المثقف - نصوص أدبية

مصاريعُ مقفَلةٌ!

jawad gloomلا أنشد إبداعا بل فضحاً

فقد بلغت القلوبُ الحناجرَ


مصاريعُ مقفَلةٌ! / جواد غلوم

 

وطنٌ أجربُ مرميٌّ في صحراء يبابْ

مطلِيٌّ بالقار، وحيدٌ، أبعدهُ الأتراب

زمرٌ من كُـتَـلٍ وفئاتٍ بائسةٍ سمّوها أحزاب

تتناوشه حينا أنيابُ ذئاب

تأكل من بقياهُ الرثّة حينا آخر

جرذان، أغربةٌ جوعى وكلاب

ويمزّقهُ عن بعدٍ  أو قربٍ قوس النِّـشّاب

ينأى عنه الأهل، أعزّ الأحباب

ويودّعهُ  للمنفى أوفى الأصحاب

يحكمه العاهر والسافل والمأفون الكذّاب

المائعُ والخانع والطائع والنهّاب

تسرقهُ الأوغاد وتمضغهُ الأجناب

ينتشر القذع، يصول الشتمُ

يشيع الغمز مع اللمز

ويباري الهمزُ بأشكالٍ شتى

في أصناف سبابْ

تنبش عن أملٍ مبتور الذيلِ بقيعان خراب

لا نبصر غير القهر، الضيم، الحيفَ

وأكداسَاً من همِّ عذاب

وحدي، كهلٌ يشتم شيخوخة عمرٍ

يبكي ميعة صبٍّ سبحت في نهرِ سراب

غرقتْ – لا ادري -- في ماءٍ أسَنٍ

أمْ في وعث ترابْ

لا خفقة قلبٍ، فورة عشقٍ أو دفق شباب

لا امرأة تخطو وتجيء اليّ ملوّحة بطريقِ إياب

الكلّ غيابٌ ووداعٌ أو هجرٌ ودروبُ ذهاب

لا كفٌّ تصبغُ حنّاءً في وجه جدارٍ أو لوحةِ باب

لا إلْفٌ يفتح صدراً للترحاب

لا أسئلة يُـفضي منها ايّ جواب

لا وجهٌ يشرق ؛ تلمسهُ

او خدٌّ بضٌّ او شفةٌ تتلوّن من عنّاب

آهٍ، يا إمامَ الضحك الباكي المرتاب

زدنا إرهاباً وكباب

فرْما، تقطيعا، حزّاً في ساطور القصّاب

إنّا أنزلناهُ في مسلخِ موتٍ محتومٍ

مابين ضباعٍ وأفاعٍ وذئاب

هذا يلدغ سمّا وزعافاً في الأعصاب

آخرُ ينهش لحماً، يكسر عظماً بالناب

يحرسها الله  يسمى ربّ الأرباب

عد من حيث أتيت فلا مسرى أو مشوارٌ جذّاب

لا الباب الشرقيّ ولا عشتار تُرحّبُ بالأصحاب

مغلقةٌ كل الأبواب

لا باب الدروازة تلقى الأحباب

لا لقيا، لا خطو إياب

لاينفع أيّ رجاء أو مسكنةٌ

فلتسكتْ ولتخرسْ

يكفي إلحاحاً او هذرَ عتاب

قلنا : مغلقةٌ كلُّ قلوب الاطياب

مفتاحُ رتاج الأبواب

قد أضحى في أيدي الأغراب

وكثيرا ما تودع عند الأجناب

لا حقلٌ يحوي فاكهة طيّبة وعناقيداً من أعناب

لا وردٌ يتسلّقُ زهوا ليباري اللبلاب

لا لحنٌ تنشدهُ بغدادُ على مغنى زرياب

لا شِعرٌ يتطاير من صدر امرأةٍ

تهديهِ لأخرى من ديوان السيّاب (*)

الكلُّ مواتْ

والبعضُ الحيّ غيّاب

من ناموا في جحْرِ سباتْ

مَن نسي البيتَ ؛ اتخذوا سكَناً عشوائياً بين يباب

عششاً يمرح فيها كلّ خراب

أكوامُ سقامٍ تتراقص وسط طنين ذباب

منهم من حاز رصيفا

أطفالٌ هجعوا مثل كلابٍ في المرْآب

في الفجر يصلي الناس أمام المحراب

يدعون المولى ان يعطيهم مفتاح التوبة والغفران

أليسَ الله هو الغافر والمانح والتوّاب

الكاسر والفاتح والخالع كلّ الأبواب

 

جواد غلوم

....................

*) إشارة لبيتي السياب:

يا ليتني أصبحت ديواني --- أختالُ من صدرٍ الى ثاني

قد بتّ من حسد أقول له --- يا ليت من تهواك تهواني

 

 

تعليقات (10)

  1. جمال مصطفى

كوامُ سقامٍ تتراقص وسط طنين ذباب

استاذي الشاعر الفذ جواد غلوم
ودّاً ودّا

قصيدتك أبلغُ من كل تعليق .
انها فصلٌ من فصولِ جحيم الواقع العراقي , فصل مضغوط ومكثف يمكن اعتباره اضافة
الى كونه قصيدة مكتنزة فهو أيضاً وثيقة إدانة لحقبة منخورة , متداعية وفي طريقها الى
الإنحلال التام .
انها شهادة شعرية حارّة على نهاية مرحلة .


دمت في صحة وإبداع استاذي الكبير جواد غلوم .

 
  1. جواد غلوم    جمال مصطفى

استاذنا الشاعر المحكم جمال
طابت اوقاتك
اشكرك على ملاحظتك معترفا اني بهذه القصيدة كنت مباشرا تقريريا لم اهدف الى فسحة ابداع وان جاء عرضيا
بقدر ما اهدف الى فضح مايجري ببلادنا من اوضاع تجريدية يندر ان تراها في اي بلد بالعالم
بما فيها الدكتاتوريات والقبليات التي تستشري في بعض بلدان افريقيا الغارقة في التخلف وفي شرقنا الاوسط المنهك
سلاما حارا لك متمنيا لك استمرار الابداع

 
  1. طارق الحلفي

لشاعر جواد غلوم

مودتي

سانطلق من الترويسة

"لا أنشد إبداعا بل فضحاً
فقد بلغت القلوبُ الحناجرَ"

التي ثبتها والتي يشير فيها الى انه يتخلى عن وقاره ( ابداعه) لان السيل قد بغ الزبى كما يقال او القلوب كما عبر الشاعر.. وانه يريد ان يفضح ما يجب ان يفضحه وبقوة ..انه انفجار الشاعر على أوضاع متردية ، لذا لم يدع لاحد ما مكانا الا ثبته، ولا صورة الا التقطها، ولا حركة الا ورصدها.. مع او ضد، دفاعا او هجوما ..تاملا وتدقيقا وفحصا وتبصرا، لانه يرى واقعا معتما لا ضوء فيه ولا افق له.. بابواب مغلقة لا رتاج لها .. مقفلة او صدئة..
انه يرصد مجتمعا يتآكل ..خامل .. معاق غير قابل للحركة وان تحرك فللاسوأ لان من...

يحكمه العاهر والسافل والمأفون الكذّاب
المائعُ والخانع والطائع والنهّاب
تسرقهُ الأوغاد وتمضغهُ الأجناب

وكمصور بارع تجول ليرصد بكامرة كلماته ..هذا الكم من القهر والحيف والضيم الذي يدمر العراق ببطئ.. فهو يبكي احبة ويندب وحده .. الامر الذي يثير حفيظته فيدخل في بعد تقريري لتعداد مثالب وتأشير مواجع وتحديد أسباب، وتعين نتائج ما وصل اليه أبناء هذا الوطن الذي تسحقه ..

زمرٌ من كُـتَـلٍ وفئاتٍ بائسةٍ سمّوها أحزاب

انها صور سوداوية عن واقع سوداوي ..يصورها الشاعر ويوثقها مستنكرا لها ومدينا .. حتى اننا نجد ان جزعه يدعوه للتساؤل:

أليسَ الله هو الغافر والمانح والتوّاب
الكاسر والفاتح والخالع كلّ الأبواب

دمت بصحة وامان

 

استاذنا الشاعر طارق الحلفي
سعدت اوقاتك
لم اجد في بلادي ما يدعو للاستئناس والبشارة فكل شيء قاتم بهذا العراق المنطفئ
زعاماته بليدة فهم ابعد مايكونون عن الحل بل هم المشكلة عينها
نخبته مهاجرة مطرودة ومن تبقى فجلّهم يلاحقون ظلال الطائفية والعرقية
وصل الفساد من الرعاة الرؤوس الى الرعية الاذناب
والعصي ايضا ان لاضوء في نهاية النفق
يبدو اننا عندما نكتب وكأننا نحرث في الماء
اتمنى لك مزيدا من هدأة البال ووفرة في الابداع صديقي الحلفي

 
  1. احمد فاضل فرهود

استاذي الشاعر الكبير جواد غلوم...صباحك خير وعافية وامل....لقد فتحت بقصيدتك كل المصاريع بوجه الحقيقة...قلت فصدقت ووصفت فاصبت وشكوت فاثرت شكوانا ونجوانا...الوطن !!! خذلناه وخدعناه وطعناه ....لم يوحدنا شيء كقتل هذا الكائن كل يوم.....لك الحب والاعجاب الدائم.

 

الغالي احمد الاديب المتميز
وافر اعتزازي لحضورك الدائم
هذا غيض من فيض بلوانا مع ساسة الصدف ومن لفّ لفهم
لم اقل الا القليل القليل وعسى ان ينتبه شعبي ويعي ما نكتب
مازال العراق حيا على شدة سقامه واشدّ من ازر مخلصينا ان ينشدوا مشروعا
عراقيا محضا بلا تدخلات الجوار وغير الجوار وهذا هو الحل الانجع كما يخيل اليّ
تقبل مني كل المحبة

 
  1. صالح الرزوق

دائما اطلع على هذه الباقة الملونة من قصائدك النثرية، و احيانا العمودية من شطين،

الالم و الحزن و اللوعة و الفراق قاسم مشترك بينها كلها، و حكاية النخلة و النمل الابيض اتدكرها ، فهي موقف نتعرض له اليوم، و لكن بتر الاشجار كان بأوامر من البلدية في حلب بالتوازي مع توزيع بطاقات وقود التدفئة للمنازل،
الوقود،
اقطع ثم اقطع،
جفف المدينة و يبس القلوب،
اجعل وجه حلب الأخضر و المعطاء باردا و سنيا و ذاردا لكل الاتجاهات الاخرى،
قلب اجوف كالطبل الذي يصم الادان و لا يطرب،
آه،
هذا هو يوم خميس اخر متجلد و موحش،
اتمنى لك اوقاتا اجمل،

 

والله يادكتور صالح نفس مانعانيه نحن في بغداد وكما يقول بدوي الجبل
ليس بين العراق والشام حدّ --- هدم الله مابنوا من حدود
كلانا نشترك بالالم ونتلقى ضربات الهمج المتوحش لاننا ببساطة اكثر تحضّرا
دمت في خير وأمان

 
  1. جمعة عبدالله

الشاعر القدير
يسلم غضبك المقدس , والله يعينك على كرب وكدر الزمن
حقاً ان القصيدة خطابها مباشر , لكنها تملك روعة صفاء اللغة الشعرية , والصور الشعرية البليغة , انها تقنية شعرية مبسطة موجهة لعامة الناس , في المخاطبة وكشف زعانف المرة للواقع المحطم , من واقع ينحدر الى اسفل سلم الانحطاط , نحو القاع الاسن والعفن , فالقصيدة هي موجهة للذات العامة , ليفهموا المقصود والمعني , ووضعهم على فاتورة الحساب . لكن الاغلبية من عامة الناس , هم في غيبوبة العقل والمنطق , لانهم مخدرين بترياق الطائفية المسوم , وهم في سبات على وسائد روث الحمير , بكل تأكيد ان الاغلبية , ليس لهم على على ما يكتب ويقرأ , وانما اصبحوا ببغاوات يريددون ماتنطق به افواه , الجرذان والكلاب , الذين اصبحوا في غفلة القدر الاعمى والمشؤوم , يديرون شؤون العراق , وبيدهم مصير البشر , هؤلاء الاوغاد , هم عجينة عفنة وفاسدة ودنيئة , حزابهم تحولت الى اوكار الجرذان , الى اوكار عصابات المافيا , تضم العاهر والسافل والمأفون والداعر , والسمسار , والكاذب والمانع والخانع والطائع والنهاب والعلاس . وكلهم همهم ( مضغة ) السحت الحرامر, هذه الحثالات بألاذيال المبتور , والعورة المكشوفة , هم ذيول للاجنبي الطامع والعدواني . هم مصيبة الخراب العراقي , واصبحت الحياة تستيقظ في الصباح على النوح والاحزان . ركبوا مطية الدين لسحت الحرام , لبسوا العمامة بأسم الشيطان , فقد تنكروا لرب العالمين ,ولا يعترفون بالدين ولا التوبة ولا الغفران , لانهم عشقوا الدولار الحرام
صدقت ورب الكعبة , والله يلهمك الصحة والعافية والسلامة

 

استاذنا الاديب المميز جمعة عبد الله
طابت ايامك
اعرف اني قد احرث في ماء بحر او نهر فلا احد يقرأ من بسطاء شعبي في ظل هذا التغييب والجهالة العائمة فيهم
كما اعرف ان نخبتنا السياسية لايهمها ماذا نكتب ولماذا نكتب فهم آمنون مطمئنون طالما ان يد الشعب راعشة وليس
لدينا شخوص من فولاذ تستطيع تدوير دفة التغيير لكنا نظل نكتب وهذا قدرنا
تحياتي واعتباري صديقي الاحبّ جمعة

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4109 المصادف: 2017-12-05 10:41:01