عطا يوسف منصورقـتـلتِ الـحُلـمَ بالامــلِ الـكـذوبِ

                بظَـنّـكِ أنْ سَـيُـغـفَـرَ إنْ تـتـوبــي

أمـــا تـدريـنَ أنَّ الـقـتـلَ ذنـبٌ

                  كــبـيـرٌ لا يُــقــارنُ بـالــذنــوبِ

أمــــامَ اللهِ غــالــيـتي بـمـــاذا

                  يكـونُ العـذرُ في قـتـلِ الـقـلـوبِ

أمـا تـدريـنَ أنَّ الـقـتـلَ صـبـرًا

                     هـداكِ اللهُ حــوبٌ أيُّ حـــوبِ

فلا مِـنـكِ الـصلاةُ لـهـا قـبـولٌ

                    ولا صــومٌ ولا وِرْدُ الـغـروبِ

أمامَكِ فـانظري حـالَ الـمُعَـنّى

                    يَـسُـرّكِ حــــالُـهُ بـاللهِ ثـــوبـي

لـقـد بـالـغـتِ غـالـيـتي فـخلّيْ

                  لِـقـائي عـنـدَ نـاصـيـةِ الـدروبِ

دعـيني وافـتراضي الحُـبَّ حـربٌ

                 رَعَــتْــهُ كـــلُّ آلـهـةُ الــحــروبِ

وأنّ الـنصـرَ مـحـسـومٌ لـديـهـا

                  لـغـالـيَـتي وأُصفـادي خـطـوبِـي

فمـا الـجـدوى إذا أحـرقتِ فُـلـكي

                 وأمـطـرتِ الـمُـتَـيّـمَ بـالـكــروبِ

أيُـسـعِـدُكِ الـذي ألـقـــاهُ ظُـلـمًا

                لِـيَ الـمَـولى لأســـعـدَ بـالـنـدوبِ

كـفاني أنْ أُسَـطِـرَها قـصـيـدًا

             وعِـطرُكِ في الحـروفِ بـهِ هـروبي

قـتـلتِ الحُلـمَ غـاليتي فَـمَـهلاً

                 هـيَ الايــامُ تُـغـــري بـاللـعــوبِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

 

 

حسين يوسف الزويدأُحــبـُّكِ دومــاً وطــولَ المـدى

                     فــأنــتِ النــهايــةُ والمــبتـــدا

أُحــبُّــكِ حبــاً يفــوقُ الخيــالَ

                    فكلُ الوُصوفِ استحالَتْ سُدى

لأنّـكِ أنــتِ التــي فــي الفــؤادِ

                  تَربعْــتِ عــرشَ النـهــى ســيّدا

لأنّــكِ أنــتِ الـجُنــونُ الـهيـــامُ

                الصـراخُ الصيـاحُ الــذي أرعــدا

وأنــتِ الـتـي لو رأتْــها الـعيـونُ

                  لأنـكرَتِ الـكــحــلَ والــمــرودا

فحبُّــكِ لَــهْــفٌ ولحــنٌ رقـيــقٌ

                    وعــزفُ اشتيــاقٍ بقلبـي شــدا

وأنتِ : التيـاعي وشوقي إليكِ

                 كأعصــارِ عشـقٍ بعيــدَ الـمــدى

كسيــلٍ يـُجَرِّفُ عالـي السـدود

                   فــلا عاصمَ اليــومَ ، لا مُـنْجـِدا

فمنــكِ و فيكِ استجارَ الصريعُ

                  المُعَــنَّى الغريـقُ المنـادي: يَــدا

فأنـتِ الخــلاصُ وأنــتِ النجــاةُ

                 فكونــي لقلبــي الصـدي مــوردا

أرى العمــرَ دونكِ يعنـي الضيـاعُ

                فــكــونــي لأيــامــيَ الـمــرشــدا

لعــلّــي أســافـــرُ فــي مـقـلـتيـكِ

                فــمــوجُ الـبــحــارِ عـَتــيّــاً بــــدا

لأرســـو بشــاطــئِ حــلْــمٍ نـــديٍّ

                 أُنـاغي مســيسَ المُنــى المفْتـدى

علــيــكِ قــوامً يـشــــقُ الــظــلامَ

                يطــــلَّ علــــى عتمتــي مُــنْشِــدا

وصــدرٌ يُنــاجــي غــرامَ السنيــن

              وشــــلالُ لـهْــــــفٍ بِـــــهِ أُوْقِــــدَا

ويعلـــوهُ جَـعْــــدٌ كليـــلِ دموس

               ترونــقَ مَيْســاً ويعــصــي اليَــــدا

أقــولُ و قــد أثْخَنَتْنــي اللـحــاظُ:

              أمـــا آنَ للســــيفِ أنْ يـُغــمــــــدا؟

وحتــى اذا مــا شــدَدْنَ الـوثــاقَ

        ولـَـمْ يُرْجَ مَــنٌّ ، ألا مِــنْ فــــــدا؟!(١)

فَجــودي علــــيَّ بخمــرِ الرضــابِ

                 علــى القِــدْرِ: أنْ يعتلي المَوْقِـدا

لهيــبُ الشــفاهِ يـداوي الصــــريعَ

              كمــا الــمــاءِ للنــارِ قــــد أخــمــدا

فهـــــلّا تـَلُــمّــي شتــاتــــي الـــذي

           تشــظى سُهــــاداً عصـــيَّ الهــــدى؟

فلــولاكِ لا صــوتَ لي في الـــورى

              اذا مــا اشــتيْكتُ ولا مِـنْ  صــدى

***

د. حسين يوسف الزويد

..................

(١)  تناص او أشارة الى قوله تعالى في جزء من الاية (٤) من سورة محمد (حتى اذا ما اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداءاً)

* عذرا سادتي في المثقف الغراء لتأخري عنكم فأنا في مستشفى جراحة القلب لما أعانيه من اعتلال في عضلة القلب والشرايين دعواتي لكم سيداتي سادتي بالسلامة.

 

سهام جبارتأخذني دوماً للنزهة

تطفئ شمع السنين معي

تلعب كل الألعاب التي

تُذهبُ في حيرة

قد أفركُ عينيّ كي أصحو

أو أنادي ولا تجيب

تسدّ الأبواب عليّ

لتقول هيت لكِ

أخرجتُ لها لساني وأنا أصل الى الباب الأخير

ذلك كان في سنّ العشرين ربما

كلا لم أصل صدقاً الى الباب الأخير

كانت تخرج دوماً لسانها

وتضحك في تسلية

وأنا آخذ الأمر بجدّ وأبكي

تشكوني صديقتي

للشمع المنطفئ

كيف أني لم أتعرف اللغز بعد

وأعاقر اليأس

والندم

فيما هي تدور

وتدور هذه المتاهة الصغيرة اللاهية

دوامة تلمّ كل شيء

حين تكبر

أو تعصف

أو تشاغب

مدمنة على قتلي

صديقتي

المتاهة الطيبة!

***

سهام جبار

لمياء عمر عيادوفي التيه وجودي

ومرجعي في مسنتسخاتي

قلبي المرقعّ من لهفة ضاعت عند ابواب الانتظار

على غير انتظار أكتنف أحضاني لأجدك

أمضغ كلمات رتبتُها تنزلق في شلال وهم

وستائر العرض المسرحي التراجيدي

تُضحكني

وفي التيه مرايا تشاكس قُبح حلم

خيوطه مصطفة ّلترقيع شراييني

تنزف الى مصب العقل

والعقل فائض

يامن صنعَني التيه فكنت

محوت عقلي فزاد يقيني

كبتول تسقي النبيذ لذئاب

فترتعش الكؤوس وميضا

في عينيها نتواءات في صلب الصخور

على ضفاف المحيط يعانقها لطم الموج

ايها التيه في يقيني

وتيجان الوهم المنقوشة في ذاتي

افاخر بها السحاب وأرتق بها الرّعد

واصارخ البرق واصدق غيم الصيف

لازلت هنا على أرض الوهم

سمائي صور تتناثر من ذاكرة كلت الوجوه

متشابكة

كأصفار كتبها الجن

تلك الجباه والنواصي طلاسم

العيون تحجرت

ودمعي ابيّ لن يسكب عليها

فلتنشق الذاكرة أنصافا

وليصرخ تاريخي من عدمي

وليبقى لي تيهي لاكون

كحضارة تغرسها اكاذيب

فتورق ربيعا زائفا

***

الشاعرة التونسية: لمياء عمر عياد

 

عبد اللطيف رعريهكذا تراجع ربيح الحلم

لورائيات زمن كان التشابه أصلا للكون

فمن تشابه منّا فلا عجب ...

ومن أتى بغيرنا فهو عكس التشابه

 فلينتظر الرّشمة الموالية للقدر ...

من وحلٍ...

من نارٍ .....

 من ماءٍ ..

من كل شيء اخضر...

سقطت الرايات البيضاء

تحت أقدام صبية تصنع من وحل المزارع

تمثالا مبثور الدراعين للعبث

بعين واحدة لا تحيد ُعن راشقها

تدمع لهيبًا قد اضاء مغارةً يلتف فيها النهار...

قصرا أبوابه على الفناء تتلوا أغنيات النسيان

على إيقاع النسيان

خرابا يأتي بدون استأذان

وتأتي العرائس صدفة بظلٍ على الكتبان

برقصة عرّاها نهرٌ نام ألف عام

 من وحم عشقٍ تدلّل باسم السّماء فخرَّ الانام

وتهادت في ارض الله كل الكلمات

وشاخت في الاعمار كلها الاعمارُ

كل الأعرافُ

 كل الانصافُ

الطُّيور في اثقابها عاكفة على شللِ الإشارات

وقد أومأت بعماها لنحس آتٍ

   ترعاه بُومة عداها شبح الليل

لا غدو ولا رواح

لا شدو ولا قراح

امام نهر يأكل ساعات النّهار

ويطبِّلُ في قراره بعبء الأحجار

 وقائمة للأشرار

 ووجه خاب الظَّن فيه فثار

وجئنا على اعقابنا خاسرين

 نرقص بعيون مغمضة على وترين

 كمن يعقب وهمَ الاتي

 وفي يده حفنة ماءٍ باردة

وصرخة مديدة في جوف الصَّدى

 ثمن الخسارة

 نلحس تراب الامنيات

 بلسان أطول من الصمت فينا .........

ونعيد تخاريف العاجزات

 على ظهور تحمل ما لا سلام

ما لا كلام

ما لا صدق في النيات...

فمن أعادنا للوحل حتمًا سيعيدنا لزمن التشابه

حيث ضياع للحلم

حيث ضياع لرَّشمة الأولى

وبداية انهيارنا ...

لبناء ساعات النهار .

***

عبد اللطيف رعري /مونتبوليي /فرنسا

 

 

مصطفى غالب مهتديغريبة أنت يا عيوني .. تبكين حين الفرح .. تضحكين حين الحزن ...

غريبة أنت يا عيوني.. سفنك المبحرة في البعيد البعيد تجرُّ الموانئ إليها ...

بينما الليل يعيِّد في عيون النساء العائدات من الحقل ...

حزينة أنت يا عيوني ...

الجفاف يخيم على خلجان وجهك ...

و هذه الأرض لم تذق الماء منذ عمر طويل، لعلها نسيته أو نسيت مذاقه، إنها في حالة عطش قارس له، وفي كلِّ خطوة فتحت فماً لاستقبال نهر من الماء ....

حزينة أنت يا عيوني ..

وهأنذا جلجامش العائد من رحلة البحث عن اللقمة، أحمل بين أصابعي زجاجة خمر معتقة، حصلت عليها بعد تخمير عرقي في جرار التعب والغربة والقهر،

وعلى بوابتك يا عيوني،

كانت عيون الأطفال ترقبني كالفهود الهندية السوداء، وهي تستعد للخروج من وجوهها لتشرب رشفة مما معي

- إنه خمرٌ ... ألا تصدقونني ؟؟!!

+لا عليك ... إنه سائل كالماء ..بلهو الماء بعينه

-إنه خمر ويُسكر !!

+ أتريدنا أن نسكر أم نموتَ عطشاً ؟؟!!

ركضت فاراً بكنزي العظيم ..

ركض خلفي الأطفال والشيوخ والنساء والرجال والشباب ...

هربت إلى الأمام، وكلما سقطت قطرة من الزجاجة نتيجة هزات الركض والخوف ..

كانت أظافرهم تتحول لمعاول تشقُّ الأرض وألسنتهم تمتد كالجذور متعمقة في الأرض باحثة عنها بين الشقوق ...

تمسكت بعمق بزجاجتي كأنني صرت هي وصارت أنا ..خائفا عليها العطش الكاسر ومخالبه الملتوية حتى الحلق ..

و فجأة ..آه .. سقطت على الأرض ..

أفلتت الزجاجة من كفي

و راحت تتدحرج إلى أن ارتطمت بصخرة لئيمة

... فاندلق ما فيها على التراب ليرسم خريطة من ضحك وبؤس ..

و صلت الأيدي التي كانت تلاحقني ..

اختفيت خلف شجرة هرمة ذابلة، أرقب ضياع جني العمر وردة الأبدية والخلود..

امتدت الأيدي نحو الخمر لاستقباله،

اشتد الصراع فيما بين الأيدي... الأظافر... الأنياب... الأفواه ... الشيوخ ... الرجال... النساء ... الأطفال ...

و عندما هدهم الصراع بتعبه ..

نظروا جميعاً بما فيهم أنا إلى زجاجة الخمر الفارغة ..

و إذ بالأرض قد ابتلعت ما فيها من الخمر

لتبدأ ديدان الأرض تروي عطشها..

من نهر الدم الذي جرى فيما بينهم ...

حينها بدأت يا عيوني...

تضحكين

***

نصٌّ قصصي: مهتدي مصطفى غالب

 

عمار حميدتعالى صوت طرق الباب على صوت المطر الغزير المنهمر في ساعة متأخرة من الليل لأجد أمامي جارتنا العجوز التي تسكن في البيت المجاور لبيتنا، لم تنطق بكلمة ولكن نظرةً سريعة منها فسرت لي سبب حضورها المفاجئ.

- سآتي معكِ ...

كان ابنها الضرير ذي الأصابع الستةِ في يده اليمنى منذ ان خرج الى هذا العالم والذي فقد والده ايضا في حروب مجنونة لم أعد اذكر عددها، يصحو بشكل مفاجئ من النوم لينزل ويهيم في الطُرقات رغم ان والدته كانت تحكم اقفال الابواب وأخفاء المفاتيح لكن وبطريقة ما كانت تجد الاقفال مفتوحة كأنها ترحب بخروجه، اخذت معي مصباحاً ونزلنا للبحث عنه. وبعد بحث قصير وجدناه يقف تحت احد الاشجار مبللاً يتكلم بكلمات مُبهمة غير مفهومة رافعا رأسه ويده المشوهة نحو الاعلى كأنه يتكلم مع ظَلال تقف أمامه، أذكر ان أمي رحمها الله تقول انه يتكلم مع الجن وكنا نحن اطفال القرية نتجنب الأقتراب منه بسبب تصرفاته الغريبة هذه.

أمسكت به والدته بكل لطف راجعة به الى المنزل وهو لايزال يتمتم بكلماته المبهمة تلك ... مرت عدة ايام حين ألفيتُهُ جالساً على عتبة الباب وحيدا صامتا فجلست بالقرب منه:

- هل لازلت تتكلم مع نفسك؟

- أنهم يحاولون التحدث الينا...

- من هم؟ .... سألته

- ظلال الغابرين، الذين كانوا هنا منذ زمن بعيد جدا.

دائما ماكان يلوذ بالصمت بعد هذه العبارة، ثم يقوم متلمسا طريقه يريد الدخول الى المنزل ولكنه هذه المرة وقبل ان يصل الى الباب قال:

عمّا قريب سأرحل انا وسترحلون بعدي أنتم كذلك...!

لم أفهم معنى ما قاله ومالذي قصَدَهٌ من ذلك تاركاً وراءه تساؤلات وعلامات استفهام، وفي احدى الليالي أنهمر المطر غزيرا مرةً اخرى وهرعت انا والمرأة المسكينة نبحث عن ولدها وسط ظلام الليل ولكن هذه المرة لم نستطع العثور عليه وتظافر سكان القرية بعد ذلك للبحث عنه في جميع الأرجاء وبائت كل المحاولات للعثور عليه بالفشل.

مر مايزيد عن العام ونسي الجميع الأعمى الذي كان يتكلم مع نفسه، بعدها فوجئ جميع سكان القرية بحضور العديد من رجال الشرطة يطلبون منا اخلاء منازلنا والاستعداد للرحيل خلال فترة معينة والمباشرة بدفع تعويضات مالية حيث أخبرونا ان علماء الآثار اكتشفوا عن طريق الأقمار الصناعية مدينة اثرية سومرية عظيمة سيغير ظهورها الى العالم مجرى التاريخ كما انها محفوظة بشكل جيد جدا تقع مباشرةً تحت قريتنا ... وعم شعور بين الجميع ان الأعمى الذي اختفى قد رحل مع الظلال التي كان يكلمها.

***

قصة قصيرة

عمار حميد مهدي

 

قادة جليدقتلوك يا جمال

وقتلوا الشرف الرفيع

وقطعوا الخيط الرفيع

وقتلوا آخر ما تبقى للعرب من كبرياء

أضاعوك يا جمال

وأي فتى أضاعوا

هل أرثيك اليوم يا جمال

وهل عسى ينفعنا اليوم الرثاء

و كيف يرثي القتيل القتيلا

مات الشرف العربي

في عيون الجزيرة الحزينة

وما عادت تبكي لبكائنا السماء

تداعى القوم من عرب ومن عجم

وشيوخ القبائل من غابر الزمان وآخر الزمان

إلى ذكراك الأخيرة

يقدمون العزاء على مائدة الموت البارد

ويرتشفون فناجين النفط والموت

ويتبادلون الإبتسامات على الهواء

لا حديث يعلو على رائحة النفط والموت

لا حديث يعلو على لغة الغنيمة وكسر العظام

لا حديث إلا عن حكم دية القتيل في الشريعة

أما القاتل فعلمه عند الله

قتلوك وصلبوك يا جمال

وباعوك حيا وميتا في سوق العملة و العمالة

ولكنهم ما قتلوك وما صلبوك

ولكنك شبهت لهم

 

الدكتور قادة جليد

 

لبنى ياسينلا بأسَ ببعضِ البكاء

هذا وقتٌ للمتعبين فقط

لمن تشقّـقَ قلبُه صمتأ

للوروردِ التي تذبلُ دونَ صوت

للريحِ التي تتساقطُ على أقدامِ غاباتٍ منسية

للشجرةِ الراسخة..في وجهِ الشتاء

لقلبي الذي يقاومُ السقوط

فيموتُ واقفاً كل مساء

سجّلتُ هذه الكلمات على برنامجِ الصوت في جوالي، كحديثٍ سريٍّ ذو شجون بيني وبين نفسي، هي رسالة حزنٍ شفيفٍ أهمسها بلا جلبةٍ لهذه التي تشاطرني الحزن، ويرتديها جسدي ثوباً يبليه الوجع، هي كلماتي لنفسي..لروحي المنكمشة هناك في مكان ما تخاتلُ أوجاعها في صمتٍ، كلماتٌ أهدئ من روعي بها، وأمنح نفسي إذناً ببكاءٍ أخرسَ، وأنا أنفثُ دخان سيجارتي في وجهِ صورتكَ، أتفرسُ في ملامحكَ، وجهٌ هادئٌ يخفي بركاناً ثائراً، رجلٌ بخمسةِ فصولٍ، وأربعين طقساً وثنياً، وندبةٍ في الروح.

البكاءُ ليس أحد طقوسكَ الأربعين، ولم يكنْ يوماً طقساً من طقوسي أيضاً، إلا أنه بإمكان الدموع أن تخذلَ عيني..منذ ذلكَ اليوم الذي وجدتَ فيه كأيّ سيدٍ نبيلٍ فردةَ حذائي ذاتَ الكعب العالي.

أقفُ حائرةً أمام طقوسكَ، الأقنعة التي تنتقيها جيداً لتناسبَ طقسكَ ببهائه، أو بعتمته، تعلقه بمنتهى البراعة على وجهكَ، وكساحرٍ إفريقي حاذق، تصبحُ والقناع شيئاً واحداً، وينتحلُ القناع تفاصيلكَ الصغيرة بشكلٍ يصعبُ عليّ حتى أنا-التي رأيتكَ وأنت تختاره، وترتديه- أن أكتشفَ الحدود الفاصلة بين حقيقتكَ والقناع.

فصولكَ المضمخة بالأسى، والخيبة تارةً، وبالفرح تارة أخرى، هي أيضاً ملتبسة بشكلٍ فاخر، رجلٌ يستطيع أن يتحول من بردِ الشتاء، إلى لهيبِ الصيف، دون أن يمنحني الوقت الكافي لأعبرَ معه تلكَ التغيراتِ المناخية، لأجدَ نفسي أرتدي معطفَ الشتاءِ تحتَ شمس الصيف، وأتلاشى، وتتبخرُ أمنياتي، وضحكاتي، وكلّ أحلامي الصغيرة..تتبخر تحت لهيبِ شمسٍ غير متوقعة في وقتٍ لا يشبه الصيف في شيء، إلا في جحيمه.

وها أنذا ..في موقف لا أُحسدُ عليه، أقفُ في مواجهةٍ شرسةٍ مع نفسي، عليّ أن أتخذ قراراً نهائياً ، علي أن أهربَ منك إلى حيثُ لا يمكن أن تنالَ مني طقوسكَ الأربعين، ومواسمكَ الخمسة.

بذهولِ امرأة وجدتْ نفسها فجأةً، ودون سابق إنذارٍ معلقةً بين السماء والأرض بحبلٍ لا يكاد يُرى، وفقدتْ أرضاً تخطو عليها خطوةً أخرى إلى الأمام، أتفرسُ في ملامح خيبتي، أكاد أنكرها، إلا أنها تعري ذاتها أمامي تماماً، تكشف سوأتها بابتذال لا أستسيغه، حتى يتعذّر عليّ فعل أي شيء إلا الاعتراف بانتمائها العميق إلى تفاصيل ذاكرتي.

كيف أرسمُ خطوط حكايةٍ قادمةٍ تليقُ بك وبي؟

كيف أكتبُ البدايات ..تلكَ التي جنحتْ عن الطريق؟

كيف أنسجُ نهايةً تليقُ بكلِّ هذا العذاب؟؟

وكيف يصبح الوجعُ ترفاً ..؟

وكيف يضحي للشفاهِ ألف ابتسامة، إحداها فقط حقيقية؟؟

سأتّخذ لنفسي طريقاً لا يمرُ بطقوسك، وسأمشي على أطرافِ أناملي لئلا أوقظَ أحد فصولك، فتمطرُ فوق رأسي، أو ترعدُ وتزبد، أو تشويني بنيران شمسها الصحراوية الحارقة.

سأنتعلُ درباً ترابياً لم تنتبه يوماً إلى وجوده، دربٌ يجنبني كل ما قد أخشاه من جنونِ المسافات، والأزقة، والمنعطفات المراوغة، تلك التي كدائرةٍ مغلقةٍ، تعيدك كل مرة بخدعةٍ مريبةٍ إلى نقطة البداية، بينما أنت تستعد لتترجل من كل هذا الجنون.

أتدري:

قبل أن أصلَ إلى هذا الطريق المغلق، فكّرتُ بألفِ ألف عذرٍ لأفعالكَ لئلا يجفَّ من قلبي حبكَ الذي وُلد بصدفةٍ غريبةٍ افتعلها القدر ليمعنَ في رسم إشارة تعجب هائلةٍ على صفحات الذاكرة.

إلا أنَّ الأعذارَ انتهتْ، وطقوسكَ لم تنتهِ...

مزّقتُ الصورَ والأوراق، وكأيِّ امرأةٍ عاقلةٍ تدركُ أن حياتها في خطرٍ إن لم تغادر غرفة التوتر العالي تلك، وخشية على روحي من صاعقةٍ تجعلها تلاقي حتفها بأقسى طريقة عرفها الموت، مشيتُ على رؤوس أصابعي لئلا أوقظَ شمشون من سباته، كان شخيركَ عالياً مما منحني شعوراً بالاطمئنان إلى أنني سأقطعُ مسافات الضنى بأوديتها السبعة قبل أنْ تنتبهَ إلى غيابي.

أخذتُ معي مكنسة من القش، وصرتُ أسحبها ورائي، لأمحو آثار خطواتي فلا تستطيع أن تتبعني، أو تجدني مهما بلغَ منك الذكاء.

لم أضعْ عطراً لئلا يشيَ بي عطري، ويأخذ بيدكَ، ويجلبكَ خلفي.

درستُ كل احتمالاتِ هروبي، محوتُ كل الأدلة، أغلقتُ كل الأبواب والنوافذ، ومضيتُ على أطرافِ أصابعي مبتعدةً عن ذلك السجن الذي حبستني فيه باسم الحب، متجنبة فخاخ الذاكرة، ومنعطفات الحنين قدر المستطاع، متجاهلة ما استطعت أسماء الأيام، والشهور، والأرقام التي تشيرُ إلى أيام الشهر بثلاثينها، لئلا توقعني في مصيدة الأحداث، فتصطادني ذاكرةٌ مفخخةٌ برائحتكَ، وملمسِ جلدك، وصوتك، ولون عينيك، وكل تلكَ التفاصيل الصغيرة التي من شأنها أبداً أن تعيدني إلى سجنكَ بقلبٍ مكسور، وشفتين مبتسمتين.

بعد ثلاثةِ أيامٍ بلياليها من المشي المضني على أطرافِ أصابعي التي تشققتْ لوعورةِ الطريق، واجهتُ فيها العطش، والجوعَ، والخوف، والحنين، وكل انتكاساتِ ذاكرة متخمة بتفاصيلك، وصلتُ أخيراً إلى شارعٍ واسع، برصيفين أنيقين، ومساحةٍ واسعةٍ تبيحُ الراحة للخطواتِ المترددة، تاركةً خلفها غبارَ الطريقِ الترابيّ الضيقِ ليضحي ندبةً في الذاكرة فحسب، على ناصيةِ ذلك الشارع الأنيق وجدتُ رجلاً بانتظاري، واللهفة تبدو على ملامحهِ، باغتني حبورٌ رقيق، وامتنانٌ لرجل سوف ينتشلني من كل هذا الجنون، ويأخذ بيدي بعيداً عن تضاريسِ هذه المدينة الهادئة كالموت.

اقترب مني الرجل كثيراً، كانت الشمسُ ملتهبةً حتى أنني لم أستطع النظر إلى وجهه، احتضنني وشدني إلى صدره، انكمشَ ذلك الشعورُ المبهم بالتوتر، والخوف، شرعتُ قلبي للضوء، ورميتُ ببقايا الخوف في سلةِ المهملات.

مهلاً..هذه الدقات أعرفها، الرائحة أيضاً أعرفها جيداً، أنتزعتُ نفسي قسراً عن صدره، تراجعتُ إلى الخلفِ قليلاً، قليلاً بما يكفي ليكونَ المشهدُ واضحاً، وفتحتُ عينيَّ جيداً لأدركَ التفاصيل كما ينبغي، نعم ...كما ظننتُ تماماً، إنها دقات قلبكَ، رائحتكَ، كنت أنتَ..أنتَ وقد سبقتني إلى المكان المنشود، اتخذتَ طرقاً مختصرة، طويتَ المدى، وكنتَ بانتظاري هنا، وكنتُ أنا –بسذاجة طفلةٍ بضفيرتين- أعدو وأجتاز المسافات، أبتعد إلى آخر الكون، وأهرب منك بعيداً بعيداً، متجهةً إليك!!.

64 لبنى ياسين

لبنى ياسين

 

 

 

عدنان الظاهربغداديات / تسكّع في شارع السعدون

الحبُّ شرابُ

حتى كسرِ حمولةِ قضبانِ الجسرِ

تُسكرني لقياها

أغرقُ في مُنصَهرِ الليلكِ في دهشةِ مرآها

الكأسُ يُعدّلُ خطوةَ ميزاني

ضدّانِ القطبُ الأولُ والثاني

الكاسرُ مكسورٌ ضلعاً ضلعا

[دوما أو درعا]

في [بابلَ أو بنغازي]

حوّرتُ مطاحنَ جهدِ الريحِ لأبقى حيّا

أنْ تبقى الشمسُ على رملِ الهاجسِ شمسا

طوّرتُ مطارقَ آلاتِ التصنيعِ الحربي

فرأيتُ الجيشَ يُراجعُ كشفَ حساباتِ الصرفِ الصحّي !

بغدادُ ترابُ

بغدادُ عذابُ .

 ***

بغداديات / مالنخوليا بغداديّة

يأتي الليلُ

ما في الليلِ حَراكُ شِهابٍ يجري

أتوضأُ أحلامي قُطبا

لا يعرفهُ إنسانُ

كان شديدَ مروقِ ذؤاباتِ النيرانِ

 في شَفَقِ العُرسِ المُشتبكِ الدامي

الجولةُ خاسرةٌ ...

الكونُ يضيقُ وحبُّ التوقِ مَضيقُ

حيثُ السالكُ مُقتَحِمٌ مقحومُ

صيّرتُ الراهنَ قلباً مخروعا

الطبُّ ذراعٌ أعسرُ مكسورُ

يكلأني بالعين اليسرى

كبّرتُ له تكبيرا

علَّ المعلولَ (يُبوِّخُ) للجدوى

الساعةُ لا تمشي ليلا

خوفَ ضياعِ اللاهي والملهى

لا أرتادُ المقهى

تنهارُ بمرتاديها

مرحلةٌ عجلى مرّتْ

الموتُ قريبٌ منها كانا

لا يبرحُ بوّابةَ حُكّامِ قصورِ العدلِ

يجري خلفَ سرابِ دُخْانِ أراجيلِ المقهى

لا بَشرٌ في الشارعِ لا عَرَباتٌ تجري

مقفولٌ بابُ الميدانِ

ملغومٌ جسرُ الأحرارِ

عَودٌ للبدءِ وعَودٌ للعدِّ العكسي

آياتٍ يتلوها جَهْراً شيطانُ

فاتحةً لوليٍّ ينتظرُ الآتي غيبا

تستنزفُ أوراقَ الصُبّارِ وقودا

للبرزخِ في شقِّ النيرانِ

تتضاربُ في أسواقِ الفُوضى

أسواقٌ أخرى أهوارُ .

الطقسُ ثلوجُ

(القلبُ يلوجُ)

فوق الطبقاتِ الدنيا تأجيجُ

أُوّاهُ لِمنْ يا حالي أشكو

الشكوى شِبْه الشكوى

اللونُ الأعمقُ إحصاءُ

حاذرْ ! لا تسقطْ إعياءَ

السيرُ عسيرُ

الجسرُ يدورُ على ناعورةِ قصرِ الحمراءِ

جرّبْ ممزوجَ الطبِّ وجرعةَ حُمّى

من ثُقبٍ يخترقُ الأفعى نابا

الطبُّ على الأنصابِ عقيمُ

المُدخلُ سدٌّ مسدودُ

والشمسُ أصيلُ .

 ***

بغداديات / في ساحة التحرير

ميدانٌ التحريرِ وقودُ رخامٍ مصهورِ

يا حاملَ راياتِ الساكنِ والماشي

خضّبها ماءً رقراقا

النخلُ منائرُ شوكٍ تُبكيني

النخوةُ تأتيني خطّاً أُفقيا

من نوقِ الأشعثِ والأغبرِ والقفطي

طرُقٌ ملأى بحطامِ زجاجاتِ الدمعِ المُرِّ

كنتُ الواقفَ وحدي

أطفأتُ ذبالةَ حاجاتي قنديلا

حققتُ معارجَ ميزانِ الدنيا تلفيقا

روّجتُ لعهدِ التنسيقِ الآلي

مدّدتُ بساطي حتى ضاقت أرجائي

لكنَّ الثورةَ ما زالتْ ...

ماذا يجري

في ميدانِ وسوحِ متاهاتِ التبريرِ؟

نفط يجري

في عِرقِ مناجمِ تدويرِ المعنى

مُجتازاً بوّاباتِ حميمِ الخلُجانِ

ينفخُ ناراً في نارِ

كنتُ الشاهدَ حمّالَ البلوى !

البهجةُ في جسرِ التحريرِ بلا معنى

بيتُ القاضي قوسانِ وأدنى

الأخضرُ قُبّعةُ الرأسِ الحافي بُرجا

آخرهُ الكعبُ العالي

[بغدادُ رُصافتها كرخُ]

فلتشهدْ بغدادُ

ضاعفتُ كثافةَ ألواني

أبدلتُ اليُمنى باليسرى

قايضتُ مكاني

راسلتُ حمامَ الوحشةِ في نصفٍ ليلا

أطبقتُ جفوني لأرى في الظُلمةِ شيئا

الصوتُ المبتوتُ سيسحبُ من تحتي أقدامي

لفضاءٍ لا يخلو

من تكبيرِ هزيمِ وهمزاتِ الوصلِ

يفتضُ حوافرَ أفراسٍ طاشتْ

" لَعبتْ بالمُلكِ " وجاشتْ

فَعَتا في الشارعِ مدُّ

يا اْبنَ اللعنةِ لا تُطلقْ نارا

الساحةُ ميدانُ .

 ***

بغداديات / رومانسيات بغدادية

غيّرتُ كثافةَ أصباغي

أبدلتُ الأخضرَ باليابسِ عشّقتُ الأتعسَ بالنابي

علّقتُ اللوحةَ في صدرِ البابِ المقلوبِ

الجنسُ حرامي

الجنسُ مرايا تتكسرُ في الخلوةِ ألوانا

لا تُخفي ظمأَ الحُمّى

الساقي يتخفّى

ينأى .. يتباعدُ .. ينأى

يجترُّ عليقَ خفيفِ الجمراتِ

ذئبٌ في شُعلةِ نارِالعينينِ

ـ الجنسُ مُدامي ـ

كسّرتُ الأقداحَ وأحرقتُ الحانةَ والحاني 

ويلٌ للساقي من ثاري !

[والله لكسر المجرشةْ والعن أبو راعيها / عبود الكرخي] .

تنسجُ (شيرينُ) محارمَ للذكرى دمعا

تحرقها أيّانَ ـ متى ما شاءتْ

تجعلني أغلي في مِرجلِ كانونِ السبكِ

أبحثُ عنها نقداً صرفا

في دورة أسواق العُملاتِ

شيرينُ تعافتْ

لم تتركْ إلاّ رُقُماً

ختمتها برضابِ الشوكِ الدمويِّ البري

سِمةٌ أخرى تتبدّلُ فصلاً فصلا

ما بين خريفٍ أنهكني وشتاءٍ صيرّني صيفا

لم تتبدلْ شيرينُ

لم يتبدلْ شيءٌ فيها

رحلتْ ...

ركبَ الثوّارُ بحارَ الكاريبي

النارُ مشاعلُ إبحارِ سفائنهمْ

النارُ تحاصرهمْ بحراً بحرا

ماذا لو عادتْ شيرينُ

جاءتْ تتعثرُ بالمحظورِ؟

الوقتُ يمرُّ على أوراقِ الصفصافِ سريعاً

ساعيها حيرانُ

والموكبُ لا زالَ يُجيدُ الردسَ على صوتِ الحاكي

شيرينُ تُغنّي موّالا .

 ***

بغداديات / رومانس آخر / مشاكلة الأجساد

سيماءُ سناءِ مُشاكلةِ الأجسادِ

بعثرةُ اللاجدوى

أتخفّى منّي فيها

أمحضها وُدّاً من سابع حلقاتِ التكوينِ

الحلْقةُ طوقُ عِناقِ مصاهرة الأجسادِ

كانت (سيماءُ) تقودُ جيوشَ هزيمتنا

وأميرةَ مقياسِ الجولةِ في الطغيانِ

سِلْماً أو حرْبا

تتقلّدُ تاجَ شبيهِ القربى

إكليلَ سَخامِ الردّةِ في أصلِ الردِّ

(سرجونُ) خطيبُ مهارةِ جحفلها

جسَّ الأبوابَ وجاسَ سريعا

لم يفتحْ حُصنا

لم يركبْ نهراً أو بحرا

عرباتُ الجُندِ تفحّمَ قائدها

هل يبقى لي شيءٌ منها

أو تكتبُ لي أحيانا؟

سيّدةٌ تستوحي من كِسرى طاقا

لا تعبرُ جسرا

تخشى معركةً أخرى فوق الجسرِ

تركتْ وشْماً في البرج العالي

هتكتْ سترا

ضربتْ بالأخمصِ صدرا

شهدٌ في نحلِ مليكةِ عينيها

يتهجّى دوراتِ دواليبِ الشَبَقِ الشمسي

صحواً مقلوبا

تتشمّلُ شقّاً عَرَضيّاً بالطولِ

تُخفي ما يُخفي كفاها

بحرٌ يتبدّلُ في عينيها جُرفاً جُرفا

البحرُ جدارٌ من زَبَدٍ العِهنِ المنفوشِ

أبحرتُ ولم أقرأْ حاجاتي فيها

ألاّ تُعلنَ عصياناً مدنيا مفتوحا

في شاشاتِ فضائياتِ الدوحةِ وال (بي بي سي)

أمشي لا أدري أنّي أجري

 فوق موازينِ خفايا التنظيمِ البغداديِّ السرّي

لا أعبأُ أيّاً ما كانتْ

جوهرُها منظورُ الوهلةِ في البعدِ المنسوبِ إلى الكلِّي

أدنو منها ... لا أدنو

أخشى بطلانَ الشُفرةِ في عُقدةِ فعلِ السحرِ

أتقاضى أتعابَ ملاحقتي إيّاها

أُفُقاً في مُقلةِ أنوارِ الفجرِ

يتكسّرُ في مرأى إبحارِ مراياها

تَبّاً لفضيحةِ ذي لَهَبِ !

.....

 جاءتْ غضبى

تتلاطمُ أمواجا

تتوسدُ مقلوبي عَرْضاً طولا

تتقدمُ أنظاري صوبَ القرميدِ الناري

فِرناً من جمرِ الشبقِ المتواري

تَبّاً لخطيئةِ ذي لَهَبِ !

بغداديات / بابليات بغدادية

في بابلَ أحرقتُ ذوائبَ عشتارِ

لم أرفعْ قربانا

لم أحرقْ نذْراً كافورا

أطفأتُ الأنوارَ بصيصُ الظُلمةِ يُغريني

ماذا أبقتْ بابلُ للماشي غربا

للساهرِ في أرضٍ تُدعى أخرى

منسيّاً يتضاءلُ شبراً شبراً

حيثُ الناسُ نيامُ

الرؤيةٌ فيهم جارٌ جُنُبٌ مجنوبُ

عَنَستْ [ بلقيسُ ] وهدَّ السدَّ السيلُ

(هل تعرفني بلقيسُ)

(هل نسيَتْني بلقيسُ)

لا وطنٌ في الحلّةِ لا قسٌّ لا بلقيسُ !

ضاعَ البابُ فغابَ المشهدُ إلاّ تخمينا

كوّرتُ الذكرى

رتّبتُ الأحطابَ على فرنِ النسيانِ الذرّي

ما ضاءَ طريقُ منازلِ أترابي

ما طلعَ الزنبقُ من شُرُفاتِ شناشيل الأحداق الزُرْقِ

بابلُ ما زالتْ

تشرقُ من بين غماماتِ التعتيمِ الأولى

قاضيتُ شبابي فيها ردحا

لم أسهرْ ليلاتِ القْدر .

خمستنا كنّا في مُضغةِ موتور الأضدادِ

نلتحفُ المِطرفَ عُسراً أو يُسرا

شتتنا نفقٌ أعمى

بدّلنا لونا

أوجعنا ضلعاً ضلعا

الحلّةُ ما شاءتُ عِشتارُ

تنبذني ظِهريّا

تكتبُ خطّاً مسماريّا

معبدُها ينهارُ حذارِ حذارِ

يا بابلُ أنْ تنهاري

مِلقاط اللهوِ يكفكفُ دمعاتِ المُلتاعِ

الشارعُ ممتدٌّ أُفقيّا

دُورٌ للّهوِ وحاناتٌ عامرةٌ تصطفُّ رفوفا

مُقفَلةٌ إلاّ للواقفِ في الصفِّ

وهمٌ يتقدّمُ وهما

طينٌ في العينِ وفي الأخرى أملاحُ

إيّاكَ ولعبَ الشطرنجِ :

الجندُ ملوكٌ والفيلُ حصانُ !

 ***

بغداديات / رثاء بغداد

ناموسُ مدارِ الجديِّ كحدِّ الموسى

ينزعُ مسمارَ بزوغِ الفجرِ الدامي

سيّانِ الفاتحُ والمفتوحُ

الظلُّ ستارُ

لا يتبدّلُ ما داموا ...

لا ناصرَ لا منصورُ

مملكةُ يطحنها بوقٌ من عاجِ

فيها راياتٌ كُثرٌ سودُ

تتدلى أو تسقطُ للأعلى !

قافلتي خرقاءُ

تتوجّهُ؟ لا أدري

البحرُ وراها قَطَراً والناتو

لا يرفعُ فيها ناعورٌ سطلا

ترطنُ لهجاتِ حروفٍ بادتْ

وبقايا أوثانٍ دمّرها كفرانُ

حالتُها في الطائفِ حالاتُ

حُمْرٌ أجراسُ مشيئتها

لا رحمتها عُزّى أو لاةُ !

 ***

عدنان الظاهر

2012

جعفر المظفرنظرة منك هذا الصباح تجعلني أصل إلى آخر الليل وأنا أبتسم

من كثرة ما تأرجحت بين سعفتين على ضفتي عينيك

ما عدت أمتلك رغبة النزول إلى الأرض

فمن سيضمن لي قدرة السير متوازنا

ومن سيحرسني من ضحك الأطفال حينما يرونني أقع مترنحا

ما بين أُحُبكِ وأحُبكْ

 *

عيناك أنبأتني أن التحليق في الفضاء لا يحتاج إلى سفينة

وأن بالإمكان الوصول إلى القمر على متن ضفيرة

نظرة منك هذا الصباح تجعلني أصل آخر الليل وأنا أبتسم

عديني إذن أن تكوني أول من أراه في وهج الصباح

وحينما سنشرب قهوتنا سوية

ساحرص على أن أضع كالعادة فناجيننا الأربعة

واحد لك

وواحد لي

وفِنجانَيْن لمن سنعلمهما ذاك الصباح

كيف يمكن لمن يبدأ يومه بنظرة حب

أن يصل إلى القمر على متن ضفيرة

 ***

جعفر المظفر

 

ماهر نصروكأنه لم يزل حياً

من شرفةِ قبرٍ

يمدُّ يديه،

بواحدةٍ صافحَ أحزانها،

وبالأخرى  خلع شالَ رقبتها،

المُطرَّز بذكرياتٍ،

سوف تجئُ من صدرها،

وتحطُّ كفراشةٍ على آخر شجرة صبَّار.

وربما يخرجُ كما اعتادَ إلى عتبة قبره.

وكطفلٍ ينتظرُ أمه الغائبة،

يراها في كل امرأةٍ عابرةٍ،

يمسكُ ذيل أوجاعها،

يبحث عن وجهها في كتاب ٍ

خبَّأه في وردة بين عظامه،

في الترابِ،

بين نجوم ٍ لم يرها،

أو بين أقدام من يشيِّعون  قلوبهم،

ولغيمة تشبه وجهها يغنى .

ماهر نصر

 

صبيحة شبرأنت في دوامة، تفكرين في الخروج من الأزمة التي تكتوين بنارها، دهورا من المعاناة والألم،كثرت مصاعبك وتناسلت، وهو قد سافر بعيدا تاركا إياك، وحيدة كلّل السواد أيامك وقضى على فرحتها، لمن تلجئين؟ ومن يمكنه ان يخفف عنك الألم والشعور القاسي بالظلم الذي يصحبك دائما، لا سند يقف بجانبك، ليعينك، يمد لك يده مؤازرا، يسمعك كلمة تأييد، يتضامن مع آلامك، بابتسامة واثقة، تبدد ما ألم بك من ظلم، ويخفف ما حلّ بك من قهر، وما استبد من ظلام، ويمسح بيده الحانية على راسك المتعب المحروم، فيشعرك بالراحة،، رحل هو مبتعدا عن هذا الخضم الهائل، وكنت تظنينه بلسما يشفي جراحك، مصاعب كل شهر تتكرر، ولا تجدين لها أملا للحل، طلبات عديدة عليك القيام بها، من واجبك تسديدها، وأنت لا تملكين الا راتبك الضئيل، الذي يتبخر بداية الشهر

تفكرين وتفكرين في نهاية، لازمتك المستعصية، يبدو الا حل لها قريب، حلقة مفرغة تدورين بها، من يمكنه ان ينتشلك من هذا الألم؟ ويساعدك في التخفيف من جحيم الفاقة التي أحاطت بك ..

لم تعتادي ان تمدي يدك لمخلوق، أنت أبية دائما، ولكن ما الذي يفيدك هذا الكبرياء الشامخ؟ والإحساس الكبير بالكرامة، وأنت مغمورة بحرمان دائم، كلماته القليلة، تظل حافزا يحدوك الى الاحتفاظ بهذا السمو، الذي يمنح أيامك القا كاد ان يهرب

- عشرون ألف دولار، أضعها أمانة بين يديك، لتسليمها الى ابنتي سعاد

صراع دائم تكتوين بناره، أمور كثيرة يطلبونها منك، تعدينهم بالتنفيذ، لبيكم، سأمنحكم ما تريدون نهاية الشهر، أنت واثقة انه لا قدرة لك على الوفاء بوعودك، راتبك الضئيل يكاد يعجز عن تسديد الضرورات ..

الحل بيدك، لماذا أنت حائرة مترددة؟؟ والله قد أرسل لك من ينقذك من هذا الضنك

- سعاد ستقيم عملية لها في العين اليمنى، بناء على نصح الطبيب

كل شهر تتكرر الطلبات، قوائم طويلة عليك تسديدها، مبلغ الإيجار، مبلغ للكهرباء، مبلغ للماء، مبلغ مأكولات، مبلغ مشروبات، أقساط مدارس الأولاد، ملابس، قوائم طويلة من نقود، من أين لك بها؟؟ تقفين عند هذا الحد،لا تملكين القدرة على إنهاء قراءة اللائحة، ابنتك تريد عيادة طبيب الأسنان، ابنك يرغب بالسفر مع الأصدقاء، كلهم يسافرون يا أمي،

وأنت من يقوم بالسهر على راحتك من عناء هذا التعب المتواصل الأليم؟؟ ولا أمل في شفاء قريب من العوز الأزلي الذي لازمك منذ ان عرفته وحل بدارك، هرب بجلده بعيدا، وتركك تعانين المصاعب جبالا ترهق نفسك، أأنت جبل سيدتي؟؟؟ من يمكن ان يقف بجانبك؟؟ ويعينك على التخلص من الديون الثقيلة، وهذا القلق الكبير؟؟ أنت وحدك، هرب الآخر، تركك غريبة في هذا العالم، أولاد، ما زالوا صغارا، لم يعرفوا بعد طعم المعاناة، ان تعمل وتجتهد، وتكون عاجزا عن الوفاء بحاجات أسرتك

- لا أثق الا بك، عشرون ألف دولار، حددها الطبيب لإجراء العملية

راتبك المتدني القليل، لا يسد متطلبات الأولاد، صاحب المنزل القفص الذي تقطنين، يأتيك في اليوم الأول، أقساط طويلة، عليك تسديدها

- سعاد في رعايتك، بعد ستة شهور، تجرى لها العملية

الديون تتراكم، أنت في صراع دائم، لم تعرفي الخيانة،طوال حياتك القاسية، التي شهدتها معه، أذاقك السم زعافا، وهرب بعيدا، أنت وحيدة تناضلين، جيوشا هائلة من جنود الفقر، والفاقة، والترمل

أولاد صغار، ما زالوا جاهلين مدى تعبك، من يعلمهم انك تعملين ساعات النهار، والليل، لتوفير ما يحتاجون اليه من أشياء،

- عشرون ألف دولار تنقذ ابنتي من العمى، ولا أثق الا بك

مبلغ سينقذك من الفاقة، يمنح أيامك ابتسامتها الغائبة، يعيد الفرح المسلوب الى نفوس أبنائك، فارقتهم البهجة، حين ولى هاربا الى مكان بعيد، وتركك تجابهين العالم

- لم تعد الثقة تملأ النفوس كما كانت

أنت في فاقة كبيرة، تعملين طوال النهار، وجزءا من الليل، دون ان يبالي بك احد، أولادك، لم يفهموا ما تعانينه من تعب ومشقة، المبلغ الذي بعثه الله لك يخفف عنك ضائقتك، الأيام أمامك، اجتهدي، وجهزي المبلغ لإجراء العملية، احسبيه دينا عليك، وسدديه في الوقت المناسب

الخيانة ليست من صفاتك، وقد عشت بمنأى عن الغدر، والسطو على حقوق الآخرين

تعود الابتسامة الى ثغرك، سيدتي، أنت أهل للثقة، وسوف تظلين أهلا

  

صبيحة شبر

 

جميلة بلطي عطريلاءاتٌ من عمق الدّهشة تنفلتُ، تخترقُ جدار صمت مُزمن، كمامةٌ أرهقت النّبرات فتعرّى الصّوت مِنْ دفء الحديث.

حنجرةٌ باتتْ غريبة الانتماء، لا حرف يهزّها ولا صدى في ثناياها يتردّد  .

مجرّدُ غمغمة مكبوتة، حزينة يلبسُها ظلّ العَنَت، يمتصّ دماء جذورها فتنمو  قميئة حولها تطنّ الدّبابير وتسكنها الغربان، أغصانُها شتات هجين والورقُ يلتحفُ لون الخريف، حياة  يُكبّلها الممات.

في ذلك الظلّ المبلّل بطلّ الخنوع توالدت الحشرجات،نمت، تكاثرت والمكان يرتجّ تحت ثقلها.عالم فيه يعشّش الوهن، منه تتمعّشُ خفافيش اللّيل، كائنات غريبة، مقنّعة، تمتصّ الدّماء في شراهة وجوعها غول، ظمأ لا يعرف الارتواء.

في الفضاء الشّاحب ضاعت العلامات، مدينةٌ  فقدت كلّ الملامح، مقبرة للأحياء كاد يبلعها السّبات لولا كتلة سوداء، سحابة عملاقة هادرة أطلّت،شفطت الظلّ وابتلعت الشحوب،على باب المدينة وقفتْ، مشحونة قاب الانفجار.

في هذا الجوّ الخانق كانت اللّاءات وميض بْرق مُرعد، تهتزّ فتنبري الغمغمة هسيسا، طقطقة ثمّ رعدا يسقط الكمامة الجائرة . دويّ تنفلق له الأوتار وتنفتح الحنجرة بوابة عتق، صرخة تفتح النّوافذ الموصدة فيعبّ الصّدر ما به تتنفّس الشّرايين، هواء، قطر ندى، نفح يرطّب المسامّ فيستوي الصّوت جهوريّا . رعد مرعد : لا صمت بعد اليوم . لا كبح للجماح، مزيدا من الهواء، مزيدا من الشّمس والواحة الفيحاء ترخي أعذاقها رطبا شهيّة. معجزة بوح لا تعرف الانكفاء، كلمات كما السّيف تقطع دابر الظّلم، تنسج رداء قول سداه صدق ولحمته كبرياء.

حنجرة صفاء والصّوت قيثارة، تغريدة الحرّ في وجه الرّياء

 

جميلة بلطي عطوي - تونس

 

معن حسن الماجدشوقا تعاقــــرُهُ أجواءُ مرتقِــــبِ

                  مذْ همَّ مُقترباً من أمسهِ الخصِبِ

لاحتْ بِليلتــهِ راياتُ ذاكـــــرةٍ

                   والفِكرُ معْتكِفٌ في ليلهِ الرَّحِبِ

سرعانَ ما انتصبتْ أشجارُ يقظتهِ

              حتّى بدتْ أفُقـاً في حقـــلِ منْتصـبِ

فاشتدَّ مُرْتشِفا من كأسِ  نشأتِـــهِ

               عهدُ الصِّبا ثمِلا من هطلِ مُنسكبِ

من فيضهِ نهلتْ  أسواقُ لوعته

                  في حاضرٍ ألِفتْ أحداقهُ وَصَبي

لَمّــا تَداركه من وِرده بلـــــلٌ

                    أرسى جداولَه في ليلِ مُغْتربِ

أفواهُ ظلمتِه تروي خُطى زمنٍ

                  ما انفك محتفِلا في ليل محتجِبِ

كم شاردٍ غرقتْ في صمته جُمَـلٌ

               أبواقُها صدحت من فِيهِ مضطرِبِ

من رَيعِ صبوتِه يحظى بمثمرةٍ

                  في دوحها مددٌ للواحـــةِ الجُدُبِ

أفياءُ نائيـــةٍ  تنعــــى سواطعَهـــا

             إذ ما غفتْ، سطعتْ نيرانُ ذي لهبِ

سيلا يعانقهُ  طوفانُ ذي أرقٍ

                  إثنانِ في عسقٍ يسعـــى لمُنقلَبِ

تأتــزُّ مُهجتُـــه من شدوغانيـــةٍ

                  في جوفها شجنٌ يهفو لذي طلبِ

أصداءُها جنحت للأمسِ في لَهفٍ

                      فاحتلَّ لاهفُها أطلالَ منتحِبِ

ما من هوىً سُكبتْ في أيكهِ مزنٌ

                       إلا تساوره عن نفسه سُحبي

كنّا وكانت شفاهُ الوجد تقرؤنا

                    أوراقنا قُبلٌ في جبهـــة الكتبِ

كنا وكانت حشودُ الودِّ تسبقُنـــــا

                 تعْدو سِراعا ونغْدو دونما نَصبِ

قيثارةٌ عبثــت في ســــوحِ أفئــــدةٍ

              ناحتْ على وطنٍ من فوهة الطَّربِ

أهزوجةٌ سَألــتْ أطـــوارَ قافيـــةٍ

                 ما بالها نُظمتْ في مَفرقِ الكُربِ

***

د.معن حسن الماجد

العراق- الموصل

 

فالح الحجيةأفديكَ ياوَطني َالحَيــــاةَ وَمـــا لَهــــا

كلُ القلــــــوبِ بِحُبِهـــــــا تَفْـــدا كـا

.

أرْضُ العُروبــةِ مَوْطِــنٌ لِنِضالِنـــا

وجهادِنــــا ووفائِنـــــا بِمَــداكــــــا

.

وتبسّــــمتْ كــــل النفوس رَحْيبَــــةً ً

وَتَعلّقـــــَتْ في بَعضِهـــا أ نْداكــــــا

.

وُضِعَ التَّـعـــاوُنُ بالمَحَبَّةِ والرضا

وَمِنَ المَهابَةِ وَالّسَّماحَةِ هـاكـــــــا

.

نَفْسي فِداءُ الارض في ألــــق ِ الوَفا

فالخَيرُ والعُطْـْــــرُ النَّـديّ شَــــذاكـا

.

والقلـــــبُ يصْدحُ عاليا عند اللقـــــا

مُتشـــــو قاً إذْ يَرتَــــوي بِرِيـــاكـــا

.

هــذا العِـــراقُ بحبّــهِ يَسْــمو العُــــلا

خَيـــرُ البــِـلاد ِ تكاملــتْ طغـْراكـــــا

.

يا أيّها الوَطن ُ العَظيـــمُ بشَـــــــعْبــهِ

وَبذِكره ِ الصــــداّحِ شَـــــعّ ضِـياكــا

.

وتـوالـتِ الأحْــــــداثُ في أرجـــــائـــه ِ

قَـَسَــــما ً فَكلُّ الطامِعيـــــنَ عِـــداكــــا

.

وَتَجَمّــعَ الاشْــــرارُ في نَـزَقِ ِ الهوى

وَتدافعـــــوَا نَحو الرّدى بِـذًراكــــــــا

.

الحاقِـــدونَ الزّائِفــــونَ شُـــرورُهُـــم

لا تَنـتَـهي .فَـتَـقَطّــعَـتْ بِخُـــطـاكـــــا

.

وانفكَّ قَـيدُ الشّـــرِّ في حَلــكِ الـدُ جى

فَـتَنـاثَرَتْ أحْـــلامُهـــــــــم أشْــواكــا

.

خَسِـــــئَتْ نُفوسُ الحاقـــد ين فَما لَهُـمْ

بِبـِلادِنـــا غَيــرَ الشّــرورِ حَــراكـــــا

.

زُمَرٌ وَمِنْ بَحـــــرِ الدِمـــــاء ِ رَواؤهُـــمْ

ان ضـا قَ في بَحْر ِالحَيـــــاةِ مَـداكـــــــا

.

بِوجوهِهِمْ صَلَــــفٌ وَحِقْـــدٌ أسْــــــوَدٌ

وَهَـنَــتْ نُفوسُهُمـوا وَعَــزّ ثَـــراكـــا

.

وَتَفاقَمَـــتْ كُلُّ الامـــورِ بِحِقْدِهِـــــمْ

فالظالمـــونَ قُلـــوبُهُـم تَخْشــــــــاكا

.

في مَأتم ِالحُقــــدِ الدِّفيــن ِ تَنـــافَـــرَتْ

أحْلامـهُـــــم . وشُـــرورُهُم تَـبْـغاكـــا

.

لا خَيْــرَ في مَن شَـــــرُّهم بِـفِعالهِـــم

مِثْـــــلُ الجَبـــانِ لِســـــــانُهُ آخاكــــا

.

وَتَعالتِ الاصْواتُ تَهْــــدُ رُ عاليــــا

في كلِّ وَقْتٍ ثَــورَةٌ تَرْعـــــا كــــــا

.

وتَشــابكتْ ايْـــدي الأحِبـِــــةِ تَـنْتَـخي

وتَوَقّـــدَتْ في الرافديــــن سَـــــــناكا

.

هذي الجُموعُ إلى الشّـــهادةِ تزدهــي

تَبْغى النِّضالَ فَتَعـلّقَـــــتْ بِعُــــلاكـــا

.

كلُّ الشّباب ِ تَوشَّــحتْ أعْلامُهــــا

في ثـّــورةٍ جَبّــــارَةٍ تَفْـــداكـــــــا

.

كُــلُّ الجِيـــــاعِ تَـجَمَّـعَـتْ في ثّـّورّةٍ

بالحَقِّ تَصـْرَخُ والجِهــــادُ نِــداكــــا

.

إنّ الجُمــوعُ تَكاتَـفَـتْ في نَهْضَــــةٍ

وَعَـــلا نُفـــوسَ الثائِرينَ سَـــــماكا

.

يـا ثَــــــو رَةً- للغـــاشـــمين تَــهُــزُّهُـمْ

أيـْد ي الشّــبابِ . فيُسْــحَقُـوا بِرِحـاكـــا

.

ياثــورةً فيكِ الجِيــــــــاعُ تَصــارَخَتْ

فَـتَـكاتَـفـَــت أرْواحُهُـــــم تـَـرْعـاكــــا

.

يا ثائرا قِــفْ شــــامِخا ً حَــدّ الــذ ُّرى

وَانْفـُضْ زمامَ الضـَّعْـفِ عَن مَسْعاكــا

.

واشـْــمَخْ بِنفـْسِـكَ ثائـــراً وَمُناضِلاً

تَفــدي العِـــراقَ, وَشَــعْبُهُ يَحْيـاكـا

.

إنّ التي عّـلّتِ النُفـــــــوسَ وَفاضَهــــــا

أرْضُ العِـــراقِ , فَـمَجْـدُهــــا بِعُــلاكـا

.

كُـلُّ العِـــراقِ جُنــوبـُـهُ وَشِــــمالُــهُ

قَـدْ ثارَ في وَجْـــهِ الظَـلام . حَماكــا

.

وَصَحوتَ مِنْ بَعْـدَ الظَّــلامِ بِنَهْضَــة

تَبْغي الحَيــــاةَ سَــــعيدَةً بِرِضاكـــــا

.

وَصَحَـــوْتَ من بَعدَ الظَـلامِ مُزَمْجِراً

صَوْتُ الرّعودِ القاصِفـــاتِ عَلاكـــا

.

وَصَحَـتْ بِـِصَرْخِةِ ماجــدٍ بَغــــــدادُنا :

اللهُ اكبــرُ فالســــــماءُ.. سِـــــــما كــا

.

والبَصْرَةُ الفَيحاءُ تَنْفُــضُ شَـــرَّهـا

شُــــهداؤها بِنُفوسِـــهِمْ لِمَـــــداكــا

.

تبغي الحقائق ســـاطعات نـورهــا

اذ نالهــــا الاوبـاش في مغناكـــــا

.

وَتَجمّعــــَتْ بَعدَ التـَفـــرّقِ ِ وِحْـــــــدَة ً

مــاذا ارى.. مـــاذا ارى برُبا كــــــــا ؟؟

.

فالشــــعبُ أقْسَمَ ان يَعيشَ مُنافِحــــا ً

ذُ ل الهَــــوان ِ. بِنِضالـــِهِ يَرْعاكــا

.

والشــــــعبُ أقسَـــمَ أنْ يُوحِّــدَ صَفّــَه ُ

مُتلاحِمــاً مُتَزاحِمــــاً فَـكَـفــــاكــــــــا

.

إ نّ الذي مَـلأ النّفــــوسَ سَــــــعادَةً

هذي الجمـو ع تَـوَحّـدَتْ بِفَـضاكـــا

.

وَتَســـــانَتْ الأنوارُ في أ فـــق ِالنُّهى

وَتَســـامَقَتْ نَحو العُلى تَغْشــــاكـــــا

.

فالحَقُّ تَهْــــدُرُ عاليــــــاً أصْــواتُــــهُ

والخَيـــرُ يَنْبُـتُ غَرْسُـــهُ بِثَراكـــــــا

***

الشاعر د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

قصي الشيخ عسكر"كثير من النهايات تأتي عكس مانتوقع"

توقفت عن دلك جسد أنميتا التي لم تصمت عن الصياح بجملتها المعهودة كلهم أشرار أنا أعرفهم ونفضت يدي من رغوة الصابون حين دخلت الحمام مديرة الدار لتخبرني أن هناك شخصا على الهاتف يطلبني .توقعت أنها تيرينا لكن صوت مريته هولم جاءني متهدجا حزينا على غير ماعرفته عنها من مرح ولطف:

- مات السيد يوهان!

- ماذا تقولين؟

اليوم زارته الممرضة شأنها كل أسبوع فوجدته...

- أين تيرينا؟

- غادرت مكان العمل إلى المشفى.

لم أكن لأصدق الخبر فقد غادرت شقته أمس وهو بأحسن حال كأنما الموت ابتعد عنه سنين طويلة وكانت الأيام تسرع كحصان يصعب كبح جماحه، وأنا أراقب صحة يوهان المتردية ثم فجأة انتفض بصحة لاغبار عليها.. الحق أذهلني منظره وهيئته .خدان متوردان، حيوية مفرطة ونشاط غير معهود حتى إني رفعت بصري إلى الصورة القديمة للطيارين اللاجئين متأولا وجوه أحدهم فيه.هاهو يستعيد شبابه فلا شك إنه يحقق معجزة الحياة من جديد.لحظتها تذكرت زهوي.. إنك تموت بهذه العجالة أمر بعيد عن الاحتمال ولعل علاقتي الجديدة بحفيدتك منحتك أملا دفعك خطوة باتجاه الحياة.منذ تلك الليلة التي باتت عندي واتصلت بك من شقتي صباح اليوم التالي عبر الهاتف والتفاؤل والبسمة لايفارقان وجهك كأنك تشكرني من أعماقك. قلت أطري على تحسنك المفاجيء:

403 صي عسكر- أستطيع الآن أن أطمئن عليك فقد بدأت تستعيد نشاطك.

- غدا تأتي الممرضة لتجري علي معاينتها الأسبوعية وتبدي ملاحظاتها.

- آمل أن تكون الأمور أفضل وأفضل.

لو ثبت أني قهرت المرض لدعوتك إلى السفر معي هل تحب رؤية اليونان؟

فتذكرت أمرا وقلت:

- إنك لم تسافر قط ولاتحب السفر.

فهز رأسه وقال بأسف:

- أعترف أني كنت مخطأ. لاحت لي أكثر من فرصة لرؤية العالم .. هناك مناظر كثيرة في الدنيا علينا أن نراها فلو عدت إلى سن الشباب لغيرت نصف قناعاتي!

أما أنا ياسيدي لو رجعت طفلا لغيرت كل مفاهيمي!

وغادرت شقته وألق الحياة يتوهج في عينيه وينفي كل تخرصات الموت.. ناسيا أنها صحوة لاتبعث الريبة حطت على خديه وهومت فوق عينيه تهويمة صيف عابر ينوء بشمس مشرقة سرعان ماتنهار تحت وابل من الغيوم فيتلاشى دفؤها بعد دقائق وتذوب بموجة برد تزيدها هياجا لفحة رطبة الملمس وسماء اكفهرت بالضباب قبل الأوان.

قبل وصول الجثمان وقفت بباب المقبرة وكان كل شيء مألوفا..الغربان التي تلتقط الحب وترفع رؤوسها بين نقرة وأخرى تتطلع شأنها كل مرة في عيني أي عابر.. حمام بين أغصان كثة لأشجار عملاقة يطلق نواحا معهودا في كل زمان ومكان. أوراق مصفرة مخضرة تنثال من الأغصان وتتكدس على الرصيف. سيارات تذهب وتأتي.. مارة.. راكبو دراجات.. علم بالمنجل والمطرقة يرفرف من جهة محطة أستر بورت... آخر يخفق بالنجمات الخمسين نحو البحيرات.. مناظر عند تقاطع الطريق متنافرة لايجمعها إلا تلك المقبرة.

لم أذهب إلى البيت حالما غادرت مكان عملي.فلم يتطلب الموقف أن استأذن المديرة في إجازة طارئة غاية ماعرفته من مريته هولم أن السيد يوهان فارق الحياة في الساعة التاسعة مساء قبل أن يتمكن من ألاتصال بالإسعاف أو حفيدته. مات جالسا في مكانه المفضل، وسوف تنتظر تيرينا الجثة حتى تبرد فتعود معها .

وشخص بصري من داخل المقبرة إلى الشارع. كنت أتحاشى الوقوف على الرصيف خارج بابها الرئيسي.شكلي الشرقي.. سماتي.. لوني الأسمر لعل صفاتي تثير شكا من قبل حراس السفارة. لم أبال قط بالسفارة السوفيتية فهي بعيدة عن باب المقبرة والطريق العام لكني فضلت الانزواء في الداخل قرب الباب ومراقبة الشارع وإن دفعني الفضول أحيانا إلى أن أرفع رأسي وأحدق في جهاز من جانب السفاره ظننته آلة تصوير حتى استبدت بي الهواجس فتوقعت أن يقتحم علي المكان رجل أمن يسألني عن سبب وجودي في هذا المكان وبقائي مدة طويلة.

تلك اللحظة توقفت سيارة أجرة مقابل الباب، وهبطت منها مريتا هولم، فهرعت إليها. كانت تلف وجهها بشال أسود خفيف شف عن تاثرها وهي تقول:

- النعش في الطرق.

ومشينا باتجاه القبر الفارغ الذي فتح شدقة لاستقبال جثة جديدة وقارورة رماد، وماهي إلا دقائق معدودة وأجدني واقفا بين امرأتين متشحتين بالسواد يغطي وجهيهما برقعان أسودان خفيفان وامامي الحارس بنت والقس الذي راح يرتل ترتيلة تتغير في مقدمتها الاسماء كل يوم ولاتتغير سطورها أبدا:

يوهان ماترلنك

جئت من التراب

وإلى التراب تعود

فليتغمدك الرب برحمته

آمين

كان التابوت يهبط في حفرته ببطء كعلم ينحدر من ساريته العالية بمناسبة حزينة فتعالى نشيج خافت مخنوق من تيرينا في تلك اللحظة القاسية البطيئة تلاشى كل شيء في الضباب المتراكم كالكفن..السندباد المغامر انصهر مثل دوامة خاوية وعبدالله اللوريني قتل بانفجار لغم وتناثرت جثته..ضجيج السيارات ..غاب نواح الحمام..نظرات الغربان.. حفيف الأوراق الصفراء المنفلتة من الأغصان.. نباتات الوبيليا الزرقاء المائلة الرؤوس نحو شمس مجهولة..حشرجة المجرفة وهي تهيل التراب على القبر حتى حروف الشاخصة التي اتبثقت مثل نافورة عند رأس الميت:

يوهان ماترلنك

  1/4/1917   15/10/1985

تلك اللحظة التي خيم فيها السكون على المقبرة التي استقبلت جثة جديدة كان كل شيء يمكن أن يتلاشى سوى الموت.. الموت وحده ولاشيء سواه.

كوبنهاغن 1986

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

فاتن عبد السلام بلانمدخل

أبدّلتَ الطريقَ بـطريقٍ

وزرعتَ المسافات

بـأعوادِ شتاتٍ ونارٍ وحريق ؟

***

أنـتَ: أيُّـهـا الـواقـفُ

 بـيـن

سـبّـابـتـيّ حـيـرتـي

أيـن أنـتَ ومـتـى سـتـعـود .. ؟

*

كـيـف للـغُـبـارِ

أن يـطـمـسَ

وجـهَ الـمسـافـة .. ؟

*

 كـيـف للـحـروفِ

أن تُـهـاجـرَ

فـي حـلْـقِ الـريـح .. ؟

*

وكـيـف لـلـذكـريـاتِ

أن تُـشـمـّع

ب الأحـمـرِ

تـحـتَ خـطِ الـغـيـاب .. ؟

*

أيـن أنــتَ .. ؟

وأصـابـعُ الـدُخـانِ

تـبـصـمُ بـرمـادهـا

بـيـاضَ الـسـؤال ..

مـتـى سـتـعــود .. ؟

وأجـنـحـةُ الـضَّـجـرِ الـمـُنـدسّـة

تـشـلُّ أطـرافَ الـوقـتِ

فـ تُـعـرّشُ كـالـغـيـمـاتِ

فـوقَ سـواقـي الـعـيـون

وتـفـرشُ بظـلالـهـا

جـسـدَ الإنـتـظـارِ

وعـورةَ الـحـنـيـن ..

لـمـاذا تـردّدتَ فـي الـرُّجـوع .. ؟

وخَـفـقـةُ قـلـبـي

عـلامـةُ اِسـتـفـهـامٍ عـرجـاء

تُـسـابـقُ مـاراثـون الشَّـوارع

*

الأمـاكـنُ عـقـيـمـةٌ مـنـك

تـُهـاجـرُ خـلـفَ

 أمـومـةِ الأسـئـلـة ..

*

والإجـابـاتُ طـفْـلاتٌ لـقـيـطـات

يـُشـاكـسـنَ الـيـُتـمَ

عـلـى أراجـيـحِ الـضـيـاع ..

مخرج

كُل المطبّاتِ التي اِختلقتَها

في مسحِ أثركَ

حقول ألغام .. كلما اِنفجرت

كلما أثرتَ  بـجليدكَ

 براكيين جنوني ...

***

فاتن عبدالسلام بلان

 

عقيل العبوديوم صار للريح مأوى، الغيمة تناثرت اشلاؤها، وأندلع دوي صراخ عند ذلك الاتساع الذي كاد ان يهوي وسط قيعان تلك المحيطات المترامية في هذا العالم، لولا بكاء عصفور وُلد حديثا، ليلتقط الألم.

يومئذ الجبل المطل على ذلك الوادي، قرر ان يرتدي لباس أبوتهِ معلناً الحداد على تلك القطع البيضاء التي زُهِقَت أرواحها بشكل مفاجئ. 

الطيور السوداء جميعها استحضرت أثواب الحزن، حلَّقَت بعيدا، حتى ذلك الغراب الذي أُعيقَ جناحه الأيمن بفعل حجرة تهشمت عظامها تلبية لرغبة  رصاصة طائشة.

لذلك تازرا، الشجيرات التي داهمها الذبول قررت ان تعيش أطول فترة من الزمان تحديا لجبروت ذلك السقوط.

السماء اكراما اكتظت نجومها بالليل، أمومتها انصعقت، لتسري هكذا على شاكلة طفلة، انفاسها اريد لها ان تحتضر.

الارض بناء على ذات المعنى، استسلمت لعناق طويل، فتحت ذراعيها، الظلمة تبددت أطيافها ربما أملاً بالاحتفاء بشئ ما.

النبتة الشاحبة اختبأت خلف دموع مقلتيها. تكرر المشهد مرة اخرى، بينما راح المطر يَنبتُ أصواته  فوق خفيف ذلك التراب الذي قرر ان يفرض نفسه وسط الزحام، اما الاشجار العالية  فقد راحت تستقبل إستغاثات قادمة.

الشتاء تعانق بدفء محموم مع أنين بقعة من الضوء، غادرها القمر، سواد الليل مرة اخرى التحق بموجة برد قارس، الثلوج صار لها وقعا مخيفا.

الغابة، ذلك الاتساع، كعادتها راحت تأوي اليها الطيور، والأفاعي، بل وحتى جميع انواع الحيوانات المفترسة، وعلى غرار ذلك إلتحقت بأغصانها الزقزقات، وتعانقت مع قيعانها زخات اتعبها المطر.

السماء بناء، تألمت كثيراً، حاولت ان تعلن الخبر، بينما بقي الصمت عاجزا لا يقوى ان يلبي رغبة كتلة ثلجية التحقت بأفول شمس اجهشت بالبكاء.  

 

عقيل العبود/ San Diego

 

عبد الجبار الحمديلست معتادة فقد ابتلعت الحزن سواد حتى بات جلدي، تقريع وتجريح لا لشيء سوى أني أرملة نزق الموت زوجها فستباح حياته موعده دون تأخير، الغريب في الأمر أنه كان زوجا على ورق فبعد عودته من جبهة القتال في اجازة لمدة ثلاث أيام كانت الأسرع في إعتصار الزمن ليكون خاطبا وزوجا بعدها إلتحق حيث مكانه، عرفته وديعا رجلا بمعنى الكلمة احببته مذ كان يلاحقني ويتوقف على ناصية الشارع حيث أمر كعادتي من مدرستس التي أحب، هو أكبر مني بعدة سنوات غير أني لا أبالي بذلك فقد كان يملأ نفسي واوداجي احرارا حين ألتقيه، أما قلبي فلا استطيع وصف خفقانه حتى في بعض المرات امسك بحقيبة كتبي وأضعها عليه خوف ان يسمع ضرباته المدوية فتفضحني، قنعت به رغم أن والدتي لم تقبل به زوجا لحالته المادية، غير أن والدي أحبه ايضا وخبره فوافق.. ذلك من سنين خلت بعيدة بعض الشيء أما الآن فأنا موظفة وهو عسكري في الجيش كنت سعيدة جدا رغم غمامة الموت تلك والقطع السوداء التي غطت جدران بيوتات منطقتنا حتى لا يكاد جدار لم يكتسي السواد، وإن كان فارغا يغار ويندب حظه التعس على عدم أسوته ببقية الجدران، كنت اضحك حين تقول لي والدتي ستترملين قبل أوانك إن حياته معرضة للخطر في كل لحظة ستسمعين عنه وتلومين نفسك على ما فعلتِ، لقد كانت تزرع الخوف والهواجس في باطن عقلي حتى صرت أكره اي وسيلة اتصال او سؤال عني وعنه، فحذفتها من قاموس حياتي غير أن السنة وعيون أباحت بما لا أحب.. كان ذلك حين عودتي من عملي شاهدت العديدي من المركبات قد تجمهرت الى جانب الناس قرب دار زوجي.. ياإلهي نعش ملفوف بعلم!!! صراخ ولطم على الخدود، رجال ونساء تبكي، دون وعي اخترقت الجميع حيث النعش المسجى أمام الدار، انظر الى الوجوه الباكية والى تلك التي هلعت وتريثت ردة فعلي متسائلين ترى كيف تكون؟؟ لا أدري رميت بنفسي على النعش رفعت العلم من عليه، أمسكت بحوافه كان لا زال مغطى بدمه غير أنه بضعة أشلاء اذهلني منظره!!! لم اعي نفسي بعدها إلا وأنا على سرير في المستشفى والى جواري والدتي التي تبكيني... أمسكت بيدها وعصرتها لقد حدث ما كنت تتنبئين عنه ها هو قد مات رحل دون عوده، ساقني الى الخوف البعيد، شجب حياتي بعنوان أرملة، أحاطني بعيون غادرة ستلتهم عنواني قبل جسدي، ستنالني الألسن  الغبية بعبارات الشماته والرياء سيعتدون على سمعتي بحديث النسوة والفتيات قبل الرجال، وساوس شياطين ما بين أختلى بها قبل ذهابه وفض بكارتها، إنها غير باكر، وغيرهم يقول لقد رأيتهم في وضع لا يحسدان عليه، وحاقد يكرهه يقول إنها نحس عليه ما أن تزوجها حتى أخذت روحه وحياته.. أي عنوان شؤوم تكون هذه الفتاة، سأكون مثل البيت الوقف يا أمي، أتراني قتلت حياتي وأنهيتها حين وافقت علي الارتباط به؟! أظنك تسخرين مني وتحزنين لحالي في نفس الوقت؟ اليس كذلك؟؟ لا عليك أمي لقد كنت اعلم جيدا أن حياتي ستكون على كف شيطان، فالحروب أخذت ما اخذت من زينة شباب هذا الوطن ورجاله وحتى فتياته ونساءه، سأوعز الى الله ان يهرق الكثير قربان زناة عصر جاؤوا وتوسدوا سدة الحكم بدين اعمش، رسالات جديدة حفروها بمسميات كالرسالة المحمدية، خاطوا بمقدرات وأعمار شعب يستهلك ثلثي طاقته على عبارة هيهات منا الذلة، ثم يعاقب نفسه كون خذلها خشية التضحية، الغريب أنه يستميت في الدفاع عنهم ظنا انهم يخشون ضياع الوطن، ثم يتغافل أنهم هم من يخططون لإغتياله في كل يوم ألف مرة ومرة... حتى صارت حكايته سمجة ومملة، لم يعد يستسيغها الشعب، ترك حبل قضيته على الغارب، فتاه في جيوب كتل واحزاب، ارتقى سلم الجهل بالسواد، وقف يستمع الى خطب الراوي تلك التي تشرخت من كثرة تردادها بل تحول الى طبال وزامر، ملايين منهم جعلوها وسيلة تسوق بدعوة وجع أزلي، الاغرب أنهم لا يتقنون سوى فن الحديث أو الخطابة، والادهى من يقف كربوت مبرمج يمكنه ان يبكي شهورا وايام وسنين وهو يعلم أن بكائه لا يغير شيئا بل يقوده حيث محرقة الحروب، مسميات دولة خلافة، دولة مذاهب، إرهاب، تفخيخ، عبوات ناسفة، ذبح وقتل بأسم الاسلام والدين... ياللعجب!!! أي اسلام ودين جاء به الرسول كي تعمدوا الى اسقاط حجة العدل والسلام والطمأنينة، لو كان هذا هو الاسلام لما انزله الله وجعله دينا حق، ولما كان هناك أجر او ثواب.. بل عقاب صريح، لقد جننت يا حبيبي لا شك سأتحول الى حطام وبعده الى ركام او مرض معدي، كوني أرملة، تستدل عوالق المجتمع على رائحة المسمى ستعمل محاولة الاقتراب مني لنيل رجولته مخصية مقدما، لقد اخصت السلطة والدين كل الرجال فباتوا مجرد عوامل مركونه همها النوح والبكاء، ادوات احتياطية لشخوص تبرثنوا كالوباء السرطاني، كثيرا  ماذا اقول يا حبيبي وأنا اراك لا تستوعب ما أحدثك به... أو ربما فهمت بغريزة المحب المتوفى النكبة التي اقصد... إن الجهل هو وسيلة الارباب التي تبسط عبارات عبادتها اوثان آدمية لا شك ستعيد نفسها وتدخل الانسان البسيط ليحترق كالنبي ابراهيم ستلملم له الحطب من كل صوب، ربما لا تفلح بحرقه، أو ربما يشبه لها انه احترق بعد ان يحجب الله عنه النار ثم يرفعه إليه كما فعل مع النبي عيسى المصلوب، رحت شهيدا حبيبي، سيكتب عنوان جديد في بطاقتي مسمى أرملة ، يا لضيمي وسواد حياتي سابكيك سنوات سيركنني الزمن بسببك، سيتتهك الناس خدري بعيونهم وألسنتهم.. يرافقني جهل الذين لا ينفكون يكتبون عناوين ذلهم بطولات خارقة، ضاع كل شيء أنا وانت والوطن، لا اطيل عليك حبيبي لعلك فهمت ما اعني، وأظنني اكتفي بهذا القدر من الحديث فوق قبرك.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي