المثقف - نصوص أدبية

الحرب

قصي الشيخ عسكرلم تكن الأرض لتثمر قطّ….

كلّما زرعوا نباتا جفّ في الحال.

وللنّاس أن يجدوا من أنفسهم أيّ قربان.

وأضافت راوية نهر جاسم:

قبل أن يخط القدر كلمته، وقبل وفاتها، على صوت انفجارات قويّة قادمة من نهج البرّ القديم صحت، وحين سألت: أهو الرّعد أم شيء آخر، أجابها عبد:الوقت صحو والدّنيا صيف ياأمّي الحاجّة، وما هذه إلاّ انفجارات تقوم بها لجان البحث عن النّفط في البرّ، عندئذ اعتدلت في جلستها، وبدأت تحكي، وقد ظنّ من رآها أنّها تعافت تماما. بدت متورّدة الخدّين، باسمة الثّغر، كما لو أنّها رجعت خمسين سنة إلى الوراء. ليس من عادتها أن تقصّ الحكايات إلا في الليل حين يضع عبد رأسه على الوسادة. أشارت إليه أن يجلس على حافة السرير، وينصت إليها: قالت ياعبد مهما كبرت فإنّك تظلّ بعيني الدّاهية والحاجّة صغيرا، ولأنّك كذلك، فسوف أقصّ عليك لمَ لم يكن الزّرع ليثمر. قيل هناك شيء ما تحت الأرض عجز أهل زمان عن أن يدركوه، يبدو هو النّفط الكامن تحت التراب. كان يقتل الزّرع. أليس كذلك، ولعليّ حين ألتقي بهم أخبرهم،

ـ ماذا تقولين ياأميّ؟

من قبل لم يكن لينعب غراب. الافاعي والعقارب خلت من السّموم، والعقول والأفكار لاتعرف الهموم، وتوقّفت برهة تغالب ذاكرتها من بعيد فتواصل: في الزّمن الأوّل ذاك، الحزن مجهول، واالمرض مفقود. لافيضان لازلازل أو براكين. كانت الدّنيا كما رأيتها بعينيّ هاتين نهارا كلها. الليل غائب، وعند قنطرة الحوريّة هناك أطلت العيون، على الرّغم من السّعادة والفرح، على شيء ما، فالأرض عجزت عن أن تعطي الزّرع، وعرف النّاس فيما بعد أن يقدّموا من أنفسهم نذرا للأرض حتّى تثمر وتعطي.

كان الزّمن على شفتي الحاجّة يمتدّ ويختلط، ويمتزج، بصور متباعدة، متقاربة كما لو أنّه ماء جامح يدور في دوّامة عميقة، هل هو الهذيان أم النّسيان. وقد دفعت تلك الفوضى عبد إلى أن يتابع الحكاية بذهن شارد، بعض اللحظات، لولا أن جاء صوت العامل، من الخارج، وهو يستدعيه، ليفحص التّلفون، فقطع عليها الحكاية:

ـ ألا تنتظر لتسمع الحكاية؟

أجاب بذهن شارد:

ـ سأجرب التلفون وأعود.

ارتسمت الحيرة على شفتيها:

ـ تلفون؟ لدينا تلفون؟

ـ اليوم يكمل الخطّ ياأمّي. سنصبح أوّل بيت في نهر جاسم كما كنّا أوّل من اشترى مذياعا وتلفزيون.

ـ اللّه!يبدو أنّي نمت دهرا كنومة أهل كهف، فجدّت أمور لم أعيها.

ـ ياأمّي صوت ناهدة هو أوّل صوت أسمعه في التلفون وحالما أنتهي أعود إليك.

ـ والحكاية ألا تريد أن تسمعها.

يالملمس الصوت وهو يداعب أذنيه. غابة ناعسة. عطر شفاف. قوس قزح. والحلم الورديّ يكبر، فيطغى على شكوكه التي برزت فجأة من حيث لايدري. أهو خيال أم مجرّد هواجس؟ لعله شعر في الأشهر القليلة الماضية ببرود من ناحيتها تجاهه، وكان الأجدر به أن ينساق مع هواجسه فلها أيسر عذر في الدّروس والامتحانات، حتى عرض على الدّاهية فكرة التلفون، فرحّبت بها، وحين أخبر ناهدة بذلك ليستطيع أن يتّصل بها وقتما يشاء، ابتسمت، وخيّل إليه ساعتها أنّ الخبر لم يفاجئها أمّا أمّه الحاجّة فيبدو أنها نسيت تماما، عرفت، ونامت ثمّ صحت ونسيت. في اللّحظة ذاتها امتدّ الحلم إلى بعد ثان. بعد الهاتف يمكن أن يشتري سيّارة، فيكون بيت النّمر أوّل من يسبق البيوت، أمّا الدّاهية فلمّا يزل العناد يركب رأسها. الدّنيا تطوّرت وتبدّلت، وهي كما الحاجّة، باقية في سوادها لم تتغيّر، حتّى أضحى لديه يقينا أنّها قد لاتخلع السّواد في يوم عرسه، أو تبدله بالأزرق. كلّ ماتخشاه هو عيون النّاس والحسد، أو أن تفتح الدّولة عيونها على بيت النّمر. دائما تتبجّح بالمدن: بغداد أحرقت النّقل البحريّ. بيان رقم واحد. . بل نقذف بالحقّ على الباطل فيتهاوى النقل البحريّ وتشخص الجثث معلقة في الساحة العامة. بيروت ضاعت فيها أموال كثيرة كان يمكن أن يرثها عبد. وطهران الآن تتململ، فيهرب الشّاه، وتسقط مملكته. دين قديم في عنق الداهية على الرغم من أنّ أباها أغمد سيفه، لكنّها هي الثارات في النفوس، فماذا يحدث للعالم ونحن على بعد خطوات من الحدود، وقد ظنّت أوّل انفجار سمعته اليوم قيامة الحرب، أو رشقا مفاجئا بالمدفعيّة، لولا أن عرفت القرية كلها بعد ساعات أنّها قنابل الباحثين عن النّفط في البرّ، امّا أنت ياناهدة فصوتك يأخذني إلى الحلم المشتهى ليس بالماضي البعيد حيث تطويني حكايات الحاجّة، ولانغمة الاعتداد والعناد حيث الدّاهية:

ـ أنا عبد هل تسمعينني؟

خيبة أمل ومن حيث لايدري، تنطبع على عيني الدّاهية ابتسامة ماكرة يعجز أن يلمسها أيّ مخلوق. آن للملح المسحور أن يؤتي ثمره يانعا وينطح السّحر السحر. لاتعلم بسره معها سوى الزائرة التي تمتمت عليه وأمّ مصعب، يا حبّة عيني أمّ مصعب. وكانت الحاجّة الكبيرة في غيبوبتها فلم تعد تسمع شيئا. هكذا ترشه في جيوبه وتثقب باطن ملابسه فتدسّه في معظمها، فترى وجهه متغيرا، إنّ كيدك ياابنة النّمر أنت وأهلك لضعيف، فهاهو عبد يدخل على أمّه الحاجّة متغيّر الملامح. كانت على جلستها كأنّها تنتظره منذ زمن. نامت فصحت، وتغيّرت أمور كثيرة خلال غيبتها الطّويلة. بيروت احترقت. هرب الشاه. وحين استفاقت ظنّت النهار ليلا، والقنابل رعدا. كان الزمن يلتفّ معها إلى أيّة وُجهة تريد، فما فائدة أن يشكو إليها بعض وساوس صدره:

ـ ياأمّي اتفقنا أنا وإيّاها هذا اليوم على أن تظلّ في البيت. قلت لها خطوط التلفون دخلت الدّعيجي وسوف نمدّ خطا إلى بيتنا. من أجلهاهي، تعرفين الدّاهية وعنادها وخوفها من العين. ونظر الحكومة والرّيبة والشّكّ…

وللمرّة الأولى يشعر أنّه ينتقد الدّاهية بحضور أمّه الحاجّة، فلا تردعه أو تعترض على كلامه:

ـ ياأمّي سوف أحدّثها كلّ يوم لكنّي كنت أرغب أن أسمع صوتها أثناء تجريب الهاتف.

وإذ طال صمت أمّه الحاجّة، وطالت حرارة الحديث، مدّ يده إليها. كان قد رآى ذلك الشيء الكريه ذات يوم، وهو صبيّ. وجها لوجه رآه، غير أنّه لم يحتكّ به. وإذ لمس الجسد الرّابض أمامه، خانته في أقلّ من لحظة شجاعته، فأطلق صيحة حادّة:

ـ ياداهية اللّه أكبر …اللّه أكبر ماتت أمّي الحاجّة!

فانقلب البيت خلال لحظات إلى صورة أخرى.

ـ 2 ـ

بضعة أيّام مرّت…

وكأنّ رحيل الحاجّة ترك سماته على الأحياء جميعها فلاحت بغير صورتها الأولى. ملكة الليل عانت من هزال بعد جسد ممتليء، وقوام ممشوق، فبدت كالنّعجة العجفاء، والدّاهية توغلت في الحزن إلى مدى لايُسبر غوره، فأصبح ديدنها سماع القراءات والابتهالات التي تبثّها، طول اليوم، إذاعة الأهواز، فتندفع معها ببكاء ساخن، أمّا ملكة القلب وأميرة الحسن، فقد غيّرت لهجتها، ولاح شيء غامض على جبين العمّ سعد. كان كلّ شيء يسير بطريق مبهم مثل حكاية تركتها المرحومة قبل رحيلها بدقائق. أهي الهواجس أم شيء آخر، أم الحزن يصبغ القلوب بالشكّ. حقّا بدا تَغيُّر العالم مخيفا. كان يحنّ إلى جلسة مع حسن وحديث عن الطفولة، والحبّ، وتلكَ الآمال العسيرة التي وجدوها ذات يوم سهلة المنال، غير أنّ ذلك يمكن أن يتحوّل إلى شيء مقيت حين يتذكّر أنّ حسن نفسه أصبح على قربه الشّديد منه بعيدا عنه إذ لم يعد مشغولا بشيء سوى الدّعوة إلى الانضمام للحزب، والحديث عن منجزات السلطة، وزجّ الشعارات من دون مناسبة خلال أيّ حديث له مع الآخرين.

كان لايدري ماذا يفعل بالضبط، حين زاحمته الذكرى، حتّى همّ أن يخرج، ربّما ليزور بيت عمّه على الرّغم من أنّ عمّه طلب منه أن يترك ناهدة بضعة أيّام، وأن لايتصل بها وإن كان عن طريق الهاتف. وقد وجد العذر لهواجسه دون أن ينتبه إلى ابتسامة الدّاهية الخفيّة التي كمنت وراء الدّموع، معللا خيبته في أنّ ناهدة أصبحت مخطوبة، وليس من المألوف أن يكثر من زياراته لها والحديث معها. وفي تلك اللّحظة حيث الفرار إلى أيّ كان، جاء صوت ملكة الليل يعلن عن وصول حسن الذي حالما دخل، سأل مندهشا:

ـ عجيب أمرك أنت جالس هنا والدّنيا مقلوبة من حولك!

ـ الدّنيا منذ خلقها اللّه مقلوبة.

ـ حقّا ألم تشاهد التّلفزيون؟

ـ أنت تعرف نحن في عزاء والدّاهية لاتسمع إلا القرآن من الإذاعة.

ـ ياأخي الحاجّة إلى رحمة اللّه والحيّ أحقّ من الميت.

ـ كلّمها أنت بنفسك.

ـ دعنا من أمّك الآن. ماذا عنك أنت؟ أخرج من عزلتك وأطل على الدّنيا ولو قليلا، لتعرف مايحدث أو ماحدث اليوم.

ودفعه الفضول ليعود إلى بدء الحديث:

ـ هل هناك من شيء؟

ـ الرئيس اعتزل وسلّم الرّئاسة للرئيس صدّام حسين (مؤكّدا) المشهد يعاد بثّه كلّ نصف ساعة.

سخرية مرّة لايفصح عنها: جاء حسن يزفّ بشرى إلى بيت خيّم عليه الحزن، هكذا تغيّر العالم بعد وفاة الحاجّة . الدّاهية أرادت صبغه بالسّواد. كلها لعبة ألوان. أسود…أخضر. . أبيض. . ومن قبل الداهية حاول ماركس أن يصبغه باللون الأحمر. العمّ سعد يطلب منه ألا يتّصل بناهدة بضعة أيّام تطول إلى أشهر، والآن ينزل الرّئيس عن الحكم لآخر، فأيّ لون يحمله العالم في هذه السّاعة، وقد آذن الخريف بالانصراف بعد أن صبغ الدّنيا باللّون الأصفر، وإزاء صمته يعقّب حسن:

ـ نحن بحاجة إلى رئيس شاب من الطّبقة المسحوقة يحسّ بآلامنا. شاب نشط يزور المدارس والمستشفيات والمعامل فيطّلع على الدّاء. أتعرف أنّ كلّ آلامنا وهزائمنا السّابقة بدءا من نكسة عام 1948جاءت لأنّ الذين حكمونا لم يكونوا شبابا والحقّ إنّهم بحاجة إلى رعاية لاأن يحكموا!

أصبحت منظرا ياحسن ياابن الفلاّح:

ـ صحيح نسيت أن أسألك ماهو لون الحزب؟

سأل باستغراب:

ـ اللون؟ماالذي ذكّرك به؟

ـ مجرّد خاطرة ربّما دفعني إليها هذا اللون الأسود الذي تعيشه الدّاهية كلّ يوم.

ـ عليك أن تخرج من عزلتك مهما كلّفك الأمر لتنظر إلى هذا العالم الواسع وكيف يجري على الأقلّ من حولك.

نعم ياداهية. كيف أفهم؟ أكثر من ثلاث سنوات مرّت على الخطبة ولاأراك تلحّين عليّ أو تبالين متى يتمّ الزّواج، ولم تسألي آل النّمر. ناهدة التي كانت لاترغب في الجامعة أخذت تتعلّل بإكمال الدّراسة، فهل جاء ت وفاة أمّي الحاجّة لتؤخّر الزّواج سنة أُخرى، كأنّك تبحثين عن عذر يؤجّل الموضوع. الاستقرار وطرد الخوف، فمع ناهدة ينسى العاشق، وفي ظلّ العمّ يجد الحماية من أعدائه وأصدقائه:

ـ واللّه فكرة حسنة، واللّه لاأفضل من الزّواج يسدّ الفراغ، ويملي فرحة على البيت.

ـ ياسيدي مبروك، فعسى ألاّ تطول الخطبة أكثر من هذا، ولاتنس أنّ العمل الحزبيّ أيضا يملأ الفراغ، لاسيّما أنّك تعاني من الفراغ خلال الشّتاء حيث يتوقّف المكبس.

اللّف والدّوران. الزيارة في يوم استقالة الرّئيس. مازلت تلفّ معي وتدور ياحسن كأنّي غريب عنك!

ـ دع الأمر لما بعد الزّواج.

ـ اسمع ياعبد. سوف أتحدّث معك بصراحة. اعتبر زيارتي هذه لك واجبا، فهل أنت على استعداد لتسمعني؟

ـ نعم بكلّ سرور.

ـ إسمع جيدا. الحزب بدأ يعيد حساباته، خاصّة بعد الثّورة الإيرانيّة. الشّاه أخطاّ حين غضّ النّظر عن المتديّنين، وما علينا الآن إلاّ جرد أسماء ممن لم ينتموا حزبيّا، ويمكن تصنيفهم في خانة المناوئين، وقد سألوني عنك مرارا، فاختلقت الأعذار مرّة وأخرى، وعاشرة، لكنني لاأقدر أن ….

ـ تدفع عنّي !!

ـ ها أنت تقولها بلسانك!

يبدو أنّي أكتشف فيك وجهي البعيد ياحسن. تدفع عني كلامهم وظنونهم كما لو كنت عاهرا أو قوّدا، ولعلّي أجد نفسي ذات يوم أكره العالم كلّه عدا ملكة الحسن والجمال، فلأهرب إليها قبل أن تلتحق بي طفولتي، وأنت:

ـ ياحبيبي الرّئيس الحالي، حين كان نائبا، قال…

ـ العراقيّ الجيد هو البعثيّ الجيد وإن لم ينتم. أعرف ماتقول. كان ذالك حديثا عامّا، ولكلّ شيء أوان، المعادلة الآن تختلف.

ـ أتعرف أن خطأ الشّيوعيين القاتل، أيّام المدّ الأحمر أنّهم كانوا يفكّرون بالكمّ، وليس بالنّوع.

ـ لكنّك لست كمّا!

وبمغادرة حسن، وهو يلقي استنكاره، أشبه بالتّحذير، يشعر أنّ شيئا ما يثقل على صدره، فيدفعه إلى التّشاؤم. ماذا بقي من الطّفولة، وذكرياتها؟المعتوه ابن المسعود الهائم بين المقبرة، والضّريح، وبساتين النّخيل، وحسن الذي دخل لعبة السّياسة عبر نكتة، وخرج منها مؤمنا بها لايضاهيه في الانتماءأيّ من الحزبيين القدامى، أمّ الدّاهية التي تتابع أخباره على الرّغم من انشغالها بالحزن القديم الجديد، فتشير عليه أن ينتمي ليرفع الإشكال عن نفسه، ولامفرّ من أن يزيح عن صدره ذلك الكابوس، وإن خرج عن نصيحة عمّه، واتّصل بملكة القلب. كان يرفع سمّاعة الهاتف، ويهمس:

ـ ناهدة!!!

ـ3ـ

لم يكن ليستطيع الصّبر أطول. الدّاهية قالت له ولم تكن صادقة إنّ الفتاة إذا تمّت خطبتها زاد تمنّعها، لكن إلى متى يستمرّ الصّدود. صوتها في التلفون ترافقه رنّة حزن . ربع ساعة فقط. لتأخذ العمر كلّه والأيّام بل السّنين كلّها، بأيّ لحظة تريد. ينتظرها كما لو أنّه خائف أن تضيع منه، بعد سنوات طويلة في البحث عنها:

ـ هناك شيء ما تريدين أن تقوليه؟

وعيناها شاردتان في المجهول:

ـ لاأظنّ أنّك تقدر هذه المرّة!

مازالت عيناها تتلوّنان مع الأفق:

ـ أنا راحلة هل تفعل ذلك؟

الدّنيا تنقلب. الخريف والشّتاء. رعد من صوب العشّار. نسمة باردة تحمل الأمل وتغيب في زخّة غبار. دقيقة وأخرى:

ـ كلام لم أسمعه من قبل.

وقد تخلّصت من شرودها:

ـ هذا ماقرّره أبي. بدأ بتصفية أملاكه، وكلّف أُخوتي بتخصيص دار لنا، وسوف نكون خلال أيّام قليلة معهم هناك.

بدا كأنّه في حلم. هاوية فارغة يقف على حافتها. كانت ملاذه للخروج من رتابة الأشياء. الغضب جعله كالحدأة، والمكاشفة تعود به إلى العتاب:

ـ نحن لم نتفق على هذا.

ـ ذلك يعني أنّنا لم نتّفق على خداعك.

سماء صافية وأيّة هي، تناديه ودقائق المحال تتقيّأ أمامه تفرغ أحشاءها. المكبس باسم الدّاهيه. الأرض الزّاعية باسمه وحده، والبيت باسم الجميع. أين أنت ياأمّي الحاجّة لأقول لك إنّك ذهبت ولم تأخذي شيئا، أمّا أنت ياباشا يامن أردت غزو بغداد ليتك حيّ الآن لأسألك لم وزّعت الأرض بتلك الطريقة، وأنت تعرف أنّي سأرث الجميع، وأصبح طليقا كالطّير ينطّ من غصن إلى آخر:

ـ لكن لمَ لم يتمّ إخباري قبل وقت حتّى أتدبّر أموري.

ـ تستطيع أن تستفسر من عمّك عن الأمر.

كانت تلك آخر عبارة يسمعها منها ، وكان يراها من بعد، بأقصى الدّنيا، وهي تبتعد عنه وتتلاشى، كرقعة ضوء صامتة. ظنّ أنّه قادر على أن يقدّم لها المحال. ولم يحسب حساب المفاجأة التي كانت أقسى عليه من كلّ شيء. راح يستعيد ذاكرته، ووعيه، وهي تبتعد عن عينيه، فيحسّ بنفسه، ويستدرك أنّ عليه أن يقصد عمّه، وقد سبقه إلى الكلام:

ـ إسمع ياعبد إني كنت دائما آمل عودة والدك إلينا، حتّى إنّي لم أقطع الأمل لآخر لحظة في عودته بأيّة صيغة. تلك هي عادتي. لاأيأس من شيء مهما كان أو طال.

بالكاد قاطع الرّجل الذي لم يكن مستعدّا للإصغاء على غير عادته:

ـ لماذا نحن نفكّر بالماضي دائما وقد بدأت معكم عهدا جديدا.

ـ أقول لك إنّي رأيت فيك صورته، وقد زادني سرورا أنّك رجعت إلينا حتّى خشيت أن ترفض ناهدة فتُحبط أملي القديم. فهل فهمت؟

ـ ماذا أفهم؟

ـ عليك أن تعرف أنّ السّفر خارج عن إرادتي، وماغمض الآن ستعرفه فيما بعد.

أمام لغز. أو سرّ. ضباب كثيف. . يخشى من عمّه، ونفسه، والداهية والجميع، ولعلّ خوفه يزول حين يدرك سرّ السّفر، ليخرج من نسيج الحيرة مثقلا بالتعب كفراشة عالجت نفسها من شباك عنكبوت، فابتعدت تلتقط أنفاسها:

ـ لهذه اللّحظة يصعب عليّ أن أصدّق.

ـ لعلك لاتصدّق إذا قلت لك إنّ قراري في تصفية أموالي، والرّحيل تحكمت به المفاجأة، وظروف أقوى منّي.

لهجةه يشوبها الغضب واليأس:

ـ لابدّ أنّك باشرت المشروع منذ فترة، حتّى إنّك لم تطرح الموضوع خلال زيارتك للعزاء في الحاجّة!

صريح مباشر لست كالداهية ولا النّمر الغامض:

ـ لكوني كنت متأكّدا من أنّك لن ترحل.

ـ لكن لم كلّ ذالك ولدينا متّسع من الوقت.

ـ اسمع ياولدي، أنا عمّك، وأكثر منك خبرة، بصراحة، أقول لك، إنّي ولدت في نهر جاسم يوم كان اسمها عرب حمدة، فعرفتها تلك القرية التي تنظر إلى العالم، وكأنّه بحجمها، إنها بيوتات معدودة بعد أصابع اليدين، ومازالت ترى نفسها بذلك المنظار.

ـ والدّاهية، والضريح، والمكبس؟

ـ أنظر كيف كان جوابك، وهكذا فعل أبوك، غادرنا نحن أهله إلى خاله، وتخلصنا نحن منها. خرجنا قبل أن تحمل اسم جدّك، ماذا كانت النّتيجة؟ ربحت أنا، ولم أكن أريد لك الخسارة، حتّى جدّت أمور لايمكن أن أفصّلها لك الآن في هذه اللحظة، فاضطررت لأن أتصرّف وحدي!

بحماس منقطع النظير، قاطع:

ـ لاياعمّي لم تكونوا مخيّرين في الرّحيل فلو عرفتم أنّ الغلبة ستكون في صفّكم لبقيتم فيما لوتحوّل الأمر إلى حرب حقيقيّة.

ضعف عيّرنا به السابقون، ومازالوا يغذونه أولادهم على الرغم من أنّ الأيام أثبتت فيما بعد أننا الأقوى، وقد ازداد رزانة وثقة كأنّه يخاطب النّمر الكبير:

ـ افرض، ماذا كانت نتيجة الهزيمة ظلّ والدك يراوح مكانه، وها أنت تحاول الرّجوع إلينا، وقد شجّعتك حين لمست فيك الرّغبة والنّية الصّادقة، لكنّك لاتقدر أن تتغلب على عقدة المكان، فالمكان الذي يعنيني هو أين أقدر أن أعيش وأكوّن علاقات.

ـ هل تعني أنّ عليّ أن أترك نهر جاسم؟

المفروض ومن دون ندم، فهل تقدر؟       -

وأطرق ثمّ أضاف:

ـ فات الأوان وأمامك ألف عقبة وعقبة.

فهمس بصوت يكاد يكون مسموعا:

ـ نفعي. إلى الجحيم!!!

ثمّ جنح إلى الصّمت، وتلاشى غضبه المكتوم في واقع أقرب إلى الخيال. أهو المحال. ؟ المفاجأة الخيال؟ الواقع؟. الحقيقة. ؟ الحلم. ؟ أين هو الآن؟ وللمرّة الأولى يشعر بالخسائر المادّية التي تعرّض لها بسبب بغداد واحتراق بيروت. لو كان هناك خير يُرجّى من نهر جاسم لما غادرها أهلها إلى العشّار والبصرة، وأنت ياداهية مازلت تقولين إنّ قريتنا لاتزيد ولاتنقص مثل بئر زمزم مهما أخذ الحجيج من مائه يظل لاينضب، ومن يفتح عينيه يرى من يهاجرون فيظنّ أنّ القرية سوف تذوب، لكنّه يجد البيوت هنا والناس، وهاهو النّفط يدقّ الأبواب، فهل تكبر أم تنكمش؟ وإلى أين يرحل الوليّ لو تأكدت حكاية النفط؟ وقد ندم المهاجرون بعد أن توالت الانفجارات، وبرزت الفرق في البرّ، فمن باع خسر، ومن لم يبع فاز. الصبر. الدّولة تشتري الأرض بسعر يعادل الذهب. عبد بينك والذهب خطوتان عندئذ ستشتري الدولة الأرض متى تشاء رضيت الدّاهية أم لا، ولاحجر يعرقلك لتبقى، فهل تتبعثر الآمال مثلما يتبعثر الخريف في غضون لحظات، وينقشع صخب الشتاء. البرق…الرّعد…زخّة المطر…وحده في عزلة. كأنّه لعبة عنيفه مثل الخريف، وحين ملت الطّفلة من لعبتها تركتهافي ركن ما، وقد انحسر المطر، الرّعد، وعاد الشّارع إلى سكونه. الأحياء بدوا صامتين، فأين يذهب؟وعلى شفتيه سؤال حائر: لماذا يرحلون، ونظلّ ؟ أما آن للبترول أن ينطق في هذه القرية كي يغادر أهلها إلى أين؟ ماالسرّ الذي جعل أباه لأن يبقى؟ومن هي الدّاهية أمّه؟من تراه يكون الوليّ؟السّكون يخيف. . . السؤال. . . والشّارع حزين يكاد لايشعر بوجوده. أسد بابل. . . تمثال السّيّاب. . . الزّورق. . . الموج. حركة ميّتة. لم يجرّب من قبل النّساء أو الخمرة، ويخشى أن يقدم وحده. كان يسعى إلى حسن مرّة أخرى بعد أن تهرّب منه لاكرها بلقائه، بل خشية من أن يلحّ عليه في الانتساب للحزب، والدّنيا التي تجمعه به زجاجة مصباح، وجلسة هادئة ثمّ لتذهب الدّنيا كلّها بمن فيها إلى الجحيم:

ـ إنّك لم تجرّب الخمرة من قبل!

ـ مادمت معي، فسأكون مطمئنّا.

ـ ماالذي ذكّرك بها اليوم بالذات؟

بهزّة من كتفيه:

ـ العالم كلّه احترق وأريد ان أنسى.

ـ لاتدعها تخدعك وأنت في أوّل الطّريق.

ـ لاأريد أن أفقد بل أنسى. فقط أنسى.

ومع أوّل كأس، والخدر السّاري في الأوصال:

ـ هل جرّبت الحبّ مرّة؟

ـ أنا! أنا! والعياذ باللّه!

ـ لماذا؟

ـ كلّ مصائب العالم من الحبّ. (مستدركا) ثمّ إنّك تعرفني جيدا ولو كان حدث لكنت أنت على علم به.       – هكذا أحيانا نسأل عن أشياء يبدو أننا نعرفها حقّ المعرفة!

ملوّحا بالكأس:

ـ إنّك واللّه سيد العارفين!

ـ على مهلك ستسكر هكذا.

ـ الدّنيا قطار سريع. بصحّتك!

وبعد فترة صمت تخلّلتها همهمة السّكارى وحشرجة   الصّحون، وصوت النّادل وهو يعبر الممر يلبي الطلبات:

ـ هل تعرف شيئا عن عمّي؟

ـ دولة!حكومة!رجل معروف لكنّه بعيد عن الأضواءالسياسية، والمفروض أن تعرفه أكثر منّي فهو عمّك!

ـ لم يخب ظنّ الدّاهية فيه.

ـ ماذا قلت؟

ـ لاشيء سوى أنّ الأمور ستصبح سهلة جدّا. أنا أيضا أكون مهمّا ومعروفا. أراضينا ستباع، وسوف نصبح أغنياء.

ورفع كأسه مشدّدا:

ـ إشرب!

ـ على مهلك!

ـ إسمع هل تتوقع أنّ أراضي نهر جاسم تحتوي على نفط؟

ـ يُقال إنّها تعوم…

-        - لماذا لاتغرق؟

-        - ماذا؟ كأنّك لاتصدق؟

بابتسامة ماكرة:

ـ إذن خلاص. ستشتري الدّولة أملاكنا بميزان من ذهب!

حلم جميل. الثّري يتحوّل إلى مليونير، ونشوة السّكر تمسح عن عينيه أنّ أهل حسن يخرجون صفر اليدين، ولمن؟ ماله ولحسن الآن، ؟ فبقدرة قادر يتحوّل أهل نهر جاسم إلى مليونيريّة كشيوخ النفط وبعد ألف سنة سيحمدهم الناس. يذكرونهم بخير. رضي الله عنهم وأرضاهم. وليس هناك من فقير سوى آل حسن الذي لابدّ أن تنتقل إليهم عدوى الغنى يوما ما. . زوجة الرّوّاس كادت تبيع الأرض قبل بضعة أيّام، وحين سمعت الانفجارات أجّلت البيع، فما أشدّ براءة المرحومة الحاجّة. كان حبيب حمدة مخدوعا. قالت في روايتها الأولى، ياعبد، ياولدي، حمدة بعد أن هرّبت حبيبها من النّسر ليرجع إليها ذات يوم فيخلّصها، حذرته: ها أنا وضعت في خرجك زادا يكفيك الرّحلة كلّها، لكن احذر فسترى في الطريق حوانيت، ومطاعم، وأناسا يوزّعون الماء، وفواكه، وملاهي، وتسمع غناء شجيّا، فلاتصدّق ماتراه عيناك، فكلّ ماحولك وهم من أوهام السّاحر، وحينما توغّل في الصّحراء، ورآى مارآه، حدّث نفسه قائلا أَيعقل أن أحمل كلّ هذا الحمل الثّقيل، وحولي الجنان، وفيها مالذ وطاب من فواكه وأعناب، وطعام وشراب، وحالما رمى زاده ليخفّ حمله، فجأة اختفى ماحوله. أيعقل ذلك ياأمّي الحاجّة، وأنت اكتشفت النّفط قبل وصول البعثة إليها، والخمرة بلون الماء، فإذا أضفتُ لها ماء صارت بلون الحليب، كيف ياأمّي يمتصّ النّخيل البترول تحته، ونحن نصدّره إلى الصين والأمريكان، والدّنيا كلها فيشتمّون في البلح رائحة غريبة!!

ـ تخيّل ياحسن!أمّي الحاجّة !

ـ قلت على مهلك!

ـ حسن! تخيّل أمّ الرّوّاس تبيع أرضها بمليون دينار. الدينار ثلاثة دولارات. ثلاثة ملايين بيد أمّ الرّوّاس، ويحقّ لها أن تدخل نادي المليونيريّة مع الشّاه وأوناسيس. . إيه. .

بهزّة من كتفيه:

ـ وماذا يهمّك منها؟

ـ أسأل نفسي بكم نبيع أراضينا نحن بيت النّمر بالقياس إلى أرض أمّ الرّوّاس الصغيرة؟

ـ على أيّة حال أنت لآن غنيّ من دون الحاجة إلى بيع.

ـ بالوقت نفسه لست مثل عمّي.

وكرع كأسا أُخرى وأضاف:

ـ بخصوص انتمائي للحزب.

ـ كلام جدّ؟

ـ قلت ليس هناك من مانع.

ـ تعدني أنّه ليس…

ـ مازلت صاحيا…

ومع آخر كأس لم يعد يشعر بالأرض. تلاشت الحانة أمام عينيه، كما اختفى الصّخب، وعنف الشّتاء بلحظة واحدة. ظلمة. عتمة، واسترخاء تام، وبين وقت وآخر غيبوبة ودوار، واستيقظ على ضعف وصداع في ضحى اليوم التالي، وكان كمن خرج من معركة هدّت قواه، فعرف أنّ إفراطه في الشّرب، للمرّة الأولى، فضحه. كيف غاب عن الوعي، وكيف وصل إلى البيت؟ فلا بدّ من أن يتدفق خيط الذكريات بتؤدة حالما يستعيد قواه. أكثر شيء يضايقه غضب الدّاهية عليه، وقد اتضح لحظتها أنّ الغضب الموعود تلاشى بالصّمت، والتّجاهل. أعرضت عن الكلام معه، وما أثقل الصمت. وحيد في زنزانة. يأتيه الطّعام من طاقة في الحائط. وخلال الصمت يذوب طعم الكلام، وحلاوته. هو التجاهل، سيفك ياداهيه، والحلم الغريب الذي يراه أقرب إلى شفتيك المطبقتين: جدّه تمثال على الرّصيف. المارّة تماثيل تدور حوله. الشّوارع التحمت جميعها بدرب واحد معبّد مثل المرآة. الأرض كلّها سكتت، على حافة هاوية لايعرف مابها. صمت مطبق، وفجأة…يظهر كلّ مافي الكون يتكلم. العالم ينقلب إلى صوت صاخب. التماثيل تزعق. الطّيور تطلق صراخا. الأشجار تُخشخش. الطيّارات الواقفة تعوي. كلّ شيء حتّى النّمل. الحشرات تصرخ. تزعق. ماعدا الدّاهية لاذت بالصّمت. لم تكن بعيدة عنه لكنّها تجاهلته. ولو انتبه لوجدها تنظر إليه من طرف خفيّ، أمّا هو فكان يصرخ بصوت عال. همّ أن يهرب من المكان ذاته إلى آخر مجهول لايعرفه، وإذا به يعجز عن الرّكض إذ تحجّر نصف وجهه، وجسده، فأخذ يزعق ويضرب بيديه ورجليه الأرض الإسفلتيّة، فاستفاق من حلمه الغريب، وكان جسده مبتلاّ بالعرق، وما أشدّ انتظار الصباح، وماأطول الليل. مهما يكن فلابدّ من أن تكلمه الدّاهية، وإلا سوف يقتله الصّمت، وتعاوده الكوابيس كلما استسلم للنّوم. كان يأخذ يدها فيلفها على وجهه وشفتيه ثمّ يهتف متذللا:

ـ أرجوك ياداهية كلميني!

وحين طال صمتها، ازداد رجاؤه:

ـ لو سكتت الدّنيا كلها لما باليت إلاّ أنت ياداهية.

فنظرت إليه مشفقة، وقالت:

ـ أهذا هو ابن الوليّ؟سكران يسبح في قيأه!

ـ أعترف أنّي أخطأت.

ـ من كان معكما؟

ـ نحن وحدنا" قالها وعيناه إلى الأرض".

ـ الحقّ إنّي كنت غاضبة على حسن لولا أنّه أخبرني أنّك أجبرته وكان يخشى عليك من أن تجلس في الحانة وحدك، فتفقد وعيك ولاأحد معك.

ـ كنت متعبا بسبب ناهدة.

رقص أمام عينيها ثانية الملح، والتمتمات، وامتدت يدها تثقب سراويله وملابسه لتدسّه فيهما من الدّاخل، وتمتمت بابتسامة لم تفصح عن أيّ غضب أو رضا:

ـ الحمد للّه على رحيلهم. اتّصلت بي زوجة عمّك، وودّعتني قبل سفرها. سلام مجاملة.

ـ أمر غريب. دائما أفكّر لماذا رحل عمّي، ولأيّ سبب.

ـ عمّك مغلق مثل اليهود. ذئب. ثعلب. ولو أنّ الأخبار تسرّبت إليّ من أمّ جميلة على لسان زوجها وحلفتني ألا أذكر الخبر لأيّ غريب أنّه رحل لكونه محسوبا على الشّخصيّات المقرّبة من الرّئيس السّابق قبل أن يقع الفأس بالرّأس.

ـ كلّ احتمال وارد، وكما لو أنّ خدرا دبّ في أوصاله:

ـ ألم تحمل لي سلاما من ناهدة؟

فكسرت تقطيبها بابتسامة:

ـ أنت مثل الديك يموت، وعينه ترنو إلى المزبلة.

لم يعلّق خجلا، وواصلت:

ـ النّساء كثيرات كثر التّراب، وابنة عمّك ليست آخر امرأة في هذه الدّنيا، ورحم اللّه أمّك الحاجّة حين قالت عنهنّ إنهنّ مجرّد أصباغ.

ـ معك حقّ ياداهية.

ـ دع الأمر لي فعروستك جاهزة!

يعرفها جيدا. تظلّ تلحّ. الحاجّة المرحومة لاتنال الراحة روحها التي تظلّ تحوم حول البيت حتى يتزوّج عبد الغالي، فتمطر الدّنيا على قبرها، ليعود السؤال القديم من جديد:

ـ مارأيك هل أزور أمّ مصعب.

نفث الهواء، وقال وهو يتمطّى:

ـ قلت الرّأي رأيك.

فصمتت لحظة، ثمّ خطت إلى الرّفّ حيث المصحف، وعادت تضعه أمامه قائلة:

ـ أقسم لي أنّك لن تعود إلى المحرّمات مرّة أُخرى.

فسارع من دون تردّد:

ـ أقسم.

وكان يخرج إلى البستان بعد عشرة أيّام من صمت الدّاهية عليه، وقد انزاح ثقل عظيم عن صدره، وكأنّ الدّنيا كلها بأناسها، وأشجارها، وحيوانها، وجمادها رضيت، برضا الدّاهية عنه.

 

د. قصي الشيخ عسكر

...................

حلقة من رواية: نهر جاسم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (18)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والروائي المتألق قصي الشيخ عسكر
تقديري لهذا السرد المتواصل والمتجدد أسلوبا وحكايات ..
وإحترامي لهذه القابلية الفذة في نقل الوقائع بحرفية متميزة وإمتاع ظاهر للعيان ..
تحياتي لهذا السيل من التشويق الذي ملأ سطور روايتك وغمرها بفيض من حزن وجمال ..
دمت بخير أيها الروائي المبدع
أخوك معن

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية واحترام
سرد سلس رائق ومشوق سابحث بجد عن هذه الرواية احييك د قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة بان الخيالي
شكرًا لثقتك العالية وتقديرك للرواية
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

الى الباسق شعرا والمتكامل اخلاقا ومودة الشاعر معن الماجد

أشكرك ايها العزيز على رأيك في الرواية وامل ان ننال رضاكم دوما
اخوك قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

كانت الحرب مقياسا لتحمل للانسان و لمواجهة الواقع القاسي. فالحياة اصلا معركة ضد الظروف. و لكن في هذا العمل الذي قرأتع في العام المنصرم تتحول الحرب لمرآة نرى فيها انفسنا. فقد استعملها الكاتب بمثابة نقطة تنوير يكشف بها بعض التفاصيل من حياة شخصياته و اطوار مدينته.

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الدكتور صالح الرزوق
لك مني كل تقدير واحترام
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الاعز صالح الرزوق
الرواية اذ تنال رضاك يعني انها رواية حقا
اخوك قُصي

This comment was minimized by the moderator on the site

لن يخلو العراق يوماً من الكبار، ابداعاً شعرياً وروائياً وفناً من كل نوع. هذه القابلية الروائية سرداً وحكايةً، أحداثا وشخصيات، ولغة ثريةً، واثارةً محكمة، وحبكة قصصية متماسكة، خلق كل ذلك هذه الرواية التاريخية الاجتماعية السحرية. موهبة فذة، ومقدرة كبيرة، وادوات فنية غزيرة خلقتها لتقدم لنا هذه التحفة.
كبير كبير كبير.
محبتي

This comment was minimized by the moderator on the site

عفوا الاستاذ الشاعر والأديب الكبير عبد الستار نور علي
تشرفني كلمتك وأعدها تاجا لي
اخوك قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

قصي الشيخ عسكر الروائي والشاعر المبدع
ودّاً ودّا

تتصاعد الرواية متوغلةً في الزمن كأنها تؤرخ تحولات قرن كامل ,
وليس هذا الصنيع بالفعل السهل .
ان رواية نهر جاسم تحفر في جزء لا يتجزأ من البصرة ولكنَّ ظلال
الأحداث تغطي العراق بالكامل .

دمت في صحة وإبداع أيها السارد المبدع .

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع حقا جمال مصطفى
ودا ودا
لك الشكر الجزيل لاهتمامك ومتابعتك ما انشره من حلقات
اخوك قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الكبير د . قصي عسكر : تحية صادقة واعتزازي الكبير .
أنا دائما أقرأ ما تنشره من شعر ونقد وسرد روائي وكنت أتحاشى التعليق لكنني هذه المرة وجدت بي رغبة أن أنقل لك إعجابي الكبير بأسلوبك الرائع الذي جسّدت فيه جانبا مهما من تاريخ مسقط رأسك نهر جاسم .

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدتي العزيزة بتول شامل
انا ممتن لهذا الطيب الذي تغمرينني به أمل ان نكون عند حسن الظن
أشكرك جدا
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

أن يُطلق توصيف " السهل الممتنع " على النص الأدبي العالي الإبداع في جوهره والسهل في ظاهره ، فأمر عرفناه في الشعر ـ وهو نوع لا يجيده إلآ الراسخون في الشعر ... أما السرد الروائي الذي يمكن توصيفه بالسهل الممتنع ، فهو قليل ـ وأخي الأديب الكبير د . قصي عسكر من بين القلة التي يتسم سرده الروائي بالسهل الممتنع ـ ودليلي روايته عن نهر جاسم .
شخصيا ، وأنا أقرأ هذه الفصول من الرواية ، أشعر وكأنني أتجول بين بساتين ومزارع الحنّاء ودرابين المدينة / الناحية / القرية / القصبة ، وأسمع مايدور في مضائفها من حكايات ، بل وأكاد أشمّ رائحة تنانير خبزها ... وباختصار : وأنا أقرأ ، أقول في قرارة نفسي : هذا السرد بسيط شبه عفوي ـ ولكن لماذا يتعذّر عليّ وعلى مثلائي كتابة مثله ؟
*
ها أنا الان ترجع بي الذاكرة الى أواخر وأوائل الخمسينيات الميلادية حين كان غداؤنا وعشاؤنا لا يتعدى " المصموطة " و " الطبيخ والروبة " وأحيانا الخبز والشاي وما تجود به علينا دجاجات البيت من بيض قليل ، فأتذكر أننا كنا أكثر عافية من اليوم رغم أن طعام كثيرين منا أصبح اللحم والخضار والقيمر والعسل ولا تخلو مائدتنا من الفاكهة ... فأين الخلل ؟
الخلل على مايبدو في غياب الطمأنينة وراحة البال وفي القلق الذي أتخمتنا به الحروب ـ ..

كل هذا يختصره المبدع الكبير د . قصي في سطر من السهل الممتنع كهذا :

" من قبل لم يكن لينعب غراب. الافاعي والعقارب خلت من السّموم، والعقول والأفكار لاتعرف الهموم

*

شكرا سيدي الأخ والصديق الأديب الكبير .

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا القدير الشاعر الأعظم يحيى السماوي
نصي يقف بين يديك فيشعر بالفخر لان أديبا كبيرا لا يجاريه احد يهتم بهذا النص انه فخر لكل أديب ان تبدي وجهة نظرك فيه فأنت الفيصل العادل العالم أضف الى ذلك الشاعر العظيم
دمت سندا وذخرا لنا
اخوك وتلميذك قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

هذي الرواية وبالذات لو أصبح عمرها مئة عام ستبقى الرواية التي تتسيّد الروايات العربية ، والتي تتمحور حول السياسة العربية عامة والعراقية خاصة ، والتي تتوغل حتى نخاع الأنظمة الفاسدة ، والتغيير في كل شيء ، وتهميش دور الإنسان ( المظلوم ) في خانة الحرب والدمار ..


أستاذي القدير الرائع د. قصي الشيخ عسكر الشاعر المبهر والروائي المدهش ، مساء الورد لك ..

في كل مرة تبرع وتبرع وتبرع ، انا ارى ومتاكدة أن الكثير يشاطروني الرأي ، أن جائزة نوبل للأدب يجب أن تذهب لهذي الرواية ولك أستاذي المبدع ، تستحق وبجدارة لأنك رمز عربي قدير

لك كل تقدير وتحية وسلام ..

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
في هذا الفصل بالذات يملك خاصية ابداعية في المتن الروائي وتقنياته الفنية والتعبيرية في صياغاتهما . هي وصول عقدة الاحداث , او ازمة الاحداث الى الذروة الدراماتيكية . وفي هذا الفصل تتجلى القدرة الابداعية ومهارتها في النص السردي التعبيري , في معالجة العقد والازمات في النص الروائي . امامه حلول ابداعية تتمخض بطريقتين في ادارة دفة الصراع الفضاء الروائي الى نهاياته , اما ان يلجأ الى المعالجات السهلة والبسيطة , ويختمها بالنهاية , مثل نهايات الافلام الهندية والمصرية , بالنهايات السعيدة , وتحول المعاناة والدموع , الى فرح وابتسام , وهذه الطريقة الكلاسيكية عفا عليها الزمن , وتطورات التقنية في الفن الروائي المعاصر , لانها هذه الطريقة الكلاسيكية , تقل من قيمة الابداع والمبدع , وتقل من القيمة الابداعية للكاتب الروائي , واما الطريقة الثانية , ان يجعل الجراح والمعاناة مفتوحة الافاق على كل الاحتمالات , وتوسيع رقعة الفضاء الروائي وتمدد مساحاته , اي توسيع رقعة العقدة او الازمة . في المعاناة المتجمعة بالضغوط والتمدد , وابرز هذه العقد في ازمتها المتواصلة هي : ! - موت الداهية وترك ( عبد ) يخوض غمار الحياة وحده . 2 - الضغوط الهائلة على ( عبد ) في تسجيله ضمن الحزب الحاكم , لتفادي المخاطر الجمة عليه . وهذه المعاناة المريرة من الحكم الشمولي , عانى منها العراقي المرارة والحنظل , معاناة جمة في اجباره في الانخراط بحزب السلطة , بالترهيب والترغيب , وهذه المعاناة جماعية , وما قرية نهر جاسم إلا صورة مصغرة من الصورة الكبيرة التي اسمها العراق . 3 - تغيير رأس النظام بالاستقالة او الاجبار في تنحية البكر وتولي صدام دفة الرئاسة العراقية . وهذا التوسع في رقعة مساحة الصراع او العقدة , بأنها اصبحت جماعية عامة في المشكلة العراقية , وما قرية نهر جاسم , إلا جزء من الكل , او العقدة الاشمل في الازمة . هذه الروعة الابداعية , بأن افاق ادارة الصراع , خرجت من قرية نهر جاسم الى الافاق الاوسع , او الرمز التعبيري الاوسع والاشمل , وهو العراق , وهي براعة ابداعية متمكنة , بربط الجزء بالكل
ودمت بخير وعافية

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الناقد الكبير جمعة عبد الله
تحية الشوق والتقدير
الاحتمال الثالث يرد في الصفحات القادمة أمل اني أستطيع ان ارسلها الى المثقف الأسبوع القادم
تقديري أيها العزيز
قُصي عسكر

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4392 المصادف: 2018-09-14 08:59:07