المثقف - نصوص أدبية

إنسانيّتي والحريّة

جميلة بلطي عطريالمرآة الباهتة المعلّقة على الجدار المتآكل تُخاتل الحزن السّارح في وجهها كلّ صباح، تُزيّن في عينيها القسمات المتعبة، تزوّق الأخاديد محاولة ثني شيخوخة مبكّرة تغزو المحيّا، تلك الفرشاة تحزم أمرها، تتسلّل عبر المسامّ المرهقة حتّى تصل الشّفتين، هناك ترسم شبه ابتسامة، فمٌ مائل تضيع ملامحه بين الحيرة والدّهشة، ذكرى صورة قديمة تطفو على السّطح كلّما وقفت أما هذه المرآة . تمدّ يدها، تمسح بطرف ثوبها البلّور الغائم، يا لهذا الضّباب يعمّي الصّفحة، يفتكّ منها البريق عنوة . تفرك و تفرك ثمّ تعيد المرآة مكانها . في حنجرتها يتدافع الكلام لكنّ الغصّة الدّفينة تكتمه، ذكرى أمّي،  ملامحي وهذه المرآة قصّة العمر يرتشف نفحات بركة سرمديّة، يعقدها كلّ يوم على صدر العناء فيضوع بخور الصّبر بل تتفتّح في الخاطر براعم واعدة تهوّن مشقّة اليوم الجديد.

ما أروع هذا الإحساس الذي ينتابها وهي تحسّ أنّها عانقت الطّيف، أمّها الغائبة الحاضرة وأسقطت أحمال الدّنيا عن مرآتها، صديقتها وكاتمة أسرارها.هذه المرآة تحوّلت أسطورة في ذهنها، طريق الصّراع من أجل البقاء.

هذا الصّباح وهي تمارس طقوسها اليوميّة أحسّتْ خلفها حركة غير عاديّة ثمّ دمدم صوت: هاتي ...مرآة وتجمّل ؟ ما أغرب هذا . من أنت ؟ لعلّك الجوكندا تبهر المرايا فتشتهي أن تعانق صورتها . منْ أنتِ أيّتها الشّقيّة تضيّعين الوقت في ما لا يعني بينما الأعمال تنتظر، تحرّكي أعدّي الحمار والعدّة، يومنا طويل بل يومكِ وجني الزّيتون يحتاج العزيمة، تحرّكي وإلّا...

أعادت المرآة مكانها وهمّت بالمسير في صمت جنائزي...أمّي سأكون كما تريدين أنا الصّبورة، كاهلي معبر الجور وقلبي حوض ينطفئ فيه منجنيق الغضب . مدّت ساق العناء وتوكّلت لكنّ صوتا معربدا لاحقها،انفجار اهتزّ له كامل جسدها. التفتت فرأتها، مرآتها، تتطاير جذاذا يغطّي الأرض الصّلبة.أحسّت أنّ قلبها انتزع من موضعه، اضطربت ساقاها وكادت تقع، همّت بالصّراخ لكنّ الصّيحة ماتت على شفتيها، تمتمت في ذهول أمّي، أمّي ثمّ صمتت . هي تعلم ما ستكون النّتيجة لو تكلّمت. هذا الجلف لا يحسن التّحاور بل لا يعرفه، إنّه مجرّد عصا غليظة تنهال على الظّهور كلّما أحسّ اعتراضا، هذا الجلف زوجها الذّي افتكّ منها كلّ شيء حتّى لسانها فما عادت قادرة على النّطق أمامه.

قال: لِمَ توقّفت ؟ تكاد الشّمس تبزغ وأنت بعدُ هنا، لعلّكِ تريدين أن يضيع منّي اليوم أو تطمعين في أن أجلب لكِ المعاونين، يا خيبتي فيك، لقد غرّر بي مَنْ دلّني عليك . قال: هي يتيمة وعاقلة وخدومة وستجد فيها كلّ ما تطلب وها أنتِ تقفين أمامي والنّهار ُيسابقني إلى ضياع الوقت والمال.

لمْ تدرِ ماذا حلّ بها، إحساس وحيد انتابها في تلك اللّحظات وهي ترى مرآتها، أمّها، متناثرة على أرض الغرفة، أحسّت أنّ شيئا يُسمّر ساقيها، يشلّ حركتها لتسري من الأرض صرخة تتلبّس بشريانها ثمّ تحتلّ كامل جسدها، حرارة تتكوّر كما كرة الثّلج ثمّ تتحوّل عند شفتيها بركانا هادرا.صّوتا جامحا بكلّ ما فيه من عذابات الأيّام، من الصّبر المهدور تحت سنابك الطّاعة المقيتة، ذا ك الخوف الذي دجّنها وسلب منها إنسانيّتها.

رمقته بعينين تتطايران شررا ..ماذا تريد منّي أيّها ال...جحظت عيناها وهي تسمع صوتها مدوّيا لكنّ قلبها اهتزّ . مازلتُ حيّة، نعم مازلتُ...ارتجف جسدها، قشعريرة انتابتها لم تجد لها تفسيرا أ تراها الفرحة، الغضب أم الخوف ....هي تعرف ردود فعله التي طالما عانت منها كلّما نبست بلفظ لكنّها تمالكت...لن أخافك بعد اليوم، هذا اليوم الذي فقدت فيه نافذتي الوحيدة، مرآتي، ملامح أمّي التي تعيدني إليّ في كلّ مرّة فأشعر أنّني بعد قادرة، أنّني إنسانة..

نظر إليها في استغراب وعقد جمعيه استعدادا للهجوم لكنّ صوتها ازداد ارتفاعا، حذاِر أن تتقدّم خطوة، اليوم انتهى زمن العبوديّة وأنتَ تراني الآن خارج الحياة، خارج قبضتك، مجرّد شظايا موزّعة على الأرض ...ما عاد يهمّني شيء، لا أنت ولا قوّتك ولا هذا البيت الذي يدّعون أنّه ملاذي وستري، اليوم سأنبذ كلّ المقولات التي ارتهنت شخصي وضعتُ بسببها في دوّامات الطّاعة العمياء فضاعت منّي إنسانيّتي وذابت شخصيّتي تحت سنابك قهرك، لقد حرمتني مِنْ كلّ شيء، أمتّ فيّ كلّ شيء، حوّلتني إلى آلة تُبرمجها كما يحلو لك، نعم تفعل فِيّ كلّ ذلك وأنتَ مطمئنّ . ألم يقولوا لك إنّها يتيمة، وحيدة، مقصوصة الجناح وستكون بين يديك عجينة طيّعة تشكّل منها ما لذّ وطاب وقد كنتُ فعلا كذالك بإرادتي وقد توهّمتُ أنّني في يوم من الأيّام سأوقظ فيك الإنسان، توهّمتُ أنّ العشرة تولّد الحبّ وأنّك ستحبّني عندما تكتشف مزاياي، نعم أنا اليتيمة علّموني قبل الرّحيل أن أكون عاقلة صبورة وأن أتناول الأمور بالحكمة، أن لا أتسرّع وأن تكون ردود فعلي مدروسة حتّى لا أخطئ وأندم لكنّني اليوم تيقّنتُ أنّ الحكمة لا تنفع مع الجاهلين وأنّ الصّبر يلفظ أنفاسه في رحاب العسف والضّيم .

اليوم ستراني كما لمْ ترني في حياتك. اليوم أكسرُ أمامك القمقم،أطلّقُ العبوديّة وأتحدّاك بعد أن نفضتُ يدي منك أيّها اللعين الأحمق، ما تخيّلتني يوما أتحدّث بهكذا لغة لكنّك أجبرتني وسرتَ إلى حتفك بظلفك، أنا المرآة المشروخة سأكون عذابك في الدّنيا ومصيرك في الآخرة . تأمّلني جيّدا واستمعْ: لا ضعف ولا ذلّ بعد اليوم، تمعّنْ سترني عنقاء تنفض رماد الموت وتضرب بالجناحين لتُطلّق قفص الاستعباد.أنا المرآة المشروخة سأجمّع رذاذي المتناثر، أنظمه عقد عتق وأبصم عليه: أنا الأنثى الحرّة أضحّي من أجل إنسانيّتي والحرّيّة.

فغر فاه كمن سقطت عليه صاعقة من حيث لا يحتسب، كوّر جمعه وحاول التّقدّم لكنّ ساقه المغروسة في الدّهشة حالت بينه وبين الحركة في حين نظرت إليه شزرا والشّرر يتطاير من عينيها ثمّ عانق بصرها الشّمس البازغة ومدّت الخطو تستقبل مولدها الجديد .

 

جميلة بلطي عطوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

نص جميل جدا اوله يشبه نص لي نشرته في جريدة المشرق وربما في جريدة الزمان وجه في المرأة. استرسالك في الموضوع اعجبني. دمت. للحرف الأنيق مع الود.
سمية العبيدي

This comment was minimized by the moderator on the site

الراقية سميّة العبيدي مساء الخير
أشكرك جدا صديقتي على المتابعة والتثمين غير أني لم أنل شرف قراءة نصّك وأكون سعيدة لو مكتني منه
دمت رفيقة الحرف أيّتها النبيلة
مودّتي .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4511 المصادف: 2019-01-11 09:18:22