المثقف - نصوص أدبية

موعد في الواقع أم في الخيال؟!

nooradin samoodلم يعد يعبأ بالساعة تصحو أو تنامْ

مثل أصحاب الهوى أهلِ الغرامْ


 

موعد في الواقع أم في الخيال؟!

 نورالدين صَمّود

 

مَـوْعِــــدي كانَ هُنا في التاسعَـــــــــه ْ

مع مَن لاحت لعينـِي في صِباها رائعَهْ

موعدي قد كان في بطحاءَ تبدو شاسِعَه ْ

سُمِّيَتْ "ساحة َإفريقيا" ولاحت من بعيدْ

مثل روض وشَّحَتـْـْهُ كل أنواع الورودْ

وبدتْ من حولها تبسِمُ ألوانُ الزَّهَرْ

خِلـْتـُها تضحك من فرحة قلبي باللقاء المنتَظَرْ

مع مَنْ قد وعدتْ أن نلتقي

في الصباح المشرق ِ

تحت تلك الساعة المنتصِبَهْ

لِهَوَى أهل الهوى مُرْتقـبَهْ

حولها تبدو عيون وقلوبْ

أوشكتْ من شدة الأشواق فيها أن تذوبْ

وبودِّي أن أراها حققتْ في العمر لي أحلى الوعودْ.

* * * *

موعدي اليوم صباحا نـُورُهْ في مقلتِي ما أعذبهْ

وبودّي أن أراها ها هنا مرتقبَهْ ْ.

وأنا، في حيرتي، منتظرٌ مَقـْدَمَها

وإلى موعدها تسعَى كما تسعى الـْمَها

والـْمَها فيها عيونٌ سالباتٌ للنهى.

* * *

ساعتي في معصمي

رُحْتُ، من فرط الهوى، أرقـُبـُها

وعيوني أوشكتْ تثقَبُها

أخذتْ تزحف نحو التاسعهْ

وبدت لي ساعة ُالميدان تجري

عقرباها جاوزاها بقليلْ

والتي قد وعدت ْ

أ تـُراها أقبلتْ

وأتتْ للموعدِ الحلو الجميلْ؟

أم تـُراها نسيتْ

بعدما قد وعدتْ

بلقاء طالما ألـْهمني شعرًا، ولكنْ،

خَطْـوُ هذي الساعةِ الحمقاءِ كم يُرهقني

وهْيَ إذ تـُسرع كم تـُؤلمني

أ تـُرَى فاتنتي قد نسيت موعدنا

ها هنا يجمعنا؟

فمتى تنهض من غفوتها

ومتى تنظر في ساعتها

ومتى تسرع في مشيتها؟.

* * *

ساعة ُالميدان ظـَلَّ الوقتُ فيها يتواصلْ

والثواني من خُطاها تتناسلْ

عقرباها لـَدَغَا قلبي بهاتيك الثواني

أوشكا أن يقتلا فيه الأماني

وبدا سيرُهما في مثل سير الحلزونْ

بينما عقربُها الثالثُ يعدو في جنونْ

مثل عدّاءٍ بساح السّبْق يجري لا يبالي

ليتَ أنّ الوقت، في ساعةِ هذي الساحة الفيحاء، يبقَى

يتكاسلْ

ليت أن الوقت فيها يتجمَّدْ

والثواني تتقيَّدْ

وأودُّ الآن أنْ لا تتواصلْ

كي أراني في انتظاري، لستُ أشقَى

وأراني أتمنى تارة حينا وحينا أتساءلْ:

ساعتي لم تتقدم أيَّ يومِ وبودّي أن أراها تتأخّرْ

كي أرى فاتنتي عن موعدي لا تتأخرْ

وأراها من بعيدٍ تتبخترْ.

* * *

وتلفـَّـتُّ شِمالا ويمينا ووراءً وأمامْ

ثم صعَّدتُ عيوني للسماءْ

فبدا في الأفـْق سربٌ من حمامْ

يتهادَى في انْسجامْ

كل إلـْفٍ مالَ في الأفـْـق ِإلى الإلفِ الجميلْ

وبدا في الدوح مَثـْنـَى يتناجى

في وِئامٍ فوق أغصانٍ تميلْ

كل خِل ظل للخِلِّ يميلْ

وله أبْدَى اشتياق القلب في أحلى هديلْ.

****

وابنُ "خلدونَ" بدا لي من بعيدْ

يعتلي، كالفارس المنصور، نـُصْبَه ْ

أمسكتْ يُمناه في حزم كتابْ،

وهو للأفذاذ من خير الصِّحابْ،

وبيُسْراه مضى يلمس قلبهْ

وهو قلبٌ من حديدْ

ملؤه عزم شديدْ

حشْوُهُ رِفْــقٌ وودٌّ ومحبّهْ

أ تراه يستعيدْ

ذلك الماضي البعيدْ؟

أم تراه يرتجي تحقيق موعدْ؟

كـلَّ يوم يتجددْ

إنما موعده حتما مع التاريخ في ماض ٍ وآتْ

قلبُهُ من معدن ٍ قاسٍ ٍ أصمْ

لم يعد يحـلـُم مثْلي بفتاة ْ

تبعث الدفء بأوصال الحياة ْ

لم يعد يعبأ بالساعة تصحو أو تنامْ

مثل أصحاب الهوى أهلِ الغرامْ

مثل قلبي المستهامْ.

* * *

ذلك الشارع ما أجملهُ

وأقول اليوم: ما أطولهُ!

والغياب الجهم ما أهولهُ!

ليت مَنْ أرقبُها قد جاوزتْ أولـَهُ .

* * *

و صُفوفُ الشجر العالي بدتْ لي

مثلما تبدو العواذلْ

أو كسِربٍ من عذارى تتمايلْ

يتراقصْــنَ ويُرخين الجدائلْ

ليت مَن أرقبها تبدو لعيني

بين هاتيك الخمائلْ

مثل بدر من وراء الغيم يظهرْ

إنها في عُمُري كل المُنـَى

ليتني أبصرها عن موعدي لا تتأخرْ

وأراها مثلما يبدو لعينيَّ السنا

إنها إن أقبلت تمنحني عمْرًا جديد

ويصير اليومُ عندي يومَ عيدْ.

* * *

فجأة لاحت لعيني من بعيدْ

غير أني قلت، من شوقي ومِن طول انتظاري:

أتراها هي جاءت؟...

أم ترى أُبْصرُ أخرى؟

ربما كانت سواها

وأنا أبذل عمري كي أراها.

*****

وأخيرًا طلعتْ كالشمس في يوم جديدْ

كابتسام الأمل الحلو الوليدْ

كنَدَى الصبحِ تراءى فوق أكمام الورودْ

مثل أغلى الأمنيات

أو كأنسام الحياة

فغدا القلب بها في هذه الدنيا سعيدْ

فكأنا نلتقي، بعد فراقٍ، يومَ عيدْ.

* * *

والتقينا

وابتسمنا

ومضينا

وعلى درب من الشوق مشينا

نحو "قرطاجَ" بيوم من ربيعٍ مشمس ِ

ما رأينا مثلـَهُ في تونس ِ

يوقظ الحُلـْمَ بكل الأنفس ِ

كـ"ابن زيدون" المُعَنـَّى

بهوى "ولادةٍ" ذاتِ الدلالْ

تتباهَى في ربا الأندلسِ

وأراها في ربى قرطاج تمشي،

حيثما أمشي، وكنا نتمايلْ

فوق هاتيك الربا

وبقلبي كلُّ أشواق الصِّبا

وأنا، من نشوتي، قد رحتُ فيها أتغنـَّى

فلقد نلت الذي قد كنت منها أتمنـَّى

وتساءلتُ بأشواق قلوب الشعراء:

أنا في "قرطاجَ" أم "غرناطةٍ" ذاتِ البهاءْ؟

مجدها في الكون سارْ

وهْي تـَهدي بسناها كالمنارْ.

****

ثم عدنا في المساءْ

عندما لاحت لنا شمسُ الأصيلْ

فوق أغصان النخيلْ

ثم راحت بهدوءٍ تضع الخدَّ على ذاك الأفـُقْ

وأراها حين تغفو تصبغ الأفق بألوان الشفقْ

وافترقنا حيثما كان اللقاءْ

عند ما شبَّ حريق في الغسقْ

وأنا ما زال، حتى الآن، في قلبي سؤالْ:

أ تراني كنتُ في الواقع أم قد كنت في حـلـْمٍ جميلْ

لم أكن أحلم، يومًا، أن يُنالْ؟

وتساءلتُ: تـُرَاهُ كان وهْمًا وخيالْ

وغدَا في خاطري حلْمًا سعيدْ

أم تراه كان في الواقع لكنْ مرَّ بي

مثلما مرَّ خيال وغدا شيْئًا محالْ

بيدَ أني لم أزل منذ افترقنا

- أو تخيلتُ بأنا ذلك اليوم الـْتقينا وافترقنا -

هاتفـًا من كل قلبي:

ليتَ أنّا نستعيدْ

ذلك اليوم السعيدْ

لنراه واقعا ليس خيالْ

خـِلـْتـُهُ وهْما جميلا لا يُنالْ.

 

.................

هامش

ساحة إفريقيا تقع في نهاية شارع الحبيب بورقيبة شرقا حيث تمثاله، القريب من محطة  القطار المؤدي إلى قرطاج التي تبعد عن العاصمة حوالي 20كلم وفي بداية ذلك الشارع غربا يُوجد تمثال ابن خلدون، وسط تونس العاصمة، والأشجار التي بينهما تكتظ كل مساء بالحمام وبطيور الدوري وبالزرازير آكلة حَن الزيتون، وفي القصيدة إشارة إلى قصة ولادة وابن زيدون في ناديها الأدبي  في قرطبة.

 

 

تعليقات (2)

  1. جمعة عبدالله

الشاعر القدير
مقدماً : مبروك بالتكريم الحافل لكم في الدورة 16 من مهرجان الشارقة للشعر العربي , هذا التكريم يمثل تتويج لعطاءكم الشعري لمسيرتكم وتجربتكم الشعرية الطويلة , الحالفة بالابداع الشعري الاصيل . والشي الاجمل ان يكرم المبدعين الكبار , ولا يضعونهم على قارعة النسيان , هذا ينعش الشعر وينعش الابداع . فتهنئة من القلب لكم , وها ان الزمن يكرمكم ويكرم عطاءكم الشعري الرائع .
قصيدة رومانسية سبكت بأسلوب شعري ملتهب وساخن , بهذا السرد الشعري الشيق والرشيق , جعلت قلوبنا تخفق , مع خفقات هذا العاشق الذي ينتظر الموعد الغرام بشوق متلهف في سخونته , يحسب الوقت بالثواني والدقائق , وبهذه الاوصاف الخلابة , كأنها تصوير حي ل ( ساحة افريقيا ) وما حولها , وتمثال الشاعر العاشق ( بن خلدون ) . والحمد لله حصل الموعد المرتقب في الساعة التاسعة , رحمت قلوبنا وقلب العاشق الذي وضعته على شواية الاحتراق , يتطلع الى هذه والى تلك ( هي , لا ليس هي ) لكم نفس طويل في السرد الشعري الجذاب في مغناطيسيته , وقدرة في التلاعب في خفقات القلب المصلوبة بحرقة الانتظار , المهم كنت رحيماً بأن اللقاء تحقق , وهدأت خفقات القلب بسلام وبهجة
ساعتي في معصمي

رُحْتُ، من فرط الهوى، أرقـُبـُها

وعيوني أوشكتْ تثقَبُها

أخذتْ تزحف نحو التاسعهْ

وبدت لي ساعة ُالميدان تجري

عقرباها جاوزاها بقليلْ

والتي قد وعدت ْ

أ تـُراها أقبلتْ

وأتتْ للموعدِ الحلو الجميلْ؟
ودمتم بخير وعافية

 
  1. نورالدين صمود

الصديق العزيز جمعة عبد الله السلام عليكم وبعد فقد أمتعتني بتعليقك الأنيق وسررتني بتهانيك على الجائزة التي نلتها بدون ترشح بل بالانتقاء والاختيار من بيت الشعر الشارقي الأكبر من قبل أهل الاختصاص والذوق، ولعل اطلاعهم على شعري كان من خلال ما قرؤوه من شعر في صحيفة المثقف العربي بالاعتماد على تعليقاتكم وتعلياقات الأعزاء الذواقة للأذب الرفيغ بأسلوب لا يقل رفعة عن تلك الأشعار فشكرا لكل المعاضدين لصديقهم نورالدين

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4152 المصادف: 2018-01-17 03:23:03