يحيى السماويأرْضَعَتْني لَبَنَ الإنصافِ أمي

وأبي علَّمني أنَّ ألَذَّ الخُبزِ

ما يَعْجِنُهُ من جبهةِ الكَدِّ عَرَقْ


 

قـبـل أنْ تُـدخِـلـنـي فـردوسَـهـا الأرضِـيَّ " إيـنـانـا "

وتـرضى بـيَ نـاطـوراً إذا عَـسْـعَــسَ لـيـلُ الـخِـدرِ

والـفـلاحَ فـي بـسـتـانِ واديـهـا

إذا الـصـبـحُ إئـتـلـقْ

*

قـالـتِ :

الـعـشـقُ مـواثـيـقُ

فـلا عـشــقٌ إذا لـمْ تـحـفـظِ الـمـيـثـاقَ مـا أشـرَقَـتِ الـشـمـسُ

ومـا آذنَ بـالـنـجـمِ الـغَـسَــقْ

*

لـيْ تـعـالـيـمـي الـتـي أوصـى بـهـا

ربُّ الـفـلَـقْ :

*

لا تـكـنْ ذِئـبـاً عـلـى الـظـبـيـةِ والـظـبـيِ

ولا سَــبـعـاً عـلـى الــشــاةِ

ولا إنْ شَــبَّـتِ الـنـارُ وَرَقْ

*

ومُـبـيـعـاً ذهَــبَ الـعــشــقِ إذا جُـعْــتَ

بـصـحـنٍ مـن شَــبَـقْ

*

لـسـتَ مـن مـمـلـكـتـي

إنْ كـنـتَ تـخـشـى مـتـعـةَ الإبـحـارِ

خـوفـاً مـن غَـرَقْ

*

وتـغـضُّ الــطَّـرفَ عنْ شــوكٍ يـقـي وردَكَ

مـنْ مُـبـتَـذَلٍ إنْ " ظـفـرَ " الـودَّ

فَــسَــقْ

*

لا تـمُـدِّ الـيـدَ لـلآفِـكِ والـمـنـبـوذِ

والـكـامـلِ نـقـصـاً

وسَــفـيـهٍ ذيْ مـجـونٍ وحَـمَـقْ

*

ولـئـيـمِ الـجـذرِ والـغـصـنِ

فـإنَّ الـغـصـنَ نـسْـلُ الـجـذرِ ..

هـلْ يُـثـمِـرُ غـصـنٌ فـاســدُ الـجـذرِ كـرومـاً وحَـبَـقْ ؟ (*)

*

كُـنْ عـلـى الـجـاحـدِ ســوطـاً ..

ونـدىً لـلـوردةِ الـعـطـشـى ..

وإنْ أظـلـمَ دربٌ

كُـنْ ألـقْ

*

وكُـنِ الـعُـكّـازَ لـلـمـكـفـوفِ ..

والـدُّمـيـةَ لـلـطـفـلِ ..

وعُــشَّــاً لـلـعـصـافـيـر ..

ولـلـصـحـراءِ إنْ أعْـطَـشَـهـا الـقـيـظُ وَدَقْ (**)

*

واحـذرِ المُـرخِـصَ مـاء الـوجـهِ مـن أجـلِ بـريـقٍ زائـفِ الـلـمْـعِ

ووَغْـدٍ يـحـسَـبُ الـحِـيـلـةَ والـلـؤمَ حَـذَقْ

*

إنَّ ثـوبـاً مـن حـريـرِ الـذلِّ

أبـهــى مـنـه فـي الـعِـزِّ رداءٌ مـن خِـرَقْ

*

ورغـيـفَ الـتّـبـنِ

أشـهـى لأبـيِّ الـنـفـسِ مـن خـبـزِ الـمَـلَـقْ

***

***

أنـا يـامـولاتـيَ الـربَّـةَ " إيـنـانـا " كـمـا الـرَّنـدُ

يـنـثٌّ الـعـطـرَ

إنْ كـرَّ عـلـيـهِ الـجـمـرُ يـومـاً

فـاحـتـرقْ

*

وربـيـبُ الـطـيـنِ

لا أمـنـحُ لـلـجـذرِ إذا شــذَّ عـن الـنـبـضِ

عَـلَـقْ

*

وأنـا الـسَّـهـمُ إذا مـن شـرفـةِ الـقـوسِ

الـى خـاصـرةِ الـشـيءِ انـطـلـقْ

*

فـابـعـثـيـنـي بـتـعـالـيـمِـكِ فـي الـعـشــقِ رســولا ..

لـيـسَ عـشــقـاً حـيـن لا يَـفـتـحُ بـابـاً مُـسـتـحـيـلا ..

فـامْـطـري صـمـتـي هَـديـلا ..

ربَّ حِـيـنٍ يـعــدِلُ الــدَّهــرَ الـطـويـلا ..

وطـويـلِ الـدَّهـرِ يـغـدو بُـرهـةً لا تُـسْـتـرَقْ

*

أرْضَـعَـتْـنـي لَـبَـنَ الإنـصـافِ أمـي

وأبـي عـلَّـمـنـي أنَّ ألَـذَّ الـخُـبـزِ

مـا يَـعْـجِـنُـهُ مـن جـبـهـةِ الـكَـدِّ عَـرَقْ

*

فـإذا زغـتُ عـن الـعـهـدِ

أكـونُ الإبـنَ بـالأمِّ وبـالـوالِـدِ عَــقْ

*

فـاقـبـلـيـنـي ســنـدبـاداً سَــومـريّـاً

يـسـألُ الـلـهَ إذا أبـحَـرَ فـي بـحـرِكِ أنْ يـرزقـهُ :

نُـعـمـى الـغَـرَقْ

***

 

يحيى السماوي

أديلايد 17/8/2018

.......................................

(*) الحبق : بفتح الحاء والباء : الريحان .

(**) الودق : المطر بنوعيه الشديد والهيّن .

(***) الحِين بكسر الحاء : وقت من الدهر قد يكون عدة سنين ، وقد لا يزيد على شهرين ـ وليس الدهر كله . والحَين بفتح الحاء : الهلاك . ومن معانيه يوم القيامة .  

 

 

صحيفة المثقفلماذا تبتدي بالذم

               وتعذلني ولاترحم

وجئت تلومني جهلا

             على حبي فهل تعلم

بأن الحب للقلب

             كما الترياق والبلسم

ولست أظنه ظنا

                 ولكني هنا أجزم

بأن حياتنا تغدو

                   بلاحب به ننعم

بلا حلم نؤمله

           كما الظلمات بل اظلم

وإني عجبت يا حرفي

             لماذا البعض لايفهم

إذا كان الهوى اثم

                 جميل حينما نأثم

وإن كان الهوى حلو

           عدمتك كيف لانطعم.

***

 

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

 

 

عبد اللطيف رعريمُصَادَفة

بعثَرتُ أقْلامِي فِي مَخْبأةِ العُمرِ

وعِرتُ الألوانَ الباقِيةَ مِن بؤسِ الطُفُولةِ

آخرَ بَصّةٍ حَزينَة

لتملُكِي للحَيرة فِي قبضَةٍ نِصْفُها الجُنون

وهَذا الاهترَاءُ يلوِي شُموخَ الجِبالِ

وهَاتهِ الثّمالةُ النَّاكِرةُ لمبْدئ الاستِقامةِ

تُخلدُ فِي أعتَابِي هزُّات الالوَاحِ...

مُصادفةٌ أنِّي هُنا..

أرجُوانِي المظْهَرِيَّة يمكُث ظَهرَ الحِربَاءِ

أغْرِي الوُلاةِ بِسَلامَة الآتِياتِ

وأفْضِي بِأوْهامِي عَامَةَ النَّاسِ

ومَالِي والاصْبَاغ حُيالَ شُرُود الأرْواح

ومالي وَضَياعِي بيْنَ القُبُورِ

أذرٍفُ الدّمْعَة ...

اطْفئُ الشّمعَة ...

وفِي وِفاضِي علَى الدوَام ِلسْعَة

وتِلكَ البَوابةُ بحَجْم امْتِدادِ الحِبالِ

من يُحْكِيها تخَارِيفَ النَّظمِ بالعَلنِ

ويَرخِى هَوَى شَياطِينِ القَصْرِ

فَطُوبى للِطُرقاتِ بخِتامِها ...

يعبُرها وطُوبَى لمنْ

مستعد مُقارعةَ اللّيل ببياضِ صَخرةٍ باكِية

ما حرّكها ماءُ الوادِ ي

ولا بلّلهَا بكاءُ القمرِ...

مًراوغٌ بالدليلِ والبُرهانِ

هذيان الأسْماء التِّي سمّيتُها...

والألْوانُ التِّي غيّرَ الرمَادُ شَداهَا

والاقْدَاحِ بِطَفحِ الصِّياح مَلْهَاهَا

ومَا نالتْ مِن قدَاسَة السّماء غيرَ التَّشْهيرِ بِعظمتِها ...

بعثَرتُ من حَولي فُضُلاتَ جَسَدِي

لأنفِي عَن جَلالِي تهْمةَ البلَاءِ

وأعمِّر أكثرَ ردحٍ

حتَّى أهَدِدُ بالموتِ أصْنافًا لا تَمُوت ....

وقبل انشِطارِ الفُلكِ الزَّائغِ الى عَينين

عينٌ ترَى ما يُرى...

وعينٌ مَا يُرى تُغريه بالنّبلِ

أيقظت فتنة الشوقِ بينَ أزِيز الرِّيحِ

وَظِّلِ الجِدارِياتِ

وأدَمتُ شَفاعَتِي عَلى أجنِحةِ الطَّيرِ

فتوَحّد تْ بين أنامِلي الأجْسَاد

ورْدَةٌ   متَناهِيةُ العِطرِ

فانكَمشَ وَهجُ الاحْرفِ المُخاَطَة بالبَديعِ

وَمَشيْتُ أكثَرَ مِن ورْطَةٍ

أبعثرُ أشْلائي مِن انسِلالِ الخَيطِ الأولِ

حتَّى مُستهَلِ الدّهشَةِ

كُل الأشْياءِ بالمَخبأ تَرتعشُ لدَورَتِي

وَكُل الأشْياءِ بنَصِيبِ خَطِيئتِي

وَما تُمْليهِ العَينُ ترْديهِ الطّعنةُ لغْزًا

فيَفرُ سَرابُ التُّحفِ

وتَفرُ مَعَ التُّحفِ أخْرياتٌ بِلمْسِ الشعَرِ

وَمَا تَدنّى مِن سَتائِرِ الشًّوقِ

وَمَا جَرّبناهُ بصَوْلةِ التَّحَكُم

وَمَا رَتّقنَاهُ مِن زَلاتِ المَاضِي

كَشْفٌ هَادِئ لِنرَممَ أعْطابَ القَدرِ

فِي وَسَط المَغارَةِ ....

والكُلُّ مُصَادَفَة....

أنِّي بَعثَرتُ أقْلامِي فِي مَخْبأةِ العُمرِ

وعِرتُ الألوانَ الباقِيةَ مِن بؤسِ الطُفُولةِ

آخرَ بَصّةٍ حَزينَة

فَطُوبى للِطُرقاتِ بخِتامِها ...

وطُوبَى لِمنْ يَعبُرهَا.

***

 

عبد اللطيف رعري /مونتبوليي فرنسا

 

 

عقيل العبودبملامح صفراء ووجه مستطيل تعلوه حمرة برتقالية شاحبة رُسِمَت خطوطها بمكياج صباحي عجول، هنالك عند زاوية من زوايا طاولة قريبة الى الملفات، بقامتها القصيرة وخصرها النحيف، تلك الاوصاف التي جاءت متجانسة مع سيقانها المقوَّسَة، وصوتها الخشن، اتخذت مكانا للوقوف منشغلة بكيلِ عدد من الاتهامات لأحدهم. اولئك الذين باشروا عملهم الصباحي.

راحت تنصت بفضول وقح الى احاديث بعض الحاضرين، بينما أطلقت العنان لنظرات عينيها الجاحدتين، وشفتيها المتهدلتين الممزوجتين بلعاب، أوبصاق يصاحبهما دائما، لكأنها تشم رائحة ما.

جلست دون استئذان بين زميلتيها رغم مزاجها العكر، كأنها لا تريد إضاعة فرصة لمعرفة نوع الحديث، بما في ذلك ردود الافعال، وكأنما مسؤولية ثانية أنيطت بها لنشر تقرير اخباري حتى عن انفاس من معها.

المكر ارتبط، بكيفية أدائها في إلتقاط هذا الحديث، اوذاك، مضافا اليه بعض الشائعات؛

حيث بإسلوب ما تـُسْتَنْفَذُ طاقة مَنْ يتم إستهدافه، بعد إيقاعه، اوالإحهاز عليه، ولو عبر إسماعه، كلمة مستفزِّة واحدة، ذلك كما إطباق انياب افعى سامة على ضحيتها.

ذو الابتسامة العريضة، كعادته دائماً، صرف أنظاره بعيدا، تجنبا لرؤيتها، كلماته بحذر راح يرسمها، مع تأمل لا يخلو من استغراب خائب ومقارنة بين ما يسمعه كل يوم من تصنيف وتعليق عنها، وبين شابة خجولة أضاء بها رؤيته وفقا لتفاصيل وملامح تسكن في ذهنه عبر فضاء آمن، وهي تسري كالملاك وفقا لبريق روحها المعطر بأنفاس عالم ملائكي.

الصورة انه تعبيرا عن احساس سالب، وتلافيا لما يحيط به من مفردات يومية، وتجنبا لشئ يضايقه، ابتعد عنها صاحبة الحقيبة الإخبارية، ذلك اللقب الذي اطلق عليها بعد ان أشاعت خبرا عن لقاء موظفة مع موظف في مطعم ما، والنتيجة ان مشاجرة بين تلك الموظفة وبينَ زوجها قد اتخذت منحى خطيرا، أسفر عن استقالة تلك الموظفة.

وعلى ذات الشاكلة، بقيت تلك اللحظة تنذر بالخطر بعد ترويج لقطة صورية عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي، حين تم تداولها من قبلها بغية الإطاحة بين زميلتين معها.

لم يكن احد يتوقع ان هذه التي تم نعتها بمسميات مختلفة والتي تبدو وكأنها طالبة في المرحلة الإعدادية، مطلَّقَة، وأم لطفلة بعمر ال سنتين.

احدهم أطلق تعليقة دون تردد وبصوت عال، "زوجها محق في طلاقها"، بينما قال الثاني ممتعضا" هذه افة، وليست من صنف الْبَشَر"، اما الاخر فقد وصفها بالإرضة.

والوصف الأخير تسمية، أحبها ذلك الجالس بعيدا، بعد مطابقته على جميع مفردات سلوكها حتى مشيتها.

لذلك الملاك، تلك الملامح التي تمسَّكَ بها صاحبي، كوسيلة للإبحار في شواطئه الآمنة، همس بإذنه مشيرا اليه كما عبر إيعاز سماوي، راح يحلق به بعيدا نحو زرقة هادئة، هنالك مع الملائكة، اصطفت جميع الأرواح الطيبة مبشرة بواقع جديد، بينما تساقطت جميع الأوصاف الخبيثة، راح يتمتم مع نفسه متجاوزا مَنْ حوله، هنالك لا يوجد هذا الصنف من البشر، كرر مع نفسه مرة اخرى، سمع الصدى لوحده، ذلك كان أشبه بإيحاء يأمره بإقصاء هذه المخلوقة التي اختلف الجميع معها، لعلهم اصحابه يستعيدون بعض طاقاتهم التي آلت الى الفتور بسببها.

 

عقيل العبود/ساندياكو

 

 

صحيفة المثقفللبلاد التي البستني حزنهاالعتيق

وملأتني عشقا

.....................................

ياغايةً من دونِها البحرُ

                           غَرَقٌ وصالُكِ والنوى قَفْرُ

كُلُّ الدُّروبِ إلى هَواكِ لظىً

                           أبوابـها وتـُرابُها جـــــــَمْرُ

ليلٌ مُريعُ الصَّمتِ يَسكنها

                           مُرُّ السُّهادِ ومَاله فــــجـْرُ

مَزروعةٌ رُعباً عواصِفُهُ

                           تَطوي المَتاهةَ والمدى سِرُّ

تحبو على جُرحي مخالبُها

                           ودمي إلى إشراقِكِ الجسْرُ

                           ***

ياغايةً دربُ الوصولِ لها

                           عَطَشٌ وبئرٌ ماؤُها مُــــرُّ

                          

غَلَّقتُ أحلامي وقد نَضُبَتْ

                           فيها ألهواجِسُ وانجلى ألأمْرُ

ورأيتُ صحراءً يطولُ بها

                           خَوفُ الظنونِ ويلهثُ الفِكْرُ

ومشيتُ مصلوباً على أملٍ

                           أنْ يُسـتردَ بقـربِكِ العُــــمْرُ

أسري بركبِ العُمرِ مُحتسِباً

                           لكنَّ صدري في السُرى ظَهْرُ

مبتورةٌ كـَـفـّي أنامـِلُها

                           قلمَ ألتوجُسِ والدّ ما حِـــــبْرُ

قِرطاسُها ضوءٌ أعيذ بهِ

                           تَهويمَ ليلٍ عافَــهُ ألبــــــــَدرُ

لكـــنَّ كفَّيكِ تجيءُ وقدْ

                           أضحى رُغاماً فيهما ألتِبْــرُ

فَيضُجُّ مِلءَ اليأسِ فيَّ صدىً

                           أينَ ألثوى وإلى متى السيْرُ

         ***

وتتيهُ قافلتي فيُرجِعُها

                           مِن مُقلتيكِ بخاطري سِـحْرُ

منذورةٌ روحي على ظمإ

                           بالحزن يسقي أرضها ألهَجْرُ

لولا فؤادٌ تستريحُ بهِ

                           عيناكِ يُسعفُ جُرحَهُ ألصَّبْرُ

لإختارَ جُرفَ الموتِ شاطئهُ

                           إذ لا يُرى في بَحرِكِ البـــَرُّ

جُرحٌ بهِ ما كنتُ أجهلُهُ

                           أو كُنتُ أنسى أنَّهُ ألنـُـــــذرُ

شرِبتْ صُخورُ اليأسِ من دَمِهِ

                           حتى ارتوتْ فتكلَمَ الصَّخْرُ

 

د. أمجد السوّاد

..........................

ملاحظة:

ابقيت امرين فيهما خلاف وهو الاشباع في البيت

لكنّ كفيكِ تجيءُ وقد: فالوزن يختل دون اشباع الكاف في كفيك. ورأيي هنا (نتيجة لموسيقى الجملة كلياً) فانها تكتب (كفيكي) وهي مجرد قناعة موسيقية.

والثاني في اسناد البيت

والى متى السّيرُ : ففضلت ابقاء البيت على ماهو عليه كون المعنى يختل كثيراً في التغييروكون الموسيقى هنا (في رأيي) لا غبار على جماليتها.  

        

 

نور الدين صمودفريضة الحج،

طُهرة للنفوس والمُهُج

...............................

الحمدُ للهِ مَنْ بالحـج طهّرنـي

                     ومن بزوْرَةِ بيتِ الله شـَرّفني

والحمدُ للهِ غفّــار ِالذنوبِ لنا

                   ومَنْ إذا شاءَ للفردوسِ أدخلني

غسلتُ أوضار ما قد فات من زمـن ٍ

                 كأنني لم أكـُنْ أذنبتُ في زمَــنِي

يا مَنْ، بنورِ الهدَى، مِنْ فَيْضِ نعمته،

               على طريـق من الإيـمان، سَيّـرني

لك اتجهتُ بشـكر وهو ليس سِـوَى

           غيضٍ من الفيض مما كنتَ تمنحني،

فالحـمـدُ للهِ ربِّ النـاسِ أجمعِـهمْ

                 والكُـلُّ يَحْمَـدهُ في السِّـرِّ والعَلـَنِ

والطـَّيْرُ تحْـمَدُهُ في الـجـوِّ سابحة ً

               ويَـرتجي الحِفظَ منه راكِبُ السُّـفُنِ

في البـحـر يدعـوه إمَّا ثار ثائرُهُ

                 وراح يسأله والقـلبُ فـي شجَـنِ:

الحَـمْـد لله فـي بَـدءٍ ومُخْـتَـتَـمٍ

         على الذي ظـلَّ، طـولَ العمْـرِ، يَمْنَحُني

ولو مضـيتُ مدى الأيام أحــمَدُهُ

           لكنتُ قصَّرْتُ في شُكري على المِنَـنِ

ربي بمِا في َيَقـيني من ألُوهَـتـِهِ،

             ليْسَ الذي، هو يومَ الحشرِ، يَخْذِلُني

فلْنـَسْـألِ اللهَ نُورًا نَـسْـتَضيءُ به

               لِيَهْـتدي كـلُّ مَنْ قد ضل مِنْ زمَـنِ

والنـاسُ قاطـبَـةً للهِ قـد خَـضعوا

                     وإنْ تَكَبّـرَ منهُـمْ كلُّ مُـفْـتَـَتِـنِ

فاغـْسِلْ، بـِتـَوْبَتِهمْ أوضارَ حَوْبَتِهِمْ

               وطـَهِّـرِ القـلبَ مِمّـا فيه من دَرَن ِ

ويَحْمَـدُ اللهَ حتَّى مَنْ طَـغَى وَبَغَـى

       وصارَ أعظـمَ من (سيف ِابْنِ ذي يَزَن ِ)

يا ربِّ أنعـمتَ إذْ أعْـطيتـني مِـنَـنًا

             فـَوْقَ الذي كُنتُ قـدْ أمَّـلْتُ مِنْ مِـنَنِ

واجْعـلْ بكـل دروبٍ الناس قاطبـة ً

           مِشكاةَ نور لكيْ تـقضي على الدُّجُـن ِ

في (سورة النورِ) نورُ اللهِ منبجـِسٌ

         من منبع الضوءِ في اليقْظاتِ والوسَن ِ

ونوره فاقَ نـورَ الشمس ساطعةً

                     وإنـما ذلك التشـبـيهُ للفـَطِـن ِ

قواعـدُ الدين خمسٌ نحن نعلمُها

                 وهي (الشهادة) أن الله أوجـدني

وكوَّنَ اليومَ من نورٍ ومن ظـُلَمٍ

           كي نستطيع حساب الوقت في الزمن ِ

(والحج كالصوم) فرضٌ لا يقوم به

               إلا مَـنِ اسْطـاعَ في مال وفي بدن ِ

(زكاة) أهل الغنى فرضٌ يُطهِّـرُ ما

                   يـبقى لمالـكه خِلـْوًا مـن الدرن ِ

ولا (زكاةَ) على من لا نِصاب له

                 وكيف تؤخذ من عانٍ وَمرتهَنِ؟

قليلَ رزق ٍعديمَ المال تحسَـبُهُ،

                   من التعفف، ذا مال وذا سكـنِ

لكنما (الصلواتُ الخمسُ) واجبة ٌ

                 على الفقير ومن قد كان جدَّ غني

تَظَـلُّ واجبة ً في الناس أجمعهمْ ً

             ما دامتِ الروحُ لم تخرجْ مِنَ البدنِ

إنّ الصـلاة عـمادُ الدين قاطبَـةً

           تنهَى عن الفحش والبغضاء والإحَن ِ

تظلُّ طـُهْرَةَ مَن زاغ الشبابُ بهمْ

             به يصيرون كالأضواء في الدُّجُـن ِ

يا موجدَ الخلق والأكونِ من عدمٍ

                 إذا قبـلتَ صلاتي فـُزْتُ بالمنـنِ

أسلمت قلبي لرب الناس خالقنا

             وجئت بالفرض وقت الحج والسنـنِ

***

 

نورالدين صَمّود

 

 

قصي الشيخ عسكرغادرت الداهية مقام ابيها لتلتقي الحاجة رقيّة. كانت ذاكرتها تحتفظ بالصورة التي رسمها عبد لها، على الرغم من اثر السنين، لاتدري لم اختار لها اسما الملكة عالية غير أنها ظنت الشيب لا يدب الى الملكات، عندها لم تجد عبد بل وقع بصرها على العاشقة المذعورة. الخبرفاجأها حقا. ظنت انّ الأجمة والطيور والسواقي والنخيل والشجر وحدها تعرف قصّة حبّهما. وفي الأيام الأخيرة خشيت من هواجسها حول شخص ما آخر غير الداهية، فمن المحال ان يخطر ببالها انّ الصبيّة ستتبع أخاها، فتطلع على السر، لتحضر في غفلة من الحظ فتشهد قطرات الدم، فقاطعت لتزيل اي التباس:

- خوفي عليه هو الذي اوحى الي. كنت احسست تغيره فدفعتني هواجسي. الفته منشرح الصدر رغم المأ ساة، اما ان يتغير هكذا فجأة، فأمر لم اكن لأصدقه.

- صدق من قال انك داهيه.

- ألم يحدثك عنا ؟

- ابدا (ثمّ وهي تلف الملعقة بقدح الشاي كما لو كانت تستعين بها على الماضي الذي هاجر فجأ ة، فتعلقت به كلّ تلك المدّة، وعاد اليها هكذا من دون مقدمات). قالت:

- كنت تسمعيننا يا غالية!!

أجابت الداهية بحسرة شدّ ما أخفتها خشية على الضيفة:

- ربّما فاتتني اللقآ ت الأولى.

ايّ جرح تنكؤه الآن الغالية، ولم جاءت في هذا الوقت بالذات، ماذا يدور بفكرها، والحاجة رقية ترى الزمن يفرّ من قلبها فيستقرّ على راحة يدها لتقرأه بعد كلّ تلك السنين. مع غير رقية لا تهتم الداهية بالتفاصيل، وها هي السنوات تتلاشى وفى صدر كلّ منهما حكاية ليست بذات نهاية. قبل اليوم التقتا لقاءات عابرة لا خوفا بل حذرا حتى استلت الداهية السنوات الطويلة المستكينة في غبا ر القلب لتفاجأها بالخبر الجديد، فما كان منها الاان تعقّب:. - لم أفهمك لحد الان؟

- ستفهمينني بعد ان تنتهي من حكايتك.

نظرت اليها نظرة طويلة:

- ألن يكفي ما قلته؟

- حدّثينى عن كلّ شئ

بعد تأ مّل بعيد:

- وما نفع الخصوصيات؟

وأعرضت لحظة عن الكلام، فبادرت الداهية:

- حتى الخصوصيّات تنفعني.

لكن ماذا تقول والحبّ يأ تي فجأ ة؟ عنيفا كفيضان عا رم اجتاح نهر جاسم ذات يوم، بل اقدم من كل التواريخ. تلك الأيام تجرّأت وطاوعت قلبها، وحين يأتي الحب تتغيّر الاشياء… فجأة يصبح للحياة طعم آخ. يذوب الخوب، والوحشة تزول، وتبقى المظاهرالحلوة فقط. للماء وهو يلامس شفتيها حلاوة تغزو القلب. مشت، وليس الطريق كما هو كل يوم، عينا ها تبصران ارضا جديدة وسماء ناصعة الزرقة. دنيا لا تعرف الالم والحزن كل ما في الارض يرقص ويغني. النجوم كل ليلة يأتين اليها يلعبن معها حتى يشرق الفجر ثمّ يصعدن الى السماء، فأيّ جرح جئت تنكئينه يا داهية اليوم، ومن قبل سمعت عنك رقية وانتم عائلة ناقصة: رجلان وطفلة، فليس من المناسب ان يزار بيتكم من قبل النساء، ثم عرفت عن طريق والدها أنّ عبد يقرأ ويكتب، وببال الحاج فكرة أن يعينه كاتبا عنده لئلا تشعر العائلة الجديدة بالغربة. الخطوة تدفعهم ان ينضووا تحت جناح العشيرة، وربّما دفع رقية الفضول فذهبت الى المكبس. هناك ابصرته بين العمال. وللحب لحظة سابقة على اْيّ زمان كان. ما زالت تعيش تلك اللحظة. خدر لذيذ. تيّار دافيء يفوح في الجسد وقت الشتاء القارص. ، وفي اللحظة الاؤلى كل السحر والفتنة. كان يقطع الممر الفاصل بين العمّال والعاملات، يملي عليهم اْوامر الحاج. في صوته حدّة وليونة، وقبل ان تسحرها عيناه، وقامته جذبتها قسوته الحلوة. شيء لم تجده في شباب القريّة. الى الان لا تدري ما هو. شيء سهل يلوح على الالسن غير اننا لا ندركه. كانت قد سمعت عن بعض مغامراته فاْعجبت بها. بعضهم قال انّ العائلة هربت من الاهواز بعد هزيمة الشيخ خزعل وتخفت خوفا من قسوة الشّاه الى ان يسّر االله لهم الوصول الى بيت جوك، والشك يحوم حول عبد الذى كلف باغتيال ضابط ايراني كبير، ومنهم من رآى، خاصة بعدالحدث التالي الذي شد رقيّة واذهلها، انّ العائلة بالاساس تركت بادية الشام لنزاع بينها وسلطة الفرنسيين، فاندمجوا مع الناس في بيت جوك وتخلّوا عن مذهبهم الأصلي. لذلك غير سلوك عبد الأخير الحكايات الاؤلىالتي ارتأت هربهم من نزاع عشائري. ذات يوم حضر جابي الضرائب ومعه شرطيّان، الحاج عبّاس يدرك تماما انه كلما حلّ في الناحية مدير جديد اظهر القسوة في ايّامه الاؤلى ولا بدّ من مرور وقت تلين فيه عريكته، فكيف يتطاول جابي الضرائب على الحاج، ساعتها طار عبد كالصقر، مثلما قالت العاملات، وجذب الرجل من تلابيبه، ثمّ لطشه باّحد الشرطيين، وهتف، وهو يمسك يد الشرطيّ الاخر، مانعا ايّاه من ان يسحب سلاحه:

- لم اضربك او اعتدي على جلال الدولة لكن وراْس الملك سأقتلك اذا تطاولت على الحاج.

وسرعان ما صارت الواقعة حديث القرية، واخضرّت وورّقت، وأزهرت، حكايات أخرى، ولاح النّشوة على وجه الحاج الذي سارع ولفلف القضية، فانقلبت العداوة، بينه، وكبير الناحية، بعد حين، الى صداقة حميمة. ولعلّ الطفلة تذكّرت الحادث، وسمعت الاب يحذّر ابنه :

- لا تعد الى القتل. لا يدفعك الغضب اليه لا بوجه حقّ ولا بوجه با طل.

اما رقية نفسها فقد رأت أباها الحاج يقبل عبد بين عينيه، ويذكرللحاضرين أنّه يعدّه واحدا من ابنائه، وبغض النظر عما جرى، فا نّها تعلّقت به يوما بعد يوم، ولأجلها هي انهمك في العمل بأ قصى جهد حتى اصبح يمين الحاج وساعده، يراقب العمّال.. يضبط المواعيد.. يدقّق السجلات.. يصرف الاجور والمكافآت. يوما عن يوم مهام عبد تكبر، وكانت رقية تراقبه وتزداد به هياما والحبّ على سعته يضيق بالعاشقين، فما أصعب أن يلتقي عاشقان في قرية صغيرة مثل(بيت جوك)، بل ما أصعب لغة العيون. كان الوقت ظهرا، وقد فرّت الىالحقل الواسع، شأ نها كلما أرادت أن تسرّي عن نفسها. اعتادت ان تذهب الى الطرف الآخر جنوب نهر(الكودي)، تراقب النعاج وهي تلتهم الحشائش. امتد بصرها باتجاه الساقية الى قنطرة (الحورية). في هذا المكان بالضبط خلعت أوّ ل سنّ لها وتحدّثت مع الشمس. لم تعدإلا صبيّة عمرها خمس سنوات تركض بين الغنم، تلعب، وتضاحك الصبايا، تمدّ يدها الى لثتها، وتلمس سنّها، فاذا به يسقط في فمها : ثرسي ثرسي. الصبايا يأ خذن بيدها، وهن يضحكن مقلدات كلامها: ثرسي ! درداء! ايتها الدرداء، كم عمرك ياعجوز الخير…تعالي قفي فوق القنطرة، وارمي سنّ اللبن الى الشمس..... كالوزة تهادت، وهي تغنّي بلكنتها الجديدة، وعيناها تقبلان الشمس:

يا شمس يا شمّوسه يا حلوه يا عروسه

هاك سن الحمار واعطيني سنّ الغزال

سنها طار في الهواء، ثمّ سقط في الماء أسفل القنطرة، وصدقت الشمس وعدها، فجاءت أسنانها كاللؤلؤ صافية، ناعمة كالحالوب، وللسنين دورتها التي لانحس بها حتى نستفيق في يوم ما على حدس جديد يأخذنا الى حلم آخر كأ ن يكون شيئا ما لايخطر على البال قط، واذا بها تنتبه الى نعجة تجمح نحو بستان دوسن، همّت ان ترفع صوتها لتنبه الراعية التي استظلت تحت شجرة سدر، ثمّ استثنت. يمكن ان يكون قلبها ردعها، ليس غيره يأمرها الا ترفع صوتها، فتطيع. بعد تردد قفزت الى الساقية راكضة خلف النعجة.. هكذا استعانت بقلبها، وكأ ن كل شيء يسير لموعد سابق من الطفولة يوم خلعت ضرسها، وتكلمت مع الشمس الى حيث فرّت النعجة، هناك عند قنطرة الحورية قابلته عائدا من(المكبس)، وفي حمى اللقاء الأول تموت الكلمات على الشفاه. احمر وجهه وارتعشت شفتاه. الفارس ذو القلب الحجر يذوب رقة وحياء، آلف من الحمل. كادت لولا الحياء تشهق وهي تقابله وجها لوجه. مرّت لحظات حملت اليهما نسمة من نسائم الجنة في عزّ القيظ، فانتبها الى ما حولهما، طلب منها بصوت مرتعش ان تقف عند القنطرة لتسد الطريق، ثمّ ركض خلف النعجة الى ان أدركها، ومع اوّ ل لقاء لها بـ(عبد) رأت نفسها وريثة الحوريّة، فربّما هي حفيدة تلك التي اكتشفها أحد الملالي ذات ليلة ولمجرّ د ان انبلج الصباح حتى تراقصت الحكاية على الشفاه وحملتها، من بين أوراق الشجر وغناء الطيور، الرياح الى البيوت والآذان. كان الملا عائدا في احدى ليالي رمضان من مجلس امتد الى منتصف الليل، وقد اهتدى على ضوء النجوم المتراقص فوق السعفات، واذا به يفاجأعند القنطرة بالمشهد. ارتعب. كاد قلبه يهبط الى رجليه. ليس معه ايّ سلاح. قاطع طريق او هو (الطنطل) الذي يضع عصا في دبر أيّ عابر سبيل ثمّ يركب ظهره ويحرث عليه الى بزوغ الفجر. هذه المرّ ة جاء الصوت عذبا رقيقا رخيما بلغة لا يفهمها البشر، والملا ينظر، ولا يشعر بالوقت الذي سرقه الى ان شحبت العتمة، رويدا رويدا اطمأنّ قلب الملا.. وزال عنه الخوف، هو في الجنّة. المكان مفتوح أمامه. الحوريّة تمتطي القنطرة كالفارس. شعرها ينسدل الى اسفل ركبتيها. وجه نورانيّ رائحة ياسمين، عنبر يذوب. والحورية تضرب بيديها وتدفع راحتيها نحو الملا:

يا ملا ياعلوان قنطرتي من ريحان

تاخذها من عندي تعطيها للحلوة

قنطرة الملا او الحوريّة لا يهمّ، بل المهم انّ رقيّة التقت عبد عبد، هناك على انفراد، فعرفت أنّها ورثت القنطرة بعد تلك السّنوات من الحورية. لحظات دام اللقاء، مع ذلك كان الحلم الجميل يضمّ جنحيه على قلق، وهواجس أقرب الى المحال، لأنّ مهام عبد الكبيرة واعجاب الحاج به لا يغطيان نسبه المجهول. القرية ترى الثلاثة غرباء عنها، آوتهم في ظرف غامض، وكم من مرّة ترددت، وهي تسأله:

- من انت حدثني عن نفسك،

فبدا كما لو انّ صدره يضيق وخيّل الى الأب الشيخ انّه يتمرّد، فالسؤال بحد ذاته كان مفاجئا:

- لماذا لاتفكّر بالزيارة ؟مجرّد زيارة!

فتساءل الشيخ بحزم:

- هل جدّ شيْ ما؟

- قلت زيارة لعلّ الأمر يتمّ على خير.

- بيتنا هنا. وطننا هنا. مأوانا هنا الم تشتر بيتا؟

- لا يكفي. الناس يسألون من نحن؟

- يكفي انّك تعرف من انت.

- حتّى الغجر لا يأنفون من ذكر اصولهم.

- لكنّ للضرورة احكامها.

في عيني عبد شيء ما، التردد، الخجل.. الخوف.. من الشيخ.. وقبل ان يفلت الزمام من الشيخ لجأ الى لغة التحذير:

- اسمع يا عبد. بكفيك ان تفهم لغة الاشارة. انا ميت. معكم ولست معكم، فالأعداء قتلوني ولم يقتلوني.

على ايّة حال عبد يتغير يوما عن يوم، يزداد شرودا، وتنقلب حدّته الحلوة المعهودة الى ضيق صدر. في السابق لم يكن ليجادل الأب الشيخ، فبعد الاستقرار في بيت جوك، انصرف الشيخ الى تأملاته وصمته. اعرض عن الكثير، ونطق كلمات تنبع حكمة صافية ومعرفة، والمفروض ان يميل عبد الى الاستقرار بعد كلّ ما حدث، وللمرّة الاؤلى تعترف رقية لأحد انّها كادت تطاوع عبد، فأدركت الداهية ايّة كارثة ستحدث في بيت جوك فيما لو طال العمر بالابن. غاية ما انصرف ذهنها اليه انّ اخاها يزوغ الى مكان خرجوا منه ان حالفه الحظ واهتدى اليه فيخلط الاوراق من جديد، وما كانت الصورة لتكتمل في ذهنها لولا اعتراف الشيخ قبل ان يموت، والسرّ الذي باحت به لها الحاجة رقيّة. لقد انتهت حياة الاب العنيفة يوم ظنّ الناس انّهم قتلوه، ووقفوا في العتمة يلتمسون بركاته، وهو مرتد ملابس الضحيّة، فبفضل الوليّ الشيخ اهتدوا الى مجرم عنيد ومزّقوه اربا اربا،، عندئذ أدرك الاب الشيخ انّ في ظهور هؤلاء الأعداء بذرات خيرة، حتى خشي ان يطلع الفجر، فيبين لهم وجهه، والداهية، مهما شحذت ذهنها، فهي تظل لا تعي كثيرا من الاحداث، حقائق غائبة عنها، ودت ان تسأل أباها فيها، خاصة بعد ان لاذ بالتأ ملّ، لكن الوفاة داهمته فجأ ة، فضاع كلّ شيء. وإذ كشفت النقاب عن عالم الحاجة، فكأنّها استعادت ذاكرتها هي. كان لا بدّ ان تبسط عينيها الى عالم بعيد، يسري في الطفولة الى ما قبل الحلول بأرض بيت جوك. ذكريات اجبرت عليها نفسها، وهي تنصت الى الحاجة رقيّة. كانت طفلة عمرها ثلاث سنوات فقط. فتحت عينيها على زمن الرحيل، والعنف، وكا ن فارق العمر كبيرا بينها وبين أخيها عبد. تكاد تكون ابنته، فمن هي امّها، ومن هي امّه. ربّما ينتميان الى أمّ واحدة، ولعلهما من أُمّين سباهما الشيخ نفسه، أو.. بالتبنّي، لم يحدّثها عن امّها رغم التصاقها الشديد به، ولم تسمع من عبد حديثا يخص الموضوع، لو امتد العمر بهما لأثارت الحديث، كان الشيخ لهما امّا وأبا. كانت تجاهد شوقها في ان تعرف كلّ التفاصيل واذا بها تودّ لو اصابها صمم. اخوها عبد يريد ان يحدث أمرا ذا بال في(بيت جوك) كما لو انّ الاستقرار والهدوء يكبلانه بقيد ثقيل لا يقدر عليه، فلا الارض، ولاالبستان الذي ملكه يضفيان عليه هالة من الاستقرار مثلما صبغت الملابس الجديدة ولو على مضض الاب الشيخ بمسحة من الهدوء، وكما تسقط صخرة في بئر ذي ماء راكد طالعها بقوله:

- ليس هناك من حل سوى الرحيل !!!

- ماذا ؟

- قلت نرحل الم تسمعي؟

- لاأصدّق.

- إنّه الحل الوحيد.

- هل أعيتك السبل؟

- حتى لو كنت اعرف من اين جئنا لما فعلت لانني اعطيت أبي الشيخ وعدا.

ترددت في البداية، وقلبت افكارها. سرحت مع هواجسها بعيدا. اية حياة ستعيشها في احضان رجل غير عبد. تعرف سلفا لمن تكون. النمر. .. ثمّ لانت أخيرا. كانت تدرك جيدا ايّ صنف من الرجال هو خطيبها. ليس بالغريب عنها، فبغض النظر عن موقفه من أهله، فهناك رابطة الدم التي تجمعه من جهة الأمّ بالحاج ألأمر الذي جعل أعما مه يلمزونه في أثناء الوقائع القديمة بالمثل الشائع: ثلثا الولد على الخال، وقبل الكلام في الخطبة وشيوع أمرها، اعتاد الحاج عباس ان يستقبل النمر في بيت جوك التي ما فتئت تحلم بمناطحة مناطق البصرة الاْ خرى خاصة بعد حصوله على لقب(باشا). كان يبدو واسع الصدر لايستأ ثر برأيه. بارد. هاديء، والبرود والهدؤحققا له من المكاسب خلال مدّ ة قصيرة ما لم يتحقّق لغيره. كانت رجلاه في البصرة وعقله في بغداد، وحين سأ له الحاج خلال جلسة عائلية ذات مساء عن عدم رغبته في الترشيح للوزارة او البرلمان، أجابه أنّ الابواب مشرعة الآن للوجوه التقليديّة. آل الجلبي. باش أعيان. آل خضيري... انّهم أسنّ من النمر، فليتقدموا، وحين تُستهلك وجوههم، يجدهم نزلوا له مرغمين، معنى ذلك انّ المدّة تطول وسوف يبقى أطول فترة ممكنة، وعندما سأ له الحاج متى يتوقّع ذلك ردّ بثقة : في نهاية الخمسينيّا ت!. كان صبورا كالجمل يجاري أصدقاءه، وأعداءه، كلّ شيء لابدّ ان يأ تي في حينه، والمعروف عنه أنّه يحسب ألف حساب للعادات والأعراف. رفض ان يخلع الجلابية ويبدلها بالبنطلون، وتواضع للصغير والكبير الى جانب ذلك اختلف نمط تفكيره عن أثرياء شطّ العرب من ملاكي البساتين. لم يكتف بالأرض، فاشترى سفينة(دوبة) تنقل البلح الى البحرين، وتعود با لسمن، وعلى الرغم من وضوح النمر، وتواضعه الا ان هنا ك أمرا جهلت سببه قرية بيت جوك وهو زياراته السنويّة كلّ عام للندن حيث يظل شهرا او يزيد، فمن يرى أنّه يذهب لمتابعة علاج لمرض مزمن، ومن يذهب إلى أنّه ينفس ويروّ ح عن نفسه فترة الزيارة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت، وتميل طائفة أخرى الى انّه يحضر سنويّا دورة تأ هيليّة تعدّه لمنصب مرموق في المستقبل. المهمّ أنّ(النمر) كان يمثل طموح شطّ العرب كلّها في الاطلال على بغداد من شرفة نهر جاسم، ولم يقتصر هذا الطموح على مؤيديه بل يشترك فيه حتّى الاعداء الذين يبحثون عن معا يبه، ومثا لبه، وكان الحاج بمنا سبة أو غيرها يتلو على مسامع ابنته تلك الفضائل، مع اعتقادها الراسخ في انّها لاتجرؤعلى أن تقول(لا) أو تعترض، وما كانت لتريد ان تقول لا.. ابدا، فهي لاتكرهه، ولا تحبّه، وتحمد الله على انّه قريب العائله، يزورهم، فتراه، من دون حجاب، وإلا كان شأنها في الزواج شأ ن أية فتاة من بنات بيت جوك لا تعرف من هو عريسها إلا ليلة الزفاف، هي ارادة الله شاءت أن يظهرعبد في حياتها لتستيقظ كوامن كثيرة في أعماقها، فتحسّ أنّها تعترض، وتستطيع أن تقول لا أو نعم باختيارها حتى لو همست باعتراضها مع نفسها، وقد آن الأوان لتقول لعبد نعم آن الأوان. الرحيل، وليكن مايكون…

ذلك، وهي تهمس الكلمة باذن عبد، ثمّ تفلت من بين ذراعيه، وتعود عبر القنطرة، غفلت عن عينين تطلانّ عليهما، هما غير عيني الداهية، كان شبح النمر يحث الخطا بين النخيل، فيسبقها بمسافة غير قصيرةالى الطريق المحاذي لضفة نهر الكودي. ترددت تحبس أنفاسها عند الساقية، وتساءلت "هل كان هنا"؟هل سمع أو رآى؟ منذ متى وهو يقتفي الأثر؟، وحاولت ان تقتنع: ربما كان مروره عابرا. الآن البصر وقع عليه وهو يمشي أو يتخفّى بين النخيل، وما الصوت الذي قطع عليهما حلمهما وهي مع فارسها إلاّ حجلة أو طير ما انحشر داخل الأجمة، فذعرت له.

هكذا خيّل اليها وان بقي في نفسها شيء ما تثيره الوساوس. وحين هبط المساء، وعاد الحاج عباس الى البيت، قرأت العاشقة قلقا ما تخفيه سحنته الحائرة. بدا مضطربا يهمّ بالكلام، ويعرض عنه، أو يماري ان يكظم غيضه، وقال وهو يتصنّع البرود:

- غدا صباحا نستعدّ للذهاب الى العشار. سأشتري لكم ملابس ولوازم. صحيح انّ المكبس هذه الأيام بحاجة اليّ لكنّ البركة في عبد فهو بمنزلة ابني، وقد أمنته على مالي وعرضي، وهو كفء لذلك، كما أثبتت الأيّام.

تلك الليلة لا تنسى اذ جاء عبد متسللا الى البيت. الكلاب لزمت الهدوء لأنها الفت رائحة الشبح الغريب، وبعض أهل بيت جوك يطلقون على النمر لقب"كلب الإنكليز". كيف هداه أنفه الى الأجمة ؟الآن خلا الجوّ، فلا حاسد ولا عذول، هيّا.. هيّا.. الوقت يحاصرنا، أنا معك، فوضعت يدها بيده وسارا باتجاه البستان. كانت الداهية بانتظارهما. قصد الثلاثة الاب الشيخ، وامامه صرخ عبد:

أمرتني من قبل وآمرك الآن. قلت الق سلاحك واتبعني. اتبعني. اتبعني

فلم يتحرّك الشيخ قيد أنملة او ينطق ببنت شفة. كان ينظر بعينين جاحظتين، حائرتين، وسقط على وجهه من دون حراك

قبل ان يلمسه أحد. الأب مات. الشيخ.... ومن هول المفاجأ ة ضرب عبد جبهته بيده، وصرخ: أفي مثل هذا الوقت؟ ايعقل ذلك؟

وفي لحظات انقلب الحلم الى طعم مرّ: فرّت الغزالة بعيدا عن يدي عبد. النجوم عند قنطرة الحورية انقلبن الى ساحرات متلفعات بالسّواد، يلدن نجوما سوداء، وحمراء، بالوقت نفسه، يلدن، فيفرشن على القنطرة، مواليدهنّ، ويذبحنهنّ، بمخالب كالمدي، في حين راحت الجثث تغني بالرؤس المقطوعة:

آني طير أخضر امشي واتمختر

امّي كتفتني ابوي ذبحني

اختي العزيزة لمّت عظامي

وعلى انغام الرؤس بكين، وصرخن، وندبن. رحن يضربن بالدفوف. كانت بين أيدي الساحرات، وشرطهن الوحيد على النمر إمّا أن يقتلن سبيّة الحرب أو لن يتزوّجها إلاّ أن تكون عاقرا. ووافق. وافق من دون تردد، وها هي تخشى أن تنزل عليها أيّة ضّرة، لكن حلمها البغيض انقشع حيث أطلّ الفجر...

فنهضت مرعوبة،

وانسلّت بصمت...

وكا نت تستقلّ مع العائلة زورقا الى العشّار.

وفي اليوم نفسه بعد منتصف النهار، ورقيّة بعيدة عن"‏بيت جوك"، دوّت طلقة عند أجمة البردي... وفرّ شبح ملثّم هاربا كالذئب، فلم تتبيّنه عينا الصبيّة التي فرّت كقطة مرعوبة، ثمّ شاع في القرية أنّ غريبا أو غرباء تتبّعوا عبد فاغتالوه في"بيت جوك"

أوّل جريمة في هذه القرية الصغيرة التي فتحت عينيها على الهدوء والأما ن....

فصدق الناس كلّهم الحكاية، وكان الحاج عبّاس وعائلته اخر من يسمعون بالخبر... ما عدا رقيّة إذ وخزها قلبها أنّ أمرا ما سيقع في هذا اليوم، ولتستفيق من حلمها بعد سنوات طويلة مأهولة بالحيرة على خبر تزفّه لها شقيقة الغالي الداهية:

- سأكون لك ضرّة!

فابتسمت الحاجة، وأخذت احداهما الأُخرى بالأحضان.

 

د. قصي الشيخ عسكر

...............

فصل من رواية: نهر جاسم

 

صحيفة المثقفلعنْتُكم،

طعنْتُكم،

صفعتكم،

بصقتُ في وجوهكم،

زرقتُ في عيونكم

كلَّ ظلام الليل والنهار في العراقْ،

دسستُ في أنوفكم

كلَّ النفايات التي تعجنها مزابل العراق،

غرزتُ في آذانكم

أقسى شتائم المعذبين في العراق

يا بؤرَ النفاق

يا مسخاً يعافها البصرْ،

يا أقذر البشر

ما حبكم،

ما كرهكم،

ما عرفكم،

ما نُكركم

سوى فقاعاتٍ من العفنْ

تطفو على مستنقع الزمن.

واحدكم يذوب في حذاءْ

عاهرةٍ،

أحقر ما تملكه حذاء

يا برك الفساد

من ألفِ ألفٍ وأنا ألعنكم،

أطعنكم

بكل ما أوتيتُ من سلاحْ

لكنكم

ولا شريحة ٌ من الجراح

لأنكم

بلا أحاسيس، بلا ذممْ

لأنكم عدم ...

لكنني،

يا أخبث الذئابْ،

سوف أظلّ ألعنُ،

سوف أظلّ أطعنُ

بكل ما لدي من حرابْ

حتى تعودوا جيفاً تعافها الكلاب ...

 

شعر: د. حسن البياتي

 

صحيفة المثقف

يطوي بنا الدربُ

أم نمشي به نحنُ

طود براه العمر

صنو به   يحنو

خلَّـتهما الدنيا

بيــــتاً به لحــــــنُ

*

ظلان فوق الدرب

مرّهما

سحابة بيضاء

في رونق الضحى

طيران فوق الماء

في زورق يحبو

يهتز عرفاهما

تحتج أضلاع

وينتهي الوصفُ

*

فتشتكي الرصفُ

من جزع الطريق

من قدم تهفو

من حلم يغفو

تلتحم الجفون

أسيرة

فالحلم لمّا يزل ما خلفها

يدور

كلوحة مائية لعينة تمتد

لا انتهاء

للونها

وريشة الفنان

أتعبها الحضور

*

ظلهما واهٍ

كجملة ممحوة

من دفتر الزمان

حولهما

من وجلٍ

ترتعد القلوب

إذ هالتان من وَنا شفيف

تلتمسان

لحظةَ العبور

***

سمية العبيدي - اسطنبول

 

 

جوزيف الفارس(المشهد السادس)

(نفس المشهد، عمال كثيرون وهمسات واصوات همهمات وحركة غير طبيعية على ظهر المركب،)

القبطان: (يظهر مفتعلا الحزن والالم)

الخادم: (يؤشر بيديه و غايته اسكات العمال والبحارة) اصغوا ايها الاخوة، اعيرونا اسماعكم .

المراسل: (يصرخ باعلى صوته) ياامعه، التزموا بالصمت .

القبطان: (يلطمه على رقبته) لا تهين عمالي .

الجميع: (يلتزم بالصمت)

القبطان: (يؤشر بالهدوء والسكينه) ايها الاعزاء، ايها الغالين على قلبي، لا احب الوقوف الان امامكم، وحنجرتي مليئة بنيران الاحزان على خبر مؤلم، انه الخبر الذي سانقله لكم هو خبر رحيل فقيدنا وعزيزنا رئيس العمال الى عالم الخلود،

العمال: (همهمة واصوات مختلفة) ماذا؟

الاخر: ماذا اصاب رئيس عمالنا؟

الاخر: من قتله؟

القبطان: لم يقتله احد، انما هو اختار الحياة الاخرة، وبالرغم من توجيه نصيحتي له وارشادي الابوي ومنعه، الا انه لم يعر لي اذن صاغية لي، فكان له مااراد، لقد استيقظ في وسط هذه الليلة وكانه يبحث عن نهايته المحتومة بيديه، لقد استيقظ ليخبرني عن رغبته في السباحة في هذه المياه القاسية، وبالرغم من نصيحتي له، الا انه لم ياخذ بها، وهكذا كان له ماراد راميا نفسه في قاع هذا المحيط واذا فجأة بسمكة القرش كبيرة ومفترسة حادة الاسنان وقوية الفكين، تطبق على جسده (يبكي بافتعال) وابتلعه، وهكذا افل هذا الكوكب، وفقدنا اخا وعزيزا على قلوبنا، وليس لنا الا الدعاء بالرحمة له، والراحة الابدية لروحه الطاهره، ولهذا ارتايت وللمصلحة العامة، ترشيح الاخ العزيز البحار اكس، ليحل محله، ونحن من وراء هذا لا نبغي الا التعجيل بتوصيلكم الى بر الامان، وانا لله وانا اليه راجعون (يختفي ليدخل الى كابينته) .

العمال: لنقتل القرش المفترس، لنقتل هذا الخطر المحدق بنا .

الاخر: ليس لنا حياة امنه على ظهر هذا المركب، ان لم نقضي على هذا القرش المفترس .

رئيس العمال الجديد: (بحذر وانتباه ملتفتا الى كابينة القبطان، وبصوت خافت) السكوت والهدوء، ليس العبرة القضاء على هذا القرش الذي في البحر،، انما انتبهوا لي لما ساخبركم به، هنا وعلى ظهر هذا المركب قرشا مفترسا اشرس واخطر من ذالك الذي في البحر،

احدهم: (باستغراب) ماذا تقصد ياسيدي؟

رئيس العمال: كل منا يبحث عن الخلاص والنجاة، انما نحتاج الى شيئا من الفراسة والحكمة والبصيرة الثاقبة في تحليل الكثير من ردود افعال رؤسائنا واللذين نصبوا انفسهم اسيادا علينا ومن دون شرعية منتهكين حرمة قوانين وانظمة الدستور ورميها في عرض الحائط، اننا ايها الاخوة نحتاج الى شيئا من الشجاعة واتخاذ مانراه صائبا وحكيما والاخذ به، نحن يااخوتي عشنا حرمانا وحياة ميئوسة منها، حياة مليئة بالبؤس والشقاء، وهذا ليس بارادتنا، وانما فرض علينا ومن دون ارادتنا، ابحثوا ايها الاخوة عن الاسباب، وثوروا ضد كل ماهو ضد ارادتكم، وتهديم كل الحواجز التي تقف بينكم وبين تحقيق طموحاتكم في الحياة السعيدة، انكم احرارا ايها الاخوة وليس من قيد يقيد ارادتكم ورغبتكم من اجل تحقيق حياة سعيدة ويوم افضل مما هو عليه الان على ظهر هذا المركب، فانهضوا يااخوتي، وهبوا هبة واحدة من اجل الحرية والانعتاق،

العامل: كلامك صحيح ياسيدي، الحياة غالية والاخرين يستهينون بها،

رئيس العمال: تصدوا لكل من يستهينوا بحياتكم وقدراتكم .

العامل: في وقت ما وقعت اعين القبطان عليا وناداني (يقلده): تعال ياهذا ، مكلفا ايايا حراسة كابينته، وانا مستغربا من هذا التكليف .

رئيس العمال: لتمنع العمال من اقترابهم من كابينته؟ ومن يتجرأ على الاقتراب منه؟

العامل: اراد ان يمنحني فرصة لمد جسور الثقة مابيني وبينه .

رئيس العمال: هو بالحقيقة، لا يخطو اية خطوة، مالم يحسب لها الف حساب .

العامل: الا انه كافئني !

رئيس العمال: اعتقد انها كانت مكافئة قيمة .

العامل: قيمة وثمينة ومؤلمة، عشرون جلدة على جسدي، لذنب لم اقترفه .

رئيس العمال: وما هي جريمتك لتستحق هذا الجلد؟

العامل:صدقني لا شيىء، انما ادعى انني كنت استرق السمع من كابينته .

رئيس العمال: ومع من كان يتحدث؟

العامل: (بتردد) كلا ياسيدي قد اكون مخطئا .

رئيس العمال: تكلم، صارحني، لا تخاف .

العامل: على مااعتقد انها كانت سيدة كانت معه في الكابينة .

رئيس العمال: (باستغراب) سيدة في كابينته؟

العامل: نعم، من حديثهما، علمت انهما كانا يتبادلان اطراف حديث العشق والغرام .

رئيس العمال: وانت تسترق السمع؟

العامل: كلا ياسيدي، لم يكن هذا هدفي ، وانما بحكم وقوفي قرب الكابينة لحراستهم، وصلتني مناجاة عشقهم وهيامهم .

رئيس العمال: نصيحتي لك، احذر التقرب من المسؤولين المتنفذين وكسب مودتهم يصورة غير شرعيه وان فعلت هذا، فسيكون ذالك على حساب كرامتك ومذلتها .

العامل: كلا ياسيدي، سترضى عني انشاء الله .

رئيس العمال: وهذا املي فيك .

السكران: (احد البحارة وهو يترنح نتيجة احتسائه الخمر بكثرة، وفي يده زجاجة الخمر، وهو يغني) الله ياشفاء العاشقين ودواء الهائمين المحبين، اشتاق اليك ولروحك ولانفاسك، ولاناملك تداعب شعري، لانفاسك الجذابة كقلبك فيه سحر وحب وعطر، وشهوات جسد تنبعث منه حرارة دفىء المحبين العاشقين الصادقين في ليلة شتائية، لماذا؟ لماذا باعدتنا الايام وظلمتنا؟ لماذا عشنا في اوهام وانحرمنا؟ حبنا كان اية للمحبين، كان مراة للعاشقين، كان عنوانا للمعذبين،، هكذا ياحبيبتي ذبلنا كما ذبلت اوراق الياسمين، هكذا هي الحياة يامليكتي، لقاء وحب وفراق، وعذاب واهات وممات، ولا يبقى من الدنيا سوى الذكريات، ايتها الزجاجة الملهمة لاشعار العشق والغرام، (يلاحظ رئيس العمال ومعه العمال) انتظري، بالله عليك ياصديقتي ومليكتي، انتظري، هاهو رئيس العمال الجديد سيقرأ عليا جنجلوتيته، من البداية وحتى نهاية ماحرمه الله علينا وحلله عليهم، تفضل ياسيدي ان اذناي تصغيان اليك (يقترب منه) وقدماي متوجهتان اليك، فاقذف ماعندك في وجهي من الشتائم وقباحة الكلام (يضحك مستهزءا)

رئيس العمال:(الى السكران) كالعادة انت سكران !

السكران: بل قل كالعادة انك ولهان، ومتى مافارقتني هذه الزجاجة، ساعيش حالة من الحرمان، فلا تحرمني من متعتي وصحوتي .

رئيس العمال: (مستهزءا) صحوتك؟! واية صحوة هذه التي لا تجعلك ان تفرق مابين الاسود والابيض؟

السكران: كلا ياسيدي انك مخطىء، فكيف لا افرق مابين الاسود والابيض، البابنجان اسود، والبيض ابيض، فالبابنجان يخرج من الارض، والبيض يخرج من ال: (يضحك) كلا حرمة للسيدة الدجاجة واحترامي لها، لا استطيع ان اتفوه الفاظ سيئة بحقها، وسيبقى هذا السؤال من دون اجابة ، انما هي مشكلة يجب ان يتدارسها مجلس اصحاب الكروش الكبيرة، واصحاب العقول النيرة، وان تعذرعليهم ، فاليحيلونها الى الجمعيات العالمية للرفق بالحيوان، انما هي مشكلة وستبقى مشكلة يصعب حلها، مسكينة السيدة الدجاجة، فان كانت البيضة كبيرة، فكيف ستقذفها الى الخارج وعن اي منفذ ؟ تلك هي العلة يانفسي رئيس العمال: تعال وشاركنا الجلسة .

السكران: اتسمح لي يالسؤال؟

رئيس العمال: لك ماتريد .

السكران: اهي جلسة سياسية تامرية، ام ماذا ؟

رئيس العمال: ويحك ياهذا، ماذا دهاك؟

السكران: الحق حق ياسيدي، لاتاكد اولا، قبل ان اصبح طعاما لقرش البحر !

رئيس العمال: انا من حرصي عليكم، وخوفي من ان لا يكون مصيركم طعاما لاسماك القرش، ادعوك ان تجلس بجانبي وان تشاركنا الحديث .

السكران: امتاكد من انك لا تضمر لنا شرا و توقعنا في شراك نصب يهلكنا ويقضي علينا؟

العامل: هيا يااخي، وامتثل لاوامره، انه رئيسنا الجديد، رئيس عمال هذا المركب .

السكران: من؟ اقلت انه رئيس العمال الجديد؟ على الرحبة والسعة، اامر ياسيدي .

رئيس العمال: هيا اقترب واجلس بجانبي .

السكران: كلا، احب مجالسة هذه الزجاجة واختلي بها، انها تخفف عني هموم الحياة وتؤنسني .

العامل: تعال واجلس معنا، لنتسامر مع اجواء انسام المحيط .

السكران: قل لي، انت من هذه الجهة (يحاول الاشارة الى جهة اليسار) ام من تلك الجهة (يحاول الاشارة الى جهة اليمين) .

العامل: لا افهم قصدك، ماذا تقصد؟

رئيس العمال: يقول انك يساري ام يميني؟

العامل: (وكانه علم مايقصده) هه هه ! لست من هذا ولست من ذاك .

السكران: اذن انت من اللذين تلعب على الحبلين او انك من اصحاب الحلول الوسطية (يؤشر باصبعه) .

العامل: خير لك ان توفر معلوماتك لنفسك

رئيس العمال: لقد اخبرك صديقنا انه لا يميل الى اية كفة ميزان .

السكران: اتقصد انه فوق الميول والاتجاهت؟

رئيس العمال: صدقت .

السكران: (يضحك) رحمه الله، كان هذا هو شعاره، اضافة الى هذا، اضاف شعارا اخر الى شعاراته، عفا الله عما سلف، الا انه لم ينفذ من حتفه الاخير على ايديهم .

رئيس العمال: من هو؟

السكران: مامن احد، سوى انها كانت حكاية من حكايات هذه السفينة، وتلتها حكايات كثيرة وغير مستقره، والان ياعزيزي، هات ماعندك، فانا ساجلس بالقرب منك لاسمعك جيدا، تكلم ياسيدي، انني مصغي اليكم .

العامل: لي كلمة ياسيدي احب ان اوجهها الى اخي السكران .

رئيس العمال: تفضل .

العامل: لكي تطمئن لي ويستقر ذهنك على تفسير ميولي واتجاهاتي، فاعلمك، وبملىء ارادتي، وانا في كامل قوايا العقلية والنفسية، بانني اسير بخطواتي على استقامة واحدة ومن دون تعرجات قد تودي بحياتي .

السكران: مخطىء، ثم لست وحدك من يفكر بمثل هذه الاوهام، ان شئت ام ابيت، فالعدالة السماوية خلقت في هذه الدنيا كفتين متصارعتين لتحلو الحياة، وكل كفة تحاول استمالتك الى جانبها، وان رفضت، فالويل لك، ستصبح من المتامرين على سلامة هذا المركب وامنه .

العامل: اطمئن، فانا اتجنب مثل هذه الامور .

السكران: لا تستطيع، لا تستطع وانت تواجهك مغريات شتى تعمي البصيرة وتفقدك السيطرة على ارادتك، ستواجهك وعودا كاذبه وتنخدع فيها، وستنساق ورائها، الا انك ستصطدم بواقع مرير، لا يروق لك . (الى رئيس العمال) انت ياسيدي، الاحظ بان صيوان اذنيك قد انتصبت لتستقبل هذا الحديث، فما هي وجهة نظرك؟

رئيس العمال: بالحقيقة:

السكران: (مقاطعا) نعم نعم، انا اعلم بانك ستبتدىء بجنجلوتية كبيرة وعريضة مقدمة لبداية حديثك، الا اننا سوف لا نفهم منها شيئا، كأنك ستقول (يقلده) بالحقيقة والواقع اننا سوف، وانني ساعتزم، سابني لكم،:: ومن بعدها سيقطع حديثك تصفيق حاد يبدأها ابناء الملاعين من اعوانك، لا لشيىء، سوى لانك قد استوقفتك عبارة لم تتذكرها، واذا باولائك الملاعين من اعوانك سيساعدونك على التذكير بالعبارات الاحقة، وبهذا سيساعدونك على التخلص من هذا الموقف المحرج، والان هات ماعندك .

رئيس العمال: نعم نعم، انني بالحقيقة:

السكران: (مقاطعا) اية حقيقة هذه ياسيدي؟ طعام المعلبات الفاسدة والتي انتهى مفعولها الصحي؟

العامل: يااخي، دعه يكمل حديثه ويفصح عن افكاره ومشاريعه واصلاحاته .

السكران: نفس الكليشة للاعلانات التجارية في عالم السياسة، كل منهم لديه اعلانات تجارية يخطونها على لوحات وبوسترات ليعلنون عن بضاعتهم التسويقية، واذا جئت الى الحقيقة، فليس هناك شيئا جديدا سوى ان الوجوه تتبدل بوجوه جديدة، انها لعبة شطرنجية يلعبها الكبير، كش الملك، مات الملك، جاء الملك، وهلم جره، ونحن الضحية، (بعصبية) نعم يااخي نحن الحطب الذي يحترق من اجل ان يعتلوا مناصبهم، وعندما يمسكون بالكرسي، والمدعومين به من الكبير، سيصبحون مطية لهذا الكبير، صحيح انهم سيعتلون الكرسي، انما الكبير سيركب على ظهورهم وسيسوقهم وحسب اهوائه ومخططاته، انما هم فقط الواجهة البراقة والتي ينخدع بها من مثلنا وامثالنا .

العامل: من كلامك افهم انك ايضا ضحية من ضحايا هذا الوضع الخسيس والذي نعاني منه جميعا، مارايك لو انك انضممت الى فريقنا؟

السكران: (يضحك مستهزءا) واي فريق؟ الذي يهتف باليا يعيش واليا يسقط؟

العامل: كلا نحن لا نمارس السياسة، انما نتحد من اجل المطالبة بحقوقنا .

السكران: وممن؟ وعن طريق من؟

العامل: (يؤشر على رئيس العمال) عن طريق هذا الاخ، رئيس العمال الجديد في المركب .

السكران: (مستهزءا، وبلهجة شعبية بغدادية) لا قيم الركاع من ديرة عفج .

رئيس العمال: اسمع ياخي، انتم ضحايا الكثييرين من اللذين خدعتم بهم، الحق الى جانبكم، فاخرجوا اصواتكم وطالبوا بحقوقكم وانا في مقدمتكم ساتصدى لكل من يحاول المساس بحياتكم، كنتم ضحية وعود كذابة، وحينما اعتلت اصحابها قمة الهرم اصبحتم انتم تحت اقدامهم لا يعيرونكم اي انتباه .

السكران: الجميع هكذا ياسيدي، وجهان لعملة واحدة، نحن عبارة عن سلالم صعودهم،، ويل لنا من انتظارنا لهذه الوعود و لقد نفذ صبرنا، وخابت امالنا، ومازلنا نتطلع الى الفارس الموعود، ليمنحنا الحياة السعيدة ويكسر قيودنا لنسير باتجاه الحرية التي نحن موعودين معها .

العامل: فقط لو انك ترمي هذه الزجاجة من يديك، وتكتفي بهذا القدر من الشراب !!!

السكران: (يبتسم وهو ينظر الى زجاجة الخمر والتي بين يديه) حريص عليا يااخ؟؟ انا احييك، واقدم لك احتراماتي ان كنت صادقا بما تكنه لي، انما خوفي من انك قد انجرفت مع اللذين انجرفوا، والان، اسمحوا لي ان اترككم مع احاديثكم، وانا اغني مع نفسي وهذه الزجاجة العزيزة على قلبي (يبدا بالغناء وهو يبتعد عنهم) هيا يابدر الدجى، انشر ضياؤك على جموع الراحلين، والصاعدين الى العلا، حاملين متاعب همومنا على ظهورهم، وليس من يعيل عوائلهم سوى الامل ، القباطنة جمعهم متشابهون بالنهب والسرقة، انما لم نفقد الامل بالقبطان الحقيقي، والذي سيقود المركب الى بر الامان والسلام، ليشبع الجائعين ويروي العطاشى من العمال والبحارة ، ويكسو العراة ليقيهم قسوة البرد القاتل، ونحن على امل لهذا اللقاء (مرددا) ونحن على امل هذا اللقاء .

(موسيقى، اظلام تدريجي باستثناء بقعة ضوئية في اسفل

يسار المسرح، حيث يظهر القبطان في اعلى كابينته ومع نفسه، امام عموم ركاب السفينة من العمال والبحارة فنتبين اشباح اجسادهم بتسليط بقع ضوئية سبوت لايت، وهم منهمكين باشغال تهمهم وكل منهم وحسب مايوجهه المخرج من حركة مسرحية)

القبطان: واخيرا انا في قمة هذه السلطة القيادية على ظهر هذا المركب،وليس بوسعي ان افعل شيىء؟ كيف سانفذ وعودي لهؤلاء المعدمين من العمال والبحارة والعاملين على ظهر هذا المركب؟ سبق وان وعدتهم بتقديم افضل الخدمات لهم، وتحسين احوالهم الاقتصادية والترفيه عنهم وانا من جهة اخرى تحت اوامر المستثمر القاسية والتي لا يمكنني الانحياد عنها، ومن دون هؤلاء المعدمين من العمال والبحارة لا يمكنني مواصلة الابحار، انا من باع ظميره لخدمة الاسياد المستثمرين، والويل لي من غضب هذه الجموع الحاشدة ان ضاق بها الدهر، اذن لا بد من البحث عن منفذ نجاة لانقذ نفسي من مصير لا يحمد عقباه؟

السكران: (في اسفل يمين المسرح وتحت حزمة ضوئية قوية) هي انت الذي هناك، اتسمح لي بالحديث معك، اني اراك مهموما ومشغول البال، واذا لم اخطىء،اعتقدجازما انك تكلم نفسك .

العامل: (واقف بجانبه، وبهمس وحذر) ويحك ياهذا، ماشانك والقبطان؟

السكران: اصحيح؟ اهذا هو القبطان، انه جميل جدا، انظروا الى خديه كيف احمرتا من شرب النبيذ المعتق، ونحن نشرب من هذا النبيذ السيىء السيط .

العامل: هيا انفذ بجلدك .

السكران: ولماذا؟ ايكون هذا القبطان صاحب مدبغة للجلود؟

القبطان: (بصوت اجش ونظرات قاسيه) ماذا قلت ياهذا؟

السكران: عفوا ياسيدي، انهم يسمونني السكران، وهذه التسمية اعتز بها، لانني استحقها .

القبطان: ولماذا يسمونك بالسكران ؟

السكران: من اجل المصلحة العامة ياسيدي .

القبطان: وماشأن المصلحة العامة بهذه التسمية؟

السكران: حرصا على عدم تعرية السارقين والناهبين لرواتب هؤلاء العمال والبحارة، فلو كنت انا من الصاحين يامولاي، لحاولت تشخيص السرقة والنهب وتعرية اللصوص، ولهذا فمن المصلحة العامة ان اكون دائما في حالة السكر، اطمئن (يؤشر بيديه على فمه بالانسداد وعدم التفوه، ويتكلم هذه العبارة التالية باللهجة الشعبية البغدادية) صدكني اربع وعشرين ساعه مقفول، وهذا ايضا يدخل من باب الحرص على المصلحة العامة، والان جاء دورك للاجابة على اسئلتي يامحترم، نحن في زمن الديموقراطية، فلا تستغرب ان بادرتك بالاستجواب يا: سيدي (يلاحظ علامات الانزعاج والنرفزةعلى وجه القبطان) السؤال، لماذا لا تجالسنا وتشاركنا اطراف الحديث،لتتعرف على احتياجاتنا، اوليس هذا من مهام واجباتك ايها القبطان؟

القبطان: لقد اوكلت بهذه المهمة لرئيس العمال .

السكران: وهل منحته من الصلاحيات باتخاذ مايلزم من الاجراءات؟ ان يديه مكبلتين، ولسانه مقصوص بحد السيف، ولهذا تراه لايستطيع ان يحرك يداه، ولا ان يتخذ اي قرار يراه مناسبا لمصلحة العمال والبحارة ان لم يعود لاستشارتك !!

القبطان: لان نظامنا هذا كنظام مجلس الشورى، ولهذا يجب ان نتباحث فيما بيننا ويستشير واحدنا للاخر، كي يتسنى لنا قيادة هذا المركب الى بر الامان !!

السكران: اذن احدكم يكذب علينا، اما انت واما هو، طبعا اذا تسمح لي بهذه الجراة الادبية، لاننا في عهد زمن الديموقراطية ياسيدي، وانت من المشجعين لها، اليس كذالك؟ احلفك بشرف تلك الفتات التي تودي واجباتها الامينة والرصينة في كابينتك، من منكم هو الصادق انت، ام وكيلك هذا؟

القبطان: دعني انا اسئلك سؤالا، لربما انني قد تنازلت من موقع المسئولية، انما لايضر ذالك، لاننا في زمن الديموقراطية، ولهاذا رايت من الواجب ترجمتها على صعيد الواقع .

السكران: تفضل .

القبطان: (بعصبية ونرفزة) اتعتقد ان هذا المركب هو خان جغان؟ كل من يعمل على ظهر هذا المركب، لا يمكنه ان يتخذ اي قرار من دون الرجوع اليا .

السكران: كما انك لا تستطيع اتخاذ اي قرار من دون الرجوع الى اسيادك المستثمرين !!

القبطان: من اين اتتك هذه الجراة واعطتك الحق في مسائلتي؟

السكران: من خلال الديموقراطية والتي تنادي بها ليلا ونهارا، هذه الديموقراطية ياسيدي جعلتها فقط شعارا تخفي ورائها ويلات وكوارث انسانية لا حصر لها في العد والتعداد،

القبطان: انت تكذب، انا منحتكم الحرية على ظهر هذا المركب وانقذتكم من نير العبودية والدكتاتورية .

السكران:حريتك هذه والتي من خلالها، كبلت قيود العاملين المثقفين والمهرة من العمال اللذين اجتهدوا في سعيهم الدراسي للحصول على نتائج جيدة، متاملين منها خدمة هذا المركب وتكييف حياتهم على هذه الديموقراطية، فماذا كانت حصيلتهم؟ لقد اصطدموا هؤلاء البؤساء بديموقراطيتك التي اعلنت عنها، واصبح الكلاب المأجورين يسرحون ويصولون بحرية، والمخلصين العاملين ليس لهم الا ان ينفذون مايؤمرون به، ومن دون ان يتفوهون باية كلمة يدافعن بها عن ارائهم، اهذه هي ديموقراطيتك ياكابتن؟

القبطان: وكيف يكون شكلها اذن؟

السكران: (ينفجر ضاحكا) ويح لي، اتسال شخصا سكرانا عن الديموقراطية؟ فاليكن، مع انني متاكد، بان نهاية حياتي ستكون في قعر هذا المحيط، انما لا يهم، الاف الضحايا من اللذين شنقوا ظلما على اليابسة ولم يهابون الموت، ومهزلة الجلادين اللذين يخفون اوجههم باقنعة تخفي ملامح الخوف والرعب من هذا المشنوق (يضحك مستهزئا) فاليكن جسدي جسرا تعبر من عليه الالاف من هؤلاء العمال والبحارة، وانا سعيد في مثوايا الاخير، صدقني ايها القبطان، نهاية كل حر صادق جريىء، هو قاع المحيط، افضل من اللذين يهتفون باسمك جبنا وخذلانا، واما الاحرار من الكادحين ياقبطان من اللذين قيدتهم واخفيتهم في سراديب هذا المركب هم ضحية هذه الديموقراطية المستوردة من خارج هذا المركب، لا تقل عني هذا سكران انما صدقني، ان الحقيقة والصراحة لا تخرج الا من افواه السكارى، وهاهي يدايا وقدمايا تفضل وقيدهما بالاصفاد والقيود، ودع جلاوزتك يرمونني في قاع البحر لانني لست افضل ممن سبقني الى قاع هذا المحيط، واما انت، ابقى وردد: الشهداء اكرم منا جميعا، واعلنها على لافتة كبيرة وعريضة تخدع بها هؤلاء المساكين، وانت متربع على عرش قيادتك ايها القبطان لخدمة اسيادك المستثمرين لاستثمار هذا المركب، واما اولائك العمال والبحارة تسفك دمائهم ويصبحون في ذمة الخلود، وانت تردد الشهداء اكرم منا جميعا .

القبطان: (بعصبية) سالقنك درسا ايها المتامر على سلامة هذا المركب (ياخذ مسدسه من جنبه وبرمي السكران بالرصاص فيرديه قتيلا) اصوات الامواج الهائجة تعلو وصوت صفير المنبه للباخرة يصفر ويزمجر، ممتزجة مع موسيقى مناسبة لنهاية المسرحية)

( انتهت)

***

تاليف جوزيف الفارس

 

عطا يوسف منصورضفافُكِ حينَ تَمطُرُها القوافي

                   أشِمُّ عَبيرَ جَنّتِها الخُرافي

وتَلتَئمُ الغيومُ نَديفَ شوقٍ

                   تراكَمَ جمرُهُ فوقَ الشِغَافِ

حُروفًا بلْ قُطوفًا في عُرُوشٍ

                   لأجَني جَنيها ولها قِطافي

لأهديها الحبيبَ إذا استقاها

               نَميرًا مِن مَعينِ الحُبِّ صافي

وغاليتي تروحُ بها وتغدو

               فَتُمرِعُ في سوانِحها اللطافِ

عليها قد جَعلتُ العُمرَ وقفًا

                     وزيّنتُ المآربَ بالعفافِ

وحُبّي ما يزالُ وسوفَ يبقى

               نديًّا في الرخاءِ وفي الجفافِ

أحِجُّ الى الحبيبةِ وهي عُمري

                 وحَولَ رُبُوعِها أبدًا طَوافي

فألثمُ ثَغرها وأشِمُّ نَحرًا

               وأجمَعُ في قوادِمها الخوافي

هنالكَ تَرشحُ الذكرى حنينًا

                     تُلَمْلِمُهُ جِراحاتُ المنافي

وتَنطلقُ القوافِلُ وهي ظمأى

               بصحراءٍ تجوبُ بها السوافي

عسى تحظى بواحاتِ الاماني

                 على أمَلٍ عفا وسَلاهُ عافي

لأحملَهُ الى وطنٍ تَردّى

               على أيدي الجُناةِ وكُلِّ جافِ

الى دركٍ وقامَ عليهِ ناسٌ

                       تَبيّنَ كُلُّهمْ عارٍ وحافِ

فقُلتُ مُحدّثًا نفسي أراني

             سأصبحُ بينَ جوقِ من خِرافِ

فغادرتُ المُنى وبلادَ غاقٍ

                   على وجَلٍ لأسعدَ بالكفافِ

أبى طبعي أكونُ بهِ غُرابًا

                   أضاعَ المِشْيَتينِ لِما يُنافي

وَلَنْ أرضى كإمّعةٍ تَبيعًا

             أعيشُ العُمرَ كالأشناتِ طافي

وهذا ديدني ما زلتُ فيه

               حرائقَ ليس تُطفيها المطافي

عراقي قد تَعرّقَ في ذحولٍ

                 وأشكالِ الضغائنِ والخِلافِ

متى ما طُبّبَتْ ستَطيبُ نفسي

                  وذا حُلُمي وأنّى للتصافي

وفيه مَنْ يخونُ ومَنْ يُرائي

                 ومَنْ يسعى بأجرٍ للتجافي

وفيه الفاسدون لهم طُبولٌ

               تُعَضِدُها المناصبُ باحترافِ

فيا وطني العراقُ عليكَ وجدي

               أرى الاوباشَ عادوا بالتفافِ

***

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

فلاح الشابندرخشخاش أسود

وأنا.. أمارسُ معصيةَ الياسِ والاحباطِ والفشل والشك والخرافة ....

وما قدر لها ...

أن تكون

رقصة رافضة

هلا رقصنا ...؟؟!

بحميمية بالغة الدفء

من أعالي الحجر

الوحشي ...

وما لا يفكرُ به موج ُالبحر ِ

نحلم ُ أن ْنحاولَ

عبور صراطه يوماً

بترياق خشخاش أسود َ

وتخبو لمعةُ البحرِ

 

فلاح الشابندر

 

 

عبد الله سرمد الجميلعارٌ على الشعراءِ إن لم يكتبوا

                 عمّا جرى في المَوْصِلِ الحدباءِ

عارٌ علينا أن ننامَ وتحتَنا

                     جثثُ الحسينِ مبعثَرِ الأشلاءِ

عارٌ علينا أن نسامحَ قاتلاً

                         أو أن نصافحَ ثُلَّةَ الأعداءِ

الموتُ للنسيانِ، عارٌ عيشُنا

                   إن لم نعاقبْ ساسةَ (الخضراءِ)

نمشي وضوءُ الشمسِ ليسَ يَنالُنا

                      فرطَ النخيلِ الوارفِ الأفياءِ

يبقى النخيلُ مُساوياً في موطني

                         عدداً من الأيتامِ والشهداءِ

ثُوروا على تلكَ العمائمِ واللحى

                     وعلى حجابِ الرايةِ السوداءِ

ولْتُرجِعوا زمنَ السِّدارةِ إنّهُ

                     زمنُ الملوكِ ودولةُ الأُصلاءِ

أهلَ ال... هيّا اخرجوا من أرضِنا

                         لا تقرَبُوا من زادِنا والماءِ

من ألفِ عامٍ تطعنونَ ظهورَنا

                             تتلوّنونَ تلوُّنَ الحِرْباءِ

إنّي لأغضبُ أن أرى يا صاحبي

                 (دشداشةً) في (شارعِ الحمراءِ)

ومُخمَّراتٍ في شواطئِ بحرِنا

                               لوَّثْنَهُ بالجُبَّةِ الرقشاءِ

هي دجلةٌ تبكي وتندُبُ حظَّها

                   لمّا جرَتْ في أرضِنا الصحراءِ

كم منْ كتابٍ، جثةٍ ألقَوا بها

                         حتّى تخضّبَ ماؤُها بدماءِ

أفبعدَ هذا كلِّهِ قلتم لها:

                       يا دجلةَ الخيراتِ والأهواءِ

إنّ المنارةَ كالجدودِ وإنْ مضَوا

                       محفورةٌ ذكراكِ في الأبناءِ

ما زالَ ذاكَ الضوءُ يُومضُ مثلَما

                                 أمٍّ بليلٍ دونَما إغفاءِ

ما زالَ عُثمانٌ يُدندنُ عودُهُ

                 رغمَ الرصاصِ بحربِنا الصمّاءِ

صبراً أبا تمّامَ كلُّ حجارةٍ

                       سأُعيدُها برجاً إلى الجوزاءِ

سأُطاردُ الأيّامَ مثلَ غزالةٍ

                         مذعورةٍ في وحشةِ البيداءِ

سأُرقِّعُ الجسدَ المشظَّى بالغيو..

                       مِ وأُمطرُ الدنيا بنارِ سمائي

لي عشبةُ الليلِ المُهجَّنِ بالصبا..

                 حِ ونبضةُ الأحجارِ تحتَ ردائي

فمحبّةُ الناسِ التي لا تُشترى

                         باهيْتُ فيها ألفَ ألفَ ثراءِ

أنا خائفٌ منّي عليَّ كوردةٍ

                     قُطِفَتْ لما فيها من الأضواءِ

ما دُمْتُ ذاكَ الطفلَ يلعبُ بالدمى

                         ويفسِّرُ الأشياءَ دونَ عناءِ

نتَفَ الوِسادةَ ثُمّ قالَ لأمِّهِ:

                    بالغيمِ أحشو غرفتي وغطائي

ومضى يُراهنُ صَحْبَهُ في حيِّهم

                         بدعابِلٍ صفراءَ أو زرقاءِ

في لعبةُ (الغُمَيضَةِ) اختبَأُوا وكم

                       حربٍ ستبحَثُ عنهُمُ عمياءِ

سيموتُ منهم من يموتُ وبعضُهم

                       سيموتُ في المنفى بلا أنباءِ

***

 

عبد الله سرمد الجميل

..........................

الخضراء: مِنطَقةُ السياسيّينَ في بغدادَ

شارع الحمراء: في بيروتَ

 

 

زيد صالحتسيرُ بدربٍ ذوى من مصابِكْ

                     وموتاً تلاقيه عند إيابِكْ

بحارُ يقينك جفّت بعجزٍ

             فملح الظنون رؤىً من عذابِكْ

تسير بقنديلِ صبرٍ تغذّى

             بزيت الجياع وحزن هضابك

ثلاثون عاماً وكف الحروب

           تسربلُ شوكَ الأسى في ترابك

سنينٌ عجافٌ وريحٌ سمومٌ

               يطاردْنَ دوماً هديل سحابِكْ

يداك سنابل قحطٍ وجوع

         وخمر العذاب همى من رُضابك

كنخلٍ صُلِبْتَ على قُرْصِ شمسٍ

                   ويسرق ظلَكَ تمرُ إهابِكْ

تموت النبوءات في ظل جوع

               فماؤك كذبٌ نما في سرابِكْ

وزهرك هذا قتيلٌ بغدرٍ

                 وقابيله خلف جُنْحِ غرابك

سيمضي ويترك مفتاح زورٍ

                     يخادع فيه سلاسل بابك

***

 

زيد صالح

 

 

حسين يوسف الزويدهــــوىً يَجتـاحُني رغمـــاً

               كإعصـــــارٍ مِــنَ اللَّهَـــــبِ

تَفَجَّــــرَ فـــي شرايينـــي

               كزلــزالٍ مِـــنَ الصَّخَــــبِ

خَسـِرْتُ معاركــــاً فيهـــا

                   ســلاحُ اللحــظِ والهُــدُبِ

أُسِرْتُ - و خانني جَلَدي -

                 بِطَــرْفٍ نـــاعسٍ جَـــذِبِ

لـــذي خَصْـــرٍ كمــا غصنٍ

                 تَرَونَـــقَ مُثقَـــلَ السُّــحُبِ

رفعْـــتُ الرايـــةَ البيضـــاءَ

                 واسْتَســــــلَمْتُ للغَلَــــــبِ

تهـــاوَتْ كـــلُّ أشــــــرعتي

               ببحــــــرٍ هــــــائجٍ لَـــجِــبِ

ومـــا نَفِعَـــتْ دفاعــــــاتـي

             تلاشَــــتْ ريشـــــةَ الزَّغَـــبِ

تعــــالي و ارحمــــي صَـــــبّاً

             هَـــوَى مُستســـلماً لِسَــــــبي

وأمضـــى العمــــرَ مشــــتاقاً

           لرشـــفِ رضــــابكِ العَــــــذِبِ

ومــــــذهولاً و مـــــــــسكوناً

           بفــــــارعِ قَــــــدِّكِ العَجِــــــبِ

شــــــغوفٌ مغــــــرمٌ كَلِــــــفٌ

         بهـــــذا الرونـــــقِ الطَّــــــرِبِ

ولــــــوعٌ متعــــــبٌ دَنِــــــــفٌ

             ينــــــادي أينــــكِ؟ اقترِبـــــي

صـــــــــريعٌ منهــــــــــكٌ، ذَرِفٌ

           دموعــــــاً فوهــــــةَ القِــــــرَبِ

مُضــــــاعٌ هائـــــــــمٌ دومــــــاً

           لغـــيرِ نِـــداكِ لَــــــمْ يُـــجِـــبِ

 

د. حسين يوسف الزويد

...............................

بعثْتُ للمثقف الغراء هذه الكلمات تواصلاً مع رغبة الأخ الشاعر الناقد جمال مصطفى والتي عضدتها رغبة الأخ الناقد والكاتب جمعة عبدالله بالأبتعاد عن الألم، مع العلم أني كتبتها وأنا في المرحلة الثانية من الدراسة في كلية الهندسة / جامعة الموصل .

 

 

ابراهيم مشارةجلست إلى الشاطئ ليلا وحيدا كأنني في جماعة مجتمعا كأنني في وحدة لأن طقوس الجماعة - مراسيمها وآدابها وأخلاقها- تدس أنفها في وحدتي رفعت رأسي إلى السماء – حارسة الصمت - مقبرة لا نهائية الأبعاد وقد طمرت في أحشائها النجوم وكفنت بأضوائها أرعبني الصمت واستبدت بي الدهشة حد الإرباك. لم تغرق السماء في الصمت؟ هل وجدت أن اللغة خيانة للمعنى وأن المعاني الكبرى لا تصفدها الكلمات هل وجدت اللغة ابتذالا وموتا في الكلام؟

أنعمت النظر هاهي كوكبة الدب الأكبر وبنات نعش الكبرى، في وسط الذيل نجم السها ذلك النجم الذي كانت تمتحن به قوة البصر، من يراه بالعين المجردة بصره حديد، في السابق لم أكن أحتاج إلى الذهاب إلى طبيب عيون كنت أمتحن بصري بنجم السها ذلك النجم الذي تواتر المثل القديم بشأنه "أريها السها وتريني القمر" تريد أن تلفت نظر إنسان إلى أمر خفي فيضرب عنه صفحا ويشير إلى الجلي وأكثر من يثرثرون اليوم ويكتبون يشيرون إلى الجلي الواضح إلى القمر الذي ابتذل بالكلام لا إلى السها يخونون المعنى ويكرسون زيف اللغة ووهمها ويأخذون على ثرثرتهم التلفزية أو المنبرية أو الورقية مالا وسمعة وشهرة يكسفون بها لا نجم السها وحده بل القمر والشمس معا؟

مادمت أراه فبصري حديد لكن المشكلة في بصيرتي أعمتها الأقوال والمراسيم وآداب الرياء وحسن السمعة تكلست عليها فحجبت عنها الرؤية غير بعيد عن بنات نعش الكبرى الفرقدان حارسا القطب: نجمان نيران يشيران إلى سُرﱠة السماء النجم القطبي ولايذكر الفرقدان بلا أبي العلاء- المبصر بين العميان:

فاسْألِ الفَرْقَدَينِ عَمّنْ أحَسّا

مِنْ قَبيلٍ وآنسا من بــــــلادِ

كَمْ أقامَا على زَوالِ نَهـــــارٍ

وَأنارا لِمُدْلِـــــــجٍ في سَوَادِ

قريبا من سرة السماء أو قطبها السماوي كوكبة ذات الكرسي حيث مجرة أندروميدا أقرب أسير كوني إلى الأسير الأول درب التبانة في السابق كنت أميز في حلكة الظلام بقعة خافتة من الضوء هي المجرة عينها ، اليوم لم أعد أرى السها ولا أندروميدا ضعف بصري وقويت بصيرتي هل هي مفارقة أكثر الناس عمقا في الحياة هم العميان؟ ربما لكي ترى الجانب الخفي من الحياة تحتاج إلى فقد البصر فلا ترى أوهام الحياة تلك التي تكفي العين لرصدها لكن لشحذ بصيرتي احتجت إلى حرق سنوات عمري في كانون القلق والتأمل وعدم المبالاة بالآخرين وخاصة الأموات فهم أكثر تحكما في مصائرنا في عقولنا في أرواحنا سرحت بصري إلى كبد السماء حيث يتناثر الغبار الكوني الأبيض الخافت من طرف السماء إلى طرفها الآخر كوكبة الطائر النجم فيغا ألمع نجوم السماء كوكبة هرقل حيث يقبع نجم الجاثي هذا العنكبوت الصابر في مصيدته الذي سوف يصطاد الشمس وتوابعها يوما وتنتهي العبودية الكونية بفناء الحياة وتحرر هشيم المعنى.

حاولت نقض ترتيب حبات المسبحة وتركيبها من جديد لم أفلح لم أر المجموعات النجمية إلا كما رآها القدماء الدب ،الدجاجة ، بنات نعش ..... آه كم يسيطر الماضي علينا لكي لا نعيد الاكتشاف ونضيع الوقت ونتيه في متاهات البحث نسلم بهذا التراكم المعرفي البشري ونريح رؤوسنا من وجع الدماغ ونضيع متعة المغامرة ،من طبيعة الإنسان أنه لا يحب المرور بالأدغال - يخاف - بل الطرق المعبدة المرصوفة.

ظل صمت السماء يربكني يرعبني هل اكتشفت السماء أن الكلام ابتذال وسطحية وخيانة للمعنى صك بلا رصيد؟ لهذا آثرت الصمت البارد وتركت لنا نحن البشر الراسفين في أغلال رذيلة الحياة ممارسة رذيلة أخرى هي رذيلة الكلام.

تأملت البحر حتى هو لا يتكلم يتنفس يزفر موجة إلى الشاطئ ويشهق أخرى باستعادتها إلى صدره

لاشيء يخيفني مثل البحر وأخوف ما أخافه الموت غرقا في دياجير أحشائه ،الخوف تلك العبودية والضريبة التي ندفعها ونحن نواصل ممارسة رذيلة العيش .

البحر هذا السفاك الذي يلتذ بدماء ضحاياه من البشر ، هذا العاشق للحقيقة والتي لم يصل إليها فظل يبكي عليها ملايين السنين وهذه الأمواه دموعه ، هذا العالم المرائي الذي يخدعنا بغزارة جوفه وتنوع كائناته وعن حقيقة الحقائق المطمورة في عمقه حتى إذا روادنا عن أنفسنا ومسح على خوقنا الجبلي وأغرانا بالحقيقة جئنا لجته فلم نجد شيئا غير السراب لكن واأسفاه يقتلنا ويلفظنا هياكل عظمية على سطح لجته فلا حقيقة ولا هم يحزنون !

***

هل الحب وهم آخر نتعاطاه لنستعين به على تباريح دفعنا للصخرة على هذا الجبل الأرضي في انتظار أن ترتد عينا كرة أخرى وأقوى فتدفعنا إلى قعر الظلام المطبق فنكف عن ممارسة رذيلة الكلام والحياة معا؟

في البدء كانت الكلمة نعم وكان معها كلمتان الندم والخوف، نسران مجنحان عيناهما بشعتان باردتان كعيني ميدوزا ومخالبهما قاسية كالفولاذ يحطان على أفنان أعمارنا يطير بك الأول ويصعد بك في سماء أحلامك آمالك رغباتك أوهامك ثم يرميك من شاهق نازف الجرح مرعوب الفؤاد ثم يتداولك الثاني لتلقى نفس المصير وما حياتك إلا مداراة هذين الطائرين وفي كل أنت تبع لهما .

***

-         لماذا ندمت حين فعلت؟ خفت من عاقبة فعلك؟

-         يابني لا تلم الدمعة بل لم الجفن ولا تلم الكلمة بل لم الشفة إنما أنا تربة أنبت ما زرع في في الأزل وقد أسلمتكم تلك التركة-الخوف والندم- بكل أمانة.

***

أحس بوجودي كلما حاولت التحرر من الخوف ومن الندم وأفقد هذه الخصيصة كلما سيطرا علي !

أنا سراب وأنتم كذلك فلم أرائيكم وأحسب لكم حسابا وأجتهد في أن أنال رضاكم عني وأقيم وزنا لكلامكم وأحكامكم فهل لكلامكم عني معنى مادام لن يغير من هويتي - إنيتي – السرابية؟

***

لماذا يثيرنا منظر مقبرة أمام البحر؟ هل لتجاور بحر الحقيقة مع بحر المجاز وتماسهما حين نقف كنقطة بين عالمين حائرة في هويتها أم انطماس الحقيقة في بحر العيان كانطماسها في بحر الغياب يهيج أحاسيسنا وتبدأ لذة الحيرة وعذابها في آن واحد؟

قبل أن أغادر موقعي في منتصف الليل أخرجت إلى البحر بحري الجواني انكمش البحر البراني   حتى غدا نقطة أحس بخجله فبحر الإنسان الداخلي أعمق وأوسع من البحر الخارجي لا تسبح فيه إلا   قروش الشك ،الخوف ،الحيرة ،القلق ،الأسى والندم.

الرياح تهب فلنحاول أن نحيا!

والهواء الرحب يفتح كتابي ويغلقه

والموجة المنسحقة تصبو أن تتفجر من الصخور

اقلعي يا صفحات شديدة الإبهار

هشمي أيتها الأمواج ، حطمي بمياه بهيجة

هذا السقف الهادئ الذي عليه تسعى لرزقها الأشرعة.

بول فاليري المقبرة البحرية

 

ابراهيم مشارة

 

 

يحيى السماوينوماً سعيداً

تُصبحينَ على هوايَ حبيبتي ..

وأنا على شفتيكِ أصْبِحُ .. شَلَّ أجفاني الأرَقْ


(1)

إيـنـانـا واحـدةٌ ..

وكـثـيـراتٌ فـي سـومـرَ " شــامـاتْ " (*)

*

وكـثـيـرٌ " كـلـكـامـشُ "

لـكـنْ

مـنـذ غـفـا " أنـكـيـدو " فـي أوروكَ ومـاتْ

*

عـادتْ مـذأبَـةً واحـاتُ الـعـشـقِ

وأقـفَـرَتِ الـطُـرُقـاتْ

*

لا غـزلانَ تـرودُ الــنـهــرَ ..

ولا شُــرُفـاتْ

*

تـفـتـحُ لـلأفـقِ ســتـائِـرَهـا ..

تـسـتـسـقـي الـحَـدَقـاتْ

*

مَـطـرَ الـغَـمْـزةِ

تـبـعـثُـهـا مُـقَـلٌ أجْـهَـدهـا عـطـشٌ

لـنـمـيـرِ الـقُـبُـلاتْ

*

" خـمـبـابـا " عـادَ زُرافـاتٍ

حـيـنـاً يـسـرقُ بـاسـمِ الـلـهِ

وحـيـنـاً يـقـتـلُ بـاسـمِ " الـلاتْ " (**)

*

وأنـا حـافـي الـقـلـبِ

أُفـتـِّـشُ عـنـي مُـنـطـفـئَ الـعـيـنـيـنِ

نـدامـايَ الأمـواتْ

*

حـيـن رأتْـنـي ذاتَ ســمـاوةِ حـزنٍ

أتـوسَّــدُ مـشـحـوفـاً مـهـجـوراً

مُـلـتَـحِـفـاً قـلـقَ النـخـلِ

أسـاقـي رمـلَ الـوحـشـةِ بـالآهـاتْ :

*

هـبـطـتْ إيـنـانـا مُـنـقـذةً ..

فـغـدَتْ دجـلـةَ

وأنـا صـرتُ فـراتْ

*

فـأعـادتْ لـلـنـهـرِ الـمـوجـةَ

والـوردةَ لـلـروضـةِ

وفـسـاتـيـنَ الـخـضـرةِ لـلـواحـاتْ

***

(2)

أخـطـأتُ يـومـاً

فـارتـكـبـتُ حـمـاقـةَ الـنـسـيـانِ

حـيـن غـفـوتُ قـبـلَ تِـلاوَتـي مـا كـنـتُ أتـلـو كـلَّ لـيـلٍ

قـبـلَ إطـبـاقـي الـجـفـونَ عـلـى الـحَـدَقْ

*

فـأقـولُ يـا ذهـبـيـةَ الـمـشـحـوفِ " إيـنـانـا " :

لِــتـحـرِسَــكِ الـمـلائـكُ بـاسـمِ ربِّ الـسّـومـريّـةِ والـفـلـقْ

*

نـومـاً سـعـيـداً

تُـصـبـحـيـنَ عـلـى هــوايَ حـبـيـبـتـي ..

وأنـا عـلـى شــفـتـيـكِ أصْـبِـحُ ..

شَــلَّ أجـفـانـي الأرَقْ

*

فـإلـى الـعِــنـاقِ غـداً صـبـاحـاً

والـمـزيـدِ مـن الـجـنـونِ وجـوعِ مـحـراثـي الـى تـنّـوركِ الـمـائـيِّ

إنْ صَـهَــلَ الـشـبَـقْ

*

وأبـى ســواكِ حِـصـانـيَ الـمـخـبـولُ مـضـمـاراً

وراءَ الأفـقِ

عـذبَ الـمُـنـطَـلَــقْ

*

أخـطـأتُ يـومـا

فـاغـفـري لـيْ مـا ارتـكـبـتُ مـن الـحَــمَــقْ

*

فـإذا بـلـيـلـي دونـمـا غَـسَـقٍ

وصُـبـحـيَ لا شـفـقْ

*

واغـتـاظَ مـن قـلـمـي

الـوَرَقْ

*

فـلـتـغـفـري لـيْ غـفـلـةَ الـعـصـفـورِ

نـام قُـبَـيْـلَ مـيـعـادِ الـغـسَـقْ

*

لا نـومَ بـعـد الـيـومِ

إلآ أنْ أقـولَ :

" عـمـي صـبـاحـاً دارَ " مـولاتـي الـمـلاكِ الـسـومـريّـةِ (***)

هـيِّـئـي وتـهـيَّـئي لـيْ (****)

كـأسَ خـمـرٍ مـن زفـيـركِ لاصطـبـاحـي

وانـسـجـي لـيْ بُـردةً مـن دفـئـكِ الـمـائـيِّ

عـنـد الـمُـغـتـبَـقْ

***

 

يحيى السماوي – أديلايد

.....................

(*) ورد ذكرها .. إينانا إلهة الحب والجمال والمطر والتضحية في الأساطير السومرية .وشامات الحسناء التي بعثها كلكامش لإغواء أنكيدو .

(**) خمبابا: الوحش المرعب الذي أفزع شعب أوروك ، فاشترك كلكامش وأنكيدو في قتله كما جاء في ملحمة كلكامش .

(***) المحصور بين المزدوجات من معلقة عنترة بن شداد في بيته:

يـا دارَ عَـبـلَـةَ بِالجَـواءِ تَـكَـلَّـمـي

وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاسلَمي

(****) نُصِبتْ كأس لكونها مفعولا به للفعل هيئي ... ويجوز نصبها على أنها حال للفعل تهيّئي ـ والأول هو الأصح والمراد في النص .. أصل الجملة : تهيَّئي وهيِّئي لي . .

 

 

قصي الشيخ عسكرمنذ زمن طويل: ان عبد لا يقدر مثلما لم يقدر آدم على العودة بعد ان طرد من جنة عدن. ذلك ما روّض ولو الى وقت ما افكارها التائهة الجامحة. لو يفصح عبد للشيخ عن حقيقة الاْمر. ربما الخوف من الزجر والتاْنيب. كيف تخون الزاد والملح . القرية آوتنا بعد كل تلك المحن. افهم يا عبد نحن غرباء حتى وان اشترينا كل بيت جوك، ما الذي يربطنا بهم الآن؟ انظروا الى ابن النمر يكاد يكون معزولا عن عائلته التي هجرت القرية واصرهو على البقاء!مع العلم انه ليس مقطوعا من شجرة مثلنا الا ان بعض الظرفاء والخبثاء يلمزونه حين تواتيهم فرصة ما لاْنه لم يغادر مع اْهله، فكيف بنا نحن المقطوعين من شجرة!

لم يا ترى ضرب الشيخ ابن النمر مثلا؟ اهو تحذير مبطن الى عبد الذي اصفر وجهه واحمر لذكر الاسم؟ كل الناس يعرفون انه فضل البقاء، والخروج عن اهله لغرض لم يعد مستورا كانت هناك حزازات. ومنافسات بين أل النمر وأل عباس المنحدرين من آل حمود الذين ينتشرون على امتداد شط العرب، نفور مكن في النّفوس دهرا، ثمّ ظهر في الأحفاد علنا. ولكي ينفرد ابن النمر بشط العرب وحده، لزم صف الحاج عباس، فبردت علاقته بأهله. معادلة صعبة قد لا يفهمها عقل عبد بعد، ولا يمكن أن تستوعبها الداهية وان كانت ذات ذكاء خارق يخرج عن الماْلوف، ومع الفجر تسلل الضوء مرتابا، فوقع بصرها على الاْب، وهو يستغرق في صلاته، فاْدركت انها غفت دقائق معدودة وصحت واْبوها على وشك اْن ينهي تسبيحه. الفجر سرقها من صحوها كما تسرق هدوء القرية ضجة البستان إبان كبس التمور. كل شيء هاديء…. فجاْة، كما لو اْن العالم انفجر…تداعى…هب من كابوس، وهي ليست الاطلاقة الاْولى، فغالبا ما يتعرض طائر الحجل والحمام والبط العابر سماء القرية الى النار. بيت جوك لم تشهد جريمة منذ انتشرت بيوتها بين البساتين، وكانت هي الارض لآلاف السنين لاتعرف الجريمة حتى هبط آدم وحواء اليها. كان السكون يتبعثر بلحظة فتصل شظاياه الى اقصى بيت جوك. الرصاصة هذه المرة لم تصب حجلا اْو خنزيرا بريا يختبيء وسط الحقول، فتبصر الصبية، من مكمنها، اخاها يضع يده على صدره ليسد شلال الدم، ثم يتهاوى داخل الاْجمة، في اللحظة نفسها تلتفت الى شبح مقنع غير غريب الهيئة. يداه، استدارة راْسه، طريقة ركضه . الشبح يفر بين البساتين باتجاه الطرف البعيد من النهر (الكودي)، مع ذلك لاتجرؤ أن تطلق اية صيحة. تكظم حزنها كاْنها تجهل كل التفاصيل. الخضرة . الماء. العشب. النخيل. ليست الداهية وحدها شهدت مصرع عبد فالجميع هنا في بيت جوك شهدوا انها اول جريمة وقعت بعد فرار آل النّمر من دون قتال.. يومها كانت الأرض عذراء بكرا، مثلما هي الآن، وقد قتل ربع سكانها إذ صرع قابيل هابيل. اهربي. اهربي. اهربي. عثرة عند جرف الساقية . كدس الشوك. انسي ولو للحظات خدشا في الركبة وشوكة انغرزت في ابهام الرجل اليمنى وعند العكس لسعة من ورقة نهمة كالدبور. اكثرمن جرح وشوكة. الزمي الصمت حتى يتبين أهل القرية الامر، ولم يستغرق الصمت بعد الاطلاقة طويلا. سرعان ما اجالت النظر الى وجه ابيها الذي ورده النعي خلال دقائق .. لقد قتل عبد. فعلها المجرمون.. فتطلق الصبية صرختها المحبوسة. صرخة تحملتها دقائق طالت كالسنين ... ثم ذاع في القرية خبر صدقه الناس ما عدا الصبية الصغيرة. الثارات القديمة سبقت الأمن والأمان. الثاْر . عبد قتل من قبل عشيرته . اختلقت حكايات بالوان متنافرة. كيف تسلل القاتل؟بل كيف عرف مكان الثلاثة؟، وهذه بيت جوك بعيني الصبية وأبيها والأهالي الاصليين بحر من دم اختصرته قطرة سالت من عبد. كادت ان تنساق الى حرب طاحنة تأججت ملامحها في الصدور بين آل الحمود وآل النمر حتى قيل ان كلا من العائلتين حفروا خنادق تحيط بالبيوت وبدلا من ان تسيل قطرة واحدة كان يمكن ان تستقبل القرية سيلا هائلا من الدماء يطغى لحظة بعدلحظة فيغطي ناحية شط العرب كلها، لولا ان صرخ الباشا في اهله: لا وخرج منهم ليقف في صف آل حمود ويدافع عنهم وكأنهم اهله، فوقف آل النمر مذهولين ثم انكسرت شوكتهم ثم انسحبوا بهدوء، ربما عرف الباشا ان قبيلته هي الأضعف ولعله لحكمة سابقة لأوانها لزم صف آل الحمود ، وبمرور الزمن رحل آل النمر فرادى عن القرية . واحدا اثر واحد حاملين غيظهم على ابنهم الذي لم يترك القرية. كان يمكن ان يقال حرب بيت جوك، فتكون هي الجريمة الأولى. الدولة نفسها اعجبت بذكاء ابن النمر وربما كان هذا الحادث احد الأسباب المهمة لمنحه لقب (باشا) اما اهله وان كانوا قد انسحبوا فانه ابقى بينه وبينهم شعرة لم تنقطع ربما تجسدت في زيارة ما لهم من قبله كل سنة او سنتين مره .

لكن مصرع عبد، تلك الجريمة الأولى ذكرت القرية بكل الخلافات السابقة التي لم تنفجر:

- عبد؟ كيف حدث الأمر‎‎؟

- الثأر كالنار تلتهم الأخضر واليابس .

- العائلة كلها مسالمة لم نعرف عنها الا خيرا .

- من يدري .

- القاتل كان يستهدف الشيخ بالدرجة الأولى وفي آخر لحظة استثنى وقصد عبد .

- ليحرق قلب الأب .

- يقال الله اعلم

في النهاية تستقر الحكايات بحكاية واحدة ان محروبا قتل الشيخ اباه وعمه وسبعة اخوة له تسلل في زي شحاذ، وأخذ يجوب العراق قرية قرية وحارة حارة، ينام ساعة او اقل باليوم ليواصل الليل بالنهار، وفي رأسه خطة خبيث. الخبر ذكّر الناس بشحاذ اشيب الشعر طويل اللحية مكث في بيت جوك نهارا قبل شهرين طرق وقتها الأبواب بحثا عن كسرة خبز وقليل من الحنطة . الناس تذكروا لحيته الطويلة البيضاء ونسوا تقاسيم وجهه هو المحروب بعينه قاتل عبد معروف اذن سلفا، والشيخ الأب وقف صلبا امام الدموع الريح الهابة هوجاء من حوله عجزت عن ان تحمي ظهره، واذ زاره الناس معزين نطق اطول عبارة سمعت عنه في تلك الأيام: مكتوب على عبد ان يموت برصاصه . من اطلقها لا يهم . بيت جوك اكثر عددا الآن من الدنيا يوم خلقت كان عليها حين ذاك اربعة فقط: آدم وحواء وابناهما، مع ذلك حدث القتل ربع سكان الأرض فني بلحظة واحدة، ولوذهبت الى مكان آخر، لكان لابد من ان يأتي قاتل عبد الى هنا بصفة تاجر او بائع متجول او عابر سبيل، فتصيبه رصاصة في المكان ذاته والساعة عينها . كان الشيخ الأب بعيدا عن الدموع . كأنها تجهل الطريق الى عينيه، حتى اكتشفت الصبية خطأها فيما بعد فعلى الرغم من كونها الداهية الا أنها - شان الآخرين الغرباء - ظنت اباها يضم بين جوانحه حديدا لا يلين . ذات ليلة خاتلت نفسها بين اليقظة والنوم . السماء صافية . النجوم تستند الى سعف النخيل، والبدر مال بهالته الشفافة باتجاه الأفق الغربي حيث عريشة العنب. كان كمن يتسلل فخيل اليها انه يخطو الى الخارج، فاقتفت بعد لحظات اثره . لم يذهب بعيدا، وقف عند حافة النهر، ورفع رأسه الى السماء . كانت هناك اصوات تنق من السواقي . ضفادع . جنادب تصر، وثمة كلاب تنبح من بعيد . الخشوع يسبق الأشياء. لم يطل تحديقه بالسماء، فنكس رأسه ومال الى جذع نخلة كما النجوم، وبدأ ينشج بصوت عال، فلك يدور بالحزن الى ما لا نهاية، والسماء تلتف بصوته لتبحث عن شئ مبهم معه. في كل مكان نحن غرباء. في السابق حيث الأهل. وهنا. وها هي النجوم يا أبي تغادر السماء وتستند الى النخيل . الدنيا فلك دوار، يوم لك ويوم عليك، ولحد الآن هي علينا، فمتى تصبح لنا ! لن تتركه وحده، مثلما انطوى قلبها على سر يتعلق بأخيها عبد، ترددت قليلا، كانها تخشى من تأثّره اكثر من غضبه، وهمست على بعد خطوة منه:

- أبي ! أبي .

رفع رأسه باتجاهها وتوقف عن البكاء:

-ألم اتركك نائمة؟

قالت وعيناها تحفران الضوء الخافت بين الأشجار:

- جئت أُطلعك على سر

-الآن في هذه اللحظة؟

لم تعرف اباها ضعيفا قط، والآن تدرك أنه أعرض عن البكاء امامهما كي لايعرفا الذلة والضعف، وكف عن الدموع في اسوأ الاحتمالات امام الغرباء كي لا يشمتوا، أليس هذا ما ارادت الاعتذار به عيناه:

- فتحت عيني، فجاْة، فلم يقع بصري عليك، فزاد خوفي، وتلجلج السر في صدري.

- ان كنت تستطيعين الاحتفاظ به وحدك فلا تخبريني.

- ابدا ليس بمقدوري!

فعقب اشبه بالمستنكر، وهو يمسح عن عينيه بقايا آخر دمعة:

- لكن اخبريني أوّلا هل كنت تقتفين اثري؟

وكان لابد ان تعترف بما كان:

- نعم، وكنت الاحق عبد كظله إنّه القلب يا ابي.

- لم تعودي طفلة . (اقرب الى التحذير منه الى الاْسف):

يعلم الله أي ذنب اقترفه بحقكما.

دونما تمهل او روية قالت:

أعرف قاتل عبد .

جحظت عيناه لحظة، وانتقلتا بين النجوم المتهاوية ووجهها، ثم عاد الى هدوئه، واستدرك:

- هذا كلام يمكن ان نتحدث فيه داخل البيت.

وفي المنزل حيث اختفى كل شيء: الصرير ونباح الكلاب وضوء النجوم غير انهما ابصرا وجهيهما بوضوح تماما على ضوء المصباح الشاحب:

-منذ متى تتبعت المرحوم؟

- كثيرا ما شغلني تبدّله المفاجيء . ظننته الحنين ثم انتبهت الى انه بدأ يعتاد الخروج وقت الظهر .

- ولم لم أعرف منك؟

- منعني الحياء لا الخوف .

- وهل راْيت القاتل؟

- لا بل عرفت من هيئته شكله.

- ماذا عن وجهه؟

- كان ملثما.

- بين الكذب والصدق اربعة اصابع يا ابنتي.

- لن يخيب حدس ابنتك يا ابي . المشية ذاتها . الهيئة . الطول... .

قاطعها كمن لا تعنيه التفاصيل:

- ليت قاتل عبد محروب طالب ثأر كما شاع على الاْلسن!

لم يعد الاب الشيخ يبكي بصمت اْمام الداهية . راْته طفلا صغيرا يضع مرارا راْسه على ركبتها ويغط بنشيج محموم، فتتعلق عيناها بلحيته البيضاء، وصدره المزدحم بالعبرات، فتتركه يبكي، وحين تجف دموعه، يرفع راْسه عن ركبتها، ويقول: صعب ان افعل هذا امام العالم بل محال . لقد اثارها بكاء والدها الطفل، وعز عليها الدمع بعدئذ، وربما احترقت الدنيا، فكابرت دموعها، وقبل الحادث الجلل بيوم، هبت بوجهه كا للبوة الجريحة:

- ما عدت افهمك ( قالتها كاْم تؤنّب طفلها) ترى لم منعت عبد من القتل، فجئت به الى هنا ليُقتَل يا ترى لو كنت مضيت في طريقك!

بقي الشيخ هادئا لحظات. الآن جاء دورها. (ام عبد)، وعليك ان تدرك الاْمر جيدا:

- الموت هو هو في اي مكان، وقته معلوم لايتقدم او يتاْخر.

- ما دمت تعرف ذلك . لم خرجت بنا؟

- قلت الف مرة ساْموت ظالما هناك.

- لقد ُقتل عبد ولم يعرف لم تغيرت ومن حقي ان اعرف يااْبي.

فهز راْسه، يتمعن فيها لحظات وهي تعود الى هدوئها:

- اسمعي جيدا ياابنتي مادمت مصرة. ساْقول لك لم تغيرت: لكثرة ما قتلت، ويصعب حصر القتلى . طلبتني اكثر من جهة بثاْر، اصبح النوم محالا بعيني. شهر بكامله واْنا صاح يقظ، حتى وصلت الى احد المضائف ذات ليلة فوجدت شيخا جليلا نائما، وقد وضع جبته وعمامته جنبه، وفجاْة خطرت في بالي فكرة قد يعجز عنها الشّيطان نفسه، سارعت وخلعت ملابسي . وضعتها جنب الشيخ، ولبست ملابسه ثم انتحيت جانبا، ونمت. كان الاْعداء يتبعونني كالكلاب المسعورة واذ وصلوا ظنوا الشيخ انا، فاندفعوا نحوه، يمزقونه بسيوفهم، وخناجرهم، والسكاكين، لقد راْيتهم يقطعونه اربا اربا قبل ان يفتح عينيه او ينبس ببنت شفه، بعضهم لعق دمه. آخرون قضموا لحمه حتى جمجمته حولتها ضربات السيوف الى شظايا كالطحين. كانت لحظات اشبه بالكابوس، وعندما غادرت المكان بملابس الضحية امرت عبد ان يقف. قلت لنفسي:لقد ولدت من جديد فليقف الدم، لاْني ابصرت، واْنا اراقب مصرعي المزعوم، نطفا خيرة في ظهور كثير من اعدائي الذين ظنوني مت خطأ، بذور سوف تحكم العالم ذات يوم، فتنشر الخير، كل ذرة مني اصطكت بسوءال غريب عني:لم امضي في القتل، وساْلت نفسي مرات ومرات: لم اعلن عن نفسي. كان الاْعداء يطلبون رأسي وقد حصل. لم يكن بامكاني ان اطلع عبد على الخبر(وتوقف كأنه قطع اميالا وقرونا... . ونظر اليها نظرة المندهش وقال):

- ها قد عرفت كل شيء!

ما اغرب الواقع لمن يجهله، وهي لما تزل تحت سر الحكاية التي خرجت اليها من قمقم قديم:

- انكشف السر لكن بعد فوات الاْوان.

- كنت في حيرة. كيف ادرك القاتل سري، وتتبع الاْثر حتى كشفت انت الحجاب.

- اكنت تشك في احد؟

- الظنة حرام.

هذه المرة هبت كما لو ان جراْة مجرم خطر تدفقت فيها:

-ايضيع دم عبد هدرا؟

- انا وليّ عبد، وسوف ياْتي جوابي في الوقت المناسب.

لم تدر كيف يتصرف، وأيّ سبيل يسلك، وهو الذي اقسم الا يقتل مهما كان الامر. مادام هو ولي عبد فليتحمل دمه، فلتقبل بالحكم لاْن الامر ليس بيدها، وقد ادركت خلال الاسبوع المنصرم انها اقتربت من ابيها اكثر، وعرفت انها كانت بعيدة عنه، بيد ان الفيضان قطع عليهما الطريق، فبعد سبعة ايام على ليلة المكاشفة بين الصبية وابيها، جثم على الانفاس جو ثقيل. الهواء راكد كبركة ساكنة، ومنذ الصباح ازدادت شدة الوهج، اما البساتين فقد تغير لونها الى حمرة صفراء، ولا حركة في السماء فالعصافير والبلابل والحمام انزوت منكسرة بين الأغصان . وحده الذباب يحوم في الغرف وعلى الأزبال وبين الزرائب . انه سكون شديدالغرابة . اقرب الى الموت. الجمود. حين تقف الاغصان وتصمت الكلاب والعصافير والاوز، لابد ان يحدث أمر ما     وفي ايام الحر، ساعات العصر مباشرة، اذ تخف حدة الحر، اعتاد الشيخ ان يخرج، الى البستان، هناك حيث يصطاد السمك. كان يجلس في المضافة والمصحف لا يغيب عن ناظريه، صوته ياتي عذبا رقيقا رخيما يلفه الخشوع:

والضحى.. والليل اذا سجى.. ما ودعك ربك وما قلى.. وللآخرة خير لك من الأولى.....

ثم صلى ركعتين وعاد يرتل الآية، مثنى وثلاث ورباع. لا محالة لا بد من امر. كان اذا رآى حلما صام عن الكلام الى الظهيرة، وقد تعودت الصبية على ان تسمعه يرتل القرآن كل يوم. فجاْة قطعت عليه تلاوته اصوات استغاثة. نداءات تحرك لها الهواء الساكن، وفزت الطيور من مكامنها . نباح، وصخب. اضطراب. فوضى. كابوس: ياأهل( بيت جوك) . الفيضان . الفيضان قادم. هبوا الى جبل عريزة او اهربوا الى مكان آخر. ستغرق شط العرب كلها . يا اهل (بيت جوك) الفيضان. الفيضان. الناس في سباق مع الزمن، وعليهم ان يرحلوا الى جبل عريزة ليحلوا ضيوفا على اطفالهم الصغار. المحذور وقع، وهذه علامة اخرى تشير الى افول نجم بيت جوك. لم ياْت الخطرمن الغرب حيث نهر شط العرب هذه المرة اقبل غزيرا، هائجا، من جهة ايران. فيضان لا اول له ولا آخر، يقال والحكايات انطلقت من جبل عريزه، ان السد على البرّ انكسر من ثقل الماء، وطغى نهر(الكارون) كالبحر، ويقال ايضا ان ايران سربت الماء عمدا لتتخلص من الفائض لديها الماء: زغاريد وصراخ تكسرالصمت، للنار الصراخ، وللماءصراخ وزغاريد، فاهربوا الىالى مكان آمن... وقطع الشيخ تلاوته، وهرع نحو ابنته ليطمانها، ويهديء من روعها، ثم ليجمعا ما خف حمله وليس معهما غيره، ولمجرد أن اجتاز العتبة حتى توقف لحظة كأنّه جذوة من بقايا السكون الراكد . اغمض عينيه ومال نحو الحائط . وجهه انقلب الى صفرة باردة . الاصوات من كل جانب كزعيق ساحرات في مقبرة:اهربوا !اهربوا!

الجبل. الجبل.، والشيخ يعجز عن ان يتحرك، هيا يا ابي لنلحق. استند إليّ. ما اقرب عريزة وما أبعدها. وقبل ان يمد يده، يتهاوى على الاْرض . تقول راوية القرية:أنّ الصبية، فقدت توازنها، ثم استعادته خلال لحظات. انتبهت الى نفسها فلم يعرف عنها بعدئذ أيّ بكاء لقد لامت نفسها ساعة المحنة وهي ترى الشيخ جثة هامدة أمامها:هل قتلته؟ربما هو السر الذي افاضت به اليه. لعل الشيخ صدق الحكاية التي شاعت بين الاهالي عن قاتل عبد المحروب القادم من مكان بعيد، ليفاجأه بعد ذاك خبر آخر، فيكتشف ان القاتل الحقيقي من اهالي بيت جوك، حسابات جديدة، وهم اكبر من ان يطيقه قلبه المتعب على ان الداهية وان عاتبت نفسها الا انها اقتنعت كونها ادت واجبها وسلمت الامانة الى صاحبها، وهو على قيد الحياة، وإلاّ فأيّ عذاب ضمير تواجهه لو صمتت إلى أن يُدرك أباها الشّيخ الموت. وحين انتبهت الى نفسها، وتماسكت، اطلقت صيحتها التي علت على نداء الطوفان: يا رجال…يا رجال اتفرون وتتركون الجثة بغير دفن؟ الشيخ ! مات ابي مات ! اين تفرون؟كانت في سباق مع الزمن وعيناها تشخصان الى اقرب مكان. في المثلث المعروض للبيع حيث الاْجمة التي ترتفع قليلا عن النهر، وليس هناك من نبات، سوى فضلة للشوك والعاقول، هناك، راقبت الايادي المرتجقة، وهي تهوي بالمعاول على التراب. ليس ثمة وقت للصراخ وحده. القرية كلّها تصرخ وتزغرد . تصرخ وتزغرد. ونداء الطوفان اْكثر حدة من اي صوت . ناهيك عن جنازة شيخ غريب لا أحد يعرف من اين جاء . كانت عينا الصبية تتماسكان وتتحجران مع خفقات التراب . كبرياء ورثته عن ابيها. شموخ. يكفيها ان والدها الشيخ توفي في يوم عظيم يجمع الصراخ والزغاريد ليذوب حزن الصبية في المصيبة الكبرى. فاذا ساْل سائل بعد سنوات أيّ يوم توفي الشيخ؟أجاب الآخرون باتفاق كان ذاك يوم زغردت وصرخت النساء . كانت تترك الشيخ في مرقده وتصعد مع الهاربين الى جبل عريزة. سفينة نوح التي رحل اليها البشر وبعض الاغنام والدجاج، وكان اكثر ما يخشاه النازحون ان تخرج العقارب والاْفاعي من مكامنها في اثناء الليل اذ يعتدل الجو وتسري في التربة رقة الندى. العيون تراقب الماء في الاسفل وعينا الصبية وذهنها يشخصان حيث القبر وخلال الليل تتضاعف الحيرة . الحشرات تهوم حول مصابيح النفط، وشقوق عريزه تقذف بالمجهول. الماء المجنون يتدفق قي سورة غاضبة، كل ما يصيب الانسان والحيوان يمكن ان يكون دفع بلاء . القرية قالت باْجمعها كلمة واحدة الحمد لله اذ تكون الخسائر في غير البشر:افعى لدغت نعجة في ضرعها. صبي هب يصرخ منتصف الليل من عضة جرذ. كل شيء يهون فمن اين نأتي بالطبيب ونهر جاسم تعاني في الاْيام العادية من عسر الطريق، فكيف بها وهي تنقلب الىجزيرة على قبر!

- نحن نستقل سفينة نوح.

- هناك تآخت الحيوانات فلم تلدغ الاْفعى اْيّ مخلوق!

الاْفاعي هنا لا ينفع معها لا نوح ولا نبيّ الله عفرطون.

كان ذلك أوّل تعبير يبقى في الأذهان مدّة غير قصيرة تقول الراوية

قاله فتى يدعى الرواس أو ابن الرواس بدأ نجمه يلمع في المكبس فيما بعد:

- كفى سفاهة وكفرا، ماذا يحل بنا بعد.

حتى مرت ثلاث ليال حاسمة، وعينا الصبية، رغم الحزن، لا تغيبان لحظة عن تلك المشاهد . كانت قبل المعجزة تنساق مع هواجس قاتمة تشدها لكابوس عميق الغور يشخص امامها في الموت والفيضان والرحيل. الغالي قتل فكانت اوّل جريمة تقع . كان المفروض الا يلتقي عبد برقية كي يتحاشى ابن النمر الذي تخلى عن اهله ليقف في صف الحاج عباس، كيف يقدر عقلها ان يحل رموز القدر؟ وبعد عقد او يزيد من اقامتنا باع الانكليز بيت جوك وآذنوا بالرحيل واذ انكمشت القرية على همها اوّل هبوطها من الجبل وامتدت بعدئذ لتمسح آثار الطوفان كانت الحشرات والاْفاعي تدب الى جحورها، وتعود الخنازير البرية الى مكامنها في اجمات البردي واطراف المزارع النائية، التفتت بيت جوك الى نفسها فارتدت ثوبها اليومي . عادت لضحكها وبكائها، وقدرت فضل الولي، فزار الحاج عباس الصبية، ووقف بنفسه في مجلس العزاء، ثم زارها المختار، وتحدث بشأن القبر، كان اول من فتح الموضوع. كان لابد من الاصغاء لما تقوله القرية اذ ظهرت معجزة تالية، فقد سيق الى الضريح صبيّ ملدوغ من عقرب، وبزمن قياسي نسي الاْهالي اسم قريتهم القديم(بيت جوك)، وربما عنوا به قصر المستر دوسن، والمسبح فقط، واطلقوا عليها اسم السيد. اصبح القبر هوية القرية . كان من المفترض ان ينقل القبر الى النجف، فقد اعتادت القرية ان تدفن موتاها اوقات تنقطع بها السبل في قبور مؤقتة إمّا في عريزة او كما فعلوا بالشيخ، لذلك كان المختار يقول:

- لم يعد القبر يخصك ياابنتي وحدك بل امتد أثره الى قرية الدعيجي والسليمانية والبوارين والاْفضل ألا ينقل الى خارج نهر جاسم .

راْت الموت مرتين و سمعت ان الميت لا يعذب في قبره وهو مدفون بالنجف، فهل تخشى على حامي شط العرب من العذاب. كان تشعر بالاْمان مع ابيها حيا وميتا، لكن قلقا ما قديم الجذور كان يساورها حول المكان:

- تعرف ان الاْرض ما زالت معلقة، والانكليز لابد ان يفرزوا البيع عندئذ لايحق لنا ان نبقي القبر مكانه.

- مستر دوسن شخصية محبوبة، وعلاقته بنا كلّنا حسنة فلا اْظنه يتهوّر.

- وماذا عن المشتري الجديد؟

- يا ابنتي لا تتعجلي الاْمور فلكل حادث حديث، لا تخشي على الوليّ من عذاب القبر، فبفضله تراجع الطوفان، وببركته لن تموت نهر جاسم بعد ان يهجرها الانكليز تماما، أمّا ان كان ولا بد فلن يدفن الجثمان في مكان اخر غير نهر جاسم.

ويبدو أنّ ما جرى على لسان الصبية والمختار كان في محله تماما اذ أبت الاْحداث الا ان تطارد الوليّ حيّا وميتا، ويطارد هو الآخرين حيّا وميّتا ايضا، فاعتبر المستر دوسن، وغض النظر عن قضية القبر، ولو الى حين. على أيّة حال كانت هناك مشكلة كبيرة واجهته تختلف تماما عن سابقاتها، مع ذلك حاول ان يجرّب من غير ان يثير ضجه. الوقت ضحى، وهو راكب جواده في طريقه الى القبر. وفي نيته ان ينقل الرفات الى البر، عندها اعترضته الداهية. قالت له بحدة:اخش العليّ القدير . انّ ربّي اقوى منك. لا تكن كابرهة الحبشيّ. فاْجابها برطانته المعهودة والابتسامة لا تفارق شفتيه:

- يا امّ عبد قدري الظروف . القبر على العين والراس لكنه يعرقل صفقة البيع ويعيق ربط الاراضي الثلاث المفروزة

اسمع الانكليزي ثمّ ابدأ من حيث ينتهي حكمة عرفتها القرية الاْليفة وهي ترتدي اسم (بيت جوك) وربما تذكرتها الصبية في هذه اللحظة، فاْعرضت عن المقاطعة، واستمرّ يقول:

- كيف ابيع الاْرض من دون ان ازيل التلّة بكاملها . قدّري الظروف، واني اعدك بنقل رفات الميت الى أيّ مكان ترغبين.

كان يظنّ انّه بهذا العرض يرضي بنت الوليّ ويتحاشى جرح مشاعر الآخرين الذين عرفوه مجاملا لطيفا معهم في أكثر من مناسبة، والواقع انّه عرض الموضوع على المختار والباشا والحاج عباس، فنصحوه بالتريث، ثم رغّبوه في ان يحاول لأن السكان قد يتضايقون نوعا ما من نقل القبر لكنّهم لا يعدّونها جريمة تنزل منزلة انتهاك حرمة الاموات. اخيرا شجّعه صمتها، فتركها ساهمة ومال بمحاذاة ضفة نهر الكودي، يتبعه حفاران من العرب المعدان، ومع خطوات الحصان تحرّك شيء ما خفيّ عن االابصار. بالمرصاد. الحواسّ تعيه كأنّها فيه، فتحفظه كما هو لا تبهت صورته، فهو الذي اراد ان تكون للأرض حكمتها وكلمتها وللأموات صوتهم فعلام يزوروننا في المنام اذن، والصبيّة ترى اباها فيطمئنّ قلبها، واذا ما طاف عليها فانّ خيرا يقع، فما ان خطا الحصان منتصف الجسر، حتّى انقلبت الحال رأسا على عقب، ومن كان حاضرا شهد الحصان يصاب بنوبة جنون . من لحظتها هرع الحفاران الى الصبيّة يحتميان

بها وركعا عند قدميها يطلبان الصفح . كانت صرخات الرعب تنطلق من الحصان . القائمتان الأماميتان ارتفعتا لتخبطا في الهواء شيئا مجهولا. كأ نّه يعوم . عقابٌ سجين يهمّ بالطيران. تنين، تقدح عيناه شررا . ولكلّ ضربة حافر على الجسر دويّ لقدّاس جنائزيّ. العالم مذهول مشلول والحصان وحده يصهل. يحمحم يقرع برجليه ويعوم. وبدا المستر دوسن يواجه دقائق صعبة. اصطكت اسنانه واصفرّ وجهه وعلا الرعب محيّاه، كان مخيرا بين السقوط على حافة الجسر فيتحطم عموده الفقريّ او القفز الى النهر، فطار من على ظهر الحصان الى الماء وهو يهتف، وعيناه تحملقان باتجاه ابنة الوليّ:

- داهية . داهية. والله داهية !

كلّ ذلك حدث في لحظات . غضب الحصان . ثورته. جموحه، وهدوؤه المفاجيء. كان المستر دوسن يتخبّط بالماء ويتشبّث بالاْشنات الطائفة فوق السطح، باذلا جهده، وهو بملابسه الثقيلة وحذائه الطويل، لأن يصل الى الجرف، وبين السخرية والشفقة، صاحت الداهية بالحفارين:

- لاتتركوه يغرق.. انقذوه!

وقد ظلّت الواقعة حديث الناس الى وقت متأخر وتناقلت النبأ القرى القريبة حيث خالط اهلها زهو وفخر، ويبدو انّ المستر دوسن زار الداهية معتذرا لها عمّا حدث ووعدها ان يظلّ الوضع كما هو عليه، امّا الداهية فبقيت على مخاوفها لأنّ قضيّة القبر اثيرت من جديد، يوم اشترى أحد الأغنياء الأراضي الثلاث .

كان (ابن الجلبي) المالك الجديد غريبا عن القرية مترفعا عن اهلها، متعاليا، لا تربطه الا مجاملات واهية مع الباشا. ويظهر انّ الرجل مغرم الى حدّ الهوس بشراء البساتين وربما دفعه غروره الى ان يهمّ با قتناء معظم بساتين البصرة، وذلك ما فعله فيما بعد . بالتأ كيد سمع المالك الجديد بالمعجزة واغتاظ من الحال وفسّر ما حدث من معجزات سابقة سواء حدثت لمستر دوسن او غيره بأ نّها محض مصادفات، وأخبر المختار والحاج عباس، وتجاهل وساطة الباشا، قائلا:

- لو لم يكن القبر على التلّة لاضطررت الى ازالته لأزرع مكانه اربع نخلات تنفع ملكي. !!

كان لا بدّ للشيخ ان يغادر . الرحيل اصبح حقيقة كوضح النهار. كان اهل القرية في حلم من رآه رأي عيان ومن فاتته روْيته في الواقع أبصره في المنام. شاهدوا الداهية تقف عند رأسه . تراقب الحفارين . عيناها صامتتان كما لو انّهما تبحران الى غاية بعيدة مجهولة الأطراف. الوليّ نهض ملفّعا بكفنه . صافح اهل نهر جاسم واحدا واحدا. الأطفال .. النساء.. الشباب.. الكهول.. دخل في كلّ البيوت، وعانق النساء، قبّل الأولاد، ومسح على رؤوسهم، وطبع نظراته على الشمس، فنما زرع كثير، وأثمر بالخيرالشجر، أمّا الأهالي المبهورون فنسوا في لحظة العجب والدهشة ان يسألوا الشيخ الوليّ عن الأمن والسلام، فحدث ان خلّفوا وراءهم حسرة تتمثّل لعيونهم كلّما جدّ جديد من كوامن الزمن وخبايا الأيّام . ايّ واحد منهم سواء رجلا كان ام امراة يهتف اذ يلتقي الداهية‏: آه لو سألت الشيخ الوليّ وهو يزورني عن جليّة الامر، ظلّوا مشغولين بالزرع والخصب، في الوقت الذي كان يغادرهم نحو قبره الثاني، ثمّ يتوقّف لحظات كأنه يتذكّر شيئا ما فيغير طريقه الى بستان(ابن الجلبيّ)، فجأة انقلبت كلّ الاحوال على أعقابها، تحوّلت نهر جاسم الى كتلة جامدة، ولعلّه الكون معها . الطيور في الهواء وبين الاغصان والدواب والناس. الريح . الحشرات. الاصوات. جمدت لحظات او دهورا. لا نأمة ولا صوت. الشيخ الوليّ وحده يخطو الى حيث(ابن الجلبي) الذي يقف على بعد خطوات من التلّة يراقب المزارعين، والعمال وهم يغيرون ملامح الوجه القديم للارض . خلال لحظات تهدّج صوته، وتغيرت ملامح وجهه . همّ ان يحرّك يده ليفتح أزرار قميصه فاعترى انامله شلل . اصفرّ وجهه، وهرب كلّ منظر من أمام ناظريه. النور. الهواء. الصور، حتى التلّة والعمال، عندئذ ارتخت قبضتا الشيخ عن عنقه، فسقط جثّة لا حراك فيها. حينذاك استفاقت القرية من نوم طال لحظات او دهورا، والصرخة تنطلق داخل البستان بعد سبعة أيام من رحيل الشيخ الوليّ وانتقال الملك الى صاحبه الجديد:

- ابن الجلبي مات. مات..

- غريب..

- البقاء لله وحده..

- كلّ من عليها فان.

لو لم يتحرّش بالقبر.

- لكن بالأمس كان يتمتّع بصحة جيدة، ووجهه يقطر دما. من يصدق أنّ رجلا معافى مثله يموت فجأة.

وتناقلت البيوتات الخبر. ابن الجلبي الذي يملك نصف البصرة، ويسعى الى شراء النصف الآخر مات في اليوم السابع من طرده للولي الشيخ. معجزة اخرى، لم يشك من علّة، كان ياْكل ثورا بكامله، ويقال انه لم يزر الطبيب قطّ. كانت الداهية تقف عند قبر أبيها الجديد، وقد تهادى الى سمعها صراخ ما من جهة البستان، وعندما وصل اليها نعي (ابن الجلبي) حدّثت نفسها كأ نّها تخاطب أباها وهو حيّ:

- انت وليّ امرك، فمتى يحين الوقت.

فهزّ رأسه دون أن يتفوّه بأيّة كلمة .. ودلف في قبره الثاني... امّا الصراخ، فقد هدأ من الجهة الأخرى حيث القبر الأوّل.

 

د. قصي الشيخ عسكر

.................

حلقة من رواية: نهر جاسم

 

 

عبد الرزاق السماوينظرة أخيرة في المراة رشة خفيفة من عطره المفضل على ملابسه ..أقفل أزرار سترته تزامنا مع الصوت الخافت لساعة الجدار السادسة مساءا وبندولها الذي يترنح يمينا وشمالا ... أوصد باب غرفته وهمً بالخروج لحانته التي تعوًد ارتيادها كل يوم، لأول مرة طوًق مسامعه صوت أم كلثوم ياظالمني .. عند وصوله الباب الخارجي لاحت لناظريه يافطة صغيرة كتب عليها ممنوع المرور أمعن النظر جيدا واذا بمليكةٍ رائعة الجمال قد أسندت ظهرها على الباب ..شعرها على وجهها بعد أن أتعبه مجفف الشعر، خصلاته بدت منهكة فانسابت على خدود خمرية تزينها ألوان كأنها الفراولة، عيون أتعبها الأرق وبين جفنيها عشق أبدي ..أنوثة مجنونة ثملة بحب زوج أهملها بفعل حماقة حدثت بينهما قبل أيام .حمرة شفتيها رُسمت بأناقة بالغة، صدرها شبه عاري وتسبح في واديه حروف زوجها الاربعة .. دقات قلبها تتلاطم خوفاً من الفشل والخيبة لكنها أصرت على أن تُرجع زوجها الى الطريق الصحيح .. اعترضته حافية القدمين وساقين سمراوين تذوب لهما الأفئدة ..غيرةٌ كامنة أتخمت صدرها لزوج عشق الجفاء ..تفاجأ بها وأصابه برود غير مسبوق وقال لها : مابك ياامرأة دعيني أخرج ..فأجابته بغنج جميل : كلا ولمَ الخروج ألا أعجبك؟ ألا يكفي الخصام؟ وهل نسيت أنني زوجتك النقية؟ ألا تعلم أنني ظمانة بنهر حبك؟ أرجوك أن لاتتركني كل ليلة أسيرة الحرمان ..فقد مزقني شوقك ومللت الانتظار وعشت أياما صعبة ألا يكفي القطيعة ونحن في بيت واحد ألا يكفي من تنهدات المساء التي أنهكتني بسببك عد لي أرجوك وسأكون لك الزوجة والام والاخت والصديقة وكذلك النادل الذي يخدمك كما تحب .. كانت وقفتها المسترخية على الباب والعيون الساحرة ذات الظلال الخفيفة والكلمات الجميلة التي امتدت في أوردته خيوط حب أرعبت فيه السكون وأثارت فيه صخب عاطفة ساكنة .اغواءٌ قاتل لايمكن الوقوف أمامه ومناخ جميل زاخر بربيع عشق وحرارة أنثوية جاذبة استوجب عليه توقيع ميثاق حياة جديدة زاخرة بالاشواق والقبل ..... في أول الأمر ذهل من كلامها ولكن سرعان ما احتضنته واحتضنها وقبًل أحدهما الاخر وقال لها اذا كنت ظمانة بي فأنا سكران بك حد الثمالة .

 

عبد الرزاق جاسم السماوي

 

جوزيف الفارس(المشهد الرابع)

(صوت صراخ ينبعث من احد العمال متالما من شدة التعذيب)

رئيس العمال: كيف تنشر خبر وجود فتاة على ظهر هذا المركب؟

العامل: اقسم انني رايتها بام عيني .

رئيس العمال: امتاكد انك شاهدت الفتاة، (يجلده بالسياط على ظهره)

العامل: (يتالم وصارخا) صدقوني انني شاهدتها بام عيني .

رئيس العمال: (مستمرا بجلده) هيا قل انني كاذب واعترف بانها كانت اكاذيب ملفقة بحق سمعة قبطاننا .

الجمع المحتشد: هيا اعترف بالحقيقة وقل انك كاذب .

الاخر: انقذ نفسك من الموت والعذاب المهلك .

رئيس العمال: هه، ماذا تقول؟

العامل: ولكنني رايتها ياسيدي، بام عيني، وهي تسيرامامي من فوق ظهر هذا المركب، كأنها ملاك، تسير بخطوات فيها شيئا من الانوثة والرقة والاحساس ، وعطرها الاخاذ والمنبعث من جسدها مع هبوب انسام هذا المحيط، ياويلاه من رائحة هذا العطر الذي انعش غرائزنا المكبوتة، وهيج مشاعرنا واحاسيسنا، عندها جعلتني احسس انني محتاج الى النصف الاخر من جسدي .

رئيس العمال: اسكت ياهذا، انك بالحق مهووسا ومجنونا ، وهذه السياط ستعيدك الى رشدك، والى رجاحة عقلك . (يجلده بالساط) هيا قل الحقيقة، وانقذ نفسك من هذا الهلاك .

العامل: حسنا حسنا، كف عن جلدي .

القبطان: (يظهر كالفريسة والتي تتهيأ لافتراس فريسته، ضربة قوية من الموسيقى، سكون، قهقهة عالية من القبطان) اما زال مصرا على انه شاهد الفتاة بام عينيه على ظهر هذه السفينة؟

رئيس العمال: نعم ياسبدي، الا انه عبر عن ندمه، واعترف بحقيقة كذبه .

العامل: (بصرخة قوية) صدقوني انني رايتها، رايتها بام عيني متجهة الى كابينة هذا القبطان .

رئيس العمال: (يجلده جلدا مبرحا) رحمة بجسدك واعترف بانك كاذب .

العامل: (يتأوه من العذاب)

القبطان: (يامر بتوقف الجلد) كفى ياهذا كفى، توقف عن الجلد، ودعني اقدم توضيحا، كيف استطاع هذا الصعلوك ان يشيع الفوضى والاظطراب على ظهر هذه السفينة، وبالذات بين صفوف هؤلاء العمال والبحارة النجباء .

رئيس العمال: لقد شجع على احتجاج العمال والبحارة ، مما دفعهم على تقديم طلباتهم بمرافقة النساء لهم اثناء ابحارهم، والا سيظربون عن العمل، والاعتصام داخل السفينة، وتجميد اعمالهم، والامتناع عن مواصلة الابحار .

القبطان: هكذا اذن .

رئيس العمال: نعم ياسيدي .

القبطان: اذن وزع الشراب على جميع البحارة وعمال السفينة، وحاول زيادة تعيينهم من المواد الغذائية وتحسين نوعيته، مع زيادة حصصهم من اللحوم البرية،واما بخصوص هذا العامل الشجاع والبطل، فانه محق بادعائاته مما شاهد على ظهر هذه السفينة وانما اخفق في كيفية نقل الصورة الحقيقية لاخوتي العمال .

رئيس العمال: (باستغراب) ماذا تقول ياسيدي؟

القبطان: مثل ما سمعت، فلا تتعجبوا مما شاهده هذا العامل ، لقد شاهد حورية من حواري هذا المحيط، واشتاقت نفسه لمضاجعتها وبهذا لم يحافظ على حرمتي، واما من جانبي فسأكافئه على صدق ماراه وتحدث لكم عنه، لانه كان صادقا بروايته .

رئيس العمال: (مستغربا) ولكن ياسيدي، كلامك هذا يدل على اننا قد ظلمناه، وقسونا عليه !!!!

القبطان: بسيطه، نعتذر لهاذا ونبدي اسفنا له، وسنحاول رد اعتباره .

رئيس العمال: (باستغراب) كبف؟

القبطان: (يضحك ضحكة عالية) انت مساعدي الحميم، وتسالني كيف؟ ياللعجب،

(بصوت عالي) لنكافئه بلقاء مع حورية البحر ، برميه في قاع المحيط، لنجمعهم في مشهد غرامي يليق بواحد متعطش للحب والغرام، هيا عجلوا ونفذوا الامر صفدوه بالقيود والسلاسل، وارموه في قاع المحيط ليلتحق بحوريته البحرية0 يضحك مستهزأ .

رئيس العمال: حسنا ياسيدي (محاولا سحب العامل لتقييده بالقيود الحديدية والسلاسل لرميه في قاع المحيط) .

العامل: (يصرخ مولولا) كلا ياسيدي، رحماك يامولاي .

القبطان: (لرئيس العمال) تمهل، لا تقيده بالاصداف والسلاسل، انما اربط في قدميه صخرة كبيرة لعلها نمنحه فرصة للنجاة بنفسه، هيا نفذ الامر .

(العمال وبعض البحارة مع رئيس العمال، يربطون صخرة كبيرة في قدمي العامل ويرموه في قاع المحيط، تدوي صرخة استنجاد قوية من العامل وتنتهي مع ضربة موسيقية) .

(المشهد الخامس)

(في نفس السفينه)

العامل 1: مالعمل ياصديقي؟

العامل 2: لا شيىء، سوى الرضوخ .

العامل 1: سيأتي يوما ويقضي علينا جميعا !!

العامل 2: نحن الان بين فكي وحش مفترس، خوفا من ضغط فكيه علينا، عندها سنكون في عداد الموتى .

العامل 1: وكيف سنتوخى شره، يجب علينا اخذ الحيطة والحذر من اعوانه، ونحن هنا بعيدين عن اليابسة، وليس لدينا اية وسيلة للنجاة الا الرضوخ لعبوديته !!

العامل 2: انك على حق ياصديقي، اننا وسط اذان تسرق السمع للوشاية بنا لدى القبطان، ان هذه السفينة مليئة من اعوانه، انهم العيون الساهرة على مصالحه، و ليس امامنا سوى الرضوخ .

العامل 1: انما هذا الرضوخ ياصاحبي مذلة واهانة لكرامتنا، واجحاف لانسانيتنا !!!!!

العامل 2: كلام فارغ، اية كرامة وحقوق انسانية في هذا المركب الذي يسيطر عليه دكتاتوريا ووحشيا مغرم بمص الدماء، ان هذا الدكتاتور قد خدعنا وانكشفت حقيقته، كانت لنا به امال في النجاة، الا ان امالنا قد خابت، اتذكر احاديثه وشعاراته فبل استلامه لقيادة هذا المركب؟

العامل 1: نعم اتذكر ذالك، كان يقدم لنا الافيون على طبق من فضة، اقوالا ووعودا بتنفيذ شعاراته الرنانه، والتي جعلتنا نرقص ونصفق فرحا وابتهاجا به، الا انها كانت كالسراب، واحباط عزائمنا باتجاه العيش برغد وسلام، كانت امالنا للحرية من خلاله ليست لها حدود و انما مع مزيدا من الاسف، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن (موسيقى حزينة مناسبة للمشهد)

العامل 2: بفضل اسياده، وبمؤازرة اعوانه وازلامه، وبصورة غير شرعية ودستورية، استطاع هذا المنافق الدكتاتوري السيطرة على قيادة هذا المركب، ونحن ليس لدينا سوى الرضوخ لظلم جبروته، او الموت المحقق على يديه، فيما اذا ابدينا اي اعتراضا على سياسة قيادته للمركب .

رئيس العمال: اتسمحون لي مشاركتكم هذه الجلسة يارفاقي الاعزاء؟

العامل 1: (باستغراب واندهاش) اتكلمنا نحن ياسيدي؟

رئيس العمال: نعم، انتما بالذات .

العامل 2: تفضل ياسيدي، انت تامر ونحن ننفذ .

رئيس العمال: اولا، لا احب ان تضعوا مسافات مابيننا، وثانيا، من دون كلمة اسيدي،افضلها يااخ .

العامل 1: (باستغراب) يااخ؟

العامل 2: كل منا وحسب مرتبته الوظيفية ياسيدي على ظهر هذا المركب، هناك فرق مابيننا نحن الصعاليك، وبينكم ياسيدي، انتم اصحاب الكلمة الناهية، فكيف يصح مساواتنا مع معاليكم وسعادتكم ياسيدي .

رئيس العمال: ماسات ذالك العامل، اعادتني الى رشد صوابي، صراخه بات لا يفارقني ليلا ونهارا، في يقظتي ومنامي، في صحوتي واحلامي، انه ضحية ذالك المتغطرس الدكتاتوري:

العامل 2: اسمح لنا بالذهاب ياسيدي، نحن لا نفهم بالسياسة شيئا .

العامل 1: ان اردتنا ان نهتف يايعيش، فسنقعل .

العامل 2: وان اردتنا ان نهتف يايسقط، فسنهتف .

رئيس العمال: ها انتما تتكلمون بالسياسة، وتفهمون لغتها، فعلام الخوف؟ ان وحدنا صفوفنا، ونظمنا معارضتنا، واتحدنا بقوة متماسكة باتجاه العدو، فسنتغلب عليه، ان احببتم ذالك، واما ان عارضتموني، فسيكون حليفكم النير والعبودية، اوتحبون ان تبقوا عبيدا لذالك الوحش الكاسر؟، سياتي اليوم وسيطبق بفكيه على اجسادكم ويمزقها اربا اربا باسنانه الحادة، وبانيابه يمزق اجسادكم، وبمخالبه سيهرش لحمكم وعظامكم، واما ماسيسيل من دمائكم على ظهر هذه السفينة، فسيلعقه بلسانه، تشفيا بكم، واه على مصيركم والذي سيكون على ايدي هذا السفاح المنافق، فاختاروا مابين الحياة او الموت،انني اشفق عليكم يااخوتي، ولا اريد لكم الموت، بقدر ماارغب لكم حياة سعيدة تمضيانها مع اسرتكم واطفالكم: ها، ماذا قررتم؟

العامل 1: الا قل لي يااخي، ماسبب ضغينتك للكابتن، بحيث اصبحت لا تطيقه؟

رئيس العمال: حبي، حبي لكم، هو السبب في هذا التحول، وحياتي ايضا اصبحت اخاف عليها منه،

بالحقيقة، بعد تلك الحادثة المأساوية بحق ذالك العامل، اصبحت اخاف منه، وان لم نتعاون من اجل الحد من جرائمه، فسيأتي يوما ويقضي علينا جميعا .

العامل 2: لقد تفشت الامراض بين العمال، والجوع والحرمان، واننا ياخي نبذل جهدا اكثر من المطلوب ومن دون جدوى، ملابسنا رثة، وارزاقنا بائسة، وامننا مسلوب حينما نتفاجأ بفقدان عامل من العمال ومن دون العثور عن اسباب اختفائه، وحينما يصل الخبر الى مسامعه، لا يكتفي بالوعيد والتهديد لمن كان السبب في اختفاء بعض العمال، ومن دون اتخاذ اية اجراءات احترازية .

العامل 1: فقط صراخ وعويل وتهديد، ووعود كاذبه .

رئيس العمال: صدقوني هو لا يكترث لاي واحد منكم، مايهمه فقط مصلحته الشخصية، لاعلمكم عن سر من اسرار اعماله الا جرامية بحقكم جميعا، ان مايزيد من طعامه الفاخر، يرميه للحيوانات البحرية المفترسة والموجودة في مخابىء هذا المركب السرية، يغذيها على هذا الطعام، اضافة الى هذا، يغذيها من اجساد ضحاياه من العمال المفقودين .

العامل 2: ماذا تقول؟

رئيس العمال: صدقني مااقوله هو الحقيقة بعينها، هو لا ياكل الا مالذ وطاب من الاطعمة المطبوخة وعلى ايدي امهر الطباخين، بينما انتم، لا تاكلون، الا من المعلبات الفاسدة والتي قد انتهى موعدها، اسألوا انفسكم عن سبب انتشار مرض الاسهال المعوي والالتهابات المعوية بين اقرانكم من العمال والبحارة، مااسبابها؟ ومن اين جائتكم؟ امتنعوا عن تناول هذه المعلبات الفاسدة، عندها ستعثرون على الجواب الشافي .

العامل 1: ولهذا فوجئنا بانتشار الامراض المعوية بيننا !!!

رئيس العمال: نعم ايها الاخوة، هو السبب في انتشار هذه الامراض ومن دون اي اجراءات صحية ووقاية تقي عمالنا من الاصابة بهذه الامراض التي اخذت تقضي علينا .

العامل 2: وماالعمل؟

رئيس العمال: لا تخافوا، انا معكم، ساقف امامه واتحداه بملىء قوتي وايماني من اجل خلاصكم من العبودية والدكتاتورية، فقط لتنالوا حريتكم، وتعيشون احرارا وغير مقيدين على ظهر هذا المركب، وانني اعاهدكم بانني سأ قود هذا المركب الى بر الامان .

(صوت تلاطم الامواج بقوة وصوت صفير الباخرة –موسيقى)