المثقف - نصوص أدبية

بـغـداد (1)

وفـؤادي في الصدرِ يَرْكـُضُ ركـْضًا

مـثـل عصْـفِ الريـاح بالأوراق ِ

nooradin samood

بـغـداد (1) / شعر: نورالدين صمود

 

 جـِئـْتُ بغداد، مِلْءَ قلبي اشتياقي

                            وحَـنـينـي إلى ربُـوع الـعــراق ِ(1)

شَـدَّني نحـوَها الحَـنـيـنُ، وإنـّي        

                                 أنا والــشـــوقُ دائـمًا في سِــباق ِ

سَـبَـقـَتـْني الأشواقُ، لكنْ أراني

                             قـد تـخًـلـَّفـْتُ عن مَـدَى أشـواقي

أنتِ روحٌ تلوحُ في الحُلـْمِ، لكنْ

                            كيف أسْـعَى والقـيْدُ شـَدَّ وَثـاقي؟

غـيْـرَ أنِّي، وإن تـنـاءَيْتِ عني،

                            أجْـعَلُ الـشوقَ كل يوم (بُـراقي)

فـَتـطِيرُ الأشواقُ بي مسرعاتٍ

                            مثـْلَ نـَسْــرٍ  يـطِـيـرُ في الآفـاق ِ

وفـؤادي في الصدرِ يَرْكـُضُ ركـْضًا

                            مـثـل عصْـفِ الريـاح بالأوراق ِ

وحنـيـني يَــزدادُ في كــل يــومٍ

                            كـحََــنــيـنٍ في أضـْلـُعِ الـعُـشـَّاق ِ

 أو حَـنـينِ الظمآن يَـلـْقَـَى سَرابًا

                            فيَـرَى الماءَ جـاريا في السواقي

ويَرى النخبَ وابتسامََ الندامَى

                            ويَرى الكـأسَ في يَـمِـين الساقي

(بغددتنا بغداد بــل بغــذذتـنا)

                           منذ نامت بغدان في أعمااقي

فـَـيُـرَوِّي بالحُسـن فيها عيـونـًا

                            بـِـعـُـيُــون مِـنْ مـائـها الــدَّفـّاق ِ

غـَـالـيـــات كـأنـّهــَا غــانــيــاتٌ

                            هي عندي كأنـْـفـَـس الأعْـلاق (ِ2)   

وَمُــذِ اشـْتـَـدَّ بي الحــنـيـنُ إليها

                            جُبْتُ رَحْبَ الفضاءِ إثرَ انـْعتاقي

وأتـَـيْـتُ الـْعِـراقَ، بَـعْـدَ بـِعَــادٍ،

                            بـِقـصِيدٍ يُـطـْفي لـظـَى أشــواقيِ

وَسَـرَى، في مشاعر الجمْعِ، شـَدوًا

                            وبَــــدا في تـَـطـاوُلِ الأعــنــاق ِ

فكـأنـِّي سَـكـَـبْــتُ راحًــا زُلالاً

                            يُسكِرُ السامعين، عَـذبَ المَـذاق ِ

فـَتـَـغـَـنـّتْ بـه الـحـنـاجـر حـتـَّى

                            أطــربـتـْـنــا "بنـَغـْمَة العُـشـَّاق ِ"

وسمعنا (لِلمَوْصِلِـيَّـيْنِ صَــوتـًا)

                            فيه شـجْـوٌ على "المَقامِ العِـراقي ِ"(3)

* * *

وتـَـراءتْ بَــغــدادُ دُرَّةَ َعِـــقـــْدٍ

                            فـَــوق صــدر كـمـرمرٍ بَـــراق ِ

مُتـْعَـبا جئـتـُها، وقد طال شوقي،

                            مِــن بــعــيـدِ الـرُّبــوعِ والآفـاق ِ

خِلـْـتُ أني في كل أرض سَألـْقـَى

                            مرفأً، فيـهِ ما اشـتـَهَـتْ أحــداقـي

أرْتـَـَوي فيهِ مِـن منابعِ ِ حـســنٍ

                            غــيــر أني كـَحُـسْـنــها لـم أُلاق ِ

والـْتـَقـَـيْـنا لـقـاءَ (قــيْـسٍ ولـَيْـلـَى)

                            بَـعْدَ طول النـّوَى وفـرْطِ الفِراق ِ  

هـاهنا (دِجلة ُ) السَّـخِـيَّة ُ تجري

                            كـجــوادٍ فـي سـاحــةٍ للـسِّــبَــاق ِ

ويَـظـَلُّ (الفراتُ) يَخْطـُـرُ تِـيـهًا

                            ويُــغـنـِّـي بـمـائـهِ الـــرَّقـْـــراق ِ

فهْو غالٍ على الحِمَى، وهْـو فيهِ

                            مِثـْـل أغـلى العـُقـودِ في الأعناق ِ

والـشـراعُ الـرفـّافُ مَـدَّ جـَنـاحًا

                            كـَحـَـمـامٍ مُــرفـْـرفٍ خــفـّـــــاق ِ

فيه أ َنـْسى الجوى، وأُ ُنـْهِي اغترابي

                            وأُلاقــي فـي ضـفـّـَتـَيْـهِ رفـاقـي

مَنْ لهم في القريض غـُرُّ القوافي

                            في انـْسِجَامٍ كأجْـمَـل الأطـْواق ِ(4) 

لأُغـَـنـِّي مـع الـمُغـَـنـِّي بشـجـو ٍ       

                            وتـَـفــيضَ الدمُـوع في أحـداقي:

(يا شراعا وراء دِجـلـة يَـجـري

                            في دموع) تــدفـَّـقـتْ كالسواقي(5)

يا عـراق الأمجاد في كل عـهـدٍ

                            كـُنتَ رمزَ السلام رغمَ الشقاق ِ

وبـِــرغمِ الدُّجَى ورغْــمِ الليالي،

                            فـَجْـرُكَ الحــلـوُ مُـؤذنٌ بانـْبثاق ِ

 

تونس  -  د: نورالدين صَمُّود  

......................                

هوامش وتعليقات

1)  كـُتبت القصيدة في 22/11/1985 وألقِـيـَتْ في مهرجان المربد بالعراق في نفس السنة مع شعراء من كافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج، وأضيفت إليها بعض الأبيات بعد ذلك

2)  الأعلاق: الأشياء النفيسة الغالية.

3) (نغمة العُشّاق): معروفة في تونس، كما يوجد مقام آخر اسمه (مقام العراق) ومنه نوبة كاملة من المالوف التونسي تحمل هذا الاسم، ومن أشهر أجزائها: (يا عاشقين ! بعدُ الحبيب قد زادني عشقا)، وبالنسبة للأغاني أغنية السيدة نعمة (ليعتني بشد الهوى يا دوجة) ومقام (سيكة عراق) مثل أغنية: (ما تصبرنيش) لأم كلثوم.

ولست أقصد بالموصليِّيْنِ: إبراهيم أو إسحاق فقط ولكن أقصد المطربين العراقيين الشهيرين إبّان المهرجان، الأول: محمد القـَبَّنْجي، الذي غنـَّى في حفل افتتاحه، وارتجل كثيرا من الأشعار بتلك المناسبة وطوّح في جو المسرح (جكيتته) طربا وانتشاءٍ، والثاني: ناظم الغزالي، وكان آنذاك حديث العهد بموته المُريب، وقد كنت أستمع إلى أغانيه في معظم المحلات التجارية في (إسطوانات جقمقجي)، [بنطقٍ للجيمين فيه يشبه كشكشة  تميم في نطق الكاف الشائع في الخليج العربي، والملاحظ أن اختيار كلمة صوتا في هذا البيت دون غيرها مما يساويها وزنا ومعنى مثل لحنا أو شدوا، مقصود لشيوعه في كتب القدماء خاصة في الأغاني للأصفهاني، وقد اقتنيت جميع إسطوانات ناظم الغزالي في ذلك الوقت، وأذعت البعض منها في الإذاعة التونسية، ومنذ ذلك الوقت عُـرفتْ لدى الجمهور التونسي.

4) هذا وقد حضر صاحبُ هذه القصيدة  مهرجانَ الشعر العربي المصاحب لمؤتمر الأدباء العرب في العراق سنة 1965 مع مشاهير الشعراء العرب من بينهم: أحمد رامي وصالح جودت ومحمود حسن إسماعيل وأحمد اللغماني ومنور صمادح وزبيدة بشير ، وكثير من مشاهير شعراء العالم العربي في ذلك العهد، وقد أنشد الشاعر حافظ جميل (1908- 1984) باسم شعراء العراق قصيدة مطلعها:

أضيافَ بغداد هذا وجه بغدادِ* *صحائفٌ من بطولات وأمجادِ

وأنشدت قصيدتي في الكوفة قرب مسجد الإمام على كرم الله وجهه.

5) هذا البيت مأخوذ من مطلع قصيدة لأحمد شوقي (غناها محمد عبد الوهاب بين يديْ ملك العراق سنة 1931 (كما ورد في الشوقيات ج 4 ص 88)  وكانت كتابتها قبل وفاته بسنة واحدة، وأصل البيت:   

يا شراعا وراء دجلة يجري* * في دموعي، تجنبتك العوادي).

وقد وقع التصرفُ فيه للقافية، والتضمين أو الاقتباس محمودان في باب البديع من علم البلاغة.

 

 

تعليقات (5)

" وتـَـراءتْ بَــغــدادُ دُرَّةَ َعِـــقـــْدٍ
فـَــوق صــدر كـمـرمرٍ بَـــراق ِ "

---**---**---**---**---**
- لا غرو أن نتغنى بغداد العراق وهي قبلة ومحبوبة كل الشعراء العشاق -
- سيظل العراق يحمل أجمل ملامح محيا الوطن العربي -
---**---**---**---**---**

تحايا السنابل وعبيرها ---

 

سيظل العراق يحمل أحلى*ذكرياتٍ للعالم العربيِّ
فهو للعاشقين قبلة حسن*تستبيني في العالم الغربيِّ
قُبلة ٌ إثر قبلة إثر أخرى*هي أشذَى من عطر وردٍ شـَذِيِّ
في جبين العراق وهو عريقٌ*مثل بندٍ يبدو بطود عليِّ
قبل عهد الرشيد قد كان حصنا*يحفظ الضاد من عدو غبيِّ
إن ربي قد أنزل الذكر فيه*فلنصنه من كل باغ عتِــيِّ
نحن سد نحميه من كل عاد*فهو كنز للعالم العربيِّ

 
  1. جمعة عبدالله

الشاعر القدير
قصيدة غارقة في فيضان ينابيع الشعر والحب الى العراق وبغداد , بهذا الخفقان الذي يدغدغ الوجدان والقلب , بهذا الثراء من رحيق العشق والشوق الى العراق , قصيدة تنعش القلب بالزهو والابتهاج الغامر بالحب , وبهذه الانغام ابداعية
(بغددتنا بغداد بــل بغــذذتـنا)

منذ نامت بغدان في أعمااقي

فـَـيُـرَوِّي بالحُسـن فيها عيـونـًا

بـِـعـُـيُــون مِـنْ مـائـها الــدَّفـّاق ِ

غـَـالـيـــات كـأنـّهــَا غــانــيــاتٌ

هي عندي كأنـْـفـَـس الأعْـلاق

وَمُــذِ اشـْتـَـدَّ بي الحــنـيـنُ إليها

جُبْتُ رَحْبَ الفضاءِ إثرَ انـْعتاقي
ودمتم بالف خير وصحة

 
  1. نورالدين صمود

زدت، يا جمعة الخير، إعجابي بهذه القصيدة البغذاذية فشكرا على شكرك المشكور من الشاكر لشكركم الذي عدت إليه اليوم فأطربني

 
  1. نورالدين صمود

نورالدين صمود (إلى الجميع): ليس لي من مزيد في التعليق على تهليقات المعلقين على قصيدتي بغداد 1
سيظل العراق يحمل أحلى*ذكرياتٍ للعالم العربيِّ
فهو للعاشقين قبلة حسن*تستبيني في العالم الغربيِّ
قُبلة ٌ إثر قبلة إثر أخرى*هي أشذَى من عطر وردٍ شـَذِيِّ
في جبين العراق وهو عريقٌ*مثل بندٍ يبدو بطود عليِّ
قبل عهد الرشيد قد كان حصنا*يحفظ الضاد من عدو غبيِّ
إن ربي قد أنزل الذكر فيه*فلنصنه من كل باغ عتِــيِّ
نحن سد نحميه من كل عاد*فهو كنز للعالم العربيِّ

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4058 المصادف: 2017-10-15 04:57:58