يراعي سلسبيل الروح

عشقي .. بهجتي  .. ظلي

jafar almuhajir2

يراعي سلسبيل الروح / جعفر المهاجر

 

ضوئي  اليراعُ .. أهيمُ   في أسفاره

وبنبضه    أحيا    بلا  جدرانِ

وإذا الأسى قد نال مني مقصدا

أشدو وأشدو في لظى حرماني

أسقي حروفي من صهيل مواجعي

مقرونة     بالحب    للإنسانِ

إن اليراع  نداؤه   في أضلعي

لن  يستكين    لناعق   طعّان

متعففا  أبقى  وحرفي  مشعلي

لن  أنحني    للقهر  والسجان

وأنا  إلى  موتي  أسير  بلهفة

إن جف حبري واليراع جفاني.

وأيمُ اللهِ والنورِ

وحق التين والزيتون والطورِ

يراعي صاحبي الأبهى

يراعي عالمي الأنقى

به أعلو إلى أسمى الفضاءاتِ

به تسمو جراحاتي وآهاتي

به أشدو مع  الإنسان

في أسمى نداءاتي

به  تحلو ترانيمي

بلا زيف  وتعتيمِ

يراعي فيه مشكاتي

عذاباتي  .. صباباتي

مناجاتي وصولاتي

وأشجاني وآهاتي

يروم العشق والصدقا

يدين  الذبح والتدمير والحرقا

يراعي  يقذف الجمرا

على الزيف الذي آستشرى

جليل القدر هدارٌ

وكالأمطار  مدرارُ

ودوما هكذا يبقى

***

يراعي ثروتي الكبرى

من رب السماوات

يصوغ حروفه نثرا

وشعرا تارة أخرى

ثريٌ  في معانيهِ

وشهم في مساعيهِ

صبور في منافيه

نقي في حواشيه

بهي في قوافيه

قويٌ مثل موج البحر

في أقسى دواهيه

يناغيني .. أناغيه

ويسقيني  ..  وأسقيه

عفيف طاهر الأردان

حر يرفض الجدران

والظلماء والسجان

كشمس تحضن الشطآن

كطير يبدع  الألحان

وزهر ساحر الألوان

يهدي عطره الفواح

للأحباب والخلان

مهما عسعس  الليلُ

ومهما  أزبد الويلُ

وأرغى في حنايا الأرض

أعداء الصباحاتِ

وأزلام البذاآت

وأربابُ الغواياتِ

وتجار العداواتِ

***

يراعي سيفي البتار

على الأوغاد والأشرار

رموز القهر والعطبِ

على الأحرار جزارون ويحهمُ

لا أخلاق لا إحسان عندهمُ

ولا  دينٌ ولا عهدٌ ولا ذممُ

وللأسياد هم خدمٌ

ملوك كلهم وخمُ

أكّالون للسحت

وسبّاقون للكذب

ثعابين وغيلان

مناكيٌد وذؤبانُ

زعامات  مشوهة

وأوثان أذلت أمة العرب

***

يراعي يسرج الأنوار

للأحرار والنُجُبِ

ويسمو في فضاء الفكر

في الآفاق كالشهبِ

سيبقى منهلا  للطهر

نصيرا للمساكين

عدوا للفراعين

ويهدي أنجما خضراء

من بوح الشرايين

رغم العسف والكُرب

***

يراعي سلسبيل الروح

عشقي .. بهجتي  .. ظلي

هو الغواص في الأعماق

لا يخشى من البللِ

ولن بسعى إلى الخطل

ورغم الظلمة الخرساء

يرنو للفضاء الرحب

ظمآنا إلى الأمل

ولم يشكو من التعب

ولن يسعى إلى الرتب

ولا الغلواء والصخب

يراعي  نخلة فرعاء

فيها يزدهي الثمرُ

ومنها يبدأ السفرُ

إلى ساحات أوطاني

يراعي نبعيَ الحاني

وأفراحي وأشجاني.

 

جعفر المهاجر.

 

 

كان يقيس المسافة بين الكرّاسة وتعب القلم

بوتد من رحم كسيح

hasan alasi

أحدثك عن وجع الحقيبة / حسن العاصي

 

لم أكن أحب معلم الرياضيات

لأنه يكْسر صور الأحبة

ويعادل أجنحة المراكب بأشرعة البجع

يدسّ جذر الريح الشارد

ثم يضع أسماء الموتى  في جداول

يبتدع نظريات بفوهات صمّاء

تضيق على عيون الصغار

ويحمل مسطرة طويلة

تصل إلى رؤوس التلاميذ

يشرح لنا عن مثلثات

برؤوس متجردة من حقولها

أضلاعها مثل شجرة هرمة

وفمها طوابير من الجراد

كان يقيس المسافة بين الكرّاسة وتعب القلم

بوتد من رحم كسيح

ولا أحب أستاذ الجغرافيا

يرسم بحوراً لا ماء فيها

ولا أغصان حانية

يخبرنا عن مدن تعوم فوق شقائق النعمان

وعن فصول ممزقة الأسمال

تستجدي حزمة من مطر

يقول لنا حين تسقط أوراق النهر

يجن الخريف ويموت الخبز

حينها يقضم الغيم وجه النهار

لا تخافوا إن ألقت العاصفة في صلب الكثبان

قمحاً بلا قوافل

ولا مدرس العلوم العجوز

يخلط بالقارورة صوت الضوء المتربّص بالنهر

برائحة التوت المثقوب

وفي كل مرة تختنق شرنقة الماء

كانت يده مبتورة

قال مرة لا داع للعجلة

الطحلب الأصفر سيزاحم الشمس البكر

إذا ما نضج السور

وغفى النور على كفّ الأفق

أكثر ما كرهت معلم الرسم

وهو يصوّر في الأعشاش أسماك بأجنحة

ويرسم ستائر بلا نوافذ

حين رسمت عربة نقل الموتى

وضعت فيها صناديق من التفاح الأبيض

صفعني على مؤخرة رأسي

شاهدني مرة أرسم رجلاً يصلّي

عارياً بلا ملامح

صاح يا عبد السوء

وطردني من الحصة

أستاذ اللغة العربية كان يخيفنا

يصرخ دون مقدمات

لم يكن من حاجة لهذا المعول

هذا الحطّاب لا اسم له

ورأسه سادر بلا حول

معتقلين كنّا لا طلّاب ولا أطفال

لم يكن أبي يصدّق إني كسول

وإني لا أحب المدرسة

حين يسألني عن أسماء الأولياء

أعدّد له  أغصان المدينة

أقول الحروف مصابة بنضح من وجعها

أصبحتم تعلمون ما كان يفعل

وأنت لا تطلب مني كتابة قصائد عن الحب

ولا عن الحبيبة الوفيّة

لم أكن أبداً أتحدث عن المدرسة

ولا عن أبي

كنت أحدثك هنا فقط عن وجع الحقيبة

 

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

وكُن كما الوزيرُ أراد ..

فليس لك أن تريد

mohamad almahdi

سِــر على الدرب وحيدا / محمد المهدي

 

على الدرب وحيـدا ..

سِـــرْ على خُطى الأشواك،

واحزم حقائبك،

وكل أوراقك الأخيرة !!

تَحَمّـــلْ !

تَقَبَّـــلْ !

تَـفادى !

تَغاضى !

واصبِــر واحْتَسب،

إِن الظّـلمُ تَمادى !

وكُن كما الوزيرُ أراد ..

فليس لك أن تريد

إذا ما الزمان أراد!!

لستَ منارةً للعلم منذ اليوم،

ولن تعود إذا الزمان عاد .

فقَوْمي قد أَطْفَؤُوا الأنوارَ  طُرّاً،

وأَناخُوا خِيامَ العِلم و العمادَ،

وصارَ الحديثُ بينهم سَبْيٌ و مَظْـلَمَةٌ،

فوَضَعُوا الكتابَ واحْتَضنُوا الزّنــادَ .

وأَصَمُّوا عن الحقّ البصائرَ،

فما زادَهُمُ النّصحُ إلا فَسادا وعِنادا.

 

محمد المهدي

المغرب ـــ  تاوريرت 

 

 

من تعاظم الثبات في مبدأ السماء

طعن الزمان بذات العقول

husam abdulhusanaltimimi

خيام الألم / حسام عبد الحسين

 

دار الزمان بشجعان الوغى

واعتل الحليم بين مرديات الهوى

لعب الساسة في الملك

فلا خبر جاء ولا شعب ظلم

تعالى وجع الليل في زخات المطر

وابتسم الصباح بإشراقة الفجر

تلذذت القهوة في شفاه المبللين

من تعاظم الثبات في مبدأ السماء

طعن الزمان بذات العقول

وشعشع الامل بين جدران الوطن

رقص اليتيم من وحشة الصبر

وتناثرت خصال الطليقة من فضائح التهم

من مهد الطفولة شاخ الكهول

وبين علامات القبور تهيأ الصبيان!

كل حلم قد تحقق في الأوهام

وكل أمنية قد شنقت في الوديان

على أرصفة الشوارع تقطع حجاب الثكالى

وتبادل الدمع مع دماء الغيارى

عيون لم تبصر الحياة

الا على التي كانت تحت الفؤاد

البكاء ثورة حزين في دهاليز الخفاء

وصرخة ثائر تزلزل السماء

كفى ياحسرة الكفيف من مضجعه

وحزن الاسير على خنجر ظهره

 

 

كَنُبُوءَةٍ وَادِعَةٍ .. فِي تَمَامِ الْأَزْمِنَةِ

تَبْعَثِينَني شَهْوَةً .. فِي لُغَتِكِ الْيَانِعَةِ!

amal awad

مَنْ يُدَحْرِجُ عَنْ قَلْبِي الضَّجَرَ/ آمال عوّاد رضوان

 

هَا رُوحِي

تَغْسِلِينَهَا .. بِأَحْلَامِكِ الْوَرْدِيَّةِ

وَمَغَاوِرُ خَيْبَتِي .. تَطْفَحُ

بِغُرْبَةٍ.. بِرُعْبٍ.. بِفَرَاغٍ!

أَنَا الْمَلْهُوفُ لِرَصَاصَةِ حُبٍّ

يُشَنِّجُنِي دَوِيُّهَا

أَنَّى لِي أَتَّكِئُ.. عَلَى جَنَاحِ فَرَاشَة؟

لَعْنَةٌ رَشِيقَةٌ

تُهَادِنُنِي .. تُنَاوِرُنِي

أَتَصْلِبُنِي

عَلَى شِفَاهِ سَحَابٍ دَمَوِيٍّ .. يَتَرَبَّصُ بِي؟

أَيَا صُعَدَاءَ عِشْقِي

بَوْحِي.. وَرْدٌ جَرِيحٌ

عَلَى سِيَاجِ رَبِيعِكِ

لَا يَحُدُّهُ نَزْفٌ

وَلَا يَلُفُّهُ وَدْعٌ .. وَلَا حَتْفٌ!

وَأَنْتِ وَدْعِي وقَدَري!

أَنْتِ وَدَعِي وَسَكَنِي!

كَنُبُوءَةٍ وَادِعَةٍ .. فِي تَمَامِ الْأَزْمِنَةِ

تَبْعَثِينَني شَهْوَةً .. فِي لُغَتِكِ الْيَانِعَةِ!

***

أَيَا مَعْصِيَتِي الْمُبَارَكَةُ

رُحْمَاكِ

أَطْفِئِي يَأْسِي.. بِنُورِكِ الْمُقَدَّسِ

لِأَظَلَّ أَجْمَعُ ظِلَالَكِ

أُلَمْلِمُ رَعَشَاتِ ضَوْئِكِ

لِأَسْتَظِلَّ بِقَدَرِي!

أَعِدِّي مَائِدَةَ الْحُبِّ.. لِثِمَارِ حَنَانِي

اِخْلَعِي عَنِّي مَنْفَايَ

وَأَلْبِسِينِي وَجْهَكِ

لِأَنْضُجَ .. بِحَنَانِكِ

لِمَ أَتَكَدَّسُ .. فِي مِرْآةِ جَبَرُوتِكِ

وَالْبَرْدُ يَحْطُبُ لَيْلِيَ

بِالْمَرَاثِي وعَتْمَتِكِ؟

هَا صَبَاحِي ذَابِلٌ

يَهُشُّ أَنِينَ لَيْلِي .. بِزَفَرَاتِكِ

أُلَامِسُ قَلْبَ السَّمَاءِ

وحَيْثُنَا

عُيُونُ الْمَلَائِكَةِ .. تَسْتَفِيضُ رَحْمَةً

وَأَتَحَرَّقُ عَارِيًا

إلَّا .. مِنْ هُشَاشَةِ رَجَاء!

بِوَحْشَةِ ضَوْئِكِ الْفَائِرِ

أَرْسمُنَا .. دَوَائِرَ تَتَحَالَقُ

وَ.. أُحَلِّقُ حُرْقَةً

أَ~ تَ~لَ~وَّ~ى

أَ ~ تَ~ لَ~ وَّ~ عُ

فِي قَفَصِ النِّسْيَانِ!

 

 

أرخي مَلاءتَكِ مُدنًا

فهذا المدى متراميا

alamira sadallah

وجع .. / العامرية سعد الله

  

وجع يمدُّ ذراعيْـهِ..

نحْوٓ هوّةٍ.... هُـنا..

ينبعثُ منها صَدًى ..

يَــنمُو ..

يتحوّلُ تعاويذَ سحرٍ

تدّقُ نواقيسَ الأملِ

تسقطُ أقنعةُ الرّداءَةِ واحدًا.. واحدًا

يتعرَّى وجهُ الحقيقةِ...

الأمّ التي أرضعتْنا لا تخونْ

والوطنُ لا يخونْ

وهذا الطّينُ الأسمرُ لا يخونْ

ينثرُ ملحَهُ فِينا

تنتفضُ الصّحراءُ فينا

ألا يا أمّنا الكريمة

مُدي دِثاركِ

طوّقينا

أرخي مَلاءتَكِ مُدنًا

فهذا المدى متراميا

يُشقينا

والرّيحُ تعوِي بكرةً .... وأصيلاَ

تهمِي على قسماتِي

وهذا الظلامُ عقيمٌ ..

ع ق ي م....

 

العامرية سعد الله / تونس

 

nabil odaaنكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها، تخرج كل ليلة صارخة شاتمة متوعدة وأهل الحارة في نومهم العميق .. لا تبقى ولا توفر احدا، توجه اقذع الشتائم وتقذف التهديدات بأن "تفعل وتترك" بنساء الحارة ورجالها، يتطاير الزبد من شفتيها في نوباتها الليلية العصبية .. وكثيرا ما تلوح بسكين مطبخها متوعدة مزمجرة، مما ترك توجسا في نفوسنا بان ترتكب حماقة على حين غفلة.

الحق يقال، ان اهل حارتنا يؤذيهم حالها البائس  ويريدون للطف الله ان يطولها مرة اخرى بمؤسسة ترعاها، علها تعود الى كامل وعيها وتصبح واحدة منا وفينا، تغرق مثلنا في النوم حين يحين زمنة السلطاني، تستيقظ ليومها الجديد  بنشاط وأمل، تبادلنا ونبادلها التحيات والاحاديث والعلاقات الطيبة المرجوة بين الجيران وسننسى ايامها السوداء التي أطارت النوم من عيوننا وعيون اطفالنا بصراخها المؤذي وبشتائمها المدوية في سكون الليل وبعربدتها المنفلتة على رجال الحارة ونسائها، لانهم يتنفسون نفس الهواء الذي يصلها  ويلاطفهم نفس النسيم الذي يرطب قيظ الصيف في بيوت الجميع، او يرى الله بها امره رحمة لها ولنا، فهو الرحيم وهو السميع .

تلك المرأة والمتلطف بها، كما يفكر البعض .. ولا اقول هذا على ذمتي او مسؤوليتي، حتى لا اتحمل وزر الخطيئة، انما انقل ما يدور وليس في ذلك ما يدل على اشتراكي بما يفكرون .. بان الله يحمل اثم تصرفاتها المنفلتة، اذ اختصها بلطفة وبتنا عاجزين عن فهم وتعليل ألطافة التي كثرت واتسعت مع تزايد شتائم جارتنا وصرخاتها المدوية في منتصف الليل. فهمنا انها تتهمنا بتنظيم اعتداء عليها، واننا نجمع القمامة ونفرغها امام منزلها، واننا نصطاد الذباب والهسهس ونجمعه ونطلقه في محيط بيتها، واننا نمارس السحر لتبقى الدنيا سوداء في وجهها، ونتآمر لنسرق الورود التي لا تألو جهدا، رغم لطف الله بها .. على رعايتها بحنو واكثارها .

كثيرا ما اصابتنا الحيرة من عقلها الشائط في علاقاته مع اهل الحارة والجيران الاقربين خاصة .. وقدرتها العجيبة في رعاية الورود، تخصيبها واكثارها .

الحقيقة، لولا عقلها المصاب بلطفة، دام مجدة في عليائه، لما تردد احد في التقرب والتعلم والاستفادة من خبرة جارتنا في تنمية الورود، بل ودعوتها اهلا وعلى الرحب والسعة في بيوتنا، بعد ان يعود عقلها الى مخدعه ويتستر لسانها بمأمنه.

للتاريخ اقول ان جارتنا نزلت علينا في يوم غائم ... لا يدري احد كيف تم هبوطها ومن اين مصادرها لامتلاك بيتها الكبير ذي الساحات والمشارف والاحواض،  قارن البعض هبوطها بالهبوط الناجح على القمر .. غير ان هبوط القمر له مصمموه ومطلقو آلاته، اما هبوطها فلم يعرف اصلة ووسائله، لا مبتدأه ولا خبره، انما اضحى حقيقة نعايشها بقبول وتوجس بالا تكون وراء جارتنا سيرة لا تطمئن البال ولا تضيف لبيوت الحارة كرامة وصونا للشرف.

كان واضحا ان هبوطها في حارتنا هو شوكة تزداد انغراسا مع الايام، رغم الورود المنماة في الاحواض والشرفات، الا ان الاحساس يحمل توجسا لا تفسير ظاهر له وقلقا من آت مجهول، قد لا يتناسب مع حارتنا واخلاقنا وقيمنا وحسن سيرتنا، قد تواصل ازعاجها وزعيقها المؤذي وحرماننا من النوم الهانئ واقلاق راحة بالنا.

 ما لفت انتباهنا وحيرتنا مثولها امامنا ببشاعة لم ينتظرها أحد من الخالق في خلقة، الذي قيل لنا في صغرنا بان صناعته في منتهى الكمال والجمال والاتقان، فهل كانوا يكذبون علينا؟! ماذا يستفيدون من اخفاء الحقيقة ؟! او هي محاولة لتجربتنا في ايماننا بقدرته ومشيئته سبحانه في عليائه؟!  كيف نرى الجمال في كل ما نرى؟ هل ابقت جارتنا شيئا من دلالات جمالها؟! ترى ما الذي يمسخ سحنتها في عز الليل  ويحيلها شرسة تزعج راحتنا ونومنا الهنيء، تصليه على نار كلماتها النابية والمؤذية؟

 كنا نتأمل ونتعجب ونناشده سبحانه .. ان يحل بنا مزيدا من الصبر والتقوى وان لا يجربنا بجارتنا، أقمنا له الدعوات ان يبرد غيظها غير المبرر، يطفئ حدتها الملتهبة، يخفف انذاراتها لنا بالثبور والدمار، ان يسقط الغشاء عن عينيها علها تبصر نوايانا الطيبة ويرتد لها عقلها، ان يطمئن بالها ويزول كربها وزعيقها  فننعم بغفوة آمنة اشتقنا لها وافتقدناها منذ ابتلينا بها .

سبحانك في علاك، لا يتم امر الا بمشيئتك، لا يرى النور انس او جان الا بإذنك، رحمتك يا قدير، حنانك يا غفور .

طال انتظارنا للطف آخر  يضاف على لطف الخالق الاول الذي انعم به على جارتنا، فيعدل ما بار في خلقها، حتى تزول حيرتنا من حديث بعض ضعاف النفوس وقليلي الايمان من اهل حارانا، انه في عليائه (المغفرة ثم المغفرة) له جولاته وصولاته، بعضها لأمر في نفسة او خارج عن ارادته كما يدعون .. لا يكتمل تجليه، لا تنتظم صنعته  ويبقى منتقصا وعديم الفائدة للبشر... وان الامر يشبه سكة الانتاج، يخرج منها الصالح تماما والصالح اقل والباير كجارتنا .. لكن حيرتنا بقدرتها، رغم لطفة النازل عليها .. على تنمية الورود ورعايتها بحب جلى واضح معظم ساعات النها، اما ساعات الليل فتكرسها لشتمنا وقذفنا بسافل الكلام وبأشد التهديدات قساوة وجنونا  فكيف يتساوى الورد مع الجنون ؟!

بعض الشباب تواقحوا واعلنوا ان جنونها من جوع فرجها، اشباع فرجها يضمن صمتها في الليالي التي احالتها الى معاناة طويلة لأهل حارتنا ولكن هل هناك من يجرؤ على تطبيق هذه النظرية ؟!.

بعض الشيوخ ايقظت فيهم نظرية الشباب الفرجية، ذكريات ايامهم الغابرة، فتنافسوا في قص غزواتهم وعنترياتهم  حتى اضحكوا اهل الحارة، مسكها عليهم الشباب وتساءلوا بخبث وهزء ان كان من المعقول ان يكون لشيوخنا، الذين يدبون على عصيهم واحيانا على عصيين، يقحون ويبصقون ويضرطون كل ساعات يومهم، مثل هذا السجل الذي لا يخجل به اكبر " دون جوان " عرفته غرف النوم؟ ان كان شيوخنا الافاضل بمثل هذه القدرة التاريخية على حرث الفرج، فكيف تحول هبوط جارتنا في حارتنا بمثل هذا الاشكال وبمثل هذه الضراوة، بمثل هذا التعطش للأذى وبمثل تلك الدلالات البارزة لجوع فرجها؟! البعض سأل ما لا جواب له، لماذا يا حضرات الرواد البواسل لم تتطوعوا لإشباع جوع جارتنا قبل أن يمسها لطفه ؟!

الواقع ان الشيوخ كالشباب، استطابوا حديث الفروج، حتى زجرهم عقلاء الحي وانذروهم بالويل والثبور والحرق بنار جهنم إذا واصلوا الخوض في المحرمات والاعراض، ان الجارة، حتى الغريبة عن الحارة والدخلية على بيوتها، لها حرمتها، فنحن العرب استثنانا الله من الرذيلة، ووهبنا الفحولة لنستثمرها في العمل الصالح والمشروع بالإكثار من نسلنا وتعزيز جيوش المؤمنين الصالحين.

 ان الدلالة لمصيبة حارتنا بجارتنا هي مئات التجارب التي لا بد لنا ان نقف فيها بثبات وايمان، حتى لا نسقط بالتجربة الربانية ونتحول الى عبدة الشيطان لعنة الله عليه، يجب ان لا ننسى ان لسبحانه في عليائه شؤون في خلقه، ليس لنا ان نخوض فيها حتى لا نقع بالمحظور، الله تبارك اسمة لا ينتظر اقتراحاتنا، لا ينقصه صواب الرأي وحسن التدبير، لو شاء للطف لسانها او اخرسها، لو شاء لبعث اليها فحلا يضمها الى حريمه بدل وحدتها القاسية .. ويروضها ويشبعها فما وفرجا، فتطيب حالها وتستقر نفسها، لكن مشيئته لم تكن كذلك، فالحذار من الخوض في شؤونه ..

قال شاب يلوح البريق في عينيه، ان عقلاءنا زجرونا عن حديث الفروج بتهديدنا بالويل والثبور ونار جهنم وفتحوا حديث الفحول، اي اننا عدنا لنفس المنطقة المحظورة، نتداول فيها لحل اشكالاتنا، لكن لم يثبت حتى اليوم ان امة تحررت بقدرة فحولها على حرث فروج الغزاة، او ان اشكالياتنا حلت بقدرتنا الفحولية  .. فهذا يعيد الحديث الى اصلة، الى نفس المناطق المحظورة التي منعنا عنها عقلاء حارتنا، هذا يثبت اننا شبابا وشيوخا حرث الزمن في عقلهم وعقلنا، مصابون بنفس الداء .. وان العقل في هذه المنطقة، يخرج في اجازة .. ويبدو ان اجازته طالت وهي بسبب ما نعانيه من الهبوط الغريب لجارتنا في حارتنا ..

اشتدت قوه صراخ جارتنا واستمرت لزمن اطول، وصرنا نسمع عويل الذئاب بين صرخاتها وكأنها تتحول الى امرأة ذئب، وقد ارتعد الرجال قبل النساء .. التصق الاطفال بأمهاتهم رعبا، لم يجرؤ أحد منهم على عبور الشارع بقرب بيتها الا ركضا سريعا ومن الجهة البعيدة. تساءل البعض ان كانت جارتنا حقا امرأة، ام هي فحل بثياب تمويهية بقصد الفتك بحرمات الحارة؟ اشتعلت الاضواء الحمراء، احس اهل الحارة بالخطر المحدق، قال البعض لعل المخفي أعظم  وغرقنا في حيرتنا .

ربنا هبنا من لدنك رحمة  وعزز ايماننا واحفظ لنا كرامتنا .

استقر رأي حارتنا بعد ان اعياها الحال وتكاثرت الوساوس والهواجس، ان يستنجدوا بالحارات الاخرى، فالمصيبة قد تلحق بهم ان لم نتدارك الامر ونوقف الشر المتزايد .. حقا لا يمكن انكار نخوة ابناء الحارات وهمتهم المباركة، توافدوا جماعات جماعات لمد يد العون ودعمنا من الآفة المستفحلة .. بعضهم اكتفى مشكورا بالدعوات الحارة لخالق الارض والسموات  ان ينصر المؤمنين الصامدين على الشر والاشرار، اقيمت الموالد في حارتنا ترحيبا بالإمدادات من اصلب الرجال .. ذبحنا الذبائح،اكلنا ودبكنا ولوحنا بسيوفنا امام شرفتها .. رغم ذلك لا يبدو ان جارتنا فهمت ان هذه الجحافل والسيوف هي لوقف استفحال شراستها وعدوانها، بل استمرت بصراخها الليلي المؤذي مما ارهق رجال الحارات وحرمهم من الخلود للنوم والراحة، رغم ذلك لم يتخلوا عنا الا بعد ان نفذ مخزوننا من الارز والخراف، فرجع كل الى حارته معلنين بصلابة انهم على استعداد دائم، اذا ما تواصل استفحال الامر، ان يعودا من جديد لدعم صمودنا وتقوية شكيمتنا، دعوا لنا بالخير والوفاق، شكرناهم على نخوتهم وودعناهم بمثل ما لاقيناهم من ترحاب.

 يبدو ان جارتنا انتظرت هذه اللحظة ... بعودة الطوابير الداعمة الى احيائها، فازداد جنونها.. بدأت تخرج لشوارع الحارة وازقتها في ساعات الليل والنهار، تعترض النساء والاطفال  صارخة شاتمة ملوحة بقبضتها، لم يجد البعض حلا الا مغادرة الحارة، خوفا ورعبا من اذاها، بعد ان بات واضحا اننا لا نملك ما نطعم به طوابير الدعم من الحارات الاخرى .

حقا، اهل الحارة لم يكونوا قاصرين عن "فلخ نيعها" اما ما زجرهم فهو اباؤهم عن تلويث رجولتهم بالتشاطر على امرأة مصابة بلطف الله .

اسودت دنيانا ولم يعد لحياتنا معنى، لم ندر كيف وصلنا لهذه الحال ومن اين ابتلينا بهذا المأزق؟

حال الجارة تزداد سوءا وعدوانا وباتت البيوت التي تركها اصحابها مرتعا خصبا لانفلاتها، كانت بلا اهل ليردوها عن غيها.

لا نعرف من اين هبطت علينا، هل لها زوج، ام انه كان ونفق بعد ان رأى حالها ؟ كيف تصير حال كرامتنا إذا مددنا ايدينا عليها ؟!

بعض الشباب  تنظموا وتسلحوا بالعصى لردع انفلاتها، الا ان كبارنا زجروهم وافهموهم ان للجار مهما استجار حرمته، فكيف والحال مع امرأة وحيدة ومصابة بلطف الله .. ؟! ادعوا لها بالرحمة ؟؟

لكن الله، سبحانه في علاه، له كما يظهر رأي مختلف، طرقه ليست دائما مفهومة لخليقته، ها هي الجارة تذهلنا وتحيرنا بوضعها مولودة في كل بيت مهجور .. ترى من اقتحمها ؟؟ وهل كان اقتحامها ميسرا؟

هل مقتحمها انس مثلنا او جن من المتحررين من اسر سليمان الملك؟!  كيف لم يلحظ أحد من أهل الحارة تغير حالها وشكلها بانتفاخ بطنها؟! المذهل كان وضعها عددا من المولودات من غير المعقول ان يحمل به بطن وحيد، هل هي امرأة كما فهمنا حتى اليوم .. ام جنية متمردة من اسر سليمان الملك؟!

هل يصاب الجن بلطف الله كالبشر؟!

 هل يمكن ان يشبع انس جوع فرج جنية ؟!

 كيف يمكن الجماع بين انس وجنية؟!

سئلت الأسئلة وظلت معلقة في الفضاء.  هل يسمح الشرع بهذا الجماع ؟! من اين لهذه الجارة هذا الخصب غير المحدود، وبهذه الكثرة المستحيلة على بني البشر؟! هل نحن امام عجيبة دنيوية لم يسمع بها احد من قبل ؟

المرعب اكثر ان المولودات شديدات الصراخ كأمهن، فهل انتقل لهن لطف الله بالوراثة ؟! ما الحل امامنا ؟ هل نحمل عصانا ونرحل ؟!

بدأت تدور قصص تشابه الخيال بان بنات جارتنا، رغم صغرهن ... يتجولن في الحارات الاخرى مطلقات صراخا ذئبيا مرعبا .. المذهل انها لم تلد اي مولود ذكر!!

بلغ الذل مداه .. وبدأ تمرد الشباب على حكم الشيوخ واتهامهم بالمسؤولية عن التقاعس ولجم الانفلات الارعن لجارتنا في وقته.

وتساءل أهل الحارة: من المتهم بإعطائها المجال الحيوي للتكاثر الغريب والمذهل وبدون الاخصاب من ذكر؟!

قال الشباب انه بلغ السيل الزبى وانهم ليسوا على استعداد ليكونوا نسخة طبق الأصل عن أهلهم، مؤكدين ان ما يجري هو تجاوز لكل مفاهيم التجارب الالهية ببني البشر، التي يذكرها علماؤنا ويلوحون بها لزجر الشباب عن غيه كما يقولون.

 اعلن معظم الشباب انه حتى الكفر اكثر عزة من الذل والمهانة لكل العمر، حتى الإصطلاء بنار جهنم اكثر رحمة من الإصطلاء بشراستها واهاناتها وبالحرمان من الراحة والنوم المتواصل، التزام عدم الرد كان خطأ، جرت نقاشات حادة، لكن الاجيال اختلفت طرقها وقناعتها، حتى الاولاد أنصتوا لحجج الطرفين وكأنهم يفهمون ما يجري.

في فجر هادئ عليل النسيم، رائق الاشراق، وقع المحظور، كان من الرعب التفكير فيه ويبدو انه بين الرعب والجرأة شعرة معاوية  وقد انقطعت.

لطفك ايها الخالق، مدد من قدرتك، مدد من رحمتك .

كان الاولاد، الذين لا يفهمون كما آمن الكبار .. في طريقهم لمدارسهم، كما في كل يوم .. وكل منهم يحمل اثقاله من الكتب والدفاتر والاقلام وزوادة اليوم.   كالعادة بنات جارتنا يضججن ويعتدين على الاولاد، غير ان الاولاد هذه المرة لم يفزعوا، تسمرت انظار الحارة ولم يدروا ما يحصل .. ما هي الا لحظات حتى كانت حقائبهم بكتبهم ودفاترهم ملقاة على قارعة الطريق وفي يد كل ولد حجر وبيده الاخرى يرسم شارة النصر ... كان الفجر هادئا، لكن حجارة الاولاد المنطلقة بتصميم جعلته فجرا داميا.

 

نبيل عودة

 

 

أصحو على صافرات الحنين

- أتجول سراً.، في مخابئ الذاكرة .

naseer alshik

طاعن في الرخام / نصير الشيخ

 

- من شباك العدمْ

ولدت ..

هذا أنا .

***

- أنام بأغطية الحرب

- اشرب نخب الوصايا .

وأتلو خلسة

سورة الضياع

- أصحو على صافرات الحنين

- أتجول سراً .، في مخابئ الذاكرة .

- ليلا أسير ..، بعري الغياب .

- أأكل من الحزن ..، ما اشتهي ،

واقطف

من صنوبرة الحلم ..

ما أريد .

........ / لي قطوفي الدانية .،

وجناتي الغارقة ،

بفيض الوشايا .

لي أسرار ..

تخبئها عشبة ،

في المحيط .

لي نجوم

تقفز حولي ،

من سياج الليالي / .........

- ألملم الغيم بقبعتي .،

أستمطر الأدعية ،

والرثاء إلى العاشقين .

غنائي يبللني

استظل الساعة .،

بسقائف الندم .

 

هذا أنا .،

- الشوارع كلي ..

والأزقة ..

أوردتي الوارمة .

- في الصباح الكسول

اقرض الشعر .. والأمنيات

- امتطي حلماً ..

مفتتحاً بالوهم ،

سور الخراب .

من طينٍ يدي .،

ولي قلبٌ من خفوق .

- أطوف البلاد

أجدني

منهمراً في النشيج ،

ومنكسراً في الغواية .

تتكدس عندي الليالي

وأبسطها ساعة من أرق .

بجيبي تطوف القوافل ..

تدفعني لرصيف التسول .

تخضر ارض .، تشير لوجهي

تقشط قشرته الداكنة .

وتسربل ألوانه المائعة .

- أجدني .، (المغادر ظلي).،

نشيداً يناغم هذي السفوح

يذروا البلاد .،

فراشاً .،

وأسمالاً .،

وندوب .

 

 

وحينَ أفقتُ بكَيُتُ على ثَوبِهِ

كأنّي فراشَةُ حُزنٍ

تحطُّ على عُشْبِهِ !...

Ibaa Ismail

قصائد قصيرة (2) / إباء اسماعيل

 

أمل

رَمَيتُ الرِّداءَ الغريبَ

سَواداً كَلَيلِ المُقَلْ ...

لأَخرُجَ من عاصفاتِ الدروبِ

وأمضي إلى فاتحاتِ الأمَلْ ...

***

 

بابان

بابي وَبابكَ كالقصيدةِ

ساهِرانْ ...

بوّابةٌ للفجرِ تفتَحُ نجمَها

وحديقتي في القلب ترْسلُ ضَوءها

وكلاهُما مُتداخِلانْ ...

***

 

شهادة

فَلَتشْهَدْ كلُّ عصافيرِ الضَّوءِ

بأنَّ الطفلةَ كانتْ تكتُبُ أمجاد زنابِقِها

بالحبْر السرِّيْ ...

لكنَّ المشهدَ صار تُراباً،ً

واللعبةَ صارتْ وطَناً عربيّاً

في العصْرِ الحَجَريْ !! ...

***

 

هتاف

هَتَفَ الطفلُ الباحثُ

عن وطنِ الصبْحِ وقال:

قلبي وطنٌ يتكسَّرُ

من ظلمِ الأوغادْ...

أعْطوني قلباً آخَرَ

كَي أفْتَحَ قُدْسَ الأمجادْ !

***

 

نبوءة

قدْ تُغْمضُ عينيكَ

وترشِفُ أناّتٍ من قلبكَ

ليلَ نهارْ ...

وستبقى وردةَ عشقٍ

فوقَ الأرضِ،

الصَّخْرِ

الأمطارْ ...

وستُشْعِلُ من فجْرِ قصيدتكَ المسْكَ

تُصليّ في محرابِ الحُبِّ

وتتبَعُ أنهارَ خُطاَكَ

وتترُكُ للغَيبِ الحلمَ الورديَّ الأبهى

ليعودَ الليلُ صباحاً

كالسلةِ تسكنها الأسرارْ ...

ها الطيفُ الأحمرُ

يُطْفئُ وهْجَ الصيفِ

ونارَ الّدمعِ

لِكَي تُشرِقَ في القلب الأشعارْ ...

***

 

العشب

يا العُشْبُ  الـمُتأمِّلُ أنهارَ الذِّكرى

في فصلِ الغُربَةِ

والنّسيانْ ...

يا العشْبُ القادمُ مِن جَمرِ الشِّعْرِ

ليهطلَ ناراً مِن  حُبٍّ ،

أو حَرْبٍ

أو بُرْكانْ !...

امنحْني خضْرَ جناحيكَ

لأصْعدَ في الطَّيرانْ ...

***

 

نحن

نحنُ المفاتيحُ الجديدةُ

في المكانْ ...

نحنُ القصيدةُ

في الزَّمانْ ...

نحنُ السَّنا والنّورُ

في جسدِ الصَّباحْ ...

فافتحْ دروبَكَ للجَناحْ

كلُّ الدروبِ خطيرةٌ

ونقودُها شَمْساً

على كفِّ الرِّياحْ !

***

 

دنوّ

دنَوتُ مِنَ الليلِ

أدخُلُ مخبأَهُ

إلى وردةِ الفجرِ

أنشُدُ مرفأَهُ ...

وحينَ أفقتُ بكَيُتُ على ثَوبِهِ

كأنّي فراشَةُ حُزنٍ

تحطُّ على عُشْبِهِ !...

 

 

أنا عندي في الهوى نسق

أرتقي  من  ثم      أنزلق

sardar mohamad2

أُوار / سردار محمد سعيد

 

وحبيب  طاله    الأرق

مؤخر العينين     يأتلق

وهو في الآهات محترق

وأُوار    منه       ينبثق

مازه من   غيره   شبق

جاءني في    وجهه قَلق

وعلى  احداقه       نزق

الرضاب الحلو   والعَبق

وشهيق    إثره      غرق

ظن أن قد  سدّت  الطرق

لادروب أو  لها      نفق

أنا عندي في الهوى نسق

أرتقي  من  ثم      أنزلق

أختفي  حيناً       وأنبثق

غفلة   أدنو       فأخترق

 فإذا  الشالات     والخرق

 يسجنوني  سوف     أنعتق

مشمش الثغرين     ينفلق

فاسمحي لي منه    أسترق

 نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا .

 

 

مشهد يعكس صفاء الذهن

إنني أتوحد الآن معه

latif shafiq

(بلكونة) شرفة خارجية / لطفي شفيق سعيد

 

في طابق ثانٍ

من عمارة سكني

شمس تشرين الثاني

إحساس بالدفء

سماء زرقاء مترامية

تحلق الطيور مزهوة

ينساب النسيم عليلا

بلا حدود ولا شوائب

بإمكاني أن أملأ رئتي

مجانا وبلا حساب

سأستغله قدر الإمكان

لمعالجة تصلب الشرايين

سيغنيني عن مراجعة طبيب

تتدفق الدماء إلى مخي

أفكر دون أكراه ورقيب

هناك مشهد فريد

لا يتكرر ببساطة

مشهد يعكس صفاء الذهن

إنني أتوحد الآن معه

سيغنيني عن مشاهد الخوف

والجنائز والدماء

هي لحظة تسامي الروح

لا تضاهيها أوقات أخرى

حالة تجلي صوفية

على دربزون البلكونة

أتطلع لحشرة صغيرة

تلمع في ضياء الشمس

ما أجملها وما أرقها

إنها بلون الأرجوان

المنقط بالسواد

فجأة تمطت برشاقة

تفرد جناحيها وتطير

نحو أفق لا قرار له

وأعقبتها اثنتان

حطت أحداهما على كفي

والأخرى تسلقت سبابتي

كدت أطير فرحا

أشعر بدغدغة لذيذة

كيف لهما أن تعرفا من أكون

وكيف أن أوصل لهما مشاعري

ليتهما تسمعاني

عندها سأهمس لهما

شكرا لكما أيتها الدعسوقتان

كم أنا سعيد الآن

لأنكما أرحتما بالي المتعب

إنها فرصة قد لا تعوض

حبذا لو يمتلأ الكون

بدعاسيق آمنة

بدلا من وحوش ضارية

بأشكال مختلفة

حيوانات وكائنات بشرية

لا ترحم..

 

لطفي شفيق سعيد - رالي

 

 

هم الذين سطروا

مآثرهم على وجه الماء

almothaqafnewspaper

اغتراب / شفق ريحاني

 

Nostalgia

تهوي النجوم

في

غيابي

حتى ذلك

الذي

دسسته

في شعرك

في

غمرة

اغترابي

فأطوي

صفحة

اخرى من

كتابي

وافرد ذراعي

للغيوم  ...

***

 

جدي .. مرثية متأخرة

اراك

كل ليلة

تحرق البخور

تطرد الشياطين !

وتوعد الصالحين

بالنذور

اراك

تتلمس الخطى

في الظلام

تتفحص المزاليج

والنيام

وتبعد

الشرور  ...

***

 

اغتراب

هم

من علق

على مشجب

اوهامي

طلاسمهم

قمصانهم

المضمخة بعرقهم

القديم

ومناديل نساء

لامرئيات

هم

الذين سطروا

مآثرهم

على وجه الماء

وهم

الذين تواروا

خلف جدران

الصمت

هم

الذين

لا اعرفهم  !!!

 

شفق ريحاني

 

 

إلى شعراء بلد المليون شاعر

في أقصى غرب إفريقية

nooradin samood

شِنْـقِيط / نورالدين صَمّود

 

شنقيطُ ! فجرُكِ في الآفاقِ ينبثِـقُ         

                وخيْلُ مجدِكِ في السَّاحاتِ تَسْتَبِقُ

تظلُّ تسْبحُ في بحرِ السرابِ، وكمْ

               حسبتُ فرسانَها في البحر قد غرِقوا

في الغرب شرقٌ بَدتْ فيه قبائلُهُ

                 للعُرْبِ قد نُسِبوا والضادِ قد عشِقوا

أرَى الحجازَ بها في فجرِ عِزَّتهِ

                       وفوقَه أهلُـه بالشعْـر قد نطقـوا

بهِ رُبوعٌ عَـفَتْ دارُ الحبيبةِ مِنْ

                    أطلالها، فهي جُرْد بعدِها مِـزَقُ

وكدتُ أُبصر فيها كلَّ مَنْ وقفوا

                 على الدِّيار، وفي أحشائهمْ حُرَقُ

جدّدتُ فيها الذي ولَّى وعاوَدَني

             ما قد قرأتُ عن القوم الأُولَى سبَقوا

مَنِ اكتَوَوْا بلهيبٍ بعدما رحَلوا

            ومِن فراقِ الحِمى، بالدمع قد شَرقوا

بابٌ على الشرق في أقصى المغارب مِنْ

               أرضِ العروبة حيث الشعر يأْتلقُ

شنقيط‍ُ أهلكِ مَن للعُرْب قد رفعوا

                راياتِ عِـزٍّ  لجوِّ الشعر تخترقُ

واستنسخوا الشرقَ حتى خِلْتُ أنَّهُمُ

          كصورة الشرق، في آفاقهمْ، خَلَقوا

فلا تمـرُّ بهـمْ إلا على فِئَــةٍ

          في حُبِّهمْ لأصيل الشعرِ قد صَدقوا

والشعـرُ عندهمُ وزنٌ وقافيـةٌ

            وفي ابتكار المعاني طالما سَبَقوا

مَن لم يكنْ شعرُه لحنًا وعاطفةً...

               يظلُّ للقلب مثل النَّبْلِ يخترقُ...

فإنه مثلُ سيفٍ قُـدَّ من خشـبٍ

        يكون في الحربِ عارا حين يُمتشَقُ

ثرًا رديئا سخيفا غامِضا سَمِجًا

                 يكاد قارئُـه المسكيـن يختنـقُ

يبدو ركيكًا بلا معنًى تُـردِّدهُ

            غِربانُ شُؤْمٍ بجوِّ الشعر قد نَعَقوا

وإنما الشعرُ خفْقُ القلب مِن قِدَمٍ

         لدَى الأُولَى سبَقوا أو مَن بهمْ لَحِقوا

لكنّ مَن عجَزوا عن نسْجِ بُردتهِ

               قدِ ارْتَدَوْا منه ثوبا كلُّـه خَلَـقُ

***

بالأمسِ كانت عُكاظٌ مِنبرًا صعدتْ   

              عليه، ممنْ أجادوا شعرَهمْ، فِـرَقُ

وجاء جيلٌ منَ الأعجامِ يملكهمْ،

             مِن كلِّ شِعْر ٍرَفيعِ المستوَى، فَرَقُ

غاصَ الذين أجادوا السبْحَ في لُجَجٍ

                مِنَ البحار، ولكنْ غيرُهمْ غرِقوا

باسْمِ التحرُّرِ راحوا يبحثون سُدًى

               عنِ الجديد، فلا حُسْنٌ ولا نَسَـقُ

يُحْمَى حِمَى الشِّعرِ مِنْ أعداءِ دولتهِ

          بألفِ ألفٍ لِبابِ الشعرِ قد طرَقوا (1)

يا حاديَ العيسِ في الأمس البعيدِ بها

                 جدِّدْ حُـداءكَ إنّ الكـونَ يَسْتَبِقُ!

كم تَستعيدُ الذي بالأمس أطربَ مَنْ

                 قد كان فوق رمالِ البيدِ ينطلـقُ!

ويُرسلُ الشعرَ في بدوٍ وفي حضَرٍ

               فالشعرُ كانت لهُ، في جوِّهمْ، فِرَقُ

تلك الصحارى نسيم الشِّيحِ يغمرُها

               وذي الرياضُ شذاها الفُلُّ والحَبَقُ

فافتَح لنا طُـرُقًا، واسلُكْ بنا أُفُـقًا

           يا سائق الركب لا جارت بك الطُّرقُ!

واعزفْ لنا نغَما، فيه الحياةُ سرتْ

                إنّ الحياةَ لِمن في الكونِ قد خُلِقوا

والشعرُ نبْضُ حياةِ العصرِ يَدفعُنا

                    وكلُّـنا عَزْمَةٌ ما مسّهـا رَهَـقُ

ولْنَمْضِ بالشعر في الدرب الجديد، فقدْ

                طِـرْنا على صهَوات الجوِّ نستبقُ.

 

تونس أ. د: نورالدين صمّود

......................

هامش

1) قال الكاتب الموريتاني خليل النحوي :

(كانت كلمة (شنقيط) ـ بدلالتها المعرفية ـ أول ضحايا العدوان الاستعماري  فقد ابتعث الفرنسيون كلمة (موريتانيا) من مرقد روماني عتيق لتكون عَلـَما على بلاد شنقيط، و إن كان الرومان لم يحكموها، وكان من دلالة العلـَم الجديد (موريتانيا: بلاد العرب أو السُّمْر) ما يضمن لها حظا من القبول.

لكن من الحق أن (موريتانيا) هذه نهضت على أنقاض (شنقيط) أو على ركن منها متصدّع، فقد أعمل المستعمر معول الهدم في البنيان الحضاري والميراث الثقافي الذي لم تكن شنقيط إلا عنوانا له وعلـَما عليه...)

كتاب (بلاد شنقيط : المنارة والرباط) ص 10 نشر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم العربية ـ تونس 1987.

والملاَحظ أن القاف في شنقيط تنطق قافا عادية أو قافا معقودة مثل الجيم المصرية. كما نلاحظ أن موريتانيا كثيرا ما تكتب بالطاء خطأً.

ويتشبث الموريتانيون بنسبتهم إلى العروبة وبالمحافظة على عمود الشعر وهاهو الشاعر محمد فال بن عنين يؤكد ما ذكرناه :

 إنّا بنو حسن دلـّت فصاحتـُنا        أنـّا إلى العرب العَرْباءِ ننتـسـبُ

إن لم تـقم بيِّـناتٌ أننا عــرَبٌ       ففــي اللـسان بيـانٌ أنـــنا عـربُ

اُنظر إلى ما لنا من كل قافيةٍ       لها تـُذمُّ شُذورُ، الزِّبرِجِ، الذهبُ

الطفلُ يولد فينا كابنِ ساعـــدةٍ      منـقـِّـحًـا دُررًا أصدافـُـها ذهــبُ.

2) تلقب موريتانيا ببلاد المليون شاعر، والمليون هو ألف ألف..

 

 

maymon harashالجثة وسط الصالة..

الدماء لا لون لها... والرائحة لا تزكم الأنوف..

"كولومبو"  كان هناك يتأمل أداة الجريمة وهو يتمتم :

" لولا الجرائم.. لستُ أدري ما كان سيحل بـي"..

في جانب آخر تقبع "أجاتا كريستي" غير مكترثة بأحد،كانت ترمق  شيئاً ما، وفي يدها قلمٌ وورقة،وعكس التيار كانت ترسم مسار المجرم في روايتها الجديدة...

 (...)

القاتل فوق "الشجرة" ، كان يراقب الجميع،حدج كل واحد بعين، وسلاحه بعينين، ثم نزل..

هو الآن بيننا، يعيش معنا...

تحسس سلاحه،كان مسدساً كاتمَ الصوت، صاح بانتشاء ، وتعمد أن يرفع صوته حتى يسمعه بطل  أفلام  Saw الذي كان آخـرَ من يحضر:

 "أيها المجرمون " الكيّسون" احذروا "هتشكوك"، صائد القتلة..

 هو الآن يصوركم في فيلم جديد..

 وفي تصعيد درامي سيكسر أفق انتظارنا جميعاً..

الضحية ليست تلك التي توقعنا..

دعوة : مزيداً من القتل ،لا ترحموا أحداً.."

(...)

ثم ..

وإذا النفس كما نعرفها..

أمّارة بالسوء،

تخطط لجرائم أخرى ..

قادمة..

 

ميمون حـرش

 

 

هلّا شرّعتَ نوافذك أيّها الحلم...

دع النّورس يُطلقْ جناحيه...

MM80

سهم كيوبيد.. / جميلة بلطي عطوي

 

يا للمراكب

تُكابدُ الخطو نحو المرافئ...

على جنباتها تضطرب الآمال...

زبدٌ هادر تذروه أمواج عاتية...

الرّؤية ضبابيّة...

لا شيء غير الغيم يمرح عبر المدى...

في وجه العاصفة

تصطكّ الأشرعة الموهنة...

هَبّة ..هَبّة..رَفّة ..رَفّة...

تكابر الدّفّة...

من العباب تستمطر الجهد...

يا للمراكب...

أحلامها ذاوية...

مناها الغد فجرا مونقا...

لكنّ صخرة سيزيف عقبة..ترهقها...

تجذبها كلّ حين إلى دوّامات عصيّة..

متى يا سهم كيوبيد

تطول تلك الأمنية الشّاردة؟

هلّا شرّعتَ نوافذك أيّها الحلم...

دع النّورس يُطلقْ جناحيه...

يُطلِّق التّحْت...

يرفّ صعودا...صعودا...

لا توقّف ...لا التفات...

الشّمس تغريه...

في حضنها ينفض غبار العجز...

ينهل طلّ الحياة...

القوس القزحي في الخاطر يتجسّد...

هالة تحوك شراع النّجاة...

قبضة حديديّة تتكوّر....

تمتلك الزّمام...

تفتكّ المراكب من فَم السّراب...

إلى المرافئ تعيدها ...

عرسها على صفحة اليمّ يضجّ...

تومئ بوّابة الانتصار...

بشراكِ أيّتها المراكب ...

فجركِ المفقود هلّ...

إليك يعود كما عاد

إلى يعقوب ضوء النّهار.

 

جميلة بلطي عطوي - تونس 

 

 

MM80احست بضيق صدر شديد.. وكابة مزعجة عندما أنهت خبز عجينها على التنور قبيل الغروب.. وما أن ألقت ظهرها على الحصير المتهريء لتخلد إلى النوم بعد العشاء حتى أخذتها نوبة هلوسات متقطعة من كوابيس مشوهة حرمتها من النوم .. فجأة تذكرت ان وقت تردد قارئة الفأل الموسمي إليها كالعادة من كل خريف قد حان.. فها هو شهر أيلول قد ولى.. شعرت بارتياح لأنها توقعت ان تضرب القارئة لها الفأل الحسن صباح الغد او ربما اليوم الذي يليه كما كانت تفعل مها كل مرة.. حدسها كان صائبا.. فقارئة الفأل لم تتأخر عن موعدها.. تلقتها بترحاب حار.. واغدقت لها العطاء مما تيسر.. وطلبت منها ان تقرأ لها فالها.. بسطت لها يدها بعد أن اخبرتها بما جرى لها في امسها.. وبعد تمتمات مبهمة.. بشرتها بخير عميم.. وبراحة بال في قادم أيامها.. وما ان غادرت قارئة الكف الدار حتى رفست البقرة قدر الحليب لينكفئ ما به من حليب غنمها..وبعد ان سارعت لتهش البقرة عن اكل طبق الخبز.. الفت الكلب قد انقض على دجاجتها

 

قصة قصيرة.. نايف عبوش

 

 

أمس رأيتك مكلوماً، ودبيب الحمّى

يقتات على جسمي،

almothaqafnewspaper

ظـمأ /  حسن البياتي

 

يا دجلةُ، لو نهلهْ

من وِرْدِكِ، تطفئ نيرانَ الغـِلهْ

في أعماقي...

يا دجلةُ، لو نسمهْ

من هبـّاتِ أصيلكْ

تلثم وجهي،

تمسح جرحي،

تحمل للوطن الغالي أشواقي...

يا دجلةُ، لو نجمهْ

من آفاقكْ

تومض بسمهْ

في آفاقي

أواهٍ يا دجلهْ !

أواه كم أنا مشتاق، كم أنا ظامي!

أمسِ رأيتك في أحلامي

وكأَنْ قد عدتُ صبياً أخرقَ

معروق الدشداشةِ، عاري الأقدامِ

يرتاد وصبيانَ الحارهْ

شـُطآنـَكِ- لا يعرف غيرَ اللـَّعْبِ

واللفِّ مع الصحْبِ

من دربٍ- مجنونَ الساقين- إلى دربِ...

أمس رأيتك مكلوماً، ودبيب الحمّى

يقتات على جسمي،

يلحس عظمي

وأنا لهفانٌ.. لهفان، ظامي

للنهلةِ من وردكْ

تلتمُّ جراحي، تغـفو آلامي...

أواهٍ يا دجلهْ !

أواهٍ كم أنا مشتاق، كم أنا ظامي،

كم أنا ظامي !

 

 

فِيْ ثَغْرِهَا الدًّرُّ مَنْظُومٌ وَمَنْطِقُهَا

// كَالخَمْر يَلْهُوْ بِأَهْلِ الحَزْمِ وَالجَلَدِ

almothaqafnewspaper

حَدِيثُ الهَوَىْ / منصر فلاح

 

تَبّاً لِهَذَا الّذِيْ ألقَاهُ مِنْ (شَهَدِ)

// فَحُبُّهَا لَمْ يَدُرْ يَوْمَا عَلَىْ خَلَدِيْ

.

حَوْرَاءُ دَعْجَاءُ كَمْ أَوْدَتْ لَوَاحِظُهَا

// هَذَا صَرِيْعٌ وَذَا فِيْ لَوْعَةِ الكَمَدِ

.

فِيْ ثَغْرِهَا الدًّرُّ مَنْظُومٌ وَمَنْطِقُهَا

// كَالخَمْر يَلْهُوْ بِأَهْلِ الحَزْمِ وَالجَلَدِ

.

ثَلْجٌ وَنَارٌ بِخَدّيْهَا قَدْ اجتَمَعَا

// سُبْحَانَ مَنْ آلّفَ النِّيْرَانِ بِالبَرَدِ

.

فَتّانَةٌ فِيْ رَبِيْعِ العُمْرِ قَاتِلَتِيْ

// رَمَتْ إِليّ بِسَهْمَيْهَا وَلَمْ تَزِدِ

.

يَا لائِمِيْ فِيْ حَدِيثِ الحُبِّ معْذِرَةً

// وَانظُرْ هُنَا كَيْفَ فِعْلُ الرِّيْمِ بِالأسَدِ

.

قَلبِيَ الّذِيْ كَمْ تَعِبْتُ فِيْ صيَانَتِهِ

// سَبَتْهُ رَيّانَةُ الأعْطَافِ وَالجََعَدِ

.

وَكَمْ جَهِدْتُ عَلَىْ تَحْرِيْزِهِ زَمَناً

// خَوْفَاً عَلَيْهْ هُنَا مِنْ نَظْرَةِ الحَسَدِ

.

شَكَوْتُهَا حَالَ مُضْنَاهَا فَمَا بَرِحَتْ

// قَوَافِلُ الشّوْقِ تَرْعَىْ فِيْ حَشَا كَبِدِيْ

.

قَالَتْ وَغَيْمُ المُنَىْ يَجْتَاحُ قَافِيَتِيْ

// : إِنْ كَانَ لابُدّ فالمِيْعَادُ بَعْدَ غَدِ

.

عَامَانِ مَرّا وَلَمْ تُمْطِرْ سَحَابَتُهَا

// يَا لَيْتَهَا لَمْ تَقُلْ شَيْئَاً وَلَمْ تَعِدِ .

 

 

 الشاعر منصر فلاح - صنعاء

 

 

السماء باشعتها الذهبية

تصارع  وحوش الدم الظلام

salem madalo2

الوقت قد أمسى صراخا / سالم الياس مدالو

 

الوقت قد أمسى

صراخا

اتون نارا حامية

خناجرا عمياء

وسيوفا ملتهبة

صراخا مدمى

انطفاء لشمعة

العطاء

هروبا صوب

انفاق

الدم والظلام

نار تحرق العشب

الزهر والشجر

والحمائم فوق

القباب

حزينة حزينة

والشمس في قبة

السماء

باشعتها

الذهبية

تصارع  وحوش

الدم الظلام

والوقت امسى

صراخا

وقرب صخرة

مسننة

الحمائم

القطا

والعصافير

تعزف على

نايات قلوبها

الحزينة

لحن الريح

البرق

الرعد

ولحن المطر

 

سالم الياس مدالو

 

 

في ذكرى ...

محمود عبد الوهاب

adil merdan

مرثيّة الذي رأى / عادل مردان

 

في مقبرة ِالحسن

تنامُ أخيراً

لا ترغبُ بمزيد

" فما جنيتَ على أحد "

قفشاتُكَ كثيرة ٌ لا تُحصى

أشهرُها أنّكَ

لم تكتبْ وصيّة

فأربكتَ المشرفينَ على الدفن

كنّا نتخاطرُ فتضحك

تضحك ُ من القلب

عندما

خَذلت َ

الوصايا

وَفرٌ من (رائحة الشتاء)

أنتَ نورسٌ شاردٌ

تكتبُ عنا أقصوصة ً شائقة

كالبرق ِ تجيء الفكرةُ

قبل َ الاضطجاع ِ الطويل

رحلّتنا بالسرد ِ إلى الإسكيمو

فأخذنا

عراقَ

البطائح ِ

الى

القطب

ماالذي يحدث ُ هناك

في رحلتك َالأبديّة ؟

كيف َ هي الأحوال ُ

في الإقليم الثامن ؟

بينما تتفتّحُ

عوالم ُ

وبرازخ

اشحنْ نقالكَ بالقهقهاتِ العالية

سأرسلُها إليك

النغماتِ التي كنتَ تُحبّ

 

عادل مردان: شاعر من العراق- البصرة

 

 

zahem jehad2آنِساتي سَيّداتي سادّتي أهدي لَكُم أجْمَلَ تَحِيّاتي .

حاوَلَتْ حُروفيَ المُتَواضِعاتِ أنْ تَتَماهى مَعَ حُروفِ بومِدْيَنِ النّاصِعاتِ والباحِثاتِ عَنْ الذاتِ في الصَفَحاتِ الماضِياتِ مِنْ العُمْرِ وفي القادِماتِ؛ في الظاهِراتِ الواضِحاتِ او في المَخْفِياّتِ المُسْتَتِراتِ؛ وكَما قِيلَ كُلُّ ما هو آتٍ آتٍ؛  فَكانَ هذا النَصُ الآتي كالآتي :

يا أُسْتاذ بومِدْيَن يا بْنَ الذَوَاتِ جَعَلْتَني أعودُ أِلى ذاتي وأكْتُبُ بالأعْتِمادِ على الذاتِ وبِكُلِّ أِنْكارِ الذاتِ عَنْ الذِكْرَياتِ الباسِماتِ مِنهْا والحَزيناتِ وعَنْ الأمْنِياتِ الضائِعاتِ في مَحَطاتِ الأقدارِ والحَياةِ؛ وعَنْ أحْلامي التائِهاتِ تَبْحَثُ عَنْ حِيَلٍ للِتخَلُّصِ مِنْ المَتاهاتِ كَسُفُني في بَحْر الظُلُماتِ مُمَزَّقَة الأشْرِعَةِ مُحَطَّمَةَ السارِياتِ بَيْنَ أمْواجٍ عالِياتٍ ورِياحٍ عاتِياتٍ .

 كُلُّ أِنْسانٍ يُحِبُ الذاتَ وتَحْقيقَ الذاتِ لكن عليه أولاً أِكْتِشافُ الذاتِ لِمْعْرِفَةِ  الذاتِ والقُدُراتِ والأِمْكاناتِ وأنْ يُبَيِّن بالذاتِ الخادِعَ للذاتِ مِنْ الأفْكارِ والمُعْتَقَداتِ حتى لا يَقَعُ في مَطَباَتٍ ووُرْطاتِ ويَلجأُ الى لَوْمِ وتَقْريعِ الذاتِ . وأِنْ كُنْتَ مُحِباً لِلذاتِ أِبتعد عَنْ الأِنْتِهازِيَة ِو الأنانِياَتِ؛ وأِعْلَمْ أِنَّ عِشْقَ الذاتِ بابٌ للجُنونَ والهَلْوَساتِ والدوافع شخصية وسوء الرغبات تُؤدي أِلى مَرَضِ الأِنْطِواءِ على الذاتِ .

الجَميلُ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ تَكامُلِ الذاتِ بِضَبْط ِالذاتِ والسَيْطَرًةِ على أهْواءِ النَفْسِ والتَصَرًّفاتِ بِلَطافَةِ الرُّوحِ وخِفَّةِ الذاتِ .

يا سَيّدي هكَذا هي الحَياة ُتَبْدَأٌ باِلبٌكاءِ؛ هَلْ عَلِمْتَ سِرُّ البُكاءِ ؟ والأدْهى أيْضاً تَنْتَهي بِالبُكاءِ؛ شِئْنا أْمْ أَبَيْنا؛ بَكَيْنا عِنْدَ أَوَلِ أِطْلالَةْ لَنا لِلدُنْيا؛ وكَما بَكَيْنا على الآخرين سَيَبْكي الآخَرون عَلَيْنا بَعْدَ أنْ لَهَثْنا وجَرَيْنا خَلْفَ سَرابٍ بِهِ صَدَّقْنا؛ وأياَمُ عُمْرِنا جَرَتْ كَمِياهِ ساقِيَةْ تَلاشَتْ تَحْتَ ظِلالِ العَساليجِ وبَيْنَ شُقوقِ التَعاريجِ؛ ثَوْرُها يَجُرَّ ويَخورُ وناعورُها يُغَنّي ويَدورُ :

أيُّها السائِلُ عَنّي .....سَلبوا العادَةَ مِنَي .....كُنْتُ أُسْقى وأُغَنّى .....صِرْت أَسْقي وأغَنّي

الحَياةُ تَبْدَأ بِحُلْمٍ وتَنْتَهي باحْلامٍ رائِعَةِ لكنها ضائِعَةٌ أِلّا ما نَدَر . وتبدأ بأِمَلٍ وتَنْتَهي بِآمالٍ قَريبَةٍ لكنها بَعيدَةُ المَنالِ على الأكْثَر . أو لا نَجِدُ لها الأثَرَ الّا في الخَيالِ أو في أحْلامِ النَهاراتِ واللّيالِ .

هُناكَ في الحَياةِ أسْرارٌ نَجْهَلُ كْنْهَها وطَلاسِمُ كَتَبَتْها الأقْدارُ نَجْهَلُ حَلَّ ألْغازَها ومَعْرِفَةَ حَقيقَتِها وغاياتِها . ونِهاياتُها مَفازاتُ بَعيدةُ الغَوْرِمُخْتَلِفَةُ الصوَرِمُتَشابِكَةِ الشَجَرِ صَعْبَةُ السَيْرِ عَصِيَةُ السِبْرِ؛ عَسيرَةُ على الفِهْمِ والأِدْراكِ ويَسْتَحيلُ ما مَضى وما فاتَ من لَحَظَاتٍ مِنْ الحَياة ِبالاستدراك . أو بالدُعاءِ والصَلَواتِ أو بالخَوارِقِ للِعاداتِ والمُعْجِزاتِ؛ فقد كُسِرَ الأِناءُ وسالَ على الرَّمْلِ ما فيه مِنْ ماءِ .

حَيّاكّ اللهُ يا بومدين وبّيّاك عُدْتُ أِلى الماضي بِطَريقَةِ الفْلاشِ باكْ؛ وبَحَثْتُ في شَريطَ الذِّكْرَياتِ بِكُلِّ تَمَهُّلٍ وأَناةِ؛ فَوَجَدْتُ أِنَّ السِنينَ الطَويلاتِ مَرَّتْ كَلَحْظاتٍ قَصيراتٍ وكَثوانيٍ مَعْدوداتِ؛ والصَّغيرُ الذي كانَ على أرْبَعٍ يَحْبو الآنّ على الخَمْسينِ أو السِتينِ يَرْبو؛ والى الزُقاقِ القَديمِ وأيامَ الصِبا يَحِنُّ ويَصْبو؛ ويَبْحَثُ مَلِيّا بَيْنَ الطُلَلِ عَنِ أوَّلِ مَوئِلِ وعَنْ وَجْهِ الحَبيبِ الأوَّلِ؛ وعَنْ تِلْكَ التي لا تَهْدَأ ولا تَنامُ الا بَعْدَ أَنْ تَتَأكَدْ أِنَّ الجِميعِ نِيامُ؛ وتَنْهَضُ قَبْلَ الأنامِ بَكُلِّ هُدوءٍ وسَلامِ؛ وبَعْدَ أنْ تُهَيّئُ صِينِيّةِ الفُطورِ مُزْدانةً بِخُبْزِ التَّنورِ؛ تُوقِضُنا بِلَمْسَة مِنْ حَنانِ وبِصَوْتٍ كَصَوْتِ الكَرَوانِ؛ أنّها اُمي مَنْ كانَتْ تُزيلُ ألُمي وهَمّي . وعَنْ ذلكَ الذي يَعودُ مَعَ المَساءِ ماسِحاُ بِضِحْكاتِنا آثارَ التَعَبِ والعَناءِ؛ نَهْفو أِلَيْهِ وفي حُضْنِهِ نَتَدافَعُ وتَتَزاحَمُ  وأحْياناً بِوِّدٍ نَتَشاغَبُ ونَتَلاطَم ُ؛ أِنّهُ أَبي مُعَلّمي ومُؤدِبي ومُلْهِمي . وتَتَوالى الأشْكالُ والصُوَرُ لِمَنْ أِنْقَطَعَ عَنْهُم الخَبَرَ أو طالَ بِهِم السَفَرُ أو مَنْ طَواهُم القبَر؛ أو مَنْ غابَ عَنْ العَيْن وما زالَ عَنّي على ذِكْرِ؛ القَلْبُ يَحْزَنْ والعَيْنُ تَسْتَعْبِرُ؛  وأقولُ أُوّاه أَيْنَ مِنّي الأُّوّاه؛ وأُرَدِّد قَوْل الفَرّاء :

فَأَوْهِ لِذكْراها أِذا ما ذَكَرتُها ....و عَن بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ

أِنّها لُعْبَةِ الأيّامِ أيُّها الأنامُ؛ وفي نِهايَةِ الكَلامِ لَكُم تَحِيَّةٌ مِنّي سَلامُ .

 

 

كانتْ أشباحُ المماليكِ المغدورين

تحلقُ صوبَ جزيرة فاروس

thamer saeed

محطةُ الرّملِ / ثامر سعيد

 

قبل الغابةِ بفكرةٍ وسؤالين

استوقفتني غيمةٌ

لتشرَحَ لي سورةَ العطشِ

كانَ الوقتُ زئبقاً

سفحَ  قلبَهُ في كفي

وكفي ملساءُ كالحقيقةِ

لا خطوطَ للحظِّ فيها ولا غدران .

 

في محطةِ الرملِ

كانَ الصمتُ يثرثرُ عالياً

وعلى قلوبِ العابرين

الندى البحريُّ يهطلُ .

الرجلُ على مسلتِهِ الشاهقة

يوزعُ نظراتِهِ الشزرةَ

على النسوةِ وبائعي المانجو المتجولين

أما الهلالُ الذي سقطَ

ذاتَ إغفاءةٍ من أصابعِ آمونَ

فصارَ مسناةً للموجِ

واستراحةً للمراكبِ المتعبةِ

ما زالتْ تنضحُ بأنفاسِ الفراعنةِ والمقدونيين .

المقاهي دائخةٌ بالأرجيلاتِ

وحياطينُها مغبرةٌ بالأغاني القديمة

الكلُّ يثرثرُ

عالياً يثرثرون

إلا أنا ..

كنتُ منشغلاً بإخمادِ الحطبِ

تحتَ قميصي !

 

يقولُ لي الحلاقُ الغضُّ

متعثراً بحروفهِ :

يا سيدي ...

لستُ ضليعاً بترتيبِ السنابلِ

من أين جئتَ لي بهذه الحقول ؟

 

أما هناك ..

حيثُ القلعةُ التي أنبتها قايتيباي

في غابةِ الزّعيقِ

كانتْ أشباحُ المماليكِ المغدورين

تحلقُ صوبَ جزيرة فاروس

ثم تسوخُ عميقاً

حيثُ ركامُ المنارةِ الغارقةِ .

هذه بلادٌ مفضوحةٌ بالبحرِ

والمُرسي أبي العباس

فكيفَ أخبئُ في جيوبِ دهشتي

رحيقَ عينيها ؟

 

المغنيةُ التي نَفَحتني منديلاً

من نافذةِ اليوتيوب

لأجففَ أرقي

كيفَ أفهِمُها بأني ناطورُ الغيابِ

تعويني الخرائطُ ، حتى يبستْ حقائبي

في حديقةِ الانتظار

بينما الغيمةُ التي أرهقها التسكعُ

بين رأسي وعينيها

قبلَ أن يأخذها النعاسُ إلى فندقِ البحرِ

كانت ترطنُ في قلبي

كزوجةِ أبٍ ترتبُ مكائدَها اليومية

تسحبني من ياقتي وتقولُ :

أيّها الغارقُ في الزّرقةِ

بلا بوصلةٍ أو مجداف

كنْ حذراً ..

وأنتَ تطاردُ في دَمِكَ

سربَ الغزلانِ المفزوعةِ .

الوردُ يغرّدُ بين يديكَ

وترفرفُ النشوةُ بألفِ جناحٍ

فلا تدري على أيِّ برعمٍ تستريحُ ؟

كيفَ ستَمنحانِ مفاتيحَكما طوعاً إلى العاصفة

وتُسفحانِ على شمعةِ التفرسِ ؟

تنتظرانِ طائرَ الدّهشةِ

يأتي من نهاياتِ الهواء

وحينَ يحطُّ على شجرةِ الرغائبِ

يصطخبُ الأفقُ على زجاجِ النافذةِ !

 

قد تُرديكما رصاصةٌ أو نظرةٌ

قبل الغابةِ

بلهفةٍ واغماضتين

فيضيعُ دمكُما بين القصائدِ .

 

 

من سوادِ هذا الليلِ ممزوجاً بدمع أمي

من رائحةِ الخبزِ في تنورِها الطيني

nadia almohamadawi

رائحة الخبز / نادية المحمداوي

 

الى أين تمضي طوابيرُ الجنودِ

العائدين من خنادقِ القتالْ. ؟

ببقيةِ الوشلِ العقيمِ

من سنيِّ أعمارِهم المتفحمةْ.

بذكرياتِ النحيبِ والحروبِ

السبيُ في سهولِ نينوى

وقسوةُ الأنفالِ في قرى الشمالْ.

الفتيةُ الذاهبونَ دونَ عودةٍ للسجونِ

والجاثمينُ التي جرفتها سيولُ

الفراتَ عائدةً للجنوبْ.

ولوعةُ الأمهاتِ والأراملِ القاصراتْ.

من أين تستمدُّ أيها الوطنْ. ؟

ديمومةَ الحريقِ والنواحْ.

من سوادِ هذا الليلِ ممزوجاً بدمع أمي

من رائحةِ الخبزِ في تنورِها الطيني

من طعمِ الشواءِ في أصابعِـها

التي تفحمتْ حدَ الحريقْ.

من دموعِها التي غسلتْ دروبَ

الإيابِ دونَ جدوى

لماذا لا تستكنُ فيكَ

جذوةُ الحريقِ أيها الوطن

 

نادية المحمداوي

 

 

تفيض الغِلال على المريدين

يبتسم أبي مثل وجه النهر  

hasan alasi

يعود الشجر إلى البحر / حسن العاصي

 

أبداً لم يكن والدي رجلاً رومانسياً

لم نراه يحضر يوماً وردة لأمي

لكنّه يحضر الكثير من اللحم

أمّي تصنع بوفرة الخبز والكعك

تظلّ ترقب درب المدرسة

حتى لم تعد ترى المسافة

والصغار ينتظرون صباح العيد

تتوضأ أمي بالطحين وتعصر أكمام القِدِر

تمسح أشلاء النهار بأطراف ثوبها

تفرش تعبها وتصلي

وتعود إلى الصكوك العسيرة

ترتّل أورادها وتتهيّأ للظمأ

ونحن مثل كرات زجاجية صغيرة

نتدحرج بين أكياس السكّر وأقدام العمّات

وأكوام اللحم

والدي رجل ضخم البنيان والقلب والإيمان

يشبه طاحونة قديمة

يحلّق مثل أذكار الخشوع

كلّما أكل لحاء القمح نيئاَ

يطوف مثل قائد حربي

كلّما علا صوت المئذنة

ويحصي أطراف العباد

يُحبّ طهي اللحم وإطعامه

يهبُ الأسماء وريد الخبز

ويقرض كفّ اليتيم

تضيق السلال على المواسم

وتتوهّج عيون القوم

اللحم وافر

تفيض الغِلال على المريدين

يبتسم أبي مثل وجه النهر

تمعن الأفواه في افتراس اللحم

يبتسم والدي أكثر

وكلّما تنسّم جارنا الرائحة

يأتي ليلقي التحية

والقوم لا يخرجون إلّا ويعودون

لم أرث حبّ اللحم

أورثني وحشة بأنياب

وأرق الاتجاهات

أبي لم يكن رجلاً رومانسياً

بل رجلاً شيخاً عنيداً ً

وكان يضربني كثيراً

لكنّه رجل جَوَّادٌ معطاء

بقلب يشبه ورق الورد

يُطعم كرز عينيه لمن يشاء

كان يناديني من حيث لا أرى

ويراني من حيث لا أسمع

وهكذا ظلّ هو كفاً بارداً

على حدود الوجع

وبقيت أنا أطوي المسافات

لا يستقيم اليراع مع أنامل الراعي

يقولون حين تهرم الغابة

يعود الشجر إلى البحر

ما زلت أقف على فوهة الرمل

لا يطاوعني قاربي

لكنّني أحرّك الماء المرتبك

وأوْصد تقاطيع الشراع

كلّما سمعتُ دبيباً أو ثغاء

 

حسن العاصي

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

 

MM80خرج من قاعة المحاضرات مرهقا.. حزم ملابسه المتسخة في حقيبته.. فاليوم الخميس نهاية الأسبوع .. وعليه ان يستعجل النزول إلى مركز المدينة ليلحق باص القرية الخشبي قبل ان يغادر الكراج عائداً إلى القرية بعيد الظهر..  وإلا فاته النزول إلى اهله.. صعد باص المصلحة الذي كان مزدحما بالركاب.. لم يجد مقعدا خالياً يجلس عليه.. كانت عيناه تنظر الركاب.. فذلك رجل كبير السن اتكأ على كتف شاب جالس بجنبه.. وتلك امرأة تحضن طفلها الذي ازعجها بكثرة بكائه.. وذلك طالب يتأبط كتبه.. ويمسك بيده الأخرى حافة المقعد بجنبه.. وذلك الجابي يقطع التذاكر وبالكاد يستطيع الحركة بين الركاب .. اكتض الزحام داخل باص المصلحة مع اقترابه من مركز المدينة.. إمرأة ساقها التدافع بقربه..لا مجال لمساعدتها لتجلس.. فالمقاعد مشغولة.. تناول حقيبة كانت تحملها بيدها.. كي يمنحها فرصة الإمساك بحافة المقعد بجانبها.. وتمسك طفلها المتشبث بجلبابها بيدها الأخرى.. نهض من المقعد واجلسها مكانه احتراماً لأنوثتها...وما ان وصل باص المصلحة محطته بمركز المدينة حتى تهيأ للنزول.. ناولها حقيبتها بعد ان شكرته على معروفه.. غذ السير مسرعاً نحو زقاق مرآب الباص ليجده قد تهيأ للمغادرة..أخذ مكانه في مؤخرة الباص الذي غص بالركاب..  وهو يمني نفسه بالوصول السريع كي يتجول في ربوع القرية.. ويتعلل هذه الليلة مع الربع

 

قصة قصيرة.. بقلم نايف عبوش

 

 

saleh alrazuk2هذه فترة الاستراحة والألم من النهار. أمس استيقظت على هذه الكلمات. وهي  أجزاء من تمثال بذلت جهدي طوال الليل في إعادة  تركيبه. ولم تكن الكلمات  في ذهني فقط ولكنها  قفزت على شفتي أيضا.

لقد همست بها. إنه وقت الاستراحة والألم من النهار. ولكن من الظروف المعقدة التي مرت بها كل ساعات رقادي كانت مجرد أجزاء صغيرة، والآن لاأتذكر منها شيئا.

 وهي كلمات وليست أخيلة،  هذا ما أحلم به حصرا. وطوال عمري، لم أكن إلا صانع كلمات. من صفاتي الحميدة الأخرى التي اختفت أو تختفي، لا زلت متمسكا بهذه الصفة.

ومن عواقب ذلك، ها أنا أقترب من التشابه مع ذلك العجوز، الصائغ المشهور، والذي كان جاري في اليابان، من حوالي أربعين عاما مضت.

لم يكن يتذكر أسماء أولاده أو زوجته، ولا حتى اسمه. ولا يستطيع أن يتذكر كيف يعقد ربطة عنق، أو يربط حذاءه، أو يسكب كوبا من الشاي المثلج أو أن يجد طريقه إلى معتزله في كوخ خشبي في أسفل حديقته الضيقة المزدحمة بالنباتات.

 ولكنه يجلس يوميا على طاولته بشكل تجريدي منفصل عن العالم وأيضا عن ذكريات ثلاثة وثمانين عاما تراكمت فوقه، وهي الآن غير متاحة له، مع أنه لا يزال في حضرة مهنته، مع ما صنعته يداه، من أطواق وقلادات وأساور وحلي.

 وكنت أراقبه مفتونا ومعجبا به.

أحيانا، ينظر إلى الأعلى وباتجاهي ويمنحني ابتسامة سطحية وسعيدة.

ولكن هذا الصباح كل شيء مختلف، لم أحلم بالكلام وإنما بالصور. وواحدة من تلك الصور استمرت معي، حية جدا ولا أزال أشاهدها في كل تفاصيلها الدقيقة بعد أن شعرت بدقات الساعة وفتحت عيني. إنها صورة لموجة- مثل قوس في شرفة، منحوتة من ألواح الخشب، ومعظمها أصابه التفسخ. كانت تشرف على منحدر مثل مخبأ، حيث أن قمم الأشجار متهدلة وتلمس الأرض. وحاجز الحديد له لون أزرق مخضر، ولكن الدهان كان متشققا ويقشر.

ووراءه ملحق لبيت المزرعة، بغرفه المتشابهة ونوافذه الفرنسية. وكان النزلاء في الملحق يحتفظون بستائرهم مسدلة حتى في النهار، باعتبار أن أي شخص على الشرفة يمكنه أن يراهم.

ببعض المجهود نفضت الصورة من خيالي، كانت فخا ولها محاذير ومخاطر كامنة. ثم سقطت، ولم أغادر السرير بالمجالدة، واستندت بيدي لأتوازن، وكانت الأرض تئن تحت أقدامي حتى المطبخ لإعداد شاي الصباح لزوجتي. من شهور انتقلت إلى غرفة النوم في الطابق الأسفل، حتى لا تحرمها هلوساتي الليلية من النوم، فقد كنت أهمس بتلك الكلمات اللامتناهية طوال الليل وألفت الانتباه إلى ذهني المهزوز والمتعب بحثا عن الصمت الضروري. سألتها: "كيف الحال لديك؟".

نظرت إلى الأعلى كأن غريبا يتطفل عليها وقالت:"أنت تعلم كيف هو".

بلى، أعلم كيف الحال. فقد سمعت مرارا كيف هو. ساقان متعبتان. ألم يزحف في الظهر. وبعوضة تطن في أذنها اليسرى. وعوضا عن أن أحلق ذقني وأستحم فورا، أعود إلى السرير وأتمدد عليه. ولا أكلف نفسي عناء جر الأغطية. فأنا لا أهتم بالبرد. وأغلق عيني. وأعكف على ذاكرتي الباهتة عن حلم الشرفة كي أستعيدها....

على الشرفة جلس صبي في الثالثة عشرة على كرسي قابل للطي ومصنوع من القماش. الوقت بعد الظهر. ومن بعيد يمكنه أن يسمع صوت والدته وهي تلعب ببيانو بلييل الطويل في مزرعة أردينيز. وغالبا ما كانت تشكو، حتى للمزارع البلجيكي وزوجته، أن البيانو غير جاهز. كانا ينظران بحيرة، كأنهما لا يفهمان كلامها، مع أنها تتكلم بلغة فرنسية فصيحة، لكن تتخللها لكنة إنكليزية ثقيلة. ثم يهز أحدهما كتفيه، ويبتسم ويقول شيئا مثل "حسنا مدام..". ولكنهما لا يفعلان شيئا للبيانو، مثلما لا يفعلان شيئا للصنبور الذي ينقط في المغسلة أو للستائر، التي يتقصها مشبك، ولذلك كانت في الفجر تستيقظ قبل موعدها ولا سيما في الصيف حتى لو أنه وقت العطلة والاستراحة. كان أخ الولد الأكبر قد خرج، وبيده البندقية، ومعه المزارع الملتحي المتحفظ. وعادة يعودان وبيد كل منهما على الأقل مجموعة من الأرانب. ولكن الولد يكره لحم الأرانب الذي يحبه الآخرون.

تناول مقدار لقمة ملء الفم، ثم نحاها إلى أحد الجانبين- وقال لأمه أنا لست جائعا وتكلم بصوت حانق حينما سألته أمه لماذا لا يأكل، والآن وهو على الشرفة وصل لنصف الأعمال المختارة لتينيسون، والمجلد بجلد أنيق، وكان قد ترك والده الذي وافاه الأجل مؤخرا هذه النسخة. لو أنه حي، سيمضيان وقتهما في فندق مرتب لا في بيت المزرعة، بتوصية من أحد أصدقاء الوالدة المدمنين على لعبة البريدج، باعتبار أنه بيت مرتفع القيمة. ولاحظ في تينيسون أنه شخص مهووس بالكلمات. بظهورها على الصفحة، والتدرج الحاد في معانيها، وعلاوة على ذلك رنينها ثم الصدى الذي تخلفه بعد ذلك، كان بينهما تضامن في الهوس بالكلمات. أما أخوه البالغ من العمر سبعة عشر عاما والمشارف على أن يكون ضابطا من خريجي ساند هيرست، والمرشح للموت على شواطئ النورماندي، كان يسخر من ولعه بتينيسون. ويقول بلهجة عامية وميلودرامية وساخرة:" تعال إلى الحديقة يا مود". هناك شيء تهكمي في اسم مود، حتى الصغار يمكنهم ملاحظة ذلك.

كانت شمس المساء في عينيه. وسمع رصاصة بعيدة، فغضن وجهه وهو يتخيل الأرنب يقفز في الهواء ثم ينهار على الأرض الصلبة للحقل الجاف الذي تشويه حرارة المساء اللاهب. وسمع صوتا يتكلم وراءه. كان عميقا ومرتجفا، بلكنة ألمانية. ولم يسمع الصبي خطوات تقترب، لأن الرجل برتدي حذاء بالمطاط.

 "ماذا تقرأ؟".

حرك الصبي رأسه. ولاحظ الرجل المفتول العضلات، بوجهه المسطح الغريب الملامح ويديه الكبيرتين الملوحتين بالشمس، والأظافر التي قضمها هذا الصباح عند الإفطار. وبعد أن دخل الغرفة الضيقة والطويلة، انحنى الرجل وقال بصوت ساخر وثقيل:"مرحبا، يا سادة، مرحبا يا سيدات". ولاحقا، مرت من الباب زوجته بمظهرها القلق والرقيق وبثوبها القطني الأزرق الشاحب. ولم تنطق بكلمة لتحيي الموجودين المجتمعين، وإنما بانحناءة طفيفة ومترددة بالمقارنة مع تحية زوجها.

مد يده لها. وتناولتها بنظرة امتنان وتأمل. ثم فجأة غمر الوجه المضطرب شيء من الحبور. وفيما بعد علمت الأم من زوجة المزارع أن الزوجين في شهر العسل. وأضافت زوجة المزارع:"جاءا من دوسيلدورف، وكلاهما يعمل بالتدريس". انحنى الرجل على الصبي. ونظر إلى الكتاب.

"شعر؟". قال ولا بد أن الرجل أدرك أنه شعر من طريقة ترتيب السطور على الصفحة.

هز الصبي رأسه.

"من هو الشاعر؟".

وكانت الكلمات تخرج من تحت شارب الرجل بلهجة رسمية مستغربة.

رد الصبي:"تينيسون". كان صوته متوترا. ربما تصور أنه يرد على سؤال صعب في امتحان المدرسة. وكانت الإثارة تتعاظم لديه، كأن سربا من النحل يطن في داخله.  وأردف:"هل تعرف شعره؟".

نفى الرجل برأسه وقال:"آسف، أعرف هايني، هل سمعت بهايني؟".

"لم أسمع به، كلا".

"شاعر جيد، جيد جدا، عبقري، يجب أن تقرأه".

"ولكن لا أتقن الألمانية".

"اقرأه بالإنكليزية، متأكد له ترجمات".

وزاد انحناء الرجل على الكرسي. ثم انتبه الصبي ليد الرجل وهي في جيب سرواله. ولم يستطع أن يصرف نظره عنها. كانت قريبة جدا من كوعه. وكان الرجل قد انتبه أن الصبي ينظر إلى يده وما تحاول أن تفعله، فانتقل بخطواته إلى كرسي بعيد ثم عاد وهو يحمله. وضعه بقرب الصبي وجلس عليه، ووضع ساقا فوق ساق. وشرعا بالكلام.

سأل الرجل الصبي عن عائلته، ورد الصبي أن والده، ذكي، ومتماسك، ولم يمرض أبدا حتى وفاته فجأة، كان موته قبل الأوان، بسبب نوبة قلبية، ثم تكلم عن أمه، كانت نصف أمريكية ولعبت لفترة قصيرة أدوارا على خشبة المسرح. وتحدث الرجل عن حياته وذكر أنه مدير مدرسة ولديه هوايات رياضية. فقد درّس الجمباز، وعنده أمل أن يدخل فريق الجمباز الألماني ويشترك بأولمبياد عام 1936، ثم ضحك وتهدل كتفاه، في آخر لحظة...

قال الولد:"أنا لست بارعا في الرياضة، ميؤوس منه، لكن أخي هو الرقم 15 في لعبة الروكبي في المدرسة. ولديه مهارات رائعة".

ضحك الرجل وقال:" نعم، نعم!. أرنب للغداء".

لاحقا أنبأ الرجل الصبي أنه في شهر العسل. ولم يفصح الولد أنه يعرف ذلك مسبقا. وأخبره الرجل أن زوجته نائمة في الفرفة فوق والتفت برأسه إلى الأعلى ونحو إحدى الجهتين.

فهي لا تنام جيدا في الليل.

هل هي بحاجة ، كيف نقولها، لجوها.

هي معلمة، وابنة مدير المدرسة أيضا. تقوم بتدريس الرسم. وهي فنانة جيدة، ولا سيما بالألوان المائية.

ثم انحنى الرجل إلى الأمام، وعقد يديه بين ركبتيه، وسأل: ما اسمك؟.

"إيفلين".

"اسم غريب! لم أسمع بمثل هذا الاسم من قبل".

"يوجد كاتب مذكرات إنكليزي، عاش من فترة طويلة. اسمه إيفلين. جون إيفلين. كان والدي يكتب كتابا حوله حينما ولدت".

"اسمي غوتز".

"غوتز". ارتاح الولد لهذا الاسم. كان له تماسك متجانس وصلابة تراهما على ملامح هذا الإنسان الغريب.

"تبدو كأنك ألماني".

غمرت الدهشة الولد وقال:" أنا؟ ألماني؟".

عينان زرقاوان. مثل البحر. مثل المحيط الأطلسي. وشعره أشقر. أشقر!. وبتمهل مد يده. ولامس الشعر لفترة وجيزة. ولمسه مجددا. وربت عليه.

"عينان زرقاوان، عينان زرقاوان، عينان زرقاوان".

وصاح صوت مرتفع ومشحون:"غوتز!". وكرر النداء. وتبعه كلام بالألمانية. ابتسم وقال:"Meine Frau، زوجتي. اعذرني". ووضع يده قليلا على كتف الولد. ثم عبث مجددا بشعره، وهذه المرة بقوة، تقريبا بعنف. وتحركت جمجمة الولد تحت أصابعه الغريبة. كأن موجة كهربائية مرت فيها. ابتسم وقال:"إيفلين. يا له من اسم غريب. اسم جيد. أعجبني".

ثم ذهب بخطواته إلى الطرف الآخر ودخل من النافذة الفرنسية إلى الغرفة حيث زوجته بانتظاره.

بعد ذلك تكررت لقاءاتهما ولكن لفترات قصيرة. وأصبح الولد يمضي معظم وقته على الشرفة يقرأ. وينتظر بصبر. وبين حين وآخر يطهر غوتز، وبالعادة من النافذة الفرنسية. وتكون الكرسي قرب الولد، فيقف غوتز بجواره وينحني ويداه عليها ثم يجلس فرقه. ويكون لديهما أشياء كثيرة للكلام، وغالبا يقاطعهما الصوت المرتفع والمشحون. ويبدو للولد أن النداء "غوتز، يا غوتز" يائس. فيتنهد غوتز في هذه الحالات، ثم يضحك بإحراج وهو يضع يده على الصبي، ثم ينسحب بسرعة. وهو يقول:" النساء، النساء، صعبات المزاج". ويتابع الضحك وهو ينهض. وتستمر المرأة بالصراخ:"غوتز، ماذا تفعل".

وفي إحدى الأمسيات بعد العشاء، عزفت أم الصبي خماسية شوبان بالبيانو القديم وجلس أخوه على ذراع الكنبة المتهدلة يغازل ابنة صاحب البيت ذات الصدر الكبير والوجنتين الحمراوين، نهض الصبي، وأصبعه بين صفحات الكتاب الذي يقرأ فيه، وغادر الغرفة ذات السقف المنخفض والمختنقة برائحة غبار نفاذة وشذا الزهور الميتة المهملة في إناء للزهور استقر على خزانة ازدحمت عليها أشياء وصور غاصت في أطر يعلوها الصدأ.

كانت الصالة تسبح أمام الغرفة بالفوضى. ووراءها ثلاثة أبواب، واحد منها يفضي إلى الغرف في المبنى الأساسي، وواحد يقود إلى  شرفة الملحق، والأخير إلى دورة المياه. وكان غوتز ينتظر في الصالة الصغيرة. واعتقد الصبي أنه يجلس خصيصا بانتظاره. ثم أدرك أنه بانتظار زوجته، الموجودة في دورة المياه. ابتسم له غوتز، ومد يده يدعوه للاقتراب.

تردد الصبي، ثم فجأة جاهد غوتز نفسه وقبض عليه. وبفورة مفاجئة ضغط شفتيه على عنقه، ثم على جبينه، وثم على شفتيه. وحاول الصبي أن يهرب منه، ثم استسلم له، في البداية مضطرا، ثم بعاطفة استولت عليه مثل موجة ترتفع نحو السماء دون إنذار وتسقط إلى الأسفل في بحر هادئ.

وأعقب صوت المياه في دورة المياه قرقعة. فتراجع الرجل، ودفع الصبي بعيدا عنه. وسقط الكتاب من يد الصبي ووقف. وظهرت المرأة الألمانية. وتأملت الولد ثم زوجها. ولاحظ الصبي، مع أن وجهها مغطى بالمساحيق كالعادة، أنه توجد مناطق محمرة على ذراعيها العاريين وعلى أحد طرفي حلقها.

مد غوتز يده لمزلاج الباب الذي يفضي إلى الشرفة. وأشار للصبي، ثم انحنى قليلا فيما زوجته تخفض رأسها وتسبقه بالمرور. وتبعها دون نظرة إلى الخلف.

في اليوم التالي غادر الزوجان الألمانيان. كان طريقهما إلى دسلدورف بعيدا. وحينما تفحص غوتز السيارة، وهي مرسيدس قديمة، ولعله اشتراها مستعملة، انضم له شقيق الصبي. لم يكن مهتما بالألمانيين ولكن بالسيارة. وساعد في نفخ أحد الدواليب. ثم سأل إن كان بمقدوره أن يقوم بدورة سريعة بها. وسأله الألماني هل لديه رخصة قيادة. فهز رأسه. ابتسم له الألماني وقال:"آسف". وتمنى الصبي لو يبتعد أخوه عن غوتز. وكان المزارع وزوجته غاضبين من الأخ، لأنه دون علمهما صحب ابنتهما إلى الحانة في هان سور ليسي وأعادها في ساعات الصباح المبكرة. ووصف الأخ البنت للصبي أنها "شيء يشتعل بالحرارة". في تلك الليلة، تقريبا في منتصف الليل، زحف الصبي خارج فراشه، وترك أخاه الذي يشخر ممددا على الملاءات الرطبة بالعرق، وسار على أطراف أصابعه إلى الشرفة. كان الليل يتحرك بكسل. وفي كل الحالات، كانت تعصف به عاطفة تمنعه من النوم. نظر من فوق حديد الشرفة وتنفس من الهواء. ولكن هذا لم يهدئه، حتى أنفاسه كانت تحرقه. من مسافة بعيدة اقتربت منه أصوات زاعقة. هل هو عصفور؟. حيوان؟. شيء شرير، وحتى أنه مخيف. يشبه ارتطام كرسي هزاز، بعد تضخيمه. ووراءه سمع صوتا آخر. لف جسده إلى الخلف. في ضوء القمر، شاهد غوتز وكان يرتدي بيجامته فقط، حذره بوضع أصبعه على فمه. ثم اقترب وقبض على يد الصبي بيده. وقال له:" تعال".

في الطرف القصي من الشرفة، تجد سلما ضيقا ولولبيا. ولم يكن الصبي يراه، ناهيك أنه لم يستعمله أبدا. هبط غوتز بهذا الاتجاه كأنه قريدس بحري وحرص على أن يلتفت ليأخذ نظرة من فوق كتفه. وتبعه الصبي، باستسلام وبلا تفكير ولكن يشوبه الحذر. لا بد أن غوتز اكتشف هذه المنطقة تحضيرا لما سوف يحصل بعد هنيهة. وكانت هناك تلة تغطيها القاذورات، وتعلوها أيضا كنبة مكسورة وتندلق منها خصل شعر حصان. ومعها حامل دولاب دون الدولاب الدوار. مع كومة من الصحف القديمة، ملتصقة بالرطوبة ومحزومة بحبل من الشعر.

في الضوء المبهر والمدهش الذي يسكبه القمر لم يكن الصبي قادرا على التعرف على كل شيء.  وهناك باب، بقبضة لماعة. وضع غوتز يده المحروقة بالشمس وبالأظافر المقصومة على القبضة وفتح الباب. ثم التفت برأسه وابتسم. هناك سرير حديدي عليه فراش مبقع، قال غوتز فيما بعد، وهو يعقد  حبل سروال بيجاما الصبي بتمهل وحرص، كأنه يتعامل مع طفل رضيع:"لا أستطيع أن أنام معها إلا إذا فكرت بك. فقط هكذا. ومع ذلك أشعر أنني بحالة صعبة".

في تلك اللحظات شعر الصبي أن تلك الكلمات خيانة ولا تنقصها القسوة وهي أكثر خطورة مما حصل على السرير.

في وقت لاحق سألته عن عنوانه، وفي البداية كان يبدو غير راغب بكشفه لي، قال:"ليس لدي ورق، هل عندك ورقة؟". نفيت برأسي. "هل تستطيع أن تتذكره؟". "أعتقد ذلك". ذكره لي، وكرره مرة أخرى. وقال لي:"هل حفظته؟". فذكرته أمامه، قال:"تمام!". وضحك وأضاف:"آه منك يا إفلين، سأفتقدك، سأفتقدك". وجعلت الصيغة الزمنية التي استعملها الأمر  أكثر اهمية. وأن انفصالنا قد بدأ بالفعل.

"سأكتب لك، هل ستكتب لي؟".

"ربما" فضحك، قلت له:"أنا أمزح، طبعا، لو كتبت لي سأرد".

"لقد أخبرتك بعنواني، هل ستتذكره حتم".

"كلا، كلا، عليك أن تكتب أولا! فذاكرتي أحيانا تخونني".

حدقت به. ثم اقتربت منه وأمسكت بذراعه، كأنني كنت أغرق وهو الذي ينقذني. مال نحوي وطبع شفتيه لآخر مرة على شفتي. "حينما أفكر بك، بك فقط، يمكنني أن أنام مع زوجتي". بتكرار تلك العبارة كلمة كلمة تقريبا والتي ذكرها قبل قليل، شعرت بالانتصار وبالضياع، والآن لا ينتابني ذلك الشعور السابق بالخطيئة. ولأن الرحلة بعيدة، غادرا باكرا، في الخامسة صباحا. استيقظت وسمعت أصواتهما. أعلى من الهمس بقليل، كانا يجران الحقائب، حقائب كثيرة وكبيرة. وصعدا إلى السيارة. ألقيت ساقي خارج السرير وفكرت أن أهبط لتقديم المعونة. ولكن استلقيت مجددا على السرير. لو أنه وحده، طبعا كنت سأهرع إليه. ولكن لم أكن أود رؤيتها، أو حتى التفكير بها. حينما أفكر بها، تلك المخلوقة المسكينة بالذراعين النحيفتين والوجه الذي تغطيه المساحيق، أحاول أن أصرف تفكيري إليه.

بعد أحد عشر يوما، غزا الألمان بولونيا. وكتبت له رسالة في إثر رسالة ولم أحصل على جواب لأي منها. وأصبحت ذكراه مثل صورة أخذتها أمي خلال تلك الرحلة في بلجيكا: مرتعشة، مصفرة وباهتة.

وبعد الحرب بسنتين انتسبت لمدرسة صيفية في جامعة غوتنغين.. وهناك التقيت بطالبة من غيرتون، كانت في صفي، جميلة الطلعة وذكية ومثيرة جنسيا، وفصيحة بالألمانية. واعتقدت أنني أحببتها. قلت لها:"أود لو أزور دسلدورف لأتاكد أن شخصا من معارفي لا يزال على قيد الحياة".

"ألماني؟".

" نعم، ألماني".

"حسنا، ما المانع".

في الظروف العادية مثل هذه الرحلة تكون مستحيلة. ولكن لا توجد ظروف عادية معها وكذلك لا يوجد شيء مستحيل.

وبمعونة من ابن خال مهم لها، هو كولونيل في البعثة الاستعمارية، رتبت للعطلة وحصلنا على إاذن بالمغادرة من المدرسة الصيفية من أجل الرحلة التي تقاطعها مرارا وميلا بعد ميل أرض محروقة وضائعة. وأصرت على مرافقتي. قالت"ستكون تسلية ممتعة".

وبواسطة حصافتها وفتنتها وجدنا أخيرا الشارع ثم البيت- وبعده بناية متداعية كانت في السابق مدرسة. في تلك المدرسة المتهدمة كان غوتز وزوجته يعملان بالتدريس. البيت، بيتهما، كان متهدما أيضا. في لندن، حيث واصلت والدتي وأنا الحياة طوال الأزمة، كنت أشاهد بمزيج من الرعب والألم بيوتا مشابهة. ظاهرها مسود، وحدودها مكسرة ومسننة، وأجزاء من ورق الجدران تتدلى من الجدران. وشعرت بذلك الرعب والأسى، بشكل أعمق وأكثر كثافة. ربما مات هنا. وقلت ذلك لرفيقتي في السفر. وردت بلا إهتمام:"أو في مكان آخر".

وهي من سألت في  المسكن المأهول عند بوابة المدرسة المتداعية. وردت على الجرس امراة عجوز ترتدي الوشاح، وكان فمها مفتوحا وفيه عدة أسنان متبقية وكانت أصابعها كالحة ودهنية. نظرت إلينا من تحت نظرات غريبة، بدت لنا مزيجا من الحيرة والعدوانية. وقالت إنها لا تعرف شيئا عن سكان البيت، فقد اختفوا قبل وصولها. بعض الناس يموت وآخرون يغادرون. وكانت لهجتها كئيبة.

واستيقظت من ليلة على كلمات غريبة، تعود للظهور باستمرار، فأنا الآن أصارع من أجل البقاء في حالة من اللامبالاة ثم من أجل تدبر معنى لما يحصل. تلك العبارة الغريبة لا تزال تعود لمسامعي، كأنها جرس يدق بجنون ودون توقف. جرعت قهوتي. ووضعت يدا على عيني المطبقتين ثم ضغطت أناملي عليهما حتى انطلقت شرارات منهما من خلف الجفنين. نعم، وبدأت أفهم معنى تلك العبارة.

وصلت إلى قمة السلم في بيت المزرعة البلجيكية حتى قبل أن أتسلقه، بقية حياتي كانت منضبطة، وحذرة، حتى جلست هنا أرشف القهوة، فالرجل العجوز لم يعد يفتنني، وتابعت شرب القهوة من فنجان رقيق في المطبخ. كان باردا مع أنني أشعلت التدفئة المركزية. في نهايتي توجد البداية. وتعود العبارة نفسها، طوافة على موجة ذكريات عائدة بالإكراه. وكما أفعل في أحلامي، أصحح العبارة: في بدايتي توجد نهايتي. وأهم شيء حصل في حياتي انتهى حينما بدأ.

"إيفلين". زوجتي تنادي لأحمل عنها الصينية وأساعدها لتستحم. "إيفلين". نبرة صوتها، المستوية، واليائسة، بلا معنى مثل نداء زوجة غوتز، وعي تدعوه إلى غرفة النوم قبل ستين عاما، ولدى التفكير بغوتز- سواء هو ميت من فترة بعيدة أو أنه هرم أكثر مني- يمكنني أن أتابع الطقوس للعناية بها وتأدية واجبي نحوها.

أقول:" أنا قادم، ها أنا قادم".

 

بقلم:  فرانسيس كينغ

ترجمة: د. صالح الرزوق

...................

فرانسيس كينغ Francis King : قاص وروائي بريطاني مولود في سويسرا. من أهم أعماله رواية (النشاط الليلي). وهذه القصة مترجمة من مجموعته "الشمس تسطع على الحديقة". منشورات بان ماكمليان.

وجيش الغيوم  يغطي الشموسا

وأرض تفرّت أماتت غروسا

sardar mohamad2

لم تصدق الطير / سردار محمد سعيد

 

هميساً  هميسا             توارت لميسا 

رويداً فقلبي                  لديك حبيسا

كلصّ مشيت              وسرت هسيسا 

ولم تصدق الطير            وعداً  إميسا

 كسا ني الخريف           الذبول لبوسا

وربّ فراق                يذيب  النفوسا

وريق الغصون              تصير يبيسا

وجيش الغيوم             يغطي الشموسا

وأرض تفرّت              أماتت غروسا

وما أمطرت أو              سقتنا كؤوسا

وأبدت جهاماً                وجوّا  عبوسا 

ظننت ستأ تي               دمشق عروسا

لبغداد يوما                  فنعلي الرؤوسا  

فيخفق قلب                  ونحيي الطقوسا 

سمعت بليل                      كلاماً نفيسا     

مسحت حديثاً              حوته   الطروسا

كأن لم تكن في              القلوب رسيسا

 فطسم تنادي                   أخاها جديسا

  تعالي إميسا                   وكوني أنيسا

علينا الرياح                  تهاوت فؤوسا

 تنادوا لحرب                ونادوا  بسوسا

فأدموا شفاهاً               وعضّوا ضروسا

          

 نقيب العشاق بين بيخال والعاصي

 

 

إنحنت تلقاء قبلة هاربة

 من حسابات الزمن

samar aljobory2

عن عزفك القديم / سمر الجبوري

 

نوتات اللقاء متاحة بأنامل الدهشة

أوتار الليل صوت يطال عتمة الطريق

ليبدو مشرقا

ودليلي إليك كلمات …

نحتتها آهات البعد والمسافة

تلت علينا الف أسطورة

إنحنت تلقاء قبلة هاربة من حسابات الزمن

تحيل الأنغام ربيعا سكن نظرات عينيك

يأوي الجمال بهما إلى مالا نهاية

لتعزف أغنيتنا التي إنتظرت

ألف ليلة وليلة

لتحط طائرا على كفك

يلملم ما علمته أناملك للريح

يحلق عاليا ليهب المنتظرين

بشارة الحب ..

 

سمر الجبوري

 

 

تُراودني الأمسياتُ

عن أسرار العِشق المُبين،

mohamad almahdi

رحلة التّيه .. / محمد المهدي

 

إلى الصبح تحملني هواجسي،

و تنأى بي الدروب،

فأعاودً رحلة التّيه العظيم !

وأَلوي مُسرعا حيث ريحُك وثغرُك البَسيم. .

لأصطلي على خشاش الأشواق المُسجر،

خلف الشجر عند الغروب .

تُراودني الأمسياتُ عن أسرار العِشق المُبين،

وتُساوِمُني عن صَمتيَ الدّفين .

هل أَشُدّ وَثاق الكلمات،

وأَسُومُها حُرقة البوح؟

أم أُرخي لها حبال الود،

فتُسدلُ ظلالَ الليل على عيون العاشقين!؟

سأَسْبُرُ شِغاف اليَمّ الهادِر  في عينيك،

وأرسم للمَدّ شُطآن الروح !!

كيلا يموت الحب المُضمَرُ في المحار .

وكيلا تُعاتِبينَني إذا ما أسلمتُ يوما

قلاعي طوعا،

وأحرقتُ بيارق الأمل .

أو إذا ما أَغرقتُ كل قواربي،

لأمْحُو آثار العودة إلى مرافئ الحب .

 

محمد المهدي - تاوريرت / المغرب

 

 

في هباتك نسمة الهوى

يقين بيان... وطلاسم اوهام.

said lerafi

انت فقط .. / سعيد لعريفي

 

من تملك ....ناصية الحرف

وزمام البيان...

... انت فقط..

يا روضة الحرف،

من حين تتململ

يتزلزل المكان....

.يستحيل...

الحرف سهما

والكنانة لغة الأركان...

..اني مع كل هبة

يا زلزال كلي...

.يشهق الانسان....

.هبي ...

يا اميرتي

مع نسمة الغرب

او لفح الشرق ..

.اختاري يا سيدتي

كل مرة ..هفيف المكان....

.انت ..فقط.

يا حبيبة عمري

من تفننت

في صياغتي بأحلى بنان...

رفرف القلب

على عليائك

يا خارطة الكون .

..كما ترفرف الأعلام...

..حارت يا لغز ايامي .

... حارت فيك الأقلام

انت فقط يا كل ايامي

من حارت فيك ضاربة الرمل

ومعبرة الاحلام

وحدك يا مملكة الحب

من استحالت..

في هباتك نسمة الهوى

يقين بيان...و طلاسم اوهام.

 

سعيد لعريفي

 

 

لا تواكب جحافل اليائسين

كَصبر ذاب على صقيع الانتظار

khalid deerik

إكسِير الحَياة / خالد ديريك

 

أيها المتأرجح بين رقعة

الصمود والانكسار

لا تكن من الخادعين لميراث العشق،

المهزومين في معركة النيات

لا تسارع الموج الهائج

الذي يقضم الشراع

ولا تضع الكتاب النبض

على رفوف النسيان

فأشعاري لا تزال

تعزف الروائع بنقاء

في وجه التضليل والضباب

تُزين واحات خضراء

في عقر الصحراء

تبدد المنحنيات والظنون

ترصف تضاريس الوصول

تصد المصائب المتتالية

تحت عزم أمل اللقاء

أيها المتذبذب كغيم الربيع

لا تتشبث بالعناد

فتحت وطأة قسوته اندثرت

قصص على أجنحة الهفوات

لا تواكب جحافل اليائسين

كَصبر ذاب على صقيع الانتظار

لا تترجل من صهوة الوفاء

ولا تشد الرحال

قلبي لهيب من الهوى

لوعه الشوق....

أرهقه المدى....

وفي احتضانك

يكمن أسطورة

إكسِير الحَياة.

 

بقلم: خالد ديريك

 

 

فتلك البقع الداكنة على قمصاننا شهادة

ان التاريخ معلم يحسن إختيار تلاميذه

rasmiya mhybes

قبلة ساخنة / رسمية محيبس

 

لا عزاء لك يا صديقي

دمي توزع في الحروب حتى آخر قطرة

تعال نقبل التراب

ونطوف بمحراب السنبلة

تعال نتعلم أبجدية ثانية

ونجعل للورد نصيبا في حقولنا المزهرة بالخراب

فقد أصبحت المدافع نغمتنا الوحيدة

بها نتراسل سرا ولا تحلو ليالينا

اذا خبا صوتها الشرس

نستيقظ على هديرها

وننام والشظايا تعانق أرواحنا

اشفق على الفزاعات فهي بلا ذنب

ولتكن حازما مع الصقور

فتلك البقع الداكنة على قمصاننا شهادة

ان التاريخ معلم يحسن إختيار تلاميذه

لا تنس أن تعانق الاغصان الطرية

ولتكن قبلتك ساخنة

فهي إنذار لنا نحن الموتى بلا تضحيات

 

 

ليس ثمة ما يتفتّحُ منها

في قلبيْ مَنْ ينامُ  فوقَهُ !

ahmad alhili

لست هذا أو ذاك (5) / أحمد الحلي

 

1

لستُ قنفذاً

مدّوا إليهِ يداً للمصافحة

فمدَّ إليهم ظهرَه !

2

لستُ شرشفاً

مطرَّزاً بألوانِ الورودِ

لكنْ

ليس ثمة ما يتفتّحُ منها

في قلبيْ مَنْ ينامُ  فوقَهُ !

3

لستُ مئذنةً

يتكثَّفُ اسمُ اللهِ فيها

ثم يتساقطُ

أمطاراً حامضية !

4

لستُ نسراً

ما عاد يتعرّفُ إلى ذاتِهِ

تمَّ ابتذالُهُ على أوسعِ نطاق؛

يرى نفسَهُ مجسّداً على الإيقونات

والأعلام

ورايات المنتصر والمهزوم

على حدٍّ سواء !

5

لستً سيفاً بيدِ أحدِهم

يُترنّمُ الرواةُ بإحصاءِ مآثرِهِ

وتهزمُهُ وردة !

6

لستُ مسبحةً

يمررُ أحدُهم أصابعَهُ بين حبّاتِها

فيغفو في ماضيه

نابذاً حاضرَهُ والغد !

7

لستً عنكبوتاً

يتطيّرُ بل يُذعَرُ

أن تسقطَ بشِراكِهِ

نجمة !

8

لستُ محارةً

تتخوَّفُ من أنْ تمتدَّ إليْها

يدُ الغوّاصِ

وليسَ بداخلها

سوى حجارة !

9

لستُ قبّعةً

تستقرُّ فوقَ رأسِ أحدِهم

فتهربَ طيورٌ فضيَّةٌ منهُ

ليبقى طائرٌ وحيدٌ  أسودْ !

 

 

إنني اسمع صوت المغني

يلوك على الشرفات بأحلامنا

jasim aluobaidi

إنني اسمع صوت المغني / جاسم العبيدي

 

إنني اسمع صوت المغني

عندما  يستكين إلى نفسه

تسائله الناس عن شوقه للبلاد

بلادي التي ضعت فيها

- لم جئت تطرد

من غير اسم إلى المقصلة

- هل تراه يرد الجواب؟

وتسكن أوجاعه القاتلة

- سيدي : كم تكرر هذا السؤال

وانتم تعدون أنفاسنا في القتال

وبين الدروب

وعند المحطات

وفي عتبات الخيام

وحين نصلي وحين ننام

ولي امرأة عند بيارة العشق تنتظر القافلة

- أأنت الغريب الذي ملأوا رأسه بالأناشيد والاخيله

ظل درب المسير

وراح يرد على الاسئله

- وأنت التي تتبعين قفاه

- أكنت مع الراحلين

- أأنت التي قد اباحوا دماها هوى

بلا هدف تركضين وراء الضباب

ولدي

ولدي كنت اناغيه

( دللول يالولد يبني دللول       يمه عدوك عليل وساكن الجول)

ولدي مزقته الرياح

مزقته القذائف

تصرخ

" يجيب الصدى "

( يمه انه يحكلي لاصير دلي         والله لاطلك الدنيا واولي

يمه على مصيبتي من دون خلي)

- عراقية

خرجت من سواد القذائف

تسير على قدمين متعبتين

لها وطن ضيعته الحروب

- والى أين أنت يا امرأة راحلة ؟

- تظنين أن غريبا سيأوي غريب

هههههههههه

ضحكت

ثم راحت تحدق في وجهه قائله

وتكتم في القلب

- ما اجهله

(يمه أهلنه حمولة اشغرة منهم      تره جيت أسال غراب البين عنهم)

وراحت تعدد للجند أعباءها

وتمسح عن وجه أبناءها الأتربة

وشظايا حرائقها والرماد

هاهي الآن ترنو بعينين ذابلتين

تعدد أسماءنا في الملاجئ

تجلس في جوفنا متعبة

تقول لنا

- اسكتوا إنها الحرب

- * ايتها الحرب هل تهدأين

حين يختصر الحزن أعمارنا *

وها نحن نشهق

تشهق أوجاعنا في المحطات

مابين من يحتسي خوفنا

ويحصد في الموت أنفاسنا

- حلمي قاتم ما أرى

إنني اسمع صوت المغني

يلوك على الشرفات بأحلامنا

حين يملأ أنفاسنا الياسمين

تلوذ الحواري بنا

آه ...يازمنا ضيعت فيه أعمارنا

- أين نمضي

وما من بلاد ترد السلام لأجيالنا

أيها الجند لا توقفونا على الحد

لا تنبشوا خوفنا

وها نحن شردنا الخوف والجوع

لم يبق في جوفنا وطن كي نبوح له

أتعبتنا المسافات وهي تنحت أجزاءنا

في العراء تركنا جثثا للصغار

أكلتها الصواريخ

في جوفنا غصة  من أمانينا القاحلة

وحين هربنا

لم نعد نعرف الخوف غير ارتباكاتنا

غير أجسادنا جثثا

تملا الأرض عارية

وغير دم من جراحاتنا الموغلة

في المحطات

يعرفنا العابرون

كانت بلادي على كل وجه تلوح

بأناملها يرقص الغادرون

وصلة للسهارى

وصلة للسكارى

وهم يطعمونا القمامة

من رأى وطنا

بجناحين مقطوعتين

من رأى امرأة لاتجيد الجواب على الاسئله

ولا تحبذ ان تحفظ الامثله

من رأى رجلا ذبحوه على أرضه واستباحوا دمه

من رأى طفلة من بلادي تسير على وجع الأزمنة

ها هنا الكل يمضي عرايا

نلف الدروب

نبحث عن وطن مزقته الصراعات

من رآنا نلف الشوارع

يفاجئنا الموت

أنى رحلنا

وتقتلنا الأسئلة

وعند الحدود

تروج أجسادنا في المزاد

وبين الإجابة والرد

يبيعوننا كالخراف

نبحث عن شاهد

ونقضي معا ليلنا صامتين

نفيض بأرواحنا  كالمجانين

لا نعرف السائرين

- قفوا أيها الضائعون بلا وطن

في دروب التشرد

ان العروبة لم تبق فينا هوى نرتجيه

ونحن نجر بأسمالنا للخريف

فلا بردى يحضن اليوم أجسادنا

ولا للفرات نبث مراراتنا

(يمه تمنيت طارشهم يجيني                  يمه وتسايله وتنام عيني

يمه وتسايله ويبطل ونيني )

انه الموت يجمعنا

وتجمع أشلاءنا الآخرة

وها انا اسمع صوت المغني

انه الموت يجمعنا

وتجمع أشلاءنا الآخرة

 

........................

• تضمنت القصيدة أبياتا شعرية لأغنية قديمة وضعت بين الاقواس

 

إلى أخي د. فاضل علي القاضلي

وجميع أصدقائي الأفاضل

ghanem alanaz

صـديـقُ  الـعـمـر/ غانم العناز

 

صديقُ  العمر  حيّانـا........وصاغ  الـودَّ  ألـوانـا

بصوتٍ  هادئٍ عـذب ٍ........يُـذيبُ  الشوقَ  ألحانا

فخضنـا  في  أحاديـثٍ........وفي الأشعـارِ  سِـيّـانا

عـقـودٌ  سـبـعةٌ  فاضتْ........وقــدٌّ  يـشـبـهُ  الـبانـا

وفــكـرٌ  ثاقـبٌ  يُـثـري........وقـلـبٌ  سالَ  إحسانا

***

وعدنا  نذكـرُ  الماضي........ومـا صـارَ  وما  كانا

ويوم  الربْعُ  صـبـيـانـاً........وكلّ  الأهـلُ  جيـرانا

نطوفُ  الحيَ  تِجوالاً........زُرافـاتٍ  ووحـدانــا

بلا  خـوفٍ  ولا عـينٍ........من  اللأهلِ  لترعانـا

***

ويوم  طاب مغـنانـا........وكان  الـقـلبُ  ريّـانـا

غــداةَ  هـــزّنــا  حُــبٌّ........فـأشـقــانـا  وأحـيـانـا

رجعـنا  بعـدها  نسعى........لكسبِ العيشِ  فرسانا

نشقّ الدرب في  عـزمٍ........نخوض الدهـر شجعانا

فـمـا  كلّ  لـنـا  مـتـنٌ........ولم  نُخطأ   بمرمـانـا

*****

وعاد  يذكرُ  الحاضرْ........ويحكي  بعض  شكوانا

يـقـولُ  عـادني  هــمٌّ........وقد  اصبحتُ  حـيرانـا

سمعتُ  الـيـوم  أنـبـاءً........تـزيـدُ  القـلـب  أحـزانا

بـلادي  أصبحت  قـفراً........وزاد  الظـلـمُ  طُغـيانـا

فقد  أضحى  كما  يبدو........عـزيـزَ  القوم  قد هانـا

وصار  الحرّ  مأسوراً,,,,,,,,يـباتُ  الـليل سهـرانا

فكيف  الصبرُ  يا خِلّي........وقد  أمسـيتُ  نسيانـا

فـقلتُ  يا  أخي  مهـلاً........فـفجـر الفتحِ قد  حانـا

سيهوي  كلّ  طاغوتٍ........ويشقـى  كلّ  من  خـانا

لـيحيى  الـناس أحراراً........بـظـلّ الـعــدلِ إخـوانـا

فــإنّ  الـدهــرَ   دوّارٌ........وكان  الحـكـمُ  أزمـانـا

 

واتفورد – ضواحي لندن

 

atif aldarabsaقلتُ لها:

أراكِ يا حبيبةُ مثلَ حكومتِنا العتيدة ؛ عاجزةً عن محاربةِ الفسادِ، عاجزةً عن توفيرِ فُرصِ العملِ، عاجزةً عن الحدِّ من انتشارِ الفقرِ، عاجزةً عن محاسبةِ الحيتانِ، وأسماكِ القرشِ، والأفاعي، والأُسودِ، والنُّمورِ، ووحوشِ المالِ، عاجزةً عن ابتكارِ الحلولِ لمشكلاتِ البلدِ وأهلِ البلدِ .

يا حبيبةُ إنَّ الإنصافَ يقتضي أن أقولَ لكِ إنَّكِ قادرةٌ على الفقيرِ، وعلى طعامِ الفقيرِ، ورغيفِ خبزِ الفقيرِ الذي لا يُشبهُ الخبزَ، وقادرةٌ على كازِ الفقيرِ حين يَطرقُ الشِّتاءُ النوافذَ والأبوابَ، قادرةٌ على محاسبةِ الأرانبِ والدجاجِ والصيصانِ ..

يا حبيبةُ أنتِ بالفعلِ تُشبهينَ الحكومةَ؛ أنتِ بالفعل لا تملكينَ حلولاً لمشاكلكِ العاطفيَّةِ وغيرِ العاطفيَّةِ ؛ فخططكِ التنمويَّة وإدارتكِ للبلادِ تدورُ على محورينِ : البحثِ عن موادٍ لفرضِ الضريبةِ عليها، وأمَّا المحورُ الثاني فإنَّكِ تنتظرينَ على أحرِّ من الجمرِ آخرَ كلِّ شهرٍ لترفعي المحروقاتِ قرشاً أو قرشينِ، وها أنتِ الآن تبحثينَ عن آليَّةٍ لتحريرِ الخبزِ وكأنَّ الفقيرَ محتَّلاً للخبزِ او مُستعمِرَاً .

يا حبيبةُ أكرهكِ جداً حين تتصرفينَ مثل حكومتِنا بلا مسؤوليَّةٍ، وكأنَّكِ اعتدتِ حالةَ الفوضى واللاطريقِ، كلَّ يومٍ في حضنِ عاشقٍ جديدٍ يُخطِّطُ لكِ كيفَ تُديرينَ البلادَ والعبادَ، وكيفَ تسرقينَ الفقرَ من الفقيرِ، والجوعَ من الجائعينِ، والدَّمعَ من عيون الأطفالِ، والعُكَّازَ من العجائزِ والمُسنِّينِ .

ارفعي الخبزَ كما تشائينَ، وارفعي الملحَ والزَّيتونَ، لا تخافي علينا ؛ فالترابُ في وطني كثيرٌ ؛ والرَّملُ كثيرٌ، والغبارُ كثيرٌ .

أرجوكِ اتركي لنا ترابَ الوطنِ أخافُ أن نموتَ عرايا بلا كفنٍ .

هامش : أنتِ طالقٌ .

 

د.عاطف الدرابسة

 

 

حمائم فوق القباب

تهدل حزينة

حالمة

salem madalo2

مقتطفات من صحف القلب / سالم الياس مدالو

 

1

سنجاب بعينيه

الحزينتين

يحدق في وجهي

ويبكي

2

طائر النورس

في قبضة نسر

مجنون

يحصي احزانه

واحزان فراخه

3

غزلان في البراري

حزينة

والذئاب

ترقص - الجوبي -

4

حمائم فوق القباب

تهدل حزينة

حالمة

بالربيع

5

اوزات مهاجرات

يخشين

قسوة

صياد

6

حقل سنابل

اخضر

يداهمه سرب

جراد

مجنون

7

فوق قبة روحي

الذهبية

ترونني جالسا

اغني للريح

للشفق الأزرق

وللمطر

 

سالم الياس مدالو

 

 

jafar almuhajir2كتب آدم في دفتر مذكراته:

(لايمكن لأي إنسان في الوجود أن يعيش سعيدا هانئا منعما مطمئن البال وهو يقضي السنين الطوال وحيدا في متاهات الغربة ويظل يتجرع آلامها الموجعة وغصصها المرة . ومهما كان جمال مدن الغربة خلابا، وطبيعتها ساحرة فليس بإمكانها إطفاء جمرة الحنين المتأججة في أعماقه، والتخفيف من ثقل الليالي الطويلة الموحشة في  بلاد الثلج. والمدن الجميلة التي زرتها لايعادل جمالها ذرة من تراب الوطن رغم كل الأمور المحزنة التي تعصف به. فجوقة الفاسدين الذين تمرسوا على امتصاص دماء الناس وتغيير جلودهم في كل العهود كما تغير الحرباء جلدها يمتصون دماء الفقراء دون رحمة. وخطرهم لايقل عن خطر قطعان الإرهابيين الذين آستباحوا دماء الناس وأحرقوا الشجر والحجر لأن كلاهما ينخر في شجرة الوطن ليحيلها جذع ميت.

لكن رغم كل هذه الأوجاع والجراح العميقة فإن جسمي  لم يعد يحتمل أكثر من عشرين عاما من الغربة التي أنهكت روحي وجسدي وأكلت عظامي . ولابد من وضع حد لها والعودة إلى  ذلك الحضن الدافئ الحنون الذي قضيت فيه أجمل أيام عمري وتركته قسرا. فالعيش في أحضان الوطن هو من أعظم النعم التي منحها الله للإنسان . والإنسان دون وطن يبقى كريشة في مهب الريح رغم كل القوانين التي تحفظ كرامته الإنسانية. إذن لابد من صنعا وإن طال السفر والتخلص من مدن الثلج التي لاتحمل بين طياتها طعما للحياة. )  

لقد سيطرت على ذهن آدم فكرة العودة إلى  وطنه، ولازمته في كل لحظاته ولم يستطع الخلاص منها. خاصة إن شقيقته الوحيدة تعاني من مرض عضال وألحت عليه بالحضور بعد هذه الغربة الطويلة.

سرح خيال آدم بعيدا إلى مرفأ صباه . ومرت وجوه أصدقائه وطلابه أمام ناظريه كشريط سينمائي. تلك الشريحة من الناس الطيبين الذين قضى معهم أياما جميلة من عمره وانقطعت أخبارهم عنه. لكنه لن ينسى وجوههم والأحاديث الودية التي كان يتبادلها معهم . ترى هل إنهم على مايرام؟ وهل حصلوا على شهادات عالية أم انخرطوا في ساحات العمل؟ هل هم في جبهات القتال يصدون الهجمة البربرية الداعشية.؟ أم مازالوا يعانون من ألبطالة وكيف يعيشون؟ وبماذا يفكرون؟ وهل إن قاعة نقابة المعلمين التي طالما جمعته مع زملائه مازالت قائمه تعج بجمعهم في تلك الأمسيات الحميمية؟

أسئلة كثيرة طرقت رأسه . وتقاطرت الدموع من عينيه حين نظر إلى المرآة ورغب في حلاقة لحيته التي تسلل إليها الشيب. ورأى الأخاديد العميقة في وجهه،فأطرق برأسه وتنهد تنهيدة عميقة، وأشعل سيكاره وسحب منها نفسا عميقا وأخذ يوصل دخانها إلى أعماق رئتيه المنهكتين .أدرك أخيرا إن بقاءه  على هذه الحال سيعجل في نهايته بعد أن تجاوز خريف العمر وبدأت علائم الشيخوخة تدب في جسده كدبيب النمل. خط بقلمه على الورقة التي أمامه وأصابعه ترتجف بيتا لقصيدة الشاعر الراحل أحمد شوقي:

وطني لو شغلت عنه بالخلد عنه

نازعتني  إليه  في الخلد  نفسي.

وتنهد مرة أخرى، وفتح النافذة، وحدق في الأفق البعيد حيث البحيرات وأشجار السرو التي لاتبدو لها نهاية.كان السكون يطبق على المنطقة وتخترقه بين الفينة والأخرى أصوات الغربان والنوارس التي تكثر في المنطقه. أخذ يتحدث مع نفسه:

حين تعصف الغربة في أعماق الروح، ويتوغل الحنين والوجد في دم الإنسان يتحولان إلى سيل جارف. آه ياوطني كم أحبك ..أنا بحاجة إليك  ضمني إلى حضنك الحنون الدافئ .. أريد أن أموت وأدفن بين طيات ترابك هل تسمع نبضات قلبي أيها العراق الحبيب؟     

آه ماأحلى تلك السفرات الجماعية الجميلة التي كنا نقوم بها مع طلابنا ونذوق فيها طعم برتقال ديالى، وبطيخ سامراء وعنب شقلاوة وتينها وتفاحها ورمانها! تُرى هل سأتذوقها مرة أخرى.؟ وما أجمل مصايف أربيل والسليمانية ودهوك وأهوار الجنوب والبردي وطيور الخضيري وبحيرة ساوه العجيبة .! وهل هي باقية على حالها وهل سأراها ثانية.؟

شعر بقشعريرة مفاجئة، ودس نفسه في الفراش وأخذت فكرة العودة للوطن تطرق رأسه طرقا مستمرا لاهوادة فيه.

نهض من فراشه وتناول فنجانا من القهوة المرة، وأخذ يتصفح دفترا له كان على الطاولة ثم ألقى نظرة على بعض القصائد التي كتبها طيلة فترات غربته. وقرر أن يأخذ ذلك الدفتر العزيز على قلبه معه في رحلته إلى الوطن  . وتمنى في قرارة نفسه أن يقرأ بعض ماكتبه من قصائد أمام جمع من محبي الشعر والأدب في وطنه.   

أخيرا قرر آدم أن يشد الرحال إلى وطنه ومنبع صباه ليشكو له سنوات الغربة وما جرى له فيها، ويقاسمه الهموم ويناجيه عن قرب ويلتقي بأهله الطيبين الذين تجمعهم معه ذكريات جميلة. تلك الوجوه الأليفة التي ظلت تزداد لمعانا وتوهجا في ذهنه، والتي حفرها الزمن في قلبه المتعب.

قطع تذكرة السفر، وحمل معه حقيبته الصغيرة التي  دس فيها  بعض بعض المواد البسيطة . ركب الطائرة وحمل معه كل مشاعره وأحاسيسه. حلقت الطائرة في الأجواء متجهة نحو الوطن . تحدث مع بعض ركابها من العراقيين. وكان القاسم المشترك بينهم الحديث عن العراق وما حل به من كوارث طيلة هذه السنين . وتمنوا  من أعماق قلوبهم أن يتخلص وطنهم من رموز الفساد والإرهاب، وينهض من جديد سالما معافى . بعد ساعات حطت الطائرة في أرض المطار و نزل الجميع منها وهنأ بعضهم البعض على سلامة الوصول واتجه كل واحد منهم إلى المكان الذي يرغب بالوصول إليه. أخيراإنها العاصمة الحبيبة بغداد بناسها الطيبين ونخيلها ومعالمها التي لاتغرب عن ذهنه.

إنهالت دموعه على خديه وشعر بشوق جارف إلى أن يشم رائحة الورد الجوري والقرنفل والفل العبقة الذي كان يزرعها في حديقة بيت أخته الوحيدة والتي كانت متزوجة أثناء سفره ومات زوجها قبل سنتين ولم يرزقا أطفالا فبقيت هي الأخرى تعاني من الوحدة والمرض الذي  بدأ ينهش جسمها وأقعدها في البيت. كل شيئ يهون مادام الوطن هو بيته الكبير الذي سيحتضنه من جديد ويخفف من آلامه. سيقيم عند بيت أخته لفترة محدودة وعسى أن يشتري شقة صغيرة بالمبلغ الذي جلبه معه، ويكون عائلة ويجد  شريكة حياة تناسب عمره بعد حياة العزوبية الطويلة وينجبان طفلا ينادي بابا ماما ويملأ حياتهما سعادة وبهجة وحبورا.

إنه ظمآن إلى ماء دجله والنوارس التي تحوم فوقه كل مساء.  ويغمره الشوق إلى زيارة الإمام الكاظم وكربلاء والنجف وأبو حنيفة وسوق الغزل والباب الشرقي والجلوس في حديقة الأمة والتمتع بمنظر الباعة هناك قبل أن يسجد ليقبل تراب الوطن الغالي

إستأجر سيارة ووجد نفسه في شوارع بغداد بعد تلك الغربة الطويلة. ورغم الأنوار الخافتة  فقد بدت ملامحها حزينة يعلوها الغبار. حدث نفسه إنها ليست بغداد التي تركتها قبل عشرين عاما. لقد كانت أجمل وأكثر رونقا وبهاء رغم سطوة النظام الدكتاتوري الذي كان يأخذ بخناق الناس. أوقف السائق السيارة أمام عشرات النقاط العسكرية للتفتيش وتأوه من شدة الإجراآت وتمتم ببعض الكلمات. قطع السائق الصمت وقال (عمي تره هذا التفتيش. من صالح المواطن . الوضع خطر  بس شويه غفله من حارس النقطه يمكن تحدث كارثه وتروح عشرات الضحايا وهاي صارت بعدة مناطق وراحت ضحايا كثيره من قبل الإرهابيين الأنجاس. لازم واحد يكون عنده صبر ويتحمل. ليش إنته وين جنت ومنين جاي؟) أجاب آدم السائق حذرا: (كلامك صحيح ميه بالميه لازم ياخذون أشد أنواع الحذر من هذوله الإرهابيين المجرمين اللي إبتله العراق بيهم . آني جنت بعمان أدور شغل ورجعت بخفي حنين كما يقول المثل) أجابه السائق: (بارك الله بكل إنسان حريص على وطنه وشعبه . تره هاالشباب اللي تشوفهم على السيطرات يسهرون على أرواح الشعب ومايشوفون عوائلهم إلا بالشهر مره) أجاب آدم والتعب دب في أوصاله (والله كلامك صحيح  لاعاب حلكك ياطيب) وساد الصمت بينهما من جديد. وبعد مرور ساعتين وصل إلى بيت أخته الوحيدة طرق الباب طرقا خفيفا ..فتحت له الباب فرأى هيكلا عظميا أمامه. نظرت إليه بعينين غائرتين .. وصاحت من أعماقها وبصوت مرتعش:

(خويه آدم حبيبي الحمد لله على السلامه ماجنت أصدك أشوفك) وبعد أن تفوهت بتلك الكلمات كادت تسقط على الأرض فمسك يديها وشعر بأنه يمسك خشبتين باردتين .. هاله جحوظ عينيها وشدة ضعفها وهزالها. لم يتمالك نفسه فأجهش بالبكاء وأخذ يقبل رأسها ويديها ماذا حل بك يافطوم؟ اين ذهبت تلك الحيوية؟ عرف أخيرا إنها مصابة بالسرطان وكأن صاعقة و كان وقوع الخبر كوقوع الصاعقة على رأسه.  ذهب بها إلى طبيب  مختص فأخبره إن حالتها ميئوس منها. مر أسبوع وكأنه دهر توفيت فاطمة بعده. حزن حزنا شديداعليها لأنه خسر تلك الإنسانة الرائعة والأخت الوحيدة التي شاركته همومه طيلة حياته.

أخذ يجوب شوارع بغداد وحاراتها ودخل في دوائر الدولة بصفة مراجع ومراقب ليعرف ماذا يجري فيها . ذهب إلى وزارة التربية وقدم لها طلبا    بالعودة إلى وظيفته السابقة كمعلم. لكنه أصطدم بعقبات لاتعد ولا تحصى . وأخيرا رُفض طلبه (لأنه مفصول لتركه الوظيفة دون مبرر) أخذ يتنقل من شارع إلى شارع لعدة أيام. شاهد  الفوضى والبيئة الملوثة، والمولدات الضخمة القابعة على الأرصفة وحولها تقبع براميل من النفط الأسود وكأنها ديناصورات منقرضة .نظر إلى تلك الأسلاك المتشابكة وكأنها بيوت لعناكب مفترسة. شاهد صبيان وفتيات صغيرات ونساء وشيوخ يطلبون المساعدة من الماره . رأى أكوام القمامة تتراكم كالجبال في الحارات والشوارع تعج بالحفر وتغمرها المياه الثقيلة السوداء. والأشجار مغطاة بالغبار وكأنها تعاني من حزن ثقيل . رأى المراهقين من أبناء المسؤولين في الأحزاب المهيمنة يقودون أحدث السيارات. ورأى مئات اللافتات والصور والجداريات الضخمة التي صرف عليها أصحابها من تجار السياسة ملايين الدولارات للدعاية الإنتخابية. ورأى المتطفلين على الثقافة والأدب من أتباع الأحزاب . ورأى المفسدين يتصرفون وكأنهم سادة الوطن. تساءل مع نفسه أهذه هي الديمقراطية التي يتغنون بها؟ وكيف يعيش البشر في هذه المناطق وفي هذا الوطن الغني الذي يقبع على بحر من البترول؟  ماذا حل بأموال العراق والموازنات الضخمة التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات .؟ تأكد لديه إن المسؤولين بمختلف إتجاهاتهم يتسابقون على نهش جسد الوطن، ويقتاتون كالطفيليات على مآسي المعدمين وكما يقول المثل (وكل إليها بالمطامع أشعبُ) .

لقد تكشفت أمامه الكارثة الحقيقية التي يعيشها العراق .أصيب بصدمة شديدة بعد أن كانت بداية العودة إلى الوطن صعبة وقاسية ومرة. وردد 

فأخرج دفتره وكتب :  

لهفي على وجع العراق

حتام تنهشه الذئاب؟

(قومي رؤوس كلهم)

وبنهجهم ضاع الصوابُ

وصراخهم ملأ التخوم

وساد في الوطن اضطرابُ

شابت رؤوس أحبتي

يًستصرخون فلا يُجابوا

دمهم مباحٌ كل حين

ودليلهم صار الغرابُ

بحث عن أصدقاء العمر فعرف إن معظمهم قد فارق الحياة. ذهب إلى نقابة المعلمين التي طالما جمعته مع زملائه فرآها وقد تحولت إلى دكاكين تتجمع فيها البضائع.  زار العدد الضئيل من زملائه المعلمين الذي بقوا على قيد الحياة  فرآهم مصابين بأمراض مختلفة  ولايسأل عنهم أحد. شاهد بعض طلابه وقد غزا رؤوسهم الشيب وهم متعبون منهكون وكأنهم أشباح متحركة. سمع قصصا رهيبة عن عقوق بعض الأبناء للوالدين وعن التفكك الأسري ووقوع  أعداد من المراهقين في آفة المخدرات والدولة غائبة. تمتم مع نفسه ياإلهي  ماذا جرى لهذا الوطن وشعبه. أهذا هو العراق الذي حلمت به؟

لم يكن يتوقع أن يرى وطنه بهذه الصورة المأساوية . أطرق برأسه والإحباط يعصف به عصفا. فسارع للحصول على تذكرة سفر. رجع إلى منفاه حزينا منكسرا لايلوي على شيئ . بعد عام من رجوعه وفي إحدى الصباحات الثلجية عثر على آدم جثة هامدة في فراشه.وأنطفأت جمرة الحنين في جسده البارد بعد أن ظلت متوقدة فيه لعشرين عاما.

 

جعفر المهاجر.

 

 

لا طِـلـى دجـلـةَ يـرويـنـي

ولا راحُ الـفـراتْ

yahia alsamawi2

ثمان فسائل من حجر / يحيى السماوي

 

(1)

مـنـذ دهـرٍ

وأنـا  أركـضُ وحـدي

فـي سـبـاقِ الـفـوزِ بـالـجـنَّـةِ

أو بـئـس الـمـصـيـرْ

 

مـرةً يـسـبـقـنـي الـلـيـلُ  وأخـرى أسْــبـقُ الـصـبـحَ ..

وفـي الـحـالـيـنِ:

وحـدي أركـضُ الأشـواطَ  والـدربُ ضَـريـرْ

 

لـيـتـنـي أعـرفُ:

هـل كـنـتُ  بـهـا الأوَّلَ ؟

أمْ كـنـتُ الأخـيـرْ ؟

***

 

(2)

أأنـا الـظـبـيُ الـذي يـأمَـنُ بـالـذئـبِ

ويـخـشـى حـارسَــهْ ؟

 

هـابـطـاً جـئـتُ كـمـا الـنـيـزكُ مـن حُـلْـمـي

بـفـردوسِ الـسـمـاءِ الـخـامـســةْ

 

طـوَتِ الـيـقـظـةُ ـ لا الـريـحُ ـ جـنـاحَـيَّ

وأعـشـى مُـقـلـتـي ضـوءُ زهـورِ الـلـوزِ

فـي الـوادي الـبـتـولـيِّ الـيـنـابـيـعِ

فـأيـن الـيـابـســةْ ؟

***

 

(3)

آخـرُ مـا اكـتـشـفـتُ فـي

مـتـاهـةِ الـحـيـاهْ :

 

أنَّ الأسـى يُـمـكِـنُ أنْ يُـصـبـحَ نُـعـمـى

والـلـظـى مِـيـاهْ

 

فـكـلـمـا حـاصَـرَنـي الـحزنُ

وسَــدَّتْ بـابَ كـهـفـي صـخـرةُ الـيـأسِ

وشَــبَّ فـي حـشـاشـتـي لـهـيـبُ الـ " آهْ "

 

يـصـيـرُ كـهـفـي روضـةً

والـلـيـلُ يـغـدو مُـشـمِـسـاً كـأنـهُ الـنـهـارُ فـي ضُـحـاهْ

حـيـن أصـيـحُ مـلءَ نـبـضـي:

يـاحـبـيـبـي الـلـهْ

***

 

(4)

كـلَّ يـومٍ

ألـتـقـي فـوقَ بـسـاطِ الـصَّـلـواتْ

 

بـحـبـيـبـي خـمـسَ مـرّاتٍ

ألا يـكـفـيـكِ يـا قـلـبـي ؟

عـلامَ الـعَـبَـراتْ !

***

 

(5)

الـلـهُ فـي قـلـبـي

فـمـا حـاجـةُ عـيـنـيَّ الـى رؤيـتِـهِ ؟

فـهـل تـرى عــيـنـايَ نـبـضَ الـقـلـبِ ؟

هـل تـرى  رنـيـنَ الـصـوتِ أو صَـداهْ ؟

 

وهـل يـرى الـوردُ

ـ إذا تـفـتَّـحَـتْ أجـفـانُـهُ ـ

شــذاهْ ؟

 

سـألـتُ عـقـلـي فـأجـابَ:

كـلُّ مـا تـراهْ

 

فـيـهِ

ظِـلالُ الـلـهْ

***

 

(6)

مَـنْ لـمـذبـوحٍ مـن الـوجـدِ

ظـمـيءِ الـحَـدَقـاتْ

 

لا طِـلـى دجـلـةَ يـرويـنـي

ولا راحُ الـفـراتْ

 

وحـدُهُ وجـهُ حـبـيـبـي يُـطـفـئُ الـجـمـرَ

ويُـحـيـي فـي حـقـولِ الأمـسِ

أشـجـاراً مَـواتْ

 

وحـدُهُ يُـصْـبِـحُ مـوتـي  فـرطَ أشـواقـي لـلـقـيـاهُ

حـيـاةْ

***

 

(7)

رشــيـقـاً

مـثـلَ مَـشـحـوفٍ تـهـادى

 

يـشـقُّ بـنـورِ طـلـعـتِـهِ

الـسَّـوادا

 

أتـانـي والـنـعـاسُ يُـشِـلُّ جـفـنـي

وحـيـن خـلـعـتُ ثـوبَ الـنـومِ

عـادا

 

فـيـا تـنُّـورَهـا إنْ عـزَّ خـبـزٌ

فَـهِـبـنـي مـنـكَ جـمـراً

أو رمـادا

***

 

(8)

بـحـري بـلا مـوجٍ فــكـيـف ســأعــبـرُ

بـحـراً

تـلـيـهِ مـن الـصـحـارى أبْـحُــرُ ؟

 

لـو كـنـتِ قـابَ فـمي شـربـتُ بـمـقـلـتـي

خــمــراً

بــهِ آثــامُ أمــســيَ تُــغْـــفَــرُ

 

تـعِــبَ الـشـراعُ

فـلا الــريـاحُ تــقــودُهُ نـحـو الـضـفـافِ

ولا عـيـونيَ تـصـبـرُ

 

وحـشــيَّـةٌ شــفــتـي

فـلا أنـا صـائـمٌ فـأطــيــق إمـسـاكـي

ولا أنـا مُـفــطِــرُ

***

 

 

nadia almohamadawiكانت مريم ابنه الخامسة عشر ربيعا تعيش هي وأختها مع جدتها لأبيها وكانت زوجه الأب تُذيقهما مر العذاب هذا لان والدتهما قد طلقت وت حكم الوصاية للبنتين للأب والجدة . فكانت مريم تكمل عمل البيت وتذهب كل يوم للمدرسة هي وأختها التي تصغرها بثلاث سنين . تتحسر البنت على كل شي هي وأختها علما انها كانت  متفوقة جدا بالمدرسة . في احد الأيام رجعت وكالمعتاد للبيت وإذ بجارهم قد قام بتأجير حديقة البيت لشاب لديه مولدة كهرباء في إحدى الأحياء السكنية بمنطقة البياع في بغداد. وقد بدأ العمل على قدم وساق لإنقاذ الناس من الم انقطاع الكهرباء المزمن . تفاجأت مريم وكذلك أختها الصغيرة من وجود هذا الكم الكبير من الناس مجتمعين حول المولدة الصفراء الجديدة التي سوف تنقذهم من ويلات الانقطاع المستمر . انتهى هذا اليوم وقد مدت الأسلاك لكل البيوت وانتهى بعض من عذابات الحكومة للناس .. في صباح اليوم الثالث لنصب المولدة كان آدم يقف أمام الباب الخاص بالمولدة وهو ينفث دخان سيجارته للأعلى وينظر لمريم خلسة  تمسك بيد أختها الصغيرة نايا خوفا عليها من التعثر بأي شيء في الطريق لكون الطريق غير معبدة . تلاقت النظرات بين آدم ومريم وتكررت كل يوم محاولاته ليغريها بجمال طلعته وابتسامته المشعة كالشمس . مرت الأيام هكذا ومرت الأشهر وأحست زوجة الأب بنظرات الاثنين لبعض وهذا يؤلمها إذ إنها تريد أن تستأنس بعذاب هذه البنت وأختها . كانت نهاية العام الدراسي ومريم أتت ناجحة من الثالث المتوسط للإعدادية . استوقفها آدم قرب المدرسة قائلا لها مريم هل تتزوجيني وبدون مقدمات قالت له نعم أتزوجك . اقترب إليها وتفرس بكل وجهها البض الجميل وشفاهها الوردية وأمسك يدها وهو يعيد عليها ما قاله فسمعها وهي تبكي نعم اقبل بالزواج منك . حدد آدم يوم الخطوبة مع والد مريم بعد ان اخذ والدها موافقتها ورضاها،أتت يوم الجمعة واتى اليوم الذي سوف تتخلص من هذا المرأة التي لا تمت لها باي صلة فقط كونها زوجة أبيها إلا لعنه الله عليها . كانت مريم تلعنها وهي تنظف البيت وهي تطبخ وهي تغسل الملابس وأيضا وهي تقرأ كانت تقف على شباك نافذة غرفتها المطلة على الشارع تراقب آدم كلما سنحت لها الفرصة وهو يلوح لها بيده ويرسل لها قبلاته مع الهواء لترقد روحها بمحبة وسلام ..تمت خطوبة وعقد القران لمريم وأيضا تحديد يوم الزفاف .في نهاية الأسبوع الأخير من شهر السابع عام ٢٠٠٢ عاشت مريم مع آدم بمحبة كبيرة ومرت الأشهر وأنجبت اليه مصطفى وكبر مصطفى وأنجبت له بنتا هذه المرة وكل هذا وهي تحب ادم وآدم يحبها جدا ولا يستطيع التفريط بها .. في يوم من الأيام فاجأها بحضور سيدة معه الى البيت في الوقت المعتاد لرجوعه من العمل فتوقفت وبيدها الطشت حيث هي تعودت ان تغسل قدمي ادم كل يوم حين رجوعه من العمل وتجففهم بالمنشفة وتحضر له ولها وللأطفال الطعام . توقفت متسائلة : من هذه فلم يجب كررت السؤال مرة أخرى من هذه فلم يجب حينها نفذ صبرها وضربت الطشت وإبريق الماء على الأرض وانساب الماء تحت أقدامها وهي تردد وكأنها ولَم يثنيها شيء حين تقدمت منه وهي تضربه بكتا يديها والدمع يهطل كالمطر ومصطفى ومينا يبكون لبكاء أمهم ولا تعرف ما الذي يعتريها الآن من الوجع بكل روحها وأغمى عليها وحملها ادم واركبها السيارة للمستشفى وبعد الفحص تبين أنها بالأسابيع الأولى من حمل جديد لم تسكت مريم هذه الليلة ولَم ترتاح وآدم حائر بينها وبين المرأة الجديدة وأطفاله . مرت الأيام ومريم في غرفتها لا تستطيع المجادلة مع احد وصحتها بدأت بالانهيار توسلها بشتى الطرق ان تنتبه لصحتها ولكنها لا تستجيب الوضع بالعراق سيء جدا فسافرت أمها وأختها بعد ان أعطاها أبوها لامها وبهذا أصبحت اختها بامان مع والدتها وهاجروا الى عمان واتخذوا  منها مكانا لسكناهم . قام ادم واتصل بوالدتها على ان تساعده بالمشورة فقالت له حاول ان تذهب لدائرة الجوازات من اجل منح مريم وأولادها الجواز العراقي . اخذ منه أسبوع هذا الأمر وتم أخيرا وحصلت مريم وأولادها على الجواز العراقي وتم تسفيرهم الى عمان لتبقى قرب والدتها إلى ان يبرد الموضوع وهذا كله كان من تخطيط والدتها . وصلت مريم الى عمان ودخلت المستشفى لمعالجتها بإشراف والدتها ولكنها ظلت لا تستسيغ الطعام أيا كان نوعيته . وعاشت ما يقارب الأسبوعين على المغذي وحالتها يرثى لها . من جانب آخر سجلت الأم أحفادها بالمدرسة وظلت مريم بجانب أمها تتلقى المساعدات من منظمة الأمم المتحدة . مرت أيام غير قليلة ومريم بعيدة عن ادم وآدم يعيش ويستمتع بلذة الحياة ومريم هناك تعاني الألم والمرض وتحمل طفلها الثالث ببطنها . وكان لابد ان تعمل شيء وهي بعيدة كل هذا البعد عن أحضان وطنها وأحضان حبيبها لاثنين ضاعوا ولا تعرف ماذا تفعل سوى البكاء وتحمل الألم . وكان صباحا حين أدركتها الام الولادة فلم يبقى أمام والدتها إلا ان تذهب لمكتب الأمم المتحدة وتخبرهم بحالة ابنتها ولَم يمض وقت حتى تم نقلها للمستشفى وأنجبت البنت الثانية وأسمتها شمس بلحظة ولادتها وتم جرد اسمها واسم أمها والأطفال من ضمن قائمة ألاجئين . مرت الأيام والأب لم يسال ولَم يتفقد حاله زوجته وأطفاله .. استعادت مريم عافيتها ولملمة نفسها وطلبت من والدتها ان تبعث أوراق ابنتها لأبيها من اجل استخراج لها جواز وهوية أحوال مدنية . وظلت تنتظر الى ان وصلت الأوراق وكان يوما تنتظره بفارغ الصبر حين ذهبت لمكتب المنظمة وطلبت منهم ان يرحلوها لأمريكا لتبدأ حياة جديدة هي وأولادها بعيدا عن المأساة وحصل كل شيء بوقت قصير وعليها ان تخبر والدهم بسفرها وإياهم وصل الأب الى عمان للاستفسار عن سفر زوجته وأطفاله وأعلن الحرب عليها وهددها بحرمانها من أولادها وسحب جوازاتهم منها بالقوة ووضعهم أمام عينيها في الجيب الصغير لحقيبته وهو يغادرها مودعا إياها بكلماته النابية وهي تبكي ولا تعرف لماذا حل بهم كل هذا الدمار خرج ادم من البيت ومصطفى متعلق بأذيال سرواله ويتوسله ان يترك جوازاتهم ولكن لا مجيب ..خرج الأب وبأثره مريم وأولادها وهي تبكي والأطفال أيضا وقف الأب واحتضن ابنه وأيضا احتضن ابنته وبهذا الوقت فتح مصطفى جيب حقيبة أبيه وسرقه الجوازات بسرية عجيبة وتناولت مريم الجوازات ووضعتهم بحقيبتها ومازال الأب يحتضن ابنته الصغيرة وهو يبكي انتهت كل الأشياء وودعهم وذهب وكان هذا آخر لقاء بينه وبين زوجته وأولاده .صباحا كانت مريم وأطفالها الثلاث يحضرون حقائبهم الصغيرة للتوجه الى مطار عاليه والذهاب الى ارض الأحلام أمريكا

 

نادية  المحمداوي