المثقف - نصوص أدبية

المومياء.. قصص قصيرة جدا

قصي الشيخ عسكرغبي

في الصف تقول المعلمة عني إني غبي أنسى كثيرا وأعاني من تشتت أما الولي الذي عرضني والدي عليه فقد ارتأى أن آكل شيئا شبيها بمخ الإنسان يساعدني على التذكر ويجعل من ذهني شعلة متوقدة في حفظ الأشياءن وربما كان الطبيب اكثر إفصاحا من الولي حين أقر أني أعاني من التشتت والنسيان ونصحني أن اتناول الجوز بكثرة مفرطة حيث تأول أبي قول الولي لما يشكل اللوز من شبه لمخ البشر.

منذ ذلك اليوم الذي اتفق فيه الطبيب العالم والولي الأمي وأنا التهم ذلك الشيء الشبيه بمخ البشر التهمت كثيرا ومازلت التهم إلى الآن ومازالت ذاكرتي ضعيفة جدا كأنها تتمرد على أي علاج!

*

كلمات متقاطعة

الكلمات الأفقية: سائل أحمر، فعل ماض بمعنى شب النار في

مكان يدفن فيه الموتى،تعني حرم الحياة

هارب من العدالة،آلة للقتل، ذبح

القاء القنابل من الطائرات

الكلمات العمودية: سكين مبعثرة، تجدها في طعن

حفرة كبيرة يلقى فيها مجموعة من الناس، لف الحبل على الرقبة

تجدها في خنجر

وضع يديه على العنق وبدأ يضغط، لفظ أنفاسه

*

المدينة التي غيرت قلبها

مركز المدينة كان يعج بالحركة. هناك على أحد المدرجات كنت أجلس أتأمل اسراب الحمام وهي تلتقط الحب أو حين تتزاحم عند قدمي لالتقاط مايتناثر على الأرض من طعامي.

هكذا كانت حين غادرتها...

بعد عشر سنوات من غيابي رأيتها أصبحت معرضا للسيارات ، ثم بعد عدة سنوات لقيتها بحلة أخرى كانت معارض لبيع الأقمشة الجاهزة، وفي زيارتي قبل الأخيرة لم أعرفها قط بل وقع بصري على حفر و آلات ضخمة وأكداس من الأسمنت، وكأنها اختفت تماما وتلاشت فلم أعد أذكر أين كانت.

*

حفنة موت

حطت جنب عصفور ففر إلى غصن قريب قبل أن يلتحق به المواء، وكان هناك طفل ينط على الرصيف ليصبح بينه وبين السيارة أقل من شعرة، في مكان آخر تعرض رجل في الاربعين لجلطة كادت تودي بحياته لولا تدخل جاره السريع وثمة تغير في اتجاه صحن يحوم حول الأرض كاد قبل قليل يصطدم بمركبة الفضاء التي على متنها ثلاثة ملاحين، في الوقت نفسه نجت امرأة حامل من قبضة الموت بفضل الطبيب الذي أنقذ الأم والجنين، وهناك في أقصى الشرق تؤكد الأخبار السارة أن سكان إحدى القرى كانوا من حسن الحظ يمارسون العمل في مزارعهم فنجوا بأعجوبة من زلزال دب نحو بيوتهم.

حوادث كثيرة ومفاجآت سريعة جعلت أناسا كثيرين من سكان كوكب الأرض ينجون من موت محقق!

كاد اليوم ينتهي على هذه الحال ويسجل العالم أول انتصار له على الموت بمرور يوم كامل من دون حادث لولا أن حفنة الموت بقناعها البغيض اقتربت في آخر لحظة من شاب خامره اليأس فامتدت يده إلى جرار منضدة صغيرة وفي الثانية الأخيرة وربما الوقت الضائع انطلقت رصاصة ما فسقطت جثة ما في مكان ما كان العالم كله يسمع صوت تلك الإطلاقة فتضيع عليه فرصة أخيرة للنصر على الموت!

*

دعاوى

كنت أحدق في القائمة مندهشا

حقا المبالغ كبيرة جدا. كان هناك بالعشرات ممن يأتون إلى أهلي يطالبونهم بمبالغ استلفتها منهم كما يدعون وبعد عشر سنوات استعدت ذاكرتي، وأول ما فاجأني تلك المبالغ المتراكمة من الديون علي. رحت أحدق في القوائم الطويلة العريضة وأنا بانتظار أصدقائي الذين ادعوا علي في سنوات فقداني الذاكرة. انتظرت يوما يومين واكثر بقيت انتظر طويلا مرت الشهور والسنوات ولم يأتوا.

لم أرهم ثانية قط

أخيرا كدت أنسى أشكالهم لولا هذه القوائم الكثيرة المعبأة بالأرقام التي تذكرني بهم.

*

المومياء

أراها منبسطة أمامي تبتلع الأعوام والقرون. لايفصلني عنها سوى صندوق زجاجي شفاف. لاأفهمها. قد لاتفهمني أيضا، وعلي أن أدخل عالم الصمت مثلها لعلنا نستطيع أن ندرك أحدنا الآخر.ماذا يحدث لو هويت بقبضة يدي على ذلك الصندوق الزجاجي الشفاف الذي يفصلني عنها فلا استطيع أن أهاجر عبر الزمن بل كان هناك صوت يحثني والآخرين الذين نسيتهم وأنا أبحر فيها:

الآن ننتقل إلى مشهد آخر!

*

النظارة

صباح ذلك اليوم ذهبت شأني كل مرة إلى السوق. هناك اكتشفت أني نسيت النظارة. كنت أخمن مواضع السلع والبضائع فتقع يدي عليها ارتحت كثيرا كوني لم أعد أسير النظارة التي صحبتني منذ الصغر، وفي البيت استدركت خطأي عرفت أني اشتريت بضائع مختلفة تماما غير التي كان يجب أن أبتاعها!

 *

د. قصي الشيخ عسكر

 

 

تعليقات (15)

  1. ذكرى لعيبي

طاب نهارك بجميل السرد وعمق دلالاته دكتور قصي
للقصص عيون ونوافذ ومنافذ...
كن بخير وإبداع دائم
احترامي واعتزازي

 
  1. قُصي عسكر

السيدة الشاعرة ذكرى لعيبي
تحيتي وتقديري
شكرًا لك ولشعرك الصافي ذي الوقع الجميل
قُصي عسكر

 
  1. جمال مصطفى

قصي الشيخ عسكر المبدع سرداً وشعرا
ودّاً ودّا

أميل الى تسمية هذه النصوص بقصائد نثر فهي متوتّرة والتوتّر يجعل
السرد شعراً لأن السرد في القصة يقوم بوظيفة إخبارية بالدرجة الأولى ,
ولكنه لا يقول بهذه الوظيفة في هذه النصوص .
الشعر في هذه القصائد يتلبّس السرد ويأخذه الى أكثر من معنى وأكثر
من تأويل , يأخذه الى معنى المعنى .

وصف النقاد قصص تورجنيف القصيرة جداً بالقصائد , وفي العربية
كتب زكريا تامر قصصاً قصيرة جداً هي بمثابة قصائد نثر وهي تشبه
قصص قصي المنشورة ها هنا , وحتى لو كان القارىء محايداً تماماً
فسيرى فيها بلا شك سرداً يشبه الشعر وشعراً يشبه السرد , انها نصوص
برزخية .

دمت في صحة وإبداع أخي قصي

 

اخي الشاعر القدير جمال مصطفى
ودا ودا أيها البهي
الحق احيانا اكتب لمجرد الرغبة في الكتابة ولا ادري شكل النص يسعدني انك جعلت هذه النصوص برزخية وهي تسمية جديدة تنعش النص وتجعله يعيش في نشوة لا متناهية
تحياتي أيها الكبير
اخوك قُصي

 
  1. صالح الرزوق

نعم نحن اسرى هذا الوباء الذي ابتلينا به و هو النظارات، انها ترسم بعدساتها الصور التي يجب ان نراها و تحجب الصور التي نبحث عنها.
سعدت بالاطلاع على هذه النماذج

 
  1. قُصي عسكر

الحبيب د صالح رزوق
وانا سعدت كثيرا لإطلاعك عليها أيها العزيز
قُصي عسكر

 
  1. يحيى السماوي

وجدت نفسي كما لو أنني شخص من شخوص القصص كلها ـ أعني أن أخي الأديب د . قصي يكتب عن همومنا جميعا ـ نحن الذي نتماثل بقاسم مشترك واحد هو : القلق الوجودي ..
لكنني وجدت نفسي أكثر في المدينة التي غيّرت قلبها ... أما لماذا وجدت نفسي فيها كما لو أن القصة تتحدث عني ، فذلك لأنني عندما عدت الى السماوة بعد غربة قسرية دامت نحو ربع قرن من السنين العجاف : لم أستطع معرفة أين يقع بيتنا القديم الكائن جنب " حمّام عفريت ـ فالزقاق كله تحوّل الى كتلٍ ضخمة من الكونكريت بواجهات حديدية وإسمنتية ... يومها راودتني رغبة البكاء حزناً على " شناشيل " بيتنا القديم !

*

أخي الأديب الكبير د . قصي : شكرا لأنك كتبت عن همومي / هموم جيلي سيدي .

 
  1. قُصي عسكر

سيدي الشاعر الأكبر يحيى السماوي
تحية الحب والمودة والنقاء
ان لنا كثيرا من الهموم المشتركة لكن همومنا نقية حزينة وتبدو بعض الأحيان خجولة لقد جعلت العراق يتشبع بشعرك الذهبي فكل ما يكتب يعود إليك أيها الأصيل
قبلة لك بحجم قمر السماوة
وسلام كبساتينها الوادعة
اخوك قُصي

 
  1. جعفر المهاجر

الشاعر والقاص والباحث المبدع الدكتور قصي المبجل .
تحية الود الصادق
وكأني بك في هذه القصص الموحية العميقة الغور تتحدث بلسان كل عراقي مغترب عانى من حفلة الموت التي تتراءى أمام عينيه في كل لحظة.
سلم يراعك أيها الأديب المحلق في سماء الكلمة الموحية والمعطرة بهواجس المشاعر البشرية المشروعة.
ودمت بخير وعافية.

 

الاديب القدير جعفر المهاجر
لك الشكر يا صاحب الألف الشعري. الجميل
قُصي عسكر

 
  1. جمعة عبدالله

الاديب القدير
المبدع هو الذي يفتش عن منصات بؤر جديدة للابداع , ليعيد تكوين خلقها من جديد . هذه هي سمة الخلق والتجديد لاصناف الادب ومسمياته , حتى يرتقي الاديب الى الاديب المبدع والمتجدد . وفن الاقصوصة فن مفتوح الافاق . وعجينة طيعة التطويع , تحتاج الى مهارة وذكاء وفطنة , في ذائقة اللعب على مكوناتها , ففضاءاتها ليس محصورة في قوالب معينة , سوى انه فن التركيز والتكثيف والاختزال , من اجل اظهار الصورة التعبيرية مباشرة دون لف ودوران . اي انه فن الطلقة السريعة التي تصل الى هدفها مباشرة , بطلقة واحدة , لذلك الاديب يجد متعة فنية ان يلعب على هذا الفن بحواسه المحسوسة وغير المحسوسة . فأنه يجد مهارة اللعب , في هذا الفن الراقي , كما يلعب في الكلمات المتقاطعة , او كما يلعب في لعبة الشطرنج , اي انه فن تركيز الحواس الظاهرية والباطنية , في انصهار شعور واللاشعوري , ليجعلها لعبة مسلية , تسد فراغات الذهن , في التركيز على هذه اللعبة , في ايجاد الحروف الصحيحة في الكلمات المتقاطعة , او يشحذ ذهنه في النقلة الذكية للعبة الشطرنج , وفي هذا الفن ايجاد الكلمات التي تخلق الصورة التعبيرية بشكل مكثف وسريع . اي ان فن الاقصوصة هو اختبار او امتحان لقدرات الاديب وبراعته الابداعية . وهذه الاقصوصات الجميلة , تحمل المذاق الادبي المتألق في جماليته , وفي تطوير امكانيات التقنيات السردية , في خلق الصورة التي تحمل ايحاء ومغزى ومدلولات تعبيرية . اي مهارة التكتيك الفني في ابداع الرؤية الفكرية المعبرة عن الصور التصويرية . وقد ابداعت في عملية الاسقاط , في منصات وثيمات ومخالب الواقع . وبرزت في شكل واضح عملية الصراع والتجاذب . بين العقل والوقع , في صراع قطبين , تنتهي جولتهما باندحار احدهما على الاخر . في واقع يلعب على العقل , كما في لعبة ( توم ) و ( جيري ) او كما عندنا لعبة ( الحية والدراج ) ولكن في هذه الاقصوصات , نجد ان الواقع يدحر العقل ويسقطه يتمرغ في الوحل . هذه ثيمات الواقع المر والمرير , لذلك ان هذه الاقصوصات , نجد الواقع يدحر العقل , في وسائله الاجبارية , التي تفوق طاقة العقل . وهذه هي الحقيقة المرة . من الاقصوصة الاولى , الى اخر اقصوصة . تشير بأن العقل ضحية الواقع المأجور والمأفون . الذي يقف عقبة امام تداعيات العقل , بأن ما يتطلع اليه , يخالف شريعة الواقع
ودمت في خير وصحة

 
  1. قُصي عسكر

الناقد القدير جمعة عبد الله
أشكرك وامل ان أكون أيها العزيز عند حسن ظنك دائماً
قُصي عسكر

 
  1. طارق الحلفي

الشاعر والاديب قصي عسكر
مودتي
لكل منها سكرها.. ورحيق حيرتها.. وجذوة حملها.. لكنها جميعا ترضع من الانشداه في عالم غريق باللايقين.. كالحافي الماشي في نومه على سراط من لهب..
قراتها هكذا باختصار.. في ترددها للكشف عن زنازينها المشتركة
...
1. لوثة المعنى في توصيف الحالة
2. جوار في مجانية النهاية
3. فكاهة التأمل بين شعرة البرهة ويقظة المغيب
4. قيد في اهمال تدابير القدر
5. خداع الامل في مياه التسوية
6. الحقيقة في اقترابها من الفراغ
7. عقد بين اليقين والفكاهة

دمت بصحة ومبدعا محفزا للتامل والاثارة

 
  1. قُصي عسكر

الاديب العزيز طارق الحلفي
أذهلتني والله لقراءتك كانك تكشف عن عمق اخر بعد رابع نسيه الكاتب في نفسه وانت جئت لتذكره به
شكري الجزيل ومحبتي
اخوك قصي

 

الأستاذ الروائي والأديب والشاعر القدير د. قُصي الشيخ عسكر ، السلام وباقات الورد لكم .

ياسيدي الفاضل ، هنا لم أجد إلا الحنكة والذكاء الترميزي في صقل الحرف ، والمواربة والتورية في كثير من المعاني ، إلا أن من يفهم ( شخصية) حروف الأستاذ عسكر ، يعلم جيدًا أنه أستاذ المدلولات الباطنة والظاهرة ، العميق كقعر المحيط ، الوهّاج كضياء الشمس ، بصراحة لم اجد واحدة من ترغلاتك النثرية تسلبني عن واحدة ، فكلهن لهن خاصية سلب وسرق واحتكار قلب وعقل وروح المتلقي ، وبجدارة وابصم بأصابع روحي

أستاذنا القدير ، مرحى لك هذا التميز ، ومرحى لغابات حروفك الخضراء ، كل عام وأنتم بخير ، تحياتي وتقديري وكل السلام ..

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4298 المصادف: 2018-06-12 13:27:44