jawad gloomمع ترجمة انكليزية

للقصيدة قام بها:

السيد عبد الرحيم الشويلي


 

هروب / جواد غلوم

 

 بعْداً عنِّي، قد لا أراكم لاحقا

بسحنتِكم الخشِنة الشبيهةِ بالسحالي

وقَفزاتِكم التي تنطُّ كالغربان

وأقنعتَكم المشتراة َمن أسواقِ مُقَـلِّدي ...

الماركاتِ الرصينةِ الثريّة

فأنتم زبائنُ مفارشِ الأرصفةِ الرخيصة

لا أقربُ عتبَتكم وأعتلي مدارجَكم

آنفُ أنْ أمدَّ يدي لموائدِكم

مهما طاب مذاقُها وفاحت عافيتُها

آنفُ أنْ أشربَ أو أرِدَ حوضَكم

حتى لو كان سلْسلاً عذْباً رائقاً

أسملُ عينيَّ إذا هفتْ لمرآكم

أحرقُ ورودي إذا حُزِمت بأيديكم

أطبقُ جفنيَّ إذا لمحتْ وجوهَكم

أخنقُ صوتي حين يلهجُ بذِكركم

أمزّقُ صدري إنْ ضمّكم بين جانحيه

أقطعُ ذيلي الأمامي

إذا اشتهى نساءَكم

دعوني أحزمْ حقائبي

لأحملَ عبأَها وحدي

فقد ضاقتْ بي جحورُكم الخانقة

وبُلِيَتْ في يديَّ قيودُكم الضيّقة

تعالَي أيتها الريحُ الصرصر

افرشي صهوتَكِ لجليسك المغادر

انثري سنواتِ العمر العجاف

لتلحقَ بأوراق الروزنامات المتطايرة

لم يبقَ من الحياةِ

إلاّ هزيعُها الأخير

خذي ركامَ الذكريات

مريرَها وحلْوَها

بعْثريها للراحلين والغادين

في الموانئ، في المطارات

في أرصفة القاطرات، في أقبية المترو

في محطّات الطرقِ البريّة

في مسالك المهاجرين غير الشرعيين

في معتقلاتِ طالبي اللجوء

في مقاهي الأكتاف المبلّلة

حيث الزنوجُ والهاربون من الجحيم

يطأون المراكبَ المتهالكة

ليس عليَّ ان أُودِّعَكم بأثقالي

لا وقتَ لديَّ لطرحِها أرضاً

أريد ان أبزَّكم من ذاكرتي

أمْحوَكم من وثائقي الرسمية

أشطبُ نسلي ومحتدي ومسقطَ رأسي

لأن هامتي تعلو في غيرِ وديانِكم

جواد غلوم

.................

Escape!

poem written by jawad Ghalom

Translated by Abdulraheem Al-shwaily

stay away.

I might not see you later with your rough faces which looking like lizards

with your leaps that jump like crows

with your masks you bought from the the rich and equable market of the counterfeit brands!

You are the customers of the cheap mattresses of the pavements. I don't come near your door step or to ascend your runways. I refused to step my hand to your table.

no matter if it has good taste or healty.

I refused to drink your water or going to to your basin.

No matter how the water is, pure ,bright and soft.

If my eyes want to see you,

I will close them.

I will burn my roses if were packed with your hands.

I will shut down my eyelids if I behold your faces.

When my voice want to remind you,

I will choke it.!

If my chest wants to put you between it's wings,

I will tear it up .!

I will cut my front tail if I crave your women.!!

let me pack my bags and carry them alone.

I feel sick with your throttling burrows,

your tight hand-cuffs have been rusted .

come in ,you the frozen wind.

put your horseback riding as a bed for your departing companion.! scatter the lean years of my life in order to attach the flying calenders' pages.

Nothing left of life except it's last part.

take the rubble of memories either sweet or bitter.!

scatter them for those who arrive or depart at the ports,

airports,

train platforms,

metro cellars the road staion,

the tracks of the illegal immigrants

the asylum -seekers camps,

the cafe's of the wet shoulders wet where the negros and escaping fugitives from the hell who will tramp the exhausted boats  I am not obliged to say good by as long as keeping my concerns .  I have no time to throw my concerns on the earth.

I would like to omit you from my memory and delete you from my official papers.

I Will cancell my seed,

origin and my birth-place.

my head will be high ,but not in your valleys. !!!!

 

 

 

almothaqafnewspaperهو ذا سيزيف، لم ينتصر(1)، هَزُلَتْ مفاصِلُ صَبرِه ..

هو ذا يتشوَّقُ منذُ آبد الدهور ليومِ عطلةٍ يرتاحُ فيها...

حتى من إعجازِ الكنايةِ والمجاز، لأنهما أضيقُ من رحابةِ المعنى !

.................

أنتَ ...؟!

كذلكَ ما إنتصرتَ حتى تَطمعَ بإستراحة .. تضعُ فيها دروعَكَ جانباً وتَنهَمِكَ بالمطلق !!

فلا تعود تُلصِقُ الأشلاءَ بالأشلاء.. في صفحةٍ بيضاءَ تطوي الزمانَ بالحرفِ .

مازلتَ مُقطَّعَ الأنفاسِ، تحتفي بشياطينِ حلمٍ هاربٍ ...

لم يتخثّر الدمُ بعدُ في مَربَطِ الذكرى،

ما زالَ يَنِزُّ فيجرح سكينَ الصَمت ...

أحرقتَ كل الوصايا لطبخِ وصفةِ الأمان والفرح ...

تَنتظرُ إنتهاءَ الحروبِ القادمة ...

فقد إنهزمنا دونَ مقابل ..!!

وأنتَ لم تبرَح مكانكَ، تُخمِّرُ أحلامَ يقظةٍ، حُلُمٌ داخلَ حُلمٍ ...

تَصطادُ سمكاً مُعلّباً تَلقُمُ به رافِدَ "الخير"، صارَ شحيحاً،

فُضلةً من "وُضوءِ" سلاطين الإستانة !

* * *

تَتسمَّعُ رقصاً ..؟!

رقصاً تَتَلعثمُ فيه نجمةٌ تَرعى نهايةَ الغَسَقِ،

فتُصغي لما فوقَ السمعِ البشريِّ،

تَتَنصَّتُ لأسئلةٍ في صحراء الكلام ..

ووحشةِ خرابٍ عَميمٍ،

خِلْتَ أنَّ البدءَ منكَ، فما لامستَ إلاّ قاعَ حلمك،

ظنَنتَ أَنَّ الموتَ سيَرِقُّ،

لكنكَ حِرتَ بأيِّ الحروفِ ستقفزُ من عَتباتِ وهمٍ أبيضَ كوجه الموت .

..............

في الليلِ تُوَحِّدُ عَديدَ أقنعتِكَ،

تمُدُّ يدَكَ .. يرتدُّ صداها في فضاءِ الوَحشةِ،

فيُشعشِعُ أصابعَ الليلِ النّجمُ ..

للصُبح الفطورُ وأولُ سيكارةٍ مع القهوة ..

للضُحى البريدُ والأخبارُ، ومكالماتٌ مع مَنْ صَحَا من الرَبعِ،

للكتابِ والكتابة كل الوقتِ، إلاّ "إستراحاتٍ !" تتناسلُ لِنَقٍّ وفيرٍ في الدار ..

لأنَّ الكتابَ لايُوفّرُّ خبزاً للعيش ..!!

...............

...............

كالصبايا تأتي الكلماتُ، حُبلى بأُقحوانِ المعنى، وإلتباسِ الكلامِ ..

أجملُ ما في الليلِ، هَدأةُ العالم ..

صديقةٌ .. كأسانِ لا يَفرَغان ..

وموسيقى هادئةٍ ..

ذاكرةٌ تمـوءُ بأحلامٍ داستها عَربةُ "زُحَل"(2)،

عيونٌ راحلاتٌ في الغياب،

تَتسلَّقُ سَفحَ الخوفِ، تخترقُ الحصارَ بينَ قَصفٍ وعصفٍ،

* * *

لكَ ساعةُ صِفرِ الليلِ،

وحيداً أنتَ والبياض..

تتساءلُ لماذا لاينهضُ في مرآةٍ مُضبَّبةٍ إلاّ وجهكَ من دونِ قناع،

حيثُ يلتمعُ السرابُ في رملِ الزمان ..!

وإذْ تحظُرُ أفكارٌ تُنقِّرُ بابَ الليلِ .. تتربّعُ على كتفِكَ تتَفقّدُ أوراقَ الأمس،

.............

وحينَ يَلتئمُ الليلُ على كلبٍ ساكنٍ في الظُلمَةِ، يُصابُ بذعرٍ لمّا يرى ظِلَّ سَكرانٍ يترنَّحُ،

يولّي هارباً، يبحثُ عن خَرِبةً أو مرآبٍ مهجورٍ يأوي إليه كي ينام ..وأنت ساهر!

.................

.................

دافعتَ عن الشجرِ، الذي ستُشنقُ عليه،

وعما ليسَ لكَ،

عساكَ تُرجعُ الماضي إلى ماضيه،

تَملأُ الكلمات بمعانٍ إهتديتَ لها،

كي تختارَ خطوتكَ الأخيرة ..

وتنصرفَ لتنسى ..

أو، قُلْ لتَكِفَّ عن إبتكارِالبدايةَ من نهايةِ ما إنتهى فينا !

فمَنْ ليس مِنّا، صارَ"مِنّا"..! ومَنْ كانَ مِنّا، لمْ يَعُدْ ... لم يَعُدْ ...

صارَ سواه !!

.................

كُنّا نُحرِّرُ شَمسَنا من غَفلةِ الأشياءِ، ونُنشيءُ كلاماً يَرسِمُ مستحيلاً من شُقوقِ الموتِ،

فلأيِّةِ رابيةٍ ستصعدُ، أنتَ، بين حدائقِ الموتى ؟!

تَتهجّى الظلالَ القديمةَ.. مفتوناً بسيلِ الضياءِ على أصواتٍ،

لا جذرَ لها في حنجرةٍ تشرَبُ من حُلُمٍ ما بَلَغَ الفِطامَ بَعدُ ..!

بَردانَ تُدافعُ عن توازُنِكَ ..

فكيفَ تفكُّ إلتباسَ المعنى ..؟

أبِدَحرجةِ حجرِ النَردِ، كي تَرى ما لايُرى ..؟!

فلا تُمجّد العَبَثَ الشَقِيَّ، وحلولَ الشيبِ قبلَ أوانه، دونَ حِكمَة !

مُرتجفاً، كرعشةِ موجَةٍ، تُقيمُ للضَحِكِ مَسكَناً كـ" البُكَا "..!

مُرتاباً، تُخثِّرُ قَطَراتٍ،

تُنَدّي ما إستودعَهُ عطَشُ الأسلافِ ... مَجداً للهَذيَانِ ...

حيثُ الصمتُ مُنشَغِلٌ .. يُرَتِّبُ أمواتاً عبروا من ذاكرةِ الكلمات،

إلى جِسرٍ يقودُ الراحلينَ إلى مَنافي الله ..

" وَدائعَ للرحمة " في مجهولٍ .. بينَ صَخَبٍ وتَهاليل .. !

غَداً ستَنسى الشُهُبُ وَميضَها، فأسرقْ لَفحَةَ النجمِ من مَستورِ السُهاد،

عساكَ تُؤَجّلُ حَشرجاتِ قلبٍ هَدَّهُ في الخَفاءِ رَنينٌ ..

تَهجُرَما يقولهُ "هُدهُدُ سليمانَ"...

فالسرابُ ليس إبناً ظالاًّ، هَجَرَ أصلَهُ الماء !!

....................

آآآآهٍ .. ما ألعَنَ الأرضَ التي لمْ يبقَ فيها ما يَتَّسع للحنين(3) !!

ليلٌ بلا قاعٍ، وخلفَ بابِ الزمانِ يَكْمُنُ الرَدَى ..

فماذا ستفعلُ بالأستراحة، إذن؟!

أَمِعجَنَةُ سرابٍ أنتَ ..؟!!

 

يحيى علـوان

...................

(1) محنةُ سيزيف - حسب كامو في كتابه [إسطورة سيزيف] – تكمنُ فلسفياً في إدراكه لـ"اللا مُرْضي". فذلك الإدراك هو الذي ولّدَ ضرورة المجابهة مع الواقع/ الحاضر والصراع المستديم معه من أجلِ الخَلاص " الإنعتاق "، كي ما يغدو الحاضرُ "اللامُرضي" ماضياً وَلّى .

(2) زُحَل هو إله الزمان في الميثولوجيا الأغريقية يسوطُ عربةً مسرعةً، يُقابله الأسم اليوناني ( كرونوس) وهو / أي زُحل / أبو كبير آلهة الإغريق (زيوس) وأبو (بوزايدون) = (نبتون) عند الرومان - إله البحر .

(3) الشاعر الألماني هاينريش هاينه، قال في إحدى قصائده "نسّاجو شليزيَنْ"، ضمن مجموعة " أغاني/ قصائد الشتاء"، لمّا كان مُغترباً في فرنسا،هرباً من المضايقات البوليسية نتيجة لمواقفه السياسية، إذ جاهرَ بتأييده للثورة الفرنسية .. :

[ فَلنَلعَنِ الوطنَ، الذي

لا تُزهِرُ فيه غيرَ الرذيلة والعار ]

 

 

almothaqafnewspaperوطنٌ تشجرهُ النقاوة والصفا

معشوشبٌ في أرضه ِ إحساسي


 

ورسمتُ لي وطنا ً / صباح الحكيم

 

ورسمتُ لي وطنا ً بلا حراس ِ

ونقشته في مهجة ِ الكراس ِ

...

وطنٌ تشجرهُ النقاوة والصفا

معشوشبٌ في أرضه ِ إحساسي

...

وهناك ينضدُ بالبشاشة طيبه ُ

أحلامهُ الجذلى كطلع الآس ِ

...

والشمس ترسلُ بالمحبة دفأها

للأرض للأقمار للأجناس ِ

...

و تقبل الأشياء ترسل ضوؤها

تحيي صلاة الحبّ كالأعراس ِ

...

وتعوذ من شر الوساوس عندما

تقرا عليهم ما أتى في (الناس ِ)1

...

وتغرد الأطيارُ في أجوائه ِ

والوردُ يهدي عطرَهُ للكاس ِ

...

والصبح ينهض باسما ً متأنقا ً

يسقي كؤوس الدهر كالألماس ِ

...

والريح تهمس بالتحية للشذى

انشودة ً للفجر ِ كالشِّمَاس ِ 2

...

لا الدمع يأخذُ مجلسا ً في أسطري

لا الحزن يعرف نهجه ُ قرطاسي

...

ألقوا عليه القبض قسرا ً، أعلنوا

قد كان ملتبسَ الرؤى أنفاسي

...

جاءوا إليهِ وبالقنابل فجروا

ما نظمته ُ هواجسي وحواسي

...

حرقوا كتاب الحبّ، شُيِّدَ فوقه

جسرا ً يمدُ الدهرَ بالوسواس ِ

.

.

.

.....................

1ـ (الناس): أعني سورة الناس

2 ـ الشماس: الإباء، والإباء: عزة نفس والكبرياء مصدرها أبَي

lundi 16 janvier 2017

 

karim abdulahدقّتْ بـ رجليها الناعمتينِ خارطةَ الألمِ تناثرتِ الموسيقى يعزفها خلخالها الفضيّ تلمُّ الأرض خمرةَ إغواءاتِ بروق الجسدِ تفكُّ قيودهُ المحتشد عنفواناً تقدّمُ عشبةَ الحياةِ أناملها المورقةِ ضياءاً يشقُّ ظلمةَ كانتْ تتباكى في العيون تمطرُ غنجاً يتماوجُ يمغنطُ النسيمَ أريجها فـ تطلُّ غواية الأزهارِ مِنْ تحتِ هوسِ قميصها الأحمر تحومُ فراشةً راقصةً تنهمرُ شلالاتُ ضياءٍ تتزاحمُ على صدرها  ترفرفُ توسلاتي دونما كللٍ تلاحقُ عطرها يخترقُ زجاجَ كآبتي بينما حركاتها تحاورُ إندهاشَ جمرة ليليّ الشاتي تهتزُّ فـ يتساقطُ بـ هدووووووووءٍ بلّورٌ سكنَ سرّتها مُضغةً أتمنّاها تفكُّ تأتأت إيقاع كلماتي  الجريحة تحلّقُ عصافيري يلوّنُ أجنحتها شعرها المترامي على طولِ أفقِ اللهفةِ أتّكىءُ وغناؤها وسادتي احشوها برادة عرقها المتصبب فوقَ سنابلها المكتنزة فرصةً أطردُ بها قسوةَ الحربِ واصوات المجنزرات ينظّفُ ذاكرتي مِنْ تُرّهاتِ الحكّامِ البؤساء بينما فمها كمثرى لاتشيخُ الجنائنُ فيها تتنشّقُ مساماتي قرنفلاتها القلقة يااااااااااااا لطعمها يصوغُ عمري قلادةً تلتحفُ هضباتها الناتئة و خمرةً تطوّفني أحلامها البعيدة فـ تشفيني .

 

 الشاعر: كريم عبدالله – بغداد

......................

الهجع: رقصة فلكلورية عراقيّة .

jamil alsadi2غنّيتهـــا فتردّدتْ مُلْءَ الفضا

وإلى المجرة ِ طارت ِ النغمــــات ُ


 

ملكة الملكات /  جميل حسين الساعدي

مــــاذا تقولُ لحسنك ِ الأبيات ُ

                             أُ ُعطيت ِ ما لـــمْ تُعطــهُ الملكــات ُ 

من أين َ أبدأ ُ بالحــديث ِ وأنتهي

                              قد أ ُحْـرِجت فـي وصْفكِ الكلمـات ُ

أصبحت ِ أجْمَـل َ أ ُغنياتي كلّها

                              تُوحي بها عينـاك ِ والبســـــــماتُ

غنّيتهـــا فتردّدتْ مُلْءَ الفضا

                              وإلى المجرة ِ طارت ِ النغمــــات ُ

لا تسأليني كمْ أ ُحبّك ِ ليسَ لي

                              كيْـلٌ أكيــــــل ُ بـــــه ِ ولا أدوات ُ

ولْتعذري لغتــي إذا هي قصّرتْ

                              هـلْ تحْصــر ُ الحـبَّ الكبيرَ لغات ُ

إنّي أ ُحبُّــــك ِ فوق َ كلِّ معــدّلٍ

                               حُبّـــــــا ً به ِ تتحدث ُ النجمـــات ُ

تشدو به ِ الأطيار ُفوق َ غصونِها

                                وتحـدّث ُ الركبــــا ن ُ والفلوات ُ

وتذيعُــــه ُ النسمات ُ في سَرَيانها

                                وتضمـه ُ الأزهار ُ والروضات ُ

نُشِـــرَت ْ على الدنيا حكاية ُ حبّنا

                                فلها جميـــع ُ الكائنـــــات ِ رواة ُ

الليل ُ كم ْ أصغى لهمْس ِ حديثنا

                                وتنفّست ْ في صمته ِ الخطـرات ُ

والبحر ُ كم ْ ضحكتْ شواطئه ُلنا

                                وتراقصت ْ لغنائنا الموجـــــات ُ

                             ***

اليوم ُ أ ُولد ُ يا فتــاتي عاشقـــا ً

                                 تصحو علـى اشواقِـه ِالطرقات ُ

فلقدْ رَميت ُ كتاب َ أمسي جانبا ً

                                 ونسيْتُ ما تتضمّـــنُ الصفحات ُ

فالعمر ُ يبْدأ ُ من بداية ِ حبّنــا

                                 لم ْ تعْن ِ شيئا ً قبلــــه ُ السنوات ُ

والعيش ُ لا يحلو بدونك ِ لحظةً

                                  وبدون ِ أن ْ ألقاك ِ فهْو َ سُبـــاتُ

أهفو إلى لُقيـــــاك ِ كُل ً دقيقـة ٍ

                                  وأود ُّ لو ْ تتعانق ُ الخطـــــواتُ

بلقائنا تغدو الأماكــن ُ جنّــــة ً

                                  من بهجــة ٍ وتزغرد ُ الأوقـات ُ

تمضي بنا الساعات ُ جاريــة ً كما

                                       لو أنّها في جريها لحظــاتُ

وأراك ِ في زخْم ِ المفاتن ِ لوحــة ً

                                   خلاّبة ً سَكرَتْ بهــا النظـرات ُ       

حان َ الرحيل ُ حبيبتـــي لا تقلقي

                                   الحب ُّ مــــا أُ ُسقى وما أقتات ُ

مهما أسافـر لن ْ تضل َّ مراكبي

                                    فإليك ِ دومــا ً تنتهي الرحلات ُ 

وبدون ِ حبّك ِ سوف َ أ ُطرد ُ مرغما ً

                                    مـــن جنّتي وتحل ُّبي اللعنات ُ   

سأكون ُ في دُنياي َ أشقـــى خاطــئ ٍ

                                     لا الدمـعُ يُنجيهِ ولا الصلواتُ

 

 

Ibaa Ismailكم من الفراشات يلزمني

كي أكتبَ ملامحكَ

بمفردات روحي الضائعة


 

براءات حب / إباء اسماعيل

 

آمل أن أكون هناك،

في قلب الشعر

قصيدةً جديدةً

قابلةً للتجدد رغم الاحتراقْ!!!!

* **

حين صار لي جناحان،

خِفتُ أن أطير بعيداً

ولستَ معي

منحتُك روحي لتطير منك

وإليك

ولأبقى أنا دائماً

فيكَ

ومعكْ!!!!

* * *

كم من الفراشات يلزمني

كي أكتبَ ملامحكَ

بمفردات روحي الضائعة

فيك ؟!!

ها قد طيّرتها جميعاً

لتبقى أنت

قصيدتي الأجملْ !!

* * *

الليل صديقي

يوقظني على أحرفٍ

تتوهج في مسارات دمي

وأنت تسرق الحلم من عينيّ

دون أن تدري بأنك حلمي!!

* * *

يومٌ من الحب يساوي

خمسَ أشجارَ ضوءٍ

وقمرين و فجراً أخضر

يومٌ من الحرب يساوي

خمسَ قنابل

وشهيدين و علماً أحمر

يومٌ من النقاء يساوي

خمسةَ أطفالٍ

وسماءينِ ولعبة !!!!

* * *

كالمطر تتدحرج أحرفك النارية أمامي

ألتقطُها فتحترق شفتاي !!

أعيدها إلى حيث كانت

لكنها تعود إليّ

محمّلةً بشوق الأيام الماطرة

عبر طرقات السفر الطويل الطويلْ ! ...

* * *

تتداخلُ الفصول فيك

وتسترِقُ العصافيرُ منكَ حسَّ

البراءةِ المعجونةِ بالسماءْ ! ...

* * *

الليلُ عاصفةٌ ،

يعلِّمها قلبُكَ

الوضوءَ في ماء الحُبْ ! ..

* * *

لُغتُكَ المرجانيّة ،

تستَوي على شفَتيَّ

أحرفاً من كرَزِ الشِّعرْ

* * *

موجتُكَ اللامرئيةُ أنا

والبحرُ أنتَ،

منكَ جئتُ زبَداً عاشِقاً

حتى ذوَبانِ الشَّفقْ ! ...

* * *

إكتَمِلْ فيَّ،

برعماً من أرجوانِ الحلُم

وأكمِلْ دورتي الأولى

فيكَ شمساً !..

* * *

فراشاتُ الحزنِ،

قُبَلٌ تُعانِق أزهار شفتيك ،

وأنا النحلة الولهى

لعسلِ تلكَ الأزهارْ ! ..

* * *

أنتَ وطني،

من ترابِ الجنونِ

معجونةٌ تضاريسي فيك..

وبراثن الغربةِ ،

ثلوجٌ من خَرابِ الروح

نخرجُ من شرنقتها

فضاءينِ بلا زمن

أو حدودْ ...

 

 

husan anbaralrikabiومَنْ فاتَهُ جَوهَرٌ غايَــةٌ

عَلى أرضِهِ ظَلَّ عَنها يَقَعْ.


 

مُحاولَــةٌ للتَّفْسيرِ شِعْـراً / حسين عنبر الركابي

 (ومَنْ يُشْرِكْ باللهِ فَكَأنَّمـا خَرَّ مِنَ السَّماءِ فتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهوِي بِهِ الرٍّيحُ في مكانٍ سَحِـيق.) (سورة الحَّج، الآية 31)

 

وإنْ كانَ أنْ يَرتَفِـعْ   بِقَلْبِكَ أوْ يَجْتَمِـعْ،

إلـهٌ بِجَنْبِ الَّــذي      تُرَجِّيـهِ أوْ تَتَّبِـعْ،

فأنْتَ كَـهاوٍ إلـى       فَضـاءٍ هَرٍ مُندَلِـع.1

تَلَـقَّفُكَ الطَّيرُ مِن       سُداهُ وما يَبْتَلِــعْ،

أوِ الرِّيحُ تُلْقيكَ في     حَشا هُوّةٍ مِن هَلَـعْ.

***

مِنَ النَّخْلَةِ القَلْبِ فَجْراً طَلَعْ،              إذِ اكْتَظَّ فيها حَنينُ الطَلَعْ:

أنِ الفَرْدَ أصْلٌ يُبِيحُ الجَميعَ،             حَرِيٌّ بِسَبْقٍ بِنَهْجِ التَّبَـع.

أنِ الجَمْعُ عَبْثٌ- وقدْ نَدَّ في               تَدانٍ- فَقيرٌ إلى مَنْ جَمَعْ.

أنِ الواحِدُ الأصلُ معنىً حَوى            مُجيبَ الحقيقَـةِ والمُمْتَنِعْ،

هُوَ الجَوهَرُ الفَصلُ يُغْري المُنَى       هُوَ الغامِرُ الكلُّ، لا يُطَّلَعْ.

ومَنْ فاتَهُ جَوهَرٌ غايَــةٌ                عَلى أرضِهِ ظَلَّ عَنها يَقَعْ.

***

بَلا.. لا مُغِيثَ، بِجَوْفِ السُّقُوطِ،      إذا ما تَطَوَّحتَ فيهِ، هَـرَعْ.

ولا مَنْ تُناديهِ في المُصرِخِيـنَ،       فَيُبْصِرَ هُونَكَ أوْ يَسْتَمِـعْ.

ولا قادِرٌ أنتَ أنْ لا تُسـاقَ             بِكَفِّ العَياءِ وأيْدي الفَزَعْ.

فأيُّ الخَسارةِ حَيّـاً بِــها،               علَى فَشَلٍ أشْعَثٍ  مُلْتَمِـع ؟

سِوى أنَّـهُ فَشَلٌ لَمْ يُـذَقْ،                لِيُحْكَى شَجاهُ، ولَمْ يُجْتَرَعْ.

***

إذا الطَّيْرُ رامَتْكَ مِنْ بُعْدِهـا        وَضَمَّتْ رُغاءَ الطَّوى المُصْطَرِعْ.2

وشَدَّتْ إليكَ نُيوبَ الفَنـاءِ              مَخالِبَ لَمْ يُـرْخِ مِنها شِـبَعْ.

فَلَيسَ انْحِطاطُكَ عِبْرَ الفَضاءِ                  سِوى زَلَّـةٍ لانتِهاءٍ سَــرِعْ،

تَوَلَّتْ بِهِ الطَّيرُ قَطعَ الظُّنونِ          لَدى الفَشَلِ الهابِطِ المُرْتَفِــعْ.

***

تَدورُ الرِّياحُ علَى جَوفِـها              طَويـلاً فَتَنْفَكُّ أوْ تَنْصَـدِعْ.

تَحُثُّ الرِّياحُ عُبابَ الفَراغِ             فَتَعْلُو صُفُوفٌ وتَهْوي قِطَـعْ.

رِياحٌ تَمُـدُّ الخَواءَ العَميقَ               بِتَطْوافِـهِ الغائِرِ المُتَّسِــعْ.

سَتَنحَطُّ في الآبِديـنَ بِـهِ                 يُبِيدُ بِكَ اليَأسُ بُقْيا الجَـزَعْ،3

حَفِيفاً مِنَ المَوتِ لا يَنتَهـي           وَعَصْفاً من الخُسْرِ لا يَنقَطِعْ.

 

حسين عنبر الركابي

26-6-2006

............................

1- هَرٍ : الهري مخفّف الهرئ، وهو المتَهرّئ المُفَتَّت

2- الطّوى: الجوع

3. البُقْيا: البَقِيّة.

 

saleh altaei2لم أعد بحاجةٍ سوى

أنْ اتأبطَ وجعَ القلب

فأجعل آلمي عكَّازاً


 

أبحث عن نفسي في نفسي

صالح الطائي

 

سأحملُ بقايا الروح

ما بقي في قلبي ؛

لأرحلَ إلى حيث لا أنا في الوجود

لم أعد بحاجةٍ سوى أنْ اتأبطَ وجعَ القلب

فأجعل آلمي عكَّازاً

وحسراتي عناق ...،

أبحث في طرقاتِ المدنِ

عن نفسي في نفسي

عن يومي وغدي

عن بقايا من رتَقِ الأمسِ

عن زمنٍ ولى، مُذ نوحٍ كادتْ شرائعهُ تغرقَ ...

شارفتُ ذواتِ الراياتِ الحُمرِ

وتمنَّيتُ أنْ أشهدَ  تدوير مدينتنا حين اختُطَّتْ بيد العرَّافين

وكيف لي أجد وسْط التبنِ ما فقدَ الخرازُ ...

وما نعلمُ وما لا نعلم عن تاريخ معاركنا الشرسة

وما نتجتْ من شؤمٍ أحمر

يختلسُ الليل ؛ ليخلِّفَ أوكارَ الحقدِ

ومازالَ ينتظرُ عودَ ثقاب

ليطفئ رغباته في العيش إلى أبدِ الأزمان .

تُحدِّثُني نفسي قائلةً :

بدلاً أنْ تبقى في أدراج الخيبةِ كالطاووس

أو تحملَ غربالا مصنوعاً من لا شيء .

يريدُ حَجْبَ ضوءِ الشمسِ

عن وردةِ ودٍّ قد يبستْ منذُ قرون

لكنْ لم تتفرَّط !

فالأرض الأمُّ

وما ثكلتْ حسراتٌ توجعني حَسرات

فصوتي دواتي

وشدوي غواتي

لكن هل تسمح لي الأمُّ أنْ أضحكَ من سأمي

يمكنني أنْ أضحكَ،

لكنِّي أخجل من أيِّ امرأةٍ ثكلتْ زوجاً أو ابناً

فليس كوجعِ امرأةٍ فقدت أحلى عنقودٍ وضياء

وهي في أطراف العمر

لأنَّ الشيبةَ لا يؤنِسُها إلَّا حبيب ...

وها عمري قد أغراه الشيب، فزاحمَ قلبي حزناً

وصادر كلَّ نهارٍ حلَّ بروحي ...

فلم يبقَ في الدنيا سوى

سواد قلوبٍ صارتْ تحكمنا

فبئس العمر حين يعيش في ظلمات

الأحزان، يعلوه نحيبْ .

 

samar aljobory2انا للآن وحدي

إلا منك

في مشارق الذكرى ومغربها


 

للمساءات شوق / سمر الجبوري

 

ألليل

سدرة تظلل الأجساد المستوحشة

كلما تجهم الوقت لهم اجتمعوا

ألبريد

بضع تناهيد اهداها العشاق

للشارع المكتض بالانفاس

ألطريق

وجهة تؤدي إليك في كل الأحوال

و نظرة عابرة تتخلل الأجساد

لتسكن في الأحداق المسافرة

أنت

كل ما أملك

وكل النقاط على الحروف

انا

للآن وحدي إلامنك في مشارق الذكرى ومغربها

حد الأنتماء

نحن

رسائل شوق تكتب اللقاء خطوة خطوة

إعتمدها الغرباء دليلا للشهقات

أللقاء

زمكان يبحث في دفاتر المسافرين

عن إسمين ينتميان للحب في مهب ألتيه

ألحب

كل ما نجيده حتى آخر الأنفاس

 

سمر الجبوري

 

 

bakir sabatinاستنفر الجميع في البيت على هزيم صوت الأب المرعد وهو ينادي على الأبناء غاضباً:

" تأخر الوقت يا مناكيد، هيا انهضوا كي تدركوا مواعيد الحافلات التي ستقلكم إلى أعمالكم، كل الحق على والدتكم المنشغلة بالصلاة! هيا يا كسالى"..

أثناء ذلك الإعصار الذي باغت نومهم في غرفهم المنتشرة على جانبي الممر المؤدي إلى غرفة المعيشة، كانت هواتفهم النقالة قد أخرسها رنين هاتف الأب الذي صحا مفزوعاً وكأن شقته بوغتت بفيضان.. وهو يدوي بنغمة قبيحة في أرجاء البيت الذي عمت أرجاءه الفوضى.. فقد تحول إلى خلية نحل، وفي لحظات كان باب الشقة ينطبق خلف آخر العنقود من أبنائه وهو يودع والده باستعجال حتى اختفى صوته بعد أن خرج من بئر السلم إلى الشارع.. وكان صاحبنا وهو ينهي حلاقة ذقنه يصب جام غضبه على زوجته التي أنهت صلاتها للتو:

" كل هذا الوقت تقضينه في الصلاة دون أن تنبهي الأولاد إلى رنين ساعة هاتفي!؟ لقد تأخر الشباب عن دوامهم"..

واستدار قبل أن تجيبه إلى حيث فُتِحَ بابُ الشقة الخارجي فجأة.. فإذ بآخر العنقود يهز رأسه كاتماً غضبه، بينما أمه تعلق بأعلى الصوت معاتبة زوجها الذي بدا وهو يدور في أرجاء البيت أشد إنهاكاً:

" هاتفك رن على الثامنة صباحاً، بينما الساعة الآن لم تتجاوز السابعة، حتى أنني لم أجهز شرائح الجبن بعد! فقد خرج أبناؤك مبكرين دون تناولهم لوجبة الإفطار!! وسوف يعودون"..

فبلع الأب ريقه متلعثما، وأخذ يشنف أذنه التي لسعها البرد القارص إلى دبيب أقدام أبنائه وهي تصعد الأدراج بتثاقل في بئر السلم.. وكان قبل ذلك قد ترك باب الشقة مفتوحاً وهو يجر أذيال الخيبة إلى الأريكة التي استلقى عليها متهالكاً، فيتمتم آسفاً:

" فعلاً العجلة من الشيطان"

وكانت ضحكات أبنائه وهم يتحلقون حول ما أعد من طعام على المائدة تداهمه، بينما أحدهم ينادي ممازحاً:

" أوقعت نفسك معنا يا أبتي، قلنا لك مراراً وتكراراً بأن تريح نفسك من وجع الرأس، لتترك هذه المهمة المتعبة لوالدتنا"..

في هذه الأثناء كان الأب يغوص مسترخياً في التغافي وكأن الوقت اللاهث لم بتجاوز بعد ساعة الفجر.

 

قصة قصيرة

بقلم: بكر السباتين

 

 

zahem jehad2ولا كُلُّ مَنْ أِدّعى التقوى

 بِلا سُؤالٍ

مِنْ العُبّاد الزُهّادِ


 

مقامة: سُعادِيه / زاحم جهاد مطر

 

سُعادُ بِكِ سَعِدْتُ؛ سَعْدَيكِ أدْعو لَكِ بِأِسْعادٍ بَعْدَ أِسْعادِ

أسْعَدَكِ اللهُ سُعادُ كَيْفَ رَضَيتِ بِالتَنائي عَنّْي و البِعادِ

ما كانَ الظَّنُ بَكَ هكذا و المُرادُ وأنْتِ مِنْ أهْلِ الوِدادِ

لِمَ لَبَسْتِ ثَوْبَ الصَّدِ و أنْتِ الساكِنَةُ في شَغافَ الفُؤادِ

صَدَّقْتِ بِقَوْلِ مَنْ لا يَغارُ عَلى مَحارِمِ العِبادِ و البِلادِ

لَئيمٌ كَذوبٌ  ناكِرٌ للأَصْلِ و الفَصْلِ قَبْلَ المِلْحِ والزّادِ

فلا يَغُرّنَكِ بِجميلِ الأقْوالِ فَهُوَ يَخْلطُ السّمومَ بِالشِهادِ

أقْوالُهُ كُلّها ضِحْكٌ على الذُقونِ و ذرٌّ العُيونَ بِالرَّمادِ

أِنْ تَمَكَّنْتِ مِنْهُ يَوْماً أِسْتَكانَ و تَحَوَّلَ الى كَلْبِ صَيّادِ

و أِنْ أِسَتمْكَنْ صارَ أسْرَعُ غَدْرةً مِنْ ناهِشِ الأجْسادِ

سُعادُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ صَبَغَ وَجْهَهُ بالسِخامِ الأسْوَدِ بِحَدّادِ

و لا كُلُّ مَنْ أِدّعى التقوى بِلا سُؤالٍ مِنْ العُبّاد الزُهّادِ

ياما تَحْتِ السَّواهي دَواهي  كَم ْواقِعاً عَكْسَ الأِعْتِقادِ

فلا تَصْنَعي المَعْروفَ مَعَ غَيْرِ وَفِيٍّ و القُبْحُ عِنْدَهُ بادِ

سَتلاقينَ مِثْلَما لاقى المُجيرُ لأمِّ عامِرٍ يا بِنْتَ الأجْوادِ

أو ما لاقَتْهُ الأعْرابِيَّةُ مِنْ جَرْوِ الذِئْبِ في أِحْدى البَوادِ

جَزاءُ سِنْمار مَنْ بَنى الخَوَرْنَقَ لَمْ يَكُ ذا ذّنْبٍ أو فَسادِ

بَلْ مُقابَلَةُ الفَعْلِ المَليحِ بِالّلؤْمِ القَبيحِ  أو شَرٌّ الأِرْصادِ

المَعْروفٌ الى كَريمٍ يُعْقِبُ خَيْرا و الى لَئيمٍ بِالشَر غادِ

القَدَرُ الأحْمَقُ  حَوَّلَ أرْضَنا أرْضَ الرافَدَيْنِ و السَوادِ

مُنْذُ سومرٍ و بابلِ و اكادَ الى أرْضِ الرِّمالِ و الرَّمادِ

لا سَنابِلٌ خُضْرٌ لا رَوْضٌ يَزْخَرُ بِالزُهورِ و الأوَرادِ

و طُيورُنا مَشْغولَةٌ تَبْحَثُ عَنْ الظِلالٍ لا عَنْ الأنْشادِ

شَحَّتْ فُصولُنا بِالمَطَرِ و أخْضَرُنا فُنِيَ بِأفْواهِ الجَرادِ

نِعْمَةٌ خَيْرُها يذهب للغَيْرِ و شَرٌّ عَلَيْنا و على الأوْلادِ

يا وطني كَيْفَ تَرْضي بِوصايةِ مَنْ يَنْظُرُ أِلَيْكَ بِالعادِ

فلِسْتَ بِاليَتيمِ القاصِرِ حاشاك بَلْ الجَليلُ سَيّدُ الأسيادِ

مَنْ دافَعْتَ عَنْهُ أعانَ العِدى و سَفَكَ الدِّماءَ في البِلادِ

مَنْ كانَ يَسْألكَ الجَدوى اليْومُ عَنْكَ كالمُعْرِضِ الصّادَ

كَأنّهُ لَمْ يَرِدُ أِلى بِئْرِكَ يَوماً ولَمْ يَتَزَوَّدْ مِنْ قِدْرِكَ بِزادِ

وَيْحي كَيْفَ لا أبْكي وأنا أرى عَلَيْكَ الأمْرَ في أِشْتِدادِ

تُصارِعُ وَحيداً في المَيْدانِ و نَزيفُ الدِّماءِ في أِزْدِيادِ

تَكاثَرَفي جِسْمِكَ الطَّعْنُ و هُزِلْتَ كَبَعيرٍ أِبْتَلى بِالقُرّادِ

صِرْتَ لُعْبَةً بِيَدِ مُقْرَبازٍ غادَرَ أَدْرَداً وعادَ بِنابٍ عَرَادِ

و حَنْقَبازٍ مَرَّةً تَراهُ أفَنْدِيّاً و مَرَّةُ  يَلِفُّ رَأسَهُ باِلصَمّادِ

صاروا وُلاةَ أمْرِنا هَمُّهُم جُيوبَهُم لَيْسَ بَيْنَهُم مِنْ هَوادِ

و لَيْسَ لَنا أِلّا نَشْكو أمْرَنا للهِ الواحِدِ القَهَارِ رَبِّ العِبادِ

abdulamir alebadiحينما ارتدي بذلتي السوداء

اشد ُربطةَ العنق ِالحمراء

يقولُ المستقبلون تفضل


 

أسئلةٌ / عبد الامير العبادي

 

سألتُ الانهار َعن الضفافِ

قالت ْ انها مأوى للسفن ِالمنتحرة

سألتُ النوارس لمَ تغادرين

قالت همجية الصيادين الجدد

سألت الطرق لماذا تساوت مع الأرصفة

قالت ما عاد السابلة يفرقون !

سالت عيون الطفولة عن شحوبِها

قالت : قبلي  شحب الوطن

***

حينما ارتدي بذلتي السوداء

اشد ُربطةَ العنق ِالحمراء

يقولُ المستقبلون تفضل

متناسين اني ربما كنتُ

نادلا

في بار الركن الهادئ

عندما ارتدي دشداشتي الرمادية

اضع على خصري حزاما ً عريضا

لا احد يرفع رأسه بل

انتظر ُ  طويلا

او تعال غداً

عندما يقفُ شاعرٌ

قرب َالمنصةِ

جامعا ً شتات َ القوافي

يصفقون

متناسين انها ذات القوافي

التي قيلت بحق الطغاة

سألتني الطرق

لمَ اخترت َ السير على الارصفة؟

قلت :  المناطق الوسطى

اسقطت وطني

***

هاكوب !

ستراك !

سيروان

تومان

ساعة سورين

مكتبة الجميع

محمود عبدالوهاب

سينما الوطني

الرشيد

اطلس

الحمراء

الكرنك

لم يعد اطفالنا

يعرفون

البلم العشاري

نوارس شط العرب

سوق العطارين

الركن الهادئ

سوق التجار أو حنا الشيخ

كمب الأرمن

صيدلية العراق لصاحبها (البير)

انهم موتى

صحف ٌ ممزقةٌ

اغانٍ لاسطوانة ٍصامتة

***

 

.........................

ملاحظة

- هاكوب ،ستراك من قدماء المصورين البصريين

- سيروان اقدم محلات بيع الملابس

- تومان ،شخصية بصرية شعبية

- الرشيد، اطلس، الوطني، الكرنك، اشهر سينمات البصرة

- بلم عشاري، اشتهرت به وتغنى به اهالي البصرة

- ساعة سورين اقدم ساعات البصرة

ماورد من اسماء كانت تمثل تراث البصرة الاصيل والتي طالتها غربان التخلف

ameen botaniيا لقرفي من المعنى

حين يُنتهك السؤال.


 

أمهات الرغيف / أمين بوتاني

 

أمهات سيدي بولعلام

يجنين ثمار القمل

من رؤوس الجوع.

بينما الأرغفة تتدافع

فتختنق السنابل،

تتدافع اللآلئ

وتختنق البحار،

تتدافع الحقول

فتختنق البذار..

يا لحنقي على الغلال

يا لحزني على السلال

يا لقرفي من المعنى

حين يُنتهك السؤال.

أكياس من دقيق الموت

غصة في حلق الحياء.

خوابي من رحيق النضوب

تعري قذارة الماء!.

البخل الفاحش

يكتنز جود الوباء.

لا تقربوا هذه الشجرة

لا تقربوا هذه الحشرة،

السرّ ليس في خواء البطون

بل في ملئ الوعاء.

 

...................

في حين كنا نعتصر ألماً وحزناً في كوردستان على الفواجع المبرحة التي ألمت بأمهاتنا وأخواتنا في سنجار وطوزخورماتو وكركوك، شهدنا يوم 19/11/2017 واقعة أخرى مؤلمة في سيدي بولعلام بصويرة المغرب، حيث إختلطت أرواح ناصعة لأمهاتنا وأخواتنا المغدورات بدقائق الجوع السوداء. هذه الفاجعة أيضاً هزتني من الأعماق. بهذه الكلمات المتواضعة (أمهات الرغيف) قدمت عزائي في حينه عن طريق الشاعرة المغربية القديرة إيمان الخطابي، ويطيب لي أن أنشر اليوم تلكم الكلمات. مرة أخرى أعزي نفسي الشاعرة المذنبة وذوي ضحايا تدافع الفقراء، داعياً رب الجياع أن يضع حداً لنزيف الأوجاع هذه..

 

 

hamza alshafiفي صباح اليوم الموالي، استفاق الشيوخ والأطفال والنساء منذ الصباح الباكر رغم البرد الشديد. بدت علامات الذهول والخوف والترقب على وجوه الجميع بعد انتشار خبر تسلل غريب إلى القرية في الليلة الماضية. لم يستطع أحدهم النبس ولو بكلمة في الأمر مخافة متابعته من طرف السكان إن أخطأ التقدير، وتفاديا لاستدعائه من طرف سلطات القرية لإثبات زعمه حول المتسلل. احتشد الكل في مدخل القرية القديم المبني بتراب وتبن، والذي يعد المكان الوحيد الذي تتخذ فيه كل القرارات الجماعية، ويصادق فيه على أعراف القرية، وتقام فيه المحاكمات الشعبية في حق أي فرد صدرت في حقه إدانة قبلية... فجأة، سمع صوت منادي ينادي من مسافة بعيدة، وسرعان ما وصل صاحبه بسرعة أكبر من سرعة خفقان قلوب السكان المنتظرين، المذهولين...

"إنا ياون أمغار تمجماع إمي ن إغرم... هات تربحام أمدن، س أومزان س أوخاتار، تاوادا س ميساك تلام...أوال إكولان... أوال إكولان"

" إن كبير/شيخ القرية يأمركم بالالتحاق بمدخل القرية... أيها الناس، صغارا وكبارا، هيا بنا جميعا إلى مدخل القرية... وصل النداء... وصل النداء."

ظل كبير القرية يردد نداءه مرات عديدة ظنا منه أن من السكان من لم يلتحقوا بعد... التفت يمنة ويسرة ليجد أن الجميع قد طال مقامه في مدخل القرية القديم وقبل أن يطلق نداءه بالاجتماع ولمدة طويلة. أطلق عبارات تعجب واستغراب "أي، أي، أي" بعدما تيقن أن رضيعا ذو يومين كان الحاضرين كذلك. وبدأ يردد بغضب ممزوج بذهول:

" إجرا كا... اود تاروا ن سين ويسان لند ياد دا... أويهناغ زكرناغد تروى نتحزامت...ماد ريغ أد إنيغ إلقايد ك أوحرير دغ اللا يما نو"

"إنه أمر جلل... حتى مواليد 'يومين' حاضرون هنا... يا ويحي سبقني حتى الأطفال الصغار إلى المكان الموعود... يا ويلي، ماذا سأقول لقائد القرية بخصوص هذه المهزلة."

سمع صوت رجل مسن ينبعث من بين الحشد، ليقطع ذلك المشهد الرهيب الذي كان يتقاسمه كل من كلام  شيخ القرية وسلطة الذهول والترقب وهو يقول: "تكلموا يا معشر سكان قريتي، ما هذا الخوف والصمت؟ تكلموا وقولوا شيئا. ولا تكثروا لوعيد وكلام الشيخ فإن له سلطات تحميه. أما أنتم، فمن سيحميكم غير صوتكم ووحدتكم... ماذا ستخسرون إن تكلمتم وناقشتم أمر البارحة بهدوء أو بصخب. المهم، هو أن ترموا رداء الصمت والذهول والانتظار أرضا. تكلموا يا معشر السكان."

التقطت عجوز رسالة الرجل المسن، وقالت بنبرة تسعينية غزاها الإحساس بالحسرة على ماض مجيد: "ماذا حل بقبيلتي... أنا لم اعتد مثل هذا عندما كنت طفلة ارتاد مجالس القبيلة. حينها، كان هناك نساء ورجال أقوياء لا يخيفهم المتسللون بالليل والنهار...حينها كان الناس كلهم يتكلمون ويعبرون عن أرائهم بشجاعة، ولا ينصرفون إلا وقد كتبوا عرفا جديدا، وألغو بندا قديما لم يعد يخدم مصالح وشؤون القبيلة... اليوم انقلبت الأمور، وصار شجاع الأمس صامتا خائفا سريع الارتجاف والذهول."

فجأة، تسللت طفلة صغيرة كانت تطعم "زكاغ، كلب القرية" قرب منزلها الطيني من الحشد، وتوجهت نحو مكان نومه المعتاد لتجده لا يزال يغط في نوم عميق، وآثار أنهار من الدموع التي فاضت جراء طول وقسوة كابوس البارحة، تغزوا محيط عينيه وأطراف وجهه التي بدأت تفقد لونها الأحمر بعد طول بكاء. اقتربت الطفلة من "زكاغ"، فحاول الفرار منها خجلا منها لكثرة إحسانها له، ولتأثره ببقايا مشاعر كابوس الأمس الرهيب.  خاطبته الطفلة قائلة: "زكاغ، زكاغ... أرجوك لا تهرب مني. لدي كسرة خبز اليوم، وقطعة لحم خروف العيد هدية لك أيها الصديق الوفي... تعال أرجوك، سأبكي مثلك إن هربت ولن أعود إلى منزلنا أبدا، أرجوك تعال." رق قلب "زكاغ" لحال الطفلة، وتسللت رقة كلماتها، وبراءة محاولاتها إلى أقصى أعماق وجدانه، فتمدد على الأرض خاضعا للطفلة، راضيا وممتنا لكرمها الذي لا ينقطع.

- "صديقي الوفي، إن سكان القرية خائفون ومذهولون جدا، لأن غريبا ما تسلل إلى قريتنا ليلا، لذلك، أرجوك أن تذهب معي لتحدثهم عن الذي جرى ليلة البارحة. لقد كنت تصدر نباحا كثيرا حتى استيقظ كل السكان، فاستولى عليهم خوف كبير. إنهم الآن مجتمعون في مدخل القرية. هل ستذهب معي يا "زكاغ" ذو الشعر الكثيف كشعر الأسد؟"

حاول "زكاغ" استرجاع بعض تفاصيل كابوس الأمس الذي جعله يئن وينبح في أعماق ظلام القرية الدامس حتى أعلنت حالة الطوارئ فيها. أحس بخجل كبير وهو يعلم من الطفلة الصغيرة أنه كان سببا في استيقاظ كل سكان القرية وإحساسهم بالخوف والذعر والذهول. استجمع قواه، وتذكر عز شبابه عندما كان شجاعا لا تخيفه الذئاب والبشر الذين يريدون ضرا بقريته التي ترعرع فيها. وأخيرا تيقن أنه لابد له أن يحضر إلى مدخل القرية شأنه شأن كافة السكان، ليرى ويسمع آخر الأخبار. رافقته الطفل بكبرياء بريء، وفي داخلها ثقة وإحساس كبيرين أنها ستكون منقذة قريتها الصغيرة ومخلصتها من الذعر والخوف الشديدين. غمرتها سعادة طفولية وهي تتقدم نحو مدخل القرية واضعة يدها النحيفة على عنق "زكاغ" الذي بدأت سرعة ركضه تزداد كلما اقتربا من المدخل. لم تستطع مسايرة إيقاعه في الركض، فحاولت التمسك بذيله ذو الشعر الكثيف. كم كانت سعيدة وهي تدرك أن "زكاغ" لم يرفض لها طلبا أبدا في ما مضى، وها هو اليوم يسير بثبات وثقة، حاملا معه رسالة خلاص وأمن لسكان قريتها الذين غابت أصواتهم المتعالية وضجيجهم اليومي عن الحقول والبساتين المجاورة.

أخيرا وصل "زكاغ" والطفلة إلى مدخل القرية، وكلمات العجوز لا تزال تستولي وتتردد بشدة على مسامع السكان دون قدرة أحدهم على التكلم لتكسير المشهد الرهيب. شعور غريب ذلك الذي انتاب كلب القرية الوفي وهو يرى بأم عينيه رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا مكدسون في مدخل القرية، يرتعدون ويئنون خوفا وذهولا من خبر تسلل غريب إلى قريتهم ليلة البارحة. أخذه الإحساس بالوفاء والامتنان لطول السنين التي عاشها بين السكان، فافترش الأرض تواضعا لهم، ولين صوت نباحه رحمة ورأفة بأطفالهم الصغار. نظرا حوله ولم يجد الطفلة الصغيرة التي رافقته فظل ينظر إلى الحشد حتى لمحها بين ذراعي العجوز التي كانت  تشحذ همم الرجال والنساء قبل قدومه. ابتسم في وجهها وكشر عن أنيابه حبا ووفاء لها وإيذانا منه لها بالكلام. لم تتردد بدورها وأخذت تتكلم بنبرة طفولية بريئة، وسط استغراب الرجال والنساء والأطفال من جرأتها وشجاعتها. كيف تخاف وهي محروسة بصديقها الشجاع الوفي "زكاغ" ذو الشعر الكثيف...

" إن زكاغ سيظل كلبا وفيا لقريتنا، وسيظل يحرسها ويحرس سكانها دون تردد. كما أنه يريد الاعتذار عما صدر عنه من نباح طويل، الليلة الماضية حتى استفاق كل السكان وغادر النوم عيونهم منذ تلك اللحظة. أنظروا إليه جميعا. إنه يستطيع أن يكشف لكم عن الغريب الذي تسلل إلى القرية ليلا."

نظرا الجميع إلى 'زكاغ" في ذهول ورعب، مما جعله يحس بثقل المسؤولية وحساسية اللحظة. إنها أول لحظة يحس بها أنه تحت مسائلة جماعية حقيقية من طرف سكان القرية. تذكر عندما كان جروا صغيرا، آنذاك، التقطت أذنه الصغيرة، التي كانت ترتعش من شدة البرد، عبارات موزعة بين بقاءه في أحضان القرية مقابل حراستها، وبين ضرورة إبعاده عنها كما أصر على ذلك بعض السكان حقدا عليه لأنه أجمل وأقوى بكثير من كلابهم التي سرقوها من القرى المجاورة. الآن، جاء دوره ليثبت لأعدائه داخل القرية أنه الأوفى بعدما تقدم به العمر وفقد جزءا كبيرا من جماله وقوته، كما جاء دوره كذلك ليثني على كل اللذين أحسنوا إليه ظنا ومعاملة وحبا ونصرة في اللحظات العصيبة. ظل يردد في داخله: "لن يخيب ظنهم بي أبدا، سأبقى حارسهم الوفي وإن تقدم بي العمر وتهاوت قواي واندثر جمالي."

"زكاغ" كعادته لم يتكلم، بل فضل التحديق في وجوه المحيطين به مع التزام لغة الصمت كعادته. لم يتردد كلب القرية الوفي في الجواب عن هوية  الغريب الذي تسلل إلى القرية وما رافقه من ذعر في أوساط أطفالها وشيوخها ونساءها ورجالها بعد سماعهم نباحه الحاد والطويل المتكرر. أرسل "زكاغ" دموعا حارة وحارقة وهو يرى السكان يسجنهم الخوف ويعذبهم الترقب جراء ما سببه لهم نباحه ليلة البارحة. إن الغريب الذي تسلل إلى القرية لم يتسلل في ليلة واحدة فقط، وإنما ظل يتسلل طوال عقود من الزمن كما تقول عيون "زكاغ" وهو يمعن النظر في عدد من الحاضرين دون غيرهم. كما أنه ليس شخصا واحدا ومحددا ...

طال نظر "زكاغ" في ذلك الفتى الذي  استدرجه إلى إحدى حقول القرية مستعملا قطعة لحم يابسة قبل أن يرميه بغتة بأحجار حادة كادت أن تودي بحياته لو أصابته في رأسه وسط ذهول واستغراب الحاضرين. التفتوا إليه التفاتة واحدة، وسألوه ماذا فعل وماذا حدث بالضبط لعلهم يسبروا أغوار موقف كلب القرية الوفي، ونظره الطويل إلى الفتى لفك رسالته التي قد تكشف لهم هوية الغريب الذي تسلل إلى القرية. أجابهم الفتى، وكل أطراف جسده وروحه ترتجف من هول المشهد و فداحة الموقف ووحشية تصرفه، أنه غدر بكلب القرية عندما رماه بحجرة كادت أن تقتله موهما إياه بأنه سيناوله قطعة لحم في إحدى حقول العنب والخوخ. أدرك الجميع حينها أن الغريب الذي تسلل إلى القرية قيم وتصرفات غريبة عن تراثهم وعاداتهم وقيمهم التي ورثوها عن أسلافهم مثل الغدر والخيانة.

أدار كلب القرية وجهه قليلا، وصوب عينيه الحزينتين تجاه رجل أربعيني لم يتغيب قط عن مجالس وطقوس واحتفالات القرية، فتراه يهنأ هذا ويمدح ذاك ويصافح آخر ويحدث مجموعة أخرى مستعملا كافة تعابير لغة أهل القرية وعبارات  دينية باللغة العربية، متباهيا بتواضعه وتواصله الدائم مع الناس، وحبه لهم رغم معرفتهم بزيف ادعاءاته ونفاقه الكبير لهم. تعجب الجميع من حنكة كلب القرية في كشف نفاق الرجل الأربعيني، وأدركوا أن النفاق والكذب وغيرهما من الصفات الذميمة، لم تكن من صفات رجال الأمس الذين قادهم إخلاصهم وصدقهم إلى تحقيق وحدة القرية وقوتها وحمايتها من كل ما هو غريب يحاول التسلل إليها. حينها أدرك السكان أن المتسلل ليس غريبا واحدا بل غرباء كثر، وهو ما حول قريتهم بحقولها الصغيرة ومنازلها الطينية الضيقة إلى مكان غير  آمن يرتاده الخوف ويغزوه الهلع بسهولة.

تابع كلب القرية عملية كشفه للغرباء، وكلما أطال النظر في أحد الحاضرين بعيون حزينة وحدق فيه لمدة طويلة إلا وفطن الجميع إلى صفة مذمومة ومنبوذة لم تكن في يوم من الأيام لتوصل القرية إلى بر الوحدة والصفاء والأمان. فهذه امرأة تسرق العشب من بستان الجيران لتطعم أغنامها، وهذا طفل يقتل العصافير الصغيرة دون رحمة أو شفقة، وذاك شيخ بلحية كبيرة وبيضاء يؤدي صلواته في الصف الأول لأعوام دون أن يذرف دمعة خشوع أو ينفق دينارا واحدا على عيال جاره الفقير، وآخر يدعوا الشبان والفتيان  إلى فعل الخيرات وعمارة مسجد القرية وهو لا يصل رحمه أبدا ولم يزر أخته الكبرى في القرية المجاورة منذ عقدين من الزمن، وهذا إمام مسجد يلقي خطبه الأسبوعية بحماسة كبيرة وبصوت مرتفع، لكنه قلما يفقه لغتها الفصيحة ومضمونها العميق ليعمل به في حاضره وغده...

رغم كثرة الغرباء الذين تسللوا إلى القرية، ووفاء بعهده لقريته وسكانها، وتقديرا لهم على كل معروف أو إحسان قاموا به لأجله منذ أن كان جروا صغيرا إلى أن صار كلبا كبيرا بدأ يفقد بريقه وجماله وقوته عاما تلو عام، لم ينس "زكاغ" الوفي النظر في وجه الطفلة الصغيرة و في وجه أمها اللتان طالما أنعمتا عليه بقطع خبز مبللة بلبن بقرة الجيران وقطع لحم يوم العيد. ها هو الآن ينظر ويحدق فيهما مبتسما سعيدا ضاحكا منتشيا بالوفاء المتبادل، وداعيا سكان القرية إلى إعادة زرع القيم الحسنة المتوارثة مثل الرحمة والتآزر والتعاون والاحترام، ومقاومة كل العادات والقيم الغريبة عن القرية. كما لم ينسى عطف شيخ عليه ولعبه الدائم معه وهو في طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر حتى في ليالي الشتاء البارد. وكلما نظر في أحد سره جميل صنعه، وروعة صفاته وأخلاقه، إلا وأصدر زفرة ارتياح وشكر، وأطلق ابتسامة عريضة حتى تبرز أنيابه البيضاء اللامعة التي لن تغدر بأي كان من سكان القرية أبدا.

 

حمزة الشافعي - المغرب

 

 

almothaqafnewspaperأَوَ كُلَّمَا يممت روحي

شَطْرَ الشمس

عانقتُ السّراب


 

قالتْ .. اِعْشَقْ / سليمان الهواري

 

قالتْ اِعْشَقْ

قُلتُ

ما أنا بِعاشق

قالتْ ارْفَقْ

قلتُ

ومن يَرفق بقلب

أضْناه هجر الخنادق

.

أَوَ كُلَّمَا يممت روحي

شَطْرَ الشمس

عانقتُ السّراب

وعُلِّقتْ لي المشانق

أوَكُلّماَ راودَت شطآني

خُدودَ الموج

حتى إذا أقبلَتْ

وتَوَرّدَتْ وَجَدْتُني

في الحب أُفارق

.

فلَا تُصدقيني

ما أنا بعاشق

أنا مُذ آمنتُ بالحب

وجدتني في هواك غارق

أنا شربتُ

حتى ارتويتُ مِنَ الحَوّاءِ

ولَمّا ظننتُ أني اكْتفيتُ

وجدتني

في شِباك الغرام عالق

والله ما أنا بعاشق

هو ذاك

بعض إدماني فيك

بعضُ سُكري

بعضُ جُنوني

هو ذاك ابتلائي فيك

لا ياتي

إلا كما ياتي الموت بغتةً

فيُردي في الحب كل مارق

.

ألَمْ تُصدقيني سيدتي

حِينَ اعترفتُ

تحت الشمس

ما أنا بعاشق

.

هي مواسم اللذة هَلَّتْ

وهاذي رياح الفوضى

تجتاحني

فخُذيني إليك

بَلِّلي مِنْ ريقِكِ شِفاهي

وأعلنيني

سِرَّ العشاقِ النّاطق

ما أنا بعاشق

 

سليمان الهواري - المغرب

yahia alsamawi2أمـسَـيْـتُ مـمـسـوسـاً وكـنـتُ عَـهِـدتُني

جَـلِــداً عـلـى أمــرِ الـهــيــامِ  صَـبـورا


 

يـا بـنـتَ ســومـرَ / يحيى السماوي

 

أرَضَعـتِ مـن مُـقـلِ الزهـور عـطورا ؟

أمْ كـان مـهــدُكِ يــا بــتــولُ زهـــورا  ؟

 

أثـمَـلـتِـني برحـيـقِ صـوتِـكِ فانـتـشـتْ

روحٌ تــنــفّـــسَــتِ الــدخــانَ دُهـــورا

 

أمـسَـيْـتُ مـمـسـوسـاً وكـنـتُ عَـهِـدتُني

جَـلِــداً عـلـى أمــرِ الـهــيــامِ  صَـبـورا

 

لا تـحـذري نـاري فـإنّ أضــالــعــي

حَـطـبي ولـسـتُ بـمَـنْ يخونُ ضَـميرا

 

أدريـكِ طـاهـرةً .. وحـسـبـي أنـنـي

عـاهــدتُ ربـي أنْ أمــوتَ طـهــورا

 

فـتـدَبَّــري أمْــرَ الــغــريـبِ فـإنــهُ

طـفـلُ الـمـنى لا يـحـسِـنُ الـتـدبـيـرا

 

ماذا أريـدُ ؟ سَـلي نـمـيـرَكِ مـا الذي

يـرجـوهُ عـشـبٌ لا يـطـيـقُ سَـعـيــرا

 

وسَـلي قطوفـكِ صبحَ وجهِـكِ واسألي

لــيـلاً  يـتـيـمَ  الـنـجـمِ شَــلَّ بـصـيـرا

 

يـعـدو وراءَ هـديـلِ صـوتِـكِ حـامـلاً

قـلــبــاً بــريءَ الـعــنــفــوانِ غــريـرا

 

أمْـسَــكـتِِ عـنـهُ قـرنـفــلاً  وربـابـةً

ورغــيـفَ صـحـنِ مـودَّةٍ ونــمــيـرا

 

لا تـحـرمـيـنـي لــذّةَ الـمـوتِ الـذي

أحـيـا بـهِ فـي الـعـاشـقــيـنَ دهـورا

 

لو تعلميـنَ بـمـا كـتـمتُ عـذَرتِـنـي

وغـدوتِ ليْ في اللائـمـيـنَ عـذيـرا

 

لا زال قـيـسُ بـنُ الـمـلـوَّحِ نـابـضـاً

والـعـامــريــةُ تــســتــفــزُّ خــدورا

 

إنْ كان قـلـبـي مُـسـرفـاً بـهُــيـامِـهِ

فـلأنَّ عــشـقـي يـأنـفُ الـتــقــتـيـرا

 

حـسـبـي أرى ضـعـفـي أمامـكِ قـوّةً

ورداءَ ذُلّــي فـي هــواكِ غـــرورا

 

لا تـوصِـدي أبـوابَ مـمـلكةِ الهـوى

فـالـعـشـقُ أرسـلـنـي إلـيـكِ سـفـيـرا

 

قـدَّمـتُ أوراقَ اعـتـمـادي : نـخـلــةٌ

تهبُ النضيدَ وتـحـضنُ الـعـصـفـورا

 

وتـرشُّ دربَ الـعـاشـقـيـنَ بـظِـلِّـهــا

وتـمـدُّ مـن هـدبِ الجـفـونِ حـصـيـرا

 

أمَـرَ الهـوى قـلبي فـجـئـتُ مُـبـايـعـاً

عـيـنـيـكِ داراً والــفــؤادَ عــشــيــرا

 

أنا مَنْ أنا ؟ ماعـدتُ أذكـرُ فانـشـري

خَـبـري عساني أسـتـعـيـدُ حـضـورا

 

خـوفي علـيـكِ إذا رفـعـتُ شِـكـايـتـي

يومَ الـحـسـابِ وقد ظـلـمـتِ حـسـيـرا (*)

 

شـفـتي بهـا ظمأ الـرِّمالِ ألا اسـقِـنـي

من كأسِ مـبـسـمكِ الضحوكِ زفـيـرا

 

يـا بـنـتَ سـومـرَ لـلـمـشـوقِ عـذيـرُهُ

لـو جـازَ فـي تـهـيــامـهِ الـمـحـظـورا

 

أيـن الـهـروبُ إذا الـصّبابـةُ حمحـمتْ

واسـتـنـفـرتْ شغـفَ الـفـؤادِ ظـهـيـرا ؟

 

جَــيَّــشـتُ أشــواقـي فـأيُّ دريــئــةٍ

تُـنـجـيـكِ مـن  لـيـلٍ يـراكِ مُـنـيـرا (**)

 

حـربـي مُـقـدَّســةٌ ... فـإمّـا قــاتـلاً

أغـدو فــأقـتـل بـالـنـسـيـمِ هـجـيـرا

 

أو  أنْ أخـرَّ عـلـى يـديـكِ تـوسُّــلاً

أنْ تـأخـذيـنـي مـا حـيـيـتُ أســيـرا

***

 

..............

(*) الحسير : المتلهف من صبابة

(**) منيرا : صفة لموصوف محذوف قمرا .

 

 

nooradin samoodلم يعد يعبأ بالساعة تصحو أو تنامْ

مثل أصحاب الهوى أهلِ الغرامْ


 

موعد في الواقع أم في الخيال؟!

 نورالدين صَمّود

 

مَـوْعِــــدي كانَ هُنا في التاسعَـــــــــه ْ

مع مَن لاحت لعينـِي في صِباها رائعَهْ

موعدي قد كان في بطحاءَ تبدو شاسِعَه ْ

سُمِّيَتْ "ساحة َإفريقيا" ولاحت من بعيدْ

مثل روض وشَّحَتـْـْهُ كل أنواع الورودْ

وبدتْ من حولها تبسِمُ ألوانُ الزَّهَرْ

خِلـْتـُها تضحك من فرحة قلبي باللقاء المنتَظَرْ

مع مَنْ قد وعدتْ أن نلتقي

في الصباح المشرق ِ

تحت تلك الساعة المنتصِبَهْ

لِهَوَى أهل الهوى مُرْتقـبَهْ

حولها تبدو عيون وقلوبْ

أوشكتْ من شدة الأشواق فيها أن تذوبْ

وبودِّي أن أراها حققتْ في العمر لي أحلى الوعودْ.

* * * *

موعدي اليوم صباحا نـُورُهْ في مقلتِي ما أعذبهْ

وبودّي أن أراها ها هنا مرتقبَهْ ْ.

وأنا، في حيرتي، منتظرٌ مَقـْدَمَها

وإلى موعدها تسعَى كما تسعى الـْمَها

والـْمَها فيها عيونٌ سالباتٌ للنهى.

* * *

ساعتي في معصمي

رُحْتُ، من فرط الهوى، أرقـُبـُها

وعيوني أوشكتْ تثقَبُها

أخذتْ تزحف نحو التاسعهْ

وبدت لي ساعة ُالميدان تجري

عقرباها جاوزاها بقليلْ

والتي قد وعدت ْ

أ تـُراها أقبلتْ

وأتتْ للموعدِ الحلو الجميلْ؟

أم تـُراها نسيتْ

بعدما قد وعدتْ

بلقاء طالما ألـْهمني شعرًا، ولكنْ،

خَطْـوُ هذي الساعةِ الحمقاءِ كم يُرهقني

وهْيَ إذ تـُسرع كم تـُؤلمني

أ تـُرَى فاتنتي قد نسيت موعدنا

ها هنا يجمعنا؟

فمتى تنهض من غفوتها

ومتى تنظر في ساعتها

ومتى تسرع في مشيتها؟.

* * *

ساعة ُالميدان ظـَلَّ الوقتُ فيها يتواصلْ

والثواني من خُطاها تتناسلْ

عقرباها لـَدَغَا قلبي بهاتيك الثواني

أوشكا أن يقتلا فيه الأماني

وبدا سيرُهما في مثل سير الحلزونْ

بينما عقربُها الثالثُ يعدو في جنونْ

مثل عدّاءٍ بساح السّبْق يجري لا يبالي

ليتَ أنّ الوقت، في ساعةِ هذي الساحة الفيحاء، يبقَى

يتكاسلْ

ليت أن الوقت فيها يتجمَّدْ

والثواني تتقيَّدْ

وأودُّ الآن أنْ لا تتواصلْ

كي أراني في انتظاري، لستُ أشقَى

وأراني أتمنى تارة حينا وحينا أتساءلْ:

ساعتي لم تتقدم أيَّ يومِ وبودّي أن أراها تتأخّرْ

كي أرى فاتنتي عن موعدي لا تتأخرْ

وأراها من بعيدٍ تتبخترْ.

* * *

وتلفـَّـتُّ شِمالا ويمينا ووراءً وأمامْ

ثم صعَّدتُ عيوني للسماءْ

فبدا في الأفـْق سربٌ من حمامْ

يتهادَى في انْسجامْ

كل إلـْفٍ مالَ في الأفـْـق ِإلى الإلفِ الجميلْ

وبدا في الدوح مَثـْنـَى يتناجى

في وِئامٍ فوق أغصانٍ تميلْ

كل خِل ظل للخِلِّ يميلْ

وله أبْدَى اشتياق القلب في أحلى هديلْ.

****

وابنُ "خلدونَ" بدا لي من بعيدْ

يعتلي، كالفارس المنصور، نـُصْبَه ْ

أمسكتْ يُمناه في حزم كتابْ،

وهو للأفذاذ من خير الصِّحابْ،

وبيُسْراه مضى يلمس قلبهْ

وهو قلبٌ من حديدْ

ملؤه عزم شديدْ

حشْوُهُ رِفْــقٌ وودٌّ ومحبّهْ

أ تراه يستعيدْ

ذلك الماضي البعيدْ؟

أم تراه يرتجي تحقيق موعدْ؟

كـلَّ يوم يتجددْ

إنما موعده حتما مع التاريخ في ماض ٍ وآتْ

قلبُهُ من معدن ٍ قاسٍ ٍ أصمْ

لم يعد يحـلـُم مثْلي بفتاة ْ

تبعث الدفء بأوصال الحياة ْ

لم يعد يعبأ بالساعة تصحو أو تنامْ

مثل أصحاب الهوى أهلِ الغرامْ

مثل قلبي المستهامْ.

* * *

ذلك الشارع ما أجملهُ

وأقول اليوم: ما أطولهُ!

والغياب الجهم ما أهولهُ!

ليت مَنْ أرقبُها قد جاوزتْ أولـَهُ .

* * *

و صُفوفُ الشجر العالي بدتْ لي

مثلما تبدو العواذلْ

أو كسِربٍ من عذارى تتمايلْ

يتراقصْــنَ ويُرخين الجدائلْ

ليت مَن أرقبها تبدو لعيني

بين هاتيك الخمائلْ

مثل بدر من وراء الغيم يظهرْ

إنها في عُمُري كل المُنـَى

ليتني أبصرها عن موعدي لا تتأخرْ

وأراها مثلما يبدو لعينيَّ السنا

إنها إن أقبلت تمنحني عمْرًا جديد

ويصير اليومُ عندي يومَ عيدْ.

* * *

فجأة لاحت لعيني من بعيدْ

غير أني قلت، من شوقي ومِن طول انتظاري:

أتراها هي جاءت؟...

أم ترى أُبْصرُ أخرى؟

ربما كانت سواها

وأنا أبذل عمري كي أراها.

*****

وأخيرًا طلعتْ كالشمس في يوم جديدْ

كابتسام الأمل الحلو الوليدْ

كنَدَى الصبحِ تراءى فوق أكمام الورودْ

مثل أغلى الأمنيات

أو كأنسام الحياة

فغدا القلب بها في هذه الدنيا سعيدْ

فكأنا نلتقي، بعد فراقٍ، يومَ عيدْ.

* * *

والتقينا

وابتسمنا

ومضينا

وعلى درب من الشوق مشينا

نحو "قرطاجَ" بيوم من ربيعٍ مشمس ِ

ما رأينا مثلـَهُ في تونس ِ

يوقظ الحُلـْمَ بكل الأنفس ِ

كـ"ابن زيدون" المُعَنـَّى

بهوى "ولادةٍ" ذاتِ الدلالْ

تتباهَى في ربا الأندلسِ

وأراها في ربى قرطاج تمشي،

حيثما أمشي، وكنا نتمايلْ

فوق هاتيك الربا

وبقلبي كلُّ أشواق الصِّبا

وأنا، من نشوتي، قد رحتُ فيها أتغنـَّى

فلقد نلت الذي قد كنت منها أتمنـَّى

وتساءلتُ بأشواق قلوب الشعراء:

أنا في "قرطاجَ" أم "غرناطةٍ" ذاتِ البهاءْ؟

مجدها في الكون سارْ

وهْي تـَهدي بسناها كالمنارْ.

****

ثم عدنا في المساءْ

عندما لاحت لنا شمسُ الأصيلْ

فوق أغصان النخيلْ

ثم راحت بهدوءٍ تضع الخدَّ على ذاك الأفـُقْ

وأراها حين تغفو تصبغ الأفق بألوان الشفقْ

وافترقنا حيثما كان اللقاءْ

عند ما شبَّ حريق في الغسقْ

وأنا ما زال، حتى الآن، في قلبي سؤالْ:

أ تراني كنتُ في الواقع أم قد كنت في حـلـْمٍ جميلْ

لم أكن أحلم، يومًا، أن يُنالْ؟

وتساءلتُ: تـُرَاهُ كان وهْمًا وخيالْ

وغدَا في خاطري حلْمًا سعيدْ

أم تراه كان في الواقع لكنْ مرَّ بي

مثلما مرَّ خيال وغدا شيْئًا محالْ

بيدَ أني لم أزل منذ افترقنا

- أو تخيلتُ بأنا ذلك اليوم الـْتقينا وافترقنا -

هاتفـًا من كل قلبي:

ليتَ أنّا نستعيدْ

ذلك اليوم السعيدْ

لنراه واقعا ليس خيالْ

خـِلـْتـُهُ وهْما جميلا لا يُنالْ.

 

.................

هامش

ساحة إفريقيا تقع في نهاية شارع الحبيب بورقيبة شرقا حيث تمثاله، القريب من محطة  القطار المؤدي إلى قرطاج التي تبعد عن العاصمة حوالي 20كلم وفي بداية ذلك الشارع غربا يُوجد تمثال ابن خلدون، وسط تونس العاصمة، والأشجار التي بينهما تكتظ كل مساء بالحمام وبطيور الدوري وبالزرازير آكلة حَن الزيتون، وفي القصيدة إشارة إلى قصة ولادة وابن زيدون في ناديها الأدبي  في قرطبة.

 

 

yasin alrazukلن تقطفوا من ثغر مايا قُبْلةً

مهما تعدّيتم على البلدان والشوك الذي

يدمي حروبي بالحرائر هدَّني


 

هيكلُ الحب في قُدس مايا! 

ياسين الرزوق

 

فَتَحَتْ رصاص نهايتي

وأنا أعاني الأبجدية

مايا تقاتل مهجتي

في كلِّ صبحٍ يستفيقُ ميْتاً غارباً

قبل العشية

غربَتْ شموسي فاستفاق على سرير غوايتي

ألفٌ منَ الأبطال لم يتعلَّموا

منْ شهرزادَ وشهريارَ بأنَّ سجدة قُوتِهم

تحت الليالي

كي يؤدُّوا بالسجود قدوم صبح ٍ بالتحية

و لعلّهم يتعلّمون جلائل  الطاعات في الأرض الدنية

لا لا فأرْضُ حبيبتي

مايا ستبقى بالفضائل تزدهي

كالقدس عاليةً بهية

و أنا بحرب الكون أنشد كونَ مايا كون أديارٍ أبية

لن تقطفوا من ثغر مايا قُبْلةً

مهما تعدّيتم على البلدان والشوك الذي

يدمي حروبي بالحرائر هدَّني

كي لا أذوق على ظلامتي

أبعاض فاكهةٍ شهية

أعلنْتُ في يوم ٍ طواني أنّ غيث كرامتي

من غيث مايا فانطوى بظلامتي مطر البرية

لن أكتب الغفران إن

حُرِقَتْ رسائلُ مايتي ماتت شقية

رحلت ضلوعيَ من ضلوعي يا قلوب محبتي

و تناهشت أحلاميَ  الأوهامُ في صدر القضية

من يستفيق على شهيق حكايتي

ليُعانيَ الخذلان صدْقاً يزفرُ الماضي فلا

يؤوي عليّاً غارُ أمس ٍ

في محمّده المسيحُ يغالبُ القطعانَ

و القطعانُ أسيادُ المطية

فُقِئتْ عيونيَ بالصليب فلم  أرَ

الصلبان إلَّا في المصاحف تشتكي

رُفِعَتْ إلى قهر المسيح عروبتي

و تناحرتْ صلواتُها ماتت صبية

مايا بقُبلة أمسنا

قولي لبُعْدكِ أنْ يعانق حبَّنا

المعصوم في نهدينِ لن

تغتال عشقهما مراقصة المنية

مايا أنا

لنْ أسكنَ البلدان حيّاً فاكتبيني في فِلَسطين الهوى

من بيت لحم ٍ غمِّسيني بالحياة وإنْ بدا

بخلُ المحبَّة في سيوف معاركي

فاستنصريني  بالعطية

أعلنْتُ في بحر المصائر قصتي

كي لا أموت على شواطئ غربتي

في أرض من عشقوا اغتيال الأبجدية !

 

الشاعر: ياسين الرزوق زيوس

سورية حماة

.......................

ملاحظة : "مايا" امرأةٌ من أرض سورية الكبرى التي تشعل القصائد في عذاب عروبتي أنا الذي سأبقى مقتولاً بالحبِّ كي لا أموت مضرَّجاً بالنسيان

 

 

saad yassinyousufالملاذاتُ التي ليسَ لها

سوى قشرة ِالوقت ِ

ستكنسُها رياحُ الصحوِ


 

شجرةُ  الملاذاتِ / سعد ياسين يوسف

 

الملاذاتُ نَفَسُ الوردة ِالأخير

إغماضةُ الجبينِ

ارتدادُ الموجةِ للبحرِ

النارُ الكامنةُ في قلبِ الشجرةِ المقطوعةِ

بفأسِ الفصولِ  ...

منديلٌ أبيضُ لغريقٍ لا تُبصرهُ السفنُ العابرةُ .

الحلم ُ، الروحُ ،

صليبٌ يُثقلُ ساقَ اللهفةِ

إذ يعلو صخبُ الصمتِ،

يتطايرُ ريشُ نوارسِ دهشتِنا المرّة ِ .

***

الملاذاتُ التي ليسَ لها

سوى قشرة ِالوقت ِ

ستكنسُها رياحُ الصحوِ

تاركة ً الربيع َالماكثَ بينَ أغصانِها

يئنُ بلا خضرة ٍ

في وجعِ الحضورِ

***

فالزوراقُ المتهرئةُ

لن تمنحَ مجاذيفَها

وهي ترسمُ على الشِّراعِ

ظلَّ الخطوط ِالمنكسرة ِ

في فراغِها الهائلِ ...

تلكَّ التي تُشيرُ

إلى سماواتِ العَتَمَة ِ

وأفقٍ غادره ُنجمُ القطب ِ

بعدَ أنْ أضاعتْ الملاذاتُ

بوصلتَها ...

في أولِّ الرحلة ِ

لتفوزَ بكأسٍ .....

ليسَ فيه سوى

أسنانِ الزمنِ المنخور ....

 

almothaqafnewspaperوحين تغفو مقل ُ الأنواء ْ

ألثلج ُ في بساطه الرحـْــب ِ

صحيفة ٌ بيضاء ْ


 

الثلج والناس / حسن البياتي

 

ـ1ـ

دروبهم ْ ثلجية ٌ، لكنما الناس ُ

دفء ٌ وإحساس ُ

لو جئـتــَـهم ْ تسألــُــهم ْ

عن أجمل الأشياء في الدنيا،

لانطلقت ْ تعانق الأنجم ْ

مليون ُ أغنيــَّــهْ :

(محبة ُ الدنيا، محبة الدنيا...)

ـ2ـ

الثلج ُ في العـَـتـْـمهْ

حقل مـِـن النمـْـنمْ،

حبــّــات ُ بلــّــور ٍ سماويهْ

تبسم ُ للعتمه ...

والثلج حين َ تورق ُ النسمه

زُغـب ٌ على زغب ِ

يـُدغدغ النسمه ...

وحين تغفو مقل ُ الأنواء ْ

ألثلج ُ في بساطه الرحـْــب ِ

صحيفة ٌ بيضاء ْ

نقية ٌ، كفكرة الحب ِ!

لو تــُـسعف ُ الأشياء ْ،

رسمت ُ أشواقي،

جـنــّـحتــُها، تحرسـُـها أحداق ُ أحداقي،

لموطن ٍ يهزأ ُ بالأنواء ْ

لأن ّ في جبينه ِ ـ

دجلة َ، والنجوم َ، والسنابل َ الخضراء ْ ...

 

موسكو – 15/01/1960

 

MM80في الصباحِ الباكرِ هيَّأَ فطورَ صغيرته للمدرسةِ.. تناولَ فطوره البسيط، أعدَّ قهوةً بالحليب، وخرجَ إلى الشُرفة يمارسُ طقسه الأثير صباحاً،

قهوة مع سيجارة.. قبلَ أنْ يَشرَعَ بتقليبِ بريده.. وما خَمّرَه تحت اللحاف من أحلامٍ لايحكيها لأحدٍ،

ولا يكتبها مخافَةَ إنكشافها مثلَ "مؤامرةٍ"...!

أَحلامٌ إستولَدَها من أَرَقٍ مُتكبِّرٍ، إعتاشَ على رغيفِ السهر !

 * * *

نهارٌ باهرٌ،

سماءٌ صافية إلاّ من شَتيتِ غيومٍ بيضاءَ، تتجمّع ببطءٍ،

لتُنازِعَ الشمسَ على "شقفَةٍ"من جسدِ السماء، تشبه منظرَ البحرِ من الطائرة،

أتكونُ السماءُ بحراً مقلوباً ..؟! هكذا تتقافزُ الصورُ في رأسه...

رأى سحابةَ بُخارٍ من أنفاسه إرتدَّتْ إلى وجهه، قبلَ أنْ يُشعِلَ سيجارته ...

"إذنْ الطقسُ باردٌ جداً هذا الصباح ..."، فكَّرَ.

 في الحديقةِ بقعةٌ من ماءٍ، فاضَ عن المزريبِ النازلِ من فوق، تَجلَّدَتْ،

ولما حاول غُرابٌ إلتقاطَ شيءٍ، تزحلَقَ فوقها، فأطلَقَ صرخته المميزة،

قاسيةً جارحة.. مذعوراً طارَ إلى أعلى شجرة الكستناء،

ظَلَّ يُحدِّقُ في البقعةَ، حيث تَزَحلق ... !

عاريةً تنتصبُ الشجرةُ، مثل غجريٍّ حائرٍ، يتسوَّلُ لحناً أضاعه في ضجيجِ "الكونْ"...

شجَرةٌ تختضُّ حنيناً لندىً يَبُلُّ أوراقاً كانت ترتديها...

الأغصان العاريةُ أمتلأتْ بقطراتٍ فاجأَها الإنجمادُ قبلَ أنْ تسقطَ على الأرض .. فأضحتْ مثل كراتٍ زجاجية في أشجار الزينة،

إذن، ليسَ برداً فقط، بل صقيع ...

...........................

صباحٌ يتأوّهُ صقيعاً !

 أحكمَ سَدادَ القمصلة وأشعلَ سيجارته ... دفَنَ يمناه في جيبه،

هدوءٌ، له رنين في الأذن، يُهيمن على المكان،

الناسُ نيامٌ،

قناديلُ ناعسةٌ عند شبابيك العمارة المقابلة...

صقيعٌ على جدران الوحشة في الغربة،

.. في الحديقة، في الشرفةِ، تحتَ الجلد، له صليلٌ يدقُ العظام ...

صقيعٌ .. يُلَوِّنُ الركودَ، الذي يَسِمُ أيامه،

فكَّرَ: عسى الصقيع يُفتِّتُ السأمَ في حياته، فقد شَرِبَ كفايةً من كاسات المَلَلِ ..!

لكنه، سرعانَ ما تذكّرَ أنَّ صديقاً له عاتبه نهايةَ العام المنصرمِ، توَّاً، لغيابِ الفرَحِ في بضعةِ

نصوصٍ كان قد بعثها له قبل ذلك...

تأمَّلَ ورنينُ عتاب الصديق يُنَقّرُ في رأسه :" سأحاولُ اليومَ أن أكتبَ عن شيءٍ مُبهجٍ ...

عن شروق الشمس، وأتركُ لغيري يكتب عن مغيبها !!" قالَها مع نفسه.

لكنْ أُسقطَ في يده !! فالسماءَ تَلَبَّدَت بالغيوم...

قالَ سأذهبُ إلى برج التلفزيون وسط برلين، فهو أعلى من برج إيفل بحوالي خمسينَ متراً ...

ولابُدَّ أن يكون فوق السحاب حيث يمكنني مراقبة الشروق ...

............

وفيما كان يُجهِّزُ نفسه للخروج إلى وسط برلينَ، تذكَّرَ أنَّ ما بحوزته لايزيدُ على 10 يورو، والشهرُ في أَوّله .. بطاقة الدخول للبرج 18 يورو، ناهيكَ عن الأسعار "الفلكية" للمطعم الدوّار في أعلى البرج ..!

................

ثمَّ تذكَّرَ أنَّ البُرجَ لايفتحُ أبوابه للزوار إلاّ الساعة العاشرة قبل الظهر... آنذاك تكونُ الشمس قد بدأت رحلتها في قبّة السماء...!

وهكذا قرَّرَ البقاءَ في البيتِ، يحاول .. عساه يفلحُ هذه المرة!

إنتبه إلى أصيصٍ يحتضن نبتة الأوركيد، عندَ الشباك، تماماً جنب طاولة شغله... لاحظَ أنها

أطلقَتْ غصنين جديدين، فيهما حُبيبات براعمَ ستُزهرُ أورادَ أوركيدَ حمراءَ وأُخرى برتقالية

بهيّة، تُعلنُ حلولَ الربيع، رغمَ أنف الصقيع ...!!

أحسَّ بتعبٍ لذيذٍ، أطفأ حاسوبه، وذهبَ إلى الفِراش ...

 

 يحيى علوان

 

 

salwa farahويشتعلُ القمرُ في حضنِ غَيمة

تتراقصُ حباتُ التُّوتِ

على أكتافِ  جلناّرِيَ


 

حين يُولدُ الحَرير / سلوى فرح

 

شالٌ من  العشقِ  يبثُ سلاماً

يَلفُّني إليكَ رُويداً رُويدا

يُجنُّ قلبُ السَّماءِ

ويشتعلُ القمرُ في حضنِ غَيمة

تتراقصُ حباتُ التُّوتِ

على أكتافِ  جلناّرِيَ

يَبرِقُ ثَغرُ اللَّيل

في مهبِ الرِّيح تزهرُ الوُرَيقاتُ

ولوالب لا نِهايةَ لها

يا بَقائِي.. يا  فَنائِي

مِن ِشَراييني سَأنسجُ  لك الحرير

أرويك من قطرِ الماءِ ونسيم الصَّباح

زهرةُ  كريستال  ممهورةً بِلَمسِ الفَرَاش

أرسُمُها لِشفتيكَ

أُخبِّئُ ضَفيرتِي بينَ جَفنَيك

وأشياءً وهَبْتُها إليك

أهديكَ وطناً يُشبِهُني

وبعضاً من يقيني

لا تُفسِّرْ رَوحِي

فهيَ تُفسِّرُ كلَّ شَيء.. كلَّ شيء

موسومةً بِصَبرٍ لا يَشقُّه حَجرُ المَاس

ثورةُ وردٍ

مملكةٌ محصَّنةٌ بِطوقِ النُّجوم

لا تَمَّلك لا  تَزول..

اللَّيلة مَولدُ السَّلوى مِنَ الفَرح

 

كندا

 

 

almothaqafnewspaperيتمادى الليل يطويهِ الظلام

غربة تأسر شوقا يتهادى

بنزيف النبضات..


 

قلادة من عناق / مريم لطفي

 

وحشة الليل الطويل

كتمت انفاس صبحٍ

ونهارٍ يلتحف

خلف اكوام الغيوم

يتمادى الليل يطويهِ الظلام

غربة تأسر شوقا يتهادى

بنزيف النبضات..

تتهاوى الخطوات

والمسافات البعيدة

تأخذ الحلم بعيدا

باحتراقٍ واحتراق..

كشموسِ البصرة حرّا

تلك اصداء العراق..

تلك انفاس العراق..

تختزن بالقلبِ شوقا

لثراها..

تنشد البعدَ انينا

يطوي اهات الفراق

ويدندن للعراق

بيتُ جدي وربيعي وصباي

يهدي للصبحَ قلادة

من عناق..

لربى ارضي وعرضي

وربوعٍ كالربيع الزهرِ تزهو

وسفوحٍ تتمطى

بطريق الافقِ ترنو

لسماءِ النورِ فيها

رفرف علم العراق..

 

مريم لطفي

 

 

MM80جوعٌ يطحن البطون، يُشوّش الأرواح .. يرتمي في الحناجر غضبا حينا واستغاثة أحيانا... في ثنايا البحث يتلوّى ذلك الطّين الموهن ...

على الواجهات تلمعُ شعارات مُغرية ....سلالٌ خِيطت أفواهها تُطلّ من كُوى مُقنّعة.

في رحاب اللّهفة تُنصب موائد بلا أرجل، فوقها تُنثر أشياء غريبة ...كثرة تبهر العيون وتشلّ الأذهان.. من خلف السّتار يزعق البوق الأجشّ:

هيّا، بادروا..." السّوق أقرب وطعامه أطيب"، لا داعي لتكبّد الجهد ...اليوم عنكم نرفع العناء...فقط كُلوا هنيئا مريئا...

ما عدتم بحاجة إلى المضغ... افتحوا أفواهكم تصلكم اللّذائذ شتّى.

حول الولائم المزعومة يتكدّس الطّين، يفغر أخاديده العطشى ...في الأحشاء يتهيّج الوجع، يشتدّ الضّغط وقد زخّت الوعود ملحا ...

جرح يغور حدّ الإغماء، يكرّس الجدب ...سراب يتريّع بين الأصابع الممدودة...على الرُّكب تسقط الموائد المعوّقة ...بين الدّهشة واللّوعة تقهقه الخديعة ....

عبر المدى يتمادى الصّدى، نُباح كالنّهيق يُبارك منطق الاستحمار.

 

جميلة بلطي عطوي - تونس  

 

 

tariq alhilafiاِنَّما نَحْنُ بِلا عزة نفس

بل وَلا نَحنُ من النّاسِ سَويا

قال: إسعوا! لم يقلْ قطُّ توكل


 

لَعَنَ اللهُ جَميعَ الَواكِلين / طارق الحلفي

 

قالَ يَوما:

ـ الحِسابُ عِندَ رِبِّ العالَمين

قُلتُ: تُفاحاً وَتين

هاهُنا بيتُ قَصيدِ المُتخَمين

وصُنوجُ الهَذرِ من طِينةِ وَعدِ السّارقين

وبِذاتِ الطَّبعِ يحشونَ حُواةُ الغيبِ

اوكارَ الثعابينِ بعميانِ اليقين

مثل بشرى نحوَ نذرِ الحربِ

او خبزاً يُدافُ بكلامِ المارقين

*

لَو تَوَكَلنا عَلى اللهِ ملايين السِّنين

وَهوَ خَيْرُ المُوكَلينْ

اِذْ لَكنّا مِثْلُ نُوّابِ البَغايا المُؤمِنين

كلّ شيءٍ سطروه في كِتابِ القانِعين

دون تأويلٍ خَلدنا لشذوذِ الفاسقين

فهنيئاً لبقايا ظِلنا المكسورِ في الشَّرعِ المبين

*

كلهم قالوا بان الله ذو الحَقِّ المُبين

وجروا نحو ضَلالَ المدعين

يمتطون الريحَ للأخرةِ جهراً

وسِرّاً صهوةَ النُّعمى وسحت الصولجان

وهُموا يتلونَ آياتِ الرجاءِ

هدهداً نحو هَبابِ التائبين

يتباهونَ كَعُنقودِ ثُريّا

فوقَ راسِ الخانعين

وببطيءٍ كطواويسِ المسارح

تحتَ صئبانِ الخلاخيلِ بسيماء التهَجُّد

يقرأونَ البسملة

ويجيبون بجشئٍ من وميضِ الحوقلة

ويغطونَ جفونَ البندقِ المسروق من وكرِ السناجب

بذبابٍ من سيوفِ المهزلة

قبلَ ان يُطلِقوا مِن عشِّ الرذيلة

آخرَ العقبانِ في شرعِ الفضيلة

لغطاءِ الشهوةَ المثلى

لسانُ الشعوذة

"لا تُؤاخذنا.. ولا تَحملْ علينا إصّراَ..

واعفُّ عنّا "

نحنُ مَن انتَ وعَدتَ

وارثي جنتكَ الأرضَ وحتى يبعثون

انت مولانا الكريمُ والرؤوفُ والرحيمُ

انت خَيرُ الرّاحمينَ

*

وَعَلَيْهِ!

كُلُّنا يُوِكلَهُ

آمَنَ مَن آمَنَ فيهِ

بَلْ وَحَتى الكافِرينْ

وَسَنَبقى صابِرينَ، آمِلينَ، حالمِين

مِثلُ حَمقى في مَزاراتِ الرَّجاءِ سائِرين

وَسَيَبقى هؤلاءِ الحاكِمون السفلة

يَجرِدونا كلما بهجة هز يشتهون

فيسوسونا خرافاً وشياهاً خائفين

فوق حقل من حصى الذل ونحن صاغرين

اِنْ ظَلَلنا تَحْتَ اَفيونِ " تَوَكَّلنا "

وَلَمْ نفعلُ شيّا

اِنَّما نَحْنُ بِلا عزة نفس

بل وَلا نَحنُ من النّاسِ سَويا

قال: إسعوا! لم يقلْ قطُّ توكل

وستجنوا رَطبَ الدنيا جَنيا

اِنَّما، يبدو، كما قال تعالى:

اننا " اعجاز نخل خاوِية"

 

طارق الحلفي

 

 

adnan aldhahir2لا جدوى ..

إنْ مرَّ وإنْ أغضى

أو غضَّ الطرفَ وجاوزَ حدّاً واستشرى


 

التميمية / عدنان الظاهر

 

1ـ بداية الحركة / في الحركة بَرَكة

إفتحْ إقرأْ

إفتحْ عينا

إفتحْ ما شئتَ وشئنا

إقرأْ سرَّ البابِ وما أخفى بابُ المأوى

دمعٌ يتراءى فينا

يتقصّى صوتاً يتخفى جوّالا

يترقرقُ بينَ الصخرةِ والأقصى قُدْسا

يأبى إعلانا

يسدلُ في الكعبةِ أستارَ حِدْادٍ سودا

يفرشُّ سجّادا

سيصلي " عُمرٌ " فيها

 

2 ـ أعوامُ النكبات

يا عامَ النكباتِ الصُغرى والكبرى

ما كان وراءكَ يا عامُ :

طُفتُ كما طافوا عُريانا

ضحّيتُ وقدّمتُ لربِ الوثنِ الأسودِ أولادي قربانا

أنشدتُ وعلّقتُ الأشعارَ صحائفَ حيطانِ

غازلتُ الكعبةَ غارتْ " عُزّى "

قالتْ هذا عامٌ غامَ وعادَ وما عادَ جديدا

يتقمصُ أثوابَ حِدادٍ سودا

نحّى أوراقَ التوتِ وعرّى ما أخفى فيها

أعلنَ أنَّ الأمرَ خطيرُ

أنَّ الدُنيا أضحتْ فوضى

أفعى تتسلّقُ أبراجا

تتبرّجُ ناباً نابا

قَطَرانُ جلودِ البعرانِ الجُرْبِ يُغطيها وجها

 

3 ـ الغُصّة

غصَّ الصدرُ وحانَ أوانُ حلولِ قضاءِ

السُلّمُ عالٍ

قفْ واقطعْ حبلا

القيدُ المُنشقُّ دليلُ الماشي ليلاً سهوا

ضاقَ العالمُ بالرؤيا ذَرْعا

كنتُ الغائبَ عنّي

أمْ كانَ العالمُ يزّاورُ فينا شرقاً غربا

لا جدوى ..

إنْ مرَّ وإنْ أغضى

أو غضَّ الطرفَ وجاوزَ حدّاً واستشرى

مرّتْ أعوامٌ قبلا

لم تتركْ للغارقِ في لُجّةِ بئرِ الدمعةِ حبلا

أو نوراً في نجمةِ مَنْ أدلجَ ليلاً فردا

 

4 ـ عهدٌ عهدُ

حَرَنتْ في الأقصى خيلُ

تردسُ نعلاً نعْلا

تنظرُ صوبَ القُبّةِ شَزْرا

شَرَرٌ يتقادحُ من نارِ شفيرِ الأحداقِ

وصهيلُ يدري مَنْ يُردي

تسألُ مَنْ في القُبّةِ صلّى

عاهدَ لم ينكثْ عَهْدا

أحيا روحا

ألهمها ما في التقوى من صبرِ

وقفتْ تتحدى قوساً من نارِ

ضربتْ فتهاوى شمشونُ المبكى أحجارا

مجداً مجدا

عهداً عهدا

" عُمرٌ " وفّى

كبّرَ ثنّى صلى شُكْرا.

 

shalal enowz2لا وجود لمساحات الصحو

مذ حزّ سيف الغدر رأس الشمس

والوقت يتدلّى


 

هل من دورة آتية؟ / شلال عنوز

 

في هدأة شبق  نوافير الألم

على شطآن سواحله الثكلى

كان يعدُّ طوابير

       زفرات آهاته التي

                 تتلمّظ مساقط أنفاس الوجع

                                على نتوءات الدموع

  فيتمرّد بوحه

          على أعتاب

               خيبات زمن معتوه

يشيح بِعُريِ شتات طرفه

                    نحو شساعة الأفق

ويمدُّ خيطا هارب النزيف

                    حيث سرّ اقتدار السماء

يلتحف كل عنف رعونة الأرض

        كلّ جنون المعاصي

يبيع زيف نبواءاته

               لقهقهات الحمقى

وينام على أسرة

            هرج المتفيقهين

في المدن الأفيون

            لاوجود لمساحات الصحو

مذ حزّ سيف الغدر رأس الشمس

والوقت يتدلّى

         على  سوابيط إفك الطغاة

 يراود عفة بكارات الياسمين

ويستبيح غنج سنابل القمح

زمن تسيّد فيه زعيق الفاشلين

وماتت فيه سماحة الندا

فيتوسد (لوكال زاكيزي) عرجون مأساته

ليستمر   مسلسل دمويّ الفوران

يوقظ مناسيب شراهة الفتنة

وصيحات ندّاهات الحقد 

            بخنجر صراخ الغدر 

حيث التآمر والفتك

          يفتحان بوابات الحكم 

                     المشاع للطالبين

                           في نوادي السقوط

كان سرب اليمام

       متجها نحو الشمال

                  رغم قساوة الريح 

                        وضراوة الزمهرير

وتلك الحمامة

        المهيضة الجناح 

             تنوح مُرمّلة بالنشيج 

                   ترفرف فزعة

                      فوق عش صغارها 

                                 يشاكسها

                                    زغب الفراخ

وهذا المبتلى ..

        يمسح غبار التأسّي

        ويشير نحو قرص الشمس

نادباً :

          هل من دورة آتية ؟

 

 النجف

....................

لوكال زاكيزي: الملك السومري الذي مثل بداية مقتل الرؤساء في العراق

 

 

fatimaalzahraa bolaaras2حين ينهمر الليل كالمطر

والهموم تستعد للسهر

حينئذ يشتعل القلب شيبا


 

حين تعريني من أوراقي

فاطمة الزهراء بولعراس

 

حين تعريني من أوراقي الغثاء

يجرفني سيل الحنين إلى الخضرة والبهاء

برد النميمة يقرض قلبي بأنيابه

تزلزل مهجتي عواصف هوجاء

لا مكان لجدع نخرته الريح في عرس الشتاء

حين تهاجمني الظنون وتستقيم الشكوك مع السقم

ويتدفق الألم

تجدني (كالتينة الحمقاء)

تجتثني معاول الجفاف

أنحرق وحيدة حيث لا ماء ولاهواء

حين تعريني من أوراقي قبل الأوان

وتركنني في زوايا النسيان والهوان

أطل من شرفة العمر على بساتين اللقاء

أروي لليل قصة شهريار الذي لم يدركه الصباح

في حين سكتت شهرزاد عن الكلام المباح

عند ذاك يتحالف الخوف مع الحنين

على فؤادي المسكين

والسيف أراه يتلهف للدماء

حين ينهمر الليل كالمطر

والهموم تستعد للسهر

حينئذ يشتعل القلب شيبا

تنهار باقيات من فتات عزم

ويصبح حديث الدهر عن الصبر

هراء في هراء

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

 

zahem jehad2اكتب بحرف تمازجه

بحة الحزن والالم والرجاء

والامل؛ واقول:


 

نداء الأحبة / زاحم جهاد مطر

 

يا من كنتم اقمارا لنا في السماء؛ واقواس قزح في الفضاء؛ يا اخوان الصفاء وخلان الوفاء؛ هل تسمعون من محبكم النداء والرجاء؟ يا من شاركتمونا السراء والضراء؛ اينما رحلتم وحللتم؛ فانتم في القلب سكنتم؛ ان نأيتم او دنوتم؛ فقد تناولنا ملح الحرف وزاد الكلام؛ على مر سنين وايام؛ دعونا نبعد الهنَات وننسى الهيَنات ان وجدت؛ ونصَفي النيّات ونمحو بجمالنا السيئات ان ظهرت؛ والقلوب الكبيرة تستوعب كل الصغائر؛ فهل انتظر البشائر؟ سألت قارئة الفنجان؛

قالت بكل ثقة واطمئنان؛ نعم يا ولدي سيعودون بكل خير وامان .

اللية احرقت بخوري ونذرت نذوري؛ واستعنت باناس مهرة وبطلاسم مجفرة؛

لا يعرف كنهها وسرّها الا الراسخون والمهرة؛ في العلم والفهم والمعرفة من السحرة؛ فجمعت من الورود والازهار اجملها ومن الرياحين اعطرها ومن الاوراق اخضرها ومن السنابل اصفرها ومن الجوري ابيضها واحمرها ومن الليلك اندرها ومن الياس والياسمين والبنفسج اشذاها وكتبت بماء المسك والعنبر والزعفران ..و قرأت الف مرة :

هيا يا احباب ...هيا يا خلان ....نحن بالانتظار .... سوف نستقبلكم بالاحضان

وسمعت صوتا يقول : شبيك لبيك حروفي بين يديك ....

 

................

البارحة وانا اقرا تعليق الاديب الكامل ماجد ابو نائل؛ تذكرت بو عبد الله فلاح قناصنا الذهبي؛ واديبنا الالمعي عمار المطلبي؛ وجيكور زارع الحناء وطيب البصرة الفيحاء والخاقاني الاصيل المائل مع كل جميل والحرف المصباح مسلم السرداح  وياسمينة الحروف ورفيقة النوارس رفيف الفارس والكاتبة الشجاعة فاديا عيسى قراجة وغيرهم من الاحبة من الذين غادروا المثقف او الذين يطلون احيانا على خجل ووجل.

 

 

hanaa alqatheiشرفةٌ موحشة

صمتٌ .. يجّرحه عواء ريح

عبثا يخمده المدى


 

سيدي البعيد (26) /  هناء القاضي

 

كلما ظننتُ أني منك انتهيت

أعودُ فأكتبُ إليك !

**

الشتاء يشدّ رحاله صوب غابات الزيتون

يُطفيء بريق نهاري

**

شرفةٌ موحشة

صمتٌ .. يجّرحه عواء ريح

عبثا يخمده المدى

**

قالوا سنأني

حينها ستضحك الشمس

تلمع النجوم

ويوّدعُ المساء ذلك الوجوم

**

يا بعيدي

أتأملنا .. فأرى كم نحن متعبون

مرهقون

وقلوبنا ضمأى لمساحات من الفرح

**

قالوا إنهم سيأتون

فدعني أغمضُ عيني

وأحلم بقدومهم

أحلمُ بعالمٍ من الفرح

وليرقد بسلام ذلك الجرح

 

د. هناء القاضي

 

juotyar tamerثقيل بكاء الثكالى ...

والشمس تسيل سوداء

كدماء الموتى


 

وطن / جوتيار تمر

 

هذا الميت الحي....

يقول

لم يزل همي عسيرا

ودمي ينتشر على جدارن تابوت ينتظرني

الموت يراود الجسد

ضاجع الألم وطني

ومدن تنمو فيه خطوات الشهداء

ثقيل بكاء الثكالى.......والشمس تسيل سوداء كدماء الموتى

تنام العصافير في الزوايا  المقفرة

وطني .....

هم علقوك  بخيوط يرتقها السواد

قالوا هذا الوطن .....وهذه مقصلة الآخرة

من جبال أعيتها حوافر الخيول الجامحة

تطل الذئاب برقصة الموت

قتلانا  يأتون بإسمك يا وطني

يا وطن حذو القلب

يا نصوص الشموخ

من يمنحنا الأمان إلا أنت

أنت فيض الأمكنة

أنت الحدائق العالقة في شرفاتي

أنت نحن........

ونحن أنت......

أحصي  رجفات النبض في عشقك

فهل لي ملاذ غيرك يا وطن يناولني الحياة

 

 

salem madalo2الشوارع والضفاف ثكلى

والقمر البهي

قد اصابه العقم


 

لم يبق في بساتين الفرح ثمر يذكر

 سالم الياس مدالو

 

الزمن قد اهتريء

وقرميد الحب والعطاء

قد اكل  الدهر

عليه وشرب

ولم يبق في دجلة   الخير

ماء مضيء

ولم يبق في

بساتين الفرح

ثمر يذكر،

الشوارع والضفاف ثكلى

والقمر البهي

قد اصابه العقم

وصناديق القمامة

لم تعد مصدرا

لرزق القطط

السائبة

وانما لجياع وطني

فيا وطني

ماذا حل بك

يا وطني

الحمائم والعصافير

فوق قبابك

وفي بساتينك

تموت حزينة

والأطفال في حدائقك

وبساتينك يحلمون

بشجرة نبق واحدة

ولكن دونما جدوى

وانت أيها

القمر البغدادي

الاصيل

متى تنير سمائك

بلونك الزاهي

المفرح الجميل .

 

سالم الياس مدالو

 

 

jasim alobaidiالى الشهداء

الذين لا اسماء لهم

حين تكون القصائد ناعية لهم


 

حين يترجل الفارس عن صهوة جواده

جاسم العبيدي

 

(1) آهات

اقطف هذا الأسى من تجاويف الموت

حيث تلك الشجيرة التي تظلل قبرك

نائحة عند قدميك

تفترش اللحظات قصيدة المك

متدثرة بالاهات والوجع السري

هنا يرقد تاريخ الحرب والخراب

الذي مسخته شواهد الأمكنة

حين حط عليه ذلك الإنسان الذي أخطا الطريق

في محاولة لاختراق جدار الصمت

والقفز على الحبال

في جزر الغربة

فوق ارض اسمها الشقاء

يتدثر الليل بأنامل عاشقة حبلى

لا شيء يملا أذنيها

سوى أنين الموتى وفحيح الأفاعي

عواء الكلاب الضالة

يتنفس قبور الأموات

المسحورين بحب الوطن

حين ترجل الشهيد عن صهوة جواده

صارت لغة المدفع تلتهم العشب الاخضر

وصارت اصابعه تلامس الموت

والارض حوله صارت الفم

 

(2) شاهدة

في المقبرة

شاهدة تحمل اسما لعظام بالية

مكتوب فيها (شهداء بلا أسماء)

ضحايا الحرب المفروضة

ابتعد ايها الغضب

انهم ينصبون موائدهم

على قبوركم أيها المغدورون

اللذين ابتلعتهم الحرب الدائرة بين هذا وذاك

لا ناقة لهم فيها ولا جمل

وهم ينبش أعضاءهم

ولافتات الشهداء تطوق وجوههم

كل صباح

 

(3) أبواب

زمن الزمهرير يعبر وجوها كالحة

حصار الأبدان

المدن المغسولة بالدم

المتسللة في الظلام

الدخان المتصاعد من لهيب الأضرحة

للمدن أبواب مغلقة

للشهداء رايات تملا الشوارع وأسماء مهجورة

زمجرة ريح عاتية

دبيب خدر في الراس

هذا زمن الخوف يندفع بين جنبات الجلادين

يبحث عن ملاجيء للفارين من قذائف الحروب

بسيقان مبتورة

عصيهم تطرق الارض

وهم يهيلون التراب على قبور

من لا اهل لهم ولا اصحاب

لا جدال امام القذائف المنفلقة التي تتساقط حولهم

انها الهاوية التي تمزق اجسادهم المتعبة

موحش ايها الازميل الذي ينبش الارض

بحثا عن رفات بين الانقاض

 

(4) اطلال

الوجوه الكالحة تعبر الصحراء

وبقايا اطلال المدن الموحشة

التي تقاتل من اجلك ايها الوطن

الذي لن ينتمي اليه احد

سوى رعيان العشيرة وخصيان البلاط

وانت تحل بك اصداء سيوف مقلوبة

فلا تعجب ممن جردوك من ثيابك

وتركوك امام عاديات القدر

تتناوشك السيوف والخناجر

وتنهال عليك القذائف والاتربة

 

(5) خيال

ثمة من يقف على قدميه تائها في صحراء التيه

ينفض العتمة عن راسه

هو يحمل اعباءه ويسير في طرق موحشة

اتدري

ان الفارس ترجل عن فرسه

لا احد يحمل اعباءه

ولا طريق له سوى الوجع المتناثر في خيال الاحصنة

الجدران تنهار على ساكنيها

الازقة تفترش جثث مقاتليها

وهناك من يقدم الزهور للاموات

تهنئة بالشهادة

 

(6) وداع

من يلقي هذا الهراء من جسد الحاضر

من يكشف عن خاصرة الليل الظلام الدامس

المقاتلون يودعون اسماءهم

والامهات يبعن ابناءهن باثمان بخسة لتجار الموت

تلك هي الجراح المخضبة بالدماء

الطافحة بالالم

تكشف عن جسدك في قبر لا شاهدة عليه

فمن يعرفك ان انت لا تعرف نفسك

من انت ايها الحامل اكفان الموتى

وتفتح ابواب الموت على ناصية الغيب

انزلوا هذا الجسد

الشهداء لا ارض لهم

المهجرون لا قلوب لهم

وانا وانت نعقد مؤتمرا نحشر فيه انوفهم

ونضع اسماءهم على طاولة الحوار

نبيعهم كالخراف

 

(7) انين

يكفي ان تكون شاهدا وشهيدا

فلا بكاء ولا انين للشهداء

ولا نزف لجروح المغدورين

بعد انتهاء الحرب

سوى صورهم واسماءهم المعلقة على الارصفه

اختلط الحابل بالنابل وتشابكت عليك اكف المحتالين

فقد باعوا جسدك

ايها المضيع في الفلوات لتجار الاعضاء البشرية

وراحوا يصلون عليك صلاة الغائب

يحسبون ان صلاتهم سكنا لك

يامن لا سكن له

سوى عباءة امه

وسماء الله

 

(8) وجع

ايها المستريح على عالم من ضباب

تلك امك ثكلى تبحث عن جثة سلموها اليها بتابوتها الخشبي

ولما اتت تحفر الارض كي ترقدك

وجدتك محض عظام نخرتها الرياح

وها انت بين التراب وبين التوجع

تلقح نفسك من عاهة حصدتك

وغادرك الجمع حين اويت الى القبر

وحين راوك تجرجر اقدامك

تنفض عنك تراب القذائف

كان وجهك قد غاب عنهم

وقد انكروك ولم يجدوا غير نوط الشجاعة

يطبق الوانه في ثيابك مبتئسا في الضجيج

وها هي امك تصرخ من وجع

" اه ياولدي "

تشظت عباءة امك صاعدة للسماء

فلقد غاب ظل الحضور

الذين مشوا خلف نعشك وهي تلوح للعائدين

 

 (9) صمت

كان وشمك يطفح من صدا الصمت حين كانت يداك تمر عليه

ها هو الان ينزل قبرك ملتهبا

ايه ما اثقل الليل حين غفوت في زمن الغدر واستوحشتك النهارات من فزع

مت حزينا فبين الحقيقة والموت مالا يقال

وما بيننا لعزاء عميق

واني رثيتك حين رايت الرجال يفرون من ساحة الفر والكر

كل يؤدي السلام الى روحه

ولم يبق غير ظلال ضريحك ي

غفو على وجع

وفي الليل ترتجف الاضرحة

كان صوتك يعبرني حلما في المغيب

حبين تاتي الرياح تحمله نحو راسي

فيشتبك الحزن بين الظلام وبين شجيرة ياس

كانت تظلل قبرك غب احتراق الغسق

 

(10) مصير

ايه ياسيد العشق والحلم والامنيات

نم على وجع الامس واحصد من الموت ماتشتهي

فقلقد غاب ظل المعزين حين تشظت عباءة امك وهي تصيح بصوت حزين

من اجل ماذا اقتسمت حياتك في العيش فقرا وجوعا وخوفا

امن اجل هذا اقتسمت مصيرك

من ذا الذي يشتهي الموت غيرك

ان النشيد الذي اطلقوه اليك بموتك قد فصلوه على قدر ثوبك والاخرين

نم حزينا ودع روحك ترقد حين تئن

ولا تبتئس فصغارك حين ينامون يبكون من هلع الخوف

وحين امك ترقد في لوعة الزمن المر

بين بقاياك حاسرة الراس رافعة يدها للسماوات

ان تكون مع الجمع محتفلا بالصلاة على الشهداء

القصائد تنعى

وامك تبكيك من جزع في العراء

 

 

madona askarيحميكَ الغيم الأزرق،

من سقطة الوعي وانفراجات الشّمس الخادعة. من تعابير تتصارع على إيقاد قنديلٍ

حملته إليك يدٌ، تدفئ بعثرة الألم دون أن تلمس حرّيّتك. دون أن تمسّ الأيّام الغابرة.

القناديل خاملة دونَكَ.

البرد ينتظر إيحاء النّار واضطرام الإلهام. في صقيع النّفس مكان للإصغاء. في حزنها نافذة مشرّعة

على جدار العزلة.

في ابتهاجها، باب ضيّق تتهافت إليه عصافير نادرة. تتمرّد على أسرابها. تعانق ما لا يُدركُ.

ما الأعظم؟

الموت أم الحياة؟ أم ما بينهما؟

أم تلك الأنا المتوارية، المنشقّة عن عبثيّة الأسى؟

ما الأعظم؟

صمت يضجّ في داخلك. ينهشُ فتور الأيّام؟ أم كلمة،

تكون فتقول؟

يحميك الغيم الأزرق،

من زوال محتوم.

قد لا تراه  لكنّك تبصره. قد لا تلمس قدم الأيّام في نعومة هيأته. لكنّك تأنس لغمر الجنون.

القناديل الفقيرة

يغويها الدّرب الممتدّ بين يدٍ حانية والظمأ إلى لهيب الاشتعال.

  

مادونا عسكر/لبنان

 

hasan housariرأيت الطفل المهتاج أنا

من بعيد، يلوح للفراغ

يتلاشى فقاعة في السراب


 

 فراغ  / حسن حصاري

 

وحين التفتُ اليَّ

رأيت الطفل المهتاج أنا

من بعيد،

يلوح للفراغ

يتلاشى فقاعة في السراب

أدركت أن روحه

من روحي،

لم يقترب

يعانقني طويلا

كما عانقته أنا،

لم يقترب

يحدق في عيني

يرى صورته القديمة

كم عاثت بها تجاعيد الحنين.

أتناسى أم تناسيت

كنا معا

بلون الربيع.

ألوح للطفل

ألوح

بكل غصات اشتهائي

فتجرني الخطوات السريعة

تبعدني عنه،

وعني

تجرني نحو الفراغ.

 

حسن حصاري – المغرب 

 

 

mohamad aldahabi2وصار الوضوء قدحاً من دماءْ

يغسله النهر عند الصباح

ويغسله الماء عند المساء


 

نهر / محمد الذهبي

 

من الوف السنين

يمر سريعاً

يمر بطيئاً

لافرق يجري بلا كللٍ كل يوم

ويسقي الكثير الكثير

ويبلع ماشاء اوساخ هذا الوطن

يمر مرور الكرام

مدن لاتنام

ففي الليل تستهلك الماء

وتستهلك الماء عند الصباح

وصار الوضوء يكلف هذا النهر ماءً كثيراً

وصار الوضوء قدحاً من دماءْ

يغسله النهر عند الصباح

ويغسله الماء عند المساء

صفات الجنان تحوم عليه

وتكسب ذا النهرقدسية لاتزول

يقولون دجلة يوم القيامة يزدهي يسقي ماشاء من ملائكة او اناس

ويسقي الشياطين

يطفىء ماشاء منهم

يقولون ان المياه الشحيحة في الاواني الصغار

اجبرت من تريد

ليرحل نحو العراق

بلاد السواد على عثرة من جمل

فرسخ ... فرسخان

وضبة سيف صقيل

صقلةٌ بالسيوف وتبقى المياه لدينا كما في الجنان

مسكوبة بين هذا وذاك

وفاكهة ماتشاء العيون

وحوراً سيبقين رهن الاشارة

ندور عليهن في ليلة واحدة

فيختلط النسل اذ ذاك حتى تلقح تلك الرياح جميع النخيلْ

ولكنه يظمأ النهر حتى يلين

فتأخذه رعشة من بكاء

فيملأُ مابين ضفتيه الحنين

يعود فيضرب جرفيه

يفيض يدمر كل القرى

ومن ثم يسحب ماشاء تلك المياه

تعود سريعا الى جانبيه

لكنه هذه المرة يبكي اشتياقاً

ولايبكي من فرط بعض الحنين

يبكي المزابل في راحتيه

 

hamza alshafiسأعود حتما سأعود،

عندما تكبر صخرتي

وتشتد صرختي،


 

صرخة الهامش المنسي / حمزة الشافعي

 

اليوم حجبوا حلمك يا طفلتي

وغدا ستحاصر صرختي،

وما بين حجب وحصار

ستكبر صخرتي،

وتشتد صرختي،

فاعدوا للاحتضار

يا أغلالا من نار

واستصغار...

***

أن أمشي في أحلام أبنائي

دون قيود وانتظار،

أن امتد في عروق تاريخي

دون شرط أو اختصار،

تلك كانت صرختي ولا تزال،

فاسألوا أنفاسي التي تأبى الامتثال...

***

طفلتي، لما "استعجلت الرحيل"

والصبح يلتهم الليل الكئيب؟

زفرتي، لما أزلت بند الصياح

حتى استبدل الاحتفال بالأتراح؟

سأعود يوما ما سأعود،

فاسألوا هذه الجبال من حولي

كم فجرت من صقور وأسود

تجهل تعاليم الانبطاح والارتعاد،

وتحفظ آيات الحب والإباء...

سأعود حتما سأعود،

عندما تكبر صخرتي

وتشتد صرختي،

فاعدوا للاحتضار

يا أغلالا من حديد

وإهمال...

حمزة الشافعي

تنغير/المغرب

karim abdulahللحربِ سعادة ٌ متغطّرسة ٌ في وطني وسُرَف ٌ خاكيّة ٌ بـ لونِ الحزنِ زغبُ العصافيرِ مذ ْ كانَ غطاءَ الوردِ أصبحَ فجيعة شهيّة بينَ ثدييها  في ولائمِ السلاطين وأشلاء اسلافي رهينة على الصراط  بلا  حنجرة تعويذتها إنتفاضة محتضنةً رذاذَ الحلم تحتَ ركامِ الدخان مدهونة أصواتهم بـ الذوبانِ مفزوعة في الهاوية شقيّة تائهةٌ تصاويرهم الباهتة الدموع محلاّة بـ الشقاءِ الطويل غارقة مثلَ أحلامِ الصبا في جحيمِ الحرمان مثيرة دليلهم هذا الأنين مستقرٌ على عتباتِ طلاسمِ الأبوابِ المرتجفةِ هلعاً النورُ إنسكاب بريق العيون الجاحظةِ وراءها طافحة المشاعل لونها ذابلٌ كـ طبولِ عواصف حقولِ الأمنيات اللذيذة . واقفٌ أنظرُ فجراً يتلاشى اجمعُ خيوطهُ الواهنة تتكسرُ شهقاتُ الأزمنة تهربُ ألوانها يفزعها قسوةُ الرمادِ يتوارى تغلّهُ تضاريس التوحّش تستشرسُ تقضمُ خارطة ملامح مصائري لا تبرقُ مفاتنكِ لا تترجلُ لا أتنعّمُ بـ بريقها الطريّ لا تشقّينَ هذا الليل لا أريدُ إحتمالاتِ زلزلةِ الأختفاء لا تعي هذيانِ الإشتياق الطائش لا أمطاري العاصفة تحنو عليها بذوركِ الملتهبة لا تشقّينَ أرضكِ الشهيّة تطربُ فيها سيولي لا غناءَ للغيماتِ في صدري لا تعزف قوافل جسدكِ الحانَ الشبقِ العاري لا يدهشني صريرَ الجسدِ المقفل بـ الصمتِ لا يلوّحُ العشق هامساً في مدننا ولا مفاتيح ترفعُ أوزارَ الخطيئة هنا . وبعدما سـ ينتفضُ الطوفان مِنْ أينَ لنا سلالاً تملأُ هذي التفاهات النافقة ؟! . كيفَ سـ نرشقُ وجهَ الخرابِ القبيح في نفوسنا المتعبة ؟! . هل سـ تتناسقُ القناديل في مشيتها تتوغلُ في أحلام الساحات تقلعُ آثارَ الطغيان ؟! . حتماَ سـ تلمّينَ آثارَ الهزيمة مِنْ هياكل نشيجي . سـ يضيءُ نهدكِ نوتات حزني الجريح بعدما سحقتهُ المحنة . سـ تخضَبينَ أوراقي الشعثاء بـ خمرةِ ثيابكِ المعتّقةِ تتنفسُ هديلكِ . سـ ترسّخينَ جذوركِ تعتلي صهوةِ أعماقي تخربشُ مدني الغافية . سـ يقتحمُ خجلكِ اسوارَ حصون نبيذي يغترفُ توهّجَ صهيل الرغبة . يا ( تِنِينَةَ )* الروح كمْ سـ تطفحُ الأعوام غبطة بـ مجيئكِ وتنشّفينَ ينابيع القلق .!. وكمْ سـ تحتفلُ الأرض معي تتوّجينَ إنسانيّتي خليفة على جسدكِ وتستعمريني للأبد .! .

 

 بقلم / الشاعر كريم عبدالله

بغداد / العراق

.................

* تِنِينَةَ: كلمة عامّية تستخدم للمقاربة بين سنوات العمر، يقال فلان (تنين) فلان اي عمره نفس عمر فلان .

 

ahmad belkasem2لقد قرأ ما فيه الكفاية من كتب القصص والروايات والأشعار والمسرحيات والدراسات أيضا، الآن هو على يقين تام؛ أن ما زرعه من كلام أنيق وبذيء وأحداث وكوارث وخرافات وتخاريف وسباب وغرام وخيال وجد وهزل، ضمته بين سطورها تلك الرزمة من القراطيس، قد نبت نباتا وأزهر ثم أثمر ثمارا طيبة لابد وأن يجود بشيء منها على الغير وأنه آن الأوان ليشحذ منجله استعدادا لحصاد السنابل ويعبئ السلال بما لذ وطاب من فواكه، لا سيما وأنه طبق نصيحة أساتذته بحذافيرها وهو على مقعد الدرس إن في الثانوية وإن في مدرجات الجامعة: اقرأ واحفظ كفاية من الأشعار والقصص والروايات ووو والق بكل ذلك في جوف النسيان كي تصبح أديبا أريبا. اليوم وعلى حين غرة ومضت في خاطره فكرة ساخنة محرقة كادت تأتي على مخه، إذ سأل نفسه ألا يكون النسيان، قد حول تلك البذور الأدبية إلى سماد مخصب حيوي دقيق، لبنات أفكاره ولمخزونه من المحفوظات؟ سرعان ما أتاه بالأخبار من لم يزود، وشمر عن ساعديه والصفحة البيضاء تحت رحمة يراعه ممدة أمامه ترمقه بعينيها النجلاوين، تترقب في صمت ووقار، ما ذا عساه يفعل بها. تملكته الحيرة قبل أن يحسم أمره، إذ شعر بالارتباك وبياضها الناصع يتحداه في هدوء، فكر مليا ماذا يزرع في أحشائها؟

- شعرا؟

- رواية؟

- مسرحية؟

- قصة قصيرة؟

- خواطر؟

فكر وقدر، ثم فكر وقدر، ونظر عميقا في الأمر ثم نظر، وها هو ذا يجود بفيض غلاله، وقد استلمت البيضاء ليراعه السيال في دعة ودلال..

يا له من جهبيذ صنديد، اختار أيسر وأقصر السبل لبلوغ الهدف اختار أن يكتب القصة القصيرة جدا جا جدا...!

 

 أحمد بلقاسم المغرب - بركان

 

sardar mohamad2الذكريات كرياح الصحارى تهب محمّلة رمالاً حارقة ومارج من لهب يُنفث من مناخيروحش خرافي، بعض الأحايين تكون عليلة بليلة كأنفاس العاشقين تحملتها نسمات آتية من الجبال.

ذكريات واسعة لاتنسى عن زقاق ضيق قذراتخذت فيه مياه الصرف الصحي ساقية وسطه .

عليّ الحذرعند مروري من الفوهات التي يتسرب منها إلى حوض تحت سطح الأرض يؤدي في النهاية إلى مبزل مكشوف يحد الحي .

ليلاً يحمل رجال الحي مصابيح يدوية خوف التعثر، بينما نهاراً يحمل الصبية الحجارة والحصى لقذف جرذ بحجم أرنب يتقافز بحرية فينتهي وليمة شهية للقطط القادمة من السوق في الشارع الرئيس حيث باعة الخضار المعروضة بشكل غير منتظم ويلبسون ثياباً فضفاضة تُشد على خصورهم بأحزمة جلديّة عريضة غالباً ما تكون مبللة بعصير الطماطم .

بين سلال الخضر والباعة والباحثين عن أرخص الأسعار ثمة كلاب لا يعرف عمَ تبحث، ولا يخلوالسوق من تجول الماعز والخراف الباحثة عن قشور البطيخ والرقي وأوراق (السلق والخس) .

وبرغم هذا العيش المزري إلا أن طيبة البشر والتكافل والتعاون يفوق مناطق السكن البرجوازيّة .

إبنة خالي الكبرى والتي ألقّبها اميرة الفقراء كانت تثور إذا سمعتني أناديها بهذا اللقب، وتلاطفها أمي قائلة: لا يزعجك اللقب فبعد زواجكما سيصير هو أمير الفقراء.

كانت أمي ترغب في زواجي منها في أقرب وقت، لا سيما وقد صرت مدرساُ في ضاحية قريبة من بغداد.

صارت ابنة خالي تتقرب منّي مستغلة الفرص المتاحة لتحدثني عن الحياة والمستقبل حديثاً ضحلاً لا أستسيغه فكنت أتجنبها لئلا أثيرالإنتباه، وأسرّت إلىّ أمي خشيتهامن فتيات المنطقة التي عيّنت فيها فمن الشائع تفوقهن بالجمال والرقّة وتعرف أن أمي لا تخفي عنّي أمر كهذا، فتشعرني بغيرتها عليّ .

لبساطة أمي وسذاجتها كانت تصدقها في كل ما تقول، وحاولت أن أقنع أمي بأنها تمثل الحب فمثلها فتاة متمردة لا تحب إلا نفسها، فأشارت أمي إلى أختها الصغرى ولما أبيت قالت :كيف تجازي خالك الذي احتضننا سنين؟، فأحرجتُ وأخبرتها أن ابنة أخيها الصغرى لشدّما تعجبني وودت لورُشحَت لي قبل فوات الآوان فهي واقعة في غرام ابن جارنا الشاب الوسيم والذي سيق للخدمة العسكرية ككل الخريجين وسيخطبها هذه الأيام.

توفى خالي في السجن قهراً لفقدانه ابنتيه، فالكبرى قضت ضحية مجتمع قاهروالصغرى ضحية سلطة قاهرة، وكانتا السبب الذي جعل أبي الأمي يحفزني على مغادرة بغداد تلقاءمحافظة أخرى، لكن صديق لي من الوطنيين التقدميين نصحني بالهجرة إلى الجزائر.

خالي أجهز على ابنته الكبرى بسكين المطبخ ومزق احشاء بطنها ومع كل طعنة يصرخ : أيتها السافلة خذي جزاءك ويطعن.... وطعنة أخرى ثم أخرى حتى قضت وسط صراخ أمها وأمي ونساء الحي.

صرنا حديث الحي والمقاهي والمجتمع الذي يجد في الثرثرة متعة .

 الصغرى الفتاة الشفافة الممتلئة ثقافة وسمرة أخاذة وغمّازتين في خدها التفاحي تحمل الفكر الماركسي منذ أن بدأت تعي الحياة .

سجنت لورود اسم زوجها المجنّد في خليّة شيوعيّة وهذا لا يتفق مع رأي السلطة، وأظهرت في التحقيق ذكاءً أدهش المحققين .

حكم على زوجها بالإعدام، فجعت المسكينة بعد زواج لم يبلغ عامه الثاني.

 وجدت بعد مدة قصيرة ميّتة في سجن النساء .

قال التقرير الطبي (سبب الوفاة سكتة دماغية وهي حامل في الشهر السادس) . مات طفل لم يرالنور، وتخلّصوا من عنفوان انثى عدّت متمردة بذكاء.

لم تقم أعتى الإمبراطوريات بالتخلص من الأذكياء المتمردين بالطرق اللاإنسانية، يذكرأن إياس بن معاوية دخل الشام وهو غلام في عهد عبد الملك بن مروان فتخاصم مع شيخ فقال له القاضي : أما تستحي تقدم شيخاً كبيراً فقال إياس : الحق أكبر منه، فدخل القاضي على عبد الملك بن مروان وأخبره الخبر، فقال للقاضي: أقض حاجته واصرفه عن الشام لا يفسد الناس علينا .

وثبت أنَ ابنة خالي الكبرى فاقدة العذريّة وهذا ما خلّصه من الإعدام و حكم على خالي بالسجن المؤبد إذعدّت الحالة غسلاً للعار.

 ترى كم من عاراقترفه الساسة يحتاج إلى غسل في أوطاننا العربية .

ولا أنسى قريتنا البائسة جداً التي خُلقت كغيرها من قرى العراق لتكون مثالاً لغضب الله، ومن المؤكد أني لا أكفرإذ أقول دمّر الله أكثر من قرية فسقَ مترفوها ولا ذنب للفقراء والكادحين .

بيوت قبيحة، لايحق لي أن أسميها بيوتاً وينطبق عليها وصف زرائب للحيوانات بل تعافها الحيوانات لقذارتها ووصفها بالأكواخ كثير بحقها.

 بنيت من القصب وسعف النخيل والطين لا تحمي من حرّأو برد، وسيّجت بعلب الصفيح الفارغة .

بهطول المطر شتاءً يشق في طين السقف وبين القصب أخاديداً فيقطر علينا وعلى مانملك من ملابس وفرش، فتعمد أمي إلى وضع قدورلجمع الماء المتسلل

 وتلك الليلة لا نوم فيها بسبب المعزوفات التي تخدش السمع جرّاء ارتطام الماء بالماء المتجمع في القدور وهذا العزف النشاز استثمره رجال الأمن في تعذيب المعارضين بجعل القطرات تسقط على الرؤوس الحليقة .

وبسبب تشبع جو الكوخ بروائح كريهة من مخلفات الحيوانات بدوره يخدش الأنوف لكنه لايوازي أنين أنثى حماريخدش الأسماع عند ولادة جحشاً ذا أذنين كبيرين ولولا المطر لجلبتها لترقد معنا فسبق وأن فعلتها مع معزتنا البيضاء خوفاً عليها من جفاف ضرعها.

وسمعت أبي يقول لأمي :لو أستطيع لبنيت كوخاً تحت الأرض يقينا من تقلبات الجو، فردت ما زال الوقت بعيداً لتسكن القبر .

وعندما هجرنا القرية وعشنا في بيت خالي المتواضع في منطقة شعبيّة ولفظة شعبية هذه تزويق للفظة فقراء وكادحين وأحسست بالفارق مع السكن الذي لايمكن بأي حال من الأحوال أن أصفه بغير الحيواني وبرغم صغر مساحته فإنه يعد جنة بالنسبة لأكواخ ترقص مع أقل ريح .

2

هجرت العراق مرغماً وفتحت لنا الجزائر ذراعيها فلابد أن أتحفظ في سلوكي وتصرفاتي سيراً مع القول الشائع " يا غريب كن أديب "

الآن أسكن في حي " لا فيجري " الجميل المطل على البحر المتوسط شمال منطقة شعبية تسمى " الحرّاش " وهذه اللفظة لا تتفق مع الأحياء الشعبيّة في بلدان عربية كثيرة سوى بصخب الباعة الطيبين والأسواق ومريديها .

حي "لافيجري " الفرنسي الإسم والذي يحلو للمتفرنسات لفظة " لا فيجغي " حديث البناء والحراش اسم عربي واعتقد أنه الأحراش .

 يقع في أقصى شرق العاصمة قديم البناء ولكن ناسه تغلب عليهم الطيبة رغم شعورسكان العاصمة بأنها موبوءة بالسراق والفساد وأرى أن هذا الإعتقاد بسبب بعدها عن المركزويقطنها الكادحون ووجود سجن مشهور فيها .

ولكني لم يعتريني هكذا شعورفأنا أتسوق من أسواقها وأتعامل مع أناسها يوميّا في

الغالب، وصادقني أحد باعة الفواكه فكان يخرج لي صناديق من مستوى منخفض عن أعين الناس تحتوي على فاكهة طازجة وهو يضحك مبرزاً أسنانه المتفاوتة حجماُ، وبين دقيقة وأخرى يضع في فمه بين خده ولثته كمية صغيرة من مسحوق لا أعرف ماهو وقد يؤثر كمادة مخدرة ولكني متأكدأنه يعوّض عن السجائر الأغلى ثمناً ومن لطفه يسألني :

يا شيخ (تشم)؟، وبعد معرفتي اللهجة الجزائرية فهمت المقصود من الشم هو مص المسحوق .

يعطي الشم راحة نفسية للذي تعود عليه ومن مساؤئه يحفر حفرة في اللثة فضلاً عن رائحته المزعجة ولعدم تمكني من اللهجة الجزائرية أخلط بين الأسماء المتشابهة .

يسألني: كالعدة تريد مشماش ومشمش ومشيمشة، وصندوق من (دجلة نور).

ويوماً سألني: شيخ، لماذا تُكثر من أكل التمر؟

فقلت: أن الجزء الأول من الكلمة يذكرني بنهر دجلة وهذا التمر لذيذ وشكله يشبه المصابيح، وألحّ في السؤال فأردفت همساً

ياسي قويدر، التمر منشط للجنس . فقال وهو يربت على كتفي :

يرحم (باباك) قلها أولاً .

 أعمل هنا كمدرس في مدرسة ثانوية تقع في أقصى غرب العاصمة وعليّ أن أقطع الطريق الموازي لساحل البحر المتوسط وأستغرق ما يقارب نصف ساعة لكي أصلها .

سيارتي ال (بيجو 204) تحمل لوحة زرقاء عليها حرفا - سي تي – وتعني متعاون فني وهذه تدل على أني غريب وأخبرني صديقي فرحان أنها ذات فائدة في اصطياد الفتيات.

خلال الطريق ألمح عدداً من الفاتنات اللابسات الثياب الجذابة وكأنهن يتبارين في انتقاء آخر الموديلات الفرنسيّة ويتنافسن في تسريحات الشعرمقلدات ممثلات السينما، لكن الحيرة تبدو عليهن لصعوبة الوصول إلى مركز العاصمة بوسائل النقل العامة التي غالباً ما تكون مزدحمة فيفقدهن التدافع أناقتهن .

لم أجرؤ يوماً التوقف لأقل واحدة منهن، ولو أن صديقي فرحان الخبير بإيصال الفتيات حتى أنه يسمى "خراش" وعُنّف وأنّب أكثر من مرة قال لي:

- أتعجب منك، هن يرغن بالوصول براحة ودون ثمن .

لمأقتنع بمزاعم فرحان فهي لا تناسب مانحمله من فكر تجاه المرأة لا سيما العاملة فضلا عن الجميل الذي ينبغي ردّه إلى بلد احتضننا في حين أن بلدنا نبذنا ومع أني لا أغالط نفسي برغبتي في أنثى تشاركني حزني وفرحي وليس كرغبة فرحان لا يهمه غير مشاركة الفراش .

3

إتجهت تلقائي أربع أو خمس من طالباتي تتقدمهن طالبة نحيفة القوام صفراء الوجنات وشعر كأنه الشوك غطته بقبعة حيكت بخيوط صوفية خضر وحمر فبدت كمهرج سيرك .

كنت أبتعد عن التحدث أو الإلتقاء بالطالبات تجنباً لحدوث مشكلة أو غيبة ونميمة تودي بي لاقتراف ذنب لم أقترفه كما حصل مع مدرس زميل إذ اتهم اتهامات باطلة في تصرفاته البريئة مع طالبة وألغي التعاقد معه،

رحت اركز النظرعلى الزهر والأكمام المتفتحة لتوها عبر سور بسيط من الأسلاك الشائكة يمكن لأي شخص برفسة واحدة ازالته .

تعمدت استغفلت قدومهن بينما كنت أراقبهن من طرف خفي والحق رغبت معرفة التحدث معهن، ولما وصلن قربي وتبسمن بادرت إحداهن فأخبرتني بعدم اجتياز السور الوطيء على وفق رغبة المديرة، فقلت بسري أنا لا أرغب إلا باجتياز الأسوار الحصينة، ولاحظت أن أجملهن كانت أقلهن كلاماً وتغنجاً .

طلبت منهن عدم إطالة الوقوف خارج الصف وفي وقت الراحة فغادرنني برضا لمعرفتهن قصدي ووجود مراقبة على حركات وسكنات الطالبات، وعند خروجي بعيد انتهاء التدريس ولحظة فتحتي باب سيارتي تناهى إلى مسامعي صوت يناديني : شيخ .. شيخ . فالتفت إلى مصدر الصوت فرأيت رجلاً يلبس اللباس الجزائري التقليدي بصحبته الطالبة ذات القوام المياد، ولما تقدم وصار قبالتي مد يده المعرقة بأوردة زرقاء وشد على يدي: أنا يا شيخ أب الطالبة فاطمة الزهرة وهي لا تفتأ تمدحك في معاملة الطلبة الأبوية وتثني على طريقة تدريسك .

أجبته: أنا شاكر لك حسن تربيتك لها، وأخبرته أن المدرس في العراق نسميه " مشط " فتبسم عن أسنان صناعية رديئة الصنع فسأل: ما ذا تعنون بهذا يا شيخ ؟

- نعني به م مادة وش شخصية و ط طريقة .

- وأنت تملك الثلاثة ياشيخ .

 - نحن ننادي المدرس أستاذ ويعجبني جداً منادادتكم بلفظة شيخ لما لها من وقع تاريخي .

بلى يا شيخ، عذراً أستاذ..... مبتسماً وانفرجت شفتا فاطمة الزهرة بابتسامة بدت معها أسنانها المنضدة.

 

الفصل الثاني من رواية متشتت

لكاتبها سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا.