قصي الشيخ عسكرأشياء أبي صمتت في القبو

سيفه وحده أسمعه في العتمة يبكي مثل الطفل

يستدرجني الصوت وحين أنير المصباح

لاأسمع شيئا قط!

 

بركة

باركت جروحي

فغدت نهرا

ولعنت جروحي

فانتفضت بحرا

وسكتُّ عليها

فجرت حبرا

وفتحت الأرض ولم

أملك منها شبرا

وحفرت الصمت ولم

أملك فيه قبرا

كيف أدراي قطرات تهجرني دهرا

وتعود إلي بأشكال شتى توسعني قهرا؟

أشكال تخرج من ذاتي كي تمنحني عمرا

 

إعلان

في الشارع إعلان

في المنزل إعلان

إعلان يتبعني في كل مكان

وأنا أخرج من بلد النكبة أدخل في بلد الإعلان

 

صداع

الأكفان صداع

والأولى للموتى

أن يدخلوا

في صمت أبدي ّيدعى القبر عرايا

 

أمنية

هل ثمة يوم أفضل آتٍ

نخرج فيه من صمتٍ وسبات؟

 

قنص

رغبتنا

انفصلت عنّا تتشبث فينا

والتفت تقنصنا

في زمن الفوضى

كذبابٍ تُغويه الرؤيا لاأكثر!

 

إخفاق

ما أغبانا نحن الأحياء

نبصر مخلوقات شتى

تطرق درب الموت

ونراه يحلّ علينا في كل اللحظات

مازلنا نسأل ما الموت؟

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

رسمية محيبسسأشدو بوجدي

وأشيد مجدي لوحدي

بلا تابعين ولا منشدين،

ولا راقصين على وجعي .

سأبني وطنا من جراحي

وخفقة قلبي ورعشة كفي،

وشوقي وطعنة غدر بظهري .

سأخوض ببحر أساي،

ولا شغل لي باوسمة يمنحها تافه

خادم في قصور الثقافة ،

يسعى وراء البريق المزوق

وينكر دمعا بجفن القصيدة .

سأغني وحيدة،

وان انكروا صورتي في المرايا

وأثاروا الدخان بوجه حروفي الوليدة،

ساخط حروفا جديدة

على باب حريتي

وأغني  كما كنت دوما

وحيدة

***

رسمية محيبس

 

عبد الرزاق عودة الغالبيأعلنت موتي

بأنباء مسيرتي وصلاتي

 سقطت قلاعي

تحمل أربعًا من الطعنات

تجري دموع القلب

غيثًا مضمّخًا بدمي

تأطّره ...

الهموم والحسرات

فلم يشيّعْ نعشي

 حين وداعه

سوى جروح قلبي

وحشرجة الطعنات

بكت نفسي علي بحرقة

تشاطرها الآلام والعبرات

بيدي دفنت جنازتي

وأخذت عزاءها

وعدًا لوأد أبوّتي

وختام  حياتي

أسفي على الدنيا

تحاربني  حشاشتي

وتحفر قبري

 بمعاول التجريح واللعنات

على لحدي تنوح بغربتي

 كتاباتي ...

حروفي....

تهيّجها الآهات والكلمات

رقودي غنيًّا

وصحوتي مفلسًا

كأني ما حضرتُ ولادتي ومماتي

***

عبد الرزاق عوده الغالبي

لمياء عمر عيادوإن يكن كلماتك منتجعي

سطْوٌ على سِجني

يديك تجمع كل أصناف اللّعب

حين أرصّف نهاياتي

أختار أسرعها

أغمس ذاكرتي مع أشياء من خيباتي

فتطفو عيناك تحاورني .... تغيّبني

سمائي ملّت سلّمي..

من تراب

وهشاشة حُلم

كلما صعدتُ عليه يسحقني

انادي ذئب السّراب يلتهم أطراف الغياب

حضورك رداء مخمليّ يضمّني

يعْتصرني وجع العصيان

تسكنني وحوش الشك

انيابها حجر يتدحرج من علياء عشقي ..

قلبي مدينة سكنها صفير الريح

الأبواب صدئت تقلّعت

اركان موبوءة ..ومجالس غابت اسماؤها

كلماتك أزيز يزيد تزلزل نتوءات الجدران

عنكبوت شمطاء

خيوطها من تمزيق ذاكرة

تمتص رحيق البراءة وجنون النساء

***

الشاعرة التونسية لمياء عمرعياد

 

صبيحة شبرضرب على الطاولة المستديرة أمامه بغضب، رافعا صوته:

- الا تسمعين الكلام؟ كم مرة ألقنك الدرس؟

القيود في معصمي، والقدمان ملتهبتان من أثر الوقوف، اعتدت على احترام النساء في مجتمعي، وتقديم الكراسي للاستراحة، حين يكون الجميع وقوفا.

جميع الحضور جالسون في مقاعد وثيرة، يستمعون الى رئيسهم، بانتباه، وانا قد أدمتني قدماي، انظر الى محفلهم بتوسل، عل احدهم يفهم ما ارمي اليه، ويتخلى عن جلوسه اكراما لي.

وجوه خالية من التعبير، تحسن الاصغاء، والاقتداء بما يقوم به الناس المتعلمون من حركات، حركات مدروسة بعناية فائقة،

- لن ارفع صوتي، ولن اتلف اعصابي .

أظل مصغية الى حديثه الحيادي، متمنية ان كلماته تنجح أخيرا في الافصاح عما يريد توصيله لي من  أوامر

ينهمك جميع الحضور في حركاتهم، السلال في ايديهم يصنعون منها اشياء جميلة، سوف يعرضونها للبيع

- هذه المخلوقة لن تفهم

تعييني الكلمات، وتنهك طاقتي على الاحتمال، تهمتي كبيرة كما يبدو لي، ولكني لم اتوصل بعد الى ادراك كنهها

- جماعتك ولوا الى غير رجعة.

اود ان احرك يدي، وان اكون قادرة على المسير، ألاحظ ان اطرافي جميعها مربوطة.

تحوك اياديهم السلال بمهارة فائقة، وانا حيرى، أحاول ان امرن نفسي على اكتساب الهدوء، الذي وجدت انهم يتصفون به، كلماتهم هادئة، لاصراخ فيها، ملابسهم أنيقة، وحركاتهم واضحة، وانا الغريبة بينهم، لاافقه مما يراد  مني، ينطلف صوت الرئيس امرا :

- لقد نفذ صبري معك، انتم معشر أغبياء، لاتملكون القدرة على استعمال عقولكم.

اياديهم تتحرك باستمرار، تنتج اشياء جميلة تفيدهم، للحصول على الربح والاموال، فهم يحبون ان يقوموا بشراء ما يحتاجون

- معشركم قوم اشقياء.

تتراكم امامهم كتب  كثيرة،قد تكدست عليها  امواج من الغبار، على مر سنين طويلة، وانا قد أعياني الوقوف الطويل، والنظر الى وجوههم علني اظفر بالجواب

ينظر الي الحاضرون باستغراب، يتبادلون الكلام بينهم بلغة  لاأفهمها، تطلق منهم همهمات واشارات اتمكن بعد جهد من فك رموزها:

- اضحكوا عليها، كما ضحك عليكم قومها، عاملوها بالمثل

يطيلون الي النظرات المتهكمة، وانا بينهم صماء عمياء، لاتفقه من لغتهم شيئا، وقد أتعبها ان تجد نفسها بعد مسيرة العمر هذه، موضعا للهزء والسخرية،من هؤلاء القوم الغرباء، صحيح من الكثير من افراد قومي قد سخر من الاخرين، وضحك عليهم، وسلبهم بعض ما يملكون، ولكني لم افعل شيئا يسيء الى احد من الناس، او يسبب لها الأذى، او نوعا من الخسارة المادية او المعنوية، وحاولت ان اكون باشة باسمة مع الجميع، حتى اؤلئك الذين يحبون دائما ان يضروا بالاخرين، ليثيروا الضحك والاستهزاء.

يبدو ان الرئيس قد فهم ما يجول في عقلي"

- انك لم تسيئي  الينا، ولكن قومك فعلوا

كم  ناديت ان يلقى كل امريء ما جنت يداه، دون ان يحاسب على جريرته ابنه او صديقة او الابعدون من أقربائه، ولكن محاولاتي تلك، لم يكتب لها النجاح، بقي في الناس قوم يضحكون على الذقون، وينقذون انفسهم من العقاب، ويكونون من الذكاء وشدة  الدهاء ان يكسبوا الاعجاب من الاصدقاء والمعارف بدلا من العقاب، والتصفيق والتهليل، وهم يستحقون التوبيخ والتقريع، لم يكن بيدي تحسين اخلاق الناس وتصرفاتهم

وانا منهمكة في التفكير المتواصل الطويل، يأتيني صوت الرئيس قائلا:-

- لن نعاقبك كما عاقبنا جماعتك، نحن نتوخى العدالة، ولكننا سنجعلك اضحوكة بعض الوقت.

يصفق بيديه امرا :

- هاتوا القفص

لايجدون صعوبة في ادخالي داخله، فانا مربوطة اليدين والقدمين

يشير رئيسهم الى الكتب المتراكمة جبالا ويقول :

- معشركم البلداء قد بذروا تعب البشرية في امور لاتنفع، ولا تسمن من جوع

يقلب الرئيس الكتاب الاول، تتناثر صفحاته، ينفخ فيها، تتساقط الاوراق على البساط المزركش، المنسوج بعناية

- جمعنا كل سمومكم، وسوف نتخلص منها

كتب هائلة تتراكم، طبقات فوق بعضها، تتساقط اوراقها بفعل الرطوبة والنسيان

أحاول ان اتذكر كم مضى لي، في هذا المكان، اين اصدقائي، واخوتي والأشخاص الذين أحبهم؟

- جنسكم أثبت فشله،  واستحق ان يباد.

انظر الى  جبال الكتب المتراكمة، والتي اصفرّت اوراقها بفعل  هبوب الرياح الخريفية، التي ما فتئت تحمل الدمار الى اراضينا القاحلة، التي جعلوها جرداء

اتذكر عدد الكتب التي تعبت طوال عمري في كتابتها، محاولة ان اعثر على عنوانها في ركام عقلي الافل، فلا اعثر على المراد، تذهب محاولاتي ادراج الرياح

- حكمتم العالم، فسببتم الاضرار به، وهذه جريمتكم النكراء، سوف تبصرين  انت نهايتها، وانقاذنا من شرورها.

ينفخ الرئيس في اكوام الكتب التي عفا عليها الزمان، والاوراق التي لاتطير بفعل الرياح، يجعلها في وسط القاعة

- هاتوا  نشعل الاوراق، ونتدفأ بالحرارة المنبعثة

يلتفت الرئيس الي  ناصحا قومه :

- ذروها الى النار، ليستمر الدفء، ويسود الاستقرار

 

صبيحة شبر

 

عبد الله سرمد الجميلأدرْتُ ظهري ولكنْ قلبيَ التفتا

                    وقبلَ تقبيلِها قالَتْ: تعودُ متى؟

وحينَ ألبسْتُهاعِقْداًهمسْتُ لها:

                      أموتُ إمّا رأيْتِ العِقْدَ مُنفلِتا

فعانقَتْني عناقَ الطفلِ دُميتَهُ

              حيثُ الربيعُ انقضى مني وعادَ شِتا

أنا الذي خافَتِ الأحزانُ ضحكتَهُ

                   في يومِ توديعِها عينايَ كم بكَتا

حتّى يدي لم تُطاوِعْني لأَحمِلَها

                       تلكَ الحقيبةَ لمّا البينُ قد بغَتا

فأرسلَ (اللهُ) لي زوجَ الحَمَامِ لكي

                 يقولَ لي: أنتَ حُرٌّ، حينَ رفْرَفَتا

حبيبتي هرباً من موطنٍ أبداً

             صوتُ الرصاصِ بهِ يعلو وما سكتا

شكراً لدجلةَ إذْ نادَتْ عليَّ هنا:

                  قد ماتَ قد ماتَ مَنْ في بيتِهِ ثبَتا

شكراً لعينيكِ أحلى رحلتي بهما

                     تعلّقَ القلبُ فيها منذُ كنْتُ فتى

وللنوائبِ شكراً أخرجَتْ رجلاً

                     ما بينَ حربٍ وحربٍ قلبُهُ نبتا

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

 

عقيل العبودجلس وحيداً عند مكتبه يقلب دفتر مذكراته القديمة، الرزنامة التي أمامه، كأنها تعلن عن ارقام من قبيل هذا التوالي العددي الذي يصطف متسارعاً وفقا لحركة محسوبة.

بصرهُ بعيدا راح يحلق عند تداعيات ازمنة فائتة، الأحداث مثل شاشة تلفازية تجذبه إليها، تتلو مركباتها الصورية بطريقة متقنة. الوجود البشري مقولات متزاحمة يصعب الغوص في بحرها المتلاطم. 

المشهد ليس على شاكلة مسافر ينتظر رحلة طائرة، تقلهُ نحو بقعة اخرى من هذا العالم، انما هو من قبيل جولة تبحث عن إحداثيات حاضر يفرض هيبته، وماض يبحث عن نفسه. 

تأملاته وأفكاره دون إرادة، اتجهت صوب أسوار امبراطورية، أصحابها تَرَكُوا خلفهم هذه الأكداس الورقية والمشاهد المتراكمة من التجارب.

الأصدقاء، قوائمهم، مثل باقات ورد غادر عطرها في بساتين هذا النوع من التداعي، البعض بقيت سيقان أشجارهم شاهقة حتى بعد رحيلهم، ذلك العلو المتسع، مثلما ارواح تحكي مآثرهم؛ تسلسلات لا حصر لها من التفاصيل، اولئك كانت تجمعه وإياهم أحكام مائدة واحدة.

العبارات، الأحاديث، الأحكام، والمناقشات، (خير الزاد التقوى) هذه الجزئية من الآية القرانية كان يرددها دائما احدهم، إذ المعنى بالنسبة اليه مختلف في تفسيراته، فهو القوة التي عليه ان يعدّها، يتسلح بها ليستكشف معادلات جديدة.

هو هكذا صاحبه الذي سخر كل حياته ليكون مدرس فيزياء ناجح، كان يقول دائما: (التضحية هو هذا الألم الذي صنعه العباقرة والعلماء والفلاسفة، وهو مهمة اخلاقية شائقة، مثلما هو التزام شرعي).

لذلك مقارنة، الحاضر بالنسبة اليه تجدد مستمر، انشطار، او تكملة لما اختطه اولئك الذين احبهم.

من معه الان لم يبق منهم الا أنفار أتعبتها قوانين هذا التراجع الذي بسببه وجد نفسه محاطا بشرنقة عالمه بعيدا عن تطلعاتهم وافكارهم التي تعرَّضَ أكثرها الى أكسدة البحث عن الثروة، والسلطان.

عمره بات يناهز الستين، السنوات بناء على متواليات ترتبها الزماني، وانسيابها المكاني، سيناريوهات تمضي بأشكال متعددة، التاريخ بأبجدياته المتصارعة يفرض احداثه دُونَ ممانعة، أوإعتراض، التكنولوجيا تتسارع في حيثيات نموها بطريقة غريبة،

المحطة التي هو فيها الان تحتاج الى خطة تواكب هذا المتلاحق الذي يجري بسرعة مذهلة.

ذلك يفرض عليه ان يفك الغاز هذا الاخطبوط الذي بات يهدد عقول هذه الأجيال بالتعفن.

 

عقيل العبود   

 

نور الدين صموديحسُن في البداية أن تُقرأ الأبيات الأصلية الموضوعة بين الأقواس لمعرفة ما قاله عبد الرحمن بن أنعُم ثم تـُقرأ ضمن التشطير بعد التقديم وقبل التعقيب:

 

التمهيد

لـَنِعْـمَ العَــيْـشُ ما بين الـرِّفـاق ِ*زمانَ الوصـل في أرض ِالعِــراق ِ

مـع الأصحـاب أهــل الــود فيها*وهــم كانــوا بهــا خـيْــرَ الرِّفـاق

ولمّا طـالَ عـيْـشي في حِــمــاها*مع الصَّحْـبِ الكـرام ذوي الخـَلاق ِ

رحلــتُ إلى مَــزاق وكــان قـلــبي*مــع الشــوق المُـبَرّح في سباق

 وظـل القـلبُ يركضُ في  ضلوعي*بـرغم الوجد من طـول ِ الفِـراق

لــبـغـْـدادَ التــي تـبـقــى مَــنـــارًا*لــحــاضــرة العُـروبة في العراق

التشطير

(ذكَــرْتُ القـيروانَ فهـاج شـوقـي)*وقـد زادَ التذكـُّرُ في  اشتياقي

وقلتُ: متى الوُصولُ؟ فقال صحبي*(وأين القيروانُ منَ العراق !ِ؟)

(مَـسيـرة َ أشهُــر ٍ للعِــيـسِ نـَصًّـا)*كأنّ العِــيـرَ كانـتْ في سِبـاق ِ

لهـا ظـَلـَّـتْ، تـَزيــدُ الــعَــزْمَ، بـِيــدٌ*(وللإبـل ِالمُـضَــمَّـرَةِ العِـتـاق ِ)

 (فـبـلـِّــغْ أنْعُــمًـا وبَـنـي أبــيــهِ)*ومَــنْ كانــوا جــميعا من رفــاقي         

وأهــلَ الــودِّ مــن أحْـبـابِ قلبي*(ومَــن يُــرجَى لنـا وله التـلاقـي)

 (بـِأنّ الله قــد خـَلـَّى ســبـيــلـي)*ويسَّــرَ، نحو أرضي، في انطلاقي

على حَـدْوِ الحُداةِ مَـشَتْ بحزم ٍ*(وَجَـدَّ بــنا المَـسيـرُ إلى مَـــزاق ِ)

التعقيب

ولما طال شوقي صِحْتُ وجدًا:*وأين مَـزاقُ مِـن أرض العِـراق؟ !

تَمَزَّقَ في الهوَى قلبي اشتياقـًا* فـيا للقـلـب من طــولِ اشتيـاقي!

وقــد طـــال الرحيل وكنتُ فـيه*مـع الشــوق المُـبــَرّح في سبـاق 

إلـى أمٍّ رؤوم عــانـقــتـْــنــي*فـــأجْــمـــِلْ باللــقــاء وبالــعِــنــاق ِ

وإن عــنــاقها يشفي فـُـؤادي*ويُــطـْفــئُ نـــارَهُ بــعــد الفـِــراق ِ

 وقد تـفـْنـَى مـحَـبَّـة ُ كل  شيء*وحـبُّ الأهـــل والأوطــان بــاق ِ

***

نورالدين صمود

 القيروان 7/8/9/2018         

......................

كلمة لابد منها

عبد الرحمن بن أنعم أقدم شعراء الشمال الإفريقي، والحديث عنه يطول، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى أنه كان واليا في زمن أبي جعفر المنصور على المظالم بالعراق، وقد ذكرت المصادر والمراجع أنه قال يومًا: قلت للمنصور:

(إني تركت عجوزا خلـَّفتـُها بالقيروان أحبُّ الرجوع إليها، فأذِن لي.)

وفي طريق العودة قال أربعة أبيات في الحنين إليها، لها شهرة واسعة بين القراء.

وقد قمت بتشطيرها ومهدت بستة أبيات لكل من التشطير والتعقيب.

 ....................

هامش

الأبيات التي قالها عبد الرحمن  بن زياد بن أنعم في طريق عودته من العراق إلى القيروان:

ذكــرتُ القـيروان فهـاج شـوقـي*وأين القيروانُ منَ العراق !ِ؟

ـسيـرة أشهُــر ٍ للعــيـس نـَصًّـا*على الإبل المضمرة العتـاق

فـأبْـلـِــغْ أنْـعُــمًـــا وبَـنـي أبــيــهِ*ومَن يُرْجَى لنا وله التلاقي

بــأنّ الله قــد خـــلـَّى سبيلي*وجَــدَّ بـِنا المُـسـيرُ إلى مَـــزاق ِ

المصدر:

 أ) طبقات علماء إفريقيا وتونس لأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني المتوفـَّى سنة 333هـ / 944م تحقيق علي الشابي و نعيم حسن اليافي /الدار التونسية للنشر 1968 ص 102.

ب) الحلل السندسية في الأخبار التونسية لمحمد بن محمد الأندلسي الوزير السراج المتوفى سنة 1149هـ تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيله الدار التونسية للنشر جزء 1 ص 254 طبع سنة 1970

وبين الكتابين اختلاف طفيف في الأبيات، وقد أوجزت هذا الخبر، واقتطفته من سياقه في المصدرين المذكورين للإيجاز.

 

صالح البياتيقبل سفري الى العاصمة لعلاج والدتي، قطعت على نفسي عهداً بمعرفة حقيقة نبوءة العراف، برؤية المكان الذي ستدور فيه معارك طاحنة، حتى تصل الدماء لركاب الفارس، كما جاء في النبوءة، والشيء الآخر زيارة الكنز برا* زهرون، أب صديقي الدكتور هلال، ولما كان الشايخ كاظم الموحان قد حسم رايه، فقال كذب المنجمون وإن صدقوا، لذا حزمت أمري للذهاب لمسرح الحكاية، لأرى بنفسي المكان (جسر غزيله)، عسى أن أستطيع فك اللغز المحير لتلك النبوءة المرعبة، التي يعتقد بها بعض الناس، ومصدرها عراف  مندائي، ارتبطت طقوس قومه منذ القدم بالمياه الجارية، فأينما كان الماء يكونوا، شيدوا بيوتهم بانسجام وعلاقة حميمة مع الماء الجاري الذي يسمونه (يردنه)، وليس بعيداً عن النهر تقع مطحنة الحاج الكيال، حيث تصطف بيوت متقابلة، منكفئة على نفسها، مشيدة من الطابوق المحلي، متراصة كما لو أنها تحتمي ببعضها، أبوابها الخشبية مهترئة، وستائرها القماشية بالية وقذرة، تحجب النظرعن قبح أفنيتها الداخلية، لتسترها عن أعين المتطفلين والمتلصصين، وعندما تحركها الريح المتسللة من شقوق الأبواب، أو يزيحها جانباً، الداخل اليها أو الخارج منها، تكشف عن مجازات ضيقة تفضي الى باحات مكشوفة للسماء مباشرة. بيوت كئيبة، مطبقة على ساكنيها، عمياء بلا عيون، تطل على الزقاق المترب، وقريبة من ضفة نهر الكحلاء، كان أولاد المحلة يهربون من حرارة الصيف اللاهبة، بالسباحة فيه، أو اللهو في حديقة البلدية، المغروسة بأشجار الكالبتوس، وأسيجة الآس القصيرة المشذبة، ومساكب أزهار الجعفري وعرف الديك وحلق السبع، وعباد الشمس، والقرنفل والجوري.

في صباح يوم  ربيعي دافئ، قضيت شطراً منه في البيت أتحدث مع أمي حول تفاصيل السفر الى بغداد، رفضت في البداية، قالت انها لا تريد الذهاب الى أي مكان، لكنها اقتنعت اخيرا، بعد ان قلت لها بأني استأجرت شقة صغيرة في مدينة الكاظمية، وقريبة من باب المراد، فتمتمت بكلمات لم أسمعها، وقلت لها اني أخبرت عمتي فطم بموعد وصولنا، ارتحت أخيراً لموافقتها، وبعد الظهر جاءت أم سعيد لزيارتنا تحمل طعام الغداء، اكتفيت بشيء قليل، وخرجت انتظر السيارة التي استأجرتها للذهاب الى جسر غزيله، جاء السائق وقت العصر، صعدت بجانبه، وبعد أن عبرنا نهري الكحلاء والمشرح، انطلقنا على الطريق الترابي، سألني السائق:

" هل انت يا استاذ من المصدقين بحكاية المندائي!"

" لا. ولكن أحب أن أرى المكان، لي ذكريات قديمة هناك.

" تقصد الرحلات المدرسية للفكه."

" نعم  في الربيع، كانت هذه المناطق جميلة ورائعة."

" ولكنها تغيرت الآن، فليس فيها شيء يذكرك بالماضي."

وحين صلنا للمكان، ترجل السائق ومشى قليلاً، ثم اختفى في حفرة ليقضي حاجته، نزلت وانتصبت كشاخص وسط أرض منبسطة، نظرت حولي كأني أبحث عن شيء مفقود في تلك البرية الواسعة، أحاطت بي دائرة الأفق، كخيمة غطت المكان، شعرت بان قدراً محتوماً يحبس الأرض والمخلوقات، يحيط بالمكان من كل الجهات، في تلك الساعة في البرية الموحشة، استوحيت من عبارة " دارت رحى الحرب" فتخيلت اني أرى رحى حجرية عملاقة، نزلت من السماء، وحطت على الأرض، تديرها أيد خفية، بسرعة جنونية، سمعت صرير وانين ونحيب، عويل ونشيج، ولولولة وبكاء، ورأيت اللحم والعظام والجماجم، والأعصاب والعيون، والأظافر والشعور تهرس بين شقي الرحى، وتنبثق منهما نوافير الدماء، تشهق لعنان السماء، ثم تهبط  للأرض، فتكون بركة متلاطمة الأمواج، في تلك اللحظة قطع نباح كلاب بعيدة سلسلة الصورالمتلاحقة؛ المنثالة امام عيني.

كانت الجبال في أقصى الشرق، رأيتها مرات عديدة، تبدو الآن أكثر دكنة، اشبه بدخان رمادي، يتصاعد للسماء ببطء، قبل الغروب، بعدها أخذت الشمس بالأفول، وبينما كنت مستغرقاً ومتأملا؛ صاح السائق:

" سيهبط الظلام قريباً، لنعد  قبل أن تهاجمنا الضواري."

" أتعيش هنا في هذه البراري الموحشة؟"

" بقي القليل منها بعد اختفاء الغزال بشكل مستمر."

" لماذا؟"

" القنص كان السبب في هروبها واختفائها، بالكاد تجدها الآن في هذه الفيافي المقفرة."

" تقصد الخليجيون.."

" استعملوا بنادق صيد حديثة، وكانوا يكثفون صيدهم في الربيع، موسم التكاثر."

" أكنت تراهم بنفسك؟"

" نعم كانوا ينصبون خيامهم هنا."

"وهل كانوا يحصلون على ترخيص؛ موافقة من الحكومة المحلية في مدينة العمارة؟"

" لا أدري، ولكنهم كانوا ينصبون خيامهم هنا، ومعهم صقور مدربة لقنص الحباري والحجل والقطا والغزلان، يستخدمون الصقور والكلاب السلوقية المدربة، وبنادق خاصة، يطاردونها بسيارات جيب سريعة."

أيدت ما قال السائق، فقد كنت أراهم يأتون في أوائل الربيع، يعبرون جسري الكحلاء والمشرح، في قافلة سيارات غريبة، مع عبيدهم وخدمهم، وكل ما يحتاجونه من لوازم ومؤن.

"أيمكثون طوال الربيع؟"

"حوالي الشهر أو أكثر احياناً، اعتمادا على سقوط الأمطار، فإذا كانت غزيرة، امرعت الأرض بالعشب وحشائش الحلفاء، وظهرت الغدران، فتتحول الفكة والطيب والشيب ودويريج الى مراع وحدائق غناء، زاهية بالزهر البري المتنوع الألوان، فينشط الصيد."

" يقولون إن البراري كانت غنية بالكمأ"

"صحيح لمن يبحث عنها."

"يقولون ايضا إنها تنبت في التربة، عند سقوط المطر، بعمق خمسة الى خمسة عشر سنتمترا، حين يخطف ضوء البرق صفحة السماء، وعندما يسمع صوت الرعد في الهواء."

"كان ابي يقول ذلك أيضاً، ولكني ما كنت أصدقه."

"أكنت تأتي معهم؟"

" مع من؟"

" مع الصيادين.."

" سأحدثك عن ذلك، ولكن بعد ان نعود الى السيارة قبل هبوط الظلام."

قبل مغادرة المكان، ألقيت نظرة أخيرة على الجبال البعيدة، التي اصطبغت لحظة المغيب بحمرة قانية، شعرت بحزن مفاجئ..

" هيا بنا لنعود."

وفي الطريق للسيارة، وقفنا على جسر غزيله، المكان الذي ستدور فيه معارك طاحنة، وأنه سيمتلئ بالدماء حتى تطال ركاب الفارس، نظرنا تحت الجسر، كان مجرى النهر الصغير جافا، وبعد أن جلسنا في السيارة، شرع السائق يحكي عن تلك الأيام الخوالي، كان الدخان الذي ينفخه من فمه في فضاء السيارة يرسم دوائر متلاحقة تتناغم مع ذكرياته، حينما كان لا يزال صغيراً يرافق أبوه في تلك الرحلات المدهشة.

كان الأب دليل صيد، يرافق شيخاً كويتياً، يأتي لهذه الأماكن كل سنة، عند حلول الربيع، لطم السائق جبهته، التفت اليَّ وقال نسيت اسمه، وحين يجئ الى مدينة العمارة؛ يبعث الى بيتنا أحد عبيده، وإسمه محبوب، ولما رآني ابتسم، بادلني الإبتسامة، قلت في نفسي لقد فطن الآن لسبب ابتسامتي، زفر من منخريه كمية من دخان سيجارته، ونظر نحوي ليتأكد من مدى اهتمامي بحديثه، ولما وجدني مستمعاً جيدا، تابع كلامه ...

كان هو أول من يخرج، فيرى امامه رجلاً اسودا ضخماً عملاقاً، وزمرة من الأطفال متحلقين حوله، يحملقون به، باندهاش ممزوج بالخوف، عندما يفتح الباب، كان محبوب قد تنحى جانبا، بعد الطرقة الثانية، وكانت الجارات يختلسن النظر اليه من وراء ستائر الأبواب، بشيء من الفضول والحسد المكبوت، كان محبوب يسأله عندما يراه، "أبوك في البيت يا ولد؟" فيجيبه وجلاً وبهزة من رأسه "إي موجود" وبصوت أجش تخرج من شفتي محبوب الغليظتين؛ كلمتين فقط "روح ناديه"، يظل خائفا، متسمرا في مكانه، يأمره بحركة من كفه الضخمة "روح ناديه، الشيخ يبيه"، يعود للبيت يخبر ابيه، يخرج الأب ويسلم على محبوب، ثم يقوم مع ابيه بمليء عربة الصهريج والزمزميات والجيركانات بالماء، وبعد ان يفرغا من ذلك، يذهبا للسوق لشراء بعض اللوازم الضرورية للرحلة، يضعانها بسيارة البيك أب، ثم يصعد ابوه إلى سيارة الجي ام سي الأمريكية، ويجذبه من ذراعه فيصعد ويجلس على يمينه عند النافذة، تنعطف السيارة من زقاق لآخر، حتى يفضي بهم الدوران لشارع بغداد، وفي أثناء مرورهم..

توقف السائق برهة عن سرد ذكرياته القديمة، مج بعصبية دخان سيجارته، أمسك بالعقب، بين أصبعيه المصبوغتين بصفرة داكنة، وقال بزهو موجع، لقد عرض الشيخ على أبي الجنسية الكويتية، وسكت برهة، فسألته، "هل رفضها!"  وبنبرة تنم عن ندم وغضب في آن واحد، قال "بل اعتذر، لأنه لا يحب مفارقة الوطن والأصحاب" قلت: "أنا أعرف المرحوم والدك" اكتفيت بذلك، لم أذكر شيئاً عن ماضيه السياسي، تذكرته عندما كان مقاوما شعبيا في عام 59، ومتحمساً في المظاهرات للزعيم أثناء فترة حكمة القصيرة، ولكنه في عام 63 انظم للحرس القومي، بعد انقلاب 8 شباط وإطاحة الزعيم وقتله، ولو أنه بقى حياً لأنظم الآن للجيش الشعبي، كان والده يتماشى مع كل الاتجاهات السياسية المتقلبة، مثله مثل السمكة التي تسبح في كل المياه، ولكن الأبن كان ساخطاً على ابيه، وصب جام غضبه عليه لسبب آخر، لأنه لم يتجنس كويتياً، فسألني: "هل ما فعله أبي يا أستاذ نوح كان صحيحاً!" قلت لا أدري، فقال: "لا تترحم عليه إذن، كان غبياً وقصير النظر، تصرفه دمر حياتنا، ولو بقى الانكليز في العراق لكان حالنا أفضل بكثير عما نحن عليه الآن، وقال: ولكي أبرهن لك ما قلت، أذكر اننا مرة، توغلنا كثيراً، واجتزنا الحدود لعدة كيلومترات داخل الأراضي الإيرانية، فأوقفتنا دورية حدود، اقتادونا لمخفر الشيب الايراني، وعندما عرف مأمور المخفر بوجود شيخ كويتي معنا، أتصل حالاً بالمسؤولين، وهيأ أماكن مريحة للشيخ وحاشيته، بينما رمانا أنا وأبي كالكلاب في غرفة الحجز، نمنا على أرضية كونكريتية قذرة و باردة، وفي صباح اليوم التالي أطلق سراح الشيخ وحاشيته، أما نحن فبقينا أكثر من شهر ثم افرجوا عنا، لكن بعد ان اخذ القمل يدب على جلودنا، ومنذ ذاك الوقت، لم يعد الشيخ يأتي للصيد، وانقطع مورد هام وهدايا كنا نتلقاها منه.." لم أقل شيئا، بقيت صامتاً حتى وقفت السيارة أمام بيتنا، ترجلت مودعاً السائق، وجدت الخالة الدهلة ام سعيد عند باب المنزل حييتها، ودخلنا معا، فوجدت امي تصلي العشاء، بدت ملاكاً تحت ضوء المصباح، بثوبها الأبيض، وبعد أن فرغت من صلاتها، رفعت يديها بالدعاء، كان قلبي يسمع كلماتها دون حاجة لصوت، ظلت جاثية برهة ولما رأت الدهلة معي، حاولت النهوض أسرعت اليها الدهلة، وألقت يداها على كتفها وأجلستها بهدوء، ثم قبلت رأسها، كانت أمي قد استحمت قبل الصلاة، فشمت صديقتها رائحة صابون الغار يفوح من شعرها، قالت لها قومي لأمشط شعرك، ساعدتها على الوقوف، ثم أجلستها على بساط صوفي باللونين الأبيض والأسود، زاخر بصور على هيئات آدمية وحيوانية، ورؤوس لطيور اسطورية، بدت لعيني كأنها كائنات هابطة في مركبات فضائية، سألت الدهلة أمي:

" هل أخضب شعرك بحناء الفاو التي جلبتها خصيصا لك."

" لا. لم تعد بي حاجة للتخضيب."

جلست وراء ظهرها وبدأت بتسريح شعرها الأبيض، بمشط خشبي، فَرَقَته من وسط الرأس، ومسدته بأصابعها وضفرت لها جديلتين، القتهما على صدرها، ثم لفت عصبة سوداء حول رأسها، أخرجت امي من جيبها قارورة عطر، ضمخت يدها ومررتها على جيدها، وناولتها للخالة للتطيب بها.

نقلتُ منقل النار من الطارمة الى الغرفة، بعد أن توهج الجمر وصفى تماما من الدخان، وضعت ابريق الشاي عليه، أخذت المرأتان تستمتعان بالدفء، وجلست على مقربة منهما، أرى وأنصت، لما يدور بينهما، لم تتكلما عن المرض، لئلا ان يكون الحديث عنه مؤلما، كأنهما تستنكرانه وتنفيان وجوده، وتستهجنان اقتحامه الأهوج وحشريته الفجة والفظة والمؤذية في حياتيهما، وكانت الخالة وهي تنظر الى أمي تستذكر مواقفها النبيلة، أيام الشدة يوم جاءت تبحث عن مأوى، وعندما سجن سعيد وانقطع المورد الذي كانت تعيش منه، قالت لها امي حينذاك "لا تبالي سنقتسم رغيف الخبز بيننا، هاتان المرأتان عاشتا معا في بيت واحد، حفنة سنوات كالجمر، لم تكن أمي تعاملها كنزيلة ومستأجرة، بل أخت تشاركها الحياة في السراء والضراء، والآن ترى أم سعيد العدو المتمثل بالمرض، يداهم صديقتها على حين غرة، وتخشى خطورته على العلاقة الحميمة التي توشجت بينهما منذ سنوات طويلة، وهي تعرف، إن سألتها عن صحتها، ستحمد الله وتثني عليه، وتقول لا تقلقي عليَّ، أنا بخير، سألتها أمي عن ابنها الذي اختفى، فلم تجب، تشاغلت بالنظر للجمرات التي اكتست طبقة خفيفة من الرماد، أعطاها ذلك التضاد الأبدي الرومانسي الحزين، بين النار والرماد، والحب والكراهية، تلك الثنائية التي بدونها تبهت الألوان، وتصبح لوناً واحدا منفراً، نظرت الدهلة لصديقتها عبر منقل النار، فتراكم في قلبها جبل هائل من الحزن المشبوب بالتحدي، وتسربت من أعماقه مشاعر عفوية ونبيلة، أعلنتا رفضهما للمرض الطارئ والمشاكس، وعدم الاستكانة للضعف والخوف، كانت الحياة التي مزجتهما وصبتهما في قالب واحد، صنعته مئات الطعنات، أقوى من الموت، وهي انشودة العذاب الذي تحترقان في سعيره المقدس.

رفعت الدهلة رأسها من نار المنقل.

" لا أدري أين هو الآن، حي أو ميت.."

تدخلت لأخبرها

" آخر مرة رأيته كان في بغداد، لكن سمعت انه التحق بالأنصار في الشمال."

سكتت تغالب عبرة خنقت صوتها المتهدج ثم قالت:

"أختي ادعي له، دعاء الانسان عند المرض والشدة مستجاب."

رأيت أمي تفتح قبة صدرها وترفع يديها، وقد أشرق وجهها بوهج النار.

" يامن رددت يوسف ليعقوب، رد سعيد لحضن أمه يارب العالمين."

نظرت أم سعيد في عيني صديقتها وأدامت النظر فيهما، دون أن تنبس، حتى أني سمعت صوت أنفاسهما أثناء الصمت، كانت تريد البوح بشيء، ولكنها آثرت الصمت، كانت دموعها محبوسة، تكاد تطفر من عينيها التي اطبقت عليها الجفنين، وفجأة انفجرت باكية، بعد ان تحرك الحزن الذي أثقل قلبها، وحرك مشاعرها، وقد أربكها مرض صديقتها، وأطاحها بضربة ترنحت من شدة قوتها.

كم هي قاسية الحياة، عندما تمد حبلها على الغارب، وتغرر بالخلق، وفجأة تمسكهم من خناقهم، وتصفعهم صفعة مدوية، يطيش لها صوابهم، وتفقدهم توازنهم، تأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا يملكون لأنفسهم شيئاً، حقاً صدق من وصفها بدار الغرور.

رفعت الخالة ام سعيد راسها وقالت بصوت قوي، كأنه يأتي من سيد مطاع ومجاب:

"خذوني معكم حينما تذهبون الى بغداد، اريد ان أبقى معها."

وأضافت بعد برهة..

"  لن اضايقكم، سآخذ معي ما يكفي من النقود."

تأثرت من كلامها.

"أنت يا خالتي بمنزلة أمي، أنا أحبك ولا أتضايق إطلاقاً من وجودك معنا."

أقنعتها بصعوبة بأن ظروفنا لا تسمح الآن، كما ان العروسين لا يزالان في شهر العسل، وهما بأمس الحاجة اليها، توقفت قليلاً لأسترد سيطرتي على انفعالي، ولكني وعدتها اني سأعود لأخذها حالما تحين الفرصة، فصدقتني على مضض، ومع ذلك شرعت تبكي لإحساسها بالهزيمة، فتوسلت أن تكف عن البكاء، لئلا تتأثر أمي، التي هي بحاجة لمزاج نفسي معتدل، مراعاة لحالتها الصحية، لكنها لم تستطع كبح جماح نفسها، وأدركت ان طلبي مستحيل، لأن بين هاتين المرأتين نوعاً من الاتصال الروحي الوجداني، لم أكن حتى تلك اللحظة قد فهمته، أو سبرت غوره، فوجدت أمي تنخرط في بكاء مرير، تناثرت الدموع وتساقطت من عينيها الصغيرتين المليئتين بالحزن العميق والأسى المجهول، كان علامة ذلك الجيشان العاطفي، الذي اعتدت عليه دائماً في حالات كهذه، احمرار أنفها، الذي تمسحه بطرف شيلتها بين الفينة والأخرى، مختنقة برعدة تنفثها لهيباً حارقاً من صدرها المكلوم، الذي بدأ المرض الخبيث ينفث سمومه القاتلة فيه، وينهش لحمه، دون ان تكترث له، استخرجت من السفط المصنوع من الصوف الملون والقش الذي كان يرقد فيه عطرها المفضل، التقطت أصابعها حلية صغيرة على شكل مكعب ذهبي، مزخرف بالميناء السوداء ومشبك بداخله قرآن صغير الحجم، وفي عروته دبوس صغير، وضعته في كفها، ولمسته ملياً، ثم قبلته، وقالت وقد ارتسمت ابتسامة أضاءت وجهها الأبيض.

" هذا القرآن كان على صدر نوح خذيه واحتفظي به لحفيدك، ضعيه على صدر المولود، قولي عين الحسود بيه عود.."

احتضنتها الدهلة وقبلت راسها، وكانت الخالة في تلك اللحظة ممتنة لصديقتها السخية، تركتهما يبثان ما في نفسيهما من أسى وغدر الأيام، أدركت مدى الحب الذي تكنه الخالة لأمي، وكم هي الحياة تافهة وجافة وعديمة المعني بدونه، وما أن ابتعدت عنهما، حتى سمعت موجة نحيب ورنة جرس صوتيهما ترتفعان وتنخفضان تدريجياً حتى تلاشيا كموجة تتكسر على الشاطئ.

ذكرني بكاء الدهلة، بيوم آخر، يوم ترك سعيد العمل بالمطحنة، واشتغل سائقاً، وألقي القبض عليه بسبب نقله بريد الحزب الشيوعي، أودع  سجن مديرية أمن العمارة، ذهبت مع الخالة الدهلة، لمقابلة رئيس عشيرتها ليتوسط لإطلاق سراحه، جلست الدهلة على أرضية غرفة الاستقبال المفروشة بالسجاد الكاشاني الفاخر، وجلست أنا على أحدى قنفات الصالة، وانتظرناه طويلاً، ولما يئست من حضوره، سألت أحد خدمه، فقال لها أنه مشغول جداً هذا اليوم، تعالي غداً، وعدنا للبيت، وفي الغد ذهبنا معاً، ولم يخرج لنا رئيس العشيرة، وتكررت محاولاتها الفاشلة لمقابلته عدة مرات، وفي المرة الأخيرة ذهبت معها، بكت مترنمة بنعاوي الريف الحزينة، التي تفطر القلب، وأعولت وناحت، كحمامة جريحة، وعندما حاول الخدم طردها تشبثت بالكراسي والكنبات، ونزعت عصبتها السوداء ورمتها، عندها خرج الشيخ مجبل، جلس في الكنبة المخملية الوثيرة الحمراء، وأرخى كفه اليمنى المكتنزة على ذراعها المذهب، قامت لتقبيل يده، أشاح وجهه، حاول ان يسحب كفه، لكنها تمسكت بها، قابضة عليها بأصابعها اليابسة، وبكفها الموشوم للمعصم، فلم يستطع الرجل أن يحرر يده من قبضتها الفولاذية، قال غاضباً "إتركيها. قولي ماذا تريدين؟" هو يعرفها جيداً، امرأة تعادل عشرة رجال، بشكيمتها، أرخت قبضتها، فسحب كفه المضغوطة بسرعة، وأخفاها بين فخذيه الممتلئين، ورغم معرفته بسبب زيارتها، تظاهر بأنه يتجاهل الموضوع الذي جاءت من أجله، وكرر تساؤله واستغرابه من وجودها في بيته، وتبجح أمامها أنه شخصية هامة، وأن ليس لديه وقت، فهو على موعد بعد قليل مع المحافظ ومدير الأمن، لم تفوت الخالة تلك الفرصة، وتوسلت اليه أن يتوسط لإخراج ابنها الموقوف، استهزأ وتهكم بها، وتظاهر أنه لا يعلم شيئا عن تهمة ابنها، فقالت: "مصير ابني سعيد بين يديك،" فقال: "يا عجوز السوء، لست أنا سليم الخماش، إذهبي اليه أن كانت لك حاجة عنده" كانت تعرف مدى تأثيره ونفوذه، لكنه أمعن في إذلالها وشتمها، ونعت ابنها بالشيوعي العميل، والكافر الملحد، وانه يستحق الأعدام" دافعت الخالة عن ابنها بشراسة، وسألته :

" من قال إنه كافر!" رد عليها "هو كافر ومهدور الدم، بنظر الدين وفتوى المرجعية، توسلت اليه بوجع الأم التي تخاف على ابنها من غدر أقوياء اليوم، شاكية له، إن لم يساعدها وهو يمتلك الآن السلطة والنفوذ، فلمن تذهب:" ألست رئيس عشيرتنا! قال "عودي لبيتك الآن، وسأخرجه، ولكن ليس من أجلك، وإنما لا أحب ان يلوث سمعتنا" وعندما خرجنا من ديوانه، سألتها ونحن في طريقنا عائدين للبيت:

" ألم تلاحظي يا خالة كفة الكبيرة، لقد ضاعت كفي تماماً فيها عندما صافحته فكيف استطعت عصرها!"

"كانت منفوشة مثل شليله صوف كبيرة وناعمة، ولكنها رخوة."

ضحكنا بجذل طفولي، ونحن نستعيد الأحساس بملمس الكف الإسفنجي لشيخ العشيرة المتغطرس.

وبعد تلك الزيارة، أُطلق سراح سعيد، وكانت الدهلة قد طبخت طعام الغداء بهذه المناسبة، فدعتني وأمي، وقبل الطعام، ثار جدل عنيف بين سعيد وابن عمته كاظم الذي كان آنذاك طالب يواضب على الدرس الديني، حاولت الدهلة تهدئتهما، ولكن لم تفلح، كاد الجدل بينهما ينتهي بعراك، لولا تدخلها القوي، الذي حسم الموقف، لعنت الشيطان الذي تعتقد انه وراء كل خصومة تنشب بين الناس، وتلعنه هكذا: " العنوا ابو مره."

ومع أنهما جلسا هادئين بانتظار الطعام، لكنهما خاضا مرة أخرى بموضوع حساس فسعيد يشعر بمرارة وغضب جراء ما تعرض له من تعذيب قاس كان يصفه بالمهين، فقد أفقده التعذيب إنسانيته، عاملوه كحيوان محبوس في قص حديدي، يجلد بانتظام بالكيبل، ويبصق في وجهه كلما أراد الذهاب للمرحاض لقضاء حاجته، لقد ثلم التعذيب شيئاً من رجولته يخجل البوح به، ربما مارسوا معه ما هو أبشع من قلع الأظافر، الخازوق العراقي، وهو قنينة مكسورة الراس يقعدون عليها السجين..

تحدث عن رفيقه الشيوعي المندائي الموقوف معه، والذي كان يستهزئ بهم بعد ان أن يعيدوه من التعذيب، ورغم انه كان يتألم بصمت لم تند له صرخة، حتى أن سعيد راح يشك بأنهم ربما كانوا لا يعذبونه بنفس القسوة كما يعذب هو، فسأل مرة أحد الجلادين، لماذا تعذبونني أكثر منه! ضحك الجلاد وسخر منه قائلاً:

"لأن رفيقك ابن كلب، أما أنت فابن سطعش كلب."

شعر سعيد أن كاظماً، لم يكن سعيداً بإطلاق سراحه، فالرجلان كانا على طرفي نقيض، وعندما أنحى سعيد باللائمة على المرجع الديني الذي أفتى بهدر دم الشيوعين لأنهم برأيه كفرة ملحدين، دافع كاظم عن المرجع الديني، وأيد الفتوى واعتبرها صحيحة، غضب سعيد جداً، وتساءل، هل انحاز الله الى جانب البعثيين ضد الشيوعيين، وأعطى الأذن بقتلهم، أم أن المرجع هو الذي إعطائهم الضوء الاخضر..

نهرتهما الدهلة، وأحضرت لنا الطعام، قالت اذكروا اسم الله حين تشرعون بالأكل، لن اسمح لاحد بالكلام، وقالت شيئاً أتذكره الى الآن، ابتهلت الى الله أن يعاقب كل من كان سببا لهدر دماء الأبرياء، وإن كان المرجع الديني، وأن يظهر حوبتهم به وبأبنائه.. رد عليها كاظم مستنكراً، تجاهلته وتوارت في عتمة الحجرة، لإحضار شيء طرأ على بالها تلك اللحظة..

كان الجدل السياسي يحتدم حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، نتيجة للتقلبات السياسية المتعاقبة.. الناس منقسمون دائماً، تساءلت الدهلة " قولوا لي ماذا يريد ابن آدم من هذه الدنيا؟" انتظرت فوجدتهم صامتين، لم يحر أحد منهم جوباً، نظرت لكاظم، توقعت منه أن يقول شيئاً بإعتباره سيكون قريبا رجل دين، لكنه ظل صامتاً.. أكملت الدهلة.. “اليس كل ما يحتاجه، هدم يستره حياً، وذراعين من خام ابيض لكفنه ميتاً!"

علقت ضاحكاً..

"أما عاشور المخبل، فيكفيه ذراع واحد يا خالة.." ضحكنا جميعاً كالأطفال.

الدهلة أم سعيد التي شاكستها الحياة كثيراً، شبكت كفيها على رأسها المعصوبة بعصبة سوداء، كأنها أرادت أن ترى مدى تقبلهم لما قالت قبل قليل، لقد وضعت كفيها فوق ذلك الجرح النازف منذ القدم، عبرت عن رؤيتها لحياة الأنسان، ببساطة وعفوية وصدق، أحسن من بعض أئمة الجوامع الذين يرفعون عقيرتهم بالصراخ، الذي يصم الآذان، من دون أن يقولوا شيئاً قيما ومفيداً للناس، وكأن الدهلة ام سعيد لم تستطع أن تكمل كلامها، فتقول: " ولقمة تسد الرمق غير مغموسة بالدم، وقبر يرقد فيه الميت، ولكن لا يدفع اليه دفعاً..

كنت تلك اللحظة من الزمن الماضي، أريد أن أدخل تلافيف مخها، لأفهم ما تفكر به، وأعرف هل أن العري الذي نخجل منه، هو عري الجسد أم عري الروح، وعري الحقائق المتلبسة بالأوهام المتساقطة كأوراق الخريف..

انشغل الجميع بالطعام، ولكن سعيد كان يقرب اللقمة من فمه ويتوقف طويلاً، ربما لأنه يتذكر بمرارة إهانات السجان المتعمدة خاصة عند تقديم الطعام في مديرية أمن العمارة.

 

صالح البياتي

..................

حلقة من رواية: بيت الأم

تنشر لأول مرة على صحيفة المثقف

* جسر غزيلة: بحسب نبوءة العراف، المكان الذي تدور فيه معارك طاحنة، وتسيل فيها الدماء حتى تصل الى ركاب الخيال.

يتبع

إنتهى الفصل الثاني

شكرا لمتابعتكم

 

صحيفة المثقفارتديتُ الصبح حلية

وتقلدت الشموس

من مساءات بلادي

ارتشف عبق النهار

من ربى السمراء دجلة

من ابي ذاك الفرات

من حياء الورد اغرف القا

من ضفافٍ تلبس النهر مرايا

من صبا الايام شوقا فاض بي

من ترانيم الغروب

ياسماء الياسمين

يابلاد الرافدين

اضع التاريخ تاجا من وقار

يتوهج بالدنا صوت الوطن

يتالق وجدنا

يتمايل طربا

شوق ارض الرافدين

فيه اعدو كالفراشات اطير

وطموحي لايُحَدُّ

مثل اسراب السنونو

يملآ الافق ويطرب

حب نبعٍ وحضارة

حب ايات وصوت بالسماء يتردد

وقناديل شموخٍ تلتهب عزا وغارا

تستقي منه الجداول

وحقول من سنابل

من ضفاف النهر

اغرف القا ..

ظمأً لايرتوِ

لبلاد الزيزفون

من بلاد الشمس احمل مكحلا

تكتحل منه العيون

يتغنى..يتفانى

توقَ عشقٍ

لبلاد الرافدين..

***

مريم لطفي

 

العامرية سعداللهفارغٌ

من كلّ بريقٍ

يطفئُ فجرَه

ويلبس رداءَ ليلِه..

يتنفسُ الماءَ

ويمتصُّ منه بريقَ شهوةٍ

غافيةٍ

في طينه

يسطُو على برزخ متروكٍ

في بئرٍ لا تردُه دلاءٌ

يقطعُ عراجينَ الأمل تلك

المتسربة من بين أصابعه

دماء..

يدكُّ براكينَ الهدوءِ

الغافيةَ

في قبوِ ليله الغاسقِ..

لا سكينةَ تطربكَ بعد اليوم

لا شمسَ تشرقُ في غدِكَ

لا بحرَ

ولا جبلَ

ولا صحراءَ،

تملأ الفراغ المطبق

على صدري

وأنتَ...كما أنتَ

مشروعُ ابتلاءٍ...

تعرفُ كيف تعتّقُ طعمَ النبيذِ ..

كيفَ تقطفُ توهجك

من عين الشمسِ...

وحدَك تتسلقُ حَبْليَ

السّري

وتتسلّل

إلى اخضرار العشب..

في عينيّ..

***

العامرية سعدالله/تونس

 

صحيفة المثقفنظرت الى الباب وهي لم تزل على مبعدة منها، كان الامل ينبض كجنين في أحشائها، لا بدّ من ان تدخل لا بدّ من ذلك. لم يعــد في الوقت متسع للتـلكؤ، حان الوقت الذي لا بدّ فيه ان تدخل الى هذا المكان الذي ظلـّت تحلم به ما وعت من سني عمرها. والآن لا بدّ من الدخول .

وصلت الى العتبة، قرعت الباب الخشبيــة القديمة مرّة ومرّتين .انتظرت ثمَّ قرعتها مرّة اخرى وانتظرت ثمَّ قرعتها رابعة وانتظرت . وبلا فائدة، لكـأنَّ من في الداخل كلهم موتى أوانهم من اصحاب الكهف لم تيأس ثم عادت تحاول من جديد، وظلت تقرع آونــــة لتستريح على العتبة آونة اخرى . نادتهم باعلى صوتها ان افتحوا لي . ولا من مجيب كأنهم صم ثم نادت مرة اخرى دون جدوى .

وهي تقلب وجهها هنا وهناك رأت المفتاح، ها هو معلق هناك كما المعـــتاد في اعلى الوصيد يناديها من نفس الزاوية العمياء، التي يوضع فيها عادة، ما كانت لتستعمل المفتاح، لم تحب ذلك اطلاقا ، وظلت ادراجها وابواب خزائنها دائما بلا مفاتيح .

كان المفتاح يشكل اغراءً، لعينيـــها، لأصابعها ولكنها ابت الا ان تدخل لهذا المكان بدون استعمـــال المفتاح . اما ان يفتح من في الداخل الباب لها، واما ان تخترقه اختراقا .

لم تكن من الرهافة بمقدار لتظن انها تستطيع التسلل الى الداخل كالشبح، كما انها لم تحب مطلقا كلمة تسلل لانها كما تعتقد أجدر بهذا المكان من غالبية من فيه. ولها الحق المطلق بالولوج اليه متى شاءت اما ان يفتحوا لها واما ان تلجه ولوجا،اما المفتاح فلا حاجة لها به أبدا.

ابتدأ المساء ينصب خيمتــه الزرقاء الرمادية فوق رؤوس الناس والاشياء، قرعت الباب قرعات أخيرة فاترة.. واخيرا بدأت الاختراق، انشبت أظافرها في الباب العتيق خلعت شظية صغيرة ثم اخرى فاخرى . ظلت كذلك فترة من الزمن ثم اصابتها الحمى فأخذت تنزع شظية فشظية من هذا الباب . لا تدري لم تذكرت قول اعرابية لابنها (انك أجدى عليَّ من تفاريق العصا) كانت للمثل قصة طريفة قرأتها يوما ما .

استأنفت العمل ثم أخذت تقفز من مكان الى آخر من هذا الباب العتيق، كلـّما ظنت ان منطقة ما أضعف مما بين يديها انتقلت اليها ... ... انغرزت بعض الشظــــايا الصغيرة في باطن كفـّها ..ادمتها ولكنها لم تكفّ مطلقا . سال الدم ثم تورم ما حول الاظافر، وازرقت أماكن عدّة لكنها لم تكف ولن تكف أبدا ما زالت حيّة .

كان المفتاح هنـــاك في الاعلى يحدّق في مؤخرة رأسها غير مصدق . كان في البداية يهيب بها ان تعالي ها أنا ذا.. ها أنا ذا، ومن بعدُ - لمـّا تأكد انها تراه فعلا وانها تتعمد تجاهله - صمت...  واكتفى بالتحديق فقط .

اتخذت عينه شكل الدائرة استغرابا ربما او رعبا من هذه المسافرة غريبة الاطوار والتي عادت بعد عدة عقود من الزمن لتقتحم الباب عندما رأت ان احدا لا يريد ان يفتحها لها .

أوشكت قواها ان تنطفىء كما الشمعة وبلا جدوى لقد كانت الباب - وهي تعرفها جيدا – من نوع متين لم يعد أحدٌ الآن يصنع مثلها، انتقلت بل لنقل زحفت حتى الجدار، كان الجدار كما تراه العين للوهلة الاولى بسيطا فالدهر بسط عليه يده لكنها لن تنخـــدع فهي تعرفه جيدا كذلك . لكن ذلك لن يثنيها عن غايتها، بل ظلت باصابعها الورمة واظافرها المثلمة بكل الدماء العالقة براحتها والسائلة حتى الكوع،ظلت تحاول زحزحة بضع ذرات من المــلاط الغائر بين الطابوق المسمّــر بفعل الزمن .

ظلت تحبو في نفس البقعة تجثو تارة وتتوكأ تارة لتقوم وتقعد مستمرة بعملها وهي دؤوب كنملة، وكان الظلام يتفاقم حولها لكنها لم تلحظه قط .

وحين أشرقت الشمس ومرَّ السابلة لاحظوا جثـة امرأة بين الباب والجدار .. هرب منها بعضهم ولـــوى البعض رأسه بعيدا . وحين ارتفعت الشمس وحــلّ الصباح جاء من حمل الجثـّة . 

***

سمية العبيدي

6/7/ 1996

 

 

حاتم جعفرما وقع لغيدان أبو الراس وفاتنا التذكير به:

أو قل الصورة النمطية لسجون العالم الثالث بعد المئة

 في غرفة معتمة، خَلتْ تماما من أية نافذة بإستثناء كوة صغيرة جدا، صُممت بطريقة خبيثة، لتكون مصدرا لتسلل بصيص من الضوء إن استطاع اليها سبيلا، ولدخول ما سُمِحَ له من الهواء بعد خنقه بشبكة معدنية شديدة الإحكام. هناك كان قد قضى أبو داود ليلته، بعد أن أفرغت جيوبه من كل محتوياتها. على أصوات صراخ وأنين لا يعرف مصدره صحا من نومه ليسائل نفسه وبلغة شديدة الدهشة والتعجب: إذن هو ليس وحده في هذا المكان! كيف نام ليلته على فراش ممزق من هنا وهناك، أريد له أن يُرتق وبأي شكل من اﻷشكال الاّ انه إزداد تمزقا واهترائا، مليئا ببقع من الدم الناشف ومنها ما زال رطباً، هل هي لبشر مثله أم ماذا!، عدا عن بقايا حشرات مختلفة اﻷنواع واﻷحجام، كانت قد تلقت مصيرها المحتوم بسبب ما يلف الغرفة من روائح كريهة قاتلة، أو ربما جيء بها عن قصد وﻷغراض لا تخلو من دناءة.

 بعد هنيهة من الوقت والإستغراب على وقع المفاجئة، بالكاد تمكن من تحريك جسده المتعب والمتشنج في آن، مبتدأ بطرفيه السفليين وليعقبها بالعلويين، متلمسا ما استطاع بعض من أجزاء جسده ليطمئن عليها. تطلع الى جدران الغرفة اﻷربعة وإذا بها ملأى بشعارات ورسوم، أصحابها كما يبدو  يتبعون العديد من الجهات والمنظمات الحزبية والإنتماءات السياسية، قسم منها محضور عليه ممارسة أي نشاط يمس (سلامة أمن الدولة)، موزعة على أزمنة وحُقب تأريخية مختلفة، إبتداءا من اليميني المتطرف وصولا الى اليساري المغامر مرورا بالملحدين وَمَنْ جرت تسميتهم بالقوميين الشوفينيين ومن كل مكونات المجتمع. كذلك منهم مَنْ يعود بإنتمائه وميوله الى العهد الملكي، فضلا عن مؤيدين ومؤازرين للحكم الجمهوري اﻷول وقليل منهم يتبعون للحكم الجمهوري الثاني، مشفوعة بأسماء وعناوين وأعمار مختلفة، كلها تعود لرجال كانوا قد مرّوا من هنا، من هذه الغرفة، دون أن تخلو هذه الجدران كذلك من كتابات إحتجاجية لبعض فتية مروا من هنا أيضا، بإستثاء الإناث، فلربما التزم المشرفون على هذا المكان بقاعدة الفصل بين الجنسين ففي إختلاطهم مفسدة كما يقولون، وخشوا حضور الشيطان الرجيم بينهما، فالعوذ كل العوذ منه ومن أساليبه الخبيثة، الماكرة. هكذا تقول القاعدة الفقهية التي آمن ولا زال البعض بل قل اﻷكثرية المنافقة منهم.

 وما لفت نظر أبو داود أيضا هو خلو الجدران من الشعارات التي تحمل دلالات إعتقال بعض من منتسبي أو أصدقاء أحزاب وتكتلات سياسية أخرى، والتي ما إنفكت أجهزة النظام، المرئية والمسموعة والمقروءة تصدع بها رؤوسنا كل يوم بل ومع كل نشرات اﻷخبار والبرامج الخاصةر. فإنك مثلا  لن تجد من بين التعليقات ما يُنبأ بوجود مَنْ هو محسوب على قوى الإستعمار وأذنابهم، ولا  مَنْ يمثل الجواسيس والخونة وأتباع الطابور الخامس وسارقي قوت الشعب؟ بل ليس هناك مَنْ ينوب عن اللوطيين واللوطيات، والسحاقيين والسحاقيات، والمثليين والمثليات؟ وليس هناك من دليل يؤشر الى إعتقال أو حبس أو توقيف أو حتى إستدعاءأحد المنتمين الى اﻷحزاب الشوفينية أو بعض من قادتها، والتي ما انفكت يوما عن إدعائها بأن في ارومتها إمتيازا اصطفاه الله عن سائر خلقه؟ بل ليس من بين المحتجزين كما تشير جدران الغرفة اﻷربعة الى وجود من يمثل إرادة مجموعة المعممين والمعممات (إستدرك سريعا، ليس هناك معممات فالشرع لا يسمح لهن بالتفقه ولا بإمامة المصلين على رأي أكثرية أئمة هذا الزمان) والتي ما توقف لسانها وصوتها يوما، ومن على منابر الدولة عن القول بأن حزب الله هم الغالبون أمّا اﻵخرين فإلى جهنم وبئس المصير.

 المفاجئة اﻷكبر والتي لم يكن يتوقعها أبو داود على الإطلاق، أن من بين الشعارات المكتوبة على الحيطان ما يعود تأريخها الى فترة أربعينات القرن العشرين واﻷقل منها الى الثلاثينات، والتي جلّها وكما تشير الى النزاعات العشائرية التي كانت تدور رحاها في تلك الحقبة، إذن السجن ذات السجن رغم تبدل الطغاة والبغاة وَمَنْ يمثلهم ويتبعهم من السجانين، والحبل على الجرار. هذا ما توصل اليه أبو داود. آخ يا وطن،كم بك من اﻵلام واﻷوجاع، كم بك من …. . صوت أحدهم قطع عليه ما أراد إضافته، مما دفعه ليصغي اليه. بدأ الصوت بالإقتراب شيئا فشيئا. الآن بات أكثر وضوحا بعد أن خفتت قليلا أصوات الوجع واﻷنين اﻵتية من الغرف اﻷخرى، لعلهم ينتظرون كما أنتظر أن ينادى عليهم كي يتخلصوا من هذا الجب الذي ليس له قرار ولا أفق رحمة.

 قال في سرّه، عليك يا أبو داود أن تركز أكثر وتصغي جيدا الى مصدر الصوت، فقد تكون أنت المعني بهذا النداء. إقترب صوت المنادي حتى بات على مشارف غرفته. الموقوف غيدان أبو الراس، أعادها المنادي مرة ثانية وربما ثالثة ورابعة، الموقوف غيدان أبو الراس. مع وصول النداء اﻷخير مسامعه أخذ أبو داود بالتلفت في كل الإتجاهات بما فيها العليا والسفلى، فليس من أحد اعتاد على مناداته بإسمه الصريح ومنذ زمان بعيد. إذن بات من المؤكد بأنه هو المعني، لذلك راح مهيئا نفسه وبسرعة، على أمل ملاقاة ذلك الزائر الغير مرحب به، والذي لا يعرف ماذا يريد منه أو الى أين سيمضي به.

 فُتح الباب بقوة وبشكل أوحى بأن الهدف من وراء هذه الطريقة هي مباغة مَنْ هو بداخل الغرفة. إفترضت ان الرجل المناط به مهمة إقتيادي الى المجهول سوف يمدَّ برأسه من أعلى الباب أو النصف العلوي منه على أسوء تقدير، الاّ أن قصر قامته الفاضح كما سيتبين لاحقا، لم تسعف أبو داود على توجيه نظره وبردة فعل سريعةوطبيعية صوب المكان الصحيح من الباب، حتى ظنّ في بادئ اﻷمر أن لا أحد سيدخل الغرفة، وإن ما جرى لا يعدو أن يكون الاّ واحدة من تلك اﻷساليب الماكرة التي اعتادت على إتباعها هذه اﻷجهزة، بهدف إقلاق نزلائها، لذا لم يتأكد أبو داود من دخول (الزائر) فعلاً الاّ بعد أن إستبق هذا الكائن حضوره بمدِّ عينيه الجاحظتين، المليئتين بالفضول والإحتراز معا، وبمسكه قبضة الباب بيساره ودفعها الى الداخل وإتكائه باﻷخرى على جدار الغرفة. نادى عليَّ متسائلا وبإسمي الصريح: هل أنت غيدان أبو الراس والملقب بأبو داود، أجبته بنعم. لم يتكلم الرجل أكثر من ذلك، ملتزما كما يبدو بتلك التعليمات الصارمة، التي كان قد تلقاها بكل تأكيد من مسؤوله المباشر. هذا ما خرجت به تجارب السجناء والمعتقلين والمحتجزين، من الذين كانوا قد سبقوني في الوصول الى هذه اﻷمكنة.

قال لي رجل اﻷمن أو الشرطي أو سمّه ما شئت، أن أدور بجسدي ﻷكون بمواجهة الحائط وأتطلع بثبات الى الكوة الصغيرة ومن دون القيام بأية حركة، فما كان عليَّ الاّ الإستجابة. أخرج من جيبه دون أن أراه شيئا ما لم أتبينه وليقول لي إثبت في مكانك ولا تتحرك ولا ترمش عينيك بل أغمضها والاّ (كانت نبرة التهديد واضحة على لغته). قطعة قماش سوداء كما تبينتها بعد أن رمشت من غير ان ينتبه إليَّ مَنْ قام بشدَّ عيني، ليحجب عني الرؤيا. بعد أن أمسك بيدي اليمنى خرجنا سوية من الغرفة، طالبا مني ان لا يصدر أي صوت فأجبته بالإيجاب. تعثَّرت قليلا في مشيتي في بادئ اﻷمر حتى إستقر بي الحال على نحو أفضل. في الممر او الطريق المجهول الذي سيأخذني اليه، بدأت أسمع بعض اﻷصوات، مثلا ما قاله أحدهم: لا حول ولا قوة الاّ بالله، الى جنان الخلد. قال آخر: أمانة عليك أن تسلم على فلان، ثم تبعه ثالثا: كُن رجلا ولا تلين، وقال رابع وقال خامس وقال…. . صحيح لم أنبس ببنت شفة، يقول أبو داود، غير اني تأكدت وبالأدلة القاطعة بأني وسط سجن كبير، يضم مختلف المكونات والتشكيلات المعارضة وبكل تلويناتها، ما عدا تلك القوى التي لها بعض العلاقات الخاصة والملتوية مع النظام.

 طلب مني الرجل الذي يوجه مشيتي أن أحذر فهناك عتبة على باب الغرفة التي سندخلها (ربما تكون لفتة حانية من قبله لكني استبعدتها)، حاولت تجنبها غير أني عثرت حتى أوشكت على السقوط لولا  المحاولة التي بذلتها ونجحت اثرها في أعادة توازني. الاصوات التي كنت أسمعها قبل قليل ومن السجناء أو من الموقوفين ممن هم على شاكلتي، قد خفتت حتى تلاشت مع دخولي المكان الجديد. بالرغم من قطعي بضعة أمتار داخل المكان الجديد، الاّ اني ولحد اﻵن لم أستطع تبينه بإستثاء مؤشر واحد فقط وهي رائحة العطن النفاذة، التي بدأت تخترق منخراي بسرعة فائقة، تنم عن إن أحدا ما لم تمس جلده قطرة ماء منذ ما يزيد على الشهر، لتتماهى مع رائحة عطر من النوع الردئ جدا، كدت بسببهما أن استفرغ ما في جعبتي على الرغم من خواء معدتي منذ البارحة وحتى اليوم.

 أعاد عليَّ الرجل الذي رافقني طيلة المسافة التي قطعناها سوية أوامره بأن لا أتحرك ففعلت، ثم تبعها بفك وثاق عينيَّ، وإذا بي واقفا أمام رجل خمسيني العمر، بشاربين كثّين، يستطيلان نزولا على جانبي شفته العليا، كان قد صبغهما على عجل لتظهر من بينها كتلة واضحة من الشعر اﻷبيض، والتي كما يبدو لم يوفق في صبغها، ليظهر  وكما أراد وخطط بالشكل الحسن. مقتعدا هذا الخمسيني كرسيا فخما بنّي اللون، دائري الحركة وهزازا في ذات الوقت. تنتصب أمامه طاولة صغيرة الأبعاد، فاقعة الإحمرار، موضوع عليها علبة دخان من النوع الفاخر وثلاثة نظارات، بألوان وموديلات مختلفة، سوف لن يستعمل أي منها طيلة فترة التحقيق التي أجراها معي، ربما تعمَّد الرجل أن تكون طاولته بهذا الحجم، ليتفاخر به أمام زائريه وهو يدور في كل الإتجاهات. ستائر الغرفة متعددة اﻷلوان، لا يجمعها جامع، وعلى اﻷرجح فقد تم اختيارها على وفق عقلية هذا الرجل الجالس أمامي. الشيء الوحيد الذي يميز هذه الغرفة هو إنارتها الساطعة، وهذا ما لم أجد له تفسيرا.

 بمجرد أن تمكنت من الوقوف تماما وبثقة على رجليَّ وحرَّكت ناظري بمختلف الإتجاهات، لفت إنتباهي ان هناك ضيوفا في داخل الغرفة، هي ذات الوجوه التي رافقتي في مسيرة الحافلة التي قادتني عنوة الى هذا المكان، حيث اعتقدت بأنهم سيواجهون ذات المصير الذي أنتظره، فهم أيضا موضع سخط ورفض من السلطة الحاكمة ولكن!. كانوا يتهامسون فيما بينهم وأحيانا يتضاحكون ويرتشفون بمتعة من فناجين، أعدت خصيصا لشرب القهوة غير ان رائحتها إفتقرت لنكهة القهوة الحقيقية. تطلع بي أحدهم وبعيون وقحة، وأول ما تنبهت اليه وتأكدت منه، هو ان هذا الرجل ومن بصحبته، لم يكونوا من زبائن المقهى الواقع في سوق المعيدي، ولا هم كذلك من رواد محل بيع الطيور، بل لم يسبق لي أن رأيتهم. أشار لهم الرجل الجالس خلف كرسيه الدوار والهزاز بالمغادرة ففعلوا، ولم يبقَ في الغرفة الاّ نحن الأثنين.

 أخرج من تحت الطاولة كيسا صغيرا ثم قام بإفراغ محتوياته على الطاولة الصغيرة الموضوعة أمامه، صدرت بعض اﻷصوات بسبب تساقط وتدافع ما كان في داخل الكيس من محتويات، حاول الرجل ترتيبها لتبدو أكثر وضوحا. بادرني القول: هذه ساعتك اليدوية، وهذه هوياتك الشخصية، وهذه نقودك، وهذه مفاتيح بيتك وهذه ..وهذه.. كل هذا ليس مهما، اﻷهم هو أن تحدثني عن سر هذه الورقة وما مكتوب فيها. (عند هذه اللحظة وقف الرجل وبكامل قامته، ماسكا بالورقة السميكة التي كان قد خطها لي الخطاط ناطق شكر ورفعها عاليا)، أجبته بإمكانك قراءتها يا أستاذ، ردَّ علي لا تقل أستاذ بل نادني بكلمة سيدي، فأنا سيدك وسيد الذين خلفوك… هل فهمت، أجبته نعم سيدي. أعاد طلبه بقراءتها.

قلت في سرّي ربما الرجل لا يحسن القراءة، وأضفت ربما سيتلعثم وهذا ما سيحصل فعلا، فمرة يمدُّ الحروف اﻷخيرة بإسترخاء تام ومرة يكتم عليها ومرة يرفع الحروف وينصببها ويجرها بفوضى عارمة، ليفقد متلقيها وضوحها وبالتالي فهمها. أمّا طريقته في الكلام فهي تدلل على جهله باللغة العربية النظيفة، وعن لكنته فهي هجينة، متشكلة من مجموعة لهجات، فلا يمكنك أن تصنفها وتضعها على أهالينا في مناطق الشمال أو الجنوب أو الوسط أو الغربية أو الشرقية أو الفرات اﻷوسط، من أين أتى بها، هل ولَّف فيما بينها ليخرج بهذه النتيجة، العصية على الفهم.

 شرعت قراءتها وبصوت منخفض نسبيا لينهرني القول وليطلب مني برفع وتيرة صوتي ففعلت: النظرية رمادية اللون، جامدة يارفيقي، أمّا شجرة الحياة فهي دائمة الخضرة. بعد أن انتهيت من قراءتها ظل لبضع ثوان متواصلة يتطلع في وجهي بل قُلْ محدقا. لست أدري ما الذي أراده هذا المحقق بالضبط، الاّ اني وعلى ما اعتقد وقد أكون مخطئا في تقديري، بأنه لم يفهم على نحو صحيح مغزى ودلالة ما هو مكتوب على الورقة، فنظرات عينيه لا تدل على سرعة الإستيعاب ولا على التفاعل.

أعقب ذلك بأن طلب مني إعادة قراءتها، قلت لا بأس فربما الرجل بدأ يستجيب ويتفاعل مع ما هو مكتوب، ولكن تكرر الحال مع حدوث بعض التغيير، فمن كل ما ورد فيها لم يسترعِ إنتباهه منها سوى كلمة واحدة وهي كلمة رفيقي التي جاءت في منتصف الجملة، وُضعت داخل دائرة فاحمة اللون، كي يستطيع تمييزها وبالتالي عرضها عليَّ. لم أجد تفسيرا مقنعا لهذه الحركة التي قام بها الرجل سوى انه ربما يكون قد أخطأ في التعليمات الصادرة اليه من قبل مسؤوليه وإشتبك عليه اﻷمر وذهب في تحقيقه الى كلمة اخرى. أمَّا دلالة ما قرأت وما مغزاها ومَن يقف وراءها وفي أية مناسبة قيلت وما جدواها وغير ذلك من اﻷسئلة، كل تلك التساؤلات لم تثر اهتمامه، وبسبب من هذه الإشارة الصادرة منه فقد أعطتني إحساسا بالإطمئنان، وهذا ما تأكدت منه من خلال مجرى التحقيق، والذي تمحور وﻷكثر من نصف ساعة على جملة مواضيع واهية.   

يقول أبو داود: ما جرى لاحقا لم يكن كما إفترضت، حيث أُحلت الى محكمة خاصة للبت في قضيتي.

 

حاتم جعفر

السويد - مالمو

 

جميل حسين الساعديمدن ٌ نزلــــت ُ بها بلا ميقــــات ِ

                       وختمت ُ فيها مُرغمــاً رحـــلاتـي 

حيّيتــــها متبســــــما ً لكنّـــــــها 

                      صلبــــت علـــى أبوابها بسمـــاتي

ونظـرت ُ حولي علّني ألقى الذي

                        يحنـــو عليّ مداويا ً طعنـــــــاتي

فإذا الوجــــوه ُ تصدّني نظراتها

                        فأحيــــــد ُ عنها خافضا ً نظراتي

مدنٌ أحسُّ الصمت ّ في أحيائها

                         كفّـــا تردُّ علــــيّ بالصفعـــــاتِ

وفمـــا ً يردّد ُ باحتقار ٍ أننـــــي

                         وهم ٌ ومحضُ خرافة ٍ صرخاتي

قَـدْ أنكـرتْ روحي معا بـدُها فما

                         أجْــدَتْ تسابيحي ولا صلـــواتي

                         ***

تلكمْ بـلادي أصبحتْ، لا وجْهــها

                       وجهـــي ولا ضحكـاتها ضحكاتي

أكَلــتْ غضارتها الحروب ُ بنارها

                          وأنــا التشرّد ُ هدّ نصف َ حياتي

في البحْر ِ قدْ غرقتْ جميعُ سفائني

                           لَمْ تَبْق َ غيْــرُ سفينـة ٍ هي ذاتي

وســـراج ُ آمالي تلاشـى ضوؤه ُ

                         فدفنْتُـــه ُ في الثلج ِ مِنْ سنـوات ِ

أمشي فيمشــي الحزْن ُ خلفي راصدا ً

                           متعقبــا ً لا ينثنــــي خطــواتي

فمدامـــة ٌ تدعــو نديمــا ً غائبـــا ً

                             وقصيــدة ٌ تُتْلى علــى أمواتِ

والذكريات ُ مع َ الصحاب ِ قد اختفتْ

                         مثْل َ اختفاءِ البرْقِ في الظلمات ِ

لـَمْ يَبْق َ منها بَعْــد َ طـــــولِ تشّـرد ٍ

                         إلاّ رمـــاد ٌ خامــد ُ الجمَـــرات ِ

                           ***

بيتــي هو المنفى ومــا ملكـتْ يدي

                          شــعر ٌ أسطّرهُ علــى الورقات ِ

لــمْ يصلبوني كالمسيــــح ِ وإنّمــا

                          جعلوا صليبا ً لي ضياع َ حياتي

أيّـــوب ُ لوْ يدري بحالـــي هــذه ِ

                          لبكـــى علــيّ بساخن ِ العبرات ِ

فأنــا الغريب ُ امرُّ مثْــل َ سحابــة ٍ

                          مُتقيّئــا ً عُمُـري على الطرقات ِ

آه ٍ بـــلادي كنْت ِ أجْمــل َ صورة ٍ

                     فَلـِـم َ الشحوب ُ يلوح ُ في القسمات ِ

لا تنسبـــي البلوى إلى أقدارنــــــا

                        فالعيْب ُ عَيْب ُ الوجْـــه ِ لا المرآة

***

جميل حسين الســـــــاعدي

كتبت القصيدة في تشرين الثاني للعام 1997

 

صحيفة المثقفلا تغفو امرأة تعشقْ ..

وإذا نامت

سيكون لقاءً

في الحلمِ

يغني فيه الحبُ ويعبقْ ..

لا تُهْزَمُ امرأة تشربُ

دمعَ براءتها

طوالَ الليلْ

تتحسسُ ساقيها

تنتظرُ الشمسَ لكي تشرقْ ..

من يدري قد تخفي

كل حنان العالم

تحتَ ملابسها

في نوبةِ عشقٍ تتجددْ ..

**

تقولُ

إذا ما سادَ الصمتُ

تستيقظُ أشياءٌ في جسمي  ومساماتي

ودمائي

أبصرها في كلِ شراييني تتجمدْ ..

حين أرى توأم روحي

أتلمس جسمي

يجاهرُ إحساسي بالصحوِ

ومن هول الوجد يتمردْ ..

همسي كانَ سخياً

وعطري كانَ ندياً

لكنكَ مذ طافت عيني في عينكَ

أحسستُ بأن جليداً ينساح إلي

يغمرُ أنفاسي صمتاً وبالموتِ  أحدقْ ..

**

قلتُ

سأغيرُ عطري من أجلكَ

أغيرُ جلدي ومساماتي

كي يبقى لي قلبك يخفقْ ..

كمْ كنتُ أعاندُ نفسي

حين أرى وجهي يشبَهُ وجهكْ ..

وأنا هي ذاتكْ

حتى كدتُ أراني أنتَ

تخبئ أسمكْ ..

فتمردتُ على نفسي

كي أخلطَ بين الأصل وبين الظل ..

لكني ألمحُ شيئاً مني يسقط في الوحل ..

**

سالت دمعة حزنٍ مسرعة

وتحسستُ ملوحتها في شفتي

فحجبتُ ملامِحَها عنكْ ..

كنتُ أصدقُ حينَ تقولُ بأنكِ قطعة سكرْ..

وكنتُ أذوبُ بأجواءِ الهمسِ

أحلقُ كالنورسِ فوقَ الموج

كأني أحلم أو أسكرْ ..

كنتُ أصدقُ همسكْ

وأظلُ في التيهِ طويلاً

لكني لا أخطأ حدسي ..

حينَ يكون برودك يلتفُ على خصري

لا ينفعُ رسمكْ ..

تخنقني أنتَ

أتسوَلُ منكَ هواء الليلْ ..

فتمددتَ بينَ ضلوعي

ودخلتَ مساماتي

وتدخلتَ بأوقاتي ومساراتي

وباتَ بسقفِ الحب شروخاً تنبأ بالسيل..

الجارف في أحداقِ الويلْ..

**

دعني، إعتقني

لا بل، خذ ما شئتَ

سَأُرْجِعُ ضحكاتكْ

وبقايا كلماتكْ

كانت في الدرج

لا تحملُ معنى

باتتْ فارغة تلكَ الهمساتْ ..

فاقعةٌ أمستْ تلكَ النظراتْ ..

دعني أترُكُ بعض جراحاتي..

كتبي، أصصي، عصفوري

وآنية الزهرِ، وبعضُ كتاباتي..

سأتركُ قمصان النوم وعطري

سأتركُ رائحتي فوق سريري وملاءاتي..

ما كنتُ أجاري عيون الحب الأعمى

ولا الكذب المأزوم بآهاتي ..

شكوتُ إليكَ

ومسحتُ دموعي خلسة

كي لا تدركَ ضعفي

وَصَمَتُ طويلاً

حتى باتَ الصمتُ جليداً من حولي

ثم، (صفعتكُ في صمتي)* ..!!

***

د. جودت صالح

26/3/2012

(قصيدة مستلة من ديوان غدق البحر)

 

فتحي مهذبلم أعد أثق في السماء التي زينت كتفي بالصواعق..

باخرة آخر النهار المكتظة بعظام الموتي..

الكلب الذي يطل من قاع المرآة..

المرأة التي أهدتني تابوتا فخما

في آذار..

الطائر الذي يفكر في سرقة بيضة روحي..

القس الذي يتصفح ألبوم الآخرة..

وجهي الذي يتآكل مثل عجلات

عربات الأسرى..

الحطاب الذي يقطع خشب

ظهري بفأس مروعة..

رأسي التي أمجدها كثيرا..

التي تتحول في الليل الى كهف

مزدحم بالخفافيش..

ألعن الغيمة التي اختلست دراجتي

واختفت في مغارة صدري..

لم أعد أثق في حواسي

التي تبني أعشاشها

على حافة الشك..

تغرد مأخوذة بضباب الجسد..

لم أعد أثق في شيء..

العقل ومآزقه المكرورة..

مخيلتي التي طاردها تمثال

في دهليز..

جسدي الذي ينمو مثل شجرة

في بناية مهجورة..

كهوف النوم العميقة..

لم أعد أثق في حمامة

-هبطت الي من المحل الأرفع-

لم أعد أثق في شيء .

***

فتحي مهذب

سلوى فرحعاريــةُ الكَتـفينِ

إلا من سِربِ الحمائمِ

بعيداً عن مصائِدِ الشِّرك

ألوِّحُ بيَدِي للمُستحيلِ

أقطفُ ملاكا ًمِنْ خدِّ النَّسيم

***

على شاطئِ الرَوحِ أتجولُ

حوريَّةٌ هُلاميَّةٌ ترافقُ ظِلِّي

هدايا النُّورِ تعانقُ خَصْري

***

أينَ أنــــا...........؟

ليسَ لي مكانٌ

ولا لونَ لزَماني

تذوب الأنـــا

***

وَهْجَ الشَّذرات

صَفيرُ شُعاعٍ

يَنثالُ عبرَ كُوةِ الاتِساع

***

رفيفُ عِطرٍ

 يحطُ على وَجهي

بنفسجةُ ضوءٍ تَغفو بينَ عيْنَي

نيرفـــانا .. نيرفـــانا

***

سلوى فرح - كندا

 

مصطفى عليالى إبنتي (وحيدتي) الجيداء في عيد ميلادها العاشر

الزهرة الربيعية التي إنْبجست على أهداب خريفي الذابل

*

أكُلَّمــــا نادت (الجيداء) يا أبَتي

غنّتْ مزاميرُها لحْناً على شفتي 

 

وغرّدتْ كالصدى (فيروز) صادِحةً

أسمى ترانيمِها سِحْــــــــــراً لِأفْئِدَةِ 

 

وأمْطرتْ زُرْقَةُ الفيروز لُؤلُـــؤها

تسْقي دموعَ الندى فجراً سَفَرْجَلتي 

 

(بابا) نِداءٌ هَما من غيْبِ سُنْدِسِها

فأوْرَقت في دمي أندى قُرُنْفُلـــــةِ 

 

(بابا) ومُذْ طَرَقتْ أبوابَ ناطِرِها

فرَّ الفُؤادُ غـــــــــزالاً بينَ أوْديةِ 

 

أشجارُ روحي شَدتْ فيها جلاجِلُها

وَرَقّصتْ مهجتي أنغـــــامُ جَلْجَلةِ 

 

(بابا) تُزلْزِلُني رعْـــداً وبارِقَةً

رْحماكَ ياخالِقي من يوْمِ زلْزَلةِ 

 

(بابا) إذنْ هَطَلتْ فانْشقَّ قلبي بها

وأنشقَّ قلبُ السما من حَرِّ أدعِيَتي 

 

أوّاهُ يانغْمةً رَنّاتُها بِدمـــــــــــي

تَذْرو همومي كما ريشٌ بِزوْبَعةِ 

 

أوشكْتُ أنسى من القاموس مُفْرَدَةً

لولا شذى سِحْرِها لَمْ تزْدهرْ لُغتي 

 

مِنْ كوْثرِ الروحِ من تسْنيمِ جَنّتِها

صيّرْتُ كافورَهــا حِبْراً لِأُغْنيَتي 

 

حتى أُريقَ شذى كافورِها بِدَمي

وَللْخزامى رذاذٌ فَوْقَ أخْيِــــلتي 

 

جادتْ بلابلُها وحْياً لذي مَـــــدَدٍ

فباضتِ اللُؤلُؤَ المكْنونَ موْهِبتي 

 

وحيْثما كحّــــلَ الوِجدانَ ميْسَمُهـــــــا

فاضتْ بغيْثِ الرُؤى والبوْحِ موْجِدَتي 

 

بيْداءُ روحي غدتْ كالدوْحِ وارِفةً

وإنثالَ في بيتِنـــــــا قِدّاحُ مِشْمِشةِ 

 

فأشْرَقت غابةُ النسْرينِ وإنْبجستْ

بينَ الأيائِلِ والْغُدْرانِ ليْلَـــــــكتي 

 

نِداءُها والْندى قد خَظّــــــلا زمني

حينَ إستطابتْ نِداءَ الحُبِّ أزْمِنتي 

 

وخضّلت شيْبتي حِنّاءُ بسْمَتِها

كليْلةٍ وَلَجتْ في فجْرِ ناصِيَتي 

 

على ضِفافِ المُنى والشوْقِ موْعِدُنا

كأنّني والندى نسْعى لِمــــــــوْعِدَتي 

 

دَقّتْ على بابِنا بابِ الخريفِ ضُحىً

فَفَرَّ حُـــــــــزْني غباراً عبْرَ نافِذتي 

 

فأيْنعتْ سِدْرَةٌ رَغْــــــمَ الخريفِ فقدْ

أضحى الخريفُ ربيعاً حوْلَ زائِرتي 

 

يا زائري في خريفِ العمْرِ مُلْتَحِفــاً

أوراقَ روحي على جُثْمانِ أرْصِفتي 

 

قُلْ للمُسجّى على صُلْبانِهِ جَسَداً

الليْلُ ولّى فعاقِرْ نــــــورَ أُمْنِيَةِ 

 

تضوّعتْ مهجتي مِسْكاً بِمَنْ طَلَعتْ

شمْساً على غيْهبٍ في ليْلِ ممْلَكتي 

 

وحلّقتْ في سماءِ الروحِ مُشْرِقَةً

تجلو بأنْــــــوارِها مِرْآةَ ذاكِرتي 

 

قَالَتْ وقدْ أمْطرتْ شهْداً براءتُها

ليْسَ التي تُرْتَجى يوْماً بجاحِدةِ 

 

مِنْ عالَمِ الغيْبِ والأنـوارِ أنزلني

توْقٌ الى النارِ في أشْواقِ والِدَتي 

 

فراشَةٌ كُلّما لامسْتُ قلبَ أبي

درّتْ مدامِعُهُ كُحْلاً لأجْنِحتي 

 

وبعْدما أقبلتْ ناجيْتُ واهِبَها

شُكراً لِربٍّ بهِ لم تنْعَدمْ ثِقَتي 

 

وكيفَ لا يشْكُرُ الموْهوبُ من وهَبا

جوداً بلا مِنّةٍ تُمْلى علــــــــى هِبَةِ 

 

تلوْتُ في عيْنِها أٓيات سورتِها

ورددتْ إسْمَها حبّاتُ مِسْبحتي 

 

أرتِّلُ الاسمَ ترْتيلاً فيُطْرِبَنـــــي

حتى غدا إسْمها فرضي ونافِلتي 

 

كراهِبٍ بدّدَ الناقوسُ وحْشَتَـــهُ

رفْقاً بذي راهِبٍ يا قلْبَ راهِبةِ 

 

أضحتْ بمقْدَمــــــــكِ الجرْداءُ زاهِرةً

طوبى لِمَنْ ماثَلَ (الزهراء) في الصِفةِ 

 

(زهراءُنا) كُنّيتْ إمّاً لــــــوالِدِها

وأنْتِ أُمِّي بشرْعِ الروحِ أو أبتي 

 

أسقيكِ مُبْتَهلاً من دمْعتي ودمــــي

فاسْقي أباكِ جنى الإحسان ساقيتي

***

مصطفى علي

سمرقند الجابري

لم يعد الجرح

يأخذ مني وقتا ليندمل

قلبي زورق ضوء

يحمل الاصدقاء لجزر آمنة

حتى التافهون منهم ....اوصلهم

ابرأت ذمتي امام الماء

صار الوقت والجرح صديقين

انصب لهما ارجوحة اعصابي

واحلف عليهما بالعباس:

تأرجحا...تأرجحا

واضحك ملء قلبي

على رهان اللاعبين الجدد

الذين لم يعرفوا بعد من تكون،

سيدة اللعبة.

***

سمرقندالجابري

 

سلام كاظم الشجربغير وجوهنا المكتظة

على نوافذ التوديع...

وشرفات الاشتياق

سنعود على شاكلة حلم

بغير أن نحلم

بعيدا عن خطوط الضياء

ونندس بتلابيب الظلمة

وزوايا الإحتراق

نتوقف أمام أنفاسنا المتوقدة

لشوقنا القديم

بدهاليز غربتنا ورغباتنا

نفتش بكراسنا البالي

بين ركام البقايا

وقدم الأشياء،

نسترق السمع لصوتنا البعيد

الراكض مع الخلسة

يتمتم بداخلنا يستدل على التيه

قبل أن نوثق النهايات

وننسخ خطوط الإمضاء

على نعشنا المحمل بأسباب الغربة

وقد أستعجل الأنفاس الأخيرة

وحيدا يردد صوتا تلاشى

مع الباكين....

فما عاد يستذكر حنجرته

الموغلة بالقدم

من بقاياه صوتا لم يغادر

على جدارنا الآيل للسقوط

كتب قصائد الوجد

بأقلام الإرتياب ،،،

***

سلام الشجر