المثقف - نصوص أدبية

صوت الحِملان

anmar rahmatalla2نعم أيها الطبيب.. لقد عانيت كثيراً من ذلك المرض، مرض التصق بجسدي كما تلتصق العلكة بشعر الفتاة. هل تصدق أنه زال دفعة واحدة حين أجريت لي العملية، وأنا عاجز عن شكرك صراحة. فمنذ صباي لم أهنأ بطعام أو مشرب.. النوم...النوم الذي يبعثره الليل على عيون الناس لا يعطف عليَّ ولا يحب زيارة عينيَّ، حتى شحبت وذبلت. كانت بطني منفوخة على الدوام ورأسي يدور كما يدور الناعور. يغرف الألم من نهر الحياة ويصبه في ساقية أفكاري التي توصله إلى بستان عمري. شكراً لك أيها الطبيب، أكرر شكري عاجزاً عن ردِّ الجميل لكَ.. نعم أعترف أنني الآن أقل حملاً، أنا الآن خفيف إلى درجة أنني أخشى من الريح القوية، باستطاعتها أن ترفعني من الأرض لشدة خفّتي التي أحس بها. لقد جربت قبل المجيء إليك أنواع العلاجات والأدوية ولم تنفع جميعها. نصحوني أن أغير مكاني، أسافر مثلاً، وسافرت كثيراً حتى تهدلت كتفي من ثقل حقيبتي ولم ينفع. كان المرض يتنقل في مواطِن جسدي بلا توقف، كم نهرته أن لا يعبث بهذه الهبة التي لا أملك غيرها، أعني جسدي أيها الطبيب، ولكنه لم ينتهر بتاتاً. كان المرض وقحاً، لا يبالي إن وضعت رأسي على الوسادة في لكز تفكيري ليوقظني مرعوباً.. لم يهدأ المرض يوماً أيها الطبيب، كان ينمو مع جريان الأيام، وكان الناس يستغربون مرضي فهو شيء غريب عنهم. لم أر في حياتي يا جناب الطبيب مريضاً مثلي، ولم أسمع شكوى تصدر من أحدهم، عن أعراض مشابهة لأعراض مرضي. حتى تخيلت أنني الوحيد المصاب بهذا المرض اللعين. لقد زرت قبلك الكثير من الأطباء، لكنهم فشلوا في تشخيصه وتحديد سببه ووصف علاج ناجع له. كانوا يوصوني بتناول المهدئات، حتى امتلأت بطني بمئات الحبوب المهدئة ولم أرتح. لكنني اليوم وبفضل مساعدتك صرت أفضل بكثير، لقد عادت الراحة إلى جسدي وصرت إنساناً حقيقاً. أستطيع العيش والتواصل مع أقراني.. نعم أن أثر الجراحة في جمجمتي مازال يؤلمني، لكن العملية خلصتني من تلك الأعراض المزعجة التي ارهقتني قديماً، وصرتُ بعدها شخصاً يأكل وينام بسلام. الناس في المدينة كلهم يأكلون وينامون بسلام يا جناب الطبيب، وسعيد أنا بهذه النتيجة التي وصلتُ إليها. مشاريعي صارت قريبة من الإنجاز، وأحلامي نزلت قليلاً، كانت الأحلام بعيدة جداً، عالية، لم أستطع لمسها وهي مرصوفة قرب نجوم السماء. أما الآن فالأحلام صارت واطئة، لن تصدق إن قلت لك أن أحلامي الآن أوطأ مني، أنظر إلى رؤوسهن كما ينظر المعلم إلى رؤوس تلاميذه، حين يجلسون على رحلاتهم. ولا أخفي عليك أيضاً أن برازي الأخضر يزعجني كثيراً ، ووجبات الأكل المليئة بالسيليلوز التي تخلو من الطعم اللذيذ أيضاً مللتُ من تناولها، ولكن أنا راض بهذا الأمر، على الأقل نجوتُ من متلازمة الحزن التي كانت تهيمن عليَّ في فترة مرضي.. لن أأخذ من وقتك الكثير.. سوف أغادر الآن، وأكرر شكري وتقديري واعجابي بما فعلت..آآه...نسيت!! ماذا فعلتَ ببقايا الخروف الذي احضرته لكَ؟. أذكر أنك كنت مهتماً برأسه، وأذكر أنك شرحت لي كيف كسرت جمجمته بصعوبة.. أعتقد أنه كان أباً لثلاثة حِملان صغار، لأن أصواتهم المُتهدِّجة مازالت عالقة في مخّي..!!.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

القاص القدير
قصة قصيرة مشبعة بالايحاء والمغزى البليع من الواقع الحال , في منصات الرمز الايحائية , بالانتقاد والسخرية من الواقع السياسي , الذي فرض نفسه بمعايير مجادفة للعقل والمنطق في انحرافها عن السلوك السوي . هذا الواقع الموجود . لم يكتفِ باساليب الظلم والحرمان , والمعاناة لشرائح الفقراء , المنفوخة بطونها من الجوع وسوء التغذية , التي لا تختلف عن تغذية الحيوانات السائبة ( بالحشيش ) وانما يفرض شريعة ارهابية بأن يكون المواطن مصاب , بالصم والبكم والعمي . يريد مواطن بدون عقل , حتى لا ينشغل في هموم الحياة ومعاناتها , او قد يتجاوز في التساؤ ل عن السبب والمسبب ولماذا ؟ , وربما يبحث عن تفسير وتحليل وتشخيص لحالته المعاية ,وقد يتجاسر ويوجه اصابع الاتهام الى الفاعل الحقيقي, وهذا يزعزع عروش الطبقة السياسية الحاكمة, لذلك يريدون مواطن مسلوخ من العقل , ليكون خروف مطيع بالطاعة العمياء , حتى يخلو الطريق لهم للسرقة واللصوصية . قصة تصب في مصباتها السردية الى الواقعية الانتقادية بالسخرية اللاذعة للواقع السياسي البائس والمأزوم . قصة امتلكت حبكة فنية متناسقة ومنتظمة , في سردها الرشيق .
اقول بلا مجاملة , مهاراتكم المتمكنة في فن القصة , تشهد بيان تصاعدي واضحالى الاعلى , في براعة التألق الجميل
ودمت في خير وصحة

This comment was minimized by the moderator on the site

أسعد الله صباحاتك أستاذ جمعة الحبيب
قراءة أخرى موفقة لما أسطره من كلمات متواضعة
بوركت لي وسلمت

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4207 المصادف: 2018-03-13 10:37:30