المثقف - نصوص أدبية

حوارٌ مُنفَرِد

عدنان الظاهر1 ـ النخلةُ ظلٌّ ممدودٌ في داري

فيها ما فيها فاهززها

تسّاقطْ أحياءَ

في سَفَرٍ قسريٍّ مجهولِ

يصطفّونَ أمامَ مليكِ خمورِ النورِ ضيوفا

تندارُ الأكؤسُ هَمسا

تتوهجُ رأساً رأسا

تترنّحُ أقداحا

إطفئ مصباحا

الليلُ نديمُ خمورِ السُمّارِ

وصريرُ طواحينِ هواءِ

إترعْ واجرعْ  ذاتكَ كأسا

شمساً ـ ظلاّ أو قرطاسا

نوراً يتكسّرُ مِصباحا ...

لا حدَّ لطغيانِ النارِ إذا شبّتْ

كُبرى كانتْ أو صغرى

غَدرُ الدنيا أكبرُ من غدرِ النارِ

 

2ـ أوفيليا

(أُدخلي جنّتي وادخلي في عبادي)

جسدٌ يتساقطٌ أوراقَ خريفٍ

روحٌ يتآكلُ أقساطا

ظِلٌ يتهاوى ألواحا

يحيى ذكرى أحلى طَعْما

[مرّوا بِنا مِنْ تمشونْ / أغنية عراقية]

ضاقتْ بالدُنيا ذَرْعا

أرختْ أستارَ مخادعها

طَفّتْ أنوارَ المشكاةِ

خفتت أنفاسُ هواجسِ ما في الصدرِ

الدهرُ المتهوّرُ توقيتٌ محسوبٌ

هل أحفرُ ثقباً في مأربِ سدِّ الدمعِ المحبوسِ

أو أقتلُ حُرّاسَ السجنِ وأهربُ من نفسي؟

 

3 ـ الصيف

أُكتبْ عمّا يتراءى في الدنيا

عن آفاقٍ الأصلِ القردي

إفرحْ ودعِ الحُزنَ يقاتلُ حُزْنا

الصيفُ الناريُّ الطبعِ يُبدُلُ أوضاعي

فيهِ سَمَرُ الليلِ وأقداحُ الأفراحِ

والرقصُ الوحشيُّ وهزُّ ثقيلِ الأردافِ

حتّى أنوارِ الفجرِ الماسيِّ شعاعا

تنضجُ فيهِ أزهارُ عبيدِ وعُشّاقِ عيونِ الشمسِ

في الصيفِ أزورُ مقابرَ أهلي

أنقلُ أخباري ضَعْفاً أو بأسا

أسألهم عن وضعِ الراقدِ تحتَ الأرضِ

(أيها الراقدونَ تحتَ الترابِ / من قصيدة للشاعر إيليّا أبي ماضي)

أتحرّقُ للّقيا شوقا

اقضي نصفَ الليلِ أُشاغلُ نفسي

أتظاهرُ بالنومِ

أتقلّبُ أُحصي دقّاتِ القلبِ

أنهضُ أحيانا

أتناولُ كأساً أو أقضي حاجا

الليلُ ثقيلُ

أتمنّى لو أبقى يقظانا.

 

4 ـ تمّت الدائرة

أقفلتُ الدورةَ في بابي

كنتُ الموتَ وكنتُ قُبيلَ الموتِ حياتا

ما الدنيا ما أنتَ وما الباقي

أنتَ وإنّي إنّي أنتا

نُحصي دقّاتِ الساعةِ في جدرانِ الوقتِ

زمنٌ ينشّقُ إلى أكثر من نصفينِ

أسرعْ إفتحْ للفُرجةِ بابا

الضيقُ تفاوتُ دقّاتِ السندانِ

بينَ البُرجِ وأجراسِ كنيسِ القُدّاسِ

نقلتها الريحُ لأمواجِ البحرِ فمدَّ البحرُ وأرغى

الرغوةُ طغيانُ النفسِ (الأمّارةِ بالسوء)

فاصنعْ من صبركَ تمثالا

أسرعْ .. سلّمْ قضبانَ الدفّةِ للراحلِ قبْلا

هوَ أوْلى

أقوى عزْما

سلّمْهُ الدفّةَ فالمحنةُ لا ريبةَ قادمةٌ حَتْما

هذا المجهولُ الخالي يُخفي أكثرَ ممّا يُبدي

يُخفي فيخافُ الأقوى

ويُقيمُ حواجزَ نارٍ من نفطِ الآبارِ

يرفعُ للساقطِ من سقفٍ رأسا

قفْ فوقَ السطحِ وأذِّنْ :

الساقطُ للأسفلِ كالساقطِ للأعلى

ـ شأنَ الفاقدِ وزْنا ـ

السقفُ العالي كالسقفِ الواطي .

***

عدنان الظاهر

آذار 2017

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

كم أُحِبُّ. شعْركَ. ياعدنان.

ولسْتُ. أجامل بل أعني. ما. أقول.

دُمْتَ. صدّاحا. جريحا

This comment was minimized by the moderator on the site

أهلاً بك عزيزي الأستاذ مصطفى علي ...
ما أجمل وما أصدق ما تقول وسروري أني عند حسن ظنك بي .
تصبحون على خير مع الشكر الجزيل.

This comment was minimized by the moderator on the site

إبداع وإمتاع...تحية تقدير
https://www.soufabid.com/

This comment was minimized by the moderator on the site

د. عدنان الظاهر ، الظاهرة الشعرية الفذة ، صباحك كل الخيرات والمسرات شاعرنا القدير ، طيب التحية واغزرها واعمقها على الدوام ..

تندارُ الأكؤسُ هَمسا

تتوهجُ رأساً رأسا

تترنّحُ أقداحا

إطفئ مصباحا

المتتبع لقصائد شاعرنا الكبير سيلمس قوة التراكيب ، والاستخدامات اللغوية الجميلة ، والدوزنة في تتابع الموسيقى ، دائما أقولها أشعار د. عدنان الظاهر جاذبة مغناطيسية من الطراز الأول بطابع مبطن وترميزي ، المفتاح بين السطور ، لمن تكون بصيرته خالية من التعقيدات والحجب ..

الدهرُ المتهوّرُ توقيتٌ محسوبٌ

هل أحفرُ ثقباً في مأربِ سدِّ الدمعِ المحبوسِ

أو أقتلُ حُرّاسَ السجنِ وأهربُ من نفسي؟



أربع رباعيات جميلات ، تتصاعد الاستعارات وتركب المناطيد وتسبح في الغيم ، وقوامها بسيط أستطاع شاعرنا أن يسافر بها وبنا الى حيث مواطن الجمال ، شخصيا اقدر وأثمن هذا النوع من الكتابة ، لأنه لا يعتمد فقط على تجميع وبث ونثر كلمات جميلة ، بل أيضا يحرك الفكر لفك شفرة الحروف والتفتيش عن المُمعّنى والمعنى داخل البنية الشعرية ..

هذا المجهولُ الخالي يُخفي أكثرَ ممّا يُبدي

يُخفي فيخافُ الأقوى

ويُقيمُ حواجزَ نارٍ من نفطِ الآبارِ

يرفعُ للساقطِ من سقفٍ رأسا

قفْ فوقَ السطحِ وأذِّنْ :

الساقطُ للأسفلِ كالساقطِ للأعلى

ـ شأنَ الفاقدِ وزْنا ـ

السقفُ العالي كالسقفِ الواطي .

هذا المقتبس جميل جدا ومفهوم ويحاكي الجميع بلغة دسمة وكبيرة ..

شكرا لك دكتورنا النبيل ، وشكرا لقصائدك الجميلة ، لك التحيات وكل التقدير والسلام ..

This comment was minimized by the moderator on the site

صباح النور والخيرات أستاذ سُوف ...
الإبداع أصلاً فيكم ومنكم إذْ لولاكم لما غرّد بلبلٌ ولا " صفّق جدولُ " كما قال الشاعر المرحوم الأخطل الصغير بشارة الخوري .
شكراً جزيلاً .
عدنان

This comment was minimized by the moderator on the site

السيدة الشاعرة فاتن عبد السلام / تحيةٌ وسلامُ
تقويمك لي ولشعري أكبر وأكثر من قيمتي عند نفسي ...
في شعري أحاول معرفة من أنا وكيف أنا وفي شعري وفي كل ما أكتب أحاول فهم العالم حولي وكشف الوسائل والسبل التي تربطني به وكيف يؤثّر عليَّ وكيف يُعيد تكويني تارة بعد تارة. الذي يتصدى لمهمة كبيرة لكشف المجاهيل وإعادة هندسة وجوده وترتيب القواعد على أسس جديدة عليه أنْ يوظف كل ما يعرف من أدب وشعر وعلم وفلسفة فالمهمة كبيرة وكبيرة جداً . يكتب المرء نفسه ويكتب ما يعرف ويستقرئ ويستلهم المستقبل وما يحمل من مجهولات. المهمة كبيرة قد تكون أكبر من حاملها بكثير لذا قد يخطأ وقد يكبو أو يضعف وقد يشتط ويبالغ ويسرف في القول وعذره أنَّ الرسالة خطيرة وأنَّ المهمة كبيرة حتى لتنوء بحملها الجبال . التفاوت في مستويات القصائد ظاهرة طبيعية معروفة وأكثر ... التفاوت حتى على صعيد القصيدة الواحدة فالشاعر إنسان من لحم ودم يؤثر ويتأثر يضعف ويقوى يأكل وينام مثل باقي البشر. فلا تعجبي أيتها السيّدة إنْ اكتشفت هذا التفاوت بين الأبيات الشعرية قوةً أو ضعفاً صعوداً أو نزولاً فنحن في لغتنا ولغتنا فينا .
أنت المرأة السيّدة الشاعرة القوية في شخصيتها وفي شعرها ومشاعرها وشعرك يعكس هذه القوة .
أجزل الشكر للسيدة فاتنة عبد السلام .
عدنان

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية من سنادس واستبرقات وهذا جمع تهويل !
في المقطع الأول رأيتك متوهجاً في دفق قلبك المتضامىء لحانات روحية دافئة ولذيذة ككاسة لبلبي بالليمون
وأما المقطوعات الأخرى فقد تماهيتَ مع شخوص وأشياء تتداخل وتتخارج نشوى باشياء وأحوال، جميل أني لم ألتقط ما هي تحديداً غير أن الوطن والحب والموت كان الخصم والحكم .....
تقدير ومحبة وتمنيات بعطاء وهناء وصحة ولألاء

This comment was minimized by the moderator on the site

سلامٌ على العامري الغارق بالسندس والإستبرق والسابح بأنهار جنّات النعيم حيث الخمرة ربانيّة الإعداد حوريّة المذاق وحين يعب ويناله التعب يتكئ على أرائك من فضة وريش نعام وزرابي مبثوثة ونمارق منفوخة بغاز الهيليوم يحلّق ولا ينفجر ولا يحترق ....
فسّر يا عزيزي أشعاري كما تحب وكما تشاء وكما يتهيأ لك تجدني معك أسير حيثما سرت وأقف حين تقف وأنشد لك : قفا نبك ...
إنها الدنيا وإنها الحياة يا سامي مثل " صندوق الولايات " زمان طفولتنا ولا أحسبك عاصرته . إنها الحياة مرةً تعتّنا ومرة نحن من يعت ويجرجر حتى يأتي القدر المفعول به والفاعل بنا .....
أشكرك ولا تنس أوفيليا الصبيّة التي قضى عليها وفاؤها لأبيها القتيل فجزعت من الحياة وزهدت بها.
عدنان

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر المبدع د. عدنان الظاهر
مواضيع متنوعة ومتجددة على الدوام
وهذه سمة من سمات شاعريتك

دمت بخير وعطاء مستمر

This comment was minimized by the moderator on the site

جمالك كامل الحُسن فلماذا أنت حُسين ؟ هل هو تصغير تكبير وتعظيم ؟
ما رأي العامري الغارق بالسندس والهندس والإستبرق ؟ يبدو أنه ـ وهو مثلك شاعر ـ يحلم بأجواء وطقوس الجنّة التي أُعدت للمتقين المؤمنين ولسنا منهم ...
أشكرك عزيزي كثيراً وأنت تقول ما أعجز عن قوله .
شوقي لكم ولبرلينكم مع أمل يقوى ويضعف في تنفيذ زيارة لبرلين لأسبوع واحد فقط .
عدنان

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4474 المصادف: 2018-12-05 09:08:46