرة نصها بكلمة (إلهي)؟ وأسقطت أداة النداء عنه (ياء) النداء، أعتقد أن هذا الأمر يستدعي ويلزم أكثر من تأويل فإذا ما عدنا إلى شروحنا آنفا والتي قلنا فيها إنّ خطاب الشاعرة لربّها كان خطابا مباشرا بـ (عنك) فهو خطاب حضوري دون واسطة، أي هنا هي لحظة تجلي وانصهار بين المخاطِب والمخاطَب كما تتمنى هي، أيْ الشاعرة أو تعتقد أو كما تعيش لحظات التجلي والكشف والظهور، فسقطت ياء النداء وأية أداة للنداء لأن أدوات النداء تفيد البعد أحيانا أي خطاب الشخص لآخر غائب، فهنا اختزال منها للأمكنة والأزمنة في هذه اللحظة المتجلية .

يدلل مما تقدم أن الشاعرة تدرك السياق اللغوي والفقه وأصول الكلام والمنطق في نسج عشقها الصوفي بأسلوب شعري فيه من الحداثة مع الحفاظ على أبجديات ومسلّمات الخطاب الشعري الموجه للخالق البارئ، وحذر الشعراء من الشطح هو تلافيا للحرج والنقد، ولكن هذا لا يعني أن الديوان أبعد عن نفسة لومة الشطح والاجتهاد الشعري والمعرفي .

قصيدة (99 قصيدة عنك) (21)

[ (1)

إلهِي،

منْ أيّة سماءٍ تأتي هذهِ البعوضةُ

بلْ كيفَ تدْخلُ خِدْري هكذَا بدونِ استئذانٍ

وتلسعُني بشدّة كلّمَا انتصفَ الليْل؟

(2)

إلهي،

اللسعةُ فوق يدِي اليُمنى

كأنّهَا كيٌّ بالنّار

تؤلمُني ولا يهدأ حريقُها

(3)

إلهي،

لا المبيداتُ الحشريّة نفعتْ معَها

ولا حتّى السّمومُ الكهربائية

فهي لا تموتُ أبداً

وتأتي كلّ ليلةٍ في موعدهَا

لا تؤخّر ولا تقدّمُ دقيقة

وكأنها ساعةٌ نوويّة

(4)

إلهي،

أأقومُ وأهجرُ فراشي ونومي الهنيّ؟

وإلى أين؟

إلى غرفةِ مكتبِي الورديّة؟

طبعا، فليس لي غيرُهَا

وهيَ وحدهَا تنتظرنِي

كلما اشتدّ ألمُ لسعاتِ بعوضتكَ بيدي

(5)

إلهي،

البعوضةُ توجدُ هُنا أيضا

إنّها فوق شاشةِ حاسوبي الأخضر

أحاولُ أن أزيحهَا بيدي

لكنّها تفرّ منِّي

ثم تَعُودُ وتحطُّ فوقَ شاشتي

وعبثا أتظاهَرُ بنسيانهَا

(6)

إلهي،

البعوضةُ تختفِي

ما إنْ أشرعُ في كتابة حرفكَ شعرا أو نثراً

ولا تعودُ إلّا في اليوم التالي

عندَ منتصفِ الليل طبعا

وفي غرفةِ نومِي

بدون أدنى شكّ

كيف ذلك، ولماذا؟

هذا ما لا يعلمهُ أحدٌ سواكَ

(7)

إلهي،

مرّت الآنَ ثلاثةُ أشهرٍ

وتسعةُ أيّام

والبعوضةُ لم تُخلف موعدها معي أبداً

لكنّها اليوم عادتْ إلى غُرفتِي

عادتْ ومعهَا سربٌ كبيرٌ من البعوض

أو النّامُوس كما تسميه بعضُ قواميسِ اللغة العربيّة

(8)

إلهي،

يا للمشهدِ المرعبِ

كيفَ سأنجو من لدغاتهمْ جميعاً الآن؟

أأُدخِلُ رأسي تحت الغطاءِ الدافئ

أأتركُ لهمُ البيتَ بأكملهِ؟

لا هذا ولا ذاك يا إلهِي

فسربُ النّاموسِ يرقصُ

يرقصُ رقصة دائريةً عجيبة

وكأنّه يرسمُ

أجل إنهُ يرسمُ بالرّقص

ماذا يرسمُ؟

يرسمُ في سماءِ غرفتِي رقماً عجيباً

كيف يا إلهي؟

هكذا: 99

(9)

99 يا إلهِي،

لا تسعةٌ وتسعون

كما قدْ يفضّلُ علماءُ اللغة القولَ والكتابة

لماذا 99؟

إنها عددُ لسعاتِ هذه البعوضة

وعددُ أسماء هذا الفردوس

وربّما القصائد التي كتبتُها عنكَ

لحظةَ وُلدْتُ وساعةَ رحلْتُ

ويومَ قُمتُ ثمَّ مشيتُ

يا إلهي.]

 

رياض ابراهيم الدليمي - كاتب واعلامي

.......................

الهوامش والاحالات

1- ديوان الشاعرة (99 قصيدة عنك) د . أسماء غريب . مطبعة دار الفرات للثقافة والإعلام . العراق – بابل – 2016 – الطبعة الثانية

Historical Archive of the Bible Wheel Site -2 .

3 - مقال – لا توجد صدفة بالأرقام - موقع شبكة آرم الإلكترونية - 24-5-2014

4 - موقع شبكة مكة الإلكتروني

5 - القرآن الكريم – سورة الأعراف – 180

6 - القرآن الكريم – سورة الإسراء – 110

7 - القرآن الكريم – سورة طه – 8

8 - القرآن الكريم – سورة الحشر – 24 .

9 - حديث نبوي شريف .

10 - موقع واحة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الإلكتروني - اسم الجلالة والرقم 9 - بقلم وسيم مصري،11-7-2009 .

11 - القرآن الكريم - سورة ص آية رقم 72 .

12 - عبد الدائم الكحيل - موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .

13 - urd - نقلا عن موسوعة ويكبيديا .

14 - نفس المصدر السابق .

15 – نفس المصدر السابق - ديوان الشاعرة أسماء غريب .

16 – نفس المصدر السابق كذا .

17 - جريدة القدس العربي - نظرية التلقي والتأويل في النقد الأدبي عند العرب – الناقد محمد يوب – 21- 12- 2015 .

18- د. علي حرب - "هكذا أقرأ ما بعد التفكيك" - الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر .

19 – د . علي حرب – نفس المصدر السابق كذا .

20 – الناقد محمد يوب القدس العربي – نفس المصدر السابق كذا .

21- قصيدة 99 قصيدة عنك، من ديوان الشاعرة الذي يحمل نفس عنوان القصيدة .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4310 المصادف: 2018-06-24 02:17:31