المثقف - نصوص أدبية

نُذُر كُرجية الأخير...

amar hamidبات القلق يراودها مع أقتراب موعد أداء النُذر الذي أقسمت على أدائه للسنة السابعة على التوالي، ولكن مالعمل الآن وقد أستولى الغربان على المدينة هذه السنة ونشروا الرعب والدمار في كل ركن فيها وهدموا بكل ما لديهم من حقد وكراهية كل الكنائس الموجودة وحولوها الى خرائب مظلمة، هكذا عاشت (كُرجية) ساعات القلق المتواصلة وهي حبيسة البيت وزوجها يواسيها يومياً، زوجها الذي يحبها حباً جمّاً رغم عدم انجابه اطفالاً منها ورفضه في السابق لمرات عديدة ضغط الأهل والأصدقاء للزواج بأخرى فكيف يترك حبّه الذي عاشهُ معها منذ ايام الدراسة سوياً، فكان ردّه لهم انه لا يحتمل فكرة الزواج بأمرأة ثانية لأن مشاعره ومخزون حبه قد أعطاه لأمرأة واحدةٍ فقط، كذلك كانت (كُرجية) التي تكن لزوجها حبّا كبيراً وتبادله نفس الشعور لكن حزنها بعدم أنجابها اطفالاً منه وجعلهِ سعيداً ليعيش مشاعر الأبوة لا تفارق أفكارها، وهذا ما جعلها تُنذر في كل سنةٍ بأن تُشعل شمعةً في الكنيسة القديمة التي كانت تتردد لها منذ ان كانت طفلةً صغيرة مع والدتها عندما كانت تراقبها كيف تضيئ الشمعةً امام تمثال العذراء لكن الأمر غدا هاجساً يقضُّ مضجعها فكيف ستستطيع أكمال نذرها السابع مع وجود طيور الظلام التي اختطفت المدينة في ليلة سوداء، كم كان جرحها عميقاً عندما كانت تنظر الى الكنيسة التي أحبت وهي مهدمة والظلام يلفها من الداخل وذلك الكائن الكريه الذي يجلس على كرسيه بالقرب من مدخلها حاملاً سلاحهُ الأسود ممهداً هو وأقرانه لتحويلها الى احد مقراتهم للذبح والتعذيب، لكن الذي لفت انتباهها ان هذا المسخ واثناء صياحه على بعض الصبية المتواجدين بالقرب منه كان يتكلم باللغة الفرنسية مع بعض الكلمات بالعربية وكانت (كرجية) تميز هذه اللغة لأنها كانت أثناء فترة المراهقة تستمع لأسطوانات جدها الخاصة بـ(أديث بياف1 الذي كان يطرب لسماع صوتها، فكانت نبرة اللغة واضحة بالنسبة لها وظل عقلها يعمل بسرعة ويبحث عن فكرة ما لأستغلال جهل هذا الحارس بالمدينة وأهلها كونه أجنبياً الى ان خَطَرت ببالها فكرة بعد أن تذكرت قنينة الشراب التي يخفيها زوجها في جهاز التلفاز الذي لا يجرؤ على فتحه لتذوق طعمه الذي أفتقده منذ دخولهم الى المدينة فعزمت على تنفيذ فكرتها دون ان تخبره لأنها متأكدة بأنه سيمنعها ان أقدمت على تنفيذها، ومثل كاهنة آشورية، بدأت (كُرجية) بأخذ حبوب المُنّوم التي كانت تتناولها لتساعدها على النوم في أوقاتها العصيبة وتسحقها في المطحنة وتخلطها مع محتويات قنينة الشراب، ثم مَزَجَتها مع عصير عِنَبٍ جلبته من السوق قبل ايام وقامت بوضع سائلها العجيب في زجاجات عصير العنب وأزالت اي تفصيل يمكن ان يبعث على الشُبهة.

في اليوم التالي ذهبت للتسوق مثل أي ربة منزلٍ عاديّة، مرَّت بعد عودتها من السوق بجانب الكنيسة المهدمة وهي تنأى بحملها الثقيل حتى مرَّت بجانب المُسَلَّح وتعمَّدت ان تُسقِط نفسها امامه. لم يُعِرها اهتماما، لكنه رحب بأخذ قنينةً من عصير العنب قدمتها له وهي تجمع اغراضها المتناثرة بسرعة قبل ان تغادر المكان.

في البداية وبسبب العطشٍ الذي ألمَّ به لم يشعر بتأثير ما كان يشربه لكن رعشةً وحنيناً مفاجئاً أعتراه الى أزقة الحي اللاتيني2 عندما كان يتسكع مخموراً في أزقته الضيقة ووقوفه في أيام مضى عليها الزمن أمام الـ(المولان روج3 يرقص على انغام رقصة الـ(كان كان)4 في ليالي باريس الحمراء فأثقل المنوم والخمرة الممزوجة بالعصير رأسه حتى غاص في نوم عميق على كرسيه الذي كان يجلس عليه مما سمح لـ(كُرجية) التي كانت تراقب مسار الأحداث دون ان تلفت الأنتباه ان تقترب أكثر فأكثر ودخلت مسرعةً الى الكنيسة التي مزقت القذائف وطلقات الرصاص أفاريزها ومرَّت من بين أحرُف الـ(ن) العديدة التي كُتِبت على جدرانها الخارجية حتى وصلت الى الداخل لتعثر مسترشدة على نور الشمس التي قاربت على المغيب على تمثال العذراء الذي تحطم الجزء الأيمن منه فيما تكسرت ذراعيها اللتان كانتا في الماضي مفتوحتان لأستقبال الناس ورغم ما فعلوه من أزالة لملامح وجهها الهادئ والمطمئن لكن تمثال العذراءَ كان واقفاً في مكانه ومحافظاً على نفس الصورة التي لازالت (كُرجية) تختزنها في قلبها وعقلها، قامت برفع النقاب الذي كانت تغطي به وجهها واخرجت من تحت ثيابها شمعة وقداحة وتَلَت نذورها ودعائها على عُجالة بطلب الرزق بطفل ينير درب حياتها مع زوجها وان يزيح شر هؤلاء الطارئين عن مدينتها وأهلها.

وعندما حلَّ الليل أيقظ بعنف الحارس المناوب رفيقه الذي وجده نائماً ثم ركضا بأتجاه الضوء المنبعث من داخل الكنيسة ليجدوا شمعةً تنشر ضوئها في مكان كانت الحياة تَدبُّ فيه وامام تمثال محطم لطالما كان يدعوا في رمزيته الى سلامٍ تهرب منه الغِربان والشياطين.

 

عمار حميد مهدي

.....................

الهوامش

1- أديث بياف : مغنية فرنسية شهيرة.

2- الحي اللاتيني : احد احياء مدينة باريس.

3- الملان روج : نادٍ ليلي باريسي.

4- الكان كان: اداء استعراضي راقص.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4145 المصادف: 2018-01-10 06:52:18